Indexed OCR Text
Pages 541-550
٥٤١ كتاب الشركة وتبطل بموت الوكيل لتعذّر تصرفه، فتبطل الشّركة فلا يجوز لأحدهما أن يقبض نصيب الآخر، إذا لم يكن هو الذي تولَّى العقد، ويجوز قبضه في نصيب نفسه؛ لأنه موكّل فيه وقبض الوكيل جائز استحساناً . وأما الذي ولي المداينة فله أن يقبض الجميع؛ لأنه ملك ذلك بعقد المداينة؛ لكونه من حقوق العقد، فلا يبطل بانْفِساح الشركة بموت الشَّريك؛ كما لا يبطل بالعزل، ولو آجر أحدهما نفسه في الخياطة أو عمل من الأعمال - فالأجر بينهما نصفان، وإن أجر نفسه للخِذمة، فالأجر له خاصة؛ لأن في الفصل الأول آجر نفسه في عمل يملك أن يتقبل على نفسه وعلى صَاحِبه، فإذا عمل فقد أوفى ما عليهما، فكانت الأجرة بينهما، وفي الثاني لا يملك التقبُّل على صاحبه بل على نفسه خاصة، فكانت الأجرة له خاصة. وقال أبو حنيفة: إذا قضى أحدهما ديناً كان عليه قبل المفَاوَضَة، فهو جائز، لأنه إذا قَضَى فقد صار المقضي ديناً على القاضي أولاً، ثم يصير قصاصاً بما له على القاضي، فكان هذا تمليكاً بعوض، فتناوله عقد الشركة فملكه فجاز القضاء وليس لصاحبه سبيلٌ على الذي قبض الدين؛ لما ذكرنا أن قبضه قبض مضْمُون؛ لأنه قبض ما للشَّريك أن يملكه إياه ويرجع على شريكه(١) بحصته منه؛ لأنه قضى دين نفسه من مال غيره، ولا تنتقض المفَاوَضة وإِن ازداد مال أحد الشريكين؛ لأن الواجب دين وزيادة مال أحد الشَّريكين إذا كانت ديناً لا توجب بطلان المفاوضة، كما لا تمنع انعقادها؛ لما مر أن الدّين لا يصلح رأس مال الشّركة، فإذا استرجع ذلك بطلت المفاوضة؛ لأنه ازداد له مال صالح للشّركة على مال شریکه. ولو رهن أمة من مال المفاوضة بخمسمائة وقيمتها ألف، فماتت في يد المرتهن - ذهبت بخمسمائة ولا يضمن ما بقي؛ لأن الزيادة أمانة في يد المرتهن، فكان مودعاً في قدر الأمانة من الرَّهن والمودع والمفاوض أن يودّع، وكذلك وصي أيتام رهن أمة لهم بأربعمائة عليه، وقيمتها ألف، فماتت في يد المرتهن - ذهبت بأربعمائة، وذلك يكون ديناً للورثة على الوصي؛ وهو أمين في الفضل. وكذلك الأب يرهن أمة ابن له صغير بدين عليه؛ لأن الأب والوصي يملكان الإيداع، والزيادة على قدر الدين من الرهن أمانة فكانت وديعة. قال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة - رحمه الله - لو أقرض أحد المتفاوضين مالاً، فأعطاه رجلاً ثم أخذ به سفتجة - كان ذلك جائز عليهما ولا يضمن، ونوى المال أو لم ينو. وفي قياس قول أبي يوسف: أن الذي أَقْرَض وأخذ السفتجة يضمن حصَّة شريكه من (١) في ط: ويرجح عليه شريكه. ٥٤٢ كتاب الشركة ٢٥٦/٢ب ذلك، وهذا فرع/ اختلافهم في الكَفَالة أن الكفيل في حكم المقرض، فإذا جازت الكفالة عند أبي حنيفة جاز القَرْض، وعند أبي يوسف: لا تجوز الكفالة لما فيها من معنى التبرُّع فكذلك القَرْض. وقالوا في أحد المتفاوضين: إذا استأجر إبلاً إلى مكة ليحجّ ويحمل عليها متاع بيته، فللمؤاجر أن يطالب أيهما شاء بالأَجْر؛ لأن المعقود عليه وهو المنفعة مما يجوز دخوله في الشركة . ألا ترى لو أبدله من حمل مَتَاعه فحمل عليها متاع الشّركة جاز، وإذا دخل في الشّركة كان البدَلُ عليهما، فيطالب به شريكه بحكم الكفالة. وإن وقع ذلك له خاصة، كما لو اشترى طعاماً لنفسه - أن المشْتَرِي يقع له ويطالب الشريك بالثمن كذا هذا. ولو آجر أحدهما عبداً له ورثه، لم يكن لشريكه أن يَقْبض الإجارة؛ لأنها بدل مال لم يدخل في الشّركة، فلا يملك قبضه كالدين الذي وجب له بالميراث، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وأما الشركة بالأعمال، فأما العنان منها فلكل واحد منهما أن يتقبل العمل، ومتى تقبل يجب عليه وعلى شريكه؛ لأنَّ كل واحد منهما بعقد الشركة أذن لصاحبه بتقبل العَمَل عليه، فصار وكيله فيه كأنه تقبل العمل بنفسه، ولصاحب العمل أن يطالب بالعمل أيهما شاء لوجوبه على كلِّ واحد منهما، ولكل واحد منهما أن يطالب صاحب العَمَل بكل الأجرة، لأنه قد لَزِمه كل العمل فكان له المطالبة بكل الأجرة، وإلى أيهما دفع صَاحِب العمل برىء؛ لأنه دفع إلى من أمر بالدفع إليه، وعلى أيهما وجب ضَمَانَ العمل وهو جناية يده - كان لصاحب العمل أن يُطَالب الآخر به استحساناً؛ كذا روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - أنه قال: إذا جنت يد أحَدِهما فالضَّمَان عليهما جميعاً يأخذ صاحب العمل أيهما شاء بجميعٍ ذلك، والقياس ألا يكون له ذلك. وجه القياس ظاهر؛ لأن هذه شركة عنان لا شركة مُفَاوَضَة، وحكم الشرع في شركة العنان أن ما يلزم كل واحدٍ منهما بعقده لا يطالب به الآخر. وجه الاستحسان: أن هذه شركة ضمان في حق وجوب العمل؛ لأن العمل الذي يتقبله أحدُهما على الآخر حتى يستحق الأجر به؛ فإذا كانت هذه الشركة مقتضية وجوب العَمَل على كل واحدٍ منهما، كانت مقتضية وجوب ضمان للعمل، فكانت في معنى المفاوضة في حق وجوب الضمان، وإن لم تكن مفاوضة حقيقة حتى قالوا في الدين: إذا أقر أحدهما بثَمَن ٥٤٣ كتاب الشركة صابون أو أشنان(١) أو غيرهما - أنه لا يصدق على صاحبه، إذا كان المبيع مستهلكاً إلا بإقراره، أو بالبينة؛ كذا إذا أقر أحدهما بأجر أجير أو حانوت بعد مضيّ هذه الإجارة. وإن كان المبيع لم يستهلك ومدة الإجَارَة لم تمض - لزمهما جميعاً بإقراره، وإن جحده شريكه كما في شركة العنان، فدل أنه ليس لها حُكْم المفاوضة من جميع الوجوه، بل من الوَجْه الذي بينا خاصة. وقال أبو يوسف: إذا ادَّعى على أحدهما ثوباً عندهما فأقر به أحدهما وجحد الآخر - جاز الإقرار على الآخر، ويدفع الثوب ويأخذ الأجرة قال: وهذا استحسان وليس بقياس؛ لأنهما ليسا بمتَفَاوضين حتى يصْدُق كل واحد منهما على صاحبه، بل هما شريكان شركة عنان، فلا ينفذ إقراره على صاحبه فيما في يد صاحبه؛ كشريكي العنان في المال إذا أقر أحدهما بثوب من شركتهما وجحد الآخر - أنه لا ينفذ إقْرَاره على صاحبه في نَصِيبه كذا هذا. وقد روى ابن سماعة عن محمد: أنه أخذ بالقياس في هذه المسألة وقال: ينفذ إقراره في النّصف الذي في يده، ولا ينفذ في النصف الذي في يد الشريك. ووجهه ما ذكرنا: أن الشّيء في أيديهما والشّركة شركة عنان، وأحد شريكي العنان إذا أقر بثوب في أيديهما لا ينفذ على صَاحِبه، وإنما استحسنا وألحقناها بالمفاوضة في حق وجُوب العمل، والمطالبة بالأجْرَة في حق وجوب ضمان العمل، فبقي الأمر فيها وراء ذلك على أصْل القیاس. وجه الاستحسان لأبي يوسف: أنه لما ظهر حكم المفاوضة في هذه شركة في حق ضمان العمل، وهو وجوبه حتى لَزِم كل واحدٍ منهما كل العمل - وجب له المطالبة بكلٌ الأجرة، وعليه كل العمل، ولزمه ضَمّان ما حدث على شريكه يظهر في محل العمل أيضاً، فينفذ إقراره بمَحَلِ العمل على صاحبه. وإن عمل أحدهما دون الآخر؛ بأن مرض أو سافر أو بطل - فالأجر بينهما على ما شرطا؛ لأن الأجر في هذه الشركة إنما يستحق بضمان العمل، لا بالعمل؛ لأن العمل قد يكون منه وقد يكون من غيره؛ كالقصَّار والخياط إذا استعان برجل على القصارة والخياطة أنه يستحقُّ الأجر، وإن لم يعمل لوجود ضمان العَمَل منه. وههنا شرط العمل عليهما، فإذا عمل أحدهما يصير الشريك القابل/ عاملاً لنفسه في ١٢٥٧/٢ (١) أُشنان: شجر من الفصيلة الرمرامية، ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي. المعجم الوسيط (أشن) ٥٤٤ كتاب الشركة النصف، ولشريكه في النصف الآخر، ويجُوز شَرْط التَّفاضل في الكسب إذا شرط التفاضل في الضمان؛ بأن شَرَطا لأحدهما ثُلُثي الكَسْب وهو الأجر، وللآخر الثلث وشَرَطا العمل عليهما كذلك، سواء عمل الذي شرط له الفضل أو لم يعمل بعد أن شَرَطا العمل عليهما؛ لأن استحقَاق الأجرة في هذه الشركة بالضمان لا بالعمل، بدليل أنه لو عمل أحدهما استحقَّ الآخر الأجر، وإذا كان استحقاق أصل الأجر بأصل ضَمَان العمل لا بالعَمَل، كان استحقاق زيادة الأجر بزيادة الضَّمان لا بزيادة العمل. وحكي عن الكرخي: أنه علَّل في هذه المسألة فقال: المنافع لا تتقوم إلا بالعقد، والشَّريك قد قومها بمقدار ما شَرَط لنفسه، فلا يستحق الزيادة عليه، وهذا يشير إلى الاستحقاق بالعمل ورد عليه الجصاص، وقال: هذا لا يصح؛ بدليل أنه لو شرط فضل الأجر لأقلهما عملاً؛ بأن شَرَطا ثلثا الأجرة له جاز، فدل أن استحقاق فضل الأجرة بفضل الضمان لا بفَضْل العمل. ولو شرطا التفاضل في الأجرة فجعلاها أثلاثاً، ولم ينسبا العمل إلى نصفين فهو جائز؛ لأنهما لما شرطا التَّفاضل في الكسب، ولا يصح ذلك إلا بشرط التفاضل في العمل، كان ذلك اشتراطاً للتفاضل في العمل تصحيحاً لتصرفهما عند إمكان التصحيح، ولو شرطا الكسب أثلاثاً وشرطا العمل نِصْفَين لم يجز؛ لأن فضل الأجرة لا يقابلها مال ولا عَمَل ولا ضَمَان، والربح لا يستحق إلا بأحد هذه الأشياء. وأما الوضيعة فلا تكون بينهما إلا على قَدْر الضَّمان، حتى لو شرطا أن ما يتقبلانه، فثلثاه على أحدهما بعينه وثلثه على الآخر، والوضيعة بينهما نصفان - كانت الوضيعة باطلة والقبالة(١) بينهما على ما شرطا على كل واحد منهما؛ لأن الربح إذا انقسم على قدر الضَّمان كانت الوضيعة على قدر الضمان أيضاً؛ لأنه لا يجوز اشتراط زيادة الضَّمان في الوضيعة في موضع يجوز اشتراط زيادة الربح فيه لأحدهما، وهو الشركة بالأموال، حتى لا تكون الوضيعة فيها إلا بقدر المال، ففي موضع لا يجوز اشْتِراط زيادة الربح فيه لأحدهما؛ فلأن لا يجوز أن تكون الوضيعة فيه إلا على قدر الضمان أولى. وأما المفاوضة منهما فما لزم أحدهما بسبب هذه الشّركة يلزم صاحبه، ويطالب به من ثمن صابون أو أشْنَان أو أجر أجير أو حانوت، ويجوز إقرار أحد الشريكين عليه وعلى شريكه بالدين، وللمقرّ له أن يطَالِب به أيهما شاء؛ لأن كل واحد منهما كَفِيل عن صَاحِبه، فيلزم المقر (١) القبالة: العمل يلتزمه الإنسان. ٥٤٥ كتاب الشركة بإقراره والشريك بكفالته، ولو ادعى على أحدهما بثوب في أيديهما، فأقر به أحدُهُما وجحد صاحبه - بصدق على صاحبه وينفذ إقراره عليه. وأما الشركة بالوجوه فالعنان منها، والمفاوضة في جميع ما يجب لهما وما يجب عليهما، وما يجوز فيه فعل أحَدِهما على شريكه وما لا يجوز بمَنْزِلة شريك العنان والمفاوضة في الأموال. وأما الشّركة الفاسدة وهي التي فاتها شَرْط من شرائط الصِّحة، فلا تفيد شيئاً مما ذكرنا؛ لأن لأحد الشَّريكين أن يعمله بالشركة الصحيحة، والربح فيها على قدر المالين؛ لأنه لا يجُوز أن يكون الاستحقاق فيها بالشرط؛ لأن الشرط لم يصح، فألحق بالعدم فبقي الاستحقاق بالمال فيقدر بقدر المال، ولا أجر لأحدهما على صاحبه عندنا. وقال الشّافعى: له أجره فيما عمل لصَاحِبه، وهذا غير سديدٍ؛ إلا أنه استحقَّ الربح بعمله فلا يستحقّ الأجر، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. فصل [في صفة عقد الشركة] وأما صفة عقد الشركة فهي أنها عقد جائز غير لازم، حتى ينفرد كل واحد منهما بالفسخ، إلا أن من شرط جواز الفسخ أن يكون بحضرة صاحبه، أي بعلمه، حتى لو فسخ بمحضر من صاحبه جاز الفَسْخ، وكذا لو كان صاحبه غائباً وعلم بالفَسْخ؛ وإن كان غائباً ولم يبلغه الفَسْخ، لم يجز الفسخ ولم ينفسخ العقد؛ لأن الفسخ من غير علم صاحبه إضرارٌ بصاحبه؛ ولهذا لم يصحّ عزل الوكيل من غير علمه، مع أن الشركة تتضمَّن الوكالة، وعلم الوكيل بالعزل شرط جواز العزل، فكذا في الوكالة التي تضمنته الشركة(١). (١) قال ابن قدامة والشّرِكَةُ من العُقُودِ الجائِزَةِ، تَبْطُلُ بِمَوْتِ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وجُنُونِهِ، والحَجْرِ عليه للسَّفَهِ، وبالفَسْخِ من أحَدِهما؛ لأنَّها عَقْدٌ جائِزٌ، فَبَطَلَتْ بذلك، كالوَكَالَةِ، وإن عَزَلَ أحَدُهما صَاحِبَه، انْعَزَلَ المعْزُولٌ فلم يكُنْ له أن يَتَصَرَّفَ إلاَّ فِي قَدْرِ نَصِيبِهِ، وللعازِلِ التَّصَرُّفُ في الجَمِيعِ؛ لأنَّ المَعْزُولَ لم يَرْجِعْ عن إذْنِه. هذا إذا كان المالُ نَاضًّا، وإن كان عَزْضاً، فذَكَّرَ القاضي أنَّ ظَاهِرَ كَلام أحمَدَ، أَنَّه لا يَنْعَزِلُ بالعَزْلِ، وله التَّصَرُّفُ حتى يَنِصَّ المالُ، كالمُضَارِبِ إذا عَزَلَهُ رَبُّ المالِ، ويَنْبَغِيَ أن يكونَ له النَّصَرُّفُ بالبَيْعِ دون المُعَاوَضَةِ بسِلْعَةٍ أُخْرَى، أو النَّصَرُّفِ بغَيرِ ما يَنِصُّ به المالُ. وذَكَرَ أَبو الخَطَّابِ أنَّه يَنْعَزِلُ مُطْلَقاً. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه عَقْدُ جائِزٌ، فَأَشْبَهَ الوَكَالةَ. فعلى هذا إن اتَّفَقَا على البَيْع أو القِسْمَةِ، فَعَلاَ. وإن طَلَبَ أحَدُهما القِسْمَةَ والآخَرُ البَيْعَ، أُجِيِبَ طَالِبُ القِسْمَةِ دون طَالِبِ البَيْعِ. فإن قِيَّل: أليس إذا فَسَخَ رَبُّ المالِ المُضَارَبَةَ، فَطَلَبَ العامِلُ الْبَيْعَ، أَجِيبَ إليه؟ فالجوابُ: أنَّ حَقَّ الَعَامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَرُ الرِّبْحُ إِلاَّ بالبَيْعِ، فَاسْتَحَقَّهُ العامِلُ لِوُقُوفٍ حُصُولٍ حَقّه عليه، وفي مَسْأَلَتِنَا، ما يَحْصُلُ منَ الرِّبْحِ يَسْتَذْرِكُه كلَّ واحِدٍ مِنَهما في نَصِيبِهِ من المَتَاعِ، فلم يُجْبَر على البَيْعِ . ينظر: المغني (١٣١/٧ - ١٣٢). بدائع الصنائع ج٧ - م٣٥ ٥٤٦ كتاب الشركة وعلى هذا الأصل قال الحسن بن زياد: إذا شَارَك أحد شريكي العنان رجلاً شركة مفاوضة - أنه إن كان بغير محضر من شريكه، لم تكن مُفَاوَضَة، وإن كان بمحضر منه صحت المفاوضة؛ لأن المفاوضة مع غيره تتضَمَّن فسخ العنان وهو لا يملك الفسخ عند غيبته، ويملك عند حَضْرته، وهل يشترط أن يكون مال الشركة عيناً وقت الشركة لصَّحة الفسخ. وهي أن ٢٥٧/٢ب يكون دراهم أو دنانير. ذكر الطّحاوي: أنه شرط حتى لو كان/ مال الشركة عروضاً وقت الفسخ، لا يصح الفسخ، ولا تنفسخ الشّرِكة، ولا رواية عن أصحابنا في الشركة، وفي المضاربة رواية؛ وهي أن رب المال إذا نهى المَضَارب عن التصرُّف؛ فإنه ينظر إن كان مال المضاربة وقت النهي دراهم أو دنانير، صحَّ النهي لكن له أن يصرف الدراهم إلى الدنانير، والدنانير إلى الدراهم؛ لأنَّهما في الثمنية جنس واحد، فكأنه لم يشتر بها شيئاً، ولَيْس أن يشتري بها عروضاً. وإن كان رأس المال وقت النَّهي عروضاً فلا تصحّ نهيه؛ لأنه يحتاج إلى بيعها ليظهر الربح، فكان الفسخ إبطالاً لحقه في التصرُّف، فجعل الطحاوي الشركة بمنزلة المضاربة، وبعض مشايخنا فرق بين الشركة والمضاربة، فقال: يجوز فسخ الشركة وإن كان رأس المال عروضاً، ولا يجوز فَسْخ المضاربة؛ لأن مال الشركة في يد الشريكين جميعاً ولهما جميعاً ولاية التصرُّف، فيملك كل واحد منهما نهي صاحبه عيناً كان المال أو عروضاً، فأما مال المضاربة ففي يد المضارب وولاية التصرف له لا لرب المال، فلا يَمْلِك ربّ المال نهيه بعد ما صَارَ المال عروضاً. فصل وأما بيان ما يبطل به عقد الشّركة فما يبطل به نوعان: أحدهما: يعم الشركات(١) كلها. والثاني: يخصُّ البعض دون الْبَعْض. أما الذي يعم الكل فأنواع: منها: الفسخ من أحد الشريكين؛ لأنه عَقْدٍ جائز غير لازم، فكان محتملاً للفسخ؛ فإذا فسخه أحدهما عند وجود شرط الفَسْخ ينفسخ، ومنها موت أحدهما، أيهما مات انفسخت الشّركة؛ لبطلان الملك. وأهلية التصرف بالموت، سواء علم بموت صاحبه أو لم يعلم؛ لأن (١) في أ: للأنواع. ٥٤٧ أکتاب الشركة كل واحدٍ منهما وكيل صاحبه، وموت الموكل يكون عزلاً للوكيل علم به أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي فلا يَقِفُ على العلم. ومنها ردة أحدهما مع اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت، ومنها جنونه جنوناً مطبقاً؛ لأن به يخرج الوكيل عن الوكالة، وجميع ما يخرج به الوكيل عن الوكالة يبطل به عَقْد الشّركة؛ لأن الشركة تتضمن الوكالة على نحو ما فصلنا في كتاب الوكالة. وأما الذي يخص البعض دون البَغْض فأنواع: منها: هلاك المالين أو أحدهما قبل الشِّراء في الشركة بالأَمْوَال، سواء كان المالان من جنسين أو من جنس واحد قبل الخلط؛ لأن الدَّراهم والدنانير يتعينان في الشركات، فإذا هلكت فقد هلك ما تعلّق العقد بعينه قبل انبرام العقد وحُصُول المعقود به فيبطل العقد، بخلاف ما إذا اشْتَرى شيئاً بدراهم معينة ثم هلكت الدَّراهم قبل القبض - أن العقد لا يَبْطُل؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في المعاوضات ويتعيَّنان في الشركات. ثم إنما لم تتعين الدراهم والدنانير في المعاوضات وتتعين في الشركات؛ لأنهما جعلا ثمنين شرعا فلو تعينا في المعاوضات لانقلبا مثمنين؛ إذ المثمن اسم لعينٍ يقابلها عوض؛ فلو تعيَّنت الدراهم والدنانير في المعاوضات، لكان عيناً يقابلها عوض فكان مثمناً فلا يكون ثمناً وفيه تغيير حكم الشّرع فلم يتعين، وليس في تعيّنها في باب الشّركة تغيير حكم الشّرع؛ لأنها لا يقابلها عند انعقاد الشركة عليهما عوض، ولهذا يتعيَّنان في الهبات والوصايا بخلاف المضَارَبة والوكالة المفردة عن الشّركة؛ أنهما لا يتعيَّنان في هذين العقدين وإن لم يكن التعيين فيهما تغييراً لحكم الشرع، وهو جعلهما مثمنين لما لا عوض للحال يقابلهما؛ لأن كل واحدٍ من العقدين وضع وسيلة إلى الشركة، والوسيلة إلى الشيء حكمه حكم ذلك الشّيء، فجعل حكمهما في حق المنع من تعين الدراهم والدنانير حكم الشِّراء، فلم يتعينا بالعقد والإشارة، بل يتعينان بالقبض كما في الشراء بخلاف الشركة فإنها وإن وَقَعت وسيلة إلى الشراء، لكن لا بدَّ مع هذا من سبب يوجب تعين رأس المال لما مر، ولا يمكن جعل القَبْض معيناً لرأس المال؛ لأنه لا وجه إلى إيجاب القَبْض فيهما ليتعين رأس المال؛ لأن العمل فيهما مشروط من الشريكين، وكون العمل مشروطاً من رب المال يوجب أن يكون رأس المال في يده ليمكنه العَمَل، وكون عمل الآخر مشروطاً يوجب التسليم إليه ليتمكن من العمل، فلا يجب التَّسليم للتعاوض ولا بد من سبب يُوجب تعين ما تعلق به العقد، وليس وراء القبض إلا العقد؛ فإذا لم يكن إيجاب القَبْض جعل العقد موجباً تعينهما، وإن كان وسيلة إلى الشراء لكن هذه الضرورة أوجبت استدراكه بحكم غير حکم ما جعل هو وسيلة له. فأما في الوكالة المفردة والمضاربة، فعمل رب المال ليس بمشروط؛ بل لو شرط ذلك في المضاربة، لأوجب فسادها، فأمكن جعل القبض سبباً للتعيين، فلا حاجة إلى جعل العقد ٥٤٨ كتاب الشركة فأما في الوكالة المفردة والمضاربة، فعمل رب المَال ليس بمشروط؛ بل لو شرط ذلك في المضاربة، لأوجب فسادها، فأمكن جعل القبض سبباً للتعيين، فلا حاجة إلى جعل العقد سبباً، فلم يوجب العقد التعين إلحاقاً له بالشراء، ثم إذا هناك أحد المالين قبل الشراء هلك من مال صاحبه لأن الهَالِكَ مال ملكه أحدهما بيقين، وأنه أمانة في يد صاحبه، فيهلك على صاحبه خاصّة، بخلاف ما إذا كان رأس المالين من جنسٍ واحدٍ وخلطا ثم هلك - أنه يهلك مشتركاً؛ لأنا لا نتيقن أن الهالك مال أحدهما، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق. ١٢٥٨/٢ ومنها: فوات المساواة بين رأسي المال في شركة المفَاوَضَة بالمال بعد/ وجودها في ابتداء العقد؛ لأن وجودَ المساواة بين المالين في ابتداء العقد. كما هو شرط انعقاد هذا العَقْد على الصّحة، فبقاؤها شرط بقائها منعقدة؛ لأنها مفاوضة في الحالين فلا بد من معناها في الحالین. وعلى هذا يخرج ما إذا تفاوضًا والمال مستوي، ثم ورث أحدهما ما لا تصحُّ فيه الشركة من الدراهم والدنانير، وصار ذلك في يده - أنه تبطل المفاوضة لبطلان المساواة التي هي معنى العقد، وإن ورث عروضاً لا تبطل، وكذا لو ورث ديوناً لا تبطل ما لم يقبض الديون؛ لأنها قبل القبض لا تصلح رأس مال الشركة؛ وكذا لو ازداد أحد المالين على الآخر قبل الشّراء؛ بأن كان أحدهما دَرَاهم والآخر دنانير، فإن زادت قيمة أحَدِهما قبل الشراء بَطَّلت المفاوضة لما قلنا؛ لأن عقد الشركة يقف تمامه على الشِّراء، فكان الموجود قبل الشراء كالموجود وقت العقد؛ كالبيع لما كان تمامه بالقبض كَانَ هَلاَك المبيع قبل القبض كهلاكه وقت العقد، والزيادة وقت العقد تمنع من الانْعِقَاد، فإذا طرأ عليه يبطله. قال محمد: وكذلك لو اشترى بأحد المَالَين ثم ازداد الآخر [بطلت الشركة] (١)؛ لأن الشركة لا تتم ما لم يشتر بالمال، فصار كأن الزّيادة كانت وقت العَقْد؛ فإن زاد المال المشتري في قيمته كانت المفاوضة بحالها؛ لأن تلك الزيادة تحدث على مِلْكها؛ لأنها ربح في المال المشْتَري فلا يفضل أحدهما على الآخر. قال مُحَمَّدٌ - رحمه الله -: ((القِيَاسُ إِذَا اشْتَرَى بِأَحَدِ المَالَيْنِ قَبْلَ صَاحِبِهِ أَنَّهُ تَنْتَقِضُ المُفَاوَضَةُ)) لأَنَّ الألف التي لم يشتر بها بقيت على ملك صاحبها، وقد ملك صاحبها نصف ما اشتراه الآخر، فصار ماله أكثر فينبغي أن تبطل المفاوضة؛ إلا أنهم استحسنوا وقالوا: لا تبطل؛ لأن الذي اشْتَرى وجَبَ له على شريكه نصف الثمن ديناً، فلم يفضل المال فلا تَبْطُل المفاوضة، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. تم الجزء السابع، ويليه الجزء الثامن وأوله: ((كتاب المضاربة)) (١) سقط في ط. فهرس المحتويات (بقية كتاب البيوع - شرائط الصحة) ٣ فصل في شرائط جریان الربا ٨٠ فصل في شرائط الركن ١٠٢ فصل في الذي يرجع إلى المسلم ١٥١ ١٢٥ فصل في الذي يرجع إلى البدلین ١٥٣ فصل في بيان ما يجوز من التصرف في السلم وما لا يجوز ١٦٢ فصل في الشرائط ١٧٧ فصل في بيان رأس المال ١٧٩ فصل في بيان ما يلحق برأس المال ١٨٠ فصل في بيان ما يجب بيانه في المرابحة ١٨٥ فصل في حكم الخيانة ١٨٦ فصل في الإشراك ١٨٩ فصل في بيان المواضعة فصل في شرائط لزوم البيع ١٨٩ ١٩٩ فصل في بيان ما يحصل به التفريق ٢٠٧ فصل في بيان صفة البيع الذي يحصل به التفريق ٢١٥ فصل في حكم البيع . ٣٧٩ فصل في بيان ما يرفع حكم البيع كِتَابُ الكَفَالِ ٣٩٥ فصل في شروط الكفالة ٤٠٣ فصل في حكم الكفالة ٤٠٥ فصل فيما يخرج به الكفيل عن الكفالة فصل في رجوع الكفيل ٤١٠ فصل فيما يرجع به الكفيل ٤١٣ كِتَابُ الحَوَالَةِ ٤١٥ فصل في شروط الركن ٤١٦ ٥٤٩ ٣٨٩ فصل في بيان ما يكره من البياعات ٢٠٧ ٥٥٠ فهرس المحتويات فصل في حكم الحوالة ٤٢٠ فصل فيمايخرج به المحال عليه من الحوالة ٤٢٢ فصل في بيان الرجوع بعد الخروج ٤٢٣ كِتَابُ الوِكَالَةِ ٤٢٥ فصل في ركن التوكيل . ٤٢٦ ٤٢٧ فصل في شرائط الركن ٤٣٦ فصل في حكم التوكيل ٤٥٠ فصل في حکم الوکیلین ٤٥٩ فصل فيما يخرج به الوكيل عن الوكالة كِتَابُ الصُلحِ ٤٦٦ فصل في ركن الصلح ٤٦٨ ٤٦٨ فصل في شروط الركن ٤٧٢ فصل في الشروط التي ترجع إلى المصالح عليه ٤٨٣ فصل فيما يرجع إلى المصالح عنه فصل في حكم الصلح ٤٩٢ فصل في بيان ما يبطل بها الصلح بعد وجوده ٤٩٤ ٤٩٦ فصل في حكم الصلح إذا بطل بعد صحته أو لم يصح أصلاً كِتَابُ الشِّرِكَةِ ٤٩٩ فصل في جواز الأنواع الثلاثة ٥٠٤ فصل في شروط جواز هذه الأنواع ٥٠٩ فصل في حكم شركة الإملاك ٥٢٣ فصل في صفة عقد الشركة ٥٤٥ . فصل ٥٤٦