Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب البيوع
المفسوخ فلا يحتمل الإجازة، فكان الرجحان في المأذون للنقض من أيهما كان، وقيل: ما
روي في البُيُوع قول محمد، لأنه يقدم ولاية الملك على ولاية النيابة وما ذكر في المأذون قول
أبي يوسف؛ لأنه لا يرى تقديم ولاية الملك، وأصله ما ذكر في النوادر أن الوكيل بالبيع إذا باع
من إنْسَان وباع المالك من غيره، وخرج الكلامان، مع أن بيع الموكل أولى عند محمد، وعند
أبي يُوسف: يجعل العبد بينهما نصفين، ويخير كل واحد من المشْتَريين، والله عز وجل أعلم.
وأما بيان ما ينفسخ به، فالكلام فيه في موضعين:
أحدهما: في بیان ما ینفسخ به.
والثاني: في بيان شرائطه فتَقُول وبالله التوفيق: ما ينفسخ به في الأصل نوعان: اختياري
وضروري، والاخْتِيَاري نوعان أيضاً: صريح وما هو في معنى الصريح، ودلالة.
أما الأول: فنحو أن يقول من له الخيار: فَسَخْت البيع أو نقضته أو أبطلته، وما يجري
هذا المجرى فينفسخ البيع، سواء كان الخِيَار للبائع أو للمشْتَري أولهما أو لغيرهما، ولا يشترط
له التَّراضي ولا قَضَاء القاضي؛ لأن الفسخ حصل بتسليط صاحبه عليه.
وأما الفسخ من طريق الدلالة فهو أن يتصرَّف من له الخيار تصرف الملاك؛ إن كان
الخيار للبائع وفي الثّمن إن كان عيناً إذا كان الخيار للمشْتَري؛ لأن الخيار إذا كان للبائع فتصرُّفه
في المبيع تصرف الملاك دليل اسْتِبْقَاء ملكه فيه، وإذا كان للمشتري فتصرّفه في الثمن إذا كان
عيناً تصرف الملاك دليل اسْتِبْقَاء ملكه فيه، ولا يكون ذلك إلا بالفسخ، فالإِقْدَام عليه يكون
فسخاً للعقد دلالة.
والحاصل أن [ما] (١) وجد من البائع في المبيع ما لو وجد منه في الثمن [إذا كان عيباً لو
وجد ذلك منه في المبيع](٢) لكان إجازة للبيع يكون فسخاً للبيع، وقد ذكرنا ذلك كله، وهذا
النَّوع من الفسخ لا يقف على علم صاحبه بلا خلاف، بخلاف النَّوع الأول؛ لأن لانفساخ ههنا
لا يثبت بالفسخ مقصوداً، وإنما يثبت ضمناً لغيره، فلا يشْتَرط له ما يشترط للفسخ مقصوداً؛
كبيع الشرب والطريق - أنه لا يجوز مقصوداً، ويجوز تبعاً للأرض، والله عز وجل أعلم.
وأما الضروري فنحو أن يَهْلك المبيع قبل القبض، فيبطل البيع؛ سواء كان الخيار للبائع
أو للمشتري أو لهما جميعاً؛ لأنه لو كان باتاً لبطل، فإذا كان فيه خيار الشرط أولى؛ لأنه
أضعف منه؛ وإن هلك بعد القَبْض، فإن كان الخيار للبائع فكذلك يبطل البيع، ولكن تلزمه
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٣٠٢
كتاب البيوع
القيمة إن لم يكن له مثل(١)، والمِثْل إن كان له مثل أما بطلان البيع فلأن المبيع صَارَ بحال لا
يختَمل إنشاء العقد عليه، فلا يحتمل الإجازة فينفسخ العقد ضرورة، وأما لزوم القيمة فَقَوْل
عامة العُلَمَاء، وقال ابن أبي ليلى؛ أنه يهلك أمانة .
وجه قوله: أن الخِيَار منع انعقاد العقد في حق الحُكم، فكان المبيع على حكم ملك
البائع أمانة في يد المشتري، فيهلك هلاك الأَمَانَات.
(١) وهنا نفرق بين حالتين: ممن يكون ضمان المبيع: أثناء الخيار؟ أمن ضمان من ثبت له ملكه بائعاً كان أو
مشترياً كما هو الحال في ضمان الأموال أم الأمر هنا على خلاف ذلك؟
وللمبيع في البيع البت حالتان الحالة الأولى أن يصيبه التلف أو العطب قبل قبض المشتري له فيكون من
ضمان البائع لأن القبض من متممات البيع، ولم يحصل، والحالة الثانية أن يصيبه ذلك بعد القبض فيكون
من ضمان المشتري لتمام البيع بالقبض مع العلم بأن المبيع في الحالين ملك للمشتري . .
فبيع الخيار قبل القبض حكمه في الضمان حكم البيع البت سواء قلنا المبيع على ملك البائع وذلك ظاهر
أو قلنا إنه مملوك للمشتري لأنه إن لم يكن دون البيع البت فليس أحسن مالاً منه حتى تجعله من ضمان
المشتري.
وبعد القبض الأصل فيه أن يكون من ضمان من ثبت له ملك إلا أن يعارضه أصل آخر أرجح منه كما كان
المبيع في البيع البت من ضمان البائع قبل القبض مع أنه مملوك للمشتري فهو غير الحنفية من ضمان
المشتري مطلقاً سواء كان الخيار له أو للبائع إلا أنه يضمنه بالثمن إذا كان الخيار له لانبرام العقد في حقه
بالتلف لكونه لا يعرى عن مقدمة عيب والعيب يمنع الرد حال وجوده فإذا اتصل به الهلاك فلم توجد حالة
مجوزة للرد فيهلك، وقد تامه العقد، وفي تمامه يلزم الثمن لا القيمة. ويضمنه بالقيمة إذا كان الخيار للبائع
لأن البيع ينفسخ بالهلاك لكونه موقوف النفاذ ولا نفاذ بدون المحل فيكون كالمقبوض على سوم الشراء،
وفيه القيمة إذا هلك عند الشافعية - هو كذلك من ضمان المشتري إلا في حالة واحدة وهي ما إذا كان الخيار
للبائع وحده فإنه يكون عند المشتري حينئذ أمانة لأنه لم يقبض على سوم الشراء كما يدعي الحنفية لكون
البيع في جانبه بتاً لازماً فيهلك إن هلك من ضمان البائع لكونه ملكه، ولم يعارضه أصل القياس على المستام
حتى يكون من ضمان المشتري. ووافقوا الحنفية على أن البيع في هذه الحالة مفسوخ. وفي غير هذه الحالة
لا يفسخ البيع بالهلاك، ولا ينقطع الخيار لأن الحاجة الواعية إلى شرط لا تزول بالهلاك. فلمن له الخيار
الفسخ أو الإمضاء فإن فسخ وجبت القيمة للبائع لأنه حينئذ في يد المشتري كالمستام سواء كان الخيار له
وحده أو مع البائع، وإن تم وجب ثمن المتفق عليه للبائع وعند المالكية هو من ضمان البائع لكونه ملكه
وهو في يد المشتري أمانة ولم يرتضوا القياس على المستام لأن الفرض أن المشتري قبضه على جهة البيع لا
على جهة السوم اللهم إلا إذا ظهر تقصير المشتري أو كان المبيع مما يغاب على البائع كالحلي فإنه يكون من
ضمان المشتري أخذاً بالمصالح المراسلة وعند الحنابلة هو من ضمان المشتري لكونه ملكه فإذا كان الخيار
له وحده انقطع خياره بهلاكه ولزمه ثمنه وإذا كان الخيار للبائع وحده أو مع المشتري فهل يلزمه الثمن أو
القيمة؟ روايتان. مبنيان على أن خيار البائع هل يبطل بهلاك المبيع أم لا يبطل؟ فمن ذهب إلى الأول ألزم
المشتري الثمن ومن ذهب إلى الثاني ألزم المشتري القيمة. والله أعلم.
ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور.

٣٠٣
كتاب البيوع
ولنا: أن البيع وإن لم ينعقد في حق الحكم، لكن المَبِيع في قبض المشْتَري على حكم
البيع، فلا يكون دون المقبوض على سوم الشراء، بل هو فوقه؛ لأنَّ هناك لم يوجد العقد لا
بِنَفْس ولا بحكمه، وههنا إن لم يثبت حُكم العقد فقد وجد بنفسه، وذلك مضمون بالقيمة أو
بالمِثْل فهذا أولى.
وإن كان الخيار للمشْتَرِي لا يبطل البيع، ولكن يبطل الخِيَار ويلزم البيع وعليه الثمن/، ١٤٣/٣ب
أما على أصلهما فظاهر؛ لأن المشْتَرِي ملكه بالعقد؛ فإذا قبضه فقد تقرر عليه الثمن، فإذا هلك
يهلك مضْمُوناً بالثّمن كما كان في البيع البات .
وأما على أصل أبي حنيفة، فالمشْتَري وإِن لم يملكه فقد اعترض عليه في يده قبل القبض
ما يمنع الرد، وهو التعيب بعيب لم يكن عند البائع، لأن الهلاك في يده لا يخلو عن تقدم
عيب عادة؛ لأنه لا يَخْلُو عن سبب مَوْته في الهلاك عادة، وأنه يكون عيباً، وتعيب المبيع في
يَدِ المَشْتَري يمنع الرد، ويلزم البيع لما ذكرنا فيما تقدم؛ فإذا هَلَك يهلك بالثمن.
ولو استهلك المبيع أجنبي والخيار للبائع، لا يَنْفَسخ البيع، والبائع على خياره؛ لأنه
يهلك إلى خلف وهو الضمان؛ لوجود سبب الوُجُوب للضمان وهو إتلاف مال متقوم مملوك
لغيره؛ لأن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه، والهالك إلى خلف قائم معنى، فكان
المبيع قائماً فكان محتملاً للإجازة، سواء كان المَبِيع في يد المشتري أو في يد البائع؛ لأنه
مضمون بالإتلاف في الحالين جميعاً، فإن شاء فسخ البيع واتبع الجاني بالضمان.
وكذلك لو استهلكه المشتري؛ لأنه وجب الضمان عليه بالاسْتِهْلاَك؛ لوجود سبب
الوجوب والضمان بدل المضمون، فيقوم مقامه، فكان المَبِيع قائماً معنى، فكان الخيار على
حاله: إن شاء فَسَخ البيع واتبع المشتري بالضمان، وإِن شاء أجازه واتبعه بالثمن.
ولو تعيَّب المبيع في يد البائع؛ فإِن كان بآفة سماوية أو بفعل المَبِيع، لا يبطل البيع وهو
على خياره؛ لأن ما انتقص منه من غير فعله غير مضْمُون عليه، حيث لا يسقط بحصَّته شيء
من الثّمن، فلا ينفسخ البيع في قدر الضمان بإبقاء الخيار، لأنه يودي إلى تفريق الصفقة على
المشتري، فإن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجازه، فإن أجازه فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه
بجميع الثمن، وإن شاء ترك لتغير المبيع قبل القبض.
وإن كان لفعل البائع بطل البيع، لأن ما انتقص بفعله فهو مضمون عليه حتى يسقط عن
المشتري حصته قدر النقصان من الثمن، فالإجازة تتضمَّن تفريق الصفقة على المشتري قبل التَّمَام.
وإن كان بفعل أجنبي، لم يبطل البَيْع وهو على خياره؛ لأن قدر النقصان هلك إلى خلف
وهو الضّمان، فكان قائماً معنى ولم يَبْطل البيع في قدر الهالك، فكان البائع على خياره: إن
شاء فسخ البيع واتبع الجاني بالأرش، وإن شاء أجاز واتبع المشتري بالثمن، والمشْتَري يتبع
الجاني بالأرش.

٣٠٤
كتاب البيوع
وكذلك لو تعيب بفعل المشْتَرِي لا يبطل البيع والبائع على خياره، لأن المبيع على ملك البائع
فكان قدر النقصان مضموناً على المشتري، فكان هلاكاً إلى خلف فكان البيع على حاله والبائع على
خياره، إن شاء فسخ البيع واتبع المشتري بالضمان، وإن شاء أجازه واتبع المشْتَرِي بالثمن.
وكذلك إذا تعيب في يد المشتري بفعل أجنبي أو بفعل المشتري أو بآفة سماوية - فالبائع
على خياره فإن شَاءَ أجاز البيع، وإن شاء فسخه؛ فإن أجاز أخذ من المشتري جميع الثمن،
سواء كان التعيّب بفعل المشْتَري أو بفعل الأجنبي أو بآفة سماوية، لأن البيع جاز في الكل.
ولا يكُون للمشتري خيار الرد بحدوث التغير في المبيع؛ لأنه حدث في يده في ضمانه غير أنه
إن كان التَّعييب بفعل المشتري، فلا سبيل له على أحد.
وإن كان بفعل الأجنبي فللمشْتَري أن يتبع الجاني بالأرض، لأنه ملك العبد بإجازة لبائع
من وقت البيع، فتبين أن الجِنَاية حصلت على مِلْكه؛ وإن فسخ ينظر إن كان التعيب بفعل
المشْتَري؛ فإن البائع يأخذ الباقي ويأخذ أرش الجناية من المشتري؛ لأن العبد كان مضموناً
على المشتري بالقيمة .
ألا ترى أنه لو هلك في يده لزمته قيمته، وبالفَسْخ وجب عليه رده، وقد عجز عن رد
قدر الفائت فيلزمه رد قيمته؛ كذا إذا تعيَّب بآفة سماوية لما قلنا، وإن كان التعيب بفعل أجنبي،
فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الأجنبي بالأزش؛ لأن الجناية حصلت على ملكه، وإن شاء اتبع
المشْتَري؛ لأن الجناية حصلت في ضمان المشتري، فإن اختار اتباع الأجنبي فالأجنبي لا يرجع
على أحد، لأنه ضمن بفعل نفسه.
وإن اختار اتباع المشتري فالمشْتَرِي يرجع بما ضمن من الأزش على الأجنبي؛ لأن
١٤٤/٣ أ المشْتَري قام مقام البائع في حق ملك بدل الفَائِت، وإن لم يقم/ مقامه في حق ملك نَفْس
الفائت كغاصب المدبّر إذا قتل المدبّر في يده وضمنه للمالك - أن له أن يَرْجع بما ضمن على
القاتل، وإن لم يَمْلك نفس المدبر؛ كذا هذا والله عز وجل أعلم.
وأما شرائط جواز الفَسْخ، فمنها قيام الخيار؛ لأن الخيار إذا بطل فقد لزم البيع فلا
يحتمل الفَسْخ، ومنها علم صاحبه بالفَسْخ عند أبي حنيفة ومحمد، حتى لو فسخ بغير علمه -
كان فسخه موقوفاً عندهما إن علم صَاحِبه بفسخه في مدة الخيار نفذ، وإن لم يعلم حتى مَضَت
المدة لزم العقد.
وكذا لو أجاز الفاسخ العقد نفذ فسخه قبل علم صَاحِبه، وجازت إجازته ولزم العقد
وبطل فسخه، وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع وقال: علم صاحبه ليس بشرط، حتى لو
فسخ يصح فسخ علم صاحبه بالفَسْخ أو لا .
وروي عن أبي يوسف: أنه فصل بين خِيَار البائع وخيار المشتري، فلم يشترط العلم في
خِيَّار البائع وشرط في خيار المشتري.

٣٠٥
كتاب البيوع
وأما خيار الرُّؤية فهو على هذا الاختِلاَف ذكره الكرخي، ولا خلاف بين أصحابنا في
خيار العيب أن العلم بالفَسْخ فيه شرط، سواء كان بعد القَضَاء أو قبله، وأجمعوا على أن عَزْل
الموكل وكيله بغير علمه وإن فسخ أحد الشريكين الشركة، أو نهى رب المال المضارب عن
التصرُّف بغير علمہ ـ لا يصحُ.
وجه قول أبي يوسف: أنه يملك الإجازة بغير علم صَاحِبِه فيملك الفسخ، والجامع
بينهما أن كل واحد منهما حَصَل بتسليط صاحِبِه عَلَيه ورضاه، فلا معنى للتوقف على علمه؛
كالوكيل بالبيع إذا بَاعَ من غير علم الموكّل.
وجه قولهما: أن الفسخ لو نفذ بغير علم صاحبه لتضرّر به صاحبه، فلا ينفذ دفعاً للضَّرر
عنه؛ كالموكل إذا عزل وكيله بغير علمه، وبيان الضَّرر أن صاحبه إذا لم يعلم بالفسخ، فتصرّف
في المبيع بعد مضي مدَّة الخِيَار على ظن أنه مِلْكه؛ فلو جاز الفسخ من غير علمه، لتبين أنه
تصرّف في ملك غيره وأنه سبب لوجوب الضَّمان فيتضرر به؛ ولهذا لم يجز عزل الوكيل بغير
علمه، كذا هذا بخلاف الإجازة - أنه يصح من غير علمه، لأنه لا ضَرَر فيه، وكذا لا ضرر في
بيع الوكيل بغير علم الموكل.
ومنها: ألاَّ يكون في الفسخ تفريق الصَّفقة، حتى لا يملك الإجازة في البعض دون
البعض؛ لأنه تفريق الصَّفقة قبل تمامها وأنه باطل.
وأما الخيار الثابت بالشّرط دلالة: فهو خيار العيب(١)، والكلام في بيع المعيب في
مواضع: في بیان حكمه.
(١) العيب والعيبة والعاب بمعنى واحد، وهو ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة مما بعد نقصاً.
ويقال: عاب المتاع، وعابه زيد يتعدى ويلزم، وإضافة الخيار إليه من إضافة الشيء إلى سببه أي: خيار
سببه ومنشؤه ظهور عيب بالمبيع.
ومعناه في الاصطلاح ثبوت حق فسخ البيع، وإمضائه بظهور عيب بالمبيع كان عند البائع، ولم يعلم به
المشتري وقت البيع. والكتاب في الغالب قصروا التعريف على المشتري؛ لأن الغالب في العيب أن يكون
بالمبيع وكذلك فعلنا وسننهج هذا النهج بالنسبة للأحكام والآثار أيضاً منعاً من تشعب الكلام مع الإعلام
بأن كافة الأحكام التي تجري في جانب المشتري إذا ظهر عيب بالمبيع تجري أيضاً إذا ظهر عيب بالثمن
في جانب البائع وأن العيب في الثمن كَالعَيْبِ في المبيع سواء بسواء.
وثبوت حق الفسخ للمشتري بسبب العيب أعم من أن يكون دلس به البائع عليه أي: كتمه عنه، أو لم
يدلس به بأن كان هو الآخر غير عالم به؛ لأنه إنما شرع دفعاً للضرر عن المشتري، والضرر ثابت في
الحالين على السواء. إلا أنه في حال التدليس يكون البائع آئماً ومرتكباً وزراً عظيماً؛ لأن التدليس غِشٍّ،
وخداع. ومَكْرُ شَيْءٌ، وكل ذلك حرام يَقولُ الرَّسُولُ - وَّهِ -: ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) وَيَقُولُ: ((الدِّينُ
النَّصِیحَةُ».
بدائع الصنائع ج٧ - م٢٠
=

٣٠٦
كتاب البيوع
ولكن الحرمة شيء؛ وصحة البيع شيء آخر، فالفقراء كلهم متفقون على صحة بيع المعيب الذي لا يعلم
=
المشتري بعيبه، سواء كان البائع عالماً بالعيب، أو غير عالم به.
أما إذا كان غير عالم به فالأمر ظاهر. وأما إذا كان عالماً به فقاسوه على بيع المصراة، صح بيعها مع
التدليس بالتصرية بعض الحديث، وظهور قلة اللبن في موطن ظن كثرته، إن لم يكن عيباً فهو قريب منه
وأيضاً قول الرسول (مَ﴿): ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا
وكتما محقت بركة بيعهما)) ــ دال على الصحة، حيث سمى البيع مع الكتمان بيعاً وهو دليل الصحة، إلا
أنه ممحوق البركة وهو دليل الحرمة منه، ثم النهي مع ذلك راجع إلى معنى في العاقد خاصة هو غشة
وتدليسه، لا إلى معنى في العقد، أو المعقود عليه، حتى يكون البيعُ فاسداً.
وللمشتري الخيار مع ذلك، قياساً على بيع المصراة؛ حيث: ثبت للمشتري حق فسخ البيع بالتصرية؛
ليدفع عن نفسه الغين، بل الخيار يثبت للمشتري هنا من باب أولى؛ لأن التصرية ليست بعيب، أعني: قلة
اللبن، بل من باب فوت كمال مظنونه - وأيضاً فقد روى أبو داود بسنده إلى عائشة (رضي الله عنها): ((أن
رجلاً ابتاع غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيباً، فخاصة إلى النبي (مَّ) فرده عليه،
فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال رسول الله (مَ﴿) - الخَرَاجُ بالضمان -)» وهو نص في
المطلوب؛ ولأن مقتضى العقد هو السلامة؛ لأنها الأصل في المبيع، والعيب طارئ عليه، والعقد عند
الإطلاق ينصرف إلى ما هو الأصل أو الشأن في المبيع، سيما وقد تأيد هذا الأصل بالعرف، فالناس في
بياعاتهم على أن المبيع يجب أن يكون خالياً من كل عيب ينقص القيمة، أو يحدث خللاً بأوجه النفع
منه، فالمشتري حين دخل في البيع دخل على هذا الأساس، فلو ألزمناه البيع مع ظهور عدم تحقق هذا
الأساس - لكان إلزاماً له بغير ما رضي به في حقيقة الأمر.
ويدل على أن الأصل في المبيع هو السلامةُ من العيوب - ما روي عن العداء بن خالد بن هوذة - وهو
صحابي أسلم بعد حنين - قال: كتب لي رسول الله (َّلتر)، كتاباً: «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة
من محمد رسول الله (َّر)، اشترى من عبدة أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم المسلم»
والداء هو العلة، والقائلة من الاغتيال، وهو الاحتيال على العاقد: من حيث لا يشعر؛ ليبتز منه ماله
بالباطل، والخبثة من الخبث ضد الطيب وهو الحرام؛ كما أن الطيب هو الحلال. دل قوله (عليه الصلاة
والسلام): (بيع المسلم المسلم)) على أن شأنَ بيوع المسلمين ما خلت عن العيوب المذكورة. والمرادُ من
قوله: لا داء، أي: يجهله المشتري بخلاف ما لو علمه، فإنه من البيع الحلال.
تم الخيار بين رد المبيع واسترداد الثمن إن كان قد دفعه، وبين إمساكه بدون أرض العيب، وهذا عند
الشافعية، والحنفية، والظاهرية، والمالكية، إلا أن عند الأخيرين إذا كان العيبُ يسيراً لا ينقض من الثمن
إلا قليلاً، وكان في الدور والعقار - فليس للمشتري في هذه الحالة إلا حق المطالبة بأرسن العيب، مع
إمساك المبيع؛ لأن موضوع العقد مما يراد للقنية في العادة، فلا يفسخ العقد فيه من أجل هذا النقض
اليسير.
وعند الحنابلة مخير بين هذين، وبين إمساكه مع أرسن العيب أيضاً.
وهذا كله إذا لم يتعذر الرد، فأما إن تعذر فله أخذ الأرسن باتفاق، تعويضاً عما فوته عليه العيب من حقه
في سلامة المبيع.
=

٣٠٧
كتاب البيوع
وفي بيان صفة الحكم.
وفي بيان تفسير العيب الذي يوجب الخِيَار وتفصيل المفسَّر.
وفي بيان شرائط ثبوت الخِيَار.
وفي طريق إثبات العيب.
وفي بيان كيفية الرد والفَسْخ بالعيب بعد ثبوته.
وفي بيان من تلزمه الخصومة في العيب ومَنْ لا تلزمه.
وفي بيان ما يَمْنَع الرد بالعيب.
وجه مذهب الجمهور - هو قياس العيب على التصرية، فكما أنه ليس للمشتري في المصَّراة إلا الإمساك
=
بالثمن، أو الرد - فكذلك ليس له في العيب إلا الخيرة بين هذين، وأيضاً البائع لم يرض بخروج المبيع
عند ملكه إلا بالثمن الذي أخذه فيه، فلو أجيز للمشتري الإمساك مع المطالبة بالأرسن - انقض الثمن عما
رضيه البائع .
ومع ذلك، فضرر المشتري يزول بالرد، فلا يمكن من الإمساك مع الأرسن؛ لأن فيه إضراراً بالبائع، وقد
أمكن رفع الضرر عنه بدون ما إضرار بالبائع؛ فلا يصار إلى الحالة الضارة مع إمكان غيرها، فالرسول
(عليه الصلاة والسلام) يقول: ((لا ضرر ولا ضرار)). ولأنه بظهور العيب يتبين أن رضا المشتري بالبيع لم
يكن قائماً على أساس صحيح، فيمكن من الرضا من جديد بإعطائه الخيار في البيع، والنتيجة المنطقية
لهذا أن يمسك الثمن المتفق عليه، أو يرد المبيع إن شاء كحاله في ابتداء البيع. ولأن العيب فوت وصف
هو السلامة، والأوصاف كما يقول الحنفية لا يقابلها شيء من الثمن؛ لكونها لم تقصد إلا تبعاً لقصد
العين، فلا تزاحمها في تقسيط الثمن.
ووجه مذهب الحنابلة - هو أن المبيع بظهور تعيبه قد نقص عن الثمن الذي قدره له المشتري، وارتضاه
به؛ فوجب أن يعوض عنه إن اختار إمساك المبيع طالباً تعويضه، والبائع إما أن يكون عالماً بالعيب حين
البيع، فيكون هو المقصر بتدليسه على المشتري، وإما ألا يكون عالماً، فيكون الثمن الذي قبضه في
مقابل السليم في ظنه كذلك، لا في مقابل المعيب، والوفاء بالعقود مطلوب شرعاً، وقد أمكن الوفاء
بالبيع على هذا الوجه بدون ما كبير ضرر على البائع. ولأن العيب عبارة عن فوات جزء من المبيع - فكان
للمشتري حق المطالبة بأرشه؛ كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعة؛ حيث يكون له حق المطالبة بقيمة
القفيز العاشر.
والتعويض الذي يستحقه المشتري من جراء العيب. وهو المسمى بالأرسن - جزء من الثمن، نسبته إليه
كنسبة ما نقص العيب من القيمة. فإذا كانت قيمةُ السِّلعة مائة، واشتراها بثمانين، فظهرت معيبة بعيب ما،
فإنها تقوم معيبة بهذا العيب، فإذا قومت بخمس وسبعين فقد نقص العيب من قيمتها الربع، فينقص من
الثمن كذلك، ويعطاه المشتري وهو عشرون، ويصير كأنه اشتراها بستين.
ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور.

٣٠٨
کتاب البيوع
وفي بيان ما يسقط به الخيار بعد ثُبُوته ويلزم البيع.
وفي بَيَان ما يَمْنَع الرجوع بنقصان العيب وما لا يمنع.
وفي بيان طريق الرجوع.
أما حكمه: فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع للحال؛ لأن ركن البيع مطلق عن
الشرط، والثابت بدلالة النص شرط السلامة لا شرط السَّبب ولا شرط الحكم، وأثره في منع
اللزوم لا في منع أصل الحكم، بخِلاَف البَيْع بشرط الخيار؛ لأن الشرط المنصوص عليه هناك
دَخَل على السَّبب، فيمنع انعقاده في حق الحكم في مدة الخيار.
وأما صفته: فهي أنه ملك غير لازم؛ لأن السَّلامة شرط في العَقْد دلالة، فما لم يسلم
المبيع لا يلزم البيع فلا يلزم حكمه.
والدَّليل على أن السلامة مشروطة في العَقْد دلالة - أن السَّلامة في البيع مطلوبةٌ المشتري
عادة إلى آخره؛ لأن غرضه الانتفاع بالمبيع، ولا يتَكامل انتفاعه إلا بقيد السلامة؛ ولأنه لم
يدفع جميع الثمن إلا ليسلم له جميع المبيع، فكانت السَّلامة مشروطة في العقد دلالة فكانت
كالمشروطة نصًّا، فإذا فاتت المساواة كان له الخيار؛ كما إذا اشترى جاريةً على أنها بكر أو
على أنها طباخة، فلم يجدها كذلك.
وكذا السلامة من مقتضيات العقد أيضاً؛ لأنه عقد معاوضة، والمعاوضات مبناها على
١٤٤/٣ ب المساواة عادة وحقيقة، وتحقيق المساواة فى مقابلة/ البدل بالمُبْدل، والسلامة بالسلامة، فكان
إطلاق العَقْد مقتضياً للسلامة، فإذا لَمْ يسلم المبيع للمشتري يثبت له الخيار؛ لأن المشْتَري
يطالبه بتَسْليم قدر الفائت بالعَيْب بحكم العقد وهو عاجز عن تسليمه فيثبت الخيار؛ ولأن
السَّلامة لما كانت مرغوبة المشْتَرِي ولم يحصل، فقد اختل رضاه وهذا يوجب الخِيَار، لأن
الرضا شرط صحة البيع، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ
أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فانعدام الرضا يمنع صحة البيع واختلاله يوجب
الخيار فيه إثباتاً للحكم على قدر الدَّليل.
والأصل في شرعية هذا الخيار ما روي عن رسول الله وَلّر أنه قال: ((مَنِ اشْتَرَىْ شَاةً
مُحَفَّلَةَ، فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ)»(١) وفي رواية: ((فَهُوَ بِأَحَدَ النَّظَرَيْنِ إِلَى
(١) أخرجه مسلم (١١٥٨/٣) كتاب البيوع: باب حكم بيع المصراة حديث (١٢٥٤/٢٦) وعبد الرزاق (٨/
١٩٧) رقم (١٤٨٥٨) والحميدي (٤٤٦/٢) رقم (١٠٢٩) وأحمد (٢٤٨/٢) والنسائي (٢٥٤/٧) كتاب
البيوع: باب النهي عن المصراة وأبو داود (٧٢٧/٣) كتاب البيوع والإجارات: باب من اشترى مصراة =

٣٠٩
كتاب البيوع
ثلاثَةِ [أيام](١) إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وإِنْ شَاءَ رَدَّ وَرَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْر))(٢) والنظران المذكوران هما
نظر الإمْسَاك والرد، وذِكْر الثلاث في الحديث ليس للتَّوقيت؛ لأن هذا النوع من الخيار ليس
بمؤقت بل هو بناء الأمر على الغالب المعتاد؛ لأن المشْتَري إن كان به عيب يقف عليه المشتري
في هذه المدَّة عادة، فيرضى به فيمسكه، أو لا يَرْصَى به فيرده، والصاع من التمر كأنه قيمة اللَّبن
الذي حلبه المشتري، علمه رسول الله وَل بطريق المشاهدة والله عز وجل أعلم.
وأما تفسير العيب الذي يوجب الخِيَار وتفصيل المفسّر (٣)، فكل ما يوجب نقصان الثمن
فكرهها حديث (٣٤٤٤) والترمذي (٥٥٣/٣ - ٥٥٤) كتاب البيوع: باب ما جاء في المصراة حديث
=
(١٢٥٤) وابن ماجه (٢/ ٧٥٣) كتاب التجارات: باب بيع المصراة حديث (٢٢٣٩) وابن الجارود (٥٦٥،
٥٦٦) وأبو يعلى (٤٣٥/١٠) رقم (٦٠٤٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩/٤) باب بيع المصراة
والبيهقي (٣١٨/٥) كتاب البيوع: باب الحكم فيمن اشترى مصراة، كلهم من طريق محمد بن سيرين عن
أبي هريرة أن رسول الله وَّل قال: من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أن يمسكها أمسكها وإن
شاء أن يردها ردها ومعها صاع من تمر لا سمراء.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه مالك (٦٨٣/٢ - ٦٨٤) كتاب البيوع: باب ما ينهي عن المساومة والمبايعة حديث (٩٦)
والبخاري (٤٢٣/٤) كتاب البيوع: باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل حديث (٢١٥٠) وأحمد (٢/
٢٤٢) والحميدي (٤٤٦/٢) رقم (١٠٢٨) وأبو داود (٧٢١٨/٣) كتاب البيوع: باب من اشترى مصراة
فكرههما حديث (٣٤٤٣) والنسائي (٧/ ٢٥٣) كتاب البيوع: باب النهي عن المصراة والبيهقي (٣٤٦/٥)
كتاب البيوع: باب لا يبع حاضر لباد، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٦٧/١ - منحة) رقم (١٣٤٤) وأحمد (٣٨٦/٢، ٤٠٦، ٤٦٩، ٤٨١)
والترمذي (٥٥٣/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في المصراة، حديث (١٢٥١) والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) (١٧/٤) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة به.
(١) سقط في ط.
(٢) انظر الحديث السابق.
(٣) والعيب الذي يرد به المبيع فسره الشافعية: بما ينقص القيمة، أو العين نقصاً يفوت به غرض صحيح.
وفسره المالكية: بما ينقص الثمن، أو المبيع، أو التصرف، أو تخاف عاقبته كجذام الأبوين، وهو قريب
من مذهب الشافعية؛ لأن كل ما ينقص القيمة ينقص الثمن عند المشتري، وكل ما ينقص التصرف، أو
تخاف عاقبته ينقص القيمة في العادة وَفَسّره الحنفية، والحنابلة، والظاهرية: بما ينقص الثمن في عرف
التجار.
وسواء أكان نقص الثمن كبيراً أو يسيراً لا يفرق الفقهاء بين هذا اللَّهُمَّ إلا الظاهرية شرطوا أن يكون نقصه
بما لا يتغابن به التجار في العادة، ومن هذا يتضح أن نقص القيمة محل وفاق بين المذاهب غاية الأمر
شرط الظاهرية أن يكون النقص جسيماً لا يسيراً، وأما نقص العين، وإن لم ينقص القيمة ما دام يفوت به
غرض صحيح، فهو مما انفرد به الشافعية، والمالكية، وقد اختلفت المذاهب كثيراً في التطبيق تبعاً
لاختلاف وجهة النظر في تفسير العيب، وللعرف السَّاري في العصور الذي وضعت فيه هذه المسائل =

٣١٠
كتاب البيوع
المختلفة عليها؛ لأن المرجع فيها أولاً وأخيراً إلى العرف، وما دام العرف هو الحكم فلنترك الخوض فيها
=
تاركين الأمر لعرف التجار وأرباب البياعات.
والفسخ بالعيب هل هو فور الاطلاع على العيب، أم أنه يمتد حتى يوجد دليل الرضا بالبيع؟
مذهب الشافعية: أن الرد بالعيب على الفور، فليبادر المشتري بالرد على العادة، فلو كان يأكل فعلم
بالعيب، فهو ممهل، حتى يفرغ منه، أو كان في صلاة، فحتى يتمها، وإن علم ليلاً وشق عليه الرد فيه،
فحتى يصح، فالمراد من الفورية عندهم هو المبادرة بالرد على العادة بحيث لا يعذر إذا تأخر، فلو أراد أن
يرفع الأمر إلى القاضي، فعليه أن يشهد على أنه يريد الفسخ، ولا يكتفي بمجرد إبداء رغبته في إنهاء الأمر
إلى القاضي.
وإنما ذهبوا هذا المذهب؛ لأن الأصل في البيع هو اللزوم، وجواز الفسخ عارض له للحاجة، فيتقدر
بقدرها، وهي تندفع بمضي وقت يتمكن فيه من الفسخ، فإذا لم يفسخ لزمه البيع؛ لأن عدم الفسخ حينئذ
دليل الرغبة في إمساك المبيع؛ ولأن خيار العيب ثبت بالشرع؛ لدفع الضرر عن المال، فكان فورياً كخيار
الأخذ بالشفعة، فإنه إن لم يطالب بها عقب علمه بالبيع سقط حقه.
ومذهب المالكية: أن السكوت لعذر لا يمنع من الرد مطلقاً ولغيره إن كان أقل من يوم رد بلا يمين، وإن
كان يوماً أو يومين رد مع يمينه أنه ما رضي البيع في هذه المدة فإنه كان أكثر من ذلك، فلا رد له؛ لأن
في العادة لا يؤخر مثل هذا الزمن إلا وقد رضي البيع، فلا تسمع منه دعوى عدم الرضا فيما بعد، لأن
الظاهریة یکذبه .
ومذهب الحنفية، والحنابلة على الصحيح عندهم: أن الفسخ بالعيب يستمر حقاً للمشتري من وقت العلم
بالعيب إلى أن يرضى بالبيع صراحة كرضيت البيع، أو دلالة لبسه الثوب المبيع؛ لأن خيار شرع؛ لدفع
ضرر محقق عمن شرع له، فكان على التراضي كخيار القصاص لولي القتيل الخيار بينه وبين الدية، أو
العفو على سبيل التراخي.
ومذهب الظاهرية قريب من مذهب الحنفية، بل هو في الواقع أوسع منه؛ لأن استخدام المبيع، أو
التصرف فيه بما لا يخرجه عن ملكه لا يمنع من الرد على البائع عندهم؛ لأن التصرف كما يزعم ابن حزم
لا يدل على الرضا، وإنما الذي يدل عليه صريح القول.
ومن هذا يظهر أن الشافعية غلبوا جانب البائع، فحظروا على المشتري التأخير في الرد؛ لأن فيه إضراراً
به، وقد يكون مع هذا حسن النية حين البيع، وأن الحنفية، ومن حذا حذوهم غلبوا جانب المشتري،
فوسعوا عليه؛ لأنه المظلوم.
وأما المالكية: فقد التزموا خطة وسطى، فرأوا في الإلزام بالمبادرة إحجافاً بحق المشتري، وفي الإمهال
بدون توقيت إضراراً بالبائع، فضربوا للرد مهلة يسيرة يوماً أو يومين، فإن لم يرد فيها بِطَّلَ حقه في الرد،
وألزم بالبيع بالثمن المتفق عليه، وهذا مذهب معقول معتدل.
هذا والاتفاق حاصل على أنه في أي وقتٍ ظهر العيب جاز للمشتري الرد، أعني: أن الفقهاء لم يحذوا ما
بين العقد، وبين ظهور العيب بوقت معلوم لا يجوز للمشتري الرد بعده، فله الرد، ولو ظهر العيب بعد
سنة من تاريخ التعاقد ما دام لم توجد منه أو عنده حالة تمنع الرد شرعاً.
ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور.

٣١١
كتاب البيوع
في عادة التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً، فهو عيب يوجب الخِيَر، وما لا فلا نحو العَمَى والعَوَر
والحول والقبل، وهو نوع من الحَوْل مصدر الأقبل، وهو الذي كأنه ينْظُر إلى طرق أنفه والسبل
وهو زيادة في الأجفان، والعشا مصدر الأَغْشَى وهو الذي لا يبصر بالليل، والخوص مصدر
الأخوص وهو غائر العَيْن، والحوص مصدر الأحوص وهو الضّيق مؤخّر العين، والغَرَب(١)
وهو وَرَم في الآماق، وهي أطراف العين التي تلي الأنف.
وقيل هو درور الدمع دائماً والظَّفَرَةُ(٢) وهي التي يقال لها بالفارسية: ناخنه، والشتر،
وهو انقلاب جفن العين والبرص والقرع والسّلع والشلل والزَّمَانَة(٣) والفدع (٤) وهو اعوجاجٌ في
الرسغ من اليد أو الرّجل والفجج مصدر الأفجج، وهو الذي يتدانى عقباه وينكشف ساقاه في
المَشْي.
والصكك مصدر الأصكّ، وهو الذي يصكك ركبتاه، والحنف مصدر الأحنف وهو الذي
أقبلت إحدى إبْهَام رجليه على الأخرى، والبزي مصدر الأبزى وهو خروج الصدق.
والعَسِر مصدر الأعسر وهو الذي يعمل بشماله، والأصبع الزائدة والناقصة والسن
الشاغية(٥) والسوداء والناقصة والظفر الأسود، والبخر وهو نتن الفم في الجواري لا في العبيد
إلا أن يكون فاحشاً؛ لأنه حينئذ يكون عن داءٍ، والزفر وهو نتن الإبط في الجارية لا في الغلام
إلا أن يفْحش فيكون عيباً فيهما جميعاً والآدر مصدر الأدرة وهو الذي به أدرة، يقال لها
بالفارسية: فتح.
والرتق وهو انسداد فرج الجَارِية، والفتق وهو انتفاح فرجها، والقرن وهو في النساء
كالأذرَةِ (٦) في الرجال والشَمط (٧) والشّيب في الجوارِي والعَبِيد، والسلول(٨) والقروح والشجاج
والأمراض كلها.
والحبل في الجواري لا في البهائم، لأنه زيادة في البَهِيمة، وحذف الحُروف في
(١) وفي المعجم الوسيط الغَرَبُ: داء يصيب الشاة يتساقط منه شعر خطمها وعينيها. (غرب)
(٢) الظَّفَرَةُ: جليدة تغشى العين من الجانب الذي يلي الأنف. المعجم الوسيط (ظفر)
(٣) الزَّمَانَةُ: مَرَضٌ يدوم.
(٤) الفَدَعُ: عوج في المفاصل كأنها قد فارقت مواضعها؛ وأكثر ما يكون في رسغ اليد أو القدم. المعجم
الوسيط (فدع)
(٥) السن الشاغية: التي زادت على سائر الأسنان، أو خالف منبتها منبت غيرها. المعجم الوسيط (شغی)
(٦) الأَذْرَةُ: انتفاخ الخُضية؛ لتسرب سائل فيها. المعجم الوسيط (أدر).
(٧) الشمط: اختلاط بياض الشعر بسواده. المعجم الوسيط (شمط)
(٨) السلول: مرض يصيب الرئة يهزل صاحبه ويضنيه ويقتله. المعجم الوسيط (سلل).

٣١٢
كتاب البيوع
المصحف الكريم أو في بعضه، والزنا في الجارية لا في الغُلام؛ لأنه يفسد الفراش، وقد
يقصد الفراش في الإماء بخلاف الغُلام إلا إذا فحش وصار اتباع النساء عادة له، فيكون عيباً فيه
أيضاً؛ لأنه يوجِبُ تعطيل منافعه على المَوْلى، وكذا إذا ظَهَر وجُوب الحد عليه فهو عيب.
وقال بعض مشايخِنا ببلغ: الزنا يكون عيباً في الغُلام أيضاً؛ لأنه لا يؤتمن على أهل
البيت فلا يستخدم، وهذا ليس بسديدٍ؛ لأن الغلام الكبير لا يشتري للاستخدام في البيت، بل
١٤٥/٣ أ للأعمال الخَارِجة وكون/ المشتري ولد الزنا في الجارية لا في العبيد؛ لما ذَكَرْنا أنه قد يقصد
الفراش من الجواري، فإذا جاءت بولد يعين ولده بأمه؛ بخلاف الغُلام؛ لأنه يشتري للخِذمة
عادة، والكفر في الجارية والغلام عيب، لأن الطبع السليم ينفر عن صُخبة الكافر.
وأما الإسلام فليس بعيب بأن اشْتَرى نصراني عبداً فوجده مسلماً؛ لأن الإسلام زيادة،
والنكاح في الجارية والغلام؛ لأنه منافع البضع مَمْلُوكة للزوج والعبد يباع في المهر والنفقة .
فيوجب ذلك نقصاناً في ثمنهما، والعدة من طلاق رجعي لا من طَلاَق بائن أو ثلاث؛ لأن
الرَّجعي لا يوجب زوال الملك، بخلاف البَائِن والثلاث، واحتباس الحيضة في الجارية البالغة
مدة طويلة شهران فصاعداً والاستحاضة؛ لأن ارتفاع الحيض في أوانه لا يكون إلا لداء عادة.
وكذا استمرار الدم في أيام الطُّهر، والإحرام في الجارية ليس بعيب، لأن المشتري يملك
إزالته؛ فإن له أن يحللها والحرمة بالرضاع أو الصّهرية ليس بعيب فيها؛ لأن الجواري لا
يشترين للاستمتاع عادةً بل للاستخدام في البيت، وهذه الحرمة لا تقدح في ذلك بخلاف
النكاح حيث يكون عيباً، وإن لم يثبت به إلا حرمة الاستمتاع؛ لأن يخل بالاستخدام.
والنيابة في الجارية ليس بعيب إلا أن يكون اشْتَراها على شرط البَكَارة، فيردها بعد
الشرط والدين والجناية؛ لأنه يدفع بالجناية ويباع بالدّين، والجهل بالطبخ والخبز في الجارية
ليس بعيب؛ لأنه لا يوجب نقصان الثمن في عادة التجار بل هو حرفة بمنزلة الخياطة ونحوها،
فانعدامه لا يكون عيباً إلا أن يكون ذلك مشروطاً في العقد، فيردها لفوات الشَّرط لا للعيب.
ولو كانت تحسن الطبخ والخبز في يد البائع ثم نسيت في يده، فاشتراها فوجدها لا تحسن
ذلك - ردَّها، وإِن لم يكن ذلك مشْرُوطاً في العقد؛ لأنها إذا كانت تحسن ذلك في يد البائع وهي
صفة مرغوبة تُشْتَرى لها الجارية عادة، فالظاهر أنه إنما اشتراها رغبة فيها، فصارت مشرُوطة دلالة
فيردها؛ لانعدام المشروط كما لو شرط ذلك نصاً، وانعدام الختان في الغُلام والجَارِية إذا كانا
مولودين كبيرين؛ فإن كانا مولودَيْن صغيرين فَلَيْس بعيب؛ لأن الختان في حالة الكبر فيه زيادة ألم.
وهذا الذي ذكر في الجارية في عرف بلادهم(١)؛ لأنهم يختنون الجَوَاري، فأما في عرف
ديارنا فالجارية لا تختن، فعدم الخِتَان فيها لا يكون عيباً أصلاً.
(١) في أ: ديارهم.

٣١٣
كتاب البيوع
وإن كان الغلام كبيراً حربيًّا لا يكون عيباً؛ لأن فيه ضَرُورة؛ لأن أكثر الرقيق يؤتى به من
دار الحرب وأهل الحرب لا خِتَان(١) لهم، فلو جعل ذلك عيباً يرد به لضاق الأمر على الناس،
ولأن الخِتَان إذا لم يكن من فعل أهل دار الحرب وعادتهم، ومع ذلك اشْتَراه - كان ذلك منه
دلالة الرضا بالعيب والإباق والسرقة والبول في الفراش والجنون؛ لأن كل واحد منها يوجب
النقصان في الثمن في عادة التجار نُقصاناً فاحشاً، فكان عيباً إلا أنه هل يشترط في هذه العيوب
الأربعة اتحاد الحالة، وهل يشترط ثُبوتها عند المشتري بالحجَّة لثبوت حق الرد؟ فسنذكره في
موضِعِه إن شاء الله تعالى.
والحنف مصدر الأحنف من الخيل؛ وهو الذي إحدى عينيه رَزْقَاء والأخرى کحلاء،
والصدف مصدر الأصْدَف، وهو الدَّابة التي يتدانى فَخْذَاها ويتباعد حافراها ويلتوي رُسْغَاها.
والعزل مصدر الأعزل وهو من الدَّواب الذي يقع ذنبه من جانب عادة لا خلقة،
والمشش(٢) وهو ارتفاع العظم لآفة أصابته، والجرد مصدر الأجرد وهو من الإبل الذي أصابه
انقطاع عصب من يده أو رجله فهو ينقصها إذا سار، والحران والحرون مصدر الحرون، وهو
الذي يقف ولا ينقاد للسائق ولا للقائد.
والجماح والجموح مصدر الجموح؛ وهو أن يشتد الفرس فيغلب راكبه، وخلع الرسن
ظاهر، وبل المخلاة كذلك/ والهشم في الأاني والصّدع في الحوائط والجدردع ونحوها من ١٤٥/٣ ب
العيوب، فأنواع العُيُوب فيها كثيرة لا وجهَ لذكرها ههنا كلها، والتعويل في الباب على عرف
التجار، فما نقص الثمن في عرفهم فهو عَيْب يوجب الخيار، وما لا فلا، والله عز وجل أعلم.
وأما شرائط ثبوت الخيار، فمنها ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل التسليم(٣)، حتى لو
(١) في أ: خيار.
(٢) المشش: بياض يعتري الإبل في عيونها، أو شيء يبرز في وظيف الدابة يشتد دون اشتداد العظم. المعجم
الوسيط (مشش)
(٣) ويشترط في العيب الذي يرد به المبيع - أولاً - أن يكون قديماً موجوداً بالمبيع، وهو بيد البائع سواء كان
موجوداً به قبل العقد، أو حدث بعده، وقبل القبض لكون المبيع حينئذ من ضمان البائع، بخلاف ما لو
حدث بعد القبض لكونه حينئذ من ضمان المشتري، نعم إن استند العيب الحادث عند المشتري إلى سبب
متقدم والمبيع بيد البائع كقطع يده عنده لسرقة بيد البائع، كان له الرد؛ لأن هذا العيب لتقدم سببه
كالمتقدم، وهذا هو مذهب الشافعية .
وثانياً: ألاَّ يكون المشتري عالماً به وقت العقد، أوقت القبض، وَإِلاَّ فليس له الخيار لرضاه بالعيب حينئذ.
ثالثاً: ألاّ يكون البائع قد شرط البراءة من كل عيب يوجد به، فإنه شرط بثمانين، فظهرت معيبة بعيب ما،
فإنها تقوم معيبة بهذا العيب، فإذا قومت بخمس وسبعين فقد نقص العيب من قيمتها الربع، فينقص من
الثمن كذلك، ويعطاه المشتري. وهو عشرون، ويصير كأنه اشتراها بستين.
ينظر الخيارات في البيع لشيخنا محمد مندور.

٣١٤
كتاب البيوع
حدث بعد ذلك لا يثبت الخيار؛ لأن ثبوته لفوات صفة السلامة المشروطة في العقد دلالة،
وقدحصلت السلعة سليمة في يد المشتري.
ومنها ثبوته عند المشتري بعد ما قَبَض المبيع، ولا يكتفي بالثبوت عند البائع، لثبوت
حق الرد في جميع العيوب عند عَامَّة المشايخ، وقال بعضهم: فيما سوى العيوب الأربعة من
الأباق والسرقة والبول في الفِرَاش والجنون فكذلك، فأما في العيوب الأربعة فثبوتها عند
المشْتَري ليس بشرط، بل الثُّبوت عند البائع كاف، وبعضهم فصل في العُيُوب الأربعة فقَال: لا
يشترط في الجنون ويشْتَرط في غيره من العُيُوب الثلاثة.
وجه قول من فصل هذه العيوب الأربعة من سائرها في اعتبار هذا الشَّرط أن هذه العيوب
عيوب لازمة لا زوالَ لها إذا ثبتت في شَخْص إلى أن يموت، فثبوتها عند البائع يدل على بقائها
عند المشْتَرِي، فكان له حق الردّ من غير أن يظهر عنده بخلاف سائر العيوب، فإِنها لَيْسَت
بلازمةٍ .
وجه قول من فرق بين الجنون وغيره من الأنواع الثلاثة: أن الجنون لفساد في محلّ
العقد وهو الدماغ، وهذا مما لا زَوَال له عادة إذا ثبت؛ ولهذا قال محمد: إن الجنون عيب
لازمٌ بخلاف الأباق والبول في الفراش - أنها ليست بلازمة، بل تحتمل الزوال لزوال أسبابها.
وجه قول العامة: قول محمد نصًّا في ((الجامع الصغير))، فإنه ذكر فيه أنه لا يَثْبُت
للمشتري حق الرد في هذه العُيُوبِ الأربعة إلا بعد ثُبُوتها عنده، فكان المعنى فيه أن الثابت عند
البائع محتمل الزَّوال قابل الارتفاع، فأما ما سوى العيوب الأربعة لا شَكَّ فيه.
وكذلك العيوب الأربعة؛ لأن حدوثها في الذات للأسباب الموجبة للحدوث وهي
محتملة للزوال، فكانت هي محتملة للزوال لاحتمال زوال أسبابها، فإن بقيت يثبت حق الرد،
وإن ارتفعت لا يثبت فلا يثْبُت حق الرد بالاختِمال، فلا بد من ثبوتها عند المشتري ليعلم أنها
قائمة .
وقول القائل الجنون إذا ثبت لا يزول عادةً ممنوعٌ، فإن المجنون قد يفيق ويزول جُنُونه
بحيث لا يعود إليه، فما لم يوجد عند المشْتَري لا يعلم بقاؤه، كما في الأنواع الأخر، إلا أن
الفرق بين الجُنُون وغيره من الأنواع الثلاثة من وجه آخر؛ وهو أن هناك يشترط اتحاد الحالة
لثبوت حق الرد، وهو أن يكون وجودها عند البائع والمشتري في حالة الصغر أو في حالة
الكبر، حتى لو أبق أو سرق أو بال في الفراش عند البائع وهو صَغِير عاقل.
ثم كان ذلك في يد المشتري بعد البُلُوغ لا يثبت له حق الردّ، وفي الجنون اتحاد الحالة
ليس بشرط وإنما كان كذلك؛ لأن اخْتِلاف الحال في العيوب الثَّلاث يوجب اختلاف السببِ،

٣١٥
كتاب البيوع
لأن السَّبب البول على الفراش في حال الصغر هو ضعف في المثانة وفي الكبر هو داء في
البَاطِن والسبب في الأباق والسرقة في الصغر هو الجهل وقلة التمييز، وفي الكِبَر الشرارة
وخبث الطبيعة، واختلاف السبب يوجب اختلاف الحكم، فكان الموجود في يد المشتري بعد
البلوغ غير الموجود في يد البائع، فكان عيباً حادثاً وأنه يمنع الردّ بالعيب، بخلاف الجنون؛
لأن سببه في الحالين واحد لا يختلف، وهو فساد في محل العقل وهو الدماغ، فكان الموجود
في حالة الكبر عين الموجود في حالة الصغر، وهذا - والله عز وجل أعلم - معنى قول محمد
في الكتاب الجُنون عيب لازم أبداً، لا ما قاله أولئك، والله عز وجل الموفق.
ومنها عقل الصبي في الأباق والسَّرقة والبول على الفراش، حتى لو أبق أو سرق أو بال
على الفراش في يد / البَائِع، وهو صغير لا يعقل، ثم كان ذلك في يد المشْتَري، وهو كذلك ١٤٦/٣أ
لا يثبت له حق الردّ، وهذا إذا فعل ذلك في يد البائع وهو صَغِير لا يعقل، ثم وجد ذلك في
يد المشتري بعد ما عقل؛ لأن الموجود في يد البائع ليس بعيب، ولا بد من وُجُود العَيْب في
يده .
ومنها اتحاد الحال في العيوب الثلاثة، فإن اختلاف لم يثْبُت حق الرد؛ بأن أبق أو سرق
أو بال على الفراش في يَدِ البَائع وهو صغير عاقل، ثم كان ذلك في يد المشْتَرِي بعد البلوغ؛
لأن اختلاف الحال دليل اختلاف سبب العيب على ما بينا، واختلاف سَبَب العيب يوجِبُ
اختلاف العيب، فكان الموجود بعد البلوغ عيباً حادثاً عند الرد، والله عز وجل أعلم.
ومنها جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض؛ فإن كان عالماً به عند أحدهما
فلا خيار له، لأن الإقدام على الشِّراء مع العلم بالعيب رضا به دلالة؛ وكذا إذا لم يعلم عند
العقد ثم علم بعده قبل القَبْض؛ لأن تمام الصفقة متعلق بالقبض، فكان العلم عند القبض
کالعلم عند العَقْد.
ومنها عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع عِنْدَنا، حتى لو شرط فلا خيار للمشتري،
لأن شَرْط البراءة عن العيب في البيع عندنا صحيحٌ، فإِذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه، فصحَّ
الإسقاط فيسقط ضرورة، ثم الكلام في البيع بِشَرط البراءة في الأصل في موضعين:
أحدهما: في جَوَازه.
والثاني: في بيان مَا يَدخل تحت البَرَاءة في العَيْب .
أما الكلام في جوازه: فقد مرَّ في موضعه وإنما الحَاجَة ههنا إلى بيان ما يدخل تحت
البراءة من العيب، فنقول وبالله التوفيق: البَرَاءة لا تخلو إما أن كانت عامة؛ بأن قال: بعت على
أني بريء من العيوب، أو قال: من كُلِّ عَيْب؛ وإما أن كانت خاصة؛ بأن قال: من عَيْب كذا

٣١٦
كتاب البيوع
وسماه، وكل ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه إما أن قيد البراءة بعيب قائم حَالَة العقد، وإما أن
أطلقها إطلاقاً، وإما أن أضافها إلى عيب بحدث في المستقبل، فإن قيَّدها بعيب قائم حالة العقد
لا يَتَنَاول العيب الحادث بعد البيع قبل القَبْض بلا خلاف، سواء كانت البراءة عامة؛ بأن قال:
أبرأتك من كل عيب به أو خاصة؛ بأن قال: أبرأتك مما به من عيب كذا؛ لأن اللفظ المقيد
بوصف لا يتناول غير الموصوف بتلك الصّفة، وإن أطلقها إطلاقاً دخل فيه القائم، والحادث
عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يدخل فيه الحَادِث، وله أن يرده وهو قول زفر.
وجه قول محمد: أن الإبراء عن العيب يقتضي وجُود العيب؛ لأن الإبراء عن المعدوم لا
يتصور، والحادث لم يكن موجوداً عند البيع، فلا يدخل تحت الإبراء، فلو دخل إنما يدخل
بالإضافة إلى حاله الحدوث، والإبراء لا يحتمل الإضافة؛ لأن فيه معنى التمليك حتى يرتد
بالرد؛ ولهذا لم يذْخُل الحادث عند الإضافة إليه نصاً فعند الإطلاق أولى.
وجه قول أبي يوسف: أن لفظ الإبراء يتناول الحادِث نصاً ودلالة، أما النص فإنه عم
البراءة عن العيوب كلها أو خصَّها بجنس من العُيُوب على الإطلاق نصاً، فتخصيصه أو تقييده
بالموجود عند العَقد لا يجوز إلا بدليل.
وأما الدلالة فهي أن غرض البائع من هذا الشَّرط هو انسداد طريق الرد، ولا ينسد إلا
بدخول الحادث، فکان داخلاً فيه دلالة.
وأما قول محمد: إن هذا إبراء عما ليس بثابت، فعبارة الجواب عن هذا الحرف من
وجهين: (أحدهما): أن يقال هذا ممنوعٌ، بل هو إبراء عن الثابت. لكن تقديراً وبيانه من
و جھین :
أحدهما: أن العيب الحادث قبل القَبْض كالموجود عند العَقْد، ولهذا يثبت حق الرد به
كما يثبت بالموجود عند العقد، ولما ذكرنا أن للقَبْض حكم العَقْد، فكان هذا إبراء عن حق
ثابت تقديراً.
والثاني: أن سبب حق الرد مؤجُود وهو البيع؛ لأن البيع يقتضي [وجوب](١) تسليم
المعقود عليه سليماً عن العيب، فإذا عجز عن تَسْليمه بصفة السلامة يثبت له حق الرد ليسلم له
الثمن، فكان وجود تسليم المبيع سبباً لثبوت حق الردّ، والبيع سبب لوجود تسليم المبيع،
فكان ثبوت حق الرد بهذه الوسائط حُكْم البيع السابق، والبيع سبب فكان هذا إبراء عن حق
الرد بعد وجود سببه، وسبب الشيء إذا وجد يجعل هو ثابتاً (٢) تقديراً لاستحالة خلو الحكم عن
(١) سقط في ط.
(٢) في ط: ثبوتاً.

٣١٧
كتاب البيوع
السَّبب، فكان/ إبراء عن الثابت تقديراً؛ ولهذا صح الإبراء عن الجراحة لِكَوْن الجرح سبب ١٤٦/٣ب
السراية، فكان إبراء عما يحدث من الجرح تقديراً.
وكذا الإبراء عن الأجرة قبل استيفاء المنفعة يصحُّ، وإن كانت الأجرة لا تملك عندنا
بنفس العَقْد لما قلنا كذا هذا.
والثاني: أن هذا إبراء عن حق ليس بثابت، لكن بعد وجود سَبَبه وهو البيع وأنه صحبح
كالإبراء عن الجرح، والإبراء عن الأجرة على ما بينا بخلاف الإبراء عن كل حق له ــ أنه لا
يتناول الحادث؛ لأن الحادث معدُوم للحال نفسه وبسببه، فلو انصرف إليه الإبراء لكان ذلك
إبراءَ عمَّا ليس بثابت أصلاً لا حقيقة ولا تقديراً؛ لانعدام سبب الحق فلم ينْصَرف إليه .
وقوله: لو تناول الحادث، لكان هذا تعليق البراءة بشَرْط أو الإضافة إلى وقت ممنوع،
بل هذا إبراء عن حق ثابت وقت الإبراء تقديراً لما بينا من الوَجْهين، فلم يكن هذا تعليقاً ولا
إضافة، فيصحُّ والله عز وجل أعلم.
وإن أضافها إلى عيب حادث بأن قال: على أني بريء من كل عَيْب يحدث بعد البيع
- فالبيع بهذا الشرط فاسد عندنا؛ لأن الإبراء لا يحتمل الإضافة؛ لأنه وإن كان إسقاطاً ففيه
معنى التمليك؛ ولهذا لا يختَمل الارتداد بالرد، ولا يحتمل الإضافة إلى زمان في المستقبل
نصاً، كما لا يحتمل التعليق بالشرط، فكان هذا بيعاً أدخل فيه شرطاً فاسداً، فيوجب فساد
البيع .
ولو اختلفا في عيب فقال البائع: هو كان موجوداً عند العقد، فدخل تحت البراءة، وقال
المشتري: بل هو حادث لم يدخل تحت البراءة، فإن كانت البراءة مطلقة فهذا لا يتفرَّع على
قول أبي يوسف؛ لأن العَيْب الحادث داخل تحت البراءة المطلقة عنده، فأما على قول محمد
فالقول قول البَائِع مع يمينه، وقال زفر والحَسَن بن زياد: القول قول المشتري.
وجه قولهما: أن المشْتَري هو المبري؛ لأن البراءة تُسْتَفاد من قبله، فكان القول فيما أبرأ
قوله .
وجه قول محمد: أن البَرَاءة عامة، والمشْتَرِي يدعي حق الردّ بعد عموم البراءة عن حق
الرد بالعيب والبائع ينكر، فكان القول قوله كما لو أبرأ عن الدعاوى كلها، ثم ادعى شيئاً مما
في يدِه وهو ينكر - كان القول قوله دون المشْتَري، لما قلنا كذا هذا.
ولو كانت مقيدة بعيب يكون عند العَقْد، فاختلف البائع والمشتري على نحو ما ذكرنا
- فالقول قول المشْتَري؛ لأن البراءة المقيدة بحال العقد لا تتناول إلا الموجود حالة العقد،
والمشتري يدعي العيب لأقرب الوَقْتين، والبائع يدعيه لا بعدهما، فكان الظَّاهر شاهداً
١١٤٧/٣

٣١٨
کتاب البيوع
للمشْتَري؛ وهذا لأن عدم العيب أصل والوجود عارض، فكان إحالة الموجود إلى أقرب
الوقتين أقرب إلى الأصل والمشتري يدعي ذلك، فكان القول قوله.
ولو اشترى عبداً وقبضه فساومه رجل، فقال المشْتَري: اشتراه فإنه لا عيب به، ثم لم
يتفق البيع بينهما، ثم وجد المشتري به عيباً، وأقام البيّنة على أن هذا العيب كان عند البائع،
فقال له البائع: إنك أقررت أنه لا عيب به فقد أكذَبْتَ شهودك، لا يبطل بهذا الكلام حقه في
الردّ بالعَيْب، وله أن يرده؛ لأن مثل هذا الكلام في المتعارف لا يراد به حقيقة، وإنما يذكر
لترويج السِّلعة؛ ولأن ظاهره كذب؛ لأنه نفي عنه العيوب كلها والآدمي لا يخلو عن عيب،
فالتَّحَق بالعدم وصَار كأنه لم يتكلم به .
ولو عين نوعاً من العيوب؛ بأن قال: اشتراه - فإنه ليس به عيب كذا ثم وجد به عيباً
وأراد الردّ؛ فإن كان ذلك نوعاً آخر سوى النوع الذي عينه له أن يرده؛ لأنه لا إقرار منه بهذا
النَّوع، وإِن كان من النَّوع الذي عين ينظر إن كان مما يحدث مثله في مثل تلك المدّة ليس له
حق الرد؛ لأن مثل هذا الكلام يراد به التحقيق في المتعارف لا تَزويج السلعة فصار مناقضاً؛
ولأن الآدمي [لا](١) يخلو عن عيب معيّن فلم یتعین بگذِبه.
وإن كان مما لا يحدث مثله في مثل تلك المدَّة له حق الرد؛ لأنا تيقنًا بكذبه حقيقة،
فالتحق كلامه بالعدم.
١٤٧/٣ ب
ولو أبرأه عن عيب واحد شجة أو جرح فوجد شجَّين أو/ جرحين - فعلى قول أبي
يوسف: الخيار للبائع يبرأ من أيهما شاء، وعلى قول محمد: الخيار للمشتري يرد أيهما شاء،
وفائدة هذا الاختلاف إنما تظهر عند امْتِناع الرد باعتراض أسباب الامتناع من هلاك المبيع، أو
حدوث عَيْب آخر في يدي المشتري أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الرد، وأراد الرُّجوع
بنقصان العيب، فأما عند إمكان الرد، فلا تظهر فائدة في هذا الاختلاف.
وجه قول محمد: أن الإبراء يُسْتفاد من قبل المشْتَري والاحتمال(٢) جاء من قبله حيث
أطلق البراءة إلى شجة واحدة غير عين، وإذا كان الإجمال منه كان البيان إليه.
وجه قول أبي يوسف: أن الإبراء وإن كان من المشْتَري لكن منفعة الإبراء عائدة إلى
البائع، فصار كأن المشتري فوض التعيين إليه فَكَان الخيار له.
ولو أبرأه من كل داء، روى الحَسَن عن أبي حنيفة: أنه يقع عن الباطن، لأن الظاهر
یسمی مرضاً لا داء.
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: والإجمال.

٣١٩
كتاب البيوع
وروي عن أبي يوسف: أنه يقع عن الظاهر والباطن جميعاً؛ لأن الكل داء، ولو أبرأه من
كل غائلة فهي على السرقة والأباق والفُجور، وكل ما كان من فعل الإنسان مما يعده التجار
عيباً.
كذا روي عن أبي يوسف؛ لأن الغائلة هي الخيانة(١) وهي التي تكتب في عهدة المماليك
لا داء ولا غائلة، على ما كتب رسول الله - وَل ـ حينما اشترى عبداً أو أمة، وهذا ما اشترى
محمَّد رسول الله - ◌َ * - من العداء بن خالد بن هوذة عبداً أو أمة لا داء به ولا غائلة بيع
المسلم من المسلم، والله عزَّ وجل أعلم.
وأما طريق إثبات العَيْب فلا يمكن الوُصُول إلى [معرفته إلا بعد](٢) معرفة أقسام العيوب؛
لأن طريق إثبات العَيْب يختلف باختلاف العيب، فنقول وبالله التوفيق.
العيب لا يخلو إما أن يكون ظاهراً شاهداً يقف عليه كل أحد؛ كالأصبع الزائدة والناقصة
والسن الشَّاغية والساقطة وبياض العين والعور والقروح والشجاج ونحوها، وإما أن يكون باطناً
خفياً لا يقف عليه إلا الخواص من الناس وهم الأطباء والبياطرة.
وإما أن يكون مما لا يقف عليه إلا النساء؛ بأن كان على فرج الجارية أو مواضع العَوْرة
منها، وإما أن يكون مما لا يقف عليه النساء بأن كان داخل الفرج، وإما أن يكون مما لا يَقِف
عليه إلا الجارية المشْتَراة؛ كارتفاع الحيض والاستحاضة، وإما أن يكون مما لا يوقف عليه إلا
بالتَّجربة والامتحان عند الخصومة؛ كالأباق والسرقة والبول على الفراش والجنون، والمشْتَري
لا يخلو إما أن يريد إثبات كون العَيْب في يده للحال، وإما أن يريد إثبات كونه في يد البائع
عند البيع والقبض.
فإن أراد إثبات كونه للحَال فإن كان يوقف عليه بالحسِّ والعيان؛ فإنه يثبت بنظر القاضي
أو أمينه؛ لأن العيان لا يحتاج إلى البيان، وإن كان لا يقف عليه إلا الأطباء والبياطرة، فيثبت
لقوله عز وجل: ﴿فَاسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وهم في هذا الباب من
أهل الذكر فيسألون.
وهذ يشترط فيه العدد؟ ذكر الكرخي في مختصره أنه يشترط فلا يثبت إلا بقول اثنين
منهم من أهل الشهادة، وهكذا ذكر القَاضِي [الإمام](٣) الأسبيجابي(٤) في شرحه مختصر
الطحاوي.
(١) في ط: الجناية .
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: الاستيجابي.

٣٢٠
كتاب البيوع
وذكر شيخي الإمام الزاهد علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي - رحمه الله - في
بعض مصنفاته: أنه ليس بشرط ويثبت بقول مسلم عدل منهم، وكذا ذكر الشيخ الإمام الزاهد
أبو المُعِين في الجامع الكبير من تصانيفه.
وجه هذا القول: أن هذه الشهادة لا يتَّصل بها القضاء، وإنما تصح بها الخصومة فقط،
فلا يشترط فيها العدد؛ وهذا لأن شَرْط العدد في الشَّهادة تثبت تعبدا غير معقول المعنى؛ لأن
رجحان جانب الصدق على جانب الكَذِب فيخبر المسلم لا يقف على العدد، بل يثبت بنفس
العدالة، إلا أن الشّرع ورد به تعبداً فيراعي فيه مورد التعبد، وهو شهادة يتّصل بها القضاء،
وهذا شهادة لا يتصل بها القَضَاء فبقيت على أصل القياس.
وحجَّة القول الأول: النصوص المقتضية لاعتبار العدد في عموم الشهادة والمعقول الذي
١٤٨/٣أ ذكرناه/ في كتاب الشَّهادات؛ ولأن هذه الشَّهادة وإن كان لا يتصل بها القضاء، لكنها من
ضرورات القضاء لا وُجُود للقضاء بدونها؛ ألا ترى أنه ما لم يثبت العيب عند البائع
والمشتري، فالقَاضِي لا يقضي بالرد، فكان من ضرورات القضاء، فيشْتَرط فيها العدد كما
يشترط في الشهادة [القائمة](١) على إثبات العيب عند البائع.
وإن كان مما لا يطلع عليه إلا النّساء، فالقاضي يريهن ذلك لقول عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] والنِّساء فيها لا يطلع عليه الرجال أهل الذكر، ولا
يشترط العدد منهن، بل يكتفي بقول امرأة واحدة عدل والثنتان أحوط؛ لأن قولهما فيما لا
يطلع عليه الرجال حجة في الشرع؛ كشهادة القابلة في النسب، لكن لا بد من العدالة؛ لأن هذا
يرجح جانب الصّدق على جانب الكذب في الخبر، ولا يثبت بقول المشتري، وإن كان يطَّلع
عليه؛ لأن النّظر إلى موضع العيب له؛ لأنه متهم في هذا الباب ولا تهمة فيهن، ورخصة النظر
ثابتةٌ لهن حالة الضرورة على ما ذكرنا في كتاب الاستحسان، فيلحق هذا بما لا يطّلع عليه
[إلا] (٢) النساء لما قلنا.
وإن كان لا يطلع عليه إلا الجَارِية المشتراه، فلا يثبت بقولها لكونها متّهمة؛ وإن كان في
داخل فرجها، فلا طريق للوقُوف عليه أصلاً، فكان الطَّريق في هذين النوعين هو استحلاف
البائع بالله عز وجل لَيْس به للحال هذا العيب.
وأما الأباق والسرقة والبول في الفراش والجنون فلا يثبت إلا بشَهَادة رجلين أو رجل
وامرأتين، لأن هذا مما لا يوقف عليه إلا بالخبر، ولا ضَرُورة فيه، فلا بد من اعتبار العدد فيه
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.