Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ كتاب المضاربة وخمسمائة، ويغرم المضارب من ماله خمسمائة، وهي حصته من الربح، فيكون ربع الجارية للمضارب خاصة، وثلاثة أرباعها على المضاربة، ورأس المال في هذه الثلاثة الأرباع ألفان وخمسمائة؛ وإنما كان كذلك لأنه لما اشترى الجارية بألفين فقد اشتراها أرباعاً، ربعها للمضارب وثلاثة أرباعها لرب المال؛ لأنه اشتراها بعدما ظهر ملك المضارب في الربح، لأنه اشتراها بألفين ورأس المال ألف، فحصةُ رب المال من الربح خمسمائة، وحصة المضارب خمسمائة، فما اشتراه لرب المال رجع [به] (١) عليه، وما اشتراه لنفسه فضمانه عليه، وإنما خرج ربع الجارية من المضاربة؛ لأن القاضي لما ألزمه ضمان حصته من الربح فقد عينه، ولا يتعين إلا بالقيمة، فخرج الربح من المضاربة، وبقي الباقي على ما كان عليه، وقد لزم رب المال ألف وخمسمائة بسبب المضاربة، فصار ذلك زيادة في رأس المال، فصار رأس المال ألفين وخمسمائة . فإن بيعت هذه الجارية بأربعة آلاف منها للمضارب ألف لأن ذلك حصته من الربح، فكان ملكه وبقي ثلاثة آلاف على المضاربة لرب المال، منها ألفان وخمسمائة رأس ماله، يبقى ربح خمسمائة فيكون بينهما نصفين على الشرط. ولو كانت الجارية تساوي ألفين، والشراء بألف، وهي مال المضاربة، فضاعت غرمها رب المال كلها؛ لأن الشراء إذا وقع بألف فقد وقع بثمن كله رأس المال، وإنما يظهر الربح في الثاني فيكون الضمان على رب المال؛ بخلاف الفصل الأول، فإن هناك الشراء وقع بألفين فظهر ربح المضارب، وهلك ربع الجارية، فيغرم حصة ذلك الربع من الثمن. وروي عن محمد في المضارب إذا اشترى جارية بألفي درهم، ألف ربح وقيمتها ألف، فضاعت الألفان قبل أن ينقدها البائع؛ أنه على أن على المضارب الربع وهو خمسمائة وعلى رب المال ألف وخمسمائة؛ وهذا على ما بينا. قال محمد: ولو اشترى جارية تساوي ألفين بأمة تساوي ألفاً، وقبض التي اشتراها، ولم يدفع أمته حتى ماتتا جميعاً في يده؛ فإنه يغرم قيمة التي اشترى وهي ألف، يرجع بذلك على رب المال؛ لأن المضمون عليه قيمة الجارية التي اشتراها، ولا فضل في ذلك عن رأس المال، وهذا إنَّما يجوز وهو أن يشتري المضارب جارية قيمتها ألف بألفين، إذا كان رب المال قال له اشتر بالقليل والكثير، وإلا فشراء المضارب على هذا الوجه لا يصح في قولهم جميعاً. وَذَكَّرَ ابْنُ سماعةً عن محمد في موضع آخر في نوادره في رجلٍ دفع إلى رجل ألف درهم مضاربةً بالنصف، فاشترى المضارب وباع حتى صار المال ثلاثة آلاف، فاشترى بثلاثة آلاف (١) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٨ - م٦ ٨٢ كتاب المضاربة ثلاثة أعبد، قيمةُ كلٌ واحدٍ ألفٌ، ولم ينقد المال حتى ضاع، قال يغرم ذلك كله على رب المال، ويكون رأس المال أربعة آلاف؛ لأن المضارب لم يتعين له ملك في واحد من العبيد؛ لأن كل واحد منهم يجوز أن يكون رأس المال؛ لهذا لا ينفذ عتقه فيهم، فيرجع بجميع ثمنهم. وقد علل محمدٌ لهذا فقال: من قِبَلٍ أن المضارب لم يكن يجوزُ عتقُه في شيء من العبيد، وهذا يخالف ما ذكره الكرخي؛ فإنه قال: إن محمداً يعتبر المضمون على المضارب الذي يغرمه دون ما وجب عليه من الثمن. ومعنى هذا الكلام أن المضارب إذا قبض ولم ينقد الثمن حتى هلك، كان المعتبر ما يجب عليه ضمانه، فإن كان ما يضمنه زائداً على رأس المال، كان على المضارب حصة ذلك، وإلا فلا، وهذا بخلاف الأول؛ لأنا إذا اعتبرنا الضمان فقد ضمن أكثر من رأس المال. فَأَما أن يجعل عن محمد روايتان أو يكون الشرط فيما صار مضموناً على المضارب أن يتعين حقه فيه، وهنا وإن ضمن فإنه لم يتعين حقه فيه، وأما تعليله بعدم نفاذ العتق فلا يطرد؛ لأنه لو اشترى بالألفين جارية تساوي ألفاً، يضمن، وإن لم ينفذ عتقه فيه، إلا أن يكون جعل نفوذ العتق في الجارية المشتراة بألفين، وقيمتها ألفان عليه لوجوب الضمان عليه؛ فما لا ينفذ عتقه فيه يكون عكس العلة، فلا يلزمه طرده في جميع المواضع. وقال محمد: إذا اشترى المضاربُ عبداً بألف درهم، وهي مال المضاربة، ففقد المال، فقال رب المال: اشتريته على المضاربة ثم ضاع المال، وقال المضاربُ: اشتريته بعد ما ضاع ١٢٧٥/٣ وأنا أرى (١) أن المال عندي، فإذا [هو](٢) قد ضاع قبل ذلك/، فالقولُ قول المضارب؛ لأن الأصل في كل من يشتري شيئاً أنه [يعتبر مشترياً] (٣) لنفسه؛ ولأن الحال يشهد به أيضاً وهو هلاك المال، فكان الظاهر شاهداً للمضارب، فكان القول قوله. وذكر محمد في المضاربة الكبيرة إذا اختلفا وقال ربُّ المال: ضاع قبل أن تشتري الجارية، وإنما اشتريتها لنفسك، وقال المضاربُ: ضاع المال بعد ما اشتريتها، وأنا أريد أن آخذك بالثمن، ولا أعلم متى ضاع، فالقول قول رب المال مع يمينه، وعلى المضارب البينة أنه اشترى. والمال عنده، إنما ضاع بعد الشراء؛ لأنَّ رَبَّ المالِ ينفي الضمان عن نفسه، والمضارب يدعي عليه الضمان؛ ليرجع عليه بالثمن؛ لأنه يدعي وقوع العقد له، ورب المال ينكر ذلك، فكان القول قوله؛ ولأن الحالَ وهو الهلاك شَهِدَ لربِّ المال، فإن أقاما البينة، فالبينةُ بينة المضارب؛ لأنها تثبت الضمان، فكانت أولى. (١) في أ: أدرى. (٢) سقط من ط. (٣) في أ: يشتريه. ٨٣ كتاب المضاربة وَإِذا انفسخت المضاربة، ومال المضاربة ديون على الناس، وامتنع عن التقاضي والقبض، فإن كان في المال ربح أجبر على التقاضي والقبض، وإن لم يكن فيه ربح لم يجبر عليهما (١)، وقيل له: أحل رب المال بالمال على الغرماء؛ لأنه إذا كان هناك ربح، كان له فيه نصيب، فيكون عمله عمل(٢) الأجير، والأجير مجبور على العمل فيما التزم، وإن لم يكن هناك ربح لم تسلم له منفعة، فكان عمله عمل الوكلاء، فلا يجبر على إتمام العمل؛ كما لا يجبر الوكيل على قبض الثمن، غير أنه يؤمر المضارب أو الوكيل أن يحيل رب المال على الذي عليه الدين، حتى يمكنه قبضه، لأنَّ حقوقَ العقد راجعة إلى العاقد، فلا تثبت ولاية القبض للآمر، إلا [بالحوالة من العاقد](٣)، فيلزمه أن يحيله بالمال حتى لا يتولى حقه. ولو ضمن العاقد لرب المال هذا الدين الذي عليه، لم يجز ضمانه، لأن العاقد قد جعله أميناً، فلا يملك أن يجعل نفسه ضميناً، فيما جعله العاقد أميناً. ولو مات المضارب ولم يوجد مال المضاربة فيما خلف، فإنه يعود ديناً فيما خلف المضارب، وكذا المودع والمستعير والمستبضع وكلُّ مَنْ كان المال في يده أمانة، إذا مات قبل البيان ولا تعرف الأمانة بعينها، فإنه يكون عليه دَيْناً في تركته؛ لأنه صار بالتجهيل مستهلكاً للوديعة، ولا تصدق ورثته على الهلاك والتسليم إلى رب المال. ولو عين الميت المال في حال حياته، أو علم ذلك، يكون ذلك أمانة في يد وصيه، أو في يد وارثه؛ كما كان في يده، ويصدقون على الهلاك والدفع إلى صاحبه، كما يصدق الميت في حال حياته، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. (١) في أ: على التقاضي والقبض. (٢) في أ: على. (٣) في أ: بإحالة العاقد. كِتَابُ الهِبَةِ(١) الكلامُ في هذا الكتاب في الأصل في ثلاثة مواضع : في بيان ركن الهبة . وفي بيان شرائط الركن. وفي بيان حكم الهبة. أما ركن الهبة؛ فهو الإيجاب من الواهب، فَأَمَّا القبول من الموهوب له فليس بركن؛ استحساناً، والقياسُ أن يكون ركناً؛ وهو قول زفر، وفي قول قال: القبضُ أيضاً ركنٌ، وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيمن حَلَفَ لا يهب هذا الشيء لفلان، فوهبه منه فلم يقبل؛ أنه يحنث (١) الهبة لغة مأخوذة من وَهَبَ يقال: وهب يَهَبُ وهباً ووهباً وهبة، والاسم: الموهب والموهبة، ولا يقال: وهبكه، هذا قول سيبويه وحكى السَّيْرَافي عن أبي عَمْرٍو أنه سمع أعرابياً يقول لآخر: انطلق معي أهبك نبلاً . ووهبت له هبة وموهبة ووهباً ووهباً إذا أعطيته، ووهب الله له الشيء، فهو يَهَبُ هبةً، وتواهب الناس بينهم، أي: يهب بعضهم بعضاً، وهي في الأصل مصدر محذوف الأول عوض عنه هاء التأنيث، فأصلها: وهب بتسكين الهاء وتحريكها، ومما تقدم من اشتقاق للفظ الهبة، يتبيَّنُ لي أنها تُطْلَقُ في اللغة على التبرع والتفضل بما ينفع الموهوب له مطلقاً، سواء أكان مالاً أو غير مال. فالهبة: العَطِيَّةُ الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمى صاحبها وهاباً. انظر: لسان العرب ٤٩٢٩/٦. اصطلاحاً: عَرَّفَهَا الأَخْنَافُ بأنها: تَمْلِیكٌ بلا عوض. وعرفها الشافعية بأنها: التمليك بلا عِوَضٍ. وعَرَّفها المالكية بأنها: تَمليكٌ متمول بغير عِوَضٍ. وعرفها الحَنَّابلة بأنها: تمليك جائز التصرّف مالاً معلوماً، أو مجهولاً، تعذر علمه. انظر: فتح القدير ١٩/٩، حاشية ابن عابدين ٥٠٨/٤، الإقناع ٨٥/٢، مغني المحتاج ٣٩٦/٢ والمحلى على المنهاج ١١٠/٣، مواهب الجليل ٤٩/٦، شرح منتهى الإرادات ٥١٧/٢ والمغني ٢٤٦/٦. ٨٤ ٨٥ كتاب الهبة استحساناً، وعند زفر لا يحنث ما لم يقبل، وفي قول ما لم يقبل ويقبض، وأجمعوا على أنه إذا حلف لا يبيع هذا الشيء لفلان، فباعه فلم يقبل، أنه لا يحنث، وعلى هذا الخلاف إذا قال رجلٌ لآخر: وَهَبْتُ هذا الشيء منك، فلم يقبل، فقال المقر له: لا بل قبلت، فالقول قول المقر عندنا، وعنده القول قول المقر له، وأجمعوا على أنه لو قال: بعت هذا الشيء منك فلم تقبل، فقال المقر له: لا بل قبلت أن القول قول المقر له. وجه القياس: أن الهبة تصرف شرعي، والتصرف الشرعي وجوده شرعاً باعتباره وهو انعقاده في حق الحكم، والحكم لا يثبت بنفس الإيجاب، فلا يكون نفس الإيجاب هبة شرعاً، هذا أمكن الإيجاب بدون القبول تبعاً؛ كذا هذا. وجه الاستحسان أن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شريطة القبول، وإنما القبول والقبض لثبوت حكمها لا لوجودها في نفسها، فإذا أوجب فقد أتى بالهبة، فترتب عليها الأحكام(١). والدليلُ عَلَى أن وقوع التصرف هبة لا يقف على القبول ما روي عن النبي - عليه الصلاة (١) المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا القبض وهو قولُ أكْثَر الفُقَهاءِ منهم؛ النَّخَعِيُّ، والثّوْرِيُّ، والحَسَنُ بن صالِح، وأبو حنيفة، والشافِعِيُّ، وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَلْزَمُ ذلك بمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لِعُمُوم قوله عليه السَّلامُ: ((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئِه)). ولأنَّه إزالةُ مِلْكِ بغيرِ عِوَضٍ، فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ كالوَقْفِ والعِثْقِ. وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنْقُلُ المِلْكَ، فلم يَقِفْ لُزُومُه على القَبْضِ كالْبَيْعِ. ولَنا، إجماعٌ الصَّحابةِ رَضِيَ الله عنهم، فإنَّ ما قُلْنَاه مَرْوِيٌّ عن أبي بكرٍ وعمرَ رَضِيَ الله عنهما، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَرَوى عُرْوَةُ، عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ الله عنه، نَحَلَها جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقاً من مالِه بالعَالِيَةِ. فلما مَرِضٌ، قال: يا بُنَيَّة، ما أحَدّ أحَبُّ إليَّ غِنَى بَعْدِي منك، ولا أحدٌ أعزُّ عليَّ فَقْراً منكِ، وكنتُ نحلتك جذاذ عشرين وسقاً، ووددت أنك حزتيه أو قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختاك، فاقتسموا على كتاب الله عَزَّ وجَلَّ. وروى ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القارىء، أن عمر بن الخطاب، قال: ما بال أقوام ينحلون أولادهم، فإذا مات أحدهم، قال: مالي، وفي يدي. وإذا مات هو، قال: قد كنت نحلته ولدي. لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد، فإن مات ورثه. وروى عثمان أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغاراً. قال المرُّوذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، أن الهبة لا تجوز إلاَّ مقبوضة. ولأنها هبةٌ غير مقبوضةٍ، فلم تلزم، كما لو مات قبل أن يقبض، فإن مالكاً يقول: لا يلزم الورثة التسليم، والخبر محمولٌ على المقبوض، ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق؛ لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى، فخالف التمليكات، والوصية تلزم في حق الوارث، والعتق إسقاط حق وليس بتمليك، ولأن الوقف والعتق لا يكون في محل النزاع في المكيل والموزون. ينظر المغني ٢٤٠/٨ - ٢٤١. ٨٦ كتاب الهبة والسلام - أنَّهُ قَالَ: ((لاَ تَجُوزُ الهِبَةُ إِلاَّ مَقْبُوضَةً مَحُوزَةً»(١) أطلق اسن الهبة بدون القبض والحيازة. وروي: ((أَنَّ الصَّغْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِمَارَ وَخْشٍ وَهُوَ بِالأَبْواء)) وفي رواية: ((بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وقَالَ: ((لَوْلاَ أَنَّا حُرُمٌ(٢) وَإِلاَّ لَقَبِلْنَا))(٣) فقد أطلق الراوي اسم الإهداء بدون القبول، والإهداء من ألفاظ الهبة. وروي أن سيدنا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - دعا سيدتنا عائشة - رضي الله عنها في مرضٍ موتِهِ، فقال لها: إني كنتُ نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حرزتيه (٤)، وإنما هو اليوم مال الوارث(٥)، أطلق الصديق - رضي الله عنه - اسم النحلي بدون القبض، والنحلي من ألفاظ الهبة، فثبت أن الهبة في اللغة عبارة عن نفس إيجاب الملك . والأصل أن معنى التصرف الشرعي هو ما دل عليه اللفظ لغةً؛ بخلاف البيع؛ فإنه اسم الإيجاب مع القبول، فلا يطلق اسم البيع لغة وشريعة على أحدهما دون الآخر، فما لم يوجدا لا يتسم التصرف بسمة البيع؛ ولأن المقصود من الهبة هو اكتساب المدح والثناء بإظهار الجود والسخاء، وهذا يحصل بدون القبول بخلاف البيع، وكذا الغرض من الحلف؛ هو منع النفس عن مباشرة المحلوف عليه، وذلك هو الإيجاب؛ لأنه فعل الواهب فيقدر على منع نفسه عنه. فأما القبولُ والقبضُ ففعل الموهوب له، فلا يكون مقدور الواهب، والملك محكوم شرعي ثبت جبراً من الله تعالى، شاء العبد أو أبى، فلا يتصور منع النفس عنه أيضاً؛ بخلاف البيع؛ فإنه وإن منع نفسه عن فعله وهو الإيجاب، إلاَّ أن الإيجاب هناك لا يصير تبعاً بدون القبول، فشرط القبول ليصير تبعاً(٦) فالإيجاب هو أن يقول الواهب: وهبت هذا الشيء لك، أو (١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٢١/٤) وقال: غريب. وقال الحافظ في الدراية: لم أجده (٢/ ١٨٣) والحديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. (٩/ ١٠٧) كتاب المواهب، باب: الهبات، حديث (١٦٥٢٩) من قول إبراهيم النخعي. (٢) في ط: حرام. (٣) تقدم. (٤) في أ: جذيتيه. (٥) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٧٥٢/٢) كتاب الأقضية، باب: ((ما لا يجوز من النحل))، حديث (٤٠). وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٠٢/٩) كتاب ((الوصايا)): باب: النحل، حديث (١٦٥٠٩). كلاهما من طريق الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - به وإسناده صحيح. (٦) في أ: بيعاً. ٨٧ كتاب الهبة ملكته منك، أو جعلته لك، أو هو لك، أو أعطيته، أو نحلته، أو أهديته إليك، أو أطعمتك هذا الطعام، أو حملتك على هذه الدابة، ونوى به الهبة. أما قوله: وهبتُ لك، فصريح في الباب، وقوله(١) ملكتك يجري مجرى الصريح أيضاً؛ لأن تمليك العين للحال من غير عوض هو تفسير الهبة، وكذا قوله: جعلتُ هذا الشيء لك. وقوله ((هو لك)) لأن اللام المضاف إلى من هو [من](٢) أهل الملك(٣) للتمليك، فكان تمليك العين في الحال من غير عوض وهو معنى الهبة؛ وكذا قوله ((أعطيتك))؛ لأن العطية المضافة إلى العين في عرف الناس هو تمليكها للحال من غير عوض، وهذا معنى الهبة، وكذا يستعمل الإعطاء استعمال الهبة، يُقال: ((أعطاك الله كذا ووهبك)) بمعنى، والنحلة هي العطيةُ، يقال: فلان نحل ولده نحلى، أي: أعطاه عطية، والهبة بمعنى العطية. وقوله: ((أطعمتك هذا الطعام)) في معنى أعطيتك وقوله: ((حملتك على هذه الدابة)) فإنه يحتمل الهبة ويحتمل العارية، فإنه رُوِي أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - حَمَلَ رَجُلاً عَلَىْ دَابَّةٍ ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ فِي السُّوْقِ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِوَّهَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ وَّرَ: ((لا تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِكَ))(٤) فاحتمل تمليك العين، واحتمل تمليك المنافع، فلا بد من النية للتعيين. وَلَوْ قال: منحتك هذا الشيء، أو قال: هذا الشيء لك منحة، فهذا لا يخلو إما أن يكون ذلك الشيء مما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك، وَإما أن يكون مما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، فإن كان مما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك؛ كالدار والثوب والدابة والأرض، بأن قال: هذه الدار لك منحة، أو هذا الثوب أو هذه الدابة، أو هذه الأرض - فهو عارية، لأن المنحة في الأصل عبارة عن هبة المنفعة، أو ما له حكم المنفعة، وقد أضيف إلى ما يمكن الانتفاع به من غير استهلاكه من السكنى واللبس والركوب والزراعة، لأن منفعة الأرض زراعتها، فكان هذا تمليك المنفعة من غير عوض، وهو تفسير الإعارة؛ وكذا إذا قال الأرض بيضاء: هذه الأرض لك طعمة، كان عارية؛ لأن عين الأرض مما لا يطعم، وَإنما يطعم ما يخرج منها، فكان طعمة الأرض زراعتها، فكان ذلك حينئذ إعارة، ولصاحبها أن يأخذها إذا لم يكن فيها زرع، وإن كان فيها زرع فالقياسُ أنْ يكون له ولاية القلع كالبناء والغرس، وفي (١) في أ: وقولك. (٢) سقط من ط. (٣) في ط: للملك. (٤) سيأتي ضمن شواهد حديث العائد في هبته. ٨٨ كتاب الهبة ١١٨٧/٣ الاستحسان يترك إلى وقت الحصاد بأجر المثل، [وسنذكر وجهيهاً/ في ((كتاب العارية))](١) ولو منحه شاة حلوباً أو ناقة حلوباً أو بقرةً حلوباً، وقال: هذه الشاة لك منحة، أو هذه الناقة أو هذه البقرة، كان عارية، وجاز له الانتفاع بلبنها؛ لأن اللبن وإن كان عيناً حقيقة فهو معدود من المنافع عرفاً وعادةً، فأعطى له حكم المنفعة؛ كأنه أباح له شرب اللبن فيجوز له الانتفاع بلبنها، وكذلك لو منحه جدياً أو عناقاً، كان له عارية؛ لأن الجدي بعرض أن يصير فحلاً، والعناق حلوباً، وإن عنى بالمنحة الهبة في هذه المواضع فهو على ما عنى؛ لأنه نوى(٢) ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد على نفسه، وإن كان مما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك كالمأكول والمشروب والدراهم والدنانير، بأن قال: هذا الطعام لك منحة، أو هذا اللبن أو هذه الدراهم والدنانير - كان هبة، لأن المنحة المضافة إلى ما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك - لا يمكن حملها على هبة المنفعة، فيحمل على هبة العين، وهي تمليكها، وتمليك العين للحال من غير عوض هو تغيير الهبة . هذا إذا كان الإيجاب مطلقاً عن القرينة، فأما إذا كان مقروناً بقرينة، فالقرينةُ لا تخلو إما إن كان وقتاً، وإما إن كان شرطاً، وإما إن كان منفعة، فإن كان وقتاً بأن قال: أعمرتك هذه الدار، أو صرح فقال: جعلت هذه الدار لك عمري، أو قال: جعلتها لك عمرك(٣)، أو قال: هي لك عمرك أو حياتك، فإذا مت أنت فهي رد علي، أو قال: جعلتها لك عمري أو حياتي، فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي - فهذا كله هبة، وهي للمعمر له في حياته ولورثته بعد وفاته، والتوقيت باطلٌ، والأصلُ فيه ما رُوِيَ عَنْ رَسُول الله - وَ - أَنَّهُ قال: ((أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، لاَ تُعْمِرُوهَا؛ فإِنَّ مَنْ أَعْمَر شيئاً فَإِنَّهُ لِمَنْ أَعْمَرَهُ»(٤). وَرَوَى جابر بن عبد الله أن رسولَ اللهِ وَّةٍ قال: ((أيُّما رَجُلِ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا(٥) لِلَّذِي يُعْطَاهَا لاَ يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقُّعَتْ فِيهِ المَوَارِيثُ))(٦). (١) في أ: وقد ذكرنا وجه القياس والاستحسان في كتاب العارية. (٢) في أ: عنى. (٣) في أ: عمري. (٤) أخرجه مسلم (١٢٤٦/٣) كتاب الهبات: باب العمرى حديث (١٦٢٥/٢٦) والنسائي (٢٧٤/٦) كتاب العمرى: باب اختلاف الناقلين لخبر جابر في العمرى، وأحمد (٣١٧/٣) وابن أبي شيبة (١٤٢/٧) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦ /٢٨٤) من طريق أبي الزبير عن جابر به. (٥) في أ: وهي. (٦) أخرجه مالك (٧٥٦/٢) كتاب الأقضية: باب القضاء في العمرى حديث (٤٣) ومسلم (١٢٤٥/٣) كتاب الهبات باب العمرى حديث (١٦٢٥/٢٠) وأبو داود (٨١٩/٣) كتاب البيوع والإجارت: باب في العمرى له ولعقبه حديث (٣٥٥٣) والترمذي (٦٣٢/٣) كتاب الأحكام: باب في العمرى حديث (١٣٥٠) = ١ ٨٩ کتاب الھبة وعن جابر قال: ((قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((مَنْ أَعْمَرِ عُمْرَى حَيَاتَهُ فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِهِ يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ [من](١) بَعْدَهُ))(٢)؛ فدلت هذه النصوص على جواز الهبة وبطلان التوقيت؛ لأن قوله ((جعلت هذه الدار لك)) أو ((هي لك)) - تمليكُ العين للحال مطلقاً. ثم قوله عمري توقيت التمليك، وأنه تغيير لمقتضى العقد؛ وكذا تمليك الأعيان لا يحتمل التوقيت نصًا؛ كالبيع، فكان التوقيت تصرفاً مخالفاً لمقتضى العقد والشرع، فبطل وبقي العقد صحيحاً، وإن كانت القرينة شرطاً نظر إلى الشرط المقرون(٣)، فإن كان مما يمنع وقوع (٤) التصرف تمليكاً للحال يمنع صحة الهبة، وإلا فيبطل الشرط، وتصح الهبة. وعلى هذا يخرج ما إذا قَالَ: ((أَزْقبتُكَ هذه الدار))، أو صرح فقال: جعلت هذه الدار لك رقبى، أو قال: هذه الدار لك رقبى، ودفعها إليه، فهي عارية في يده، له أن يأخذها منه متى شاء، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: هذا هبة. وقوله ((رقبى)) باطلٌ، احْتَجَّ بِمَا رُوِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَجَازَ العُمْرَى وَالرُّقْبَى؛ ولأن قوله: (دَارِي لكِ)) تمليكُ العين، لا تمليك المنفعة، ولما قال رقبى، فقد علقه بالشرط، وأنه لا يحتمل التعليق، فبطل الشرط وبقي العقد صحيحاً، ولهذا لو قال: داري لك عمرى؛ أنه تصح [شرط](٥) الهبة ويبطل شرط المعمر؛ كذا هذا، واحتجا بما روى الشعبي عن شريح أنَّ والنسائي (٢٧٤/٦ - ٢٧٥) كتاب العمرى وابن ماجه (٧٩٦/٢) كتاب الهبات: باب العمرى حديث = (٢٣٨٠) والطيالسي (٢٨١/١ - منحة) رقم (١٤٢٤) وابن الجارود (٩٨٧) وأبو يعلى (٧١/٤ - ٧٢) رقم (٢٠٩٢، ٢٠٩٣) وابن حبان (٥١٠٨، ٥١١٣، ٥١١٥، ٥١١٦ - الإحسان) والشافعي (١٦٨/٢) كتاب الهبة والعمرى حديث (٥٨٨) وأحمد (٣٩٣/٣، ٣٩٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٢/٤) والبيهقي (١٧٢/٦) كتاب الهبات: باب العمرى، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٢١/٤ - بتحقيقنا) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ومن طريق أبي سلمة أخرجه البخاري (٢٨٢/٥). كتاب الهبة: باب ما قيل في العمرى والرقبى حديث (٢٦٢٥) بلفظ: قضى النبي ◌َّ* بالعمرى أنها لمن وهبت له . (١) سقط من ط. (٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٨٢٠) كتاب البيوع: باب من قال في العمرى له ولعقبه حديث (٣٥٥٦) والنسائي (٢٧٣/٦) كتاب العمرى: باب اختلاف الناقلين لخبر جابر في العمرى والبيهقي (١٧٥/٦) كتاب الهبات: باب الرقبى، من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر عن النبي وَّ به. وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٥٢/٦). (٣) في أ: المذكور. (٥) سقط من ط. (٤) في أ: وقوف. ٩٠ كتاب الهبة رسولَ الله ◌َّ أجاز العمرى وأبطلَ الرقبى، ومثلهما لا يكذب؛ ولأن قوله: ((داري لك رقبى)) تعليقُ التمليكِ بالخطر؛ لأن معنى الرقبى أنه يقول، إن مت أنا قبلك فهي لك، وَإن متَّ أنتَ قبلي فهي لي. سمي الرقبى من الرقوب، والارتقاب والتَّرَقُب؛ وهو الانتظار؛ لأن كل واحد منهما ينتظر موت صاحبه قبل موته، وذلك غير معلوم، فكانت الرقبى تعليق التمليك بأمر له خطر ١٨٧/٣ ب الوجود والعدم، والتمليكات مما لا تحتمل التعليق بالخطر، فلم تصح هبة، وصحت عارية/ لأنه دفع إليه وأطلق له الانتفاع به، وهذا معنى العارية، وهذا بخلاف العمرى؛ لأن هناك وقع التصرف تمليكاً للحال، فهو بقوله: عمرى وقت التمليك أنه لا يحتمل التوقيت، فبطل وبقي العقد على الصحة، ولا حجة له في الحديث؛ لأن الرقبى تحتمل أن تكون من المراقبة؛ وهي الانتظار ويحتمل أن تكون من الأرقاب؛ وهو هبة الرقبة؛، فإن أريد بها الأول كان حجة له، وإن أريد بها الثاني لا يكون حجة؛ لأن ذلك جائز، فلا يكون حجة مع الاحتمال، أو يحمل على الثاني توفيقاً بين الحديثين، صيانة لكلام من يستحيل عليه التناقض عنه. وبهذا تبين أن لا اختلاف بينهم في الحقيقة إن كان الرقبى والأرقاب مستعملان في اللغة في هبة الرقبة، وينبغي أن ينوي، فإن عنى به هبة الرقبة يجوز بلا خلافٍ، وَإن عنى به مراقبة الموت لا يجوز بلا خلاف. ولو قال لرجلين: داري لأطولكما حياةً، فهو باطل، لأنه لا يدري أيهما أطول حياة، فكان هذا تعليق التمليك(١) بالخطر، فبطل، ولو قال: داري لك حبيسٌ، فهذا عارية عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف هو هبةٌ، وقوله ((حبيس)) باطل بمنزلة الرقبى. وجه قوله إن قوله ((داري لك))، تمليكٌ، وقوله ((حبيس)) نفي الملك، فلم يصح النفي وبقي التمليك على حاله. وجه قولهما إن قوله ((حبيس)) خرج تفسيراً لقوله ((لك))، فصار كأنه ابتدأ بالحبيس فقال: داري حبيس لك، ولو قال ذلك كان عارية بالإجماع؛ كذا هذا. ولو قال: داري رقبى لك عارية إجماعاً، ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوى ولو وهب جارية على أن يبيعها، أو على أن يتخذها أم ولد، أو على أن يبيعها لفلان، أو على أن يدبرها(٢) عليه بعد شهر جازت الهبة، وبطل الشرط؛ لأن هذه الشروط مما لم تمنع وقوع (١) في أ: الحكم. (٢) في ط: يردها. ١ ٩١ كتاب الهبة التصرف تمليكاً للحال، وهى شروط تخالف مقتضى العقد، فتبطل، ويبقى العقد على الصحة، بخلاف شروط الرقبى على ما بينا، وبخلاف البيع فإنه تبطله هذه الشروط؛ لأن القياس أن لا يكون قران الشرط الفاسد لعقد ما مفسراً له، لأن ذكره في العقد لم يصح، فيلحق بالعدم، ويبقى العقد صحيحاً، إلاَّ أن الفساد في البيع للنهي الوارد فيه، ولا نهي في الهبة، فيبقى الحكم فيه على الأصل؛ ولأن دلائل شرعية الهبة عامة مطلقة من نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَّكُمْ عَنْ شيءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوُهُ هَنِيْئاً مَرِيئاً﴾ [النساء: ٤]، وهذا يجري مجرى الترغيب في أكل المهر .. (١) (١) روي هذا الحديث من طرق عن النبي وَّ فمن حديث عائشة رضي الله عنها. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (١٢١/٤) والدولابي في ((الكنى)) (١٤٣/١) وأبو الشيخ في الأمثال (١٢٥) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٦٥٣) كلهم من طريق المثنى أبي حاتم العطار عن عبيد الله بن العيزار عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله: ((تهادوا تحابوا وهاجروا تورثوا أبناءكم مجداً وأقيلوا الكرام عثراتهم». وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٤٩/٤) وقال: وفيه المثنى أبو حاتم ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام. ومن هذا الوجه ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص - ١٦٥) وعزاه للطبراني في الأوسط والحربي في الهدايا والعسكري في الأمثال اهـ. وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعطاء مرسلاً. حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (٥٩٤) والدولابي في ((الكنى)) (١٥٠/١، ٧/٢) وأبو يعلى (٩/١١) رقم (٦١٤٨) والبيهقي (١٦٩/٦) كتاب الهبات: باب التحريض على الهبة والهدية. والقضاعي في - مسند الشهاب - (٦٥٧) كلهم من طريق ضمام عن موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعاً. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٦٩/٣ - ٧٠): رواه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي وأورده ابن طاهر في (مسند الشهاب)) من طريق محمد بن بكير عن ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة وإسناده حسن. حديث عبد الله بن عمرو. أخرجه الحاكم في ((علوم الحديث)) (ص ٨٠) من طريق ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل المعافري عن عبد الله بن عمرو أن النبي ◌َّر قال: تهادوا تحابوا. حديث عبد الله بن عمر. أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في ((الترغيب والترهيب)) كما في ((نصب الراية)) (١٢١/٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق الراشدي ثنا محمد بن داود بن عبد الجبار عن أبيه عن العوام بن حوشب عن شهر بن حوشب عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: ((تهادوا تحابوا)). مرسل عطاء. أخرجه مالك في «الموطأ)) (٩٠٨/٢) كتاب حسن الخلق باب ما جاء في المهاجرة حديث (١٦) عن عطاء قال: قال رسول الله وَل﴿ ((تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء)). = ٩٢ کتاب الهبة وقوله عليه الصلاة والسلام: ((تَهَادَوْا تَحَابُوا)) وهذا ندبٌ إلى التهادي، والهدية هبةٌ. وروينا عن الصديق رضي الله عنه أنه قال لسيدتنا عائشة - رضي الله عنها - ((إِنَّ كُنْتُ نَحَلْتُكِ كَذَا وكَذَا (١)، وعن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قالٍ: مَنْ وَهبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمْ أَوْ عَلَى وَجِهِ صَدَفة، فإنَّهُ لا يرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجعُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَرْضَ عَنْهَا))(٢)، ونحوه (٣) من الدلائل المقتضية لشرعية الهبة،، من غير فصل بين ما إذا(٤) قرن بها شرط فاسد أو لم يقرن. وعلى هذا يخرج ما إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها، أو وهب حيواناً واستثنى ما في بطنه أن الهبة جائزة في الأم والولد جميعاً، والاستثناء باطلٌ، والكلُّ للموهوبِ له. وجملةُ الكلام فى العقود التي فيها استثناء الحمل أنها أقسام ثلاثة: قسم منها يبطل ويبطل الاستثناء جميعاً، وقسم منها يصحُ ويبطل الاستثناء، وقسم منها يصح ويصح الاستثناء. أما الأول: فهو البيع، والإجارة، والكتابةً، والرهن؛ لأن الاستثناء لما في البطن بمنزلة شرط فاسد، وهذه العقود تبطل بالشروط الفاسدة. وأما القسم الثاني فالهبةُ، والصدقة والنكاحُ، والخلعُ، والصلحُ عن دم العمدِ، لأن هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة، فيصح العقد ويبطل الاستثناء، ويدخل الأم والولد جميعاً في العقد؛ لأن الشرط الفاسد وهو الاستثناء فيها إذا لم يصح التحق بالعدم، فصار كأنه لم يستثن؛ ١٨٨/٣أ وكذا العتق بأن أعتق جارية واستثنى ما في بطنها أنه يصح العتق، ولا يصح الاستثناء حتى/ يعتق الأم والولد جميعاً؛ لما قلنا. وأما القسم الثالث: فالوصيةُ؛ بأن أوصى لرجل بجارية واستثنى ما في بطنها؛ لأنه لما جعل الجارية وصية له واستثنى ما في بطنها، فقد أبقى ما في بطنها ميراثاً لورثته، والميراثُ يجري فيما في البطن، وهذا بخلاف ما إذا أوصى بجارية لرجل واستثنى خدمتها وغلتها (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه الطحاوي (٨١/٤). والبيهقي (١٨٢/٦) كتاب الهبات، باب: ((المكافأة في الهبة)). كلاهما من طريق ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف المري عن مروان بن الحكم أن عمر بن الخطاب قال :... فذكره بنحوه. وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، إلا أن الحديث موقوف على عمر رضي الله عنه. (٣) في أ: ونحو ذلك. (٤) سقط من ط. ٩٣ كتاب الهبة لورثته، أنه تَصَحُّ الوصيةُ، ويبطل الاستثناء، لأن الغلة والخدمة لا يجري فيهما الميراث بانفرادهما بدون الأصل. أَلاَ ترى أنه لو أَوْصَى بخدمتها وغلتها لإنسان ومات الموصي، ثم مات الموصى له بعد القبول، لا تصير الغلة والخدمة ميراثاً لورثة الموصى له، بل تعود إلى ورثة الموصي، وبمثله لو أوصى بما في بطن جاريته لإنسان، والمسألة بحالها، فإن الولد يصير ميراثاً لورثة الموصى له، وما افترقا إلا لما ذكرنا، والله عَزَّ وَجَلَّ - أعلم. وَإِنْ كانت القربة(١) منفعة بأن قال: دارى لك سكنى، أو عمرى سكنى، أو صدقة سكنى، أو هبة سكنى، أو سكنى هبة، أو هي لك عمرى عارية، ودفعها إليه - فهذا كله عارية؛ لأنه لما ذكر السكنى في قوله ((داري لك سكنى)) أو ((عمرى سكنى)) أو ((صدقة سكنى)) [دل على](٢) أنه أراد تمليك المنافع؛ لأن قوله ((هذا لك)) ظاهرُه وَإِن كان [لتمليك العين](٣) لكنه يحتمل تمليك المنفعة، لأن الإضافة إلى المستعير والمستأجر مستعملة(٤) عرفاً وشرعاً. وقوله (سكنى)) موضوعٌ للمنفعة، لا تستعمل إلا لها، فكان محكماً، فجعل تفسيراً للمحتمل وبياناً أنه أراد به تمليك المنفعة، وتمليك المنفعة بغير عوض هو تفسير العارية؛ وكذا قوله ((سكنى)) بعد ذكر الهبة، يكون تفسير للهبة؛ لأن قوله هبة يحتمل هبة العين، ويحتمل هبة المنافع، فإذا قال ((سكنى)) فقد عين هبة المنافع، فكان بياناً لمراد المتكلم؛ أنه أراد هبة المنافع، وهبةُ المنفعةِ تمليكها من غير عوض، وهو معنى العارية. وإذا قال: ((سكنى هبة))، فمعناها أن سكنى الدار هبة لك، فكان هبة المنفعة وهو تفسير العارية . ولو قال: ((هي لك عمرى تسكنها))، أو ((هبة تسكنها)) أو ((صدقة تسكنها))، ودفعها إليه فهو هبة؛ لأنه ما فسر الهبة بالسكنى لأنه لم يجعله نعتاً، فيكون بياناً للمحتمل، بل وهب الدار منه، ثم شاوره فيما يعمل بملكه، والمشورة في ملك الغير باطلة، فتعلقت الهبة بالعين. وقوله («تسكنها))، بمنزلة قوله لتسكنها؛ كما إذا قال ((وهبتها لك لتؤاجرها))، ولو قال: هي لك تسكنها، كانت هبة أيضاً، لأن الإضافة بحرف اللام إلى من، هو أهل الملك للتمليك، وقوله ((تسكنها)) مشورة على ما بينا. (١) في ط: القرينة. (٣) في أ: التمليك. (٤) في ط: منفعة. (٢) في أ: علم. ٩٤ كتاب الهبة فصل في شرائطها وأما الشرائط فأنواعٌ، بعضُها يرجع إلى نفس الركن(١)، وبعضها يرجع إلى الواهب، وبعضها يرجع إلى الموهوب وبعضها يرجع إلى الموهوب له. أما الأول(٢) فهو أَنْ لا يكون معلقاً(٣) بما له خطر الوجود والعدم؛ من [دخول زيدٍ وقدوم خالد](٤) والرقبى ونحو ذلك؛ ولا مضافاً إلى وقت،؛ بأن يقول: وهبت هذا الشيء منك غداً، أو رأس شهر كذا؛ لأن الهبة تمليكُ العين للحال، وأنه لا يحتمل التعليق بالخطر والإضافة إلى الوقت کالبيع. وأما ما يَرجِعُ إلى الواهب؛ فهو أن يكون ممن يملك التبرع؛ لأن الهبةَ تبرعٌ، فَلاَ يملكها من لا يملك التبرع، فلا تجوزُ هبةُ الصبي والمجنون؛ لأنهما لا يملكان التبرع،؛ لكونه ضرراً محضاً لا يقابله نفع دنيوي، فلا يملكها الصبي والمجنون؛ كالطلاق والعتاق؛ وكذا الأب لا يملك هبة مال الصغير من غير شرط العوض بلا خلافٍ؛ لأن المتبرع بمال الصغير قربان ماله لا على الوجه(٥) الأحسن؛ ولأنه لا يقابله نفع دنيوي، وقد قال الله تعالى، عَزَّ شأنه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيم إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] ولأنه إذا لم يقابله عوض دنيوي كان التبرع ضرراً محضاً،، وترك [الضرر مرحمة](٦) في حق الصغير، فلا يدخل تحت ولاية الولي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لاَ ضَرَرَ وَلاَ إضْرَارَ فِي الإِسْلاَم)) وقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ لا(٧) يَرْحَم صَغِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) ولهذا لم يملك طلاق امرأتَه وإعتاق عبده وسائر التصرفات الضارة ١٨٨/٣ ب المحضة: / وَإن شرط الأب العوض لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله: يجوز، وعلى هذا هبة المكاتب والمأذون؛ أنه لا يجوز عندهما، سَوَاءٌ كان بعوض أو بغير عوضٍ، وعنده يجوز بشرط العوض. والأصلُ عندهما أنَّ كل من لا يملك التبرع لا يملك الهبة، لا بعوضٍ ولا بغير عوض، والأصل عنده أن كل من يملك البيع يملك الهبة بعوض. وجهُ قولٍ محمد أن الهبة تمليك، فإذا شرط فيها العوض كانت تمليكاً بعوض، وهذا تفسير البيع، وإنما اختلفت العبارة، ولا عبرة باختلافها بعد اتفاق المعنى، كلفظ البيع مع لفظه التمليك . (١) في أ: الشرط. (٣) في أ: متعلقاً. (٥) في ط: وجه. (٧) في أ: لم. (٢) في أ: أما الذي يرجع إلى نفس الركن. (٤) في أ: دخول الدار وقدوم فلان. (٦) في ط: المرحمة. ٩٥ كتاب الهبة ولهما أن الهبة بشرط العوض تقع تَبَرُّعاً ابتداءً، ثم تصير بيعاً في الانتهاء؛ بدليل أنها [لا](١) تفيد الملك قبل القبض، ولو وقعت بيعاً من حين وجودها لما توقف الملك فيه على القبض؛ لأن البيع [الصحيح](٢) يفيد الملك بنفسه، دَلَّ أنها وقعت تبرعاً ابتداء، وهؤلاء لا يملكون التبرع، فلم تصحَّ الهبة حين وجودها، فلا يتصور أن تصير بيعاً بعد ذلك. وأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلى الموهوب فأنواعٌ: منها أن يكون موجوداً وقت الهبة، فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد(٣)؛ بأن وهب ما يثمر نخله العام وما تلد أغنامه السنة، ونحو ذلك؛ بخلاف الوصية، والفرقُ أن الهبة تمليك للحال، وتمليكُ المعدوم مُحَالٌ، والوصية تمليك مضافٌ إلى ما بعد الموت، والإضافة لا تمنع جوازها. وكذلك لو وهب ما في بطن هذه الجارية، أو ما في بطن هذه الشاة، أو ما في ضرعها لا يجوز، وإن سلطه على القبض عند الولادة والحلب،؛ لأنه لا وجه لتصحيحه للحال؛ لاحتمال الوجود والعدم؛ لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل، وقد يكون لداء في البطن وغيره؛ وكذا انتفاخ الضرع قد يكون باللبن، وقد يكون بغيره، فكان له خطر الوجود والعدم، ولا سبيل لتصحيحه بالإضافة إلى ما بعد زمان الحدوث؛ لأن التمليك بالهبة مما لا يحتمل الإضافة إلى الوقت، فبطل، ولهذا لا يجوز بيعه، بخلاف ما إذا وهب الدين من غير من عليه الدين، وسلطه على القبض أنه يصح استحساناً؛ لأنه أمكن تصحيحه للحال؛ لكون الموهوب موجوداً مملوكاً للحال، مقدور القبض بطريقه؛ على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكذلك لو وهب زبداً في لبن، أو دهناً في سمسم، أو دقيقاً في حنطة - لا يجوز، وإن سلطه على قبضه عند حدوثه؛ لأنه معدومٌ للحال، فلم يوجد محل حكم العقد للحال، فلم ينعقد، ولا سبيل إلى الإضافة إلى وقت الحدوث، فبطل أصلاً، بخلاف ما إذا وهب صوفاً على ظهر الغنم، وَجَزَّهُ وسلمه؛ أنه يجوز؛ لأن الموهوبَ موجودٌ مملوكٌ للحال، إلاَّ أنه لم ينفذ للحال لمانع، وهو كون الموهوب مشغولاً بما ليس بموهوب، فإذا جزَّهُ فقد زال المانع لزوال الشغل، فينفذ عند وجود القبض؛ كما لو وَهَبَ شقصاً مشاعاً ثم قسمه وسلمه. ومنها: أن يكون(٤) مالاً مُتَقَوَّماً، فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلاً؛ كالحر، والميتة، والدم، وصيد الحرم، والإحرام، والخنزير؛ وغير ذلك؛ على ما ذكرنا في البيوع، ولا هبة ما ليس بمال مطلق؛ كأم الولد، [والمدبر المطلق، والمكاتب](٥)؛ لكونهم أحراراً من وجهٍ، ولهذا لم يجز بيع هؤلاء، ولا هبة ما ليس بمتقوم كالخمر، ولهذا لم يجز بيعُها. (١) سقط من ط. (٢) سقط من ط. (٣) في أ: الهبة. (٥) في أ: والمدبر والمكاتب المطلق. (٤) في أ: لا يكون. ٩٦ كتاب الهبة ومنها: أن يكون مملوكاً في نفسه، فلا تجوز هبة المباحات؛ لأن الهبة تمليك؛ وتمليكُ ما ليس بمملوك محالٌ. ومنها: أن يكون مملوكاً للواهب، فلا تجوز هبة مال الغير بغير إذنه؛ لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك، وإن شئت رَدَذت هذا الشرط إلى الواهب، وكل ذلك صحيحٌ؛ لأن المالك والمملوك من الأسماء الإضافية، والعلقة التي تدور عليها الإضافة هي الملك، فيجوز رَدُّ هذا الشرط إلى الموهوب، ويجوز رَدُّهُ إلى الواهب في صناعة الترتيب، فافهم. وسواء كان المملوك عيناً أو ديناً، فتجوز هبة الدين لمن عليه الدين، قياساً واستحساناً . وأما هبة الدين لغير من عليه الدين، فجائزٌ أيضاً إذا أذن له بالقبض وقبضه استحساناً والقياس أن لا يجوز وإن أذن له بالقبض. وجه القياس أن القبض شرط جواز الهبة، وما في الذمة لا يحتمل / القبض، بخلاف ما إذا وهب لمن عليه؛ لأن الدين في ذمته وذمته في قبضه، فكان الدين في قبضه بواسطة قبض الذمة . وجه الاستحسان أن ما في الذمة مقدورُ التسليم والقبض، ألا ترى أن المديون يجبر على تسليمه، إلا أن قبضه بقبض العين، فإذا قبض العين قام قبضها مقام قبض عين ما في الذمة، إلاَّ أنه لا بد من الإذن بالقبض صريحاً، ولا يكتفي فيه بالقبض بحضرة الواهب، بخلاف هبة العين؛ لما نذكره في مَوْضِعِهِ. ومنها: أن يكون محوزاً، فلا تجوز هبة المشاع(١) فيما يقسم، وتجوز فيما لا يقسم؛ (١) وهبه المشاع صحيحة عند أحمد ومالِكٌ، والشافِعيُّ. قال الشافعي: وسواء في ذلك ما أمكن قسمته؛ أو لم يمكن. وقال أصحاب الرأي: لا تصح هبة المشاع الذي يمكن قسمته؛ لأن القبض شرط في الهبة، ووجوب القسمة يمنع صحة القبض وتمامه. فإن كان مما لا يمكن قسمته، صحت هبته؛ لعدم ذلك فيه. وإن وهب واحد اثنين شيئاً مما ينقسم، لم يجز عند أبي حنيفة. وجاز عند صاحبيه. وإن وهب اثنان اثنين شيئاً مما ينقسم، لم يصح في قياس قولهم؛ لأن كل واحد من المتهبين قد وهب له جزء مشاع. ولنا، أن وفد هوازن لما جاؤوا يطلبون من رسول الله و لو أن يرد عليهم ما غنمه منهم، قال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَهُوَ لَكُمْ)). رواه البخاري. وهذا هبة مشاع. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت النبي ◌َّ، وقد جاءه رجل ومعه كبةٌ من شعر، فقال: أخذت هذه من المغنم لأصلح بردعة لي. فقال النبيُّ وَِّ: (مَا كَانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطْلِبِ فهو لَكَ)). ورَوَى عُمَيْرُ بن سَلَمَةَ الضَّمْرِيُّ، قال: قال خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ وَِّ، حتى أَتَيْنَا الرَّوْحَاءَ، فَرَأيْنا حِمَارَ وَخشِ مَعْقُوراً، فأردنا أخذه، فقال رسول الله وَله: (دَعُوهُ، فإنَّه يُوشِكُ أنْ يَجِيءَ صَاحِبُهُ))؛ فجاءَ رَجُلٌ من بَهْزِ، وَهو الذي عَقَرَهُ، فقال: يا رسولَ الله: شأتَكُم الحِمَارَ. فأمَرَ رسولُ اللهِ وَلِ﴿ أبا بَكْرٍ أن يَقْسِمَهُ بين النّاسِ. رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ، والنَّسَائِيُّ. ولأَنَّه يجوزُ بَيْعُه، فجازَتْ هِبَتُه، كالذي لا يَنْقَسِمُ، ولَأَنَّه مُشَاعٌ، فَأَشْبَهَ ما لَا يَنْقَسِمُ. وقولُهم: إنَّ وُجُوبَ القِسْمةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ. لا يَصِحُ؛ فإنَّه لم يَمْنَعْ صِحَّته في البَيْعِ، فكذا ههنا. ومتى كانت الهبةُ لاثنين، فقبضاه بإذنه، ثبت ملكهما فيه، وإن قبضه أحدهما، ثبت الملك في نصيبه دون نصيب صاحبه. ينظر المغني ٢٤٧/٨ -٢٤٨. ٩/٣ ٩٧ كتاب الهبة كالعبد والحمام والدن (١) ونحوها، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرط، وتجوز هبة المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم عنده. واحتجَّ بظاهرٍ قولِهِ عَزَّ وَجَلْ. ﴿فَنِصْفُ مَا فَرُّضْتُمْ إِلاَّ أنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أوجب . سبحانه وتعالى - نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول، إلا أن يوجد الحط من الزوجات عن النصف، من غير فصلٍ بينِ العين والدين، والمشاع والمقسوم(٢)، فيدلُّ على جواز هبة المشاع في الجملة، وبما رُوِّيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ أَنَّهُ لَمَّا شَدَّدَ في الغُلُول في الغَنِيمَةِ فِي بعْضِ الغَزَوَاتِ، فَقَام - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَلامُ - إِلَى سَنَّامٍ بَعِيرٍ وَأخَذَ مِنْهُ وَبرةً، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا إِنِّي لاَ يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَيمَتِكُم، وَلَوْ بِمِثْلٍ هَذِهِ الوَبرَةِ إِلَّ الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيَكُمْ، رُدُّوا الخَيْطَ، وَالمَخِيطَ ، فَإِنَّ الغُلُولَ عَارٌ وَشَنَارَ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ(٣)، فجاء أعرابيٍّ بكبة من شعر، (١) في أ: والدرة. (٢) في أ: والمفرز. (٣) قلت ورد من حديث عبادة بن الصامت والعرباض بن سارية وعبد الله بن عمرو بن العاص. حديث عبادة. أخرجه أحمد (٣١٨/٥) والنسائي (١٣١/٧) كتاب قسم الفيء وابن حبان (١٦٩٣ - موارد) من طريق سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت عن النبي وَّ قال: ((أدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة)) هكذا رواه من هذا الوجه مختصراً. وأخرجه أحمد (٣١٦/٥) من طريق إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله عن أبي سلام عن المقدام بن معد يكرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي فتذاكروا حديث رسول الله * فقال أبو الدرداء لعبادة يا عبادة كلمات رسول الله بصير في غزوة كذا في شأن الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله وَّلقوله صلى بهم إلى بعير من المغنم فلما سلم قام فتناول وبرة بين أنملته فقال: إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة)) ... الحديث وأبو بكر بن عبد الله هو ابن أبي مريم. وحديث العرباض بن سارية . أخرجه أحمد (١٢٧/٤ - ١٢٨) وللبزار كشف الأستار (٢٩١/٢): كتاب الجهاد - باب ما جاء في الغلول - حديث (١٧٣٤) والطبراني في الكبير (١٨) رقم (٦٤٩) ثنا أبو عاصم ثنا وهب أبو خالد قال حدثتني أم حبيبة بنت العرباض عن أبيها ((أن رسول الله و لو كان يأخذ الوبرة من فيء الله عز وجل فيقول ما لي من هذا إلا مثل ما لأحدكم إلا الخمس وهو مردود فيكم فأدوا الخيط والمخيط فما فوقها وإياكم والغلول فإنه عار وشنار على صاحبه يوم القيامة)) . وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني وفيه أم حبيبة بنت العرباض ولم أجد من وثقها ولأجرحها وبقية رجاله ثقات. وحديث عبد الله بن عمرو. أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع (٣٤٢/٥) عنه ((أن رسول الله وَلير قال وهو بالجعرانة أثناء = بدائع الصنائع ج٨ - ٧٢ ٩٨ كتاب الهبة فقال: أخذتها لأصلح بها بَرْدَعَةَ بَعِيِري يَا رسُولَ اللهِ، فقال: أَمَّا نَصِيبي فَهُوَ لَكَ [وسأسأل لك الاقي](١) البَاقِي(٢)، وهذا هبة المشاع فيما يقسم، وروي أن رسول الله وَّ [لما قدم المدينة](٣) نزل على أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - فنظر إلى موضع المسجد، فوجده بين أسعد بن زرارة وبين رجلين من قومه، فاستباع أسعد نصيبها ليهب الكل من رسول الله صلى الله عليه وسلمَ فَأَبَيًا ذلك، فوهب أسعد نصيبه من النبيِّ عليه الصلاة والسلام - فوهبا أيضاً نصيبهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قبل النبيُّ عليه الصلاة والسلامَ الهبةَ في نصيب أسعد، وقبل في نصيب الرجلين أيضاً، ولو لم يكن جائزاً لما قَبِلَ، لأن أدنى حال فعل النبي - عليه الصلاة والسلام - الجواز، ولأن الشياع لا يمنع حكم هذا التصرف ولا شرطه؛ لأن حكم الهبة الملك، والشياع لا يمنع الملك. ألا ترى أنه يجوز بيع المشاع؛ وكذا هبة المشاع فيما لا يقسم، وشرطه هو القبض، والشيوع لا يمنع القبض؛ لأنه يحصل قابضاً للنصف المشاع بتخلية الكل؛ ولهذا جازت هبة المشاع فيما لا يقسم، وإن كان القبض فيها شرطاً لثبوت الملك؛ كذا هذا. ولنا: إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - قال في مرضٍ موتِهِ لسيدتنا عائشة رضي الله عنها: ((إِنَّ أَحَبَّ الناس إليّ غنى أنت، وأعزهم علي فقراً أنتِ، وإنى كنتُ نحلتُك جداد عشرين وسقاً من مالي بالعالية، وأَنَّكِ لم تكوني قبضتِيهِ ولا جذيتيه، وإِنَّمَا هو اليوم مالُ الوارثِ، اعتبر سيدنا الصديق رضي الله عنه القبض والقسمة(٤) في الهبة لثبوت الملك؛ لأن الحيازة في اللغة جمعُ الشيء المفرق في حيز، وهذا معنى القسمة؛ لأن الأنصباء الشائعة قبل القسمة كانت متفرقة، والقسمة تجمع كل نصيب في حيز. وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه قال: ما بالُ أحدكم ینحل ولده نحلاً لا يحوزها ولا يقسمها، ويقول إن مت فهو له، وإن مات رجعت إليَّ، وأيم الله، لا ينحل أحدُكم وَلَدُه حديث ردوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة)). = وأخرجه أبو داود (٦٩/٢ - ٧٠) كتاب الجهاد: باب في فداء الأسير بالمال حديث (٢٦٩٤) والنسائي (٢٦٢/٦ - ٢٦٣) وأحمد (١٨٤/٢) والبيهقي (٣٣٦/٦ - ٣٣٧) وفي ((دلائل النبوة)) (١٩٤/٥ - ١٩٥) مطولاً من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً وفيه: فأدوا الخيط والمخيط فإن الغلول يكون على صاحبه عاراً وناراً وشناراً يوم القيامة. وأخرجه مالك (٤٥٧/٢ - ٤٥٨) كتاب الجهاد: باب ما جاء في الغلول حديث (٢٢) من طريق عبد الرحمن بن سعيد عن عمرو بن شعيب مرسلاً. (١) في ط: وسأسلمك. (٣) سقط من ط. (٢) ينظر تخريج الحديث السابق. (٤) في ط: والقيمة. ٩٩ كتاب الهبة نحلى لا يحوزها ولا يقسمها فيموت إلا جعلتها ميراثاً لورثته(١)، والمراد من الحيازة القبض هنا، لأنه ذكرها بمقابلة القسمة؛ حتى لا يؤدي إلى التكرار، أخرج الهبة من أن تكون موجبة للملك بدون القبض والقسمة. وروي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: مَنْ وهب ثلث كذا أو ربع كذا لا يحوز ما لم يقاسم، وكلُّ ذلك بمحضر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه أنكر عليهم منكرٌّ، فيكون إجماعاً. ولأن القبض شرط جواز هذا العقد، والشيوع يمنع من/ القبض؛ لأن معنى القبض ١٨٩/٣ب هو التمكن من التصرف في المقبوض، والتصرف في النصف الشائع وحده لا يتصور، فإن سكنى نصف الدار شائعاً،، وليس نصف الثوب شائعاً محال، ولا يتمكن من التصرف فيه بالتصرف في الكل؛ لأن العقد لم يتناول الكل. وهكذا نقول في المشاع الذي لا يقسم أن معنى القبض هناك لم يوجد؛ لما قلنا. إلا أن هناك ضرورة؛ لأنه يحتاج إلى هبة بعضه، ولا حكم للهبة بدون القبض؛ والشياع مانع من القبض الممكن للتصرف، ولا سبيل إلى إزالة المانع بالقسمة؛ لعدم احتمال القسمة؛ فمست الضرورة إلى الجواز، وإقامة صورة التخلية مقام القبض الممكن من التصرف ولا ضرورة هنا؛ لأن المحل محتمل للقسمة؛ فيمكن إزالة المانع من القبض الممكن بالقسمة، أو نقول الصحابة - رضي الله عنهم شرطوا القبض المطلق، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وقبض المتاع قبض قاصر، لوجوده من حيث الصورة دون المعنى؛ على ما بينا، إلا أنه اكتفى بالصورة في المشاع الذي لا يحتمل القسمة؛ للضرورة التي ذكرنا، ولا ضرورة هنا، فلزم اعتبار الكمال في القبض، ولا يوجد في المشاع؛ ولأن الهبة عقدُ تبرع، فلو صحت في مشاع يحتمل القسمة لصار عقد ضمان؛ لأن الموهوب له يملك مطالبة الواهب بالقسمة، فيلزمه ضمان القسمة، فيؤدي إلى تغيير المشروع؛ ولهذا توقف الملك في الهبة على القبض، لما أنه لو ملكه بنفس العقد لثبتت له ولاية المطالبة بالتسليم، فيؤدي إلى إيجاب الضمان في عقد التبرع، وفيه تغيير المشروع؛ كذا هذا بخلاف مشاع لا يحتمل القسمة؛ لأن هناك لا يتصور إيجاب الضمان على المتبرع؛ لأن الضمان ضمان القسمة. والمحل لا يحتمل القسمة، فهو الفرق .. وأما الآية فلا حجة له فيها، لأن المراد من المفروض الدين لا العين؛ ألا ترى أنه قال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] والعفو إسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل؛ وكذا الغالب في (١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢/٩) كتاب الوصايا، باب: ((النحل))، حديث (١٦٥٠٩). وإسناده صحيح إلى عمر - رضي الله عنه. ١٠٠ كتاب الهبة المهر (١) أن يكون دَيْناً، وهبة الدين ممن عليه الدين جائز؛ لأنه إسقاط الدين عنه، وأنه جائز في المشاع. وأما حديث الكبة، فيحتمل أن [يكون](٢) النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهب نصيبه منه، واستوهب البقية من أصحاب الحقوق، فوهبوا وسلموا الكل جملة، وفي الحديث ما يدُل عليه؛ فإنه قال: قال رسولُ اللهِ وَ (وسأسأل لك(٣) البَاقِيَ)) وما كان هو - عليه الصلاة والسلام - ليخلف في وعده، وهبة المشاع على هذا السبيل جائزة عندنا؛ على أن ذلك كان هبة مشاع لا ينقسم من حيث المعنى، لأن كبة واحدة لو قسمت على الجم الغفير، لا يصيب كل واحد(٤) منهم إلا نزر حقير لا ينتفع به، فكان في معنى مشاع لا ينقسم. وأما حديث أسعد بن زرارة، فحكايةُ حال، يحتمل أنه وهب نصيبه وشريكاه وَهَبَا نصيبهما منه وسلموا الكل جملة، وهذا جائز عندنا، ويحتمل أن الأنصباء كانت مقسومة مفرزة، ويجوز أن يقال في مثل هذا بينهم إذا كانت الجملة متصلة بعضها ببعض؛ كقرية بين جماعة أنها تضاف إليهم؛ وإن كانت أنصباؤهم مقسومة، واحتمل بخلافه، فلا يكون حجة مع الاحتمال؛ لأن حكاية الحال لا عموم له. ولو قسم ما وهب وأفرزه ثم سلمه إلى الموهوب له، جاز؛ لأن هبة المشاع عندنا منعقد موقوف نفاذه على القسمة، والقبض بعد القسمة هو الصحيح، إذ الشيوع لا يمنع ركن العقد ولا حكمه، وهو الملك، ولا سائر الشرائط إلا القبض الممكن من التصرف، فإذا قسم وقبض فقد زال المانع من النفاذ، فينفذ، وحديث الصديق - رضي الله عنه - لا يدل عليه، فإنه قال لسيدتنا عائشة - رضي الله عنها -: ((إِني كنتُ نحلتُكِ جداد عشرين وسقاً من مالي))، وكان ذلك هبة المشاع فيما ينقسم؛ لأن النحل من ألفاظ الهبة، ولو لم ينعقد لما فعله الصديقُ رضي الله عنه لأنه ما كان ليعقد عقداً باطلاً، فدّل قولُ الصديق - رضي الله عنه - على انعقاد العقد في نفسه، وتوقف حكمه على القسمة والقبض، وهو (٥) عين مذهبنا، والله أعلم. وكذلك لو وهب نصف داره من رجلٍ ولم يسلم إليه، ثم وهب منه النصف الآخر وسلم إليه [جملة جاز](٦)؛ لما قلنا. ولو وهب منه نصف الدار وسلَّم إليه بتخلية الكل، ثم وهب منه النصف الآخر وسلم، لم تجز الهبة؛ لأن كل واحد منهما هبة المشاع، وهبة المشاع فيما يقسم لا تنفذ إلا بالقسمة (١) في أ: في الجملة. (٣) في ط: وسأسلمك. (٥) في أ: وهذا. (٢) سقط من ط. (٤) في ط: كلاً. (٦) في أ: الكل فهذا جائز.