Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ كتاب الشركة أما الذي يثبت بفعلهما فنحو أن يشتريا شيئاً أو يوهب لهما أو يوصي لهما أو يتصدق عليهما، فيقبلا، فيصير المشتري والموهوب والموصى به والمتصدق به مشتركاً بينهما شركة ملك. وأما الذي يثبت بغير فعلهما، فالميراث بأن ورثا شيئاً فيكون الموروث مشتركاً بينهما شركة ملك. وأما شركة العقود، فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان أنواعها، وكيفية كل نوع منها ور کنه . الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيضيقون على الذين في أعلاها فقال الذين في أعلاها: لا = ندعكم تصعدون فتؤذوننا فقال الذين في أسفلها فإننا نثقبها من أسفلها فنستقي فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعاً وإن تركوهم عرفوا جميعاً) وفي الصحيح أن زهرة بن معبد كان يخرج به جده فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم فيقولان له أي لجده عبد الله بن هشام: أشركنا فإن النبي ◌َ قد دعا لك بالبركة فيشركهما وربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل. روى البخاري عن سليمان بن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يداً بيد فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئاً يداً بيد ونسيئة فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: اشتريت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي وَ لّر عن ذلك فقال: ((ما كان يداً بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه)) قال ابن حجر: أي ما وقع لكم فيه التقابض في المجلس فهو صحيح فأمضوه وما لم يقع لكم فيه التقابض فليس بصحيح فاتركوه. قال صاحب نيل الأوطار عن أبي المنهال: إن زيد بن الأرقم والبراء بن عازب كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة وذكر بقية الحديث. ثم قال: واستدل بهذا الحديث على جواز الشركة في الدراهم والدنانير. وعن أبي عبيدة عن عبد الله قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة. وعن السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي وَلّ ((كنت شريكي في الجاهلية لا تداريني ولا تماريني)) أي لا تمانعني ولا تحاورني رواه أبو داود وابن ماجة. وأما الإجماع: فقد أجمع الناس قديماً على جوازها من حيث الجملة ونقل ذلك إلينا نقلاً متواتراً فقد حكاه ابن رشد في بعض صورها فقال: ((إن المسلمين اتفقوا على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين أعني الدنانير أو الدراهم، وإن كانت الشركة في الحقيقة بيعاً والعين لم تقع فيه مناجزة في هذه الحالة لبقاء يد كل واحد على ما دفع، ومن شروط البيع في الذهب وفي الدراهم المناجزة لكن الإجماع خصص هذا المعنى في الشركة)). وقال الحطاب: إن الشركة في العرضين من صنف واحد جائزة بالإجماع. وقال ابن بطال: أجمعوا على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز، ثم يتصرفا جميعاً إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه، وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم أو الدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهم والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا الثوري، وزاد الشافعي أن لا تختلف الصّفَةُ أيضاً كالصحاح والمكسرة. وأما العقل: فلأنها مركبة من البيع والوكالة، وكلاهما جائز فتكون هي جائزة كجُزْءَيْهَا. ينظر: الشركة لشيخنا محمود فرغلي. ٥٠٢ كتاب الشركة وفي بيان شرائط ركنه. وفي بيان حكم الشركة، وفي بيان صفة عقد الشركة، وفي بيان ما يبطل العقد. أما الأول: فشركة العقود أنواع ثلاثة: شركة بالأموال، وشركة بالأعمال، وتسمى شركة الأبدان، وشركة الصانع، وشركة بالتقبل، وشركة بالوجوه(١). أما الأول: وهو الشركة بالأموال؛ فهو أن يشترك اثنان في رأس مال فيقولان اشتركنا فيه على أن نشتري ونبيع معاً، أو شتى أو أطلقا على أن ما رزق الله - عزَّ وجلَّ - من ربح فهو بيننا على شرط كذا، أو يقول أحدهما ذلك ويقول الآخر: نعم، ولو ذكرا الشراء دون البيع، فإن ٢٤٦/٢ب ذكرا ما يدل على شركة العقود بأن قالا: ما اشترينا فهو بيننا/، أو ما اشترى أحدنا من تجارة فهو بيننا، يكون شركة لأنهما لما جعلا ما اشتراه كل واحد [منهما](٢) بينهما علم أنهما أرادا به الشركة لا الوكالة؛ لأن الوكيل لا يوكل موكله عادة، وإِذا لم يكن وكالة لا تقف صحته على ما تقف عليه صحة الوكالة وهو التخصيص ببيان الجنس أو النوع أو قدر الثمن، بل يصح من غير بيان شيء من ذلك [إن لم يذكرا الشراء ولا البيع](٣)، ولا ما يدل على شركة العقود بأن قال رجلٌ لغيره: ما اشتريت من شيء فبيني وبينك، أو قال: فبيننا، وقال الآخر: نعم، فإن أراد بذلك أن يكونا بمعنى شريكي التجارة، كان شركة حتى تصح من غير بيان جنس المشتري ونوعه وقدر الثمن؛ كما إذا نصا على الشراء والبيع، وإن أرادا به أن يكون المشتري بينهما خاصة بعينه ولا يكونا فيه كشريكي التجارة، بل يكون المشتري بينهما بعينه؛ كما إذا أورثا أو وهب لهما - كان وكالة لا شركة، فإن وجد شرط صحة الوكالة جازت الوكالة، وإلا فلا، وهو بيان جنس المشتري وبيان نوعه أو مقدار الثمن في الوكالة الخاصة، وهي أن لا يفوض الموكل الرأي إِلى الوكيل بأن يقول: ما اشتريت لي من عبد تركي أو جارية رومية فهو جائز، أو ما اشتريت لي من عبد أو جارية بألف درهم فهو جائز، أو بيان الوقت أو قدر الثمن أوجنس المشتري في الوكالة العامة؛ بأن يقول ما اشتريت لي من شيء اليوم أو شهر كذا أو سنة كذا، (١) قال في الهداية: ثم هي على أربعة أوجه أي شركة العقود على أربعة أوجه مفاوضة وعنان وشركة الصنائع وشركة الوجوه وتبعه صاحب الكافي وقال في غاية البيان هذا التقسيم فيه نظر لأنه يوهم أن شركة الصنائع وشركة الوجوه مغايرتان للمفاوضة والأولى في التقسيم ما ذكره الشيخان أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي في مختصريهما بقولهما الشركة على ثلاثة أوجه شركة بالأموال وشركة بالأعمال وشركة بالوجوه وكل واحدة على وجهين مفاوضة وعنان وفي الهداية إشارة إلى هذا حيث قال في بيان شركة الوجوه وأنها تصح مفاوضة لأنه يمكن تحقيق الكفالة والوكالة في الأبدان وإذا أطلقت تكون عناناً. ينظر: درر الحكام (٣١٩/٢). (٢) سقط في ط. (٣) في أ: وإن لم يذكر البيع ولا الشراء. ٥٠٣ كتاب الشركة فهو جائز، أو قال: ما اشتريت لي من شيء بألف درهم فهو جائز، أو ما اشتريت لي من البز والخز فهو جائز، وإِنما كان كذلك لأن مطلق هذا اللفظ يحتمل الشركة ويحتمل الوكالة، فلا بد من النية، فإن نويا به الشركة كان شركة في عموم التجارات؛ لأن الأصل في الشركة العموم؛ لأن المقصود منها تحصيل الربح، وهذا المقصود لا يحصل إلا بتكرار التجارة مرة بعد أخرى، ولا يشترط لها بيان شيء مما ذكرنا؛ لأن ذلك ليس بشرط لصحة الشركة. وَإِن نَوَيا به الوكالة كان وكالة، ويقف صحتها على شرائطها من الخاصة أو العامة؛ لأن مبنى الوكالة على الخصوص، لأن المقصود منها تملك العين لا تحصيل الربح منها، فلا بد فيها من التخصيص ببيان ما ذكرنا، إلا أنه يكتفي في الوكالة العامة ببيان أحد الأشياء التي وصفنا؛ لأنه لما عممها بتفويض الرأي فيها إلى الوكيل فقد شبهها بالشركة، فكان في احتمال الجهالة الفاحشة كالشركة، لكنها وكالة والخصوص أصل في الوكالة، فلا بد فيها من ضرب تخصيص، فإن أتى بشيء مما ذكرنا جازت وإلا بطلت، قال بشر: سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال لرجل ما اشتريت اليوم من شيء فبيني وبينك نصفين، فقال الرجل: نعم، فإن أبا حنيفة - رحمه الله - قال: هذا جائز؛ وكذلك قال أبو يوسف؛ وكذلك إِن وقت مالاً ولم يؤقت يوماً، وكذا إِن وقت صنفاً من الثياب وسمي عدداً أو لم يسم ثمناً ولا يوماً. وَإِن قال ما اشتريت من شيء فهو بيني وبينك ولم يسم شيئاً مما ذكرنا، فإِن أبا حنيفة - رحمه الله - قال: لا يجوز، وكذلك قال أبو يوسف لما ذكرنا أنه لما لم يذكر البيع ولا ما يدل على شركة العقود، علم أنها وكالة، فلا تصح إِلا بضرب من التخصيص على ما بينا. وذكر محمد في الأصل في رجلين اشتركا بغير مال على أن ما اشتريا اليوم فهو بينهما، خصا صنفاً من الأصناف أو عما ولم يخصا، فهو جائز؛ وكذلك إِن لم يوقتا للشركة وقتاً كان هذا جائزاً؛ لأنهما لما جعلا ما يشتريه كل واحد بينهما دل على أنها شركة وليست بوكالة؛ لأن الوَكَالَةَ لا تكون من الجانبين عادة؛ وَإِذا كان شركة فالشركة لا تحتاج إلى التخصيص. قال: وإن أشهد أحدهما أن ما يشتريه لنفسه بغير محضر من صاحبه، فكلما اشتريا شيئاً فهو بينهما؛ لأن الشركة لما صحت كان كل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه، فهو بالإِشهاد أنه يشتري لنفسه يريد إِخراج نفسه من الوكالة بغير محضر من الموكل، فلا يملك ذلك. وأما الشركة بالأعمال فهو أن يشتركا على عمل من الخياطة أو القصارة أو غيرهما، فيقولا: اشتركنا على أن نعمل فيه على أن ما رزق الله - عزَّ وجلَّ - من أجرة فهي بيننا على شرط كذا. ٥٠٤ كتاب الشركة وأما الشركة بالوجوه(١)، فهو أن يشتركا وليس لهما مال لكن لهما وجاهة عند الناس، فيقولا: اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد؛ على أن ما رزق الله - سبحانه وتعالى - من ربح (٢) فهو بيننا على شرط كذا، وسمي هذا النوع شركة الوجوه؛ لأنه لا يباع بالنسيئة إِلا الوجيه من الناس عادة، ويحتمل أنه سمي بذلك لأن كل واحد منهما يواجه صاحبه ينتظران من يبيعهما بالنسيئة، ويدخل في كل واحد من الأنواع الثلاثة العنان والمفاوضة، ويفصل بينهما بشرائط تختص بالمفاوضة، نذكرها في موضعها، إن شاء الله تعالى. فصل [في جواز الأنواع الثلاثة] وأما بيان جواز هذه الأنواع الثلاثة، فقد قال أصحابنا إِنها جائزة عناناً كانت أو مفاوضة. وقال الشافعي - رحمه الله -: شركة الأعمال والوجوه لا جواز لها أصلاً ورأساً. وأما شركة الأَموال فتجوز فيها العنان ولا تجوز فيها المفاوضة(٣). (١) (شَرِكَةُ الْوُجوهِ) تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُما: أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئاً بِوَجْهِهِ، أَيْ: بِنَفْسِهِ، وَلا يَنْوِي صَاحِبَهُ، وَلاَ يَذْكُرُهُ فِي الْبَيْعِ، ثُم يُشارِكُهُ الآَخَرُ فيهِ، وَالآخَرُ: أَنْ يَكونَ بِمَغْنَى الْجَاهِ وَالْحَظُ. يُقَالُ: وَجُهَ الرَّجُلُ: إِذا صارَ وَجيهاً أَيْ: ذا جاهٍ وَقَدْرٍ، فَكَأَنَّهُ يَشْتَرِي؛ لِيُرْخَصَ لَهُ فِي الْبَيْعِ؛ لِقَدْرٍ حَظْهِ وجاهِهِ، ثُمَّ يُشارِكُهُ الآخَرُ. وقال الماوردي وهي شركة الجاه وتسمى شركة الوجوه فهو أن يكون الرجل ذا جاه فيقولان على جاهنا ونشتري متاعاً والربح بيننا فهذه شركة الجاه وتسمى شركة الوجوه، ومن أصحابنا من جعل شركة الجاه من النوع الأول إذا كان الجاه لأحدهما وشركة الوجوه إذا كان الجاه لهما، وهذا خلاف في العبارة والحكم فيها سواء وهي شركة باطلة وقال أبو حنيفة هي شركة جائزة استدلالاً بأنها نوع شركة فوجب أن يكون منها ما يصح كشركة العنان. ينظر: الحاوي (٤٧٧/٦)، والنظم: ٥/٢. (٢) في أ: شيء. (٣) هي بفتح الواو لا غير وهو القياس لقول الخلاصة ((لفاعل الفِعال والمفاعلة)) وما ذكره بعضهم من جواز الكسر فقد رده البناني لأنه ليس في الصحاح والقاموس والمصباح والمشارق إلا الفتح، نعم يصح الكسر بتكلف الإسناد المجازي للشركة على حد جد جده كما في المجموع. وهي في اللغة: الشروع، من تعارض الرجلان في الحديث إذا شرعا فيه. وفي الاصطلاح؛ تنقسم إلى قسمين: مفاوضة عامة، وخاصة. فالعامة: هي التي أطلق فيها كل من الشريكين أو الشركاء لصاحبه التصرف في جميع الأنواع غيبة وحضوراً في البيع والشراء والكراء والإكتراء وغير ذلك مما تحتاج إليه التجارة. وسميت بذلك لأن الاطلاق فيها غير مقيد بنوع. والخاصة: هي التي أطلق فيها كل من الشريكين لصاحبه التصرف في نوع معين كالحرير والكتان مثلاً في = ٥٠٥ كتاب الشركة وقال مالك - رحمه الله -: لا أعرف المفاوضة. وقيل في اشتقاق العنان أنه مأخوذ من العن وهو الإعراض، يقال: عن لي، أي: اعترض وظهر؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل] فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَهُ عَذَارَىْ دُوَار فِي مُلاَءٍ مُدَيَّلٍ(١) سمي هذا النوع من الشركة عناناً؛ لأنه يقع على حسب ما يعن لهما في كل التجارات أو في بعضها دون بعض، وعند تساوي المالين أو تفاضلهما، وقيل هو مأخوذ من عَنان الفرس أن يكون بإحدى يديه ويده الأخرى مطلقة يفعل بها ما يشاء، فسمي هذا النوع من الشركة له عناناً؛ لأنه لا يكون إلا في بعض الأَموال، ويتصرف كل واحد منهما في الباقي كيف يشاء، أو لأن كل واحد منهما جعل عنان التصرف في المال المشترك لصاحبه، وكان أهل الجاهلية يتعاطون هذه الشركة، قال النابغة: [من الوافر] وَشَارَكْنَا قُرَيْشاً فِي تُقَاهَا وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ العِنَانِ(٢) وأما المفاوضة: فقد قيل: إِنها المساواة في اللغة، قال القائل وهو العبدي: [من البسيط] تُلْغَى الأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ فَإِنْ تَوَلَّتْ فَبالأَشْرَارِ تَنْقَادُ لاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لاَ سَرَاةً لَهُمْ وَلاَ سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا(٣) سمي هذا النوع من الشركة مفاوضة؛ لاعتبار المساواة فيه في رأس المال والربح والتصرف وغير ذلك على ما نذكر. وقيل هي من التفويض لأن كل واحد منهما يفوض(٤) التصرف إِلى صاحبه على كل حالٍ . البيع والشراء والكراء والإكتراء وغير ذلك مما تحتاج إلى التجارة غيبة وحضوراً. وسميت بذلك لتقييد = الإطلاق فيها بنوع خاص خلافاً لمن جعل هذا القسم من المفاوضة شركة عنان. وهذا الثاني بخلاف ما إذا أذن سيد لعبده في التجر بنوع فإنه يكون كوكيل مفوض في ذلك النوع المأذون له فيه وفي غيره. والفرق بينه وبين الحر أن الناس لا يعلمون إذن سيده له في النوع الخاص، فلو بطل فيما عداه لذهب مال الناس باطلاً، بخلاف الشريك المفوض في نوع فإنه ليس فيه ذلك. ينظر: الشركة لشيخنا محمود فرغلي. (١) ينظر ديوانه ص ٢٢؛ ولسان العرب ٢٩٧/٤ (دور)، ٢٦١/١١ (ذيل)، ٢٩٠/١٣ (عنن)؛ والتنبيه والإيضاح ١٢٤/٢؛ وتهذيب اللغة ١٥٣/١٤، ١٣/١٥، وتاج العروس ٣٣٣/١١ (دور)، (ذيل)؛ وكتاب العين ٨/ ٥٧؛ وبلا نسبة في مقاييس اللغة ١٩/٤. (٢) ينظر: ديوانه ص ١٦٤، ولسان العرب (شرك)، (عنن)، وتاج العروس (شرك)، (عنن). (٣) بل هو للأفوه الأودي في ديوانه ص ١٠؛ ولسان العرب ٧/ ٢١٠ (فوض)؛ وتاج العروس ٤٩٦/١٨ (فوض)؛ وبلا نسبة في أساس البلاغة ص ٣٥٠ (فوض). (٤) في أ: فوض. ٥٠٦ كتاب الشركة وأما الكلام في شركة الأعمال والوجوه، فوجه قول الشافعي - رحمه الله - أَن الشركة تنبئ عن الاختلاط، ولهذا شرط الخلط لجواز الشركة ولا يقع الاختلاف إِلا في الأموال؛ وكذا ما وضع له الشركة لا يتحقق في هذين النوعين؛ لأنها وضعت(١) لاستنماء المال بالتجارة؛ لأن نماء المال بالتجارة والناس في الاهتداء إلى التجارة مختلفون؛ بعضهما أهدى من البعض، فشرعت الشركة لتحصيل غرض الاستنماء ولا بد من أصل يستنمي، ولم يوجد في هذين النوعين؛ فلا يحصل ما وضع له الشركة، فلا يجوز. ولنا أن الناس يتعاملون بهذين النوعين في سائر الأَعصار من غير إِنكار عليهم من أحد؛ قال - عليه الصّلاة والسلام -: ((لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ))(٢) ولأنهما يشتملان على الوكالة، والوكالة جائزة، والمشتمِلُ على الجائز جائز، وقوله: ((إن الشركة شرعت لاستنماء المال فيستدعي أصلاً يستنمي، فنقول الشركة بالأموال شرعت لتنمية المال، وأما الشركة بالأعمال أو بالوجوه فما شرعت لتنمية المال، بل لتحصيل أصل المال، والحاجة إلى تحصيل أصل المال فوق الحاجة إلى تنميته، فلما شرعت لتحصيل الوصف؛ فلأن تشرع لتحصيل الأصل أَوْلَى. وأما الكلام في الشركة بالأموال، فأما العنان فجائز بإجماع فقهاء الأمصار(٣)؛ ولتعامل الناس ذلك في كل عصر من غير نكيرٍ، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسنٌ، ولما روي (١) في أ: شرعت. (٢) تقدم. (٣) قال الماوردي وشركة العنان: أن يخرج كل واحد منهما مالاً مثل مال صاحبه ويخلطاه فلا يتميز وبإذن كل واحد منهما لصاحبه أن يتجر بالمال فيما رأى من صنوف الأمتعة على أن يكون الربح بينهما على قدر المالين والخسران كذلك فهذه أصح الشرك واختلف الناس لما سميت شركة العنان. قال قوم: لأنهما قد استويا في المال مأخوذاً من استواء عنان الفرسين إذا تسابقا وقال آخرون: إنما سميت شركة العنان لأن كل واحد منهما قد جعل لصاحبه أن يتجر فيما عنَّ له أي عرض. وقال آخرون: إنما سميت بذلك لأن كل واحد منهما يملك التصرف في جميع المال كما يملك عنان فرسه فيصرفه كيف يشاء. وشَرِكَةُ العِنَانِ مَبْنِيَّةٌ على الوَكَالَةِ والأمَانَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما بِدَفْع المالِ إلى صَاحِبِهِ أَمِنَهُ، وبإِذْنِه له في التَّصَرُّفِ وَكَّلَهُ. ومن شَرْطِ صِحَّتِها أن يَأْذَنَ كلُّ واحدٍ منهما لِصَاحِبِه في النَّصَرُّفِ، فإن أَذِنَ له مُطْلَقاً في جَمِيعِ التِجارَاتِ، تَصَرَّفَ فيها، وإن عَيَّنَ له جِنْساً أو نَوْعاً أو بَلَداً، تَصَرَّفَّ فيه دونَ غيرِه؛ لأَنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإِذْنِ، فَوَقَفَ عِليه، كالوَكِيلِ. ويجوزُ لكلُ واحدٍ منهما أن يَبِيعَ ويَشْتَّرِيّ مُسَاوَمَةٌ ومُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً ومُوَاضَعَةً، وكيف رَأَى المَصْلَحَةَ؛ لأنَّ هذا عَادَةُ التُّجَّارِ. وله أن يَقْبِضَ المَبِيعَ والثَّمَنَ، ويُقْبِضَهُما، ويُخَاصِمَ فِي الدَّيْنِ، ويُطَالِبَ به، ويُحِيلَ، ويَحْتَالَ، ويَرُدَّ بالعَيْبِ فيما وَلِيَهُ هو، وفيما وَلِيَ صَاحِبُه. وله أن يَسْتَأْجِرَ من رَأْسٍ مالِ الشَّرِكَةِ ويُؤْجِرَ؛ لأنَّ المَنَافِعَ أُجْرِيَتَْ مُجْرَى الأَغْيَانِ، فِصَارَ كالشّرَاءِ والبَيْعِ، والمُطَالَبَةُ بالأَجْرِ لهما وعليهما؛ لأنَّ حُقُوقُ العَقْدِ لا تَخْتَصُ العَاقِدِ. ينظر: الحاوي ٦/ ٤٧٣، والمغني (١٢٨/٧). ٥٠٧ كتاب الشركة أن أسامة بن شريك جاء إلى رسول الله - وَلهو - فقال: أتعرفني؟ فقال - عليه الصّلاة والسلام -: (وَكَيْفَ لاَ أَعْرِفُكَ وَكُنْتَ شَرِيكِي: وَنِعْمَ الشَّرِيكُ؛ لاَ تُدَارِي وَلاَ تُمَارِي»(١) وأدنى ما يستدل - عليه السلام - الجواز، وكذا بعث رسول الله - رَّير - والناس يتعاملون بهذه الشركة، فقررهم على ذلك حيث لم ينههم ولم ينكر عليهم، والتقرير أحد وجوه السنة؛ ولأن هذه العقود شرعت لمصالح العباد وحاجتهم إلى استنماء المال متحققة. وهذا النوع طريق صالح للاستنماء فكان مشروعاً، ولأنه يشتمل على الوكالة والوكالة جائزة إجماعاً. وأما المفاوضة، فأما قول مالك - رحمه الله -: لا أعرف ما المفاوضة(٢)، فإن عني به لا (١) أخرجه أبو داود (٢٦٠/٤) كتاب الأدب، باب: ((في كراهية المراء»، حديث (٤٨٣٦). وابن ماجة (٧٦٨/٢) كتاب التجارات، باب: ((الشركة والمضاربة))، حديث (٢٢٨٧). وأحمد (٤٢٥/٣). كلهم من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن قائد السائب عن السائب بن أبي السائب المخزومي فذكره بنحوه . وأخرجه أحمد (٤٢٥/٣)، قال: حدثنا أسود بن عامر، قال حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن السائب بن عبد الله ... فذكره بنحوه. وهذا إسناد حسن؛ من أجل إبراهيم بن المهاجر فهو صدوق في حفظه لين. وأخرجه أحمد (٤٢٥/٣)، والنسائي في الكبرى في عمل اليوم والليلة كما في التحفة (٣٧٩١). من طريق آخر عن السائب بنحوه. (٢) قال الماوردي شركة المفاوضة أن يشترك في الناض من أموالها كله دون العروض ليرد كل واحد منهما على صاحبه نصف كسبه من المال وغيره - فهذه شركة باطلة قال الشافعي في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: لا أعرف شيئاً من الدنيا يكون باطلاً إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة. وقال أبو حنيفة ومالك وهو قول الأوزاعي والثوري أن شركة المفاوضة جائزة إذا استوى المالان وكانا مسلمين ويدخل فيها جميع الكسب إلا الميراث ويلزم فيها غرم كل واحد منها إلا الجناية تعلقاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عقد فلزمهما بظاهر هذه الآية الوفاء به. وروي عن النبي ◌َّرَ: أنه قال ((الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهمْ)) فوجب أن يلزمهما ما شرطاه قال: ولأنه نوع شركة فوجب أن يكون منها ما يصح كشركة العنان ولأن شركة المفاوضة أعم من شركة العنان فعموم الشركة لا يمنع من صحتها. ألا ترى أن شركة العنان قد تكون خاصة في نوع واحد، وتكون تارة عامة إذا تشارطا التجارة في كل نوع فلما جازت في حال عمومها كجوازها في حال خصوصها كذلك شركة المفاوضة. تجوز وإن كانت عامة كجواز غيرها من الشرك الخاصة ولأن الربح في الأموال قد يقابل المال تارة كالشركة وقد يقابل العمل تارة كالمضاربة والربح في شركة المفاوضة لا يخلو من أن يكون مقابلاً للمال أو للعمل - ولأيهما قابل وجب أن يجوز. ودليلنا ((نهيه ◌َّلي عن الغرر)) ولا غرر أعظم من المفاوضة فيما يدخل كسباً أو يخرج غرماً لأنها شركة لا تصح مع تفاضل المال فوجب أن لا تصح مع تساوي أصله إذا كان أحدهما مكاتباً أو ذمياً، ولأن كل شركة لا تصح بين المسلم والذمي ((والحر والمكاتب)) لا تصح بين الحرين المسلمين. == ٥٠٨ كتاب الشركة أعرف معناها في اللغة، فقد بينا معناها في اللغة؛ أنها عبارة عن المساواة، وإن عني به لا أعرف جوازها، فقد عرفنا رسول الله - وَ ير - الجواز؛ بقوله - عليه الصّلاة والسلام -: (تَفَاوَضُوا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ))؛ ولأنها مشتملة على أمرين جائزين: وهما الوكالة والكفالة؛ لأن كل واحدة منهما جائزة حال الانفراد؛ وكذا حالة الاجتماع كالعنان؛ ولأنها طريق استنماء المال ٢/ ٢٤٧ ب أو تحصيله والحاجة إلى ذلك متحققة، فكانت جائزة كالعنان/ . وأما الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فوجه قوله أَن المفاوضة تتضمن الكَفَالة عندكم، والكَفَالة التي تتضمنها المفاوضة كفالة بمجهول(١)، وأنها غير صحيحة حالة الانفراد؛ فكذا التي تتضمنها المفاوضة، ودليلنا على الجواز ما ذكرنا مع مالك - رحمه الله -. وأما قوله المكفول له مجهول، فنعم، لكن هذا النوع من الجهالة [في عقد الشركة عفو] (٢)، وإِن لم يكن عفواً حالة الانفراد؛ كما في شركة العنان فإنها تشتمل على الوكالة العامة؛ وإن كان لا يصح هذا التوكيل حالة الانفراد؛ وكذا المضاربة تتضمن وكالة عامة وأنها صحيحة . وإن كانت الوكالة العامة لا تصح من غير بيان حالة الانفراد، فكذا هذا. وكان المعنى في ذلك الوكالة لا تثبت في هذا العقد مقصوداً، بل ضمناً للشركة، وقد يثبت الشيء ضمناً وإِن كان لا يثبت قصداً، ويشترط للثابت مقصوداً ما لا يشترط للثابت ضمناً وتبعاً، كعزل الوكيل ونحو ذلك. أصله: إذا تفاضلا في المال ولأن ما لم يتفرع عن أصل تناوله عقد الشركة فلم تصح فيه الشركة كالميراث ولأنها شركة لا تصح مع مختلفي الدينين فلم تصح مع متفقي الدينين كشركة العروض فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فهو أنها مخصوصة بنهيه عن الغرر وأما الجواب عن قياسهم على شركة العنان فهو أنه منتقض باشتراك الجماعة في الماء إذا كان لأحدهم جملُ وللآخر سقاء والثالث عامل بيديه ليكونوا شركاء في الكسب فهو نوع شركة وليس فيه ما يصح ثم المعنى في شركة العنان: جوازها بين مختلفي الدینین. وأما الجواب عن استدلالهم بأن عمومها لا يمنع من صحتها. فهو أننا لم نمنع منها لعمومها وإنما منعنا منها لدخول الغرر فيها. وأما الجواب عن استدلالهم بأن الربح قد يقابل المال تارة والعمل أخرى فهو أنه يصح إذا انفرد كل واحد منهما بعقد فأما إذا اجتمعا في عقد واحد فلا وهاهنا - وقد اجتمعا في عقد واحد فبطل. ينظر: الحاوي ٦ / ٤٧٥ - ٤٧٦. (١) في أ: المجهول. (٢) في أ: عفو في عقد الشركة. ٥٠٩ كتاب الشركة فصل [في شروط جواز هذه الأنواع] وأما بيان شرائط جواز هذه الأنواع، فلجوازها شرائط بعضها يعم الأنواع كلها، وبعضها يخص البعض دون البعض. أما الشرائط العامة فأنواع: منها: أهلية الوكالة؛ لأن الوكالة لازمة في الكل، وهي أن يصير كل واحد منهما وكيل صاحبه في التصرف بالشراء والبيع وتقبل الأعمال؛ لأن كل واحد منهما أذن لصاحبه بالشراء والبيع، وتقبل الأعمال مقتضى عقد الشركة، والوكيل هو المتصرف عن إِذن فيشترط فيها أهلية الوكالة [لما علم ((كتاب الوَكَالَةٍ))](١). ومنها: أن يكون الربح معلوم القدر، فإن كان مجهولاً تفسد الشركة؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالته(٢) توجب فساد العقد؛ كما في البيع والإجارة. ومنها: أن يكون الربح جزءاً شائعاً في الجملة لا معيناً، فإن عيناً عشرة أو مائة أو نحو ذلك كانت الشركة فاسدة؛ لأن العقد يقتضي تحقق الشركة في الربح والتعيين يقطع الشركة؛ لجواز أن يحصل من الربح إِلا [هذا](٣) القدر المعين لأحدهما، فلا يتحقق الشركة في الربح. وأما الذي يخص البعض دون البعض فيختلف. أما الشركة بالأموال فلها شروط؛ منها: أن يكون رأس المال من الأثمان المطلقة، وهي التي لا تتعين بالتعيين في المفاوضات على كل حال، وهي الدراهم والدنانير؛ عناناً كانت الشركة أو مفاوضةً، عند عامة العلماء، فلا تصح الشركة في العروض. وقال مالك - رحمه الله -: هذا ليس بشرط، وتصح الشركة في العروض(٤)، والصحيح (١) في أ: وشرائط أهلية الوكالة تعرف في كتاب الوكالة. (٢) في أ: وجهالة المعقود عليه. (٣) سقط في ط. (٤) قال ابن قدامة لا خِلاَفَ في أنَّه يجوزُ جَعْلُ رَأْسِ المالِ الدَّرَاهِم والدَّنَانِيَ، فإنَّهما قِيَمُ الأَمْوالِ وأثْمَانُ البِيّاعاتِ، والناسُ يَشْتَرِكُون بها من لَدُنِ النبيِّ ◌َّهَ إلى زَمَنِنَا مَن غير نَكِيرٍ. فأمَّا العُرُوضُ، فلا تجوزُ الشَّرِكَةُ فيها، في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي طالِبٍ وحَرْبٍ. وحَكَاهُ عنه ابنُ المُنْذِرٍ. وكَرِهَ ذلك ابنُ سِيرِينَ، ويحيى بن أبي كَثِيرٍ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأضْحَابُ الرَّأَيِ؛ لأنَّ الشّرِكَةَ إِمَّا أن تَقَعَ على أعْيَانِ العُرُوضِ أو قِيمَتِها أو أثْمانِها، لا يجوزُ وُقُوعُها على أعْيانِها؛ لأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الرُّجُوعَ عندَ المُفَاصَلَةِ بِرَأْسِ المالِ أو بِمِثْلِهِ، وهذه لا مِثْلَ لها، فَيُرْجَعُ إليه، وقد تَزِيدُ قِيمَةُ جِنْسٍ أَحَدِهما دونَ الآخَرِ، فَيَسْتَوْعِبُ بذلك جَمِيعَ الرِّبْحِ أو جَمِيعَ المالِ، وقد تَنْقُصُ قِيمَتُه، فيُؤَدِّي = ٥١٠ كتاب الشركة قول العامة؛ لأن معنى الوكالة من لوازم الشركة، والوكالة التي يتضمنها الشركة لا تصح في العروض وتصح في الدراهم والدنانير، فإن من قال لغيره: بع عرضك على أن يكون ثمنه بيننا، لا يجوز، وَإِذا لم تجز الوكالة التي هي من ضرورات الشركة، لم تجز الشركة. ولو قال له: اشتر بألف درهم من مالك على أن يكون ما اشتريته بيننا، جاز؛ ولأن الشركة في العروض تؤدي إلى جهالة الربح عند القسمة؛ لأن رأس المال يكون قيمة العروض لا عينها، والقيمة مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر والظن، فيصير الربح مجهولاً فيؤدي إِلى المنازعة عند القسمة، وهذا المعنى لا يوجد في الدراهم والدنانير؛ لأن رأس المال من الدراهم والدنانير عند القسمة عينها، فلا يؤدي إلى جهالة الربح؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - نهى عن ربح ما لم يضمن، والشركة في العروض تؤدي إلى ربح ما لم يضمن؛ لأن العروض غير مضمونة بالهلاك، فإن من اشترى شيئاً بعرض بعينه فهلك العرض قبل التسليم، لا يضمن شيئاً آخر، لأن العروض تتعين بالتعيين، فيبطل البيع، فَإِذا لم تكن مضمونة فالشركة فيها تؤدي إلى ربح ما لم يضمن، وأنه منهيٍّ؛ بخلاف الدراهم والدنانير، فإِنها مضمونة بالهلاك؛ لأنها لا تتعین بالتعیین، فالشرکة فیها لا تؤدي إِلی ربح ما لم يضمن، بل يكون ربح ما ضمن. إلى أن يُشَارِكَهُ الآخَرُ في ثَمِن مِلْكِه الذي ليس بِرِبْح، ولا على قِيمَتِها؛ لأنَّ القِيمَة غيرُ مُتَحَقّقَةِ القَدْرِ، = فيُفْضِي إلى التَّنَازُعِ، وقد يُقَوَّمُ الشيءُ بأكْثَرَ من قِيمَتِهِ، ولأنَّ القِيمَةَ قد تَزِيدُ في أحَدِهِمَا قبلَ بَيْعِه، فيُشَارِكُه الآخَرُ في العَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ له، ولا يجوزُ وُقُوعُها على أثْمانِها؛ لأنَّها مَعْدُومَةٌ حالَ العَقْدِ ولا يَمْلِكَانِها، ولأَنَّه إن أرَادَ ثَمَّنَها الذِي اشْتَراهَا به، فقد خَرَجَ عنِ مِلْكِه وصَارَ لِلْبَائِعِ، وإن أرَادَ ثَمَنَها الذي يَبِيعُها به، فإِنَّها تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقَةٌ على شَرْطٍ، وهو بَيْعُ الأَعْيانِ، ولا يجوزُ ذَلَّك. وعن أحمدَ رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّ الشَّرِكَةَ والمُضَارَبَةَ تجوزُ بالعُرُوضِ، وتُجْعَلُ قِيمَتُها وَقْتَ العَقْدِ رَأْسَ المالِ. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَكًا في العُرُوضِ، يُقَسَّمُ الرِّبْحُ على ما اشْتَرَطَا. وقال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن المُضَارَبَةِ بِالمَتَاعِ؟ فقال: جَائِزٌ. فظَاهِرُ هذا صِحَّةُ الشَّرِكَةِ بها. اخْتَارَ هذا أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّابِ. وهو قولُ مالِكِ، وابَنِ أبي لَيْلَى. وبه قال في المُضَارَبَةِ طَاوُس، والأَوْزَاعِيُّ، وحَمَّادُ بن أبي سليمانَ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الشّرِكَةٍ جَوَازٌ تَصَرُّفِها في المَالَيْنِ جَمِيعاً، وكَوْنُ رِبْح المالَيْنِ بينهما، وهذا يَحْصُلُ في العُرُوضِ كَحُصُولِه فِي الأَثْمَانِ، فيجب أن تَصِحَّ الشَّرِكَةُ والمُضارَبَةُ بها، كالأثَمانِ. ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منها عندَ المُفَاصَلَةِ بِقِيمَةِ مَالِه عند العَقْدِ، كما أنَّنَا جَعَلْنَا نِصَابَ زَكَاتِها قِيمَتَها. وقال الشَّافِعِيُّ: إن كانت العُرُوضُ من ذَوَاتِ الأَمْثالِ؛ كالحُبُوبِ والأَذهانِ، جَازَتِ الشَّرِكَةُ بها، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّها من ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، أَشْبَهَتِ النُّقُودَ، ويَرْجِعُ عند المُفَاصَلَةِ بِمِثْلِها. وإن لم تَكُنْ من ذَوَاتِ الأَمَثَالِ، لم يَجُزْ، وَجْهاً واحِداً؛ لأنَّه لا يمكنُ الرُّجُوعُ بِمِثْلِها. ولَنا، أنَّه نَوْعُ شَرِكَةٍ، فاسْتَوَى فيها مَالَهُ مِثْلٌ من العُرُوضِ وما لا مِثْلَ له، كالمُضَارَبَةِ، وقد سَلْمَ أنَّ المُضَارَبَةَ لا تجوزُ بشيءٍ من العُرُوضِ، ولأنَّها ليست بِتَقْدٍ، فلَم تَصِحَّ الشَّرِكَةُ بها، كالذي لا مِثْلَ له. ينظر: المغني (١٢٣/٧ - ١٢٤). ٥١١ كتاب الشركة والحيلة في جواز الشركة في العروض وكل ما يتعين بالتعيين أن يبيع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال صاحبه، حتى يصير مال كل واحد منهما نصفين، وتحصل شركة ملك بينهما ثم يعقدان بعد ذلك عقد الشركة، فتجوز بلا خلافٍ. ولو كان من أحدهما دراهم ومن الآخر عروض، فالحيلة في جوازه أن يبيع صاحب العروض نصف عرضه بنصف دراهم صاحبه ويتقابضا ويخالطا جميعاً حتى تصير الدراهم بينهما والعروض بينهما، ثم يعقدان عليهما عقد الشركة، فيجوز. وأما التبر فهل يصلح رأس مال الشركة؟ ذكر في ((كتاب الشركة)) وجعله كالعروض، وفي ((كتاب الصرف)) جعله كالأثمان المطلقة؛ لأنه قال فيه إذا اشترى به فهلك لا ينفسخ العقد، والأمر فيه موكول إِلى تعامل الناس، فإِن كانوا يتعاملون به فحكمه حكم الأثمان المطلقة فتجوز الشركة بها، وَإِن كانوا لا يتعاملون بها فحكمها/ حكم العروض، ولا تجوز فيها الشركة. ١٢٤٨/٢ وأما الفلوس فإِن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة (١). ولا المضاربة بها؛ لأنها عروض، وإِن كانت نافقة فكذلك في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد تجوز، والكلام فيها مبني على أصل، وهو أن الفلوس الرائجة ليست أثماناً على كل حال عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنها تتعين بالتعيين في الجملة وتصير مبيعاً بإصلاح العاقدين، حتى جاز بيع الفلس بالفلسين بأعيانها عندهما. فأما إذا لم تكن أثماناً مطلقة لاحتمالها التعيين بالتعيين في الجملة في عقود المعاوضات، لم تصلح رأس مال الشركة(٢) كسائر العروض، وعند محمد الثمنية لازمة للفلوس النافقة، فكانت من الأثمان المطلقة، ولهذا أبى جواز بيع الواحد منها باثنين، فتصلح رأس مال الشركة كسائر الأثمان المطلقة من الدراهم والدنانير. (١) ولا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بالفُلُوسِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، وابنُ القاسِمِ صَاحِبُ مالِكِ. ويَتَخَرَّجُ الجَوَازُ إذا كانتْ نَافِقَةً؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا أرَى السَّلَمَ في الفُلُوسِ؛ لأنَّه يُشْبِهُ الصَّرْفَ. وهذا قولُ محمدٍ ابن الحسنٍ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّها ثَمَنْ، فجازَتِ الشَّرِكَةُ بها، كالدَّرَاهِم والدَّنَانِيرِ. ويَحْتَمِلُ جَوَازُ الشَّرِكَة بها على كُلِّ حَالٍ، نَافِقَةً كانت أو غيرَ نَافِقَةٍ، بِنَاءِ علَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّها تَنْفُقُ مَرَّةً وتَكْسُدُ أَخْرَى، فَأَشْبَهَتِ العُرُوضِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّها تَنْفُقُ مَرَّةً وتَكْسُدُ أَخْرَى، فَأَشْبَهَتِ العُرُوضَ، فإذا قُلْنا بِصِحَّةِ الشَّرِكَةِ بها، فإنَّها إن كانت نَافِقَةً كان رَأْسُ المالِ مِثْلَها، وإن كانت كاسِدَةٌ، كانت قِيمَتُها کالعُرُوضِ . ينظر: المغني (١٢٥/٧). (٢) في أ: للشركة. ١ ٥١٢ كتاب الشركة وروي عن أبي يوسف أنه تجوز الشركة بالفلوس ولا تجوز المضاربة. ووجهه أن المانع من جواز المضاربة [بها] (١) جهالة الربح عند القسمة على تقدير الكساد؛ لأنه لا بد من تعيين رأس المال عند القسمة، فإذا كسدت صار رأس المال قيمة والقيمة مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر والظن، وهذا المعنى لا يوجد في الشركة، لأنهما عند الكساد يأخذان رأس المال عدداً لا قيمة، فكان الربح معلوماً. وأما الشركة بالمكيلات والموزونات التي ليست بأثمان مطلقة والعدديات المتقاربة التي لا تتفاوت، فلا تجوز قبل الخلط في قولهم جميعاً؛ لأنها إِنما تتعين بالتعيين إِذا كانت عيناً، فكانت كالعروض؛ لأن الوكالة التي تتضمنها الشركة فيها لا تصح قبل الخلط؛ ألا يرى أنه لو قال آخر قبل الخلط: بع حنطتك على أن يكون ثمنها بيننا، لم يجز، وسواء كانت الشركة من جنسین أو من جنس واحد. وأما بعد الخلط، فإِن كانت الشركة في جنسين مختلفين لا تجوز في قولهم جميعاً؛ لأن الحنطة إذا خلطت بالشعير خرجت من أن تكون ثمناً، بدليل أن مستهلكها يضمن قيمتها لا مثلها، وإن كانت من جنس واحد فكذلك عند أبي يوسف لا تصح، وإِنما تصير شركة ملك، وعند محمد تصح الشركة فيها بعد الخلط. وفائدة الاختلاف تظهر فيما إذا كان المكيل نصفين وشرطا الربح أثلاثاً فخلطاه واشتریا به. فعلى قول أبي يوسف الربح بينهما على قدر المالين نصفين، وعلى قول محمد على ما شرطا، فقول أبي يوسف مطرد على الأصل الذي ذكرنا أن المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة ليست أثماناً على كلِّ حالٍ، بل تكون تارة ثمناً وتارة مبيعاً؛ لأنها تتعين بالتعيين في الجملة فكانت كالفلوس. ووجه التخريج لمحمد أن معنى الوكالة التي تتضمنها الشركة ثابت بعد الخلط، فأشبهت الدراهم والدنانير؛ بخلاف ما قبل الخلط؛ لأن الوكالة التي من مقتضيات الشركة لا يصح فيها قبل الخلط، والحيلة في جواز الشركة بالمكيلات وسائر الموزونات والعدديات المتقاربة على قول أبي يوسف أن يخلطا حتى تصير شركة ملك بينهما، ثم يعقدا عليها عقد الشركة، فيجوز عنده أيضاً. ومنها: أن يكون رأس مال الشركة عيناً حاضراً لا ديناً ولا مالاً غائباً، فإن كان لا تجوز؛ عناناً كانت أو مفاوضةً؛ لأن المقصود من الشركة الربح وذلك بواسطة التصرف، ولا يمكن في الدين ولا المال الغائب، فلا يحصل المقصود، وإنما يشترط الحضور عند الشراء لا عند (١) سقط في ط. ٥١٣ كتاب الشركة العقد، لأن عقد الشركة يتم بالشراء فيعتبر الحضور عنده، حتى لو دفع إِلى رجل ألف درهم، فقال له: أخرج مثلها واشتر بهما وبع، فما ربحت يكون بيننا، فأقام المأمور البينة أنه فعل ذلك، جاز، وإن لم يكن المال حاضراً من الجانبين عند العقد لما كان حاضراً عند الشراء. وهل يشترط خلط المالين، وهو خلط الدراهم بالدنانير أو الدنانير بالدراهم؟ قال أصحابنا الثلاثة: لا يشترط. وقال زفر: يشترط، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله (١)، وعلى هذا الأصل يبني ما إذا كان المالان من جنسين؛ بأن كان لأحدهما دراهم والآخر دنانير، أَن الشركة جائزة عندنا؛ خلافاً لهما؛ وكذلك إِذا كانا من جنس واحد، لكن بصفتين مختلفتين؛ كالصحاح مع المكسرة أو كانت دراهم أحدهما بيضاء والآخر سوداء، وعلة ذلك في شركة العنان فهو على هذا الخلاف. وروي عن زفر أَن الخلط شرط في المفاوضة لا في العنان، ولكن الطحاوي ذكر أَنه شرط فيهما عند زفر. وجه قوله: أَن الشركة تنبئ عن الاختلاط، والاختلاط لا يتحقق مع تميز المالين فلا يتحقق معنى الشركة، ولأن من أحكام الشركة أَن الهلاك يكون من المالين، وما هلك/ قبل ٢٤٨/٢ب الخلط من أحد المالين يهلك من مال صاحبه خاصة، وهذا ليس من مقتضى الشركة. ولنا أن الشركة تشتمل على الوكالة، فما جاز التوكيل به جازت الشركة فيه، والتوكيل جائز في المالين قبل الخلط؛ كذا الشركة. وأما قوله الشركة تنبئ عن الاختلاط، فمسلم، لكن على اختلاط رأسي المال أو على (١) ولا يُشْتَرَطُ اخْتِلاَطُ المالَيْنِ، إذا عَيَّنَاهُما وأَحْضَرَاهُما. وبهذا قال أبو حنيفةَ ومالِكٌ، إلاَّ أنَّ مالِكاً شَرَّطَ أن تكونَ أيْدِيهما عليه، بأن يَجْعَلاَهُ في حانُوتٍ لهما، أو في يدِ وَكِيلِهما. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَصِحُ حتى يَخْلِطَا المالَيْنِ؛ لأنَّهما إذا لم يَخْلِطَاهُما فمالُ كلِّ واحدٍ منهما يَتْلَفُ منه دونَ صَاحِبِهِ، أو يَزِيدُ له دون صَاحِبه، فلم تَنْعَقِد الشَّرِكَةُ، كما لو كان من المَكِيلِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ به الرِّبْحُ، فَلَم يُشْتَرَطَّ فيه خَلْطُ المالِ، كالمُضَارَبَةِ، ولَأَنَّهِ عَقْدٌ على التَّصَرُّفِ، فلَم يكُنْ من شَرْطِه الخَلْطُ كالوَكَالَةِ. وعلى مالِكِ، فلم يَكُنْ مِن شَرْطِه أن تكونَ أَيْدِيهما عليه، كالوَكَالَةِ. وقولُهم: إنَّه يَتْلَفُ من مالٍ صاحِبِهِ، أو يَزِيدُ على مِلْكِ صَاحِبِهِ. مَمْنُوعٌ، بل ما يَتْلَفُ من مَالِهِما وزِيَادَتُه لهما؛ لأنَّ الشّرِكَةَ اقْتَضَتْ ثُبُوتَ المِلْكِ لكلِّ واحدٍ منهما في نِصْفِ مالٍ صَاحِبِهِ، فيكونُ تَلَفُه منهما، وزِيَادَتُه لهما. وقال أبو حنيفةً: متى تَلِفَ أحدُ المالَيْنِ، فهو من ضَمَانٍ صَاحِبِهِ. ولَنا، أنَّ الوَضِيعَةَ والضَّمَانَ أحَدُ مُوجِبَي الشَّرِكَةِ، فَتَعَلَّقَ بالشَّرِيكَيْنِ، كالرُّنْحِ، وكما لو اخْتَلَطَا . ينظر المغني ١٢٦/٧ - ١٢٧. بدائع الصنائع ج٧ - م٣٣ ٥١٤ كتاب الشركة اختلاط الربح، فهذا مما لا يتعرض له لفظ الشركة، فيجوز أن يكون تسميته شركة لاختلاط الربح لا لاختلاط رأس المال، واختلاط الربح يوجد وإِن اشترى كل واحد منهما بمال نفسه على حدة؛ لأن الزيادة وهي الربح تحدث على الشركة. وأما ما هلك من أحد المالين قبل الخلط، فإنما كان من نصيب صاحبه خاصة؛ لأن الشركة لا تتم إلا بالشراء فما هلك قبله هلك قبل تمام الشركة، فلا تعتبر؛ حتى لو هلك بعد الشراء بأحدهما كان الهالك من المالين جميعاً؛ لأنه هلك بعد تمام العقد. وأما تسليم رأس مال كل واحد منهما إلى صاحبه وهو التخلية بين ماله وبين صاحبه، فليس بشرط في العنان والمفاوضة جميعاً، وأنه شرط لصحة المضاربة، والفرق بينهما يذكر في ((كتاب المضاربة)) . ومنها: ما هو مختص بالمفاوضة وهو أن يكون لكل من الشريكين أهلية الكفالة؛ بأن يكونا حرين عاقلين؛ لأن من أحكام المفاوضة أن كل ما يلزم لأحدهما من حقوق ما يتجران فيه يلزم الآخر، ويكون كل واحد منهما فيما وجب على صاحبه بمنزلة الكفيل عنه، لما نذكر، فلا بد من أهلية الكفالة وشرائط أهليه الكفالة تطلب من ((كتاب الكَفَالة)). ومنها: المساواة في رأس المال قدراً، وهي شرط صحة المفاوضة بلا خلافٍ، حتى لو كان المالان متفاضلين قدراً لم تكن مفاوضة؛ لأن المفاوضة تنبئ عن المساواة، فلا بد من اعتبار المساواة فيها ما أمكن؛ وكذا قيمة في الرواية المشهورة حتى لو كان أحدهما صحاحاً والآخر مكسرة، أو كان أحدهما ألفاً بيضاء والآخر ألفاً سوداء، وبينهما فضل قيمة في الصرف، لم تجز المفاوضة في الرواية المشهورة؛ لأن زيادة القيمة بمنزلة زيادة الوزن، فلا تثبت المساواة التي هي من مقتضى العقد. وروى إسماعيل بن حماد عن أبي يوسف أن إحدى الألفين إذا كانت أفضل من الأخرى، جاز. وكانت مفاوضة؛ لأن الجودة في أموال الربا لا قيمة لها شرعاً عند مقابلتها بجنسها، فسقط اعتبار الجودة، فصار كأنهما على صفة واحدة، وهل تشترط المجانسة في رأس المال بأن يكون كل واحد منهما دراهم أو يكون كل واحد منهما دنانير. فعلى الرواية المشهورة لا تشترط، حتى لو كان أحدهما دراهم والآخر دنانير جازت المفاوضة في الرواية المشهورة بعد أن استويا في القيمة، ولا خلاف في أنهما إِذا لم يستويا في القيمة لم تكن مفاوضة، وروي عن أبي حنيفة - عليه الرحمة - أنه لا تكون مفاوضة وإِن استويا في القيمة . وجه هذه الرواية أَن عند اختلاف الجنس لا تعرف المساواة بينهما في القيمة؛ لأن القيمة : ٥١٥ كتاب الشركة تعرف بالحزر والظن، وتختلف باختلاف المقومين، فلا تعرف بالمساواة، والصحيح هو الرواية المشهورة؛ لأنها من جنس الأثمان، فكانت المجانسة ثابتة في الثمنية. ومنها: أن لا يكون لأحد المتفاوضين ما تصح فيه الشركة، ولا يدخل في الشركة؛ فإن كان لم تكن مفاوضة؛ لأن ذلك يمنع المساواة، وإِن تفاضلا في الأموال التي لا تصح فيها الشركة كالعروض والعقار والدين، جازت المفاوضة؛ وكذا المال الغائب؛ لأن ما لا تنعقد عليه الشركة كان وجوده والعدم بمنزلةٍ، وكان التفاضل فيه كالتفاضل في الأزواج(١) والأولاد. ومنها: المساواة في الربح في المفاوضة، فإن شرطا التفاضل في الربح لم تكن مفاوضة لعدم المساواة . ومنها: العموم في المفاوضة، وهو أن يكون في جميع التجارات ولا يختص أحدهما بتجارة دون شريكة؛ لما في الاختصاص من إِبطال معنى المفاوضة؛ وهو المساواة، وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة - أَنه لا تجوز المفاوضة بين المسلم وبين الذمي، لأن الذمي يختص بتجارة لا يجوز ذلك للمسلم، وهي التجارة في الخمر والخنزير، فلم يستويا في التجارة، فلا يتحقق معنى المفاوضة، وعند أبي يوسف يجوز الاستوائهما في أهلية الوكالة والكفالة، وتجوز مفاوضة الذميين لاستوائهما في التجارة. وأما مفاوضة المسلم والمرتد فقد ذكر الكرخي أنها غير جائزة؛ وكذا روى عيسى بن أبان عن أبي حنيفة - رحمهم الله -؛ لأن تصرفات/ المرتد [متوقفة عنده] (٢) لوقوف أملاكه، فلا ١٢٤٩/٢ يساوي المسلم في التصرف، فلا تجوز؛ كما لا تجوز بين المسلم والذمي. وذكر محمد في الأصل وقال: قياس قول أبي يوسف أنه يجوز، يعني: قياس قوله في الذمي، ولأبي يوسف أنه يفرق بينهما من حيث إِن ملك المرتد ناقص؛ لكونه على شرف الزوال، ألا ترى أن قاضياً لو قضى ببطلان تصرفه وزوال ملكه ينفذ قضاؤه، وإذا كان ناقص الملك والتصرف نزل منزلة المكاتب، بخلاف الذمي، ولو فاوض مسلم مرتدة ذكر الكرخي أنها لا تجوز. وقال القدوري - رحمه الله - وهو ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الكفر عندهما يمنع انعقاد المفاوضة بين المسلم والكافر. وأما أبو يوسف فالكفر عنده غير مانع، وَإِنما المانع نقصان الملك والتصرف، وهذا لا (١) في أ: الأرباح. (٢) في أ: موقوفة عند أبي حنيفة. ٥١٦ کتاب الشركة يوجد في المرأة، وأما مفاوضة المرتدين أو شركتهما شركة العنان فذلك موقوف عند أبي حنيفة؛ على ما أصله في عقود المرتد أنها موقوفة، فإن أسلما جاز عقدهما، وإِن قتلا على ردتهما أو ماتا أو لحقا بدار الحرب بطل، وأما على قولهما فشركة العنان جائزة؛ لأن عقودهما نافذة، وأما مفاوضتهما فقد ذكر القدوري - رحمه الله - وقال: ينبغي أن لا يجوز؛ أما عند أبي يوسف فلأن نقصان الملك يمنع المفاوضة كالمكاتب، وملكهما ناقص لما ذكرنا، فصارا کالمكاتبين. وأما عند محمد فلأن المرتد عنده بمنزلة المريض مرض الموت، وكفالة المريض مرض الموت لا تصح إلا من الثلث، والمفاوضة تقتضي جواز الكفالة على الإطلاق، وإِن شارك مسلم مسلماً ثم ارتد أحدهما، فإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب بطلت الشركة، وَإِن رجع قبل ذلك فهما على الشركة؛ لأنه إذا قتل أو مات أو لحق بدار الحرب زالت أملاكه - عند أبي حنيفة، من حين ارتد، فكأنه مات فبطلت شركته، وَإِن أسلم فقد زال التوقف وجعل كأن الردة لم تكن، ولهذا قال أبو حنيفة أن المرتد منهم إذا أقر ثم قتل لم يلزم إقراره شريكه؛ لأن الملك يحكم بزواله من وقت الردة، فقد أقر بعد بطلان الشركة. وأماعلى قولهما فإقراره جائز على شريكه؛ وكذا بيعه وشراؤه؛ لأن الشركة عندهما، إِنما بطلت بالقتل أو باللحاق، فكانت باقية قبل ذلك، فنفذ تصرفه وإقراره، ويكره للمسلم أن يشارك الذمي؛ لأن يباشر عقوداً لا تجوز في الإِسلام، فيحصل كسبه من محظور فيكره؛ ولهذا کره توکیل المسلم الذمي؛ ولو شاركه شركة عنان جاز، كما لو وكله. ومنها: لفظ المفاوضة في شركة المفاوضة؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا تصح شركة المفاوضة إِلا بلفظ المفاوضة، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إِلا لفظ (١) المفاوضة، أو عبارة أخرى تقوم مقامها، والعوام قلما يقفون على ذلك، وهذه العقود في الأعم الأغلب تجري بينهم، فإن كان العاقد ممن يقدر على استيفاء شرائطها بلفظ آخر يصح، وإِن لم يذكر لفظها (٢) لأن العبرة في العقود لمعانيها لا عَيْنِ الألفاظ، وفي كل موضع فقد شرط من الشروط [المختصة](٣) بالمفاوضة كانت الشركة عناناً؛ لأن المفاوضة تضمنت العنان وزيادة فبطلان المفاوضة لا يوجب بطلان العنان؛ ولأن فقد شرط في عقد إِنما يوجب بطلانه إذا كان العقد ما يقف صحته عليه، ولا يقف صحة العنان على هذه الشرائط ففقدانها لا يوجب بطلانه. (١) في أ: لفظة. (٣) سقط في ط. (٢) في أ: لفظة المفاوضة. ٥١٧ كتاب الشركة وأما شركة العنان فلا يراعي لها شرائط المفاوضة، فلا يشترط فيها أهلية الكفالة حتى تصح ممن لا تصح كفالته من الصبي المأذون والعبد المأذون والمكاتب، ولا المساواة بين رأسي المال، فيجوز مع تفاضل الشريكين في رأس المال ومع أن يكون لأحدهما مال آخر يجوز عقد الشركة عليه سوى رأس ماله الذي شاركه صاحبه فيه، ولا أن يكون في عموم التجارات، بل يجوز عامًّا، وهو أن يشتركا في عموم التجارات، وخاصًّا وهو أن يشتركا في شيء خاص كالبز والخز والرقيق والثياب ونحو ذلك، لأن اعتبار هذه الشرائط في المفاوضات لدلالة اللفظ عليها وهو معنى المساواة، ولم يوجد في العنان ولا لفظة المفاوضات؛ لأن اعتبارها في المفاوضة لدلالتها على شرائط مختصة بالمفاوضة، ولم يشترط في العنان فلا حاجة إلى لفظة المفاوضة، ولا إِلى لفظة العنان أيضاً، لأن كل أحد يقدر على لفظ يؤدي معناه، بخلاف المفاوضة ولا المساواة في الربح، فيجوز متفاضلاً ومتساوياً لما قلنا. والأصل أن الربح إِنما يستحق عندنا إِما بالمال وإِما بالعمل وإما بالضمان/ أما ثبوت ٢٤٩/٢ م الاستحقاق بالمال فظاهر؛ لأن الربح نماء رأس المال، فيكون لمالكه؛ ولهذا استحق رب المال الربح في المضاربة، وأما بالعمل فإن المضارب يستحق الربح بعمله، فكذا الشريك. وَأَما بالضمان فإن المال إِذا صار مضموناً على المضارب يستحق جميع الربح ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجاً بضمان؛ يقول النبي - عليه الصّلاة والسلام -: ((الخَّرَاجُ بِالضَّمَانِ))(١) فإذا كان ضمانه علیه، کان خراجه له. والدليل عليه أَن صانعاً تقبل عملاً بأجر، ثم لم يعمل بنفسه ولكن قبله لغيره بأقل من ذلك، طاب له الفضل، ولا سبب لاستحقاق الفضل إِلا الضمان، فثبت أن كل واحد منهما سبب صالح لاستحقاق الربح، فإن لم يوجد شيء من ذلك لا يستحق، بدليل أن مَنْ قال لغيره: تَصَرَّفْ في ملكك على أن لي بعض ربحه، لم يجز، ولا يستحق شيئاً من الربح؛ لأنه لا مال ولا عمل ولا ضمان. إِذا عرف هذا فنقول: إِذا شرطا الربح على قدر المالين؛ متساوياً أو متفاضلاً، فلا شك أنه يجوز ويكون الربح بينهما على الشرط، سواء شرطا العمل عليهما أو على أحدهما، والوضيعة على قدر المالين متساوياً ومتفاضلاً؛ لأن الوضيعة اسم لجزء هالك من المال فيتقدر بقدر المال. وَإِن كان المالان متساويين فشرطا لأحدهما فضلاً على ربح، ينظر: إِن شرطا العمل (١) تقدم. ٥١٨٠ کتاب الشركة عليهما جميعاً، جاز والربح بينهما على الشرط في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا يجوز أن يشترط لأحدِهما أكثر من ربح مَالِهِ، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله - ولا خلاف في شَرِكة الملك أن الزيادة فيها تكون على قدر المال، حتى لو شرط الشّريكان في ملك ماشية لأحدهما فضلاً من أولادهما وألبانها(١) - لم تجز بالإِجْمَاعِ، والكلام بيننا وبين زفر بناء على أصْل؛ وهو أن الربح عنده لا يستحق إلا بالمال؛ لأنه نماء الملك(٢)، فيكون على قدر المال كالأولاد. والألبان. وأما عندنا: فالربح تارة يستحقّ بالمال وتارة بالعَمَل وتارة بالضَّمَان على ما بيَّنا، وسواء عملا جميعاً، أو عمل أحدهما دون الآخر - فالربح بينهما يكون على الشرط؛ لأنَّ استحقاق الربح في الشركة بالأعمال بشَرْط العمل لا بوجود العمل؛ بدليل أن المضارب إِذا استعان برب المال استحقّ الربح، وإِن لم يوجد منه العمل؛ لوجود شَرْط العمل عليه، والوضيعة على قدر المالين لما قلنا. وإِن شرطا العمل على أحدهما؛ فإن شرطاه على الذي شرطا له فضل الربح - جاز والرِّبح بينهما على الشرط، فيستحق ربح رأس ماله بماله والفضل بعمله؛ وإِن شرطاه على أقلهما ربحاً لم يجز، لأن الذي شرط(٣) له الزيادة ليس له من الزيادة مال ولا عمل ولا ضمان، وقد بينًا أن الرّبح لا يستحق إِلا بأحد هذه الأشياء الثلاثة. وإِن كان المالان متفاضلين وشرطًا التساوي في الربح - فهو على هذا الخلاف أن ذلك جائز عند أصحابنا الثلاثة، إِذا شرطا العمل عليهما، وكان زيادة الربح لأحدهما على قدر رأس ماله بعمله، وأَنه جائز، وعلى قول زفر: لا يجوز، ولا بد أن يكون قدر الربح على قدر رأس المالين عنده. وإِن شرطا العَمَل على أحدهما؛ فإن شرطاه على الذي رأس مالِهِ أقل - جاز ويستحق قدر ربح ماله بماله والفضل بعمله؛ وإِن شرطاه على صاحب الأكثر لم يجز؛ لأن زيادة الربح في حق صاحب الأقل لا يقابلها مالٌ ولا عمل ولا ضمان، وأما العلم بمقدار رأس المالِ وقت العقد - فليس بشرط؛ لجواز الشركة بالأموال عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - شرط. وجه قوله: أن جهالة قدر رأس المال تؤدي إِلى جَهَالة الربح، والعلم بمقدار الربح شرط جواز هذا العقد، فكان العلم بمقدار رأس المال شرطاً. (١) في أ: أو ألبانها. (٣) في ط: شرطاً. (٢) في أ: نماء المال. ٥١٩ كتاب الشركة ولنا: إِن الجَهَالة لا تمنع جواز العقد لعينها، بل لإفضائها إلى المنازعة، وجهالة رأس المال وقت العقد لا تُفْضي إلى المنازعة؛ لأنه يعلم مقداره ظاهراً وغالباً؛ لأن الدَّراهم والدنانير توزنان وقت الشراء فيعلم مِقْدَارها، فلا يؤدي إلى جهالة مقدار الربح وقت القسمة. وأما الشّركة بالأعمال، فأما المفاوضَة منها فمن شرائطها أهلية الكفالة، ومنها التَّساوي في الأجر، ومنها مراعاةُ لفظ المفاوضة لما ذكرنا في الشركة بالأموال، أما العنَان منها فلا يشترط لها شيءٌ من ذلك؛ وإِنما تشترط أهلية التَّوكيل فقط. كذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أنه قال: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة؛ وما لا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة؛ وعلى هذا تخرج الشركة بالأعمال في المباحات من الصَّيْد والحطب والحشيش في البراري وما يكون في الجبال من/ الثمار، وما ٢/ ٢٥٠أ يكون في الأرض من المعادن وما أشبه ذلك؛ بأن اشتركا على أن يصيدا أو يحتطبا أو يحتشا أو يستقيا(١) الماء ويبيعانه، على أن ما أصاب من ذلك فهو بينهما أن الشركة فاسدة؛ لأن الوكالة لا تَنْعَقد على هذا الوجه . ألا ترى أنه لو وكل رجلاً ليعمل له شيئاً من ذلك - لا تصح الوكالة، كذا الشركة؛ فإن تشاركا فأخذ كل واحد منهما شيئاً من ذلك منفرداً، كان المأخوذ ملكاً له؛ لأن سبب ثبوت الملك في المُبَاحات الأخذ والاستيلاء، وكل واحد منهما انفرد بالأخذ والاستيلاءِ فينفرد بالملك، وإن أخذاه جميعاً معاً، كان المأخُوذ بينهما نصفين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، فيستويان في الاستحقاق، فإن أخذ كل واحد منهما على الانفراد ثم خلطاه وباعاه؛ فإن كان مما يكال أو يوزن، يقسم الثَّمن بينهما على قدر الكيل والوزن، وإِن كان مما لا يكال ولا يوزن، قسم الثمن بينهما بالقيمة، يضرب كلّ واحد منهما بقيمةِ الذي له؛ لأنَّ المكيل والموزون من الأشياء المتماثلة، فتمكن قسمة الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن، فأمَّا غير المكيل والموزون من الأشياء المتفاوتة(٢)، فلا يمكن قسمة الثمن على عينها فيقسم على قيمتها، وإن لم يعلم الكيل والوزن والقيمة يصدق كل واحد منهما. فيما يدعيه(٣) إِلى النّصف من ذلك مع اليمين على دعوى صاحبه؛ لأنَّ الشيء في أيديهما، واليد دليل الملك من حيث الظَّاهر، والتَّساوي في دليل الملك يوجب التَّساوي في الملك؛ فإن ادعى أكثر من النّصف، لا يقبل قوله إلا ببينة؛ فإن عمل أحدهما وأعانه الآخر فى عمله بالجمع والربط - فذلك كله للعامل، ولا شيء للمعين؛ لوجود السبب من العَامِل دون المعين، وللمعين أجر مثله لا يجاوز (١) في أ: يسقيا. (٣) في أ: يدعي. (٢) في أ: المتقاربة. ٥٢٠ كتاب الشركة به [قدر المسمَّى له](١) من النصف والثلث، ونحو ذلك في قول أبي يوسف، وقال محمَّد: له أجر مثله بالغاً ما بلغ. أما وجوب أجر المثل للمعين؛ فلأنه استوفى منفعته بعقد فاسد، وأنه يوجب أجْر المثل، ثم قال أبو يوسف: لا يتجاوز به قيمة ما سمى وقاسَه على سائر الإِجارات الفاسدة؛ لأنه لا يزاد على المسمَّى هناك؛ كذا هذا هنا، والجامع بينهما: أنه رضي بأنه لا يكون له زيادة على المسمَّى، فلا يستحق [الزيادة](٢)، وصار كمن قال لرجل: بع هذا الثَّوب على أن لك نصف ثمنه، فباعه - كان له أجر المثل لا يجاوز به نصف الثمن كذا هذا. وفرق محمَّد بين هذا وبين سائر الإجارات الفَاسِدَة؛ بأن المسمى هناك قدر معلوم من الأجرة، فكان الرضا به إِسقاطاً لما زاد عليه، والمسمَّى هنا ليس بمعلوم، بل هو معدوم؛ لأنه ما سمى إِلا نصف الحطب أو ثلثه، والرضا بغير المَعْلُوم لا يتحقق، فلم تكن هذه التَّسمية مسقطة الزيادة على المسمَّى من أجر مثله، وعلى هذا الاختلاف المضاربة الفاسدة إذا ربح المضَارب فيها - أن له أجر مثله لا يتجاوز به المسمَّى من الرِّبح في قول أبي يوسف؛ وإِن لم يكن له رِبحّ، فلا شيء له، وعند محمَّد: له أجر مثله بالغاً ما بلغ، ربح أو لم يربح، وستأتي المسألة في كتاب المضاربة . ولو أنَّ رجلاً أجلس في دكانه يطرح عليه العمل بالنصف، فالقياسُ ألاَّ تجوز هذه الشّركة، لأنها شركة العروض؛ لأنَّ من أحدهما العمل ومن الآخر الحانوت، والحانوت من العروض، وشركة العروض غير جائزة، وفي الاستحسان جائزة؛ لأنَّ هذه شركة الأعمال؛ لأنها شركة التقبل، وتقبل العمل من صاحب الحانوت عمل، وشركة الأعمال جائزةٌ بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن مبناها على الوكالة، والوكالة على هذا الوجه جائزة، بأن يوكل خياطٌ أو قصار وكيلا يتقبل له عمل الخياطة والقصارة؛ وكذا يجوز لكل صانع يعمل بأجر أن يوكل وكيلاً يتقبل العمل؛ فإن كان لهما كلب فأرسلاه جميعاً، كان ما أصاب بينهما؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق . ولو كان الكلب لأحدهما وكان في يده فأرسلاه جميعاً، فما أصاب الكلب فهو لصاحبه خاصة؛ لأن إرسال الأجنبي لا عِبْرَة به مع إرسال المالك، فكان ملحقاً بالعدم كأن المالك أرسله وحده. وإن كان لكل واحد منهما كلب، فأرسل كل واحد منهما كلبه فأصابا صيداً واحداً - كان بينهما نصفين، لأنهما تساويا في سبب الاستحقاق؛ وإن أصاب كلب كل واحد منهما صيداً (١) في أ: قيمة ما سمى له. (٢) سقط في ط.