Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب الصلح دراهم أو دنانير، وأنها أثمان فتتعين هذه مبيعة، وبيع المبيع الذي ليس بمعين لا يجوز إِلا بطريق السلم. هذا إِذا صالح على المفروض في باب الدية، فأما إذا صالح على ما ليس بمفروض أصلاً كالمكيل والموزون، سوى الدراهم والدنانير ونحو ذلك مما لا يدخل له في الفرض قبل تعيين القاضي، جاز، وإن كانت قيمته أكثر من المفروض لكن القبض في المجلس شرط؛ لأنه معاوضة، فيجوز ولا بد من القبض لما قلنا. وإِن كان بعد تعيين القاضي فهو على ما ذكرنا من التفصيل؛ وكذلك حكم الصلح عن إِنكار المدعى عليه وسكوته بحكم الصلح عن إقراره في جميع ما وصفنا، هذا الذي ذكرنا إِذا كان بدل الصلح مالاً عيناً أو ديناً، فأما إذا كان منفعه بأن صالح على خدمة عبد بعينه، أو ركوب دابة بعينها، أو على رزاعة أرض، أو سكنى دار وقتاً معلوماً - جاز الصلح، ويكون في معنى الإِجارة، سواء كان الصلح عن إقرار المدعى عليه أو عن إِنكاره أو عن سكوته؛ لأن الإِجارة تمليك المنفعة بعوض وقد وجد، أما في موضع الإِقرار فظاهر؛ لأن بدل الصلح عوض عن المدعي، وكذا في موضع الإنكار في جانب المدعي وفي جانب المدعى عليه هو عوض عن الخصومة واليمين. وكذا في السكوت لأن الساكت منكر حكماً، سواء كان المدعي عيناً أو ديناً، لكن تمليك المنفعة قد يكون بالعين وقد يكون بالدين كما في سائر الإِجارات، وإن كان المدعي منفعة، فإن كانت المنفعتان من جنسين مختلفين، كما إِذا صالح من سكنى دار على خدمة عبد، يجوز بالإجماع، وَإِن كانتا من جنس واحد لا يجوز عندنا، وأصل المسألة في ((كتاب الإجارات)). وإذا اعتبر الصلح على المنافع إِجارة يصح بما تصح به الإِجارات، ويفسد بما تفسد به، ولصاحب العبد أن يعتقه لأن صحة الإِعتاق يقف على قيام ملك الرقبة، وأنه قائم، فأشبه إِعتاق المستأجر والمرهون، وليس له أن يبيعه؛ لأن جواز البيع بعد ملك اليد ولم يوجد، فلا يجوز بيعه كالعبد المستأجر والمرهون، وله أن يؤاجره من غيره؛ لأن منفعته صارت مملوكة له بالصلح، فإن شاء استوفاه بنفسه، وإن شاء ملكها من غيره كالعبد المستأجر، وله أن يؤاجره من المدعى عليه في مدة الصلح عند أبي يوسف، ولا يبطل الصلح كما لو آجره من غيره، وعند محمد لا يجوز ويبطل الصلح كما لو آجره من المؤاجر في مدة الإِجارة، وأنه لا يجوز بالإجماع، وتبطل الإِجارة الأولى ولا يجب على المستأجر شيء من الأجرة؛ كذا هذا، وله أن يسافر به. بدائع الصنائع ج٧ - م٣١ ٤٨٢ كتاب الصلح وذكر في الإِجارة أن من استأجر عبداً للخدمة، لم يكن له أن يسافر به؛ للتفاوت بين خدمتي السفر والحضر، والفرق أن المسافرة بالعبد المستأجر للخدمة إلحاق الضرر بالآجر؛ لأن مؤنة الرد في باب الإِجارة عليه، وربما يلزمه برده مؤنة تزيد على الأجرة فيتضرر به، فلم يملك المسافرة به دفعاً للضرر عنه، وهذا المعنى ههنا منعدم؛ لأن مؤنة الرد لا تلزم صاحب العبد، فأشبه العبد الموصي بخدمته والعبد المرهون وهما يملكان المسافرة به، كذا هذا. ولو ادعى على رجل داراً في يده، فأنكر المدعى عليه، فصالحه على أن يسكن المدعى عليه الذي في يده الدار سنة ثم يدفعها إلى المدعي، جاز؛ لأن المدعي منصرف في ملك نفسه ببدل المنفعة للمدعى عليه في زعمه سنه، والمدعى عليه متصرف في ملك نفسه باستيفاء المنفعة لنفسه في المدة المشروطة، فكان كل واحد منهما منصرفاً في ملك نفسه في زعمه فيجوز. ومنها بأن يكون متقوماً فلا يصح الصلح على الخمر والخنزير من المسلم؛ لأنه ليس بمال متقوم في حقه، وكذا إذا صالح على دن من خل، فإذا هو خمر لم يصح لأنّه تبين أنه لم يصادف محله. ومنها: أن يكون مملوكاً للمصالح حتى أنه إذا صالح على مال ثم استحق من يد المدعي لم يصح الصلح؛ لأنه تبين أنه ليس مملوكاً للمصالح، فتبين أن الصالح لم يصح. ومنها: أن يكون معلوماً؛ لأن جهاله البدل تؤدي إلى المنازعة فتوجب فساد العقد إلا إذا كان شيئاً لا يفتقر إلى القبض والتسليم؛ كما إِذا ادعى رجلان كل واحد منهما على صاحبه حقًّا، ثم تصالحا على أن جعل كل واحد منهما ما ادعاء على صاحبه صلحاً مما ادعاه عليه صاحبه - يصح الصلح، وإِن كان مجهولاً؛ لأن جهالة البدل لا تمنع جواز العقد لعينها، بل الإِفضائها إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم، فإذا كان مالاً يستغني عن التسليم لا يفضي إلى المنازعة فلا يمنع الجواز، إلا أن الصلح من القصاص في النفس وما دونه تتحمل الجهالة القليلة في البدل كما تتحمل في المهر في باب النكاح والخلع والإِعتاق على مال والكتابة؛ لما علم. ولو صالح على مسيل أو شرب من نهر لا حق له في رقبته، أو على أن يحمل كذا وكذا جذعاً على هذا الحائط، وعلى أن يسيل ميزابه في داره أياماً معلومة، لا يجوز؛ لأَن ما وقع عليه الصلح في هذه المواضع مفتقر إلى القبض والتسليم، فلم تكن جهالته محتملة لهذا لا يجوز بيعها، فلا يصح الصلح عليها، والأصل أن كل ما يجوز بيعه وشراؤه يجوز الصلح علیه، وما لا فلا. ٤٨٣ کتاب الصلح فصل [فيما يرجع إلى المصالح عنه] وأما الذي يرجع إلى المصالح عنه فأنواع: أحدها: أن يكون حق العبد لا حق الله - عزَّ وجلَّ - سواء كان مالاً عيناً أو ديناً، أو حقًّا . ليس بمال عين ولا دين، حتى لا يصح الصلح من حد الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ بأن أخذ زانياً أو سارقاً من غيره أو شارب خمر فصالحه على مال؛ أن لا يرفعه إلى ولي الأمر؛ لأنه حق الله - تعالى - جلَّ شأنه. ولا يجوز الصلح من حقوق الله - تعالى عزَّ شأنه - لأَن المصالح بالصلح متصرف في حق نفسه، إما باستيفاء كل حقه، أو باستيفاء البعض وإسقاط الباقي، أو بالمعاوضة، وكل ذلك لا يجوز في غیر حقه. وكذا إِذا صالح من حد القذف بأن قذف رجلاً فصالحه على مال على أن يعفو عنه؛ لأَنّه وَإِن كان للعبد فيه حق فالمغلب فيه حق الله تعالى، والمغلوب ملحق بالعدم شرعاً، فكان في حكم الحقوق المتمحضة حقًّا لله - تعالى عَزَّ وجَلَّ -، وأنها لا تحتمل الصلح؛ كذا هذا. وكذلك لو صالح شاهداً يريد أن يشهد عليه على مال؛ على أن لا يشهد عليه، فهو باطلٌ؛ لأَن الشاهد في إقامة الشهادة محتسب حقًّا لله - تعالى عَزَّ شأنه - قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة الطلاق، ٢] والصلح عن حقوق الله - عزَّ وجلَّ - باطل، ويجب عليه رد ما أخذ؛ لأنه أخذه بغير حق. ولو علم القاضي به أبطل شهادته، لأَنّه فسق إِلا أن يحدث توبة فتقبل، ويجوز الصلح عن التعزير؛ لأنه حق العبد؛ وكذا يصح عن القصاص في النفس وما دونه؛ لأن القصاص من حق العبد، سواء كان البدن عيناً أو ديناً، إلا إذا كان ديناً يشترط القبض في المجلس احترازاً عن الافتراق عن دين بدين، وسواء كان معلوماً أو مجهولاً جهالة غير متفاحشة، حتى لو صالح من القصاص على عبد أو ثوب هروي، جاز؛ لأن الجهالة قلَّتْ ببيان النوع؛ لأن مطلق العبد يقع على عبد وسط، ومطلق الثوب الهروي يَقَعُ على الوسط منه، فنقل الجهالة، فيصح الصلح وله الخيار إن شاء أعطى الوسط من ذلك، وإن شاء أعطى قيمته، كما في النكاح؛ فأما إذا صالح على ثوب أو دابة أو دار، لا يجوز؛ لأن الثياب والدواب أجناس تحتها أنواع مختلفة، وجهالة النوع متفاحشة فتمنع الجواز. وكذا جهالة الدور لاختلاف الأماكن ملحقة بجهالة الثوب والدابة فتمنع الجواز؛ كما في باب النكاح. والأصل أن كل جهالة تمنع صحة التسمية في باب النكاح تمنع صحة الصلح من ٤٨٤ کتاب الصلح القصاص، ومالا فلا؛ لأن ما وقع عليه الصلح والمهر كل واحد منهما يجب بدلاً عما ليس بمال، والجهالة لا تمنع من الصحة لعينها . ألا ترى أن الشرع ورد بمهر المثل في باب النكاح مع أنه مجهول القدر، وإِنما يمنع منها لإِفضائها إلى المنازعة، ومبنى النكاح والصلح من القصاص على المسامحة كالإِنسان يسامح بنفسه ما لا يسامح بماله عادةً، فلا يكون القليل من الجهالة مقضياً إِلى المنازعة، فلا يمنع من الجواز بخلاف باب البيع؛ لأن مبناه على المماكسة والمضايقة؛ لكونه معاوضة مال بمال، والإِنسان يضايق بماله ما لا يضايق بنفسه، فهو الفرق، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق. وَإِذا لم يصح الصلح لتفاحش جهالة البدل، يسقط القصاص وتجب الدية، وفي النكاح يجب مهر المثل إِلا أن بينهما فرقاً من وجه؛ فإِنه لو صالح عن القصاص على خمر أو خنزير لا يصح ولا يجب شيء آخر، ولو تزوج امرأة على خمر أو خنزير لا تصح التسمية، ويجب مهر المثل. وجه الفرق أن الخمر إذا لم تصلح بدل الصلح بطلت تسميته وجعل لفظة الصلح كناية عن العفو وذلك جائز؛ لأن العفو الفضل، وفي الصلح معنى الفضل فأمكن جعله كناية عنه، وبعد العفو لا يجب شيء آخر، فأما لفظ النكاح فلا يحتمل العفو. ولو احتمله فالعفو عن حق الغير لا يصح، فيبقى النكاح من غير تسمية فيجب مهر المثل؛ كما إذا سكت عن المهر أصلاً فهو الفرق، وسواء كان البدل قدر الدية أو أقل أو أكثر؛ لقوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعْ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة البقرة، ١٧٨] وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾، أي: أعطي له؛ كذا، روي عن عبد الله بن عباس(١) - رضي الله عنهما -. وقوله - عزَّ شأنه -: ﴿فاتباع بالمعروف﴾، أي: فليتبع، مصدر بمعنى الأمر، فقد أمر الله - تبارك وتعالى - الولي بالاتباع بالمعروف إذا أعطي له شيء، واسم الشيء يتناول القليل والكثير، فدلت الآية على جواز الصلح من القصاص على القليل والكثير، وهذا بخلاف القتل الخطأ وشبه العمد؛ أنه إذا صالح على أكثر من الدية لا يجوز. والفرق أن بدل الصلح في باب الخطأ وشبه العمد عوض عن الدية، وأنها مقدرة بمقدار معلوم لا تزيد عليه، فالزيادة على المقدر تكون رباً، فأما بدل الصلح عن القصاص فعوض عن القصاص، والقصاص ليس من جنس المال حتى يكون البدل عنه زيادة على المال المقدر، فلا يتحقق الربا، فهو الفرق. (١) ذكره السيوطي بنحوه في ((الدر المنثور» (٣١٦/١) وعزاه إلى ابن أبي حاتم. ٤٨٥ كتاب الصلح وأما كون المصالح عنه معلوماً، فليس بشرط لجواز الصلح حتى أن من ادعى على آخر حقًّا في عين، فأقر به المدعى عليه أو أنكر، فصالح على مال معلوم؛ جاز؛ لأن الصلح كما يصح بطريق المعاوضة يصح بطريق الإسقاط، ولا يمكن تصحيحه هنا بطريق المعاوضة لجهالة أحد البدلين، فيصحح بطريق الإسقاط فلا يؤدي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم والقبض؛ لأن الساقط لا يحتمل ذلك، وقد مر أن الجهالة فيما لا يحتمل التسليم والقبض لا تمنع جواز الصلح. والثاني: أن يكون حق المصالح، والثالث: أن يكون حَقًّا ثابتاً له في المحل، فما لا يكون حَقًّا له أو لا يكون حقًّا ثابتاً له في المحل لا يجوز الصلح عنه، حتى لو أن امرأة طلقها زوجها ادعت عليه صبيًّا في يده أنه ابنه منها، وجحد الرجل، فصالحت عن النسب على شيء، فالصلح باطل؛ لأن النسب حق الصبي لا حقها، فلا تملك الاعتياض عن حق غيرها؛ ولأن الصلح إِما إسقاط أو معاوضة، والنسب لا يحتملهما. ولو صالح الشفيع من الشفعة التي وجبت له على شيء على أن يسلم الدار للمشتري، فالصلح باطل؛ لأنه لا حق للشفيع في المحل، إنما الثابت له حق التمليك وهو ليس لمعنى في المحل، بل هو عبارة عن الولاية، وأنها صفة الوالي، فلا يحتمل الصلح عنه؛ بخلاف الصلح عن القصاص؛ لأن هناك المحل يصير مملوكاً في حق الاستيفاء، فكان الحق ثابتاً في المحل فملك الاعتياض عنه بالصلح، فهو الفرق. وكذلك الكفيل بالنفس إذا صالح على مال على أن يبرئه من الكفالة، فالصلح باطلٌ؛ لأَن الثابت للطالب قبل الكفيل بالنفس حق المطالبة بتسليم نفس المكفول بنفسه، وذلك عبارة عن ولاية المطالبة وأنها صفة الوالي، فلا يجوز الصلح عنها فأشبه الشفعة، وهل تبطل الكفالة؟ فيه روايتان: في رواية لا تبطل؛ لأنه ما رضي بسقوط حقه إِلا بعوض ولم يسلم له، فلا يسقط حقه، وفي رواية يسقط؛ لأن الإِبراء لا تقف صحته على العوض فيصح، وإِن لم يسلم العوض، فإِذا صح أنه إسقاط، فالساقط لا يحتمل العود. وَعَلَى هذا إذا كان لرجل ظلة على طريق أو كتيف شارعه أو ميزابه، فخاصمه رجل وأراد أن يطرحه، فصالحه على مال، فهذا لا يخلو من وجهين: إما أن يكون الطريق نافذاً، وإما أن لا يكون نافذاً، فإِذا كان نافذاً فخاصمه رجل من المسلمين وأراد طرحه فصالحه على مال، فالصلح باطلٌ؛ لأَن رقبة الطريق النافذ لا تكون ملكاً لأحد من المسلمين، وإنما لهم حق المرور وأنه ليس بحق ثابت في رقبة الطريق، بل هو عبارة عن ولاية المرور وأنه صفة المار، فلا يجوز الصلح عنه مع ما أنه لا فائدة في هذا الصلح؛ لأنه إن سقط حق هذا الواحد بالصلح فللباقين حق القلع، وكذا لو صالح الثاني مع هذا المتقدم إِليه على مال يأخذ من المتقدم إِليه الطرح، فالصلح باطل؛ لأن الطرح واجب عليه فأخذ المال عليه يكون رشوة. ٤٨٦ كتاب الصلح هذا إذا كان الطريق نافذاً، فأما إذا لم يكن نافذاً فصالحه رجلٌ من أهل الطريق على مال للترك، فالصلح جائز؛ لأن رتبة الطريق هنا مملوكة لأهل السكة، فكان لكل واحد منهم فيها ملكاً فجاز الصلح عنه. وكذا إسقاط حق كل واحد منهم بالصلح مفيد لاحتمال تحصيل رضا الباقين، ولا يحتمل ذلك في الوجه الأول؛ لأنهم لا يحصون؛ وكذا لو صالح الثاني مع واحد منهم على مال للترك، جاز ويطيب له المال؛ لأن رقبة الطريق مملوكة لهم على الشركة، فكان لكل واحد منهم فيها نصيب، فكان الصلح اعتياضاً عن ملكه فصح، فأما في طريق المسلمين فلا ملك لأحد فيها ولا حق ثابت في المحل، فلم يكن الصلح اعتياضاً عن ملك ولا حق ثابت في المحل، فبطل. وذكر الجصاص أن جواز الصلح في طريق غير نافذ محمول على ما إذا بني على الطريق، فأما إِذا شرع إِلى الهواء فلا يجوز؛ لأنه اعتياض عن الهواء. ولو ادعى على رجلٍ، مالاً، وأنكر المدعى عليه ولا بينة للمدعي، فطلب منه اليمين، فصالح عن اليمين على أنّ لا يستحلفه، جاز الصلح وبرئ من اليمين؛ وكذا إذا قال المدعى عليه: صالحتك من اليمين التي وجبت لك عليَّ، أو قال: افتديت منك يمينك بكذا وكذا، صح الصلح؛ لأن هذا صلح عن حق ثابت للمدعي؛ لأن اليمين حق المدعي قبل المدعى عليه. قال - عليه الصّلاة والسلام - في قصة الحضرميِّ والكنديّ: ((أَلَكَ بَيْنَةٌ))؟ قال: لا، قال: (إِذَنْ لَكَ يَمِينُهُ))(١). جعل اليمين حق المدعي، فكان هذا صلحاً عن حق ثابت شرعاً للمدعي، (١) أخرجه مسلم (٤٣٧/١) كتاب الإيمان، باب: ((وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة))، حديث (٢٢٣، ١٣٩/٢٢٤). وأبو داود (٢٢١/٣) كتاب الأيمان والنذور، باب: ((فيمن حلف ميتاً ليقتطع بها مالاً لأحد)) حديث (٣٢٤٥)، (٣١٢/٣) كتاب الأقضية، باب: ((الرجل يحلف على علمه فيما غاب عنه))، حديث (٣٦٢٣). والترمذي (٦١٦/٣) كتاب الأحكام، باب: ((ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه))، حديث (١٣٤٠). والنسائي في الكبرى (٤٨٤/٣) كتاب القضاء، باب: ((التوسعة للحاكم أن لا يزجر المدعي عما يلفظ به في خصمه بحضرته»، حديث (٥٩٨٩). وابن حبان (٤٦٤/١١) كتاب القضاة، ذكر خبراً وهم غير المتبحر في صناعة العلم أنه مضاد لخبر أبي هريرة الذي ذكرناه. حديث (٥٠٧٤). والبيهقي (١٧٩/١٠) كتاب الشهادات، باب: ((التشديد في اليمين الفاجرة وما يستحب للإمام من الوعظ فیھا)) . والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٤٨/٤) كتاب القضاء والشهادات، باب ((القضاء باليمين مع الشاهد)). کلهم من حدیث وائل بن حجر، وفيه قصة. ٤٨٧ کتاب الصلح وكذا الملك في المدعي ثابت في زعمه، فكان الصلح عن حق ثابت في حقه وفي حق المدعي عليه، وهو بدل المال لإسقاط الخصومة والافتداء عن اليمين. ولو قال المدعى عليه: اشتريت منك اليمين على كذا، وقال المدعي: بعت منك اليمين على كذا، لا يصح فقد خالف الصلح البيع؛ حيث جاز بلفظ الصلح والافتداء ولم يجز بلفظ البيع والشراء. ولو ادعى على رجل أنه عبده، فأنكر، فصالحه على مائه درهم، جاز؛ لأن هذا صلح عن حق ثابت في حق المدعي؛ لأن الرق ثابت في حقه، فكان الصلح في حقه اعتاقاً على مال، فيصح إلا أن الولاء لا يكون له لإنكار المدعى عليه الرق، فإِن أقام المدعي بعد ذلك بينة لا تقبل إِلا في حق إِثبات الولاء. وكذلك لو صالحه على حيوان في الذمة إِلى أجل، كان جائزاً لأن الرق ثابت في حق المدعي، فكان بدل الصلح بدلاً عن العتق في حقه، فأشبه بدل الكتابة فيجوز على حيوان في الذمة . وَلَوِ اذَّعَىْ رجلٌ على امرأة نكاحاً، فجحدته، فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى، جاز؛ لأن النكاح حق ثابت في حق المدعي، فكان الصلح على حق ثابت، فكان في معنى الخلع؛ إِذ هو أخذ المال بالبضع وقد وجد، فكان جائزاً، وفي حقها بدل مال لإسقاط الخصومة وأنه جائز أيضاً للنص. ولو ادعت امرأة على رجل نكاحاً فجحد الرجل، فصالحها على مال بذله لها، لا يخلو: إما أن يكون النكاح ثابتاً، أو لم يكن ثابتاً، فإن لم يكن ثابتاً كان دفع المال إِليها من الرجل في معنى الرشوة، وإِن كان ثابتاً لا تثبت الفرقة بهذا الصلح؛ لأن العوض في الفرقة تعطيه المرأة لا الزوج، فلا يكون المال الذي تأخذه المرأة عوضاً عن شيء فلا يجوز. وَلَو ادعى على إِنسان مائة درهم، فأنكر المدعى عليه، فتصالحا على أنه إِن حلف ) المدعى عليه فهو بريء، فالصلح باطل، والمدعي على دعواه حتى لو أقام بينة أخذه بها؛ لأن قوله: ((على أنه إِن حلف المدعى عليه فهو بريء))؛ تعليق البراءة بالشرط، وأنه باطل؛ لأن في الإِبراء معنى التمليك. والأصل في التمليك أن لا يحتمل التعليق بالشرط، وَإِن لم تكن له بينة وأراد استحلافه، فهو على وجهين: إِن كان ذلك الحلف عند غير القاضي فله أن يستحلفه عند القاضي مرة أخرى؛ لأن تلك اليمين غير معتبرة لأنها غير واجبة، ولا تنقطع بها خصومة، فلم يكن معتدًّا بها . ٤٨٨ كتاب الصلح وَإِن كان عند القاضي لم يستحلفه ثانياً؛ لأن الحلف عند القاضي معتد به، فقد استوفى المدعي حقه مرة، فلا يجب الايفاء ثانياً . ولو تصالحا على أن يحلف المدعى عليه، فإذا حلف فالمال واجب على المدعى عليه فهو باطل؛ لأن هذا تعليق وجوب المال بالشرط، وأنه باطل لكونه قماراً، ولو أودع إِنساناً وديعة ثم طلبها منه، فقال المودع: هلكت، أو قال: رددتها وكذبه المودع وقال: استهلكتها، فتصالحا على شيء، فالصلح باطلٌ عند أبي يوسف، وعند محمد صحيح. وجه قول محمد: أَن صلح وقع عن دعوى صحيحة ويمين متوجهة، فيصح كما في سائر المواضع . وجه قول أبي يوسف: أن المدعي مناقض في هذه الدعوى؛ لأن المودع أمين المالك، وقول الأَمين قول المؤتمن، فكان إخباره بالرد والهلاك إِقراراً من المودع، فكان مناقضاً في دعوى الاستهلاك، والتناقض يمنع صحة الدعوى، إِلاَّ أنه يستحلف، لكن لا لدفع الدعوى؛ لأنها مندفعة لبطلانها، بل للتهمة، وإذا لم تصح الدعوى لا يصح الصلح. ولو ادعى المودع الاستهلاك ولم يقل المودع إِنها هلكت أو رددتها، فتصالحا على شيء جاز؛ لأن دعوى الاستهلاك صحيحة واليمين متوجهة عليه، فصح الصلح، ولو طلب المودع الوديعة فجحدها المودع، وقال: لم تودعني شيئاً، ثم قال: هلكت أو رددتها، وقال المودع: بل استهلكتها فتصالحا، جاز؛ لأن المالك يدعي عليه ضمان الغصب بالجحود، إِذ هو سبب لوجوب الضمان، وكل جواب عرفته في الوديعة فهو الجواب في العارية والمضاربة؛ لأن كل ذلك أمانة . ولو اشترى من رجل عبداً فطعن فيه بعيب وخاصمه فيه، ثم صالحه على شيء، أو حط من ثمنه شيئاً، فإن كان العبد مما يجوز رده على البائع وله المطالبة بأرش العيب دون الرد، فالصلح جائز؛ لأن الصلح عن العيب صلح عن حق ثابت في المحل، وهو صفة سلامة المبيع عن عيب، وإِنها من قبيل الأموال، فكان عن العيب معاوضة مال بمال، فصح. وَكَذَا الصلح عن الأَرش معاوضة مال بمال لا شك فيه، وإذا صار المبيع بحال لا يملك رده على البائع، ولا المطالبة بأرشه؛ بأن باع العبد فالصلح باطل؛ لأن حق الدعوى والخصومة فيهما قبل البيع قد بطل بالبيع، فلا يجوز الصلح. ولو صالح من العيب ثم زال العيب بأن كان بياضاً في عين العبد، فانجلى، بطل الصلح ويرد ما أخذ؛ لأن المعوض وهي صفة السلامة قد عادت فيعود العوض فبطل الصلح. ولو طعن المشتري بعيب فصالحه البائع على أن يبريه من ذلك العيب ومن كل عيب، ٤٨٩ كتاب الصلح فهو جائز؛ لأن الإِبراء عن العيب إِبراء عن صفة السلامة وإسقاط لها وهي مستحقة على البائع، فيصح الصلح عنها، والإِبراء عن كل عيب، وَإِن كان إِبراء عن المجهول، لكن جهالة المصالح عنه لا تمنع صحة الصلح، فلا تمنع صحة الإِبراء للفقه الذي مر قبل هذا. إِنَّ الجهالة لعينها غير مانعة، بل لإفضائها إلى المنازعة المانعة من التسليم والقبض، والذي وقع الصلح والإبراء عنه لا يفتقر إلى التسليم والقبض فلا تضره الجهالة، وكذلك لو لم يطعن المشتري بعيب، فصالحه البائع من كل عيب على شيء، فالصلح جائز؛ لأنه وَإِن لم يطعن بعيب فله حق الخصومة فيصالحه لإبطال هذا الحق، ولو خاصمه في ضرب من العيوب نحو الشجاج والقروح، فصالحه على ذلك ثم ظهر عيب غيره، كان له أن يخاصمه فيه؛ لأن الصلح وقع عن نوع خاص، فكان له حق الخصومةِ في غيره. ولوِ اشترى شيئاً من امرأةٍ فظهر به عيب، فصالحته على أن تتزوجه، فهو جائز، وهذا إقرار منها بالعيب؛ فإن كان يبلغ أرش العيب عشرة دراهم فهو مهرها، وَإِن كان أقل من ذلك يكمل لها عشرة دراهم؛ لأن أرش العيب لما صار مهرها والنكاح معاوضة البضع بالمهر، فإذا نكحت نفسها فقد أقرت بالعيب. وكذلك لو اشترى شيئاً بأرش عيب، كان إِقراراً بالعيب؛ لأن الشراء معاوضة، فالإقدام عليه يكون إِقراراً بالعيب؛ بخلاف الصلح حيث لا يكون إِقراراً بالعيب؛ لأن الصلح مرة يصح معاوضة ومرة يصح إسقاطاً، فلا يصح دليلاً على الإقرار بالشك والاحتمال. ولوٍ اشترى ثوبين كل واحد بعشرة، فقبضهما ثم وجد بأحدهما عيباً، فصالح على أن يرده بالعيب على أن يزيده في ثمن الآخر درهماً، فالرد جائز، وزيادة الدرهم باطل عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: لا يجوز شيء من ذلك. وجه قوله أَن الرد بالعيب فسخ، والفسخ بيع جديد بمنزلة الإقالة، والبيع تبطله الشروط الفاسدة. وجه قولهما: أَن هذا تعليق الزيادة في الثمن بالشرط وأنه باطلٌ؛ لأن الزيادة تلحق بأصل العقد، وأصل الثمن لا يحتمل التعليق بالشرط؛ لأنه في معنى القمار؛ فكذا الزيادة عليه، فأما الرد ففسخ العقد وأنه يحتمل الشرط فجائز. وَلَوِ ادَّعَى على امرأة نكاحاً فجحدت، فصالحها على مائة درهم على أن تقر له بالنكاح، فأقرت، فهو جائز وتجعل المائة من الزوج زيادة في مهرها؛ لأن إقرارها بالنكاح محمول على الصحة . ولو ادعى على إِنسان ألفاً وأنكر المدعي، فصالحه على مائة درهم على أن يقر له ٤٩٠ كتاب الصلح بالأَلف، فهو باطل؛ لأن المدعي لا يخلو إما أن يكون صادقاً في دعواه، وإما أن يكون كاذباً فيها، فإن كان صادقاً فيها فالألف واجبة على المدعى عليه، ويكون أخذ العوض عليه في معنى الرشوة وأنه حرام، وإِن كان كاذباً في دعواه فإقرار المدعى عليه بالألف التزام المال ابتداء، وهذا لا يجوز. ولو قال لامرأةٍ: أعطيتك مائة درهم على أن تكوني امرأتي، ففعلت ذلك، فهو جائز إِذا كان بمحضر من الشهود، ويجعل كناية عن إنشاء النكاح؛ وكذا لو قال: تزوجتك أمس على ألف درهم؛ فجحدت، فقال: أزيدك مائة على أن تقري لي بالنكاح، فأقرت، جاز ولها ألف ومائة، ويحمل إقرارها على الصحة، والله أعلم. هذا الذي ذكرنا إِذا كان الصلح بين المدعي والمدعى عليه. وأما إذا كان بين المدعي والأجنبي المتوسط أو المتبرع، فلا يخلو إِما أَن كان ذلك بأمر المدعى عليه، أو بغير أمره، فإن كان بأمره يصح؛ لأنه وكيل عنه، والصلح مما يحتمل التوكيل به، وإن كان بغير أمره فهو صلح الفضولي، وإنه على خمسة أوجه: أحدها: أن يضيف الضمان إلى نفسه بأن يقول للمدعي: صالحتك أو أصالحك من دعواك هذه على فلان على ألف درهم، على أني ضامن لك الألف، أو على أن علي الألف. والثاني: أن يضيف المال إلى نفسه بأن يقول: على ألفي هذه، أو على عبدي هذا. والثالث: أن يعين البدل وإِن كان لا ينسبه إلى نفسه بأن يقول: عليَّ هذه الألف، أو على هذا العبد. والرابع: أن يسلم البدل، وإِن لم يعين ولم ينسب؛ بأن قال: صالحتك على ألف وسلمها إليه . والخامس: أن لا يفعل شيئاً من ذلك؛ بأن يقول: صالحتك على ألف درهم أو على عبد وسط، ولم يزد عليه. ففي الوجوه الأربعة يصح الصلح، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَضْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [سورة الحجرات، ١٠] وهذا خاص في صلح المتوسط، وقوله - عزَّ شأنه -: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [سورة النساء، ١٢٨] وهذا عام في جميع أنواع الصلح؛ لدخول الألف واللام على الصلح، وإِنهما لاستغراق الجنس؛ ولأنه بالصلح في هذه الوجوه متصرف على نفسه بالتبرع بإسقاط الدين على الغير بالقضاء من مال نفسه، إن كان الصلح عن إقرار، وإِن كان عن إِنكار بإسقاط الخصومة فيصح تبرعه؛ كما إِذا تبرع بقضاء دين غيره من مال نفسه ابتداء، ومتى صح صلحه ٤٩١ کتاب الصلح يجب عليه تسليم البدل في الوجوه الثلاثة، وليس له أن يرجع على المدعى عليه؛ لأن التبرع بقضاء الدين لا يطلق الرجوع على ما نذكره في فصل الحكم، إِن شاء الله تعالى. وأما في الوجه الخامس: فموقوف على إِجازة المدعى عليه؛ لأن انعدام الضمان والنسبة وتعيين البدل والتمكين لا يمكن حمله على التبرع بقضاء دين غيره من مال نفسه، فلا يكون متصرفاً على نفسه، بل على المدعى عليه، فيقف على إِجازته، فإن أجاز نفذ ويجب البدل عليه دون المصالح؛ لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة. ولو كان وكيلاً من الابتداء لنفذ تصرفه على موكله، فكذلك إذا التحق التوكيل بالإِجازة، وَإِن رده بطل؛ لأن التصرف على الإنسان لا يصح من غير إِذنه وإجازته، ثم إِنما يصح صلح الفضولي إِذا كان حرًّا بالغًاً، فلا يصح صلح العبد المأذون والصبي؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع، وكذا الخلع من الأجنبي على هذه الفصول التي ذكرنا؛ بأن كان بإذن الزوج أو المرأة يصير وكيلاً ويجب المال على المرأة دون الوكيل. وإِن كان بغير إذنهما فهو على الفصول التي ذكرنا في الصلح، وكذلك الزيادة في الثمن من الأجنبي على هذا التفصيل، إِن كان بإذن المشتري يكون وكيلاً ويجب على المشتري، وإِن كان بغير إذنه فعلى ما ذكرنا من الفصول. وكذلك العفو والصلح عن دم العمد من الأجنبي على هذه الفصول. ثم لا يخلو إِما أَن صالح على المفروض، أو على غير المفروض بمقدار المفروض، أو بأكثر منه قبل تعيين القاضي أو بعده، على ما تقدم. والأَصل فيه أنه يجوز من صلح الأجنبي ما يجوز من صلح القاتل، وما لا فلا. وبيان ذلك أنه إِذا صالح الفضولي على خمسة عشر ألفاً، أو على ألفي دينار وضمن قبل تعيين القاضي الواجب على العاقلة، جاز الصلح على عشرة آلاف درهم، وعلى ألف دينار، وتبطل الزيادة لما ذكرنا أن الفضولي بالصلح في مثل هذا الموضع متبرعٌ بقضاء على المتبرع عليه، وليس عليه إِلا هذا القدر، فلا يصح تبرعه عليه بالزيادة، كمن كان له على آخر ألف درهم دين فقضى عنه ألفين بغير أمره، له أن يسترد الزيادة. هذا إِذا صالح على المفروض، فإن صالح على جنس آخر جاز؛ لأن المانع من الجواز هو الربا، ولا يجري في مختلفي الجنس. وكذلك لو صالح على مائتي بعير بعينها أو بغير عينها، جاز صلحه على المائة؛ لما أن القاتل لو فعل ذلك بنفسه لما جاز إِلا على المائة، فكذا الفضولي لما ذكرنا. ٤٩٢ كتاب الصلح ثم إِن كانت بغير أعيانها فالواجب عليه مائة من الإبل على الإنسان الواجبة في باب الدية؛ لأن مطلق الإِبل في هذا الباب ينصرف إلى الواجب، وإن كانت بأعيانها فالواجب مائة منها والخيار إِلى الطالب؛ لأن الرضا بالكل يكون رضاً بالبعض، فإن كان في أسنان الإبل نقصان عن أسنان الإبل الواجبة في باب الدية، فللطالب أن يرد الصلح؛ لأن صلح الطالب على الزيادة على المفروض محمول على أن غرضه أنه لو ظهر نقصان في السن لا يجبر بزيادة العدد، فإذا لم تحصل له الزيادة لم يحصل غرضه، فاختل رضاه بالنقصان فأوجب حق النقص. ولو صالح على مائة على أسنان الدية وضمنها، فهو جائز ولا خيار للطالب، لأن الصلح على مائة على أسنان الدية استيفاء عين الحق، وإِن كان القاضي عين الواجب فقضى عليه بالدراهم، فصالح المتوسط على ألفي دينار، جاز، ولا بد من القبض في المجلس كما فعله القاتل بنفسه؛ لأنه صرف فيراعي شرائطه، والله أعلم. فصل [في حكم الصلح] وأما بيان حكم الصلح، فنقول وبالله التوفيق: أَن للصلح أحكاماً بعضها أصلي لا ينفصل عنه جنس الصلح المشروع، وبعضها دخيل يدخل في بعض أنواع الصلح دون البعض. أما الأصل فهو انقطاع الخصومة والمنازعة بين المتداعيين شرعاً حتى لا تسمع دعواهما بعد ذلك، وهذا حكم لازم جنس الصلح. فأما الدخيل فأنواع منها حق الشفعة للشفيع، وجملته أن المدعي لو كان داراً وبدل الصلح سوى الدار من الدراهم والدنانير وغيرهما، فإن كان الصلح عن إقرار المدعى عليه يثبت للشفيع فيها حق الشفعة؛ لأن في معنى البيع من الجانبين فيجب حق الشفعة، وإِن كان الصلح عن إِنكار لا يثبت لأنه ليس في معنى البيع من جانب المدعى عليه، بل هو بذل المال لدفع الخصومة واليمين، لكن للشفيع أن يقوم مقام المدعي فيدلي بحجته على المدعى عليه، فإن كانت للمدعي بينة أقامها الشفيع عليه وأخذ الدار بالشفعة؛ لأن بإقامة البينة تبين له أن الصلح كان في معنى البيع . وكذلك إِن لم تكن له بينة فحلف المدعى عليه فنكل، وَإِن كان بدل الصلح داراً والصلح عن إقرار المدعى عليه يثبت للشفيع حق الشفعة في الدارين جميعاً؛ لما مر أن الصلح هنا في معنى البيع من الجانبين، فصار كأنهما تبايعا داراً بدار، فيأخذ شفيع كل دار المشفوعة بقيمة الدار الأخرى. وَإِنْ تصالحا عَلَى أن يأخذ المدعي الدار المدعاة ويعطي المدعى عليه داراً أخرى، فإن ٤٩٣ كتاب الصلح كان الصلح عن إنكار وجبت فيهما الشفعة بقيمة كل واحدة منهما؛ لأن هذا الصلح في معنى البيع من الجانبين، وَإِن كان الصلح عن إقرار لا يصح لأن الدارين جميعاً ملك المدعي؛ لاستحالة أن يكون ملكه بدلاً عن ملكه، وإذا لم يصح الصلح لا تجب الشفعة، ولو صالح عن الدار على منافع لا تثبت الشفعة وإِن كان الصلح عن إقرار؛ لأن المنفعة ليست بعين مال، فلا يجوز أخذ الشفعة بها، وإِن كان الصلح عن إِنكارٍ يثبت للشفيع حق الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، ولا يثبت في الدار المدعاة؛ لأن الأخذ بالشفعة يستدعي كون المأخوذ مبيعاً في حق من يأخذ منه؛ لأن الصلح عن إِنكار في جانب المدعي معاوضة، فكان بدل الصلح بمعنى البيع في حقه إِذا كان عيناً، فكان للشفيع حق الأخذ منه بالشفعة، وفي جانب المدعى عليه ليس بمعاوضة، بل هو إسقاط الخصومة ودفع اليمين عن نفسه، فلم يكن للدار المدعاة حكم المبيع في حقه، فلم يكن للشفيع أن يأخذها بالشفعة، إلا أن يدلي بحجة المدعي فيقيم البينة أو يحلف المدعى عليه فينكل؛ على ما ذكرنا. ومنها: حق الرد بالعيب، وأَنه يثبت من الجانبين جميعاً إِن كان الصلح عن إِقرار؛ لأنه بمنزلة البيع . وإِن كان عن إِنكار يثبت في جانب المدعي ولا يثبت في جانب المدعى عليه؛ لأن هذا بمنزلة البيع في حقه لا في حق المدعى عليه، والعيب على المدعى عليه في دعواه؛ فإن أقام البينة أخذ حصة العيب، وَإِن لم يثبت المدعى عليه حق الرد بالعيب لم يرجع في شيء. وكذا لو استحق عليه الدار وقد بنى فيها بناء فنقض، لا يرجع على المدعي بقيمة البناء، وكذا لو كان المدعي جارية فاستولدها، لم يكن مغروراً ولا يرجع بقيمة الولد؛ لأن ما أخذه المدعي لي بدل المدعي في حقه، إلا أنه إذا استحقت الدار المدعاة، يرجع على المدعي بما أدى إليه؛ لأن المؤدي بدل الخصومة في حقه، وقد تبين أنه لا خصومة له فيه، فكان له حق الرجوع بالمؤدي ولو وجد ببدل الصلح عيباً فلم يقدر على رده للهلاك أو للزيادة أو النقصان في يد المدعي، فإن كان الصلح عن إقرار يرجع على المدعى عليه بحصة العيب في المدعي، وإن كان عن إنكار يرجع العيب على المدعى عليه في دعواه، فإن أقام البينة أخذ حصة العيب؛ وكذا إِذا حلفه فنكل، وَإِن حلف فلا شيء عليه. ومنها: الرد بخيار الرؤية في نوعي الصلح وفرق الطحاوي بينهما، وألحق الرد في الصلح عن إِنكار ببدل الصلح عن القصاص وبالمهر وبدل الخلع، والرد بخيار الرؤية غير ثابت في تلك العقود؛ فكذا ههنا. وفي ((كتاب الصلح)) أثبت حق الرد في النوعين جميعاً من غير فصل، هو الصحيح؛ لأن الخيار ثبت للمدعي، فيستدعي كونه معاوضة عن حقه، وقد وجد، وكذلك الأحكام تشهد بصحة هذا على ما نذكر. ٤٩٤ كتاب الصلح ومنها: أنه لا يجوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض إِذا كان منقولاً في نوعي الصلح، فلا يجوز للمدعي بيعه وهبته ونحو ذلك، وإن كَانَ عقاراً يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يجوز، ويجوز ذلك في الصلح عن القصاص للمصالح أن يبيعه ويبرئ عنه قبل القبض. وكذلك المهر والخلع، والفرق أن المانع من الجواز في سائر المواضع التحرز عن انفساخ العقد على تقدير الهلاك، ولم يوجد هنا، لأن الصلح عن القصاص بما لا يحتمل الانفساخ، فلا حاجة إلى الصيانة بالمنع كالموروث. وبذا تبين إن إلحاق العقد بالعقود التي هي مبادلة مال بغير مال، على ما ذكره الطحاوي - غير سديد . ولو صالح عن القصاص على عين، فهلكت قبل التسليم، فعليه قيمتها؛ لأن الصلح لم ينفسخ فبقي وجوب التسليم؛ وهو عاجز عن تسليم العين للمصلح فيجب تسليم القيمة. ومنها: إن الوكيل بالصلح إذا صالح ببدل الصلح يلزمه أو يلزم المدعى عليه، فهذا في الأصل لا يخلو من وجهين: إما أن يكون الصلح في معنى المعاوضة، وإما أن يكون في معنى استيفاء عين الحق، فإن كان في معنى المعاوضة يلزمه دون المدعى عليه؛ لأنه يكون جارياً مجرى البيع، وحقوق البيع راجعة إِلى الوكيل، وإِن كان في معنى استيفاء عين الحق فهذا على وجهين أيضاً: إِما أَن ضمن بدل الصلح، وَإِما إِن لم يضمن، فإن لم يضمن لا يلزمه لأنه يكون سفيراً بمنزلة الرسول، فلا ترجع إِليه الحقوق، وَإِن ضمن لزمه بحكم الكفالة لا بحكم العقد. وأما الفضولي فإن نفذ صلحه فالبدل عليه، ولا يرجع به على المدعى عليه لأنه متبرع، وإِن وقف صلحه فإن رده المدعى عليه بطل ولا شيء على واحد منهما، وإن أجازه جاز والبدل عليه دون الفضولي. فصل [في بيان ما يبطل بها الصلح بعد وجوده] وأما بيان ما يبطل به الصلح بعد وجوده، فنقول وبالله التوفيق: ما يبطل به الصلح أشياء. منها: الإقالة فيما سوى القصاص؛ لأن ما سوى القصاص لا يخلو عن معنى معاوضة المال بالمال، فكان محتملاً للفسخ کالبیع ونحوه. فأما في القصاص فالصلح فيه إسقاط محض؛ لأنه عفو والعفو إسقاط فلا يحتمل الفسخ كالطلاق ونحوه. ومنها: لحاق المرتد بدار الحرب أو موته على الردة عند أبي حنيفة؛ بناءً على أن ٤٩٥ كتاب الصلح تصرفات المرتد موقوفة عنده على الإسلام أو اللحوق بدار الحرب والموت، فإن أسلم نفذ، وإِن لحق بدار الحرب وقضى القاضي به أو قتل أو مات على الردة تبطل، وعندهما نافذة، والمرتدة إذا لحقت بدار الحرب يبطل من صلحها ما يبطل من صلح الحربية لأن حكمها حكم الحربية، والمسألة تعرف في موضعها، إن شاء الله تعالى. ومنها: الرد بخيار العيب والرؤية؛ لأنه يفسخ العقد لما علم، ومنها: الاستحقاق وأنه ليس إبطالاً حقيقةً، بل هو بيان أن الصلح لم يصح أصلاً، لا أنه بطل بعد الصحة إلا أنه إبطال من حيث الظاهر؛ لنفاذ الصلح ظاهراً، فيجوز إلحاقه بهذا القسم، لكنه ليس بإبطال حقيقة، فكان إلحاقه بأقسام الشرائط على ما ذكرنا أولى وأقرب إلى الصناعة والفقه، فكان أولى. " ومنها: هلاك أحد المتعاقدين في الصلح على المنافع قبل انقضاء المدة؛ لأنه بمعنى الإِجازة وأنها تبطل بموت أحد المتعاقدين، وأما هلاك ما وقع الصلح على منفعته، هل يوجب بطلان الصلح؟ فلا يخلو إما كان حيواناً كالعبد والدابة، أو غير حيوان كالدار والبيت، فإن كان حيواناً لا يخلو إما إِن هلك بنفسه أو باستهلاك، فإن هلك بنفسه يبطل الصلح إِجماعاً، وَإِن هلك باستهلاك فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إِما أَن استهلكه أجنبي، وإما أن استهلكه المدعى عليه، وإِما أَن استهلكه المدعي، فإن استهلكه أجنبي بطل الصلح عند محمد، وقال أبو يوسف لا يبطل ولكن للمدعي الخيار: إِن شاء نقض الصلح، وَإِن شاء اشترى له بقيمته عبداً يخدمه إِلى المدة المضروبة . وجه قول محمد أن الصلح على المنفعة بمنزلة الإِجارة؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض، وقد وجد، ولهذا ملك إِجارة العبد من غيره بمنزلة المستأجر في باب الإِجارة والإجازة تبطل بهلاك المستأجر، سواء هلك بنفسه أو باستهلاكه؛ كذا هذا. وجه قول أبي يوسف أن هذا صلح فيه معنى الإِجارة؛ وكما أن معنى المعاوضة لازم في الإِجارة، فمعنى استيفاء عين الحق أصل في الصلح، فيجب اعتبارهما جميعاً ما أمكن، ومعلوما أنه لا يمكن استيفاء الحق من المنفعة؛ لأنها ليست من جنس المدعي فيجب تحقيق معنى الاستيفاء من محل المنفعة وهو الرقبة، ولا يمكن ذلك إلا بعد ثبوت الملك له فيها، فتجعل كأنها ملكه في حق استيفاء حقه منها، وبعد القتل إن تعذر الاستيفاء من عينها يمكن من بدلها، فكان له أن يستوفي من البدل بأن يشتري له عبداً فيخدمه إِلى المدة المشروطة، وله حق النقض أيضاً لتعذر محل الاستيفاء، وإن استهلكه المدعى عليه بأن قتله أو كان عبداً فأعتقه، يبطل الصلح أيضاً، وقيل هذا قول محمد. فأما على أصل أبي يوسف فلا يبطل وتلزمه القيمة ليشتري له بها عبداً آخر يخدمه إلى المدة المشروطة، كما إذا قتله أجنبي؛ وكالراهن إذا قتل العبد المرهون أو أعتقه، وهذا لأن ٤٩٦ كتاب الصلح رقبة العبد، وإن كانت مملوكة للمدعى عليه لكنها مشغولة بحق الغير، وهو المدعي لتعلق حقه بها، فتجب رعايتهما جميعاً بتنفيذ العتق ويضمن القيمة كما في الرهن. وكذا لو استهلكه المدعي بطل الصلح عند محمد، وعند أبي يوسف لا يبطل وتؤخذ من المدعي قيمة العبد ويشتري عبداً آخر يخدمه، وهل يثبت الخيار للمدعي في نقض الصلح على مذهبه؟ فيه نظر. هذا إذا كان الصلح على منافع الحيوان. فأما إذا كان على سكنى بيت فهلك بنفسه؛ بأن انهدم، أو باستهلاك بأن هدمه غيره، لا يبطل الصلح ولكن لصاحب السكنى وهو المدعي الخيار: إن شاء بناه صاحب البيت بيتاً آخر يسكنه إلى المدة المضروبة، وَإِن شاء نقض الصلح ولا يتعذر هنا، خلاف محمد؛ لأن إِجارة العبد تبطل بموته بالإجماع، وإِجارة الدار لا تبطل بانهدامها، ولصاحب الدار أن يبنيها مرة أخرى في بعض إِشارات الروايات عن أصحابنا؛ على ما مَرَّ في الإِجارات. ولو تصالحا عن إِنكار المدعى عليه على مال ثم أقر المدعى عليه بعد الصلح لا ينفسخ الصلح؛ لأن الإقرار مبين أن الصلح وقع معاوضة من الجانبين، فكان مقرًّا للصلح لا مبطلاً له، ولو أقام المدعي البينة بعد الصلح لا تسمع بينته، إلا إذا ظهر ببدل الصلح عيب وأنكر المدعى عليه، فأقام البينة ليرده بالعيب، فتسمع بينته وتبين أن الصلح الماضي حكم الصلح عن إقرار المدعى عليه، فكل حكم ثبت في ذلك ثبت في هذا. فصل [في حكم الصلح إذا بطل بعد صحته أو لم يصح أصلاً] وأما بيان حكم الصلح إِذا بطل بعد صحته أو لم يصح أصلاً؛ فهو أن يرجع المدعي إِلى أصل دعواه إِن كان الصلح عن إِنكار، وإن كان عن إقرار فيرجع على المدعى عليه بالمدعي لا غيره، إِلا أن في الصلح عن قصاصٍ إِذا لم يصح كان له أن يرجع على القاتل بالدية دون القصاص، إِلا أن يصير مغروراً من جهة المدعى عليه، فيرجع عليه بضمان الغرور أيضاً. وبيان هذه الجملة أنهما إذا تقايلا الصلح فيما سوى القصاص أو رد البدل بالعيب وخيار الرؤية، يرجع المدعي بالمدعي إِن كان عن إِقرار، وَإِن كان عن إِنكار يرجع إِلى دعواه؛ لأن الإقالة والرد بالعيب وخيار الرؤية فسخ العقد، وإِذا فسخ جعل كأن لم يكن، فعاد الأمر على ما كان من قبل. وكذا إِذا استحق؛ لأن بالاستحقاق ظهر أنه لم يصح لفوات شرط الصحة، فكأنه لم يوجد أصلاً، فكان وجوده وعدمه بمنزلة واحدة، إلا أن في الصلح عن القصاص عن إِقرار لا يرجع بالمدعي، وإِن فات شرط الصحة؛ لأن صورة الصلح أورثت شبهة في درء القصاص، ٤٩٧ كتاب الصلح والقصاص لا يستوفي مع الشبهة، فسقط لكن إِلى بدل وهو الدية. فأما المال وما سوى القصاص من الحقوق والحدود فيما يمكن استيفاؤه مع الشبهة، فأمكن الرجوع بالمدعي ولا يرجع بشيء آخر إِلا إِذا صار مغروراً من جهة المدعى عليه؛ بأن كان بدل الصلح جارية فقبضها واستولدها، ثم جاء مستحق فاستحقها وأخذها وأخذ عقرها وقيمة ولدها وقت الخصومة؛ فإنه يرجع على المدعى عليه بالمدعي وبما ضمن من قيمة الولد، إِن كان الصلح عن إقرار، لأنه صار مغروراً من جهته. وَإِن كان الصلح عن إِنكار يرجع إلى دعواه لا غير، فإن أقام البينة على صحة دعواه أو حلف المدعى عليه، فنكل حينئذٍ يرجع بما ادعى وبقيمة الولد؛ لأنه تبين أنه كان مغروراً فيرجع عليه بضمان الغرور، ولا يرجع بالعقر في نوعي الصلح؛ لأن العقر بدل المنفعة المستوفي، فكان عليه العقر. وَإِن كان الصلح عن القصاص في النفس أو ما دونها، فصالح على جارية فاستولدها ثم استحقت، فإنه يرجع على المدعى عليه بقيمة الجارية وبما ضمن من قيمة الولد، إِن كان الصلح عن إِقرار، ولا يرجع بالعقر لما ذكرنا. وإن كان الصلح عن إنكار يرجع إلى دعواه لا غير، فإن أقام البينة أو حلف المدعى عليه فنكل، يرجع بقيمة الجارية وبما ضمن من قيمة الولد لما قلنا؛ وإِن حلف لا يرجع بشيء، أو صالح المتوسط على عبد معين فاستحق العبد، أو وجد به عيباً فرده حتى بطل الصلح، لا سبيل للمدعي على المتوسط، ولكنه يرجع بالمدعي، إن كان الصلح عن إقرار، وإن كان عن إنكار يرجع إلى دعواه؛ لأن المتوسط بهذا الصلح لا يضمن سوى تسليم العبد المعين. ولو صالح على دراهم مسماة وضمنها ودفعها إليه، ثم استحقت أو وجدها زيوفاً، له أن يرجع على المصالح المتوسط؛ لأنه بالضمان التزم تسليم الجارية وسلامة المضمون، ولو استحقت الدار المدعاة بعد الصلح عن إقرار أو عن إِنكار، كان للمدعى عليه أن يرجع بما دفع . أما في موضع الإِقرار فلا شك فيه؛ لأن المأخوذ عوض في حقهما جميعاً. وأما في موضع الإنكار فلأن المأخوذ عوض في حق المدعي عن المدعى عليه، وقد فات بالاستحقاق، فيجب عليه رد عوضه، هذا إِذا استحق كل الدار، فأما إذا استحق بعضها، فإن كان ادعى جميع الدار يرجع بحصة ما استحق؛ لفوات بعض ما هو عوض عن المستحق، وإِن كان ادعى فيها حقًّا لم يرجع بشيء؛ لجواز أن يكون المدعي ما وراء المستحق. وإِذا بطل الصلح على المنافع بموت أحد المتعاقدين وغير ذلك في أثناء المدة، فإن كان بدائع الصنائع ج٧ - ٣٢٣ ٤٩٨ کتاب الصلح الصلح عن إقرار رجع بالمدعي بقدر ما لم يستوف من المنفعة، وإِن كان عن إِنكار رجع إِلى الدعوى في قدر ما لم يستوف من المنفعة. ولو صالح عن القصاص على دن من خمر فإذا هو خل، أو على عبد فإذا هو حُرٍّ، فهو على الاختلاف الذي عرف في باب النكاح، إلا أن فيما يجب مهر المثل هناك تجب الدية هنا، وفيما تجد القيمة لرجل مثله هناك يجب ذاك هنا، ولا يشبه هذا ما إِذا صالح عن القصاص على خمر وهو يعلم بأنه خمر؛ أنه لا يجب شيء، وههنا يجب شيء؛ لأن هناك صار مغروراً من جهة المدعى عليه بتسمية العبد والخل، وكل من غر غيره في شيء يكون ملتزماً ما يلحقه من العهدة فيه، فإذا ظهر الأمر بخلافه كان له حق الرجوع عليه بحكم الكفالة والضمان، ومعنى الغرور لا يتقدر عند علمه بحال المسمى، فتبقى لفظة الصلح كناية عن العفو وأنه مسقط للحق أصلاً، فهو الفرق بين الأمرين، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. كِتَابُ الشَّرِكَةِ(١) الشركة في الأصل نوعان: شركةُ الأملاك، وشركة العقود، وشركة الأملاك نوعان: نوع يثبت بفعل الشريكين، ونوع يثبت بغير فعلهما. (١) الشَّرِكَةُ في اللغة مَصْدَرٌ من الفعل الثلاثي: شَرك يَشْرَكُ شِرْكاً، أو اسم مصدر من الثلاثي المزيد: شَارَكَ يشارك مشاركة، أو من المضعف شَرَّكَ يُشَرِّك تَشْرِيكاً. وفي لفظ الشّركة لغات أشهرها ثلاثة هي: ((شِرْكة)) بكسر فسكون ((وشَرِكَة» بفتح فكسر ((وشَرْكة» بفتح فسكون. قال ابن القطاع: يقال: شَرِكَتُكَ في الأَمْرِ أَشْرَكُكَ شِرْكاً وشِرْكةً، وحِكِي: بوزن نعمة وسرقة، وحكى مَكِّي لغة ثالثةً: شَرْكَة بوزن تَمْرَةٍ، وحكى ابن سيده: شَرِكْتُه في الأمر وأَشْرَكْته. وقال الجوهري: وشَرَكْتُ فلاناً: صرت شَرِيكَهُ، وَاشْتَرَكْنَا، وتَشَارَكْنَا في كذا، أي: صِرْنَا فيه شُرَكَاءَ. والشّرْك بوزن العِلْم: الإِشْرَاكُ. والنَّصِيبُ. والشّركة واحدة: الشركات، وواحد الشّرّكاء: شريك، يجمع على شُرَكّاء وأشْراك، ومعناها الاختلاط، أو خلط المهلْكَيْن، أو مخالطة الشريكين واشتراكهما في شيء وَاحِدٍ. وقيل: هو أن يُوجَدَ شيءٍ لاثنين فَصَاعِداً، عَيْناً كان ذلك الشيء أو معنى. وقيل: أن يكون الشيء، بين اثنين لا ينفرد به أَحَدُهُمَا. وحاصل ما قيل: أن معنى الشركة في اللُّغَةِ الاختلاط والامتزاج. وقد ورد في المعنى اللغوي قوله تعالى: ﴿وَأَشْرِكُهُ في أمري﴾ [طه: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿فيه شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُون﴾ [الزمر: ٢٦] وقوله وَّرَ: ((الناس شُرَكَاءُ في ثلاثة: الماء، والكلأ والنار)). انظر: الصِّحَاح ١٥٩٣/٤، ومعجم مقاييس اللغة ٢٦٥/٣، المصباح المنير ٤٧٤/١، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٦٦، لسان العرب ص ٢٢٤٨، ٢٢٥٠، ترتيب القاموس المحيط ٧٠٤/٢، مختار الصحاح ص ٣٣٦. واصطلاحاً: عرفها الحنفيةُ بأنها: عِبَارَةٌ عن اختلاط النَّصِيبَيْنِ فصاعداً، بحيث لا يعرف أحد النصيبين من الآخر. عرفها الشافعيةُ بأنها: هي ثُبُوتُ الحَقِّ في شيء لاثنين فأكثر، على جهة الشيوع. عرفها المالكية بأنها: إذن كل وَاحِدٍ من الشريكين لصاحبه في التصرف في ماله أو ببدنه لهما. عرفها الحنابلة بأنها: نوعان: اجتماع في اسْتِخفَّاقٍ، أو في تصرِف، والنوع الأول: شركة في المال، والنوع الثاني: شركة عقود. انظر: تبيين الحقائق ٣١٣/٣، شرح فتح القدير ١٥٢/٦، حاشية ابن عبادين ٣٣٢/٣، والمبسوط ١١/ ١٥١، مغني المحتاج ٢١١/٢، مواهب الجليل ١١٧/٥، الكافي ٢/ ٧٨٠، كشاف القناع ٤٩٦/٣، المغني ١/٥ . = ٤٩٩ ٥٠٠ كتاب الشركة واعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، وهو عالم بضعفهم، واحتياجهم لبعض وجعلهم مدنيين بطبعهم = لا يستغني أحدهم عن الآخر في معاملتهم المالية والشارع الحكيم لم يترك باباً من أبواب المنفعة إلا طَرَّقَه وَفَتَحَهُ. ولا سبيلاً من سبل السعادة إلا مهدها وسهلها، وَحَثَّ عليها. فمن ذلك الشركة لما فيها من معاونة الشركاء بعضهم بعضاً مالا وبدنا. فلو جرى الناس عليها وَرَاعَوْا شروطها الشرعية لعم النفع، وَأَزْهَرَتْ رياض السعادة في ربوعهم. ولذا حَثَّ الشارع، وندب إليها قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرُ وَالتَّقْوَى﴾ وقد أمر الله سبحانه وتعالى - على لسان رسوله وَّه بالتَّحَلِي بفضيلة الأمانة فيها لتحصل البركة لِهم والمساعدة في شركتهم لأنها مدار نجاحها، فقال ◌َّ قال الله تعالى: ﴿أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ ما لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فإذا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِما﴾ ومعنى الحديث: أنا معينهما ومساعدهما ومبارك لهما في مالهما وبدنهما. ومن فوائد الشركة ترقية الأعمال التجارية وفروع الصناعات المختلفة، وتكثير وسائل تنمية الثروة، وبها أمكن من السكك الحديدة في أنحاء المعمورة، وبناء المعامل الضخمة، والقناطر المشيدة والأساطيل التجارية الفخمة، وبها نبع المهرة في جميع الحرف والصناعات حتى أمكن صنع كثير من لوازم الحياة، وكمالياتها لسد حاجات الإنسان المتزايدة باستمرار، وقد فطن لهذه أهلُ الغَرْب ومن سايرهم فتمسكوا بها وانتفعوا بفوائد هذه الشركات، ونالوا منها الأرباح الطائلة، والأموال الجمة، وصار لهم في كل بلد من بلدان العالم شركات كثيرة يرتبط بها أهم المصالح العامة التي لا يمكن الاستغناء عنها، فوصلوا من ذلك إلى مآربهم المادية والاقتصادية والسياسية والقومية. وبالجملة فهي مما عليه مدار انتظام مصالح الفقير والغني والمالك والمعدم، خُصُوصاً المزارعة فإن حياة النوع الإنساني والحيواني مُتَعَلِّقَةٌ بالأرض، وما أودع الله فيها من الخيرات والنعم الجليلة، ولا يمكن لِلْمُلأَّك وهم قليلون لا يستطيع أكثرهم العمل في المُزَارَعَةِ وعمارة الأرض واستثمارها سد حاجات أنفسهم فضلاً عن سَدِّ حاجة المجتمع البشري، وحولهم الكثيرون ممن يستطيع العمل وحرث الأرض واستغلالها على الوجه المطلوب، ولا ينقصهم إلا التمكن من أعمال الزراعة واستثمارها، فكانت حاجة النَّوْعِ الإنساني ماسة إلى شركة المُزَارَعَةِ لتتوفر أسباب الحياة وتنتظم المصالح للنوع الإنساني، وتزول أكبر عقبة في سبيل نمو الإنسان والحيوان فشرعت رَحْمَةٌ بالعباد وَلُطْفاً بهم. إِنَّ الله بِعِبَادِهِ رَؤُوفٌ رَحيم. والشركة جائزة شرعاً. والدليل على ذلك: الكتاب والسنة والإجماع والعقل. أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا حيث لا ناسخ. فهذا دليل شركة الأموال وأما شركة الأبدان فيدل عليها قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فَأَن لله خمسه﴾ الأربعة الأخماس بين الغانمين على الشركة. وإنما كان ذلك بعمل أبدانهم. وقال اللخمي ما نصه: الأصل في الشركة قوله تعالى في ولي اليتيم ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ قالت عائشة رضي الله عنها هي اليتيمة تشارك في أموالها. رواه البخاري ومسلم. وقوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الخ الآية. وأما السنة فما روي عن أبي داود بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَ لو أن الله يقول: ﴿أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر فإذا خانه خرجت من بينهما﴾ ذكره عبد الحق وصححه بسكوته عنه. والحاكم في مستدركه. وحديث السفينة وهو قوله عليه الصلاة والسلام ((مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهجموا سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها فكان =