Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب الهبة
والتسليم، ويستوي فيه الجواب في هبة المشاع بين أن يكون من أجنبي أو من شريكه، كل
ذلك [لا](١) يجوز؛ لقول جماعة من الصحابة رضي الله عنهم لا تجوز الهبة إلاَّ مقسومة(٢)
محوزة من غير فصلٍ؛ ولأن المانع هو الشياع عند القبض، وقد وجد، وعلى هذا الخلاف
صدقه المشاع فيما ينقسم أنه لا يجوز عندنا؛ خلافاً للشافعي رحمه الله.
وجه قوله إن الشياع لا يمنع حكم التصرف، وهو الملك، ولا شرطه وهو القبض، ولا
يمنع جوازه کالمفروض.
ولنا: أن القبض شرط جواز الصدقة، ومعنى القبض لا يتحقق في الشائع، أو لا يتكامل
فيه؛ لما بينا في الهبة، ولأن التصدق تبرعٌ كالهبة، وتصحيحه في المشاع يصيرها عقد ضمان،
فيتغير المشروع، على ما بينا في الهبة.
ولو وهب شيئاً ينقسم من رجلين؛ كالدار والدراهم والدنانير ونحوها، وقبضاه، لم يجز
عند أبي حنيفة، وجاز عند أبي يوسف ومحمد، وأجمعوا على أنه لو وهب رجلان من واحد
شيئاً ينقسم وقبضه؛ أنه يجوز، فأبو حنيفة يعتبر الشيوع عند القبض، وهما يعتبرانه أنه عند
العقد والقبض جميعاً، فلم يجوّز أبو حنيفة هبة الواحد من اثنين؛ لوجود الشياع وقت القبض،
وهمَا جَوَّزاها لأنه لم يوجد الشياع في الحالين، بل وجد أحدهما دون الآخر، وجوزوا هبة
الاثنین من واحد.
أما أبو حنيفة رحمه الله فلعدم الشيوع في وقت القبض، وأما هما فلانعدامه في الحالين؛
لأنه وجد عند العقد ولم يوجد عند القبض، ومدار الخلاف بينهم على حرف، وهو أن هبة
الدار من رجلين تمليك كل الدار [لهما](٣) جملة، أو تمليك [النصف] (٤) من أحدهما والنصف
من الآخر، [فعند أبي حنيفة تمليك النصف من أحدهما، والنصف من الآخر،](٥) فيكون هبة
المشاع فيما ينقسم؛ كأنه أفرد تمليك كل نصف من كل واحد منهما بعقد على حدة، وعندهما
هي تمليك الكل منهما، لا تمليك النصف من هذا والنصف من ذلك، فلا يكون تمليك
الشائع، فيجوز.
وجه قولهما إن العمل بموجب الصيغة هو الأصل، وذلك فيما قلنا؛ لأن قوله: وهبت
هذه الدار لكما (٦) هبة، كل الدار جملة منهما، لا هبة النصف من أحدهما والنصف من الآخر؛
(١) سقط من ط.
(٢) في ط: مقبوضة.
(٣) سقط من طـ.
(٤) سقط من ط.
(٥) بدل ما بين المعكوفين في أ: فعنده أنها تمليك النصف من كل واحد.
(٦) في ط: كلها.

١٠٢
كتاب الهبة
لأن ذلك توزيع وتفريق، واللفظ لا يدل عليه، ولا يجوز العدول عن موجب اللفظ لغةً إلا
لضرورة الصحة، وفي العدول عن ظاهر الصيغة لههنا فساد العقد، بسبب الشيوع، فوجب
العمل بظاهر الصيغة؛ وهو تمليك الكل منهما، وموجب التمليك منها ثبوت الملك لهما في
الكل، وإنما يثبت الملك لكل واحد منهما في النصف عند الانقسام؛ ضرورة المزاحمة،
واستوائهما في الاستحقاق؛ إذ ليس كل واحد منهما أَوْلَى من الاخر؛ لدخول كل واحد منهما
في العقد على السواء؛ كالأخوين في الميراث عند الاستواء في الدرجة؛ أن الميراث يكون
بينهما نصفين، وإن كان سبب الاستحقاق في حق كل واحد منهما على الكمال، حتى لو انفرد
أحدُهما يستحق كل المال، وإذا جاءت المزاحمة مع المساواة في الاستحقاق، يثبت عند
انقسام الميراث في النصف.
وكذا الشفيعان يثبت لكل واحد منهما أخذ نصف الدار بالشفعة؛ لضرورة المزاحمة
والاستواء في الاستحقاق، وإن كان السبب في حق كل واحد منهما صالحاً لإثبات حق الشفعة
في الكل، حتى لو سلم أحدهما يكون الكل للآخر.
وعلى هذا مسائلٌ، فلم يكنِ الانقسام على التناصف موجب الصيغة، بل لتضايق المحل؛
لهذا جاز الرهن من رجلين، فكان ذلك رهناً من كل واحد منهما على الكمال؛ إذ لو كان رهن
النصف من هذا والنصف من ذلك لما جاز؛ لأنه يكون رهن المشاع، لهذا لو قضى الراهن دين
١٩٠/٣ب أحدهما كان للآخر [حق](١) حبس الكل، دَلَّ أن ذلك رهن الكل من كل واحد منهما كذا
هذا .
وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن هذا تمليك مضاف إلى الشائع، فلا يجوز؛ كَمَا إذا
ملك نصف الدار من أحدهما والنصف من الآخر بعقد على حدة، والدليل على أن هذا تمليك
مضاف إلى الشائع . أن قوله ((وهبت هذه الدار منكما)»؛ إما أن يكون تمليك كل الدار من كل
واحد منهما، وإما أن يكون تمليك النصف من أحدهما والنصف من الأخر، لا سبيل إلى
الأول؛ لأن الدار الواحدة يستحيل أن تكون مملوكة لكل واحد منهما على الكمال، والمحال،
لا يكون موجب العقد، فتعين الثاني؛ وهو أن يكون تمليك النصف من أحدهما والنصف من
الآخر؛ لهذا لم يملك كل [واحد](٢) منهما التصرف في كل الدار، بل في نصفها.
ولو كان كل الدار مملوكاً لكل واحد منهما لملك؛ وكذا كل واحد منهما يملك مطالبة
صاحبه بالتهايؤ أو بالقسمة؛ وهذا آية ثبوت الملك له في النصف، وإذا كان هذا تمليك الدار
(١) سقط من طـ.
(٢) سقط من طـ.

١٠٣
كتاب الهبة
لهما على التناصف، كان تمليكاً مضافاً إلى الشائع؛ كأنه أفرد لكل واحد منهما العقد في
النصف، والشيوع يؤثر في القبض الممكن من التصرف على ما مَرَّ، وقد خرج الجواب عن
قولهما إن موجب الصيغة ثبوت الملك في كل الدار لكل واحد منهما على الكمال؛ لما ذكرنا
أن هذا محالٌ، والمحالُ لا يكون موجب العقد، ولا العاقد بعقده يقصد أمراً محالاً أيضاً، فكان
موجب العقد التمليك منهما على التناصف؛ لأن هذا تمليكُ الدار منهما، فكان عملاً بموجبٍ
الصيغةِ من غير إحالةٍ، فكان أوْلَى، بخلاف الرهن؛ فإن الدار الواحدة تصلح مرهونة عند كل
واحد منهما؛ لأن الرهن هو الحبس، واجتماعهما على الحبس متصورٌ؛ بأن يحبساه معاً أو يضعاه
جميعاً على يدي عدلٍ، فتكون الدار محبوسة كلها عند كل واحد منهما، وهذا مما لا يمكن
تحقيقه في الملك، فهو الفرق، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - إذا وهب من رجلين فقسم ذلك
وسلم إلى كل واحد منهما، جاز؛ لأن المانع هو الشيوع عند القبض، وقد زال.
هذا إذا وهب من رجلين شيئاً مما يقسم، فإن كان مما لا يقسم، جاز بالإجماع؛ لما
ذكرنا فيما تقدم، ثم على أصلهما إذا قال الرجلين: وهبت لكما هذه الدار؛ لهذا نصفها ولهذا
نصفها - جاز؛ لأن قوله لهذا نصفها ولهذا نصفها خَرَجَ تفسيراً للحكم الثابت بالعقد؛ إذ لا
يمكن جعله تفسيراً لنفس العقد؛ [لأن العقد](١) وقع تمليك الدار جملة منهما؛ على ما بينا،
فجعل تفسيراً لحكمه، فلا يوجب ذلك إشاعة في العقد.
ولو قال: وهبت لك نصفها ولهذا نصفها، لم يجز؛ لأن الشيوع دخل على نفس العقد،
فمنع الجواز.
وَلَوْ قال: وهبت لكما هذه الدار؛ ثلثها لهذا وثلثاها لهذا، لم يجز عند أبي يوسف،
وجاز عند محمد.
وجه قول محمد أن العقد متى جاز لاثنين يستوي فيه التساوي والتفاضل؛ كعقد البيع.
وجه قول أبي يوسف أن الجواز عند التساوي بطريق التفسير للحكم الثابت بالعقد؛
وذلك لا يوجب شيوعاً في العقد، ولما فضل أحد النصيبين عن الآخر تَعَذَّرَ جعله تفسيراً؛ لأن
مطلق العقد لا يحتمل التفاضل، فكان تفضيل أحد النصيبين في معنى إفراد العقد لكل واحد
منهما، فكان هبة المشاع، والشيوع يؤثر في الهبة ولا يؤثر في البيع.
ولو رهن من رجلين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه، أو نصفه لهذا ونصفه لذلك على
التفاضل والتناصف، لا يجوز بالإجماع؛ بخلاف ما إذا أبهم؛ بأن قال وهبت منكما؛ أنه
يجوز.
(١) في أ: بل.

١٠٤
كتاب الهبة
ولو وهب من فقيرين شيئاً ينقسم، فالهبة من فقيرين بمنزلة التصدق عليهما؛ لأن الهبة
من الفقير صدقة؛ لأنه يبتغي بها وجه الله تعالى، وسنذكر حكمها إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا يخرج هبة الشجر دون الثمر، والثمر دون الشجر، والأرض دون الزرع،
والزرع دون الأرض، أنها غير جائزة؛ لأن الموهوبَ مُتَّصِلٌ بما ليس بموهوب اتصالَ جزءٍ
بجزءٍ، فكان كهبة المشاع، ولو فضل وسلم، جاز كما في هبة المشاع، ولو تصدق بعشرة
دراهم على رجلين فإن كانا غنيين، لم يجز عند أبي حنيفة، ويجوز عندهما، لأنَّ التصدق على
الغني هبة(١) في الحقيقة، والهبة من اثنين لا تجوز، وعندهما جائزة، وإن كانا فقيرين فعندهما
١١٩١/٣ تجوز؛ كما تجوز في الهبة من رجلين/ وعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان، في ((كتاب
الهبة)): لا يجوز، وفي ((الجامع الصغير)): يجوز.
وجه رواية ((كتاب الهبة)) أن الشياع كما يمنع جواز الهبة يَمْنَعُ جواز الصدقة، على ما
ذكرنا فيما تقدم، ولهُهنا يتحقق الشيوع في القبض.
وجه رواية الجامع وهي الصحيحة أن معنى الشيوع في القبض لا يتحقق في الصدقة على
فقيرين؛ لأن المتصدق يتقرب بالصدقة إلى الله - عزَّ وجلَّ -، ثم الفقير يقبضٍ من الله تعالى؛
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾
[التوبة: ١٠٤] وقال - عليه الصلاة والسلام -: الصَّدَقَةُ تَقَعُ في يَدِ الرَّحْمَن قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ
الفَقِيرِ))(٢) والله تعالى واحدٌ لا شريك له، فلا يتحقق معنى الشيوع، كما لو تصدق على فقير
واحد ثم وكل بقبضها وكيلين؛ بخلاف التصدق على غنيين؛ لأن الصدقةً على الغني [يبتغي بها
وجه الغني](٣)، فكانت هدية [في الحقيقة](٤) لا صدقة، قال - عليه الصلاة والسلام -: الصَّدَقَةُ
يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللهِ تَعَالَى وَالدَّارُ الآخِرَةُ، والهَدِيَّةُ يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ الرَّسُولِ)) وقضاء الحاجة،
والهدية هبة، فيتحقق معنى الشيوع في القبض، وأنه مانع من الجواز عنده.
ومنها القبض؛ وهو أن يكون الموهوب مقبوضاً، وإن شئت رددت هذا الشرط إلى
(١) في ط: ميتة.
(٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٧٥/٣)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن
مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّلير: ((والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق
بصدقة طيبة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا طيباً - ولا يصعد إلى السماء إلا طيب - فيضعها في حق إلا
كانت كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى أن اللقمة أو التمرة
لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم، وتصديق ذلك من كتاب الله العظيم: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل
التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾.
وذكره أيضاً من حديث ابن عباس بنحوه، وعزاه إلى الدارقطني في الافراد.
(٣) في أ: لا يبتغي بها وجه الله.
(٤) سقط من ط.

١٠٥
كتاب الهبة
الموهوب له؛ لأن القابض والمقبوض من الأسماء الإضافية، والعلقة التي تدور عليها الإضافة
من الجانبين هي القبض، فيصح رده إلى كل واحدٍ منهما في صناعة الترتيب، فتأمل.
والكلام في هذا الشرط في موضعين: في بيان أصل القبض؛ أنه شرطٌ أم لا، وفي بيان
شرائط صحة القبض.
أما الأول: فقد اختلف فيه، قال عَامَّةُ العلماءِ: شرطٌ، والموهوب قبل القبض على ملك
الواهب؛ يتصرف فيه كيف شاء، وقال مالِكٌ - رحمه الله -: ليس بشرط، ويملكه الموهوب له
من غيرِ قبضٍ.
وجه قوله إن هذا عقد تبرع بتمليك العين، فيفيد الملك قبل القبض؛ كالوصية، ولنا
إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وَهُو ما روينا أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر - رضي الله
عنهما - اعتبرا القسمة والقبض لجواز النحلى بحضرة الصحابة، ولم يُنْقَلْ أنه أنكر عليهما
مُنْكِرٌ، فيكون إجماعاً.
وروي عن سيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وابن عباس -
رضي الله عنهم - أنهم قالوا: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة (١) ولم يرد عن غيرهم خلافُهُ؛
ولأنها عقدُ تبرع، فلو صحت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم،
فتصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع؛ بخلاف الوصية، لأنه ليس في إيجاب الملك فيها
قبل القبض تغييرها عن موضعها؛ إذ لا مطالبة قبل المتبرع، وهو الموصي؛ لأنه ميت؛ وكذلك
القبض شرط جواز الصدقة، لا يملك قبل القبض عند عامة العلماء.
وقال ابن أبي ليلى وغيرُهُ من أهلِ الكوفة: ليس بشرط، وتجوز الصدقة إذا أعلمت(٢)،
وإن لم تقبض، ولا تجوز الهبة ولا النحلى إلا مقبوضة(٣)، واحتجوا بما روي عن سيدنا عمر،
وسيدنا علي - رضي الله عنهما - قالا: إذا أعلمت الصدقة جازت من غَيْرِ شرطِ القبض.
ولنا: ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ خَبَراً عَنِ اللهِ سُبحَانَهُ وتَعَالَى: ((يَا أَبْنَ آدَمَ، تَقُولُ
مَالِي مَالِي، وَلَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَقْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ))(٤)
اعتبر الله - سبحانه وتعالى - الإمضاء في الصدقة، والإمضاء هو التسليمُ، وَلَّ أنه شرطٌ.
(٢) في أ: مقسومة.
(١) تقدم تخريجه.
(٣) في أ: فأمضيت.
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٧٣/٤) كتاب ((الزهد والرقائق): باب رقم (٢٩٥٨/٣)، والترمذي ٤٤٧/٥٦ كتاب
تفسير القرآن: باب ((ومن سورة التكاثر)) رقم (٣٣٥٤)، (٥٧٢/٤) كتاب الزهد: باب ((مسنه)) رقم
(٢٣٤٢)، والنسائي (٢٣٨/٦) كتاب ((الوصايا)) باب: ((الكراهية في تأخير الوصية)) رقم (٣٦١٣)، وأحمد
(٢٤/٤)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢١١/٢).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
=

١٠٦
کتاب الهبة
وروي عن سيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، وابن عباس، ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم -
أنهم قالوا: لا تتم الصدقةُ الا بالقبض، ولأن التصدق عقد تبرع، فلا يفيد الحكم بنفسه كالهبة.
وما روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي - رضي الله عنهما - محمولٌ على صدقة الأب
على ابنه الصغير، وبه نقول لا حاجة هناك إلى القبض، حملناه على هذا توفيقاً بين الدلائل،
صياناً: لها عن التناقض.
(والثاني)(١): شرائط صحة القبض فانواع:
منها: أن يكون القبض بإذن المالك؛ لأن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في ((باب
١٩١/٣ب البيع))، حتى لو قبض المشتري من غير إذن البائع قبل نقد الثمن، كان للبائع حق/ الاسترداد،
فلأن يكون في الهبة، أوْلَى؛ لأن البيع يصح بدون القبض، والهبة لا صحة لها بدون القبض،
فلما كان الإذن بالقبض شرطاً لصحته فيما لا يتوقف صحته على القبض فلأن يكون شرطاً فيما
يتوقف صحته على القبض أوْلَى؛ ولأن القبض في باب الهبة يشبه الركن، وَإن لم يكن ركناً
على الحقيقة فيشبه القبول في ((باب البيع))، ولا يجوز القبول من غير إذن البائع ورضاه، فلا
يجوز القبض من غير إذن الواهب أيضاً، والإذن نوعان: صريحٌ، ودلالةٌ.
أما الصريحّ فنحو أن يقول: اقبض، أو أذنت لك بالقبض، أو رضيت، وما يجري هذا
المجرى، فيجوز قبضه، سواء قبضه بحضرة الواهب أو بغير حضرته، استحساناً، والقياسُ أن
لا يجوز قبضه بعد الافتراق عن المجلس، وهو قول زفر - رحمه الله؛ لأن القبض عنده ركنٌ
بمنزلة القبول على أحد قوليه، فلا يصح بعد الافتراق عن المجلس؛ كما لا يصح القبول عنده
بعد الافتراق، وإن كان بإذن الواهب؛ كالقبول في ((باب البيع)».
وجه الاستحسانِ ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ حُمِلَ إِلَيْهِ سِتُّ بَدَنَاتٍ
فَجَعَلْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ فَتَحَرَهُنَّ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَقَال: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ))
وَانْصَرَفَ(٢) فقد أذن لهم رسولُ الله - وَّه - بالقبض بعد الافتراق، حيث أذن لهم بالقطع، فَدَلَّ
على جواز القبض واعتباره بعد الافتراق؛ ولأن الإذن بقبض الموهوب صريحاً بمنزلة إذن البائع
بقبض المبيع، وذلك يعمل بعد الافتراق؛ كذا هذا.
وفي الباب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحوه: أخرجه مسلم (٢٢٧٣/٤) كتاب الزهد والرقائق:
=
(باب)) رقم (٢٩٥٩/٤)، والبيهقي (٣٦٩/٣) كتاب الجنائز: باب: ((ما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من
قعر الأمل، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٥/٨، ٣٦) كتاب الزكاة: باب ((ما جاء في الحرص وما يتعلق
بها رقم (٣٢٤٤).
(١) في أ: وأما.
(٣) تقدم.
(٢) في أ: يردهن.

١٠٧
كتاب الهبة
وَأَمَا الدَّلاَلَةُ فهي أن يقبض الموهوب له العين في المجلس، ولا ينهاه الواهب، فيجوز
قبضه استحساناً، والقیاس أن لا يجوز، کما لا يجوز بعد الافتراق، وهو قول زفر، وقد ذكرنا
القياس والاستحسان في الزيادات.
ولو قبض المشتري المبيع بيعاً جائزاً بحضرة البائع قبل نقد الثمن، لم يجز قبضُهُ؛ قياساً
واستحساناً، حتى كان له أن يسترد، وفي البيع الفاسد اختلاف روايتي الكرخي والطحاوي -
رحمهما الله، ذكرناهما في البيوع.
وجه القياس: أن القبض ركن في الهبة؛ كالقبول فيها، فلا يجوز من غير إذن؛
كالقبول(١) (في) باب البيع.
وجه الاستحسان: أنَّ الإذنَّ بالقبض وجد من طريق الدلالة؛ لأن الإقدام على
إيجاب الهبة إذنّ بالقبض، لأنه دليلُ قصد التمليك، ولا ثبوت للملك إلا بالقبض، فكان
الإقدام على الإيجاب إذناً بالقبض؛ دلالةً، والثابت دلالةٌ كالثابت نَصًّا، بخلاف ما بعد
الافتراق، لأن الإقدام دلالة الإذن بالقبض في المجلس، لا بعد الافتراق؛ ولأن للقبض
في باب الهبة شبهاً بالركن، فيشبه القبول في باب البيع، وإيجاب البيع يكون إذناً بالقبول
في المجلس، لا بعد الافتراق، فكذا إيجاب الهبة يكون إذناً بالقبض [في المجلس] (٢)،
لا بعد الافتراق.
ولو وهب شيئاً مُتَّصِلاً بغيره مما لا تقع عليه الهبة؛ كالثمر المعلق على الشجر دون
الشجر، أو الشجر دون الأرض، أو حلية السيف دون السيف، أو القفيز من الصبرة أو الصوف
على ظهر الغنم؛ وغير ذلك مما لا جواز للهبة فيه إلا بالفصل والقبض، ففصل وقبض.
فإن قبض بغير إذن الواهب لم يجز القبض، سواء كان الفصل والقبض بحضرة الواهب
أو بغير حضرته؛ ولأن الجواز في المنفصل عند حضرة الواهب للإذن الثابت دلالة الإيجاب،
ولم يوجد لهُهنا، لأن الإيجاب لم يقع صحيحاً حين(٣) وجوده، فلا يصح الاستدلالُ على
الإذن بالقبض، وَإن قبض بإذنه يجوز استحساناً، والقياس أن لا يجوز، وهو قولُ زفر، بناءً
على أن العقد إذا وقع فاسداً من حين(٤) وجوده لا يحتمل الجواز عنده بحالٍ؛ لاستحالة
انقلاب الفاسدٍ جائزاً، وعندنا يحتمل الجواز بإسقاط المفسد مقصوراً على الحال، أو من حين
وجود العقد بطريق البيان، على اختلاف الطريقين اللذين ذكرناهما في ((كتاب البيع))؛ وكذلك
(١) في ط: الواهب.
(٢) في ط: من.
(٣) سقط من ط.
(٤) في أ: عند.

١٠٨
كتاب الهبة
إذا وهب ديناً له على إنسان لآخر؛ أنه إن قبض الموهوب له بإذن الواهب صريحاً، جاز قبضه
استحساناً، والقياس أن لا يجوز، وقد ذكرنا وجه القياس والاستحسان فيما تقدم، وإن قبضه
١١٩٢/٣ بحضرته ولم ينهه عن ذلك/ لا يجوز قياساً واستحساناً، فرق بين العين والدين.
ووجه الفرق أن الجواز في هبة العين عند عدم التصريح بالإذن لكون الإيجاب فيها دلالةً
الإذن بالقبض؛ لكون دلالة قصده تمليك ما هو ملكه من الموهوب له، وإيجاب الهبة في الدين
لغير من عليه الدين - لا تصح(١) دلالة الإذن بقبضه، لأن دلالته بواسطة دلالة قصد التمليك،
وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يتحقق إلاَّ بالتصريح بالإذن بالقبض؛ لأنه إذا أذن له
بالقبض صريحاً قام قبضه مقام قبض الواهب، فيصير بقبض العين قابضاً للواهب أولاً، ويصير
المقبوض ملكاً له أولاً، ثم يصير قابضاً لنفسه من الواهب، فيصير الواهب على هذا التقدير
الذي ذكرنا واهباً ملك نفسه، والموهوب له قابضاً ملك الواهب، فصحتِ الهبةُ والقبض، وَإذا
لم يصرح بالإذن بالقبض، بقي المقبوض من المال العين على ملك من عليه [الدين](٢)، فلم
تصح الهبةُ فيه، فلا يجوز قبض الموهوب له، فهو الفرق بين الفصلين.
ومنها: أن لا يكون الموهوب مشغولاً بما ليس بموهوب، لأن معنى القبض وهو التمكن
من التصرف في المقبوض لا يتحقق مع الشغل، وعلى هذا يخرج ما إذا وهب داراً فيها متاع
الواهب، وسلم الدار إليه، أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع؛ فإنه لا يجوز؛ لأن الفراغ شرط
صحة التسليم والقبض، ولم يوجد.
قيل الحيلةُ في صحة التسليم أن يودع الواهب المتاع عند الموهوب له أولاً، ويخلى بينه
وبين المتاع، ثم يسلم الدار إليه، فتجوز الهبةُ فيها؛ لأنها مشغولةٌ بمتاع هو في يد الموهوب
له، وفي هذه الحيلةِ إشكالٌ، وهو أن يَدَ المودع يد المودع معنى، فكانت يَدُهُ قائمة على
المتاع، فتمنع صحة التسليم.
وَلَوْ أَخْرَجَ المتاع من الدار ثم سلم فارغاً، جاز، وينظر إلى حال القبض، لا إلى حال
العقد؛ لأن المانع من النفاذ قد زال، فينفذ كما في هبة المشاع.
ولو وهب ما فيها من المتاع دون الدار وخَلَّى بينه وبين المتاع، جازت الهبةُ؛ لأن المتاعَ
لا يكون مشغولاً بالدار، والدار تكون مشغولة بالمتاع؛ لهذا افترقا، فيصح تسليم المتاع، ولا
يصحُّ تسلیمُ الدارِ .
ولو جمع في الهبة بين المتاع وبين الدار الذي فيها، فوهبهما جميعاً صفقة واحدة،
(١) في أ: لا تصلح.
(٢) سقط من ط.

١٠٩
كتاب الهبة
وَخَلَّى بينه وبينهما، جازت الهبة فيهما جميعاً؛ لأن التسليم قد صَحَّ فيهما جميعاً، فإن فرق
بينهما في الهبة، بأن وهب أحدهما ثم وهب الآخر، فهذا لا يخلو إما إن جمع بينهما في
التسليم، وإما إن فرق، فإن جمع جازتٍ الهبة فيهما جميعاً، وإن فرق بأن وهب أحدهما
وسلم، ثم وهب الآخر وسلم، نظر في ذلك، وروعي فيه الترتيب، إن قدم هبة الدار، فالهبة
في الدار لم تجز؛ لأنها مشغولةٌ بالمتاع، فلم يصح تسليم الدار، وجازت في المتاع، لأنه غير
مشغول بالدار، فيصح تسليمه، ولو قدم هبة المتاع، جازتِ الهبة فيهما جميعاً.
أما في المتاع، فلأنه غيرُ مشغولٍ بالدار، فيصح تسليمه، وأما في الدار؛ فلأنها وَقْتَ
التسليم كانت مشغولة بمتاع هو ملك الموهوب، فلا يمنع صحة القبض.
وعلى هذ الأصلَ أيضاً يَخرج ما إذا وهب جاريةً واستثنى ما في بطنها، أو حيواناً
واستثنى ما في بطنه؛ أنه لا يجوز؛ لأنه لو جاز لكان ذلك هبة ما هو مشغول بغيره، وأنها غير
جائزة؛ لأنه لا جواز لها بدون القبض، وكون الموهوب مشغولاً بغيره يَمْنَعُ صحةً القبضِ.
ولو أعتق ما في بطن جاريته، ثم وهب الأم - يجوز، وذكر في العتاق أنه لو دبر ما في
بطن جاريته، لا يجوز، منهم مَنْ قال في المسألة روايتان: وجه رواية عدم الجواز أنَّ الموهوب
مشغولٌ بما ليس بموهوب، فأشبه هبة دار فيها متاع الواهب .
وجه رواية الجواز وهي رواية الكرخي أن حريةً الجنين تجعله مستثنى من العقد، لأن
حكم العقد لم يثبت فيه مع تناوله إياه ظاهراً، وهذا معنى الاستثناء، ولو استثناه لفظاً جازت
الهبة في الأم؛ فكذا إذا كان مستثنى في (١) المعنى.
ومنهم من قال في المسألة رواية واحدة، وفرق بين الإعتاق والتدبير.
ووجه/ الفرق أن المدبر مال المولى، فإذا وهب الأم فقد وهب ما هو مشغول بمال ١٩٢/٣ب
الواهب، فلم يجز، كهبة دار فيها متاع الواهب، وأما الحر فليس بمالٍ، فصار كما لو وهب
داراً فيها حر جالس، وذا لا يمنع جواز الهبة، كذا هذا.
ومنها: أن لا يكون الموهوب متصلاً بما ليس بموهوب اتصال الاجزاء؛ لأن قبض
الموهوب وحده لا يتصور، وغيره ليس بموهوب، فكان هذا في معنى المشاع، وَعَلى هذا
يخرج مَا إذا وهب أرضاً فيها زرع دون الزرع، أو شجراً عليها ثمر دون الثمر، أو وهب الزرع
دون الأرض، أو الثمر دون الشجر، وخلى بجزء بينه وبين الموهوب له - أنه لا يجوز؛ لأن
الموهوب متصلٌ بما ليس بموهوب اتصالَ جزءٍ، فمنع صحة القبض.
(١) في أ: من حيث.

١١٠
كتاب الهبة
ولو جذ الثمر وحصد الزرع، ثم سلمه فارغاً، جاز؛ لأن المانع من النفاذ وهو ثبوت
الملك، قد زال.
ولو جمع بينهما في الهبة فوهبهما جميعاً وسلم متفرقاً، جاز، ولو فرق بينهما في الهبةٍ
فوهب كل واحد منهما بعقد على حدة؛ بأن وهب الأرض ثم الزرع، أو الزرع ثم الأرض، فإن
جمع بينهما في التسليم جازتِ الهبةُ فيهما جميعاً، وَإن فرق لا تجوز الهبةُ فيهما جميعاً، قدم
أو أخر سواء؛ بخلاف الفصل الأول؛ لأن المانع من صحة القبض هنا الاتصال، وأنه لا
يختلف، والمانع هناك الشغل، وأنه يختلف.
نظير هذا ما إذا وهب نصف الدار مشاعاً من رجل ولم يسلم إليه حتى وهب النصف
الباقي منه، وسلم الكل - أنه يجوزُ.
ولو وهب النصف وسلم ثم وهب الباقي وسلم، لا يجوز، كذا هذا، وعلى هذا يخرج
ما إذا وَهَبَ صوفاً على ظهر غنم، أنه لا يجوز؛ لأن الموهوب متصلٌ بما ليس بموهوب،
وهذا يمنع صحة القبض، ولو جزًّ وسلمه، جاز لزوال المانع، والله عزَّ وجلَّ - أعلم.
وعلى هذا إذا وهب دابة وعليها حمل بدون الحمل، لا تجوز، ولو رفع الحمل عنها
وسلمها فارغاً، جاز؛ لما قلنا، بخلاف هبة ما في بطن جاريته، أو ما في بطن غنمه، أو ما في
ضرعها، أو هبة سمن في لبن، أو دهن في سمسم، أو زيت في زيتون، أو دقيق في حنطة -
أنه يبطل.
وَإن سلطه على قبضه عند الولادة، أو عند استخراج ذلك؛ لأن الموهوب هناك ليس
محل العقد؛ لكونه معدوماً [على ما ذكرنا فيما تقدم] (١)؛ لهذا لم يجز بيعها، فلا تجوز هبتها،
وهنا بخلافه؛ على ما تقدم.
ومنها: أهلية القبض وهي العقل، فلا يجوز قبض المجنون والصبي الذي لا يعقل، وأما
البلوغ؛ فليس بشرط لصحة القبض استحساناً، فيجوز قبض الصبي العاقل ما وهب له،
والقياس أن يكون شرطاً، ولا يجوز قبض الصبي وإن كان عاقلاً.
وجه القياس أن القبض من باب الولاية، ولا ولاية له على نفسه، فلا يجوز قبضه في
الهبة؛ كما لا يجوز في البيع.
وجه الاستحسان أن قبض الهبة من التصرفات النافعة المحضة، فيملكه الصبيُّ العاقل كما
يملك وليه ومن هو في عياله؛ وكذا الصبيةُ إذا عقلت، جاز قبضها لما قلنا.
(١) سقط من ط.

١١١
كتاب الهبة
وكذلك الحريةُ ليست بشرطِ، فيجوز قبض العبد المحجور عليه إذا وهب له هبة، ولا
يجوز قبض المولى عنه، سواء كان على [العبد دين أو لا] (١) فالقبض إلى العبد، والملك
للمولى في المقبوض؛ لأن القبض من حقوق العقد،، والعقدُ وقع للعبد، فكان القبض إليه،
ولأن الأصل في بني آدم [هو] (٢) الحرية، والرقُّ لعارضٍ فكان الأصل فيهم إطلاق التصرف
لهم، والانحجار لعارض الرق عن التصرف يتضمن الضرر بالمولى، ولم يوجد، فبقي فيه على
أصل الحرية والمقبوض [من](٣) كسب العبد، وكسب العبد القن للمولى، وكذلك المكاتب إذا
وهب له هبة، فالقبض إليه، ولا يجوز قبض المولى عنه؛ لما قلنا في القن، فإذا قبض
المكاتب فهو أحق به، فلا يملكه المولى؛ لأن الهبة كسبه، والمكاتب أحق باكتسابه.
ومنها: الولاية في أحد نوعي القبض، وجملةُ الكلام فيه أن القبض نوعان:
قبض بطريق الأصالة، وقبض بطريق النيابة.
أما القبض بطريق الأصالة: فهو أن يقبض بنفسه لنفسه، وشرط جوازه العقل فقط؛ على
ما بينا.
وأما القبضُ بطريق النيابة؛ فالنيابةُ في القبض نوعان: نوعٌ يرجع إلى القابض، ونوعٌ
يرجعُ إلى نفس / القبض.
١١٩٣/٣
أما الأول الذي يرجعُ إلى القابض؛ فهو القبض للصبيِّ، وشرط جوازه الولاية بالحجر،
والعيلة عند عدم الولاية، فيقبض للصبي وليه، أو من، كان الصبي في حجره وعياله عند عدم
الولي(٤)، فيقبض له أبوه، ثم وصی أبيه بعده، ثم جده أبو ابيه بعد أبيه ووصيه، ثم وصي جده
بعده، سواء كان الصبي في عيالِ هؤلاء أو لم يكن، فيجوز قبضهم على هذا الترتيب حال
حضرتهم؛ لأن لهؤلاء ولاية عليهم، فيجوز قبضهم له، وإذا غاب أحدهم(٥) غيبة منقطعة،
جاز قبض الذي يتلوه في الولاية لأنَّ التأخير إلى قدوم الغائب تفويت المنفعة على الصغير،
فتنتقل الولاية إلى من يتلوه، وإن كان دونه كما في ولاية الإنكاح، ولا يجوز قبض غير هؤلاء
الأربعة مع وجود واحدٍ منهم، سواء كان الصبي في عيال القابض أو لم يكن، وسواء كان ذا
رحم محرم منه كالأخ والعم والأم ونحوهم، أو أجنبياً، لأنها ليس لغير هولاء ولاية التصرف
في مال الصّبي، فقيام ولاية التصرف لهم تمنع بثبوت حق القبض لغيرهم، فإن لم يَكُنْ أحدٌ
من هؤلاء الأربعة، جاز قبض من كان الصبي في حجره وعياله، استحساناً، والقياس أن لا
يجوز لعدم الولاية.
(١) في أ: المولى دين أو لم يكن.
(٢) سقط من ط.
(٣) سقط من ط.
(٥) في أ: أحد منهم.
(٤) في أ: الولاية.

١١٢
كتاب الهبة
ولا يجوز قبضُ من لم يكن في عياله، أجنبياً كان أو ذا رحم منه؛ قياساً واستحساناً،
وإنما كان كذلك لأن الذي في عياله له عليه ضرب ولاية
ألا ترى أنه يؤدبه ويسلمه في الصنائع التي للصبي فيها منفعة، وللصبي في قبض الهبة
منفعة محضة، فقيام هذا القدر من الولاية يكفي لتصرف فيه منفعة محضة للصبي.
وأما من ليس في عياله، فلا ولاية له عليه أصلاً، فلا يجوز قبضه له كالأجنبي، والقبض
للصبية إذا عقلت ولها زوج قد دَخَلَ بها زوجُها أيضاً؛ استحساناً؛ لأنها في عياله، لكن هذا إذا
لم يكن أحد من هؤلاء، فأما عند وجود واحدٍ منهم فلا يجوز قبضُ الزوج، كذا ذكره الحاكم
الجليل في مختصره.
وأما الثاني: الذي يَرْجِعُ إلى نفس القبض، فهو أن القبض الموجود في الهبة ينوب عن
قبض الهبة، سواء كان الموجود وقت العقد، مثل قبض الهبة أو أقوى منه؛ لأنه إذا كان مثله
أمكن تحقيق التناوب؛ إذ المتماثلان غير أن ينوب كلُّ واحدٍ منهما مقام (١) صاحبه، ويسد
مسده، فتثبت المناوبة مقتضى المماثلة، وإذا كان أقوى منه يؤخذ فيه المستحق وزيادة.
وبيان هذا في مسائل: إذا كان الموهوب في يد الموهوب له وديعة أو عاريةً، فوهب
منه، جازت الهبةُ، وصار قابضاً بنفس العقد، ووقع العقد والقبض معاً ولا يحتاج إلى تجديد
القبض بعد العقد؛ استحساناً، والقياس أن لا يصير قابضاً ما لم يجدد القبض، وهو أن يخلي
بین نفسه وبين الموهوب بعد العقد.
وَجْهُ القياسِ أَنَّ يَدَ المودع إن كانت يده صورة فهي يد المودع معنى، فكان المال في
يده، فصار كأنه وهب له ما في يده، فلا بد من القبض بالتخلية .
وجه الاستحسان أن القبضين متماثلان؛ لأن كل واحد منهما قبض غير مضمون؛ إذ الهبة
عقد تبرع، وكذا عقد الوديعة والعارية، فتماثل القبضان، فيتناوبان ضرورة، بخلاف بيع الوديعة
والعارية من المودع والمستعير؛ لأن قبضَهُمَا لا ينوب عن قبض البيع؛ لأنه قبض أمانة، وقبض
البيع قبض ضمان، فلم يتماثل القبضان، بل الموجود أَذْنَى من المستحق، فلم يتناوَبا.
ولو كان الموهوب في يده مغصوباً أو مقبوضاً ببيع فاسد، أو مقبوضاً على سوم الشراء؛
فكذا ينوب ذلك عن قبض الهبة؛ لوجود المستحق بالعقد، وهو أصل القبض وزيادة ضمان.
ولو كان الموهوب مرهوناً في يده؛ ذكر في ((الجامع)) أنه يصير قابضاً، وينوب قبض
(١) في أ: مناب.

١١٣
كتاب الهبة
الرهن عن قبض الهبة؛ لأن قبض الهبة أمانة، وقبض الرهن في حق العين قبض أمانة أيضاً،
فيتماثلان، فناب أحدهما عن الآخر، ولئن كان قبض الرهن قبض ضمان، فقبض الضمان أقوى
من قبض الأمانة، والأقوى(١) ينوب عن الأدنى؛ لوجود الأدنى فيه وزيادة، وإذا صحتِ الهبةُ
بالقبض / بَطَّلَ الرهن، ويرجع المرتهن بدينه على الراهن.
١٩٣/٣ب
وذكر الكرخي أنه لا يصير قابضاً حتى يجدد القبض بعد عقد الهبة؛ لأن قَبْض الرهن وَإِن
كان قبض ضمان لكن هذا ضمان لا تصح البراءة منه، فلا يحتمل الإبراء بالهبة؛ ليصير قبض
أمانةٍ، فيتجالس القبضان، فيبقى قبض ضمان، فاختلف القبضان فلا يتناوبان، بخلاف
المغصوب والمقبوض على سوم الشراء؛ لأن ذلك الضمان مما تصح البراءة عنه، فيبرأ عنه
بالهبة، ويبقى قبض بغير ضمان، فتماثل القبضان فيتناوبان.
وَلَوْ كَانَ مبيعاً قبل القبض فوهب من البائع، جازه، ولكن لا يكون هبة، بل يكون إقالة
حتى لا تصح بدون قبول البائع.
ولو بَاعَهُ مِنَ البائع قبل القبض، لا يجعل إقالة، بل يبطل أصلاً ورأساً، والفرقُ بينهما ما
ذكرنا في كتاب البيوع.
ولو نحل ابنه الصغير شيئاً جاز، ويصير قابضاً له مع العقد؛ كما إذا باع ماله منه حتى لو
هلك عقيب البيع يهلك من مال الابن(٢) لصيرورته قابضاً للصغير مع العقد، وينبغي للرجل أن
يعدل بين أولاده في النحلى؛ لقولهِ سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]
وأما كيفية العدل بينهم فقد قال أبو يوسف: العدلُ في ذلك أن يسوى بينهم في العطية،
ولا يفضل الذكر على الأنثى.
وقال محمدٌ: العدلُ بينهم أن يعطيهم على سبيل الترتيب في المواريث؛ للذكر مثل حظ
الأنثیین.
كذا ذكر القاضي الاختلاف بينهما في ((شرح مختصر الطَّحَاوِي)).
وذكر محمد في ((الموطأ)»: ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده في النحلى، ولا يفضل
بعضهم على بعضٍ، وظاهر هذا يقتضي أن يكون قوله مع قول أبي يوسف، وهو الصحيح، لمَا
رويَ أَنَّ بَشِيراً أَبَاَ النَّعْمَانِ أُتِيَ بِالنُّعْمَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِّهِ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاَمَا كَانَ
(١) في أ: والأعلى.
(٢) في أ: الصغير.
بدائع الصنائع ج٨ - ٨٢

١١٤
كتاب الهبة
لي)) فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ((أَكُلَّ(١) وَلَدَكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ فَقَالَ: لاَ، فَقَال النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلاَمُ -: ((فَارْجِعُهُ)) (٢) وهذا إشارة إلى العدل بين الأولاد في النحلة؛ وهو التسوية بينهم،
(١) في ط: كل.
(٢) أخرجه مالك (٧٥١/٢) كتاب الأقضية: باب ما لا يجوز من الحل حديث (٣٩) والبخاري (٢١١/٥)
كتاب الهبة: باب الهبة للولد حديث (٢٥٨٦) ومسلم (١٢٤١/٣) كتاب الهبات: باب كراهية تفضيل
بعض الأولاد في الهبة حديث (١٦٢٣/٩) والنسائي (٢٥٨/٦ - ٢٥٩) كتاب النحل: باب اختلاف
الناقلين لخبر النعمان بن بشير في النحل، والترمذي (٦٤٩/٣) كتاب الأحكام باب في النحل والتسوية بين
الولد حديث (١٣٦٧) وابن ماجه (٧٩٥/٢) كتاب الهبات: باب الرجل ينحل ولده، حديث (٢٣٧٦)
وأحمد (٢٦٨/٤) والشافعي (١٦٧/٢) كتاب الهبة والعمرى حديث (٥٨٣) والحميدي (٤١١/٢) رقم
(٩٢٢) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٩٩١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٨٤/٤) والدارقطني
(٤٢/٣) كتاب البيوع حديث (١٧٤) والبيهقي (١٧٦/٦) كتاب الهبات: باب السنة في التسوية بين
الأولاد في العطية، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٢٥/٤ - بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن محمد بن
النعمان وحميد بن بشير عن النعمان به.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وللحديث طرق أخرى عن النعمان بن بشير.
الطريق الأول.
أخرجه البخاري (٢١١/٥) كتاب الهبة: باب الإشهاد في الهبة حديث (٢٥٨٧) وفي ((الأدب المفرد)».
باب أدب الوالد وبره لولده حديث (٩٣)، ومسلم (١٢٤٣/٣) كتاب الهبات: باب كراهية تفضيل بعض
الأولاد في الهبة حديث (١٣ - ١٦٢٣/١٨) وأبو داود (٨١١/٣) كتاب البيوع والإجارات: باب الرجل
يفضل بعض ولده في النحل حديث (٣٥٤٢) والنسائي (٢٥٩/٦ - ٢٦٠) كتاب النحل: باب اختلاف
الناقلين لخبر النعمان بن بشير في النحل، وابن ماجه (٧٩٥/٢) كتاب الهبات: باب الرجل ينحل ولده
حديث (٢٣٧٥) وأحمد (٢٦٨/٤، ٢٦٩، ٢٧٠) والطيالسي (٢٨٠/١ - منحة) رقم (١٤١٨) والحميدي
(٢/ ٤١٠) رقم (٩١٩) وابن حبان (٥٠٨٠، ٥٠٨١، ٥٠٨٢ - الإحسان) وابن الجارود (٩٩٢)
والدارقطني (٤٢/٣) والبيهقي (١٧٦/٦) كتاب الهبات: باب السنة في التسوية بين الأولاد في العطية،
والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٨/١٢) كلهم من طريق الشعبي عن النعمان قال: أعطاني ابي عطية فقالت
عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﴿ فأتى رسول الله وَ ل﴿ فقال: إني أعطيت ابني من
عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال: ((أعطيت سائر ولدك مثل هذا»؟ قال: لا.
قال: ((فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)). قال: فرجع فرد عطيته. لفظ البخاري.
الطريق الثاني:
أخرجه مسلم (١٢٤٣/٣) كتاب الهبات: باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة حديث (١٢/ ١٦٢٣)
أبو داود (٨١١/٣) كتاب البيوع: باب الرجل يفضل بعض ولده في النحل، حديث (٢٥٤٣) والنسائي
(٢٥٩/٦) كتاب النحل: باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان بن بشير في النحل، وأحمد (٤/
٢٦٨) من طريق عروة بن الزبير عن النعمان.
الطريق الثالث :

١١٥
كتاب الهبة
ولأن في التسوية تأليف القلوب، والتفضيل يورث الوحشة بينهم، فكانتِ التسويةُ أَوْلَى.
ولو نحل بعضاً وحرم بعضاً جاز من طريق الحكم لأنه تصرف في خالص ملكه لا حق لأحد
فيه، إلا أنه لا يكون عدلاً سواء كان المحروم فقيهاً تقياً أو جاهلاً فاسقاً على قول المتقدمين من
مشايخنا. وأما على قول المتأخرين منهم لا بأس أن المتأدبين والمتفقهين دون الفسقة الفجرة.
فصل في حكم الهبة
وأما حُكْمُ الهبةِ؛ فالكلام فيه في ثلاث مواضع: في بيان أصل الحكم؛ وفي بيان صفته،
وفي بيان ما يرفع الحكم.
أما أصل الحكم: فهو ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوضٍ؛ لأنَّ
الهبةَ تمليك العين من غير عوض، فكان حكمها ملك الموهوب(١) من غير عوض، وأمّا صفته
فقدٍ اختلف فيها؛ قال أصحابنا: هي ثبوت ملك غير لازم في الأصل، وللواهب أن يرجع في
هبته، وإنما يثبت اللزوم ويمتنع الرجوع بأسباب عارضة.
وقال الشافعي - رحمه الله -: الثابتُ بالهبة ملك لازم في الأصل، ولا يثبت الرجوع إلا
في هبة الولد خاصَّة، وهي هبة الوالد لولده.
فنقول :
يَقَعُ الكلام في هذا الفصل في مواضع: في بيان ثبوت حق الرجوع في الهبة، وفي بيان
شرائط صحة الرجوع بعد ثبوتِ الحق، وفي بيان العوارض المانعة من الرجوع [في (٢) الهبة]،
وفي بيان ماهية الرجوع وحكمه شرعاً.
= أخرجه النسائي (٢٦١/٦ -٢٦٢) كتاب النحل: باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان بن بشير
في النحل، وأحمد (٢٦٨/٤) وابن حبان (٥٠٧٦، ٥٠٧٧ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) (٨٦/٤) من طريق مسلم بن صبيح عن النعمان قال: ذهب بي أبي إلى النبي وَّر يشهده على
شيء أعطانيه فقال ألك ولد غيره قال نعم وصف بيده بكفه أجمع كذا إلا سويت بينهم.
وللحدیث شاهد من حديث جابر.
أخرجه مسلم (١٢٤٤/٣) كتاب الهبات: باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة حديث (١٩/ ١٦٢٤)
وأحمد (٣٢٦/٣) وأبو داود (٨١٢/٣) كتاب البيوع: باب في الرجل يفضل بعض ولده في النحل حديث
(٣٥٤٥) وابن حبان (٥٠٧٩ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٨٧/٤) والبيهقي (٦ / ١٧٧)
كتاب الهبات: باب السنة في التسوية بين الأولاد في العطية، كلهم من طريق زهير عن أبي الزبير عن جابر
قال: قالت امرأة بشير: انحل ابني غلامك وأشهد لي رسول الله و له، فأتى رسول الله وَله فقال: إن ابنة
فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت لي: أشهد رسول الله وَّر، فقال: ((له أخوة)»، فقال: نعم،
قال: ((أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته))، قال: لا، قال: ((فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق)).
(٢) سقط من ط.
(١) في أ: العين.

١١٦
كتاب الهبة
أما ثبوت حق الرجوع، فحق الرجوع في الهبة ثابتٌ عندنا؛ خلافاً للشافعيّ(١) - رَحِمَهُ
الله - آَخْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَّيْهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ لوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي
هِبَتِهِ إلَّ فِيمَا يَهَبُ الوَالِدُ لِوَلَدِهِ))(٢) وهذا نَصِّ في مسألةَ هبة الأجنبي والوالد.
وروي عن رسول الله - رَ﴿ - أَنَّهُ قَالَ: العَائِدُ في هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قِيئِهِ»(٣) والعودُ في
(١) ظاهر مذهب الإمام أحمد صحة رجوع الأب فيما وهب سواءٌ قَصَدَ برجوعه التسوية بين الأولاد أو لم
يرد، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. وعن أحمد، رواية أخرى: ليس
له الرجوع فيها. وبها قال أصحاب الرأي، والثوري، والعنبري؛ لقول النبي ◌َّر: ((العائد في هبته،
كالعائد في قيئه)). متفق عليه. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: من وهب هبة يرى أنه أراد بها
صلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته،
يرجع فيها إذا لم يرض منها. رواه مالك، في ((الموطأ)). ولأنها هبة يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم
يجز الرجوع فيها، كصدقة التطوع. ولنا، قول النبي وَّر لبشير بن سعد: ((فاردده)). وروي: ((فأرجعه)).
رواه كذلك مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن النعمان. فأمره بالرجوع في هبته، وأقل
أحوال الأمر الجواز، وقد امتثل بشير بن سعد ذلك، فرجع في هبته لولده، ألا تراه قال في الحديث:
فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. وحمل الحديث على أنه لم يكن أعطاه شيئاً، يخالف ظاهر الحديث؛
لقوله: تصدق عليَّ أبي بصدقة. وقول بشير: إني نحلت ابني غلاماً. يدل على أنه كان قد أعطاه. وقول
النبي ◌َّر: ((فَارْدُذهُ)). وقوله: ((فأرجعه)). وروى طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، يرفعان الحديث إلى
النبي وَّر، أنه قال: ((ليس لأحد أنْ يُعْطِيَ عَطِيئَّةً، فيرجع فيها، إلا الوالِدَ فيما يعطي ولده)). رواه
الترمذي. وقال: حديث حسن. وهذا يخص عموم ما رووه ويفسره. وقياسهم منقوض بهبة الأجنبي؛
فإن فيها أجراً وثواباً، فإن النبي وَ الهول ندب إليها. وعندهم له الرجوع فيها، والصدقة على الولد كمسألتنا،
وقد دل حديث النعمان بن بشير على الرجوع في الصدقة؛ لقوله: تصدق عليَّ أبي بصدقةٍ. ينظر المغني
٢٦١/٨ - ٢٦٢.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٢٧٧) كتاب الهبة: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته حديث (٢٦٢١)
ومسلم (١٢٤١/٣) كتاب الهبات: باب تحريم الرجوع في الصدقة حديث (١٦٢٢/٥) وأبو داود (٣/
٨٠٨) كتاب البيوع: باب الرجوع في الهبة حديث (٣٥٣٨) والنسائي (٢٦٦/٦) كتاب الهبة: باب رجوع
الوالد فيما يعطي ولده، وابن ماجه (٧٩٦/٢) كتاب الهبات: باب الرجوع في الهبة حديث (٢٣٨٥)
وأحمد (١/ ٢٨٠، ٢٨٩، ٣٣٩، ٣٤٢، ٣٤٥، ٣٤٩) وأبو داود الطيالسي (١/ ٢٨٠ - منحة) رقم
(١٤١٩) وابن الجارود (٩٩٣) وابن حبان (٥٠٩٩، ٥١٠٠ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) (٤/ ٧٧) كتاب الهبة والصدقة باب الرجوع في الهبة والبيهقي (٦/ ١٨٠) كتاب الهبات باب لا يحل
لواهب أن يرجع في هبته وأبو نعيم في «الحلية)) (١٤٥/٦، ٢٨١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٢٤/٤ -
بتحقيقنا) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٨٥/٧) من طرق عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس به.
وأخرجه البخاري (٢٧٧/٥ - ٢٧٨) كتاب الهبة: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته حديث
(٢٦٦٢) وفي ((الأدب المفرد)) رقم (٤١٧) والنسائي (٢٧٦/٦) كتاب الهبة: باب رجوع الوالد فيما يعطي
ولده، والترمذي، (٥٩٢/٣) كتاب البيوع: باب الرجوع في الهبة حديث (١٢٩٨) وأحمد (٢١٧/١) =

١١٧
كتاب الهبة
والحميدي (٢٤٣/١) رقم (٥٣٠) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧٨/٤) كتاب الهبة والصدقة:
=
باب الرجوع في الهبة والبيهقي (٦/ ١٨٠) كتاب الهبات: باب لا يحل لواهب أن يرجع من هبته وأبو
يعلى (٢٩٣/٤ - ٢٩٤) رقم (٢٤٠٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٢٥/٤ - بتحقيقنا) والخطيب في
(تاريخ بغداد)) (١٧٨/٨) من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ◌َّير: ليس لنا مثل السوء الذي
يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه.
وأخرجه البخاري (٢٥٦/٥) كتاب الهبة: باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها حديث (٢٥٨٩) ومسلم (٣/
١٢٤١) كتاب الهبات: باب تحريم الرجوع في الصدقة حديث (١٦٢٢/٨) والنسائي (٢٦٧/٦) كتاب الهبة:
باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧٨/٤) كتاب الهبة والصدقة: باب
الرجوع في الهبة، والبيهقي (٦ / ١٨٠) كتاب الهبات: باب لا يحل لواهب أن يرجع في هبته، كلهم من طريق
طاووس عن ابن عباس قال: قال النبي ◌ّطاهر: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)).
وقد رواه طاوس عن ابن عمر وابن عباس معاً.
أخرجه أبو داود (٨٠٨/٣) كتاب البيوع والإجارات: باب الرجوع في الهبة حديث (٣٥٣٩) والنسائي
(٢٦٧/٦) كتاب الهبة: باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده، والترمذي (٥٩٢/٣) كتاب الأحكام: باب ما
جاء في كراهية الرجوع في الهبة حديث (١٢٩٩) وأحمد (٢٧/٢، ٧٨) وابن حبان (١١٤٨ - موارد) وأبو
يعلى (١٠٥/٥ - ١٠٦) رقم (٢٧١٧) وابن الجارود (٩٩٤) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧٩/٤)
والدارقطني (٤٢/٣ - ٤٣) كتاب البيوع، والحاكم (٤٦/٢) والبيهقي (١٨٠/٦) كتاب الهبات: باب لا
يحل لواهب أن يرجع في هبته، كلهم من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاووس عن ابن
عمر وابن عباس قالا: قال رسول الله وَالر: ((لا يحل رجل أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما
يعطي ولده ومثل الذي يعطي العطية فيرجع فيها كالكلب أكل حتى إذا تم قاء ثم رجع في قيئه)).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد فإني لا أعلم خلافاً في عدالة عمرو بن شعيب إنما اختلفوا في سماع أبيه
من جده)) ووافقه الذهبي.
وأخرجه أحمد (٣٤٢/١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وللحديث شواهد من حديث عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجابر.
حدیث عمر.
أخرجه البخاري (٢٧٨/٢) كتاب الهبة: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته حديث (٢٦٢٣)
ومسلم (١٢٣٩/٣) كتاب الهبات: باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به حديث (١٦٢٠/١) وأحمد (١/
٤٠) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧٩/٤) كتاب الهدية والهبة: باب الرجوع في الهبة، من طريق
جماعة عن زيد بن أسلم عن أبيه سمعت عمر بن الخطاب يقول: ((حملت على فرس في سبيل الله
فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك النبي وَّر فقال:
«لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته کالكلب يعود في قیئه)).
ورواه عبد الله بن عمر العمري عن زيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي ◌َّ قال: ((العائد في هبته كالكلب
يعود في قیئه)).
=

١١٨
كتاب الهبة
القيء حرامٌ، كذا في الهبة؛ ولأن الأصل في العقود هو اللزوم، والامتناع بعارض خلل في
المقصود، ولم يوجد؛ لأن المقصودَ من الهبة اكتسابُ الصيت بإظهار الجود والسخاء، لا
١١٩٤/٣ طلب العوض، فمن طلب منهما العوض فقد طلب من العقد/ ما لم يوضع له، فلا يعتبر طلبه
أصلاً.
ولنا: الكتاب والسنةُ وإجماعُ الصحابة رضي الله عنهم -.
أما الكتاب العزيز فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيتُمْ بِتَحِيَّةِ فَحَيُّوا بأحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
[النساء: ٨٦]، والتحيةُ وإن كانت تستعمل في معان من السلام والثناء والهدية بالمال، قال
القائل: [من الطويل].
أخرجه ابن ماجه (٧٩٧/٢ - ٧٩٨) كتاب الهبات باب الرجوع في الهبة حديث (٢٣٨٦).
=
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه أحمد (١٨٢/٢) وأبو داود (٨١٠/٣) كتاب البيوع والإجارات: باب الرجوع في الهبة حديث
(٣٥٤٠) والنسائي (٢٦٤/٦ - ٢٦٥) كتاب الهبة: باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده، كلهم من طريق
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله لهوقال: مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقيء
فيأكل قيئه فإذا استرد الواهب فليوقف فليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب.
حديث أبي هريرة.
أخرجه أحمد (٢٥٩/٢، ٤٣٠، ٤٩٢) وابن ماجه (٧٩٧/٢) كتاب الهبات: باب الرجوع في الهبة حديث
(٢٣٨٤) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧٨/٤) كتاب الهدية والهبة: باب الرجوع في الهبة والعقيلي
في ((الضعفاء)» (٣٢٢/٤) كلهم من طريق خلاس بن عمرو عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلي :
(العائد في هبته كالكلب يأكل حتى إذا شبع قاء ثم يعود في قيئه)). وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه.
قال البوصيري في ((الزوائد» (٢٣٥/٢): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع قال الإمام أحمد بن حنبل
وغيره خلاس بن عمرو الهجري لم يسمع من أبي هريرة شيئاً.
وقال العلاني في ((جامع التحصيل)) (ص - ١٧٣): وقال يحيى بن سعيد كان في أطراف عوف خلاس
ومحمد عن أبي هريرة حديث ((إن موسى عليه السلام كان حيياً فقالت بنو إسرائيل هوآدر: «فسألت عوفاً
فترك محمداً وقال: خلاس مرسلي - أي لم يرو عن أبي هريرة.
حديث جابر.
أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١١٤/٢) والعقيلي في ((الضعفاء)) (٤٥/٣) من طريق عبد الحميد بن
الحسن الهلالي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي ◌َّر قال: ((العائد في هبته كالعائد
في قیئه».
قال الطبراني: لم يروه عن محمد بن المنكدر إلا عبد الحميد بن الحسن.
وقال العقيلي: عبد الحميد لا يتابع على حديثه عن ابن المنكدر والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع
الزوائد» (١٥٦/٤) وقال: رواه الطبراني في الصغير وفيه عبد الحميد بن الحسن الهلالي وثقه ابن معين
وأبو حاتم وضعفه أبو زرعة وغيره اهـ.

١١٩
كتاب الهبة
تُحَيِّيهِمُ بِيضُ الوَلاَئِّدِ بَيْنَهُمْ(١)
لكن الثالث تفسير مراد بقرينة من نفس الآية الكريمة؛ وهي قوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾؛
لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض؛ لأنه عبارةٌ عن إعادة الشيء، وذا لا يتصور
في الأعراض، والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل.
وأما السنةُ فما رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قالَ رَسُولُ الله - ◌ِ:
((الوَاهِبُ أحق بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا))(٢) أي: يعوض، جعل عليه الصلاة والسلام الواهبَ أحق
بهبته ما لم يصل إليه العوض، وهذا نَصِّ في الباب.
(١) صدر بيت للنابغة الذبياني وعجزه:
وأکسیةُ الإضريح فوق المشاجب
ينظر ديوانه ص (٤٧)، وجمهرة اللغة ص ٤٥٩، وأساس البلاغة ص ٢٦٨ وبلا نسبة في جمهرة اللغة
ص ١١٩٣، والمخصص ٩٥/٤، وتاج العروس (ضرج).
(٢) روي هذا الحديث عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم.
فأما حديث أبي هريرة:
أخرجه ابن ماجة (٧٩٨/٢) كتاب الهبات، باب: ((من وهب هبة رجاء ثوابها)) حديث (٢٣٨٧).
والدارقطني (٤٣/٣، ٤٤) في كتاب البيوع، حديث (١٨٠، ١٨١). والبيهقي (١٨١/٦) كتاب الهبات،
باب ((المكافأة في الهبة)) كلاهما من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري عن
عمرو بن دينار عن أبي هريرة - رضي الله عنه - به .
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٢٥/٤): إبراهيم بن إسماعيل بن جارية ضعفوه.
قلت: قال عنه الحافظ في ((التقريب)): ضعيف (١٤٩): وأما حديث ابن عباس فله طريقان:
الأول أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٤٧/١١) (١١٣١٧) قال: حدثني محمد بن عثمان بن أبي شيبة
قال: وجدت في كتاب أبي عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: قال رسول
الله وَلي: ((من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يتعب منها، فإن رجع من هبته فهو كالذي يقيء ويأكل
فیه)).
وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف والطريق الثاني: أخرجه الدارقطني (٤٤/٣)
في كتاب البيوع، حديث (١٨٥).
من طريق إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس عن النبي
- رَال * -... فذكره.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٢٥/٤): أعله عبد الحق في ((أحكامه)) بمحمد بن عبيد الله العزرمي؛
قال ابن القطان كالمتعقب عليه: وهو لم يصل إلى العزرمي إلا على لسان كذاب، وهو إبراهيم بن أبي
يحيى الأسلمي فلعل الجناية منه انتهى.
قال العظيم أبادي في ((التعليق المغني)) (٤٤/٣): إبراهيم بن يحيى هو الأسلمي المديني أحد العلماء
الضعفاء؛ قال يحيى بن معين: سمعت القطان يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب.
وروى أبو طالب عن أحمد بن حنبل، قال: تركوا حديثه، قد يرى معتزلي يروي أحاديث ليس كلها أصل.
=

١٢٠
كتاب الهبة
وَأَمَّا إجماع الصحابة فإنه روي عن سيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي وعبد الله
ابن سيدنا عمر، وأبي الدرداء، وفضالة بن عبيد؛ وغيرهم - رضي الله عنهم - أنهم قالوا مثلَ
مذهبنا، ولم يرد(١) عن غيرهم خلافه، فيكون إجماعاً، ولأن العوض المالي قد يكون مقصوداً
من هبة الأجانب، فإن الإنسان قد يهب من الأجنبي إحساناً إليه، وإِنعاماً عليه، وقد يهب له
طعماً في المكافأة والمجازاة عرفاً وعادةً، فالموهوب له مندوبٌ إلى ذلك شرعاً؛ قال الله -
تبارك وتعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال عليه الصلاةُ والسلام:
((مَنِ اضْطَنِعُ (٢) إِلَيْكُمْ مَعْرُوفً فَكَافْتُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى يَعْلَمْ أَنَّكُمْ قَدْ
كَافَأْتُمُوهُ))(٣) وقال عليه الصلاة والسلام: ((تَهَادَوْا تَحَابُّوا)) والتهادي تَفَاعل من الهدية، فيقتضي
وقال البخاري: تركه ابن المبارك والناس.
=
وقال البخاري أيضاً: كان يرى القدر وكان جهمياً.
وروى عبد الله بن عباس عن ابن معين: كذاب رافضي.
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة سمعت علياً يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب، وكان يقول بالقدر.
وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك.
وأما حديث ابن عمر: أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢).
والدارقطني (٤٣/٣) في كتاب البيوع، حديث (١٧٩) والبيهقي في ((الكبرى)) (١٨٠/٦ - ١٨١) كتاب
الهبات، باب: ((المكافأة في الهبة)).
كلهم من طرق عن عبد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث
عن ابن عمر عن النبي - وَّر - قال: ((من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب)).
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إلا أن نكل الحمل فيه على شيخنا، ووافقه
الذهبي.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٢٦/٤): وعن الحاكم رواه البيهقي في ((المعرفة))، وقال: غلط فيه
عبد الله بن موسى والصحيح فيه: رواية عبد الله بن وهب عن حنظلة عن سالم عن أبيه عن عمر من
قوله، وإسناد حديث أبي هريرة أليق، إلا أن فيه إبراهيم بن إسماعيل وهو ضعيف عند أهل الحديث فلا
يبعد منه الغلط، والصحيح رواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر فرجع
الحديث إلى عمر من قوله والله أعلم انتهى كلامه .
قال البيهقي: وعمرو بن دينار عن أبي هريرة منقطع.
(١) في أ: يرو.
(٢) في أ: استصنع.
(٣) أخرجه أحمد (٦٨/٢، ٩٥، ٩٩، ١٢٧) وأبو داود (١٢٨/٢) كتاب الزكاة، باب: ((عطية من سأل
بالله))، حديث (١٦٧٢).
والنسائي (٨٢/٥) كتاب الزكاة، باب: ((من سأل بالله عز وجل))، حديث (٢٥٦٦).
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢١٠).
وعبد بن حميد (٨٠٦)، والحاكم (٤١٢/١).
=
!