Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب الكفالة لمولاه ببدل الكتاب؛ لأَنّه ليس بدين لازم؛ لأَن المكاتب يملك إِسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز، لا بالكسب بمضمون. وتجوزُ الكفالة بنفس من عليه القصاص في النفس، وما دونها، وبحد القذف والسرقة إذا بذلها المطلوب فأعطاه بها كفيلاً بلا خلاف بين أصحابنا، وهو الصحيح، لأنه كفالة بمضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من الكفيل فتصح كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين، وإِنما الخلاف أنه إذا امتنع من إعطاء الكفيل عند الطلب، هل يجبره القاضي عليه؟ قال أبو حنيفة: لا يجبره، وقال أبو يوسف ومحمد: يجبره. وجه قولهما أَن نفس من عليه القصاص والحد مضمون التسليم عليه عند الطلب؛ كنفس من عليه الدين، ثم تصح الكفالة بنفس من عليه الدين، ويجبر عليها عند الطلب؛ فكذا هذا. ولأبي حنيفة أن الكفالة شرعت وثيقة، والحدود مبناها على الدرء، فلا يناسبها التوثيق بالجبر على الكفالة، ولا يلزمه الحبس في الحدود والقصاص قبل تزكية الشهود، والحبس توثيق؛ لأن الحبس للتهمة لا للتوثيق؛ لأن شهادة شاهدين أو شاهد واحدٍ لا تخلو عن إيراث تهمة، فكان الحبس لأجل التهمة دون التوثيق، ويجوز الجبر على إعطاء الكفيل في التعزير؛ لأنه لا يحتال لدرئه لكونه حق العبد. وأما الدين فتصح الكفالة به بلا خلافٍ؛ لأنه مضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من الکفیل. والنوع الثاني: أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل؛ ليكون العقد مفيداً، فلا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل، فلا تفيد الكفالة فائدتها، وههنا شرط ثالث لكنه يخص الدين؛ وهو أن يكون لازماً، فلا تصح الكفالة عن المكاتب لمولاه ببدل الكتابة؛ لأنه ليس بدين لازم؛ لأن المكاتب يملك إسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز لا بالكسب، فلو أجزنا الكفالة ببدل الكتابة، لكان لا يخلو. أَما أَن يملك الكفيل إسقاطه عن نفسه كما يملك الأصيل، وإما أن لا يملك، فإِن ملك لا تفيد الكفالة، وإِن لم يملك لم يكن هذا الالتزام ما على الأصيل، فلا يتحقق التصرف كفالة، ولأنا لو أجزنا هذه الكفالة لكان الدين على الكفيل ألزم منه على الأصيل؛ لأن المكاتب إذا مات عاجزاً بطل عنه الدين. ولو مات الكفيل عاجزاً مفلساً لم يبطل عنه الدين، فكان الحق على الكفيل ألزم منه على الأصيل، وهذا خلاف ما توجبه الأصول، ولأن الكفالة جوازها بالعرف فلا تجوز فيما لا عرف فيه، ولا عرف في الكفالة ببدل الكتابة. وكذا لا تجوز الكفالة عن المكاتب لمولاه بسائر الديون سوى دين الكتابة، لأن غيره من الديون إنما وجب للمولى عليه بمشيئته؛ ألا ترى أنه لولا لزوم الكتابة عليه لما وجب عليه دين بدائع الصنائع ج٧ - م٢٦ ٤٠٢ كتاب الكفالة آخر، فكان دين الكتابة أصلاً لوجوب دين آخر عليه، فلما لم تجز الكفالة بالأصل فلأن لا تجوز بالفرع أَوْلَى وأحرى. ولا تجوز الكفالة ببدل السعاية عند أبي حنيفة، وعندهما تجوز بناء على أن المستسعى بمنزلة المكاتب عنده، وعندهما بمنزلة حر عليه دين، وكون المكفول به معلوم الذات في أنواع الكفالات أو معلوم القدر في الدين ليس بشرط؛ حتى لو كفل بأحد شيئين غير عين؛ بأن كفل بنفس رجل أو بما عليه، وهو ألف، جاز، وعليه أحدهما أيهما شاء؛ لأن هذه جهالة مقدورة الدفع بالبيان، فلا تمنع جواز الكفالة. وكذا إذا كفل بنفس رجل أو بما عليه، أو بنفس رجل آخر أو بما عليه؛ جاز ويبرأ بدفع واحدٍ منهما إِلى الطالب. ولو كفل عن رجلٍ بما لفلان عليه، أو بما يدركه في هذا البيع، جاز؛ لأن جهالة قدر المكفول به لا تمنع صحة الكفالة؛ قال الله تعالى جلَّ شأنه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [سورة يوسف، ٧٢] أَجَازَ الله - تَعَالى عَزَّ شأنُهُ - الكفالة بحمل البعير، مع أَنَ الحمل يحتمل الزيادة والنقصان، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ولو ضمن رجل بالعهدة، فضمانه باطل عند أبي حنيفة، وعندهما صحيح. وجه قولهما أن ضمان العهدة في متعارف الناس ضمان الدرك، وهو ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، وذلك جائز بلا خلاف بين أصحابنا . ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن العهدة تحتمل الدرك، وتحتمل الصحيفة، وهو الصك، وأحدهما وهو الصك غير مضمون على الأصيل، فدارت الكفالة بالعهدة بين أن تكون بمضمون وغير مضمون، فلا تصح مع الشك، فلم يكن عدم الصحة عنده لجهالة المكفول به، بل لوقوع الشك في وجود شرط الجواز، وهو كونه مضموناً على الأصيل، وضمان الدرك هو ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، وإذا استحق المبيع يخاصم المشترى البائع أولاً، فإذا قضى عليه الثمن يكون قضاء على الكفيل، وله أن يأخذ من أيهما شاء، وليس له أن يخاصم الكفيل أولاً في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه قال: الكفيل يكون خصماً. هذا إذا كان المبيع ما سوى العبد، فإن كان عبداً فظهر أنه حر بالبينة، فللمشتري أن يخاصم أيهما شاء، بالإجماع، ولو انفسخ البيع بينهما بما سوى الاستحقاق بالرد بالعيب، أو بخيار الشرط، أو بخيار الرؤية لا يؤاخذ به الكفيل؛ لأن ذلك ليس من الدرك. ولو أخذ المشتري رهناً بالدرك لا يصح؛ بخلاف الكفالة بالدرك؛ والفرق عرف في موضعه، ولو بنى المشتري في الدار بناء، ثم استحقت الدار ونقض عليه البناء، فللمشتري أَنْ ٤٠٣ كتاب الكفالة يَرْجِعَ على بائعه بالثمن، وبقيمة بنائه مبنياً إِذا سلم النقض إلى البائع، وإِن لم يسلم لا يرجع عليه إِلا بالثمن خاصَّةً في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه يرجع عليه بالثمن وبقيمة البناء والتآلف. ولو سلم النقض إِلى البائع وقضى عليه بالثمن وقيمة البناء مبنياً له أن يأخذ أيهما شاء بالثمن ويأخذ البائع بقيمة البناء في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي أنه يأخذ أيهما شاء بهما جميعاً إِن شاء أخذهما من البائع، وإن شاء أخذهما من الكفيل بالدرك، ثم يرجع الكفيل على البائع إن كانت الكفالة بأمره؛ جعل الطحاوي قيمة البناء بمنزلة الثمن، وهو غير سديدٍ؛ لأن المفهوم من الدرك ضمان المشتري في متعارف الناس، فلا تكون قيمة البناء داخلة تحت الكفالة بالدرك. وكذلك لو كان المبيع جارية فاستولدها المشتري، ثم استحقها رجل وأخذ منه قيمة الجارية وقيمة الولد والعقر، فإِن المشتري يأخذ الثمن من أيهما شاء؛ ولا يؤاخذ الكفيل بقيمة الولد، وللمشتري أن يأخذ قيمة الولد من البائع خَاصَّةً؛ لأنه لم يدخل تحت الكفالة بالدرك، والله - عَزَّ وجلَّ - أعلم. ولو كفل بماله على فلان، فقامت البينة عليه بألف، ضمنها الكفيل؛ لأنه تبين أنه كفل بمضمون على الأصيل، وإِن لم تقم البينة فالقولُ قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يقر به، أما القول قوله في المقر به؛ لأنه مال لزم بالتزامه، فيصدق في القدر الملتزم؛ كما إذا أقر على نفسه بمالٍ مجهول. وأما اليمين؛ فلأنه منكر الزيادة، والقول قول المنكر مع يمينه في الشرع، ولو أقر المكفول عنه بأكثر مما أقر به، لم يصدقه على كفيله؛ لأن إقرار الإنسان حجة في حق نفسه لا في حق غيره؛ لأنه مقر في حق نفسه مدع في حق غيره، ولا يظهر صدق المدعي إِلا بحجة. فصل [في حكم الكفالة] وأما بيان حكم الكفالة، فنقول وبالله التوفيق: للكفالة حكمان: أحدهما: ثبوت ولاية مطالبة الكفيل بما على الأصيل عند عامة مشايخنا، ويطرد هذا الحكم في سائر أنواع الكفالات؛ لأن الكل في احتمال هذا الحكم على السواء، وإِنما يختلف محمل الحكم من العين والدين والفعل، فيطالب الكفيل بالدين بدين واجب على الأصيل لا عليه، فالدين على واحد، والمطالب به اثنان، غير أن الكفيل إِن كان واحداً يطالب بكل الدین. ٤٠٤ كتاب الكفالة وإِن كان به كفيلان والدين ألف، يطالب كل واحد منهما بخمسمائة، إذا لم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه؛ لأنهما استويا في الكفالة، والمكفول به يحتمل الانقسام فينقسم عليهما في حق المطالبة كما في الشراء، ويطالب الكفيل بالنفس بإحضار المكفول بنفسه إِن لم یکن غائباً . وإِن كان غائباً يؤخذ الكفيل إِلى مدة يمكنه إِحضاره فيها، فإن لم يحضر في المدة ولم يظهر عجزه للقاضي، حبسه إلى أن يظهر عجزه له، فإذا علم القاضي ذلك بشهادة الشهود أو غيرها، أطلقه وأنظره إلى حال القدرة على إحضاره؛ لأنّه بمنزلة المفلس، لكن لا يحول بين الطالب والكفيل، بل يلازمه من الطالب، ولا يحول الطالب أيضاً بينه وبين أشغاله، ولا يمنعه من الكسب وغيره، ويطالب الكفيل بالعين بتسليم عينها إِن كانت قائمة، ومثلها أو قيمتها إِن كانت هالكة، ويطالب الكفيل بتسليم العين بالفعل بهما . وقال بعضُ مشايخنا: إن حكم الكفالة بالدين وجوب أصل الدين على الكفيل، والمطالبة مرتبة عليه، فيطالب الكفيل بدين واجب عليه لا على الأصيل؛ كما يطالب الأصيل بدين عليه لا على الكفيل، فيتعدد الدين حسب تعدد المطالبة، وبه أخذ شيخه الإِمام الشافعي - رحمه الله-، وزعم أن هذا يمنع من صحة الكفالة بالأعيان المضمونة والنفس والفعل؛ لأن هذا الحكم لا يتحقق في الكفالة بغير الدين. وهذا غيرُ سديدٍ؛ لأن الكفالات أنواعٌ لكلِّ نوع حكم على حدة، فانعدام حكم نوع منها لا يدل على انعدام حكم نوع آخر، فأما براءة الأصيل فليس حكم الكفالة عند عامة العلماء، والطالب بالخيار: إِن شاء طالب الأصيل، وإن شاء طالب الكفيل، إلاَّ إذا كانت الكفالة بشرط براءة الأصيل؛ لأنها حوالة معنى، أو كانت مقيدة بما عليه من الدين؛ لأنها في معنى الحوالة أيضاً. وقال ابن أبي ليلى: إن الكفالة توجب براءة الأصيل، والصحيحُ قول العامة؛ لأن الكفالة تنبئ عن الضم، وهو ضم ذمة إِلى ذمة في حق المطالبة بما على الأصيل، أو في حق أصل الدين، والبراءة تنافي الضم؛ ولأن الكفالة لو كانت مبرئة لكانت حواله، وهما متغايران، لأن تغاير الأسامي دليل تغاير المعاني في الأصل، وأيهما اختار مطالبته لا يبرأ الآخر، بل يملك مطالبته . فرق بين هذا وبين غاصب الغاصب أَن للمالك أن يضمن أيهما شاء، فإذا اختار تضمين أحدهما لا يملك اختيار تضمين الآخر. ووجه الفرق أن المضمونات تملك عند اختيار الضمان، فإذا اختار تضمين أحدهما فقد ٤٠٥ كتاب الكفالة هلك المضمون، فلا يملك الرجوع عنه، وهذا المعنى هنا معدوم، لأن اختيار الطالب مطالبة أحدهما بالمضمون، لا يتضمن ملك المضمون؛ فهو الفرق؛ وكذا فرقوا بين هذا وبين العبد المشترك بين اثنين أعتقه أحدهما وهو موسر، حتى يثبت للشريك الساكت اختيار تضمين المعتق واستسعاء العبد، فاختيار أحدهما يبطل اختيار الآخر؛ لأنه لما اختار الضمان صار نصيبه منقولاً إِلى المعتق عند اختياره؛ لأن المضمونات تملك عند اختيار الضمان، فلو اختار الاستسعاء يسعى وهو رقيق، وإِنما يعتق كله بأداء السعاية وبينهما تناف، ولا تناف ههنا؛ لأن الطالب لا يملك المضمون باختيار المطالبة، فيملك مطالبة الآخر، والثاني ثبوت ولاية مطالبة الكفيل الأصيل إِذا كانت الكفالة بأمره في الأنواع كلها. ثم إذا كانت الكفالة بالنفس فطالب الكفيل بتسليم نفسه إِلى الطالب إِذا طالبه، وإِنْ كانت بالعين المضمونة يطالب بتسليم عينها إِذا كانت قائمة، وتسليم مثلها أو قيمتها إذا كانت هالكة إِذا طولب به، وَإِن كانت بفعل التسليم والحمل يطالب بهما، وإِن كانت بدين يطالبه بالخلاص إِذا طولب، فَكَمَا طولب الكفيل طالب هو المكفول عنه بالخلاص، وَإِن حبس فله أن يحبس المكفول عنه؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة، فكان عليه تخليصه منها. وَإِن كانت الكفالة بغير أمره، فليس للكفيل حق ملازمة الأصيل إِذا لوزم، ولا حق الحبس إِذا حبس، وليس له أن يطالب بالمال قبل أن يؤدي هو، وإن كانت الكفالة بأمره؛ لأن ولاية المطالبة إنما تثبت بحكم القرض والتمليك؛ على ما نذكره، وكل ذلك يقف على الأداء ولم يوجد؛ بخلاف الوكيل بالشراء أن له ولاية مطالبة الموكل بالثمن بعد الشراء قبل أَنْ يؤدي هو من مال نفسه؛ لأن هناك الثمن يقابل المبيع، والملك في المبيع كما وقع وقع للموكل، فكأن الثمن عليه فكان له أن يطالبه به، وهنا المطالبة بسبب القرض أو التمليك، ولم يوجد هنا، وإِذا أدى كان له أن يرجع عليه إذا كانت الكفالة بأمره؛ لأن الكفالة بالأمر في حق المطلوب استقراض، وهو طلب القرض من الكفيل، والكفيل بأداء المال مقرِضٌ من المطلوب، ونائبٌ عنه في الأداء إِلى الطالب، وفي حق الطالب تمليك ما في ذمة المطلوب من الكفيل بما أخذ منه من المال والمقرض يَرْجِعُ على المستقرض بما أقرضه، والمشتري يملك الشراء بالبيع لا غير هذا. فصل [فيما يخرج به الكفيل عن الكفالة] وأما بيان ما يخرج به الكفيل عن الكفالة، فنقول وبالله تعالى التوفيق: أما الكفيل بالمال فإنما يخرج عن الكفالة بأحدٍ أمرين : أحدهما: أداء المال إِلى الطالب، أو ما هو في معنى الأداء، سواء كان الأداء من الكفيل ٤٠٦ كتاب الكفالة أو من الأصيل؛ لأن حق المطالبة للتوسل إلى الأداء، فإذا وجد فقد حصل المقصود، فينتهي حكم العقد، وكذا إِذا وهب الطالب المال من الكفيل أو من الأصيل؛ لأن الهبة بمنزلة الأداء لما ذكرنا. وكذا إذا تصدق به على الكفيل أو على الأصيل؛ لأن الصدقة تمليك كالهبة، فَكَانَ هو وأداء المال سواءٌ كالهبة . والثاني: الإِبراه وما هو في معناه: فإذا أبرأ الطالب الكفيل أو الأصيل، خرج عن الكفالة؛ غير أنه إذا أبرأ الكفيل لا يبرأ الأصيل، وإِذا أبرأ الأصيل يبرأ الكفيل؛ لأن الدين على الأصيل لا على الكفيل، إِنما عليه حق المطالبة، فكان إبراه الأصيل إسقاط الدين عن ذمته، فإذا سقط الدين عن ذمته يسقط حق المطالبة ضرورة؛ لأن المطالبة بالدين ولا دين محال(١). فَأَما إِيراه الكفيل، فإبراؤه عن المطالبة لا عن الدين، إِذ لا دين عليه وليس من ضرورة إسقاط حق المطالبة عن الكفيل سقوط أصل الدين عن الأصيل، لكن يخرج الكفيل عن الكفالة؛ لأن حكم الكفالة حق المطالبة عن الكفيل فإذا سقط تنتهي، إلا أن إِبراء الأصيل يرتد بالرد؛ وكذا الهبة منه أو التصدق عليه، وَإِبراء الكفيل لا يرتد بالرد والهبة منه والتصدق عليه، والفرق بين هذه الجملة يعرف في موضعه، إِن شاء الله تعالى. وَإِذا ارتدت هذه التصرفات برد الأصيل، عاد الدين إِلى ذمته، وهل تعود المطالبة بالدين إِلى الكفيل؟ اختلف المشايخ فيه. ولو أبرأ الأصيل أو وهب منه بعد موته، فرد ورثته، يرتد عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وعند محمد رحمه الله لا يرتد. وجه قوله أن هذا بمنزلة ما لو أبرأه حال حياته ثم مات قبل الرد، وهناك لا يرتد برد الورثة؛ فكذا هذا. (١) وإذا قال المَكْفُولُ له لِلْكَفِيلِ: أَبْرَأْتُكَ من الكَفَالَةِ. بَرِىَ؛ لأنَّه حَقُّه، فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ، كالدَّيْنِ. وإن قال: قد بَرِثْتَ إلَيَّ منه. أو قد رَدَدْتَهُ إلَيَّ. بَرِئَ أيضاً؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ بِوِفَاءِ الحَقُّ، فهو كما لو اغْتَرَفَ بذلك في الضَّمانِ. وكذلك إذا قال: بَرِثْتَ من الدَّيْنِ الذي كَفَلْتَ به. ويَبْرَأْ الكَفِيلُ في هذه المَوَاضِعِ دون المَكْفُولِ به. ولا يكونُ إِقْرَاراً بِقَبْضٍ الْحَقِّ. وهذا قول محمدِ بن الحَسَنِ. وقيل: يكونُ إِقْراراً فيما يَقْتَضِي الحقُّ إِقْرَارَه، فيما إذا قال: بَرِثْتَّ من الدَّيْنِ الذي كَفَلْتَ به. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُ بَرَاءَتُه بدون قَبْضِ الحَقْ، بإِبْرَاءِ المُسْتَحِقُ، أو مَوْتِ المَكْفُولَ به. فأمَّا إن قال لِلْمَكْفُولِ به: أَبْرَأْتُكَ عمَّا لي قِبَلَكَ من الْحَقِّ. أو بَرِثْتَ من الدَّيْنِ الذي قِبَلَكَ. فإِنَّه يَبْرَأُ من الحَقِّ، وَتَزُولُ الكَفَالَةُ؛ لأنَّه لَفْظْ يَقْتَضِي الْعُمُومَ في كلِّ ما قبلَه. وإن قال: بَرِثْتَّ من الدَّيْنِ الذي كَفَلَ بِه غُلاَنٌ. بَرِئَ، وبَرِئٍ كَفِيلُه. ينظر المغني (١٠٦/٧). ٤٠٧ كتاب الكفالة ولهما أن إبراءه بعد موته إبراء لورثته؛ لأنهم يطالبون بدينه من ماله بعد موته، وإبراء الورثة يرتد بردهم، بخلاف حال الحياة؛ لأنهم لا يطالبون بدينه بوجه، فاقتصر حكم الإبراء عليه، فلا يرتد برد الورثة . وكذا لو قال الطالب للكفيل: برئت إلي من المال؛ لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء؛ لأنه جعل نفسه غاية لبراءته، والبراءة التي هي غايتها نفسه هي براءة القبض والاستيفاء وبرئا جميعاً؛ لأن استيفاء الدين يوجب براءتهما جميعاً، فيرجع الكفيل على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره؛ لما ذكرنا. وَلَوْ قَالَ: برئت من المال ولم يقل إليّ؛ فكذلك عند أبي يوسف، وهذا وقوله برئت إِلى سواء عنده، وعند محمد يبرأ الكفيل دون الأصيل، وهذا وقوله ((أبرأتك)) سواء عنده. وجه قول محمد أن البراءة عن المال قد تكون بالأداء، وقد تكون بالإبراء، فلا تحمل على الأداء إلا بدليل زائد، وقد وجد ذلك في الفصل الأول، وهو قوله ((إِلي)) لأَن ذلك ينبئ عن معنى الأداء لما ذكرنا، ولم يوجد هنا، فحمل على الإبراء؛ لأن البراءة حكم الإبراء في الأصل. وجه قول أبي يوسف أن البراءة المضافة إلى المال تستعمل في الأداء عرفاً وعادةً فتحمل عليه، ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرط؛ لأن البراءة فيها معنى التمليك، والتمليك لا يحتمل التعليق بالشرط، ولو أحال الكفيل الطالب بمال الكفالة على رجل وقبله الطالب، فالمحتال عليه يخرج عن الكفالة عند أصحابنا الثلاثة. وكذا إِذا أحاله المطلوب بمال الكفالة على رجل وقبله؛ لأن الحوالة مبرئة عن الدين والمطالبة جميعاً، عند عامة مشايخنا، وعند بعضِهم مبرئة عن المطالبة وإبراء الكفيل. والأصيل مخرج عن الكفالة لما ذكرنا، وعند زفر لا يخرج الكفيل عن الكفالة بالحوالة؛ لأن الحوالة عنده ليست بمبرئة أصلاً؛ لما يأتي في ((كتاب الحوالة))، إِن شاء الله تعالى. وكذلك الكفيل يخرج عن الكفالة بالصلح، كما يخرج بالحوالة؛ بأن يصالح الكفيل الطالب على بعض المدعي؛ لأن الصلح على جنس المدعي إسقاط بعض الحق، فكان فيه معنى الإبراء، وعلى خلاف الجنس معاوضة، فكان في معنى الإبراء، وكل ذلك يخرج عن الكفالة؛ غير أن في حالين يبرأ الكفيل والأصيل جميعاً، وفي حال يبرأ الكفيل دون الأصيل. أما الحالتان اللتان برئ فيهما الكفيل والأصيل جميعاً: إحداهما: أن يقول الكفيل للطالب: صالحتك من الألف على خمسمائة على أني ٠ ٤٠٨ كتاب الكفالة والمكفول عنه برئان من الخمسمائة الباقية، ويكون الطالب في الخمسمائة التي وقع عليها الصلح بالخيار، إِن شاء أخذها من الكفيل، ثم الكفيل يرجع بها على الأصيل، إِن شاء أخذها من الأصيل. والثانية: أَنْ يقول: صالحتك على خمسمائة، مطلقاً عن شرط البراءة أصلاً، لما ذكرنا قبل هذا إن الإِبراء المضاف إلى المال المجرد عن شرط البراءة المضافة إِلى الكفيل إِبراء عن الدين، والدين واحد، فإذا سقط عن الأصيل سقطت المطالبة عن الكفيل. وَأَما الحوالة التي يبرأ الكفيل فيها دون الأصيل، فهي أن يقول الكفيل للطالب: صالحتك على أني بريء من الخمسمائة، وقد بينا الفرق من قبل، والطالب بالخيار إن شاء أخذ جميع دينه من الأصيل، وإن شاء أخذ الكفيل خمسمائة ومن الأصيل خمسمائة، ثم يرجع الكفيل على الأصيل بما أدى إِن كان الصلح بأمره. وأما الكفيل بالنفس فيخرج عن الكفالة بثلاثة أشياء : إحداهما: تسليم النفس إِلى الطالب، وهو التخلية بينه وبين المكفول بنفسه في موضعٍ يقدر على إحضاره مجلس القاضي؛ لأن التسليم في مثل هذا الموضع محصل للمقصود من العقد وهو إِمكان استيفاء الحق بالمرافعة إلى القاضي، فإذا حصل المقصود ينتهي حكمه فيخرج عن الكفالة . وَلَوْ سلمه في صحراء أو برية لا يخرج؛ لأنه لم يحصل المقصود، ولو سلم في السوق أو في المصر يخرج، سواء أطلق الكفالة أو قيدها بالتسليم في مجلس القاضي، أما إذا أطلق فظاهر؛ لأنه يتقيد بمكان يَقْدِرُ عَلَى إِحضاره مجلس القاضي بدلالة الغرض، وكذا إذا قيد لأن التسليم في هذه الأمكنة تسليم في مجلس القاضي بواسطة، ولو شرط أن يسلمه في مِصْرٍ معين فسلمه في مِضْرٍ آخر، يخرج عن الكفالة عند أبي حنيفة، وعندهما لا يخرج عنها إلا أن يسلمه في المصرِ المشروط. وجه قولهما أن التقييد بالمصر مفيد لجواز أن يكون للطالب بينة يقدر على إقامتها فيه دون غيره، فكان التعيين مفيداً فيتقيد به . وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أَنَّ المقصود من تسليم النفس هو الوصول إلى الحق بالمرافعة إلى القاضي، وهذا الغرض ممكن الاستيفاء من كل قاضٍٍ، فلا يصح التعيين، ولو سلمه في السواد ولا قاضي فيه، لا يخرج عن الكفالة لأن التسليم في مثل هذا المكان لا يصلح وسيلة إلى المقصود، فكان وجوده وعدمه بمنزلة واحدة، ولو شرط أن يدفعه إليه عند الأمير، فدفعه إليه عند القاضي، يخرج عن الكفالة. ٠ ٤٠٩ كتاب الكفالة وكذا إِذا عزل الأمير وولي غيره فدفعه إليه عند الثاني؛ لأن التسليم عند كلٌ مَنْ ولي ذلك محصل للمقصود، فلم يكن التقييد مفيداً فلا يتقيد. ولو كفل جماعة بنفس رجل كفالة واحدة، فأحضره أحدهم، برؤوا جميعاً، وإن كانت الكفالة متفرقة لم يبرأ الباقون. ووجه الفرق أن الداخل تحت الكفالة الواحدة فعل واحد، وهو الإِحضار، وقد حصل ذلك بواحد، والداخل تحت الكفالات المتفرقة أفعال متفرقة، فلا يحصل بإحضار واحد الإبراء به، فيبرأ هو دون الباقين، وليس هذا كما إذا كفل جماعة بمال واحد كفالة واحدة أو متفرقة، فأدى أحدهم برئ الباقون، لأن الدين يسقط عن الأصيل بأداء المال، فلا يبقى على الكفيل لما مر، والله سبحانه - وتعالى - أعلم. وَلَوْ كفل بنفس رجلٍ فإن لم يواف به غداً فعليه ما عليه، وهو كذا فلقي الرجل الطالب فخاصمه الطالب ولازمه، فالمال على الكفيل، وإِن لازمه إلى آخر اليوم لأنه لم يوجد من الكفيل الموافاة به . وَلَوْ قَالَ الرجل للطالب: قد دفعت بنفسي إِليك عن كفالة فلان، يبرأ الكفيل من المال، سواء كانت الكفالة بالنفس بأمره أو لا؛ لأنه أقام نفسه مقام الكفيل في التسليم عنه، فيصح التسليم؛ كمن تبرع بقضاء دين غيره أن هناك لا يجبر على القبول وهنا يجبر عليه. والفرق أَنَّ انعدام الجبر على القبول في باب المال للتحرز عن لحوق المنة المطلوبة من جهة المتبرع؛ لأن نَفْسَهُ ربما لا تطاوعه بتحمل المنة فيتضرر به، وهذا المعنى هنا معدوم؛ لأن تسليم نفسه واجب عليه، ولا منة في أداء الواجب، سواء كانت الكفالة بالنفس بأمره أو بغير أمره؛ لأن نفسه مضمون التسليم في الحالين. والثاني: الإِبراء إذا أبرأ الطالب الكفيل من الكفالة بالنفس خرج عن الكفالة؛ لأن حكم الكفالة بالنفس حق المطالبة بتسليم النفس، وقد أسقط المطالبة عنه بالإِبراء، فينتهي الحق ضرورة، ولا يكون هذا الإبراء للأصيل؛ لأنه أسقط المطالبة عنه دون الأصيل. وَلَوْ أبرأ الأصيل برئا جميعاً، لأَن الكفالة بمضمون على الأصيل، وقد بطل الضمان بالإِبراء، فينتهي حكم الكفالة . والثالث: موت المكفول بنفسه؛ لأن الكفالة بمضمون على الأصيل، وقد سقط الضمان عنه، فيسقط عن الكفيل؛ والله - عَزَّ وَجَلَّ - أعلم. وأما الكفيل بالأعيان المضمونة بنفسها والأفعال المضمونة تخرج عن الكفالة بأحد أمرین: ٤١٠ كتاب الكفالة أحدهما: تسليم العين المضمونة بنفسها إن كانت قائمة، وتسليم مثلها أو قيمتها إِن كانت هالكة، ويحصل الفعل المضمون وهو التسليم والحمل. والثاني: الإِبراء، فلا يخرج بموت الغاصب والبائع والمكاري؛ لأن نفس هؤلاء غير مكفول بها حتى يسقط بموتهم، والله - تعالى - أعلم. فصل [في رجوع الكفيل] وأما رجوع الكفيل، فجملة الكلام في الرجوع في موضعين: أحدهما: في شرائط ولاية الرجوع. والثاني: في بيان ما يرجع به. أما الشرط فأنواع: منها: أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه؛ لأن معنى الاستقراض لا يتحقق بدونه، ولو كفل بغير أمره لا يرجع عليه عند عامة العلماء، وقال مالكٌ - رحمه الله -: يرجع، والصحيحُ قول العامة؛ لأن الكفالة بغير أمره تبرع بقضاء دين الغير، فلا يحتمل الرجوع. ومنها: أن يكون بإذن صحيح، وهو إذن من يجوز إقراره على نفسه بالدين، حتى أنه لو كفل عن الصبي المحجور بإذنه فأدى، لا يرجع؛ لأن إذنه بالكفالة لم يصح؛ لأَنّه من المكفول عنه استقراض، واستقراض الصبي لا يتعلق به الضمان. وَأَمَّا العبد المحجور فإذنه بالكفالة صحيحٌ في حق نفسه حتى يَرْجع عليه بعد العتاق، لكن لا يصح في حق المولى، فلا يؤاخذ به في الحال، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ومنها: إضافة الضمان إِليه بأن يقول: اضمن عنّي، ولو قال: اضمن كذا، ولم يضف إلى نفسه، لا يرجع؛ لأنه إذا لم يضف إِليه فالكفالة لم تقع إقراضاً إياه، فلا يرجع عليه. ومنها: أداء المال إِلى الطالب أو ما هو في معنى الأداء إِليه، فلا يملك الرجوع قبل الأَداء، لأَن معنى الإِقراض والتمليك لا يتحقق إِلا بأداء المال، فلا يملك الرجوع قبله. ومنها: أَنْ لا يكون للأصيل على الكفيل دين مثله، فأما إذا كان فلا يرجع؛ لأنه إذا أدى الدين التقى الدينان قصاصاً؛ إذ لو ثبت للكفيل حق الرجوع على الأصيل لثبت للأصيل أَنْ يرجع عليه أيضاً، فلا يفيد، فيسقطان جميعاً. وَلَوْ وَهَبَ صاحب الدين المال للكفيل يرجع على الأصيل؛ لأن الهبة في معنى الأداء؛ لأنه لما وهب منه فقد ملك ما في ذمة الأصيل، فيرجع عليه؛ كما إذا ملكه بالأداء، وإذا وهب ٤١١ كتاب الكفالة الدين من الأصيل برئ الكفيل؛ لأن هذا وأداء المال سواءٌ؛ لأنه لما وهبه منه فقد ملك ما في ذمته؛ كما إِذا أدى، ومتى برئ الأصيل برئ الكفيل؛ لأَن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل. وَلَوْ مات الطالبِ فورثه الكفيلِ يرجع على الأصيل، ولو ورثه الأصيل يبرأ الكفيل؛ لأَن الإِرث من أسباب الملك، فيملكه الأصيل، ومتى ملكه برئ فيبرأ الكفيل كما إِذا أدى. وَلَوْ أبرأ الطالب الكفيل لا يرجع على الأصيل؛ لأَن الإِبراء إسقاط، وهو في حق الكفيل إسقاط المطالبة لا غير، ولهذا لا توجب براءة الكفيل براءة الأصيل، فلم يكن فيه معنى تمليك الدین أصلاً، فلا يرجع. وَلَوْ أبرأ للكفيل المكفول عنه مما ضمنه بأمره قبل أدائه أو وهبه منه، جاز؛ حتى لو أداه الكفيل بعد ذلك لا يرجع عليه؛ لأن سبب وجوب الحق له على الأصيل؛ وهو العقد بإذنه - موجود، والإِبراء عن الحق بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائزٌ؛ كالإِبراء عن الأجرة قبل مضي مدة الإِجارة، ولو لم يؤد الكفيل ما كفل به حتى عجل الأصيل لما كفل عنه ودفع إِلى الكفيل، ينظر: إِن دفعه إِليه على وجه القضاء يجوز؛ لأن ولاية الرجوع على الأصيل إِن لم تكن ثابتة له في الحال، لكنها ثبتت بعد الأداء، فأشبه الدين المؤجل إِذا عجله المطلوب قبل حل الأجل أنه يقبل منه ويكون قضاء؛ كذا هذا. وبرئ الأصيل من دين الكفيل، ولكن لا يبرأ عن دين المكفول له، وله أن يطالب أيهما شاء، فإن أخذ من الأصيل كان له أن يرجع على الكفيل بما أدى لأنه تبين أنه لم يكن قضاء، وإِن كان الكفيل تصرف في ذلك المعجل وربح، هل يطيب له الربح؟ ينظر: إِن كان الدين دراهم أو دنانير يطيب الإجماع؛ لأنهما لا يتعينان في عقود المعاوضات، فحصل التمليك بإذن صاحبها فيطيب له الربح، وإِن كان الدين مكيلاً أو موزوناً مما يتعين في العقد يطيب له الربح أيضاً عند أبي يوسف ومحمدٍ . وعن أبي حنيفة - رحمه الله - ثلاث روايات: ذكر في ((كتاب البيوع)) أنه يطيب له الربح ولم يذكر الخلاف، وفي رواية قال: يتصدق، وفي رواية قال: أحب إلي أن يرد الربح على المکفول عنه. هذا إذا دفعه إِليه على وجه القضاء، فَأُمَّا إِذا دفعه على وجه الرسالة ليؤدي الدين مما دفعه إليه لا على وجه القضاء، فتصرف فيه الوكيل وربح، لا يطيب له الربح، سواء كان الدين دراهم أو دنانير أو غيرهما من المكيلات والموزونات عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يطيب، وهو كاختلافهم في المودع والغاصب إذا تصرف في الوديعة والمغصوب وربح فيهما؛ أنه لا يطيب له الربح عندهما، وعند أبي يوسف يطيب، والمسألة تأتي في موضعها، إن شاء الله تعالى. ٤١٢ كتاب الكفالة ولو قال الطالب للكفيل: برئت إلي من المال، يرجع على الأصيل بالإِجماع؛ لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء لما نذكر، وفي قوله: برئت من المال، اختلاف نذكره بعد هذا، إِن شاء الله تعالی. ولو كفل رجلان لرجلٍ عن رجل بأمره بألف درهم، حتى يثبت للطالبة ولاية مطالبة كل واحد منهما بخمسمائة، فأدىّ أحدهما شيئاً من مالِ الكفالة، فأراد أَنْ يرجع على صاحبه، فهذا لا يخلو إما أن كفل كل واحد منهما عن صاحبه بما عليه وقت العقد أو بعده، أو كفل واحد منهما عن صاحبه بما عليه دون الآخر، أو لم يكفل واحد منهما عن صاحبه أصلاً، فإِن لم يكفل واحد منهما عن صاحبه أصلاً، لا يرجع على صاحبه بشيء مما أدى؛ لأنه أدى عن نفسه لا عن صاحبه أصلاً؛ لأنه لم يكفل عنه ولكنه يرجع على الأصيل؛ لأنه كفيل عنه بأمره. وإِن كفل واحد منهما عن صاحبه بما عليه، ولم يكفل عنه صاحبه بما عليه، فالقول قولُ الكفيل فيما أدى أنه من كفالة صاحبه إِليه أو من كفالة نفسه؛ لأنه لزمه المطالبة بالمال من وجھین : أحدهما: من جهة كفالة نفسه عن الأصيل. والثاني: من جهة الكفالة عن صاحبه، وليس أحد الوجهين أَوْلَى من الآخر، فَكَانَ له ولاية الأداء عن أَيِّهما شاء، فإذا قال: أديته عن كفالة صاحبي يصدق ويرجع عليه؛ لأنه كفل عنه بأمره، سواء أدى المال إِلى الطالب ثم قال ذلك، أو قال ابتداءً: إِني أؤدي عن كفالة صاحبي . وكذا إِذا قال: أديته عن كفالة الأصيل، فقيل منه ويرجع عليه؛ لأنه كفل عنه بأمره، سواء قال ذلك بعد أداء المال إِلى الطالب أو عنده ابتداء. وَإِن كفل كل واحد منهما عن صاحبه بما عليه فما أدى كل واحد منهما يكون عن نفسه إِلى خمسمائة، ولا يقبل قوله فيه أنه أدى عن شريكه لا عن نفسه، بل يكون عن نفسه إِلى هذا القدر فلا يرجع على شریکه. وكذا إِذا قال ابتداء إِني أؤدي عن شريكي لا عن نفسي، لا يقبل منه، ويكون عن نفسه إلى هذا القدر، ولا يرجع على شريكه ما لم يزد المؤدي على خمسمائة؛ لأن المؤدي إِلى خمسمائة له معارض والزيادة لا معارض لها، فإذا زاد على خمسمائة يرجع بالزيادة إِن شاء على شريكه، وإِن شاء على الأصيل. وَكَذَا لَو اشترى رجلان عبداً بألف درهم، وكفل كل واحد منهما عن صاحبه بحصته من الثمن، فما أدى أحدهما يقع عن نفسه ولا يرجع على شريكه حتى يزيد على النصف؛ لما ذكرنا . ٤١٣ كتاب الكفالة وكذلك المتفاوضان إِذا افترقا وعليهما دينّ، فلصاحب الدين أن يطالب كل واحد منهما، وأيهما أدى شيئاً لا يرجع على شريكه حتى يزيد المؤدي على النصف لما ذكرنا. هذا إِذا كفلا كفالة واحدة ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه بجميع المال، فأما إذا كفل كل واحد منهما كفالة متفرقة بجميع المال عن المطلوب، ثم كفل كل واحد منهما عن صاحبه بما عليه، فما أدى أحدهما شيئاً يرجع بكل المؤدي على الأصيل إِن شاء، وإِن شاء يرجع بنصفه على شريكه؛ لأن حق المطالبة بجميع المال لزم كلَّ واحد منهما من وجهين: الكفالة عن نفسه، والكفالة عن صاحبه على السواء، فيقع المؤدي نصفه عن نفسه ونصفه عن صاحبه؛ لتساويهما في الكفالتين بالمؤدي، وإذا وقع نصف المؤدي عن صاحبه فيرجع عليه ليساويه في الأداء كما ساواه في الكفالة بالمؤدي؛ بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك كل واحد منهما أصيل في نصف المال بالكفالة عن نفسه، كفيل عن صاحبه بالكفالة عنه، فيكون مؤدياً عن نفسه إِلى النصف، وههنا بخلافه لما مَرَّ . فصل [فيما يرجع به الكفيل] وأما بيان ما يرجع به الكفيل، فنقول وبالله التوفيق: إن الكفيل يرجع بما كفل لا بما أداه، حتى لو كفل عن رجلٍ بدراهم صحاح جياد فأعطاه مكسرة أو زيوفاً، وتجوز به المطالبة، يرجع عليه بالصحاح الجياد؛ لأنّه بالأداء ملك ما في ذمة الأصيل، فيرجع بالمؤدي وهو الصحاح الجياد، وليس هذا كالمأمور بأداء الدين له أن يرجع بالمؤدي لا بالدين؛ لأنه بالأداء ما ملك الدين بل أقرض المؤدي من الآمر، فيرجع عليه بما أقرضه. وكذلك لو أعطى بالدراهم دنانير أو شيئاً من المكيل أو الموزون، فإنه يرجع عليه بما كفل لا بما أدى لما ذكرنا؛ بخلاف ما إذا صالح من الألف على خمسمائة أنه يرجع بالخمسمائة لا بالألف؛ لأَنّه بأداء الخمسمائة ما ملك ما في ذمة الأصيل وهو الألف، لأنه يمكن إيقاع الصلح تمليكاً ههنا؛ لأنه يؤدي إِلى الربا فيقع إِسقاطاً لبعض الحق، والساقط لا يحتمل الرجوع به . وعن محمد فيمن كفل خمسة دنانير فصالح الطالب الكفيل على ثلاثة ولم يقل: أصالحك على أن تبرئني، فالصلح واقع عن الأصيل والكفيل جميعاً، وبرئا جميعاً، ويرجع الكفيل على الأصيل بثلاثة دنانير. ولو قال: أصالحك على ثلاثة على أن تبرئني، فهذا براءة عن الكفيل خاصة، ويرجع الطالب على المطلوب بدينارين؛ لأن في الفصل الأول إبقاء الصلح على ثلاثة دنانير تصرف في ٤١٤ كتاب الكفالة نفس الحق بإسقاط بعضه، فكان الصلح واقعاً عنهما جميعاً فيبرآن جميعاً، ويرجع الكفيل على الأصيل بثلاثة دنانير؛ لأنه ملك هذا القدر بالأداء فيرجع به عليه. وأما في الفصل الثاني فإضافة الصلح إلى ثلاثة مقروناً بشرط الإِبراء المضاف إِلى الكفيل إِبراء للكفيل عن المطالبة بدينارين، وإبراء الكفيل لا يوجب إبراء الأصيل، فيبرأ الكفيل ويبقى الديناران على الأصيل، فيأخذه الطالب منهما، وبالله التوفيق. كِتَابُ الحَوَالَةِ (١) الكلام في هذا الكتاب يَقَعُ في مواضع: في بيان ركن الحوالة، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان حكم الحوالة، وفي بيان ما يخرج به المحال عليه عن الحوالة، وفي بيان الرجوع بعد الخروج أنه هل يرجع أم لا؟ أما ركن الحوالة: فهو الإيجاب والقبول، الإيجاب من المحيل، والقبول من المحال عليه والمحال جميعاً، فالإيجاب أن يقول المحيل للطالب: أحلتك على فلان، هكذا، والقبول من المحال عليه والمحالَ أَنْ يقول كلُّ واحدٍ منهما: قبلت، أو رضيت، أو نحو ذلك مما يدل على القبول والرضا، وهذا عند أصحابنا. وقال الشافعي - رحمه الله -: إن لم يكن للمحيل على المحال عليه دين فكذلك، فأما إذا كان له عليه دين فيتم بإيجاب المحيل وقبول المحتال. وجه قوله أَن المحيل في هذه الصورة مستوف حق نفسه بيد الطالب، فلا يقف على قبول من عليه الحق؛ كما إذا وكله بالقبض وليس هو كالمحال؛ لأن الحوالة تصرف عليه بنقل حقه من ذمة إلى ذمة مع اختلاف الذمم، فلا يصح من غير رضا صاحب الحق. (١) الحوالة لُغَةً: هي من قولك: تحوَّل فلان عن داره إلى مكان كذا وكذا، فكذلك الحق تحوَّل مَالٌ من ذمة إلى ذمة. وقال صاحب ((المستوعب)) الحوالة: مشتقّة من التحوُّل؛ لأنها تنقل الحَقَّ من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويقال: حال على الرجل، وأحال عليه بمعنى، نقلها ابن القطاع. انظر: لسان العرب: ١٠٥٨/٢. واصطلاحاً: عرفها الحنفيَّةُ بأنها: نَقْلُ الدَّيْنِ، وتحويله من ذمّة المحيل إلى ذمة المحال عليه. عرفها الشافعية بأنها: نقل الحق من ذِمّة المحيل، إلى ذمة المحال عليه. عرفها المالكية بأنها: نَقْلُ الدين من ذمة بمثله إلى أخرى تَبْرَأُ بها الأولى. عرفها الحنابلة بأنها: نَقْلُ الدَّيْنِ من ذمة المحيل، إلى ذمة المُحَالِ عليه. انظر: الاختيار لتعليل المختار ٢٥١/٢، حاشية الباجوري ١٦٧/٢، حاشية الدسوقي ٣٢٥/٣، الكافي ٢١٨/٢، مغني المحتاج ١٩٣/٢. ٤١٥ ٤١٦ كتاب الحوالة وَلَنَا أن الحوالة تصرف على المحال عليه بنقل الحق إِلى ذمته (١)، فلا يتم إِلا بقبوله ورضاه، بخلاف التوكيل بقبض الدين؛ لأنه ليس تصرفاً عليه بنقل الواجب إليه ابتداء، بل هو تصرف بأداء الواجب فلا يشترط قبوله ورضاه؛ ولأن الناس في اقتضاء الديون والمطالبة بها على التفاوت بعضهم أسهل مطالبة واقتضاء، وبعضهم أصعب، فلا بد من قبوله ليكون لزوم ضرر الصعوبة مضافاً إلى التزامه . فصل [في شروط الركن] وأما الشرائط فأنواعٌ: بعضُها يرجع إِلى المحيل، وبعضُها يرجع إِلى المحال، وبعضُها يرجع إلى المحال عليه، وبعضُها يرجع إِلى المحال به. أما الذي يرجع إلى المحيل فأنواعٌ : منها: أن يكون عاقلاً؛ فلا تصح حوالة المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط أهلية التصرفات كلها . ومنها: أن يكون بالغاً، وهو شرط النفاذ دون الانعقاد، فتنعقد حوالة الصبي العاقل موقوفاً نفاذه على إجازة وليه؛ لأن الحوالة إبراء بحالها، وفيها معنى المعاوضة بمالها، خصوصاً إذا كانت مقيدة، فتنعقد من الصبي كالبيع ونحوه. فأما حرية المحيل فليست بشرط لصحة الحوالة؛ حتى تصح حوال العبد، مأذوناً كان في التجارة أو محجوراً؛ لأنها ليست بتبرع بالتزام شيء كالكفالة فيملكها العبد، غير أنه إِن كان مأذوناً في التجارة رجع عليه المحال عليه للحال إِذا أدى، ولم يكن العبد عليه دين مثله ويتعلق برقبته، وإِن كان محجوراً يرجع عليه بعد العتق؛ وكذا الصحة ليست بشرط لصحة الحوالة؛ لأنها من قبل المحيل ليست بتبرع فتصح من المريض. ومنها: رضا المحيل(٢)، حتى لو كان مكرهاً على الحوالة لا تصح؛ لأن الحوالة إِبراء فيها معنی التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات. (١) أي من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه وإنما خصت بالدين لأنها نقل شرعي والدين وصف شرعي يظهر أثره في المطالبة فالنقل الشرعي جاز أن يؤثر في الوصف الشرعي كما أن البيع الشرعي جاز أن يؤثر في نقل الملك الذي هو وصف شرعي ويتبعه نقل المعين الذي هو المبيع. ينظر درر الحكام (٣٠٨/٢). (٢) فلان ذوي المروآت قد يأنفوا بتحمل غيرهم ما عليهم من الدين فلا بد من رضاه. ينظر درر الحكام (٣٠٨/٢). ٤١٧ كتاب الحوالة وأما الذي يرجع إلى المحال فأنواع، منها العقل لما ذكرنا؛ ولأن قبوله ركن وغير العاقل لا يكون من أهل القبول. ومنها: البلوغ وإنه شرط النفاذ لا شرط الانعقاد، فينعقد احتياله موقوفاً على إِجازة وليه، إِن كان الثاني أملأ من الأول؛ وكذا الوصي إِذا احتال بمال اليتيم لا تصح إلا بهذه الشريطة؛ لأنه منهيٍّ عن قربان ماله إلا على وجه الأحسن؛ للآية الشريفة فيه: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة الأنعام، ١٥٢]. ومنها: الرضا حتى لو احتال مكرهاً لا تصح لما ذكرنا، ومنها: مجلس الحوالة، وهو شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف شرط النفاذ، حتى إِن المحتال لو كان غائباً عن المجلس فبلغه الخبر فأجاز، لا ينفذ عندهما، وعند أبي يوسف: ينفذ. والصحيحُ قولهما؛ لأن قبوله من أحد الأركان الثلاثة، فكان كلامهما بدون شرط العقد، فلا يقف على غائب عن المجلس كما في البيع. وَأَمَّا الذي يَرْجع إِلى المحال عليه فأنواعٌ أيضاً؛ منها: العقل فلا يصحُّ من المجنون والصبي الذي لا يعقل قَبُولَ الحوالة أصلاً لما ذكرنا. ومنها: البلوغ وأنه شرط الانعقاد أيضاً، فلا يصح من الصبي قبولُ الحوالة أصلاً لما ذكرنا، وإن كان عاقلاً، سواء كان محجوراً عليه أو مأذوناً فى التجارة، وسواء كانت الحوالة بغير أمرِ المحيل أو بأمره. أما إذا كانت بغير أمره فظاهر؛ لأنه لا يملك الرجوع على المحيل، فكان تبرعاً بابتدائه وانتهائه؛ وكذلك إذا كانت بأمره؛ لأنه تبرع بابتدائه، فلا يملكه الصبي، محجوراً كان أو مأذوناً في التجارة كالكفالة، وإِن قبل عنه وليه لا يصح أيضاً؛ لأنه من التصرفات الضارة، فلا يملكه الولي. ومنها: الرضا حتى لو أكره على قبول الحوالة لا يصح(١) ومنها: المجلس وأنه شرط الانعقاد عندهما؛ لما ذكرنا في جانب المحيل. (١) وقال مَالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ، إلاَّ أن يكونَ المُحَتَالُ عَدُوَّهُ. وللشّافِعِيِّ في اغْتِبَارِ رِضَائِهِ قَوْلاَنٍ؛ أحَدُهما: يُعْتَبَرُ. وهو يُحكَى عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّه أحَدُ من تَتِمُّ به الحَوَالَةُ، فَأَشْبَهَ المُحِيلَ. والثاني: لا يُعْتَبَرُ؛ لأَنَّه أَقَامَه في القَبْضِ مِقَامَ نَفْسِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضَى مَن عليه الحَقُّ، كالتَّوْكِيلِ. وَلَنا، قولُ النَّبِيِّ ◌َرُ: ((إذا أُتْبِعَ أحَدُكُم عَلَّى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)). ولأنَّ لِلْمُحِيلِ أن يُوَفَّىَ الحَقَّ الذي عليه بِنَفْسِهِ وبِوَكِيلِه، وقد أقَامَ المُحالَ عليه مَقَامَ نَفْسِهِ في التَّقْبِيضِ فَلَزِمَ المُحَالَ القَبُوَلُ، كما لو وَكَلَ رَجُلاً في إِبْقَائِهِ، وفَارَقَ ما إذا أرَادَ أَنْ يُعْطِيَه عمَّا في ذِمَّتِهِ عَرْضاً؛ لأنَّهَ يُعْطِيه غيرَ ما وَجَبَ له، فلم يَلْزَمْهُ قَبُولُه. ينظر المغني (٦٣/٧). بدائع الصنائع ج٧ - م٢٧ ٤١٨ كتاب الحوالة وأما الذي يَرْجِعُ إِلى المحال به فنوعان: أحدهما: أن يكون ديناً، فلا تصح الحوالة بالأعيان القائمة؛ لأنها نقل ما في الذمة ولم یوجد . والثاني: أن يكون لازماً، فلا تصح الحوالة بدين غير لازم؛ كبدل الكتابة وما يجري مجراه؛ لأن ذلك دين تسمية لا حقيقة؛ إِذ المولى لا يجب له على عبده دين، والأصل أن كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به. وَأَمَّا وجوب الدين على المحال عليه للمحيل قبل الحوالة، فليس بشرط لصحة الحوالة حتى تصح الحوالة سواء كان للمحيل على المحال عليه دين أو لم يكن، وسواء كانت الحوالة مطلقةً أو مقيدةً. والجملة فيه أن الحوالة نوعان: مطلقة ومقيدة، فالمطلقة: أن يحيل بالدين على فلانٍ ولا يقيده بالدين الذي عليه؛ والمقيدة بأن يقيده بذلك، والحوالة بكل واحدة من النوعين جائزة، لقوله - عليه الصّلاة والسلام -: ((مَنْ أُحِيلَ عَلَىْ مَليءٍ(١) فَلْيَتْبَعْ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ))(٢). إِلا أن الحوالة المطلقة تخالف الحوالة المقيدة في أحكامٍ. منها: إِذا أطلق الحوالة ولم يكن له على المحال عليه دين، فإن المحال يطلب المحال عليه بدين الحوالة لا غير، وإِن كان له عليه دين فإنَّ المحال عليه يطالب بدينين؛ دين الحوالة ودين المحيل، فيطالبه المحال بدين الحوالة ويطالبه المحيل بالدين الذي له عليه، ولا ينقطع حق المطالبة للمحيل بدينه بسبب الحوالة؛ لأن الحوالة لم تتقيد بالدين الذي للمحال عليه؛ لأنها وجدت مطلقة عن هذه الشريطة، فيتعلق دين الحوالة بنعته ودين المحيل بقي على حاله، وإِذا قيدها بالدين الذي عليه ينقطع حق مطالبة المحيل؛ لأنه قيد الحوالة بهذا الدين فيتقيد به، ويكون ذلك الدين بمنزلة الرهن عنده، وإِن لم يكن رهناً على الحقيقة. ومنها: أنه لو ظهرت براءة المحال عليه من الدين الذي قيدت به الحوالة بأن كان الدين (١) المَلِيءُ: هو القَادِرُ على الوَفَاءِ. جاء في الحَدِيثِ، عن النَّبِيِّ وََّ، أَنَّ قال: ((إنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ يُقْرِض المَلِيءَ غَيْرَ الْمُعْدِمِ)). وقال الشَّاعِر: تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيئَةٌ وأُحْسِنُ يا ذَاتَ الوِشَاحِ التَّقَاضِيَا يعني قَادِرَةٌ على وَفَائِي. ينظر المغني (٦٢/٧). (٢) تقدم. ٤١٩ كتاب الحوالة ثمن مبيع، فاستحق المبيع، تبطل الحوالة، ولو سقط عنه الدين لمعنى عارض بأن هلك المبيع عند البائع قبل التسليم بعد الحوالة حتى سقط الثمن عنه، لا تبطل الحوالة عنه، لكن إذا أدى الدين بعد سقوط الثمن يرجع بما أدى على المحيل؛ لأنه قضى دينه بأمره، ولو ظهر ذلك في الحوالة المطلقة لا يبطل؛ لأنه لما قيد الحوالة به فقد تعلق الدين به، فإذا ظهر أنه لا دين، فقد ظهر أنه لا حوالة؛ لأن الحوالة بالدين، وقد تبين أنه لا دين، فتبين أنه لا حوالة ضرورة، وهذا لا يوجد في الحوالة المطلقة؛ لأن تعلق الدين به يوجب تقييد الحوالة، ولم يوجد، فلا يتعلق به الدين، فيتعلق بالذمة، فلا يظهر أن الحوالة كانت باطلة. وكذلك لو قيد الحوالة بألف وديعة عند رجلٍ، فهلكت الألف عند المودع، بطلت الحوالة، ولو كانت الألف على المحال عليه مضمونة لا تبطل الحوالة بالهلاك؛ لأنه يجب عليه مثلها . ومنها: أنه إذا مات المحيل في الحوالة المقيدة قبل أن يؤدي المحال عليه الدين إِلى المحال، وعلى المحيل ديون سوى دين المحال، وليس له مال سوى هذا الدين، لا يكون المحال أحق به من بين سائر الغرماء عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يكون أحق به من بين سائر الغرماء كالرهن. ولنا الفرقُ بين الحوالة والرهن، وهو أن المرتهن اختص بغرم الرهن من بين سائر الغرماء. ألا ترى أنه لو هلك يسقط دينه خاصة، ولما اختص بغرمه اختص بغنمه؛ لأن الخراج بالضمان، فأما المحال في الحوالة المقيدة فلم يختص بغرم ذلك المال؛ ألا ترى أنه لو توى(١) لا يسقط دينه على المحيل والتوي على المحيل دونه، فلما لم يختص بغرمه لم يختص بغنمه أيضاً، بل يكون هو وغرماء المحيل أسوة في ذلك، وإذا أراد المحيل أن يأخذ المحال عليه ببقية دينه، فليس له ذلك؛ لأن المال الذي قيدت به الحوالة استحق من المحال عليه، فبطلت الحوالة . ولو كانت الحوالة مطلقة والمسألة بحالها يُؤخذ من المحال عليه جميع الدين الذي عليه، ويقسم بين غرماء المحيل، ولا يدخل المحال في ذلك؛ وإِنما يؤخذ من المحال عليه لأن الحوالة لم تتعلق به، فذلك ملك المحيل، ولا يشاركهم المحال فى ذلك؛ لأن حقه ثبت على المحال عليه ولا يعود إلى المحيل، ولكن القاضي يأخذ من غرماء المحيل كفيلاً؛ لأنه ثبت الرجوع إليهم لأحد رجلين. (١) توى المال: ذهب فلم يُرجَ . ٤٢٠ كتاب الحوالة أما المحال إِذا توى ما على الآخر، وأما المحال عليه إِذا أدى الدين فالقاضي نصب ناظراً لأمور المسلمين، فيحتاط في ذلك بأخذ الكفيل. فصل [في حكم الحوالة] وأما بيان حكم الحوالة فنقول وبالله تعالى التوفيق: الحوالة لها أحكام؛ منها: براءة المحيل، وهذا عند أصحابنا الثلاثة (١). وقال زفر: الحوالة لا توجب براءة المحيل، والحق في ذمته بعد الحوالة على ما كان عليه قبلها كالكفالة سواء. (١) إذا اجتمعت شُرُوطُ الحَوَالَةِ وصَحَّتْ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ المُحِيلِ، في قولهِ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ، إِلاَّ ما يُزْوَى عن الحسنِ، أَنَّه كان لا يَرَى الحَوَالَةَ بَرَاءَةً إلاَّ أن يُبْرِئَهُ. وعن زُفَرَ أَنَّه قال: لا تَنْقُلُ الحَقَّ. وأَجْرَاهَا مَجْرَى الضَّمَانَ، وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الحَوَالَةَ مُشْتَقَّةٌ مِن تَحْوِيلِ الحَقْ، بِخِلاَفِ الضَّمَانِ، فإنَّه مُشْتَقَّ من ضَمِّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ. فعُلِّقَ عَلى كلِّ واحدٍ مُقْتَضَاهُ، وما دَلَّ عليهَ لَفَظُهُ. إذا ثَبَتَ أن الحَقَّ انْتَقَلَ، فمتىِ رَضِيَ بها المُختَالُ، ولم يَشْتَرِطِ اليَسَارَ، لم يَعُدِ الحَقُّ إلى المُحِيلِ أَبَداً، سواءٌ أَمْكُنَ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ، أو تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أو فَلَسٍ أو مَوْتٍ أو غير ذلك. بهذا قال اللَّيْثُ، والشَّافِعِيَّ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحْمَدَ ما يَدُلُّ على أنَّه إذا كان المُحَالُ عليه مُفْلِساً، ولم يَعْلَم المُخْتَالُ بذلك، فله الرُّجُوعُ، إلاَّ أن يَرْضَى بعدَ العِلم. وبه قال جَمَاعَةٌ من أصْحابِنا، ونحوُه قولُ مَالِكٍ؛ لأنَّ الفَلَسَ عَيْبٌ في المُحَالِ عليه، فكان له الرُّجُوعُ، كما لو اشْتَرَى سِلْعَةٌ فَوجَدَها مَعِيبَةً، ولأنَّ المُحِيلَ غَرَّهُ، فكان له الرُّجُوعُ، كما لو دَلَّسَ المَبِيعَ. وقال شُرَيْحْ، والشَّغْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ: متى أفْلَسَ أو ماتَ، رَجَعَ على صَاحِبِهِ، وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه في حَالَيْنٍ؛ إذا مَاتَ المُحَالُ عليه مُفْلِساً، وإذا جَحَدَهُ وحَلَفَ عليه عند الحاكِم، وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يَرْجِعُ عليه في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وإذا حُجِرَ عليه لِفَلَسٍ؛ لأنَّه رُوِيّ عن عثمانَّ، أَنَّه سُئِلَ عن رَجُلِ أُحِيلَ بِحَقُّه، فماتَ المُحالُ عليه مُفْلِساً فقال: يَرْجِعُ بِحَقْهَ، لا تَوَى على مالِ امْرِئٍ مُسْلِم. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لم يُسَلَّم العِوَضُ فيه لِأحَدٍ المُتَعاوِضَيْنِ، فكان له الفَسْخُ، كما لو اغْتَاضَ بِثَّوْبٍ فلم يُسَلَّمْ إليه. ولَنا، أنَّ حَزْناً جَدَّ سَعِيدٍ بن المُسَيَّبِ، كان له على عليٍّ رَضِيَ الله عنه دَيْنٌ، فأحَالَهُ به، فماتَ المُحالُ عليه، فأخْبَرَهُ، فقال: اخْتَرْتَ علينا، أَبْعَدَكَ الله. فَأَبْعَدَهُ بِمُجَرَّدِ اخْتِيَالِهِ، ولم يُخْبِرْهُ أَنَّ له الرُّجُوعَ. ولأنَّها بَرَاءَةٌ من دَيْنِ ليس فيها قَبْضٌ ممَّن عليه، ولا ممَّن يَذْفَع عنه، فلم يكُنْ فيها رُجُوعٌ، كما لو أَبْرَأْهُ من الدَّيْنِ، وحَدِيثُ عُثمانَ لم يَصِحَّ، يَرْوِيهِ خَالِدُ بن جَعْفَرِ عن مُعَاوِيَةَ بن قُرَّةً عن عثمانَ، ولم يَصِحَّ سَمَاعُه منه، وقد رُوِيَ أنَّه قال: في حَوَالَةٍ أو كَفَالَةٍ. وهذا يُوجِّبُ التَّوَقُّفَ، ولا يَصِحُ، ولو صَحَّ كان قولُ عليَّ مُخالِفاً له. وقولُهم: إنَّه مُعَاوَضَةٌ. لا يَصِحُ؛ لأَنَّه يُفْضِي إلى بَيْعِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، وهو مَنْهِيٍّ عنه، ويُفَارِقُ المُعَاوَضَةَ بِالثَّوْبِ؛ لأنَّ في ذلك قَبْضاً يَقِفُ اسْتِقْرَارُ العَقْدِ عليه، وهُهُناَ الحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ القَبْضِ، وإلاّ كان بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنِ. ينظر المغني (٦٠/٧ - ٦١).