Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب البيوع فالسلم ماض، سواء كان قبل الافتراق أو بعده؛ لأنه ظهر أن القبض كان صحيحاً، ولا سبيل للمشتري على المقْبُوض ويرجع على الناقد بمثله؛ لأنه أتلفه بالتسليم وهو مثلى فيرجع عليه بمثله وإِن لم يجز، فإِن كان قبل الافتراق واستبدل في المجلس - فالسلم ماض؛ لأن رأس المال إِذا كانَ ديناً، كان الواجب في ذمة رب السلم مثل المستحق لا عينه، فقبض المستحق إِن لم يصح أو انتقض بالاستحقاق وعدم الإجازة يقوم قبض مثله مقامه، فيرجع عليه بمثله ويلحق ذلك الذي كان بالعَدَم؛ كأنه لم يقبض وأخر القبض فيه إِلى آخر المجلس، بخلاف ما إذا كان عيناً؛ لأن المستحق هناك قبض العين وقد انتقض القبض فيه بالاستحقاق، وتعذر إِقامة قبض غيره مقامه، فجعل(١) الافتراق لا عن قَبْض، فيبطل العقد، وإِن كان بعد الافتراق يبطل السلم؛ لأنه تبين أن الافتراق حصل لا عن قبض رأس المال. هذا إذا وجده مستحقاً، فأما إذا وجده زيوفاً أو نبهرجة، فإن تجوز المسلم إليه فالسلم ماض على الصِّحة، سواء وجده قبل الافتراق أو بعده؛ لأن الزيوف من جنس حقه؛ لأنها دراهم لكنها معيبة بالزيافة وفوات صفة الجودة، فإذا تجوز به فقد أبرأه عن العيب/ ورضي ٣/ ١٠٤ب بقبض حقُّه مع النُّقصان، بخلاف الستوق فإنه لا يجوز به، وإِن تجوز به، لأنه ليس من جنس الدَّراهم على ما نذكره، وإن لم يتجوز به ورده؛ فإن كان قبل الافتراق واستبدله في المجلس، فالعقد ماض، وجعل كأنه أخر القبض إلى آخر المجلس، وإِن كان بعد الافتراق، بطل السلم عند أبي حنيفة وزفر، سواء استبدل في مجلس الرد أو لا، وعند أبي يوسف ومحمد: إن لم يستبدل في مجلس الرد فكذلك، وإن استبدل لا يبطل السلم. وجه قولهما: أن قبض الزيوف وقع صحيحاً؛ لأنه قبض جنس الحق، ألا يرى أنه لو تجوز بها جاز، ولو لم يكن من جِئْس حقه لما جاز. كالستوق، إلا أنه فاتته صفة الجودة بالزيافة فكانت من جنس حقه أصلاً لا وصفاً، فكانت الزيافة فيها عيباً، والمعيب لا يمنع صحّة القبض؛ كما في بيع العين إذا كان المبيع معيباً، وبالرد ينتقض القَبْض لكن مقصوراً على حالة الردّ، ولا يستند الانتقاض إلى وقت القبض، فيبقى القبض صحيحاً كان ينبغي ألاَّ يشترط قبض بدله في مجلس الرد؛ لأن المستحق بعقد السلم القبض مرة واحدة، إلا أنه شرط؛ لأَن للرد شبهاً بالعقد حيث لا يجب القبض في مجلس الرد إِلا بالرد؛ كما لا يجب القبض في مجلس العقد إلا بالعقد، فألحق مجلس الرد بمجلس العقد. وجه قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله -: أن الزيوف من جنس حق المسلم إليه، لكن أصلاً لا وصفاً؛ ولهذا ثبت له حق الرد بفوات حقه عن الوصف، فكان حقه في الأصل (١) في أ: فحصل. ١٢٢ كتاب البيوع والوصف جميعاً، فصار بقبض الزيوف قابضاً حقه من حيث الأصل لا من حيث الوصف، إِلا أنه إذا رضي به فقد أسقط حقَّه عن الوصف، وتبين أن المستحق هو قبض الأصل دون الوصف لإبرائه إياه عن الوصف، فإذا قبضه فقد قبض حقه فيبطل المستحق، وإِن لم يرض به تبين أنه لم يقبض حقه؛ لأَن حقه في الأصل والوصف جميعاً؛ فتبين أن الافتراق حَصَل لا عن قبض رأس مال السلم. هذا إذا وجده زيوفاً أو نبهرجة، فأما إذا وجده ستوقاً أو رصاصاً فإن وجده بعد الافتراق - بطل السلم؛ لأن الستوق ليس من جنس الدَّراهم. ألا ترى أنها لا تروج في معاملات النَّاس، فلم تكن من جِنْس حقه أصلاً ووصفاً، فكان الافتراق عن المجلس لا عن قبض رأس المال - فيبطل السلم وسواء تجوز به أو لا؛ لأنه إذا لم يكن من جنس حقه كان التجوُّز به استبدالاً برأس مال السلم قبل القبض، وأنه لا يجوز، بخلاف الزيوف فإِنها من جنس حقه على ما بيَّنا، وإِن وجده في المجلس فاستبدل. فالسلم ماض، لأَن قبضه وإِن لم يصح فقد بقي الواجب في ذمَّة رب السلم دراهم هي حق المسلم إليه، فإذا قبضها فقد قبض حقه في المجلس والتحق قبض الستوق بالعدم؛ كأنه لم يقبض أصلاً، وأخر قبض رأس المال إلى آخر المجلس. وكذا في الصَّرف، غير أن هناك: إِذا ظهر أن الدراهم ستوقة أو رصاص بعد الافتراق عن المجلس حتى بطل الصَّرف - فقابض الدِّينار يستردّ دراهمه الستوقة، وقابض الدراهم يسترد من قابض الدينار عين ديناره إِن كان قائماً، ومثله إن كان هالكاً، ولا خيار لقابض الدينار؛ كذا ذكر محمد في الأَصْل؛ لأنه إذا ظهر أن المقبوض ستوقة أو رصاص، فقد ظهر أن قبضه لم يصحّ، فتبين أن الافتراق حَصَل لا عن قبض، فيبطل السَّلم وبقي الدينار في يده من غير سبب شرعي، فأشبه يد الغصب واستحقاق المبيع في بيع العين، وهناك يسترد عينه إِن كان قائماً، كذا ههنا. وطعن عيسى بن أبان وقال: ينبغي أن يكون قابض الدِّينار بالخيار، إِن شاء رد عين الدينار وإن شاء رد مثله، ولا يستحق عليه رد عين الدِّينار، وإن كان قائماً؛ لأنه لم يكن متعيناً في العقد فلا يكون متعيناً في الفسخ. والاعتبار باستحقاق المبيع غير سديد؛ لأن هناك ظهر بطلان العقد من الأصل؛ لأنه إِذا لم يجز المستحق تبين أن العقد وقع باطلاً من حين وجوده، وهناك العقد وقع صحيحاً، وإِنما بطل في المستقبل لعارض طرأ عليه بعد الصّحة، فلا يظهر بطلانه من الأصل. وبعض مشايخنا أخذوا بقول عيسى ونَصَروه، وحملوا [عليه](١) جواب الكتاب على ما ١١٠٥ إِذا اختار قابض الدِّينار رد عين/ الدِّينار، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) سقط من ط. ١٢٣ كتاب البيوع هذا الذي ذكرنا إِذا وجد المسلم إليه كل رأس المال مستحقاً أو معيباً أو زيوفاً أو ستوقاً، أما إذا وجد بعضه دون بعض ففي الاسْتِخقَّاق إِذا لم يجز المستحق ينقص العقد بقدر المسْتَحِقّ، سواء كان رأس المال عيناً أو ديناً بلا خلاف؛ لأن القبض انتقص فيه بقدره، وكذا في الستوق والرصاص، فبطل العقد بقدره قليلاً كان أو كثيراً بالإِجماع لما قلنا؛ وكذا هذا في الصَّرف، غير أن هناك قابض الستوقة يصير شريكاً لقابض الدينار في الدِّينار الذي دفعه بدلاً عن الدراهم، فيرجع عليه بعينه، وعلى قول عيسى: قابض الدِّينار بالخيار على ما ذكرنا. وأما في الزيوف والنبهرجة: فقياس قول أبي حنيفة - رحمه الله -: أن ينقض العقد بقدره إِذا لم يتجوز ورده استبدل في مجلس الردّ أو لا، وهو قول زفر؛ لأنه تبين أن قبض المردود لم يصحّ، فتبين أن الافتراق حَصَل لا عن قبض رأس المال في قدر المردُود، فيبطل السلم بقدره إلا أنه استحسن في القليل، وقال: إِن كان قليلاً فرده واستبدل في ذلك المجلس - فالعقد ماضٍ في الكل، وإِن كان كثيراً، يبطل العقد بقدر المردود؛ لأن الزيافة في القليل مما لا يمكن التحرُّز عنه؛ لأن الدراهم لا تخلو عن ذلك، فكانت ملحقة بالعدم بخلاف الكثير. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الحد الفاصل بين القليل والكثير، مع [أن](١) اتفاق الروايات على أن الثلث قليل، وفي رواية عنه: أن ما زاد على الثلث يكون كثيراً، وفي رواية: النصف، وفي رواية عنه: الزائد على النصف؛ وكذا هذا في الصَّرف، غير أن هناك إِذا كثرت الزيوف فرد حتى بطل العقد في قدر المردود عند أبي حنيفة - يصير شريكاً لقابض الدينار، فيسترد منه عينه، وعلى قول عيسى: قابض الدينار بالخيار على ما بيَّنا؛ ولو كان تصرف فيه أو أخرجه عن ملكه، لا يفسخ عليه تصرفه وعليه مثله كما في البيع الفاسد على ما مرّ. وكل جواب عرفته في السلم والصَّرف فهو الجواب في عقد تتعلق صحّته بالقبض قبل الافتراق مما سوى الصّرف والسلم؛ كمن كان له على آخر دنانير فصالح منها على دراهم، أو كان له على آخر مكيل أو موزون موصوف في الذمة أو غيرهما مما يثبت مثله في الذمَّة ديناً، فصالح منها على دراهم أو نحو ذلك من العقود، ممَّا يكون قبض الدراهم فيه قبل الافتراق عن المجلس شرطاً لصحة القعد، فقبض الدراهم ثم وجدها مستحقّة أو زيوفاً أو نبهرجة أو ستوقة أو رصاصاً كلها أو بعضها، قبل الافتراق أو بعده، والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا تخرج مقاصة(٢) رأس مال السلم بدين آخر على المسلم إِليه؛ بأن وجب على المسلم إِليه دين مثل رأس المال؛ أنه هل يصير رأس المال قصاصاً بذلك الدين أم لا، فهذا لا يخلو إما أن وجب دين آخر بالعقد، وإما أن وجب بعقد متقدم على عقد السلم، وإما أن وجب (١) سقط من ط . (٢) مقاصة: قصاص. ١٢٤ كتاب البيوع بعقد متأخر عنه؛ فإِن وجب بعقد متقدم على السلم؛ بأن كان ربَّ السلم باع المسلم إِليه ثوباً بعشرة دراهم ولم يقبض العشرة، حتى أسلم إليه عشرة دراهم في كر حنطة، فإِن جعلا الدينين قصاصاً أو تراضياً بالمقاصة - يصير قصاصاً، وإِن أبى أحدهما لا يصير قصاصاً، وهذا استحسان، والقیاس ألاًّ يصير قصاصاً كيف ما كان، وهو قول زفر. وجه قوله: أن قبض رأس المال شرط؛ والحاصل بالمقاصة ليس بقبض حقيقة، فكان الافتراق حاصلاً لا عن قبض رأس المال، فبطل السلم. ولنا: أن العقد ينعقد موجباً للقبض حقيقة لولا المقاصة، فإذا تقاصا تبين أن العقد انعقد موجباً قبضا بطريق المقاصة وقد وجد، ونظيره ما قُلْنا في الزيادة في الثَّمن والمثمن: أنها جائزة استحساناً، وتلتحق بأصل العقد؛ لأن بالزيادة تبين أن العقد وقع على المزيد عليه وعلى الزيادة جميعاً، كذا هذا. وإِن وجب بعقد متأخّر عن السلم لا يصير قصاصاً، وإِن جعلاه قصاصاً إلا رواية عن أبي ١٠٥/٣ ب يوسف شاذة؛ لأن بالمقاصة لا يتبين أن العقد وقع موجباً قبضاً بطريق المقاصة/ من حين وجوده؛ لأن المقاصة تستدعي قيام دينين، ولم يكن عند عقد السلم إِلا دين واحد، فانعقد موجباً حقيقة القبض، وأنه لا يحصل بالمقاصة. هذا إذا وجب الدين بالعقد، فأما إذا وجب بالقبض كالغصب والقرض فإنه يصير قصاصاً أو لا، بعد أن كان وجوب الدّين الآخر متأخراً عن العقد؛ لأن العقد إِن انعقد موجباً قبضاً حقيقة فقد وجد ههنا، لكن قبض الغصب والقرض قبض حقيقة، فيجعل عن قبض رأس المال؛ لأنه واجب وقبض الغصب محظور، وقبض القرض ليس بواجب فكان إيقاعه عن الواجب أولى بخلاف ما تقدم؛ لأن هناك لم يوجد القبض حقيقة، والقبض بطريق المقاصة يمكن في أحد الفصلين دون الآخر، على ما بيَّنا والله عز وجل أعلم. هذا إِذا تساوى الدينان، فأما إذا تفاضلا بأن كان أحدهما أفضل والآخر أدون، فرضي أحدهما بالقصاص وأبى الآخر؛ فإنه ينظر إِن أبى صاحب الأفضل لا يصير قصاصاً؛ لأن حقه في الجودة معصوم محترم، فلا يجوز إِبطاله عليه من غير رضاه، وإِن أبى صاحب الأدون يصير قصاصاً؛ لأنه لما رضي به صاحب الأفضل فقد أسقط حقه عن الفضل، كأنه قضى دينه فأعطاه أجود مما عليه، وهناك يجبر على الأخذ؛ كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم. وكذلك المقاصة في ثمن الصّرف تخرج على هذه التّفاصيل التي ذكرناها في رأس مال السلم، فافهم والله الموفق للصواب. ثم ما ذكرنا في اعتبار هذا الشَّرط وهو قبض رأس المال حال بقاء العقد، فأما بعد ١٢٥ كتاب البيوع ارتفاعه بطريق الإقالة أو بطريق آخر - فقبضه ليس بشَرْط في مجلس الإقالة بخلاف القبض في مجلس العقد وقبض بدل الصَّرف في مجلس الإِقالة؛ أنه شرط لصحة الإقالة كقبضهما في مجلس العقد. ووجه الفرق: أن القبض في مجلس العقد في البابين ما هو شرط لعينه، وإنما هو شرط للتَّعيين، وهو أن يصير البدل معيناً بالقبض صيانة عن الافتراق عن دين بدين على ما بينا، ولا حاجة إلى التَّعيين في مجلس الإقالة في السلم؛ لأنه لا يجوز استبداله، فيعود إليه عينه، فلا تقع الحاجة إلى التَّعيين بالقبض، فكان الواجب نفس القبض، فلا يراعى له المجلس بخلاف الصرف؛ لأن التعيين لا يحصل إلا بالقبض؛ لأن استبداله جائز، فلا بد من شرط القبض في المجلس ليتعيَّن، والله أعلم. فصل [في الذي يرجع إلى المسلم] وأما الذي يرجع إلى المسلم فأنواع أيضاً: منها أن يكون مغلُوم الجنس؛ كقولنا: حنطة، أو شعير، أو تمر. ومنها أن يكون مغلُوم النوع؛ كقولنا: حنطة سقية أو نحسية، تمر برني أو فارسي هذا إذا كان مما يختلف نوعه، فإن كان مما لا يختلف، فلا يشترط بيان النَّوع. ومنها أن يكون مغلُوم الصِّفة، كقولنا: جيد، أو وسط، أو رديء. ومنها أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الزرع؛ لأن جهالة النَّوع والجنس والصفة والقدر جهالة مفضية إلى المنازعة، وأنها مفسدة للعقد. وقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ، فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُوم إِلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»(١) . ومنها أن يكون معلوم القَدْر بكيل أو وزن أو ذرع يؤمن عليه فقده عن أيدي الناس، فإِن كان لا يؤمن فالسلم فاسد؛ فإن(٢) أعلم قدره بمكيال لا يعرف عياره؛ بأن قال: بهذا الإِناء ولا يعلم كم يسع فيه، أو بحجر لا يعرف عياره؛ بأن قال: بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه، أو بخشبة لا يعرف قدرها؛ بأن قال: بهذه الخشبة ولا يعرف مقدارها، أو بذراع يده، ولو كان هذا في بيع العين؛ بأن قال: بعتك من هذه الصّبرة ملء هذا الإِناء بدرهم، أو من هذا الزيت وزن هذا الحجر بدرهم - يجوز في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله -: أنه لا يجوز في بيع العين أيضاً؛ كما لا يجوز في السلم، وروي عن أبي يوسف أنه كان يقول أولاً: لا يجوز، ثم رجع وقال: يجوز. (٢) في ط: بأن (١) تقدم ١٢٦ كتاب البيوع وجه هذه الرواية: أن هذا البيع مكايلة، والعلم بمقدار المبيع في بيع المكايلة شرط ١١٠٦/٣ الصحة، ولم يوجد فيفسد؛ كما لو باع قفزاناً من هذه الصبرة ولظاهر/ الرواية الفرق بين السلم وبین بیع العین. ووجه الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن التَّسليم في باب السلم يجب عقيب العقد، وإنما يجب بعد محل الأجل، فيحتمل أن يهلك(١) الإناء قبل محل الأجل، وهذا الاحتمال إِن لم يكن غالباً فليس بنادر أيضاً، وإذا هلك يصير السلم فيه مجهول القدر بخلاف بيع العين؛ لأنه يوجب التسليم عقيب العقد، وهلاك القفيز عقيب العقد بلا فصل نادر، والنادر ملحق بالعدم، فلا يصير المبيع مجهول القدر. والثاني أن القُدْرة على تسليم المبيع شرط انعقاد العقد وصحته، والقدرة على التَّسليم عند العقد فائتة في باب السَّلم؛ لأن السلم بيع المفاليس، وفي ثبوت القدرة عند محل الأجل شك قد تثبت وقد لا تثبت؛ لأنه إِن بقي المكيال والحجر والخشبة تثبت، وإِن لم يبق لا يقدر، فوقع الشك في ثبوت القدرة فلا تثبت بالشك على الأصل المعهود في غير الثابت بيقين إِذا وقع الشّك في ثبوته؛ أنه لا يثبت بخلاف بيع العين، لأن هناك القدرة على التَّسليم ثابتة عند العقد، وفي فواتها بالهلاك شك، فلا تفوت بالشكّ على الأصل المعهود في الثابت بيقين إِذا وقع الشك في زواله؛ أنه لا يزول بالشك. وأما قوله: أن العلم بمقدار المبيع في بيع المكايَلة شرط الصِّحة فنقول: العلم بذلك لا يشترط لعينه، بل لصيانة العقد عن الجهالة المفْضِية إلى المنازعة، وهذا النوع من الجِهَالة لا يفضي إلى المنازعة لإِمكان الوصول إلى العلم بقدر المبيع بالكَيْل للحال، بخلاف بيع قفزان من الصبرة، لأن هناك لا طريق للوصول إلى العلم بمقدار المبيع، فالمشتري يطالبه بزيادة والبائع لا يعطيه، فيتنازعان فكانت الجهالة مفضية إلى المنَازَعة، فهو الفرق بين الفصلين، وقيل: إِنما يجوز هذا في بيع العين إذا كان الإِناء من خزف أو خشب أو حديد أو نحو ذلك؛ لأنه لا يحتمل الزيادة والنقصان. وأما إذا كان مثل الزنبيل(٢)، والجوالق(٣)، والغرارة (٤)، ونحو ذلك - فلا يجوز؛ لأنه يحتمل الزيادة والنقصان، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) في ط: يملك. (٢) الزنبيل: القُفَّة. (٣) الجوالق: الغرارة. (٤) الغرارة: وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح، ونحوه، وهو أكبر من الجوالق. المعجم (غرر) ١٢٧ كتاب البيوع ولو کان المسلم فيه مکیلاً فأعلم قدره بالوزن المعلوم، أو كان موزناً فأعلم قدره بالكيل المعلوم - جاز؛ لأن الشرط كونه معلوم القدر بمعيار يؤمن فقده، وقد وجده بخلاف ما إذا باع المكيل بالمكيل وزناً بوزن متساوياً في الوزن، أو باع الموزون بالموزون كيلاً بكيل متساوياً في الكيل - أنه لا يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو الوزن؛ لأن شرط جواز السلم كون المسلم فيه معلوم القدر، والعلم بالقدر كما يحصّل بالكيل يحصل بالوزن، فأما شرط الكَيْل والوزن في الأشياء التي ورد الشّرع فيها باعتبار الكيل والوزن في بيع العين - ثبت نصاً فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفة، فلا يجوز، أما في باب السّلم فاعتبار الكيل والوزن لمعرفة مقدار المسلم فيه، وقد حصل والله عز وجل أعلم. ومنها أن يكون مما يمكن أن يضبط قدره وصفته بالوصف، على وجه لا يبقى بعد الوصف إِلا تفاوت يسير، فإِن كان مما لا يمكن ويبقى بعد الوصف تفاوت فاحش - لا يجوز السلم فيه؛ لأنه إذا لم يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف يبقى مجهول القدر أو الوصف جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة، وأنها مفسدة للعقد. وبيان ذلك: أنه يجوز السلم في المكيلات والموزونات التي تحتمل التَّعيين والعدديات المتقاربة، أما المكيلات والموزونات؛ فلأنها ممكنة الضَّبط قدراً وصفة على وجه لا يبقى بعد الوصف بينه وبين جنسه ونوعه إِلا تفاوت يسير؛ لأنها من ذوات الأمثال. وكذلك العدديات المتقاربة من الجوز والبيض؛ لأن الجهالة فيها يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، وصغير الجوز والبيض وكبيرهما سواء؛ لأنه لا يجري التنازع في ذلك القدر من التَّفاوت بين الناس عادة، فكان ملحقاً بالعدم، فيجوز السلم فيها عدداً وكذلك كيلاً، وهذا عندنا، وقال زفر: لا يجوز . . · وجه قوله: أن الجوز والبيض مما يختلف ويتفاوت في الصِّغر والكبر، حتى يشتري الكبير منها بأكثر مما يشتري الصَّغير، فأشبه البطيخ والرمان. ولنا: أن التفاوت بين صغير الجوز/ وكبيرة يسير أعرض الناس عن اعتباره، فكان ساقط ١٠٦/٣ب العبرة؛ ولهذا كان مضموناً بالمثل عند الإتلاف بخلاف الرمان والبطيخ، فإن التفاوت بين آحاده تفاوت فاحش؛ ولهذا كان مضموناً بالقيمة. وأما السلم في الفلوس عدداً فجائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا يجوز؛ بناء على أن الفلوس أثمان عنده، فلا يجوز السلم فيها كما لا يجوز السّلم في الدراهم والدنانير، وعندهما: ثمنيتها ليست بلازمة، بل تحتمل الزوال؛ لأنها ثبتت بالإصطلاح فتزول بالإصطلاح، وإقدام العاقدين على عقد السلم فيها مع علمها أنه لا صحَّة للسلم في الأَثّمان ١٢٨ كتاب البيوع اتفاق منهما على إخراجها عن صفة الثمنية، فتبطل ثمنيتها في حق العاقدين سابقاً على العقد، وتصير سلعاً عددية فيصحُ السلم فيها؛ كما في سائر السلع العددية كالنصال ونحوها. وأما الذرعيات كالثياب والبسط والحصير والبواري ونحوها - فالقياس ألاَّ يجوز السلم فيها؛ لأنها ليست من ذوات الأمثال؛ لتفاوت فاحش بين ثوب وثوب؛ ولهذا لم تضمن بالمثل في ضمان العدديات بل بالقيمة، فأشبه السلم في اللآلئ والجواهر، إلا أنا استحسنا الجواز؛ لقوله - عز وجل - في آية الدّين ﴿وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ [سورة البقرة، ٢٨٢] والمكيل والموزون لا يقال فيه: الصغير والكبير، وإنما يقال ذلك في الذرعيات والعدديات؛ ولأن الناس تعاملوا السّلم في الثياب لحاجتهم إلى ذلك، فيكون إِجماعاً منهم على الجواز، فيترك القياس بمقابلته؛ ولأنه إذا بين جنسه وصفته ونوعه ورفعته وطوله وعرضه - يتقارب التفاوت، فليحق بالمثل في باب السلم شرعاً لحاجة الناس، ولا حاجة إلى الإلحاق بالمثل في باب الاستهلاك مع ما أن هذا الاعتبار غير سديد؛ لأنه قد يحتمل في المعاملات من التفاوت اليسير ما لا يحتمل مثله في الإِتلافات؛ فإن الأب إذا باع مال ولده بغَبْن يسير، جاز ولا یضمن. ولو أتلف عليه شيئاً يسيراً من ماله، يضمن فلا يستقيم الاستبدال. هذا إذا أسلم في ثوب الكرباس(١) أو الكتان، فأما إذا أسلم في ثوب الحرير، فهل يشترط فيه بيان الوزن بعد بيان الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض؟ إن كان مما تختلف قيمته باختلاف وزنه من القلة والكثرة، بعد التساوي في الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض يشترط؛ لأن بعد بيان هذه الأشياء تبقى جهالته مفضية إلى المنازعة، وإِن كان مما لا يختلف يجُوز؛ لأن جهالة الوزن فيه لا تفضي إلى المنازعة. ولا يجوز السلم في العدديات المتفاوتة من الحيوان والجواهر واللآلئ والجوز والجلود والأدم والرؤوس والأكارع والبطيخ والقثاء والرمان والسفرجل ونحوها من العدديات المتفاوتة؛ لأنه لا يمكن ضبطها بالوصف إذ يبقى بعد بيان جنسها ونوعها وصفتها وقدرها جهالة فاحشة مفضية إِلى المنازعة؛ لتفاوت فاحش بين جوهر وجوهر، ولؤلؤ ولؤلؤ، وحيوان وحيوان؛ وكذا بين جلد وجلد ورأس ورأس في الصغر والكبر والسمن والهزال، وقال الشافعي - رحمه الله -: يجوز السلم في الحيوان. وجه قوله: أن المانع من الجواز هنا جهالة المسلم فيه، وقد زالت ببيان الجنس والنوع (١) الكرباس: ثوب غليظ من القطن. المعجم الوسيط (كربس) ١٢٩ كتاب البيوع والصّفة والسن؛ لأَن الحيوان معلوم الجنس والنوع والصفة، فكان مضبوط الوصف والتفاوت فيما وراء ذلك لا يعتبر؛ ولهذا وجب ديناً في الذمة في النكاح فأشبه الثياب(١). (١) السلم في الحيوان مما اختلفت فيه أنظار العلماء بين يجوز ومانع حتى لو تعاقد شخص مع آخر في رمضان على أن يعطي أحدهما للآخر ثمناً معلوماً من مجلس العقد ليدفع له الثاني بعيراً معلوماً نوعه وصفته وسنه عند حلول عيد الأضحى. فإن الجمهور يرون أن هذا العقد قد توفرت فيه الشروط المتقدمة فلم يكن ثمّ مانع من جواز السلم فيه وممن يروي عنه هذا الرأي ابن مسعود وابن عباس وابن عمر. وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والزهري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور. بينما يرى فقهاء الحنفية والظاهرية والزيدية أن شروط السلم المتقدمة لا يمكن تحققها في العقد على الحيوان ومن ثمَّ لم يجيزوا السلم فيه وممن يروى عنه هذا الرأي عمر وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن جبير والشعبي والثوري وزيد بن علي الذي تنسب إليه طائفة الزيدية. وتلك أدلة الفريقين: أولاً : أدلة جمهور الفقهاء على جواز السلم في الحيوان. يمكن إرجاع قولهم بجواز السلم في الحيوان إلى دعويين. الأولى: أن الحيوان مما يثبت في الذمة . الثانية: أن الحيوان مما يمكن ضبطه بالوصف. فأن الدعوى الأولى وهي أن الحيوان مما يثبت في الذمة فاحتجوا عليها بما يأتي: ١- ما روي عن عبد الله بن عمر وأنه قال أمرني رسول الله و طيور أن أبعث جيشاً على إبل كانت عندي قال فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل وبقيت بقية منه الناس قال: فقلت يا رسول الله الإبل قد نفدت وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال لي: ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى تنفذ هذا البعث قال. وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاثة قلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذت ذلك البعث فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله وَلتر . ووجه الدلالة فيه: أن عبد الله بن عمر ولما أخذ البعير بالبعيرين وأقره رسول الله وير على ذلك كان عمله هذا جائزاً على أن أمر رسول الله وَل# له بالابتياع إلى إبل الصدقة بقوله: ابتع علينا إبلاً بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى تنفذ هذا البعث نص في المطلوب إذ لا يأمر رسول الله وَلّ إلا بما هو جائز. وقد تضمن هذا كله أن الحيوان مما يثبت في الذمة فيصح أن يكون مسلماً فيه إذ لا بد أنه يكون عبد الله ابن عمرو قد أخذ البعير بالبعيرين على وجه أنه يكون البعير المأخوذ الآن رأس مال المسلم في بعيرين يدفعان عند ورود إبل الصدقة وهذا هو السلم في الحيوان. ٢ - ما أخرج الطحاوي بسنده إلى أبي رافع أن رسول الله وَل استسلف منه رجل بكراً فقدمت عليه منه إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي للرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال له لم أجد إلا جملا خياراً رباعياً فقال أعطه إياه إن من خيار الناس أحسنهم قضاء. ووجه الدلالة فيه: أن النبي الله وَلّ لما استسلف البعير أصبحت ذمته مشغوله برد مثله وحيث ثبت أن الذمة يصح أن تشغل بالحيوان كان ذلك دليلا على أن الحيوان مما يثبت في الذمة ديناً عند القابلة فيجوز السلم فيه لذلك إذ لا فارق بين القرض والسلم. = بدائع الصنائع ج٧ - م٩ ١٣٠ کتاب البيوع ٠٠ ٣ - أثران أحدهما لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وآخر عند سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله = عنهم أجمعين. فقد روي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه باع جملا يدعى عصيفيرا بأربعة أبعرة أو بعشرين بعيراً إلى أجل. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه باع بعيراً له بأربعة إلى أجل. ووجه الدلالة فيهما: أنهما لما جعلا الثمن أبعرة مؤجلة دل ذلك على أن الحيوان مما يثبت في الذمة فيجوز أنه يكون مسلماً فيه إذ كل ما يثبت في الذمة ويمكن ضبطه يصح السلم فيه. ونظراً إلى أن هذه المبادلة التي حصلت من الصحابة قد اشتملت على الفضل والأجل فلا بد أن تكون سلماً لا قرضاً. ٤ - أن الشرع قد حكم بأن الحيوان يثبت في الذمة لأنه حكم بوجوب العزة في الجنين ومائة من الإبل في الدية إذ هذا الحكم الصادر من الشارع قد تضمن أن كليهما مما يثبت في الذمة فيصح أن يسلم فيه لذلك. وأما دعواهم الثانية وهي أن الحيوان مما يضبط بالوصف فاستدلوا عليها بما يأتي: ١ - استيصاف بني إسرائيل للبقرة. فوصفها الله تعالى لهم فعلموها بالوصف ووجه الدلالة فيه: إن الله تعالى لما عرفها لهم بالوصف حتى عرفوها دل هذا على أن وصف الحيوان مما يضبطه ويمكن تعريفه به ولما لم يكن مانع من جواز السلم فيه إلا خوف الجهالة للتفاوت الكثير وقد ثبت بهذا أنه منفي فلم يبق مانع من جوازه بعد فيصح. ٢ - قال رسول الله وَله: ألا لا يصف الرجل الرجل بين يدي امرأته حتى كأنها تنظر إليه ولا تصف المرأة المرأة بين يدي زوجها حتى كأنه ينظر إليها. ووجه الدلالة فيه: أن النبي ◌ّلتر جعل الوصف بمنزلة الرؤية: حيث قال كأنه ينظر إليها والنظر إلى الشيء يعرفه ويرفع الجهالة عنه فما هو بمنزلته من الوصف يكون كذلك فيصح جعله طريقاً من طرق ضبط الحیوان وتعريفه. ٣ - ومما يؤيد أن الحيوان يضبط بالوصف ويصبح به معلوماً أن الشرع قد صحح الدعوى بالحيوان الموصوف كما صحح الشهادة به وشرط الدعوى والشهادة كونه كل من المدعي والمشهور به معلوماً فيدل ذلك على أن الوصف مما يصير الحيوان مضبوطاً. وإذا صح كون الحيوان مما يثبت في الذمة وكون الوصف مما يضبطه ويرفع الجهالة عنه فقد توفرت فيه شروط صحة السلم فيصبح السلم فيه جائزاً إذ لا مانع من الجواز إلا خوف الجهالة الفاحشة وقد زال هذا الخوف وحل محله الأمن والاطمئنان بوصفه بما فيه من أوصاف وهذا الذي يصيره معلوماً ويجعله بعد بيان جنسه ونوعه وصفته متفاوتاً تفاوتاً يسيراً لا يعتبره الشارع ولا ينظر إليه. وقد وقع الإجماع على عدم اعتباره لأنه لو اعتبر لما جاز سلم أصلاً إذ كل غائب مهما بولغ في تعريفه إلى النهاية لا بد من وجود تفاوت بينه وبين المرئي فإنه بين جيد وجيد من الحنطة مثلاً تفاوتاً لا يخفى وإن صدق اسم الجودة على كل منهما وكذا لا بد من تفاوت يوجد بين ثوب ديباج أحمر وثوب ديباج آخر أحمر وهكذا. مضار الحيوان كالثياب والمكيل والموزون فوجب الحكم بحوار السلم فيه لأن كلا من الحيوان والثياب قد أصبح ذكر أوصافه رافعاً للجهالة الفاحشة المانعة من جواز السلم فيه. ثانياً: أدلة فقهاء الحنفية ومن معهم على عدم جواز السلم في الحيوان فإنهم قد استدلوا على دعواهم هذه بما يأتي: = ١٣١ كتاب البيوع ١ - ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله وَ لل نهى عن بيع = الحيوان بالحيوان نسيئة ووجه الدلالة فيه: أن النبي ◌َّيقر نهى عن أن يكون الحيوان مبيعاً مؤجلاً ولا مانع من جواز بيعه إلا عسر ضبطه وكونه مما لا يثبت في الذمّة ونظراً لمشروعية الأجل في السلم ووجوب ضبط المسلم فيه لا يصح أن يكون الحيوان مسلماً فيه. ٢ - ما أخرجه الترمذي عن الحجاج بن أرطاة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله رَّله. الحيوان اثنین بواحد لا يصلح نساء ولا بأس به يداً بيد. ووجه الدلالة فيه: أنه نص على منع النسيئة في الحيوان فلا يصح أن يكون سلماً فيه لوجود النسيئة في السلم. ٣ - ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله وَليقول: لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين فقال رجل يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل قال لا بأس إذا كان يداً بيد. ووجه الدلالة فيه. أن هذا الحديث يدل بمفهومه على منع النسيئة في بيع الحيوان والنساء مشروع في السلم متناقضاً. ٤ - ما أخرجه الحاكم والدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله وَّ نهى عن السلف في الحيوان وهو نص في مدعاهم وهو عدم جواز السلم في الحيوان. ٥ - ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن من الربا أبواب لا تخفى وإن منها السلم في السن. ومثله ما رواه أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال. دفع عبد الله بن مسعود إلى زيد بن خويلدة البكري ما لا مضاربة فأسلم زيد إلى عتريس بن عرقوب الشيباني في قلائص فلما حلت أخذ بعضها وبقي بعضه فأعسر عتريس وبلغه أن المال لعبد الله فأتاه يسترفقه فقال عبد الله أفعل زيد؟ فقال نعم فأرسل إليه فسأله فقال عبد الله أردد ما أخذت وخذ رأس مالك. ولا تسلمن مالنا في شيء من الحيوان. ووجه الدلالة فيهما أن أثر سيد عمر قد جعل السلم في الحيوان ربا والعقد الذي فيه الربا يكون فاسداً. أما أثر ابن مسعود فهو نص في المطلوب. وبعد أن ثبت من الأحاديث الماضية منع النسيئة في الحيوان عللوه بأن الحيوان تتفاوت آحاده تفاوتاً فاحشاً بحيث لا يمكن ضبطه ضبطاً يرفع ذلك التفاوت عنه فإن العبدين المتساويين سناً ولوناً وجنساً يكون بينهما من التفاوت في حسن الشيم ونبل الأخلاق وفهم المقاصد ما يصير أحدهما بأضعاف قيمة الآخر وكذا سائر الحيوان يختلف اختلافاً يؤدي إلى اختلاف المالية فيؤدي السلم فيه إلى النزاع الممنوع شرعاً ولهذا لا يجوز السلم فيه . وقد وجه كل من الفريقين إلى أدلة الآخر مناقشات أما الحنفية فقد ناقشوا أدلة الجمهور بما يأتي. ١ - إن حديث عبد الله بن عمرو في إبل الصدقة ضعيف مضطرب أما ضعفه فلأن فيه مجهولين هما عمرو ابن جريش ومسلم بن جبير ومن ثم ضَعَّفه ابن القطان وأما اضطرابه: فقد جاء من أنه تارة يذكر يزيد بن أبي حبيب في سنده وتارة لا يذكر ومرة يقدم فيه أحد الرواة على الآخر وتارة يؤخر فمن أجل ذلك وقع فيه الاضطراب. وحديث هذا شأنه لا تقوم به حجة ولا يصح به الاستدلال. ٢ - أن حديث أبي رافع في استسلاف البكر معارض بأحاديث النهي عن السلف في الحيوان الدالة على = ١٣٢ كتاب البيوع المنع من جواز السلم فيه وهي مقدمة عليه لأنها محرمة والمحرم يقدم على المبيع على أن قصاراه جواز = قرض الحيوان ولئن جاز لم يجز قياس السلم عليه إذ ليس في المقيس عليه من المشاحة والمكايسة ما في المقیس . ٣ - أما الآثار المروية عن بعض الصحابة فما هي إلا آراء لذويها وحيث صدرت قيما للرأي فيه مجال فلا حجة فيها على أنها معارضة بآثار المانعين. ٤ - أن حكم الشارع بالعزة في الجنين ومائة من الإبل في الدية حيث يفيد ثبوت الحيوان في الذمة إنما يكون ذلك فيما لم يكن مقابلاً بمال كالمهر وبدل الخلع لارتفاع المشاحة فيه وجريان العرف والعادة بالتساهل في مثل ذلك بخلاف ما إذا كان مقابلاً بمال حيث يكون مثار المنازعة والمشاحة فيمنع. ٥ - إن وصف البقرة لبني إسرائيل حيث عرفوها به فإنما ذكر الله تعالى لهم أوصافاً ظاهرة هي في المعنى شروط في الإجزاء عنه لا للضبط لقطع النازعة وما هنا الفرض من بيان الأوصاف هو قطع النازعة ووصف الحيوان مهما بولغ فيه لا يقطع النزاع لوجود التفاوت. ٦ - وأما النهي عن وصف الرجل الرجل والمرأة المرأة فلخوف الفتنة وليس من جهة أنه يصير الموصوف كالرأي وإنما ذكر الرؤية تقبيحاً وتشنيعاً توكيداً للنهي. ٧ - وأما الاستدلال بقياس السلم في الحيوان على السلم في الثياب فقياس مع الفارق لأن الثياب قلما تتفاوت إذ النسج في الثوبين على منوال واحد فإذا اتحد الصانع والآلة اتحد المصنوع ولا يتفاوت فيه المالية إلا يسيراً ولا يعتبر ذلك القدر فهو ملغى. وأما أدلة الحنفية الدالة على عدم جواز السلم في الحيوان فقد وجه الجمهور إليها من المناقشة ما يأتي: ١ - إن حديث النهي عن بيع الحيوان بمثله نسيئة ليس بثابت فقد قال الشافعي إنه غير ثابت وقال البيهقي إنه مرسل وقال ابن حبان: إسحاق بن إبراهيم منكر الحديث جداً يأتي عن الثقات بالموضوعات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. وأجاب الحنفية عن هذا بأن الثقات مثل عبد الرزاق قد صرحوا بثبوته ووصله وقال البزار فيه ليس في الباب أجل إسناداً منه ورواه الطبراني مسنداً موصولاً. على أنه لو كان مرسلاً مرة وموصولاً أخرى لكان غاية الأمر تعارض الوصل والإرسال فيه فيعمل بالوصل لأنه زيادة على الثقة وهي مقبولة. ٢ - أن حديث جابر الذي قلتم فيه إنه نص في منع النسيئة في الحيوان فيه الحجاج بن أرطأة وهو لا يحتج بحديثه فلا تقوم به حجة. وأجاب الحنفية عن هذا فإن الترمذي قد حسنه فقال فيه. إنه حديث حسن على أنه يتقوى بغيره مما ذكر. ٣ - أن حديث عبد الله بن عمر الدال بمفهومه على منع النسيئة في الحيوان إنما يتأتى الاستدلال به على مدعاكم لو أنكم تقولون بالمفهوم إلا أنكم تنفون الاحتجاج به فلا يصح التمسك به لكم. وللحنفية أن يجيبوا عنه. بأنه استدلال من باب الإلزام بما تقولونه. ٤ - أن حديث ابن عباس في النهي عن السلف في الحيوان ضعيف لأن في سنده إسحاق بن إبراهيم ضعفه ابن معين وقد سبق قول ابن حبان فيه من أنه منكر الحديث جداً إلى آخر قوله. وأجاب الحنفية عن هذا بأن الحاكم وغيره قد حكموا عليه بالصحة لوروده من طرق متعددة على أنه مؤيد بما يرفعه إلى الحجية لورود ما هو بمعناه من طرق أخرى. ٥ - أن الآثار التي استدللتم بها فكما نوقشت آثارنا من جهتكم نناقش آثاركم بمثلها من أن أنها آراء = ١٣٣ كتاب البيوع .. لأصحابها معارضة بأمثالها فلا حجة فيها. = ويجاب عن هذا من قبل الحنفية بأرجحية آثارنا لأنها معضدة بالأحاديث السالفة الذكر ولا كذلك آثارهم. ٦ - ثم منعوا فحسن التفاوت بعد الأوصاف المذكورة في الحيوان. ولو سلم بقاؤه فإنه لا يضر لأن ذلك باعتبار الباطن ولا يلزم المسلم إليه أن يدفع أكثر مما تتضمنه الأوصاف الظاهرة فإذا انطبقت على ما يؤديه المسلم إليه حكم على رب السلم بقبوله سواء كان التفاوت بحسب الباطن قليلاً أو كثيراً لأن المعقود عليه ليس إلا الموصوف بها. وقد ألغى الشارع غيرها فلا يعتبر وللحنفية أن يردوا هذا. بأن الأوصاف الباطنة قد تكون أهم من الظاهرة عند المتعاقدين لأنها هي المقصد الأسمى لرب السلم إذ المطلوب من العبد إنما هو الخدمة والفطنة وحسن العشرة والذكاء وحسن الخلق ومن الحيوان الشدة في العدو والقدرة على الحمل والمشي وهذا لا ينضبط بالوصف. هذا وبالنظر في مناقشة كل من الفريقين لأدلة الآخرين يرى أن سبب الاختلاف في جواز السلم في الحيوان والمنع منه شيئان. أحدهما: تعارض الآثار في هذا المعنى. ثانيهما: تردد الحيوان بين أن ينضبط بالصفة أو لا ينضبط. فمن نظر إلى تباين الحيوان في الخلق والخلق قال بعدم ضبطه. ومن نظر إلى إمكان تساويهما قال بضبطه ولكن هذا الأخير منفي بما قاله محمد بن الحسن لما سأله عمرو ابن أبي عمرو قال قلت إنما لا يجوز في الحيوان لأنه غير مضبوط بالوصف؟ قال لا لإنا نجوز السلم في الديابيج ولا يجوز في العصافير. ولعل ضبط العصافير بالوصف أهون من ضبط الديابيج ومن هذا يستنتج أن مناط القول بإبطال السلم في الحيوان والقول بالجواز ليس إلا السنة. وبالنظر في الاستدلال بالسنة من كلا الفريقين يرى أن كلا منهما يمكنه أن يؤول أدلة الآخر بما يجعلها تتفق وأدلته . فالمجيزون مثلاً أولوا أدلة المانعين بحمل المنع على ما إذا كان التأجيل من الجانبين حتى يكون كالئاً بكالىء فقد روي أن الشافعي رحمه الله تعالى قال: المراد به النسيئة من الطرفين لأن اللفظ يحتمل ذلك كما يحتمل النسيئة من طرف وإذا كانت النسيئة من الطرفين فهي من بيع الكالىء بالكالىء وهو لا يصح عند الجميع . والمانعون حملوا بعض أدلة المجيزين كحديث أبي رافع على أن رسول الله وهو قد استعجل في الصدقة أو استقرض لبيت المال وبيت يجوز أن يثبت عليه الحق المجهول وحملوا البعض الآخر على وروده قبل نزول آية الربا كما في حديث ابن العاص. ومن هاهنا يعلم بأنه لا أولوية لتأويل أحد الفريقين على الآخر. وإذن فالواجب النظر في نفس الأدلة رجحها وجب العمل به وإذا أريد معرفة أي الدليلين أرجح بتطبيق ذلك على قواعد الأصول يرى أن أدلة المجيزين كحديث أبي رافع مثلاً مبيحة وأدلة المانعين كحديث ابن عباس في النهي عن السلف في الحيوان محرمة وقواعد الأصول تقضي بتقديم المحرم على المبيح عند الجهل بالتاريخ. وإذن يكون القول بمنع جواز السلم في الحيوان أدلى بالقبول وأرجح في الدليل هذا على فرض تساوي = ١٣٤ كتاب البيوع ولنا: أن بعد بيان هذه الأشياء يبقى بين فَرَس وفرس تفاوت فاحش في المالية فتبقى جهالة مفضية إِلى المنازعة، وأنها مانعة صحّة العقد؛ لما ذكرنا من الوجوه فيما قبل. وقد رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - وَه -: ((نَهَى عَنِ السَّلفِ في الحَيَوَان))(١) والسلف والسلم واحد في اللغة، والاعتبار بالنكاح غير سديد؛ لأنه يتحمل [فيه](٢) جهالة لا يتحملها البيع. أَلاَّ تَرَى أَنَّه يَصْحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ البَدَلِ، وببدل مجهول وهو مهر المثل، ولا يصحُّ البيع إلا أدلة الطرفين وقد عرفت ضعف أحاديث الجمهور وصحة أحاديث الحنفية أو حسنها لأنها ثبتت من طرق = متعددة يقوي بعضها بعضاً ولذا قال الشوكاني لا شك أن أحاديث النهي وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال لكنها ثبتت من طرق ثلاثةٍ من الصحابة سمرة وجابر بن سمرة وابن عباس وبعضها يقوي بعضاً فهي أرجح من حديث واحد غير خال عن المقال وهو حديث عبد الله بن عمرو. ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة فإن ذلك مرجح آخر وأيضاً فقد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة وهذا أيضاً مرجح ثالث. وأما الآثار الواردة من الصحابة فلا حجة فيها وعلى فرض ذلك فهي مختلفة كما عرفت. اهـ. وبعد اتفاق علماء الحنفية على منع السلم في الحيوان اختلفوا في السلم في أجزائه كاللحم والرؤوس والأكارع. فذهب الإمام أبو حنيفة إلى القول يمنع السلم فيها. نظراً إلى أنها مما يتعذر ضبطه إذ إن ما يكون سمينا في بعض فصول السنة قد يعتبر هزيلاً بالنسبة إلى بعض الفصول الأخرى كما أن كثرة العظام وقلتها واختلاف موضع اللحم من الحيوان واشتماله على أبعاض مختلفة ذلك كله مما يؤدي إلى عسر الانضباط وهو مما تختلف به الأغراض فيؤدي ذلك إلى المنازعة فيمتنع بسببه جواز السلم فيها . بهذا يقول الإمام أبو حنيفة ولكن صاحبيه يقولان بما قال به جمهور الأئمة من جواز السلم فيها. نظراً إلى أن هاهنا أشياء يمكن أن تقرب التفاوت وتدعو التحديد غرض رب السلم إذ يمكن تقدير اللحم مثلاً بالميزان. حيث اعتاد الناس وزنه وحكم الشارع فيه بأنه من المثليات وهي ممكنة الانضباط إذ يجب الضمان فيها بمثلها كما يصح استقراضها كذلك مع إمكان تلافي ما ينشأ من قلة العظم وكثرته بتعيين مقدار العظم. والنص على مقدار اللحم من الحيوان فكان كل ذلك مسهلاً لطريق معرفته والعلم به فمن ثم كان الحكم بالجواز. ينظر عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض المحلى لابن حزم ١٠٦/٩، فتح القدير ٣٢٨/٥، المغني للحنابلة ٣١٤/٤، نصب الراية ٤٧/٤، نيل الأوطار ١٧٤/٥. (١) قلت أخرجه الدارقطني والحاكم، كلاهما من حديث إسحاق بن إبراهيم الجوني، ثنا عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، ثنا سفيان الثوري. حدثني معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس به. وقال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) وأقره الذهبي. وتعقبه ابن عبد الهادي كما في ((نصب الراية)) (٤٦/٤) بأن إسحاق بن إبراهيم بن الجوني قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جداً. يأتي عن الثقات بالموضوعات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة اهـ. (٢) سقط من ط . ١٣٥ كتاب البيوع ببدل معلوم، فلا يستَقيم الاستدلال، ولا يجوز السلم في / التبن أحمالاً أو الأقاراً؛ لأن ١١٠٧/٣ التفاوت بين الحمل والحمل والوقر والوقر مما يفحش، إلا إذا أسلم فيه بقبان معلوم من قبابين التجار فلا يختلف فيجوز، ولا يجوز السّلم فى الحطب حزماً ولا أوقاراً؛ للتفاوت الفاحش بين حزمة وحزمة ووقر ووقر. وكذا في القَصَب والحشيش والعيدان، إلا إذا وصفه بوصف يعرف ويتقارب التفاوت - فيجوز؛ ويجوز السّلم في اللبن(١) والآجر(٢) إِذا سمى ملبناً معلوماً، لا يختلف ولا يتفاوت إلا يسيراً. وكذا في الطوابيق(٣) إِذا وصفها بوصف يعرف على وجه لا يبقى بعد الوَصْف جهالة مفضية إِلى المنازعة؛ لأن الفساد للجهالة، فإِذا صار معلوماً بالوصف جاز، وكذا في طشت أو قمقمة أو خفين أو نحو ذلك إن كان يعرف - يجوز، وإن كان لا يعرف لا يجوز؛ لأن المسلم فيه دين حقيقة والدين يعرف بالوصف، فإن كان ممّا يحصل تمام معرفته بالوصف؛ بأن لم تبق فيه جهالة مفضية إلى المنازعة جاز السلم فيه وإلا فلا، ولو استصنع رجلٌ شيئاً من ذلك بغير أجل، جاز استحساناً. والكلام في الاستصناع في مواضع: في بيان جوازه أنه جائز أم لا؟، وفي بيان شرائط جوازه، وفي بيان كيفية جوازه، وفي بیان حکمه. أَمَّ الأَوَّل: فالقياسُ يَأْبَى جَوَازَ الاسْتِصْنَاعِ؛ لأنّه بَيْعُ المعدومِ كالسلم، بَلْ هُوَ أَبْعَد جَوَازاً مِنَ السَّلم؛ لأَنَّ المسلمَ فيه تحتمله الذَمة؛ لأنَّهَ دينٌ حقيقة والمستصنع عين توجد في الثاني، والأعيان لا تحتملها الذمة، فكان جواز هذا العقد أبعد عن القياس عن السّلم، وفي الاستحسان جاز، لأن الناس تعاملوه في سائر الأعصار من غير نكير، فكان إِجماعاً منهم على الجواز، فيترك القياس [به](٤) ثم هو بيع عند عامة مشايخنا، وقال بعضهم: هو عدة وليس بسديد، لأَن محمداً ذكر القياس والاستحسان في جَوَازه. وذكر القياس والاستحسان لا يليق بالعدات؛ وكذا ثبت خيار الرؤية للمستصنع من وأنه خصائص البيوع؛ وكذا من شرط جوازه أن يكون فيما للناس فيه تعامل، والعدات لا يتقيد (١) اللَّبِنُ: المضروب من الطين، يبنى به دون أن يطبخ. المعجم الوسيط (لبن) (٢) الآجر: اللَّبِنُ المحرق المُعَدُّ للبناء. المعجم الوسيط (آجر) (٣) الطوابيق: مفردها: الطابق، وهو ظرف يطبخ فيه، والآخر الكبير، والدور في البيت أو العمارة. المعجم الوسيط (طبق) (٤) سقط من ط . ١٣٦ كتاب البيوع جوازها بهذه الشرائط، فدل أن جوازه جواز البياعات لا جواز العدات، والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما شرائط جوازه: فمنها بيان جنس المستَصنع ونوعه وقدره وصفته؛ لأَنّه مبيع فلا بد وأن يكون معلوماً، والعلم إِنما يحصل بأشياء: منها أن يكون ما للناس فيه تعامل كالقلنسوة والخف والآنية ونحوها، فلا يجوز فيما لا تعامل لهم فيه؛ كما إذا أمر حائكاً أن يحوك له ثوباً بغزل نفسه ونحو ذلك مما لم تجر عادات الناس بالتعامل فيه؛ لأَن جوازه مع أن القياس يأباه ثبت بتعامل الناس، فيختص بمالهم فيه تعامل ويبقى الأمر فيما وراء ذلك موكولاً إِلى القياس. وأما كيفية جوازه: فهي أنه عقد غير لازم في حقّ كل واحد منهما قبل رؤية المستصنع والرِّضا به، حتى كان للصانع أن يمتنع من الصّنع، وأن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع، وللمستصنع أن يرجع أيضاً؛ لأن القياس أنَّه يجوز أصلاً، إلا أن جوازه ثبت استحساناً بخلاف القياس؛ لحاجة الناس، وحاجتهم قبل الصنع أو بعده قبل رؤية المستصنع والرِّضا به - أقرب إلى الجواز دون اللّزوم، فيبقى اللزوم قبل ذلك على أصل القياس. وأَمَّا حُكْمُ الاسْتِصْنَاعِ فَحُكْمِه في حَقُّ المستَصْنعِ، إِذا أتى الصانعُ بالمستصنعِ عَلَى الصُّفَةِ المشروطةِ ثبوت ملك غير لازم في حقّه، حتى يثبت له خيار الرؤية إِذ رآه، إن شَاء أخذه وإن شاء تركه، وفي حق الصانع ثبوت ملك لازم إِذا رآه المستصنع ورضي به ولا خيار له، وهذا جواب ظاهر الرواية . وروي عن أبي حنيفة: أنه غير لازم في حقّ كل واحدٍ منهما، حتى يثبت لكل واحدٍ منهما الخيار. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه لازم في حقهما، حتى لا خيار لأحدهما لا للصّانع ولا للمستصنع أيضاً. وجه رواية أبي يوسف: أن في إِثبات الخيار للمستصنع إضراراً بالصانع؛ لأنه قد أفسد متاعه وفري(١) جلده، وأتى بالمستصنع على الصفة المشروطة، فلو ثبت له الخيار، لتضرَّر به ١٠٧/٣ ب الصانع؛ فيلزم/ دفعاً للضرر عنه. وجه الرواية الأولى: أن في اللزوم إضراراً بهما جميعاً، أما إِضرار الصانع؛ فلما قال أبو يوسف، وأما ضرر المستصنع؛ فلأن الصانع متى لم يصنعه واتفق له مشْتَر يبيعه - فلا تندفع حاجة المستصنع، فيتضرّر به، فوجب أن يثبت الخيار لهما دفعاً للضرر عنهما. (١) فري: شَقَّ. المعجم الوسيط (فري) ١٣٧ كتاب البيوع وجه ظاهر الرواية وهو إِثبات الخيار للمستصنع لا للصَّانع: أن المستصنع مشتر شيئاً لم يره؛ لأَن المعقود عليه وهو المستصنع وإِن كان معدوماً حقيقة - لكنه جعل موجوداً شرعاً، حتى جاز العقد استحساناً؛ ومن اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إِذا رآه، والصانع بائع شيئاً لم يره فلا خيار له، ولأن إلزام حكم العقد في جانب المستصنع إضرار [به](1)؛ لأن من الجائز أَلاَّ يلائمه المصنوع ولا يرضى به، فلو لزمه وهو مطالب بثمنه فيحتاج إِلى بيعه من غيره، ولا يشتري منه بمثل قيمته فيتضرّر به، وليس في الإلزام في جانب الصانع ضرر؛ لأنه إِن لم يرض به المستصنع يبيعه من غيره بمثل قيمته، وذلك ميسّر عليه لكثرة ممارسته. هذا إِذا استصنع شيئاً ولم يضرب له أجلاً، فأما إذا ضرب له أجلاً؛ فإِنَّه ينقلب سلماً عند أبي حنيفة، فلا يجوز إلا بشرائط لسلم، ولا خيار لواحد منهما كما في السلم، وعندهما: هو على حاله استصناع وذكره الأجل للتعجيل، ولو ضرب الأجل فيما لا تعامل فيه ينقلب سلماً بالإجماع. وجه قولهما: أن هذا استصناع حقيقة، فلو صار سلماً إِنما يصير بذكره المدة، وأنه قد يكون للاستعجال كما في الاستِضْنَاع، فلا يخرج عن كونه استصناعاً مع الاحتمال. ولأبي حنيفة: أن الأجل في البيع من الخصائص اللازمة للسلم، فذكره يكون ذكراً للسَّلم معنى وإِن لم يذكره صريحاً كالكفالة بشرط براءة الأصيل؛ أنها حوالة معنى، وإن لم يأت بلفظ الحوالة. وقوله: ذكر الوقت قد يكون للاستعجال، قلنا: لو حمل على الاستِعْجَال لم يكن مفيداً؛ لأن التَّعجيل غير لازم؛ ولو حمل على حقيقة التّأجيل، لكان مفيداً؛ لأنه لازم، فكان الحمل عليه أولى، ولا يجوز السلم في اللحم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز إذا بيَّن جنسه ونوعه وصفته وقدره وسنّه وموضعه؛ لأن الفساد لمكان الجهالة، وقد زالت ببيان هذه الأشياء؛ ولهذا كان مضموناً بالمثل في ضمان العدوان. ولأبي حنيفة: أن الجهالة تبقى بعد بيان ما ذكرناه من وجهين: أحدهما: من جهة الهزال والسمن. والثاني: من جهة قلة العظم وكثرته، وكل واحدة منهما مفضيةٌ إِلى المنازعة. وقياس الوجه الثاني: أنه لو أسلم في منزوع العظم يجُوز، وهو رواية الكرخي عن أبي حنيفة - رحمهما الله -. وقياس الوجه الأول: أنه لا يجُوز كيفما كان، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وهو (١) سقط من ط . ١٣٨ كتاب البيوع الصَّحيح؛ لأنه إِن زالت الجهالة من إِحدى الجهتين بقيت من جهة أخرى وهي جهالة(١) السمن والهزال، فكان المسلم فيه مجهولاً، فلا يصح السلم، إلا أنه جعل مثلاً في ضمان العدوان، وسقط اعتبار التفاوت فيه شرعاً؛ تحقيقاً لمعنى الزجر من وجه؛ لأنَّ ذلك لا يحصل بالقيمة؛ لأَن للناس رغائب في الأعيان ما ليس في قيمتها، ويجوز السَّلم في الألية والشحم وزناً؛ لأنه لا تختلف بالسمن والهزال إلا يسيراً بخلاف اللحم، فإِن التفاوت بين غير السمين والسمين والمهزول وغير المهزول - تفاوت فاحش. وأما السلم في السَّمك: فقد اختلفت عبارات الأصل في ذلك(٢)، والصَّحيح أنه يجوز السّلم في الصِّغار منه كيلاً ووزناً، مالحاً كان أو طرياً بعد أن كان في حيّزه؛ لأنّ الصغار منه لا يتحقق فيه اختلاف السمن والهزال، ولا اختلاف العظم بخلاف اللّحم عند أبي حنيفة، وفي الكبار عن أبي حنيفة روايتان: في روايةٍ: لا يجوز طريّاً كان أو مالحاً. كالسلم في اللحم؛ لاختلافها بالسمن والهزال كاللحم وفي رواية [أنه] يجوز كيفما كان وزناً؛ لأن التفاوت بين سمينه ومهزوله لا يعد تفاوتاً عادة لقلته، وعند أبي يوسف(٣) ومحمد: لا يجُوز بخلاف اللحم عندهما، والفرق لهما: أن بيان الموضع من اللَّحم شرط الجواز عندهما، وذلك لا يتحقّق ١١٠٨/٣ في/ السمك، فأشبه السلم في المساليخ والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما السلم في الخبز عدداً فلا يجوز بالإِجماع؛ لتفاوت فاحش بين خبز وخبز في الصِّغر والكبر. وأما وزناً: فقد ذكر الكرخي أن السَّلم في الخبز لا يجُوز في قولهم؛ لتفاوت فاحش بين خبز وخبز في الخبز والخفة والثقل، فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة؛ ولأن جواز السلم ثبت بخلاف القياس بتعامل الناس ولا تعامل في الخبز، وذلك في نوادر ابن رستم؛ أنه لا يجُوز عند أبي حنيفة ومحمّد، وعند أبي يوسف يجوز. (١) في أ: جهة. (٢) الحنفية يقولون بصحة السلم في السمك استثناء من الحيوان ثم إن كان السمك طرياً وكان لا ينقطع عادة كسمك نهر النيل فإنه يصح السلم فيه في كل الأوقات وإن كان ينقطع في بعض الأزمنة كالسمك الموجود في البحيرات التي يمنع منها الصيد في أوقات معينة فإنه لا يصح تعيين مدة القبض في هذه المدة ومثله السمك الجاف المملح ((البكلاه)). ولصحة السلم فيه لا بد من تعيينه بما يرفع الجهالة عنه ويضبطه ضبطاً لا يجعل للمنازعة سبيلاً وذلك بالوزن أو العد مع تعيين الصنف بما هو متعارف عند الناس. (٣) في ط: أبي حنيفة ١٣٩ كتاب البيوع ومنها أن يكون موجوداً من وقت العقد إلى وقت الأجل، فإن لم يكن موجوداً عند العَقْد أو عند محلّ الأجل، أو كان موجوداً فيهما لكنه انقطع من أيدي الناس فيما بين ذلك؛ كالثمار والفَوَاكه واللَّبن وأشباه ذلك - لا يجوز السلم، وهذا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: الشرط وجوده عند محلّ الأجل لا غير. وجه قوله: أن اعتبار هذا الشّرط وهو الوجود ليس لعينه، بل للقدرة على التسليم، فيعتبر وقت وجوب التَّسليم وذلك عند محل الأجل، فأما قبل ذلك فالوجود فيه والعَدَم بمنزلة واحدة . ونظير هذا في العقليَّات ما قلنا في استطاعة الفعل أنها مع الفِعْل لا تتقدمه؛ لأن وجودها للفعل، فيجب وجودها عند الفِعْل لا سابقاً عليه؛ كذا هذا. ولنا: أن القدرة على التَّسليم ثابتة للحال، وفي وجودها عند المحل شكِّ؛ لاحتمال الهلاك، فإن بقي حيّاً إلى وقت المحل ثبتت القدرة؛ وإن هلك قبل ذلك، لا تثبت والقدرة لم تكن ثابتة، فوقع الشّك في ثبوتها، فلا تثبت مع الشّك، ولو كان موجوداً عند العقد، ودام وجوده إلى محل الأجل فحلّ الأجل ولم يقبضه، حتى انقطع عن أيدي النَّاس - لا ينفسخ السلم، بل هو على حاله صحيح؛ لأنَّ السلم وقع صحيحاً لثبوت القدرة على التسليم؛ لكون المسلم فيه موجوداً وقت العقد ودام وجوده إِلى محل الأجل، إلا أنه عجز عن التسليم للحال لعارض الانقطاع مع عرضية حدوث القدرة ظاهراً بالوجود، فكان في بقاء العقد فائدةٌ، والعقد إِذا انعقد صحيحاً يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم على السواء؛ كبيع الآبق إِذ أبق قبل القبض، فلأن يبقى لفائدة عود القدرة في الثاني ظاهراً أولى، لكن يثبت الخيار لربّ السلم إِن شاء فسخ العقد، وإِن شاء انتظر وجوده؛ لأن الانقطاع قبل القبض بمنزلة تغير المعقُود عليه قبل القبض، وأنه يوجب الخيار، ولو أسلم في حِنْطة حديثة قبل حدُوثها لا يصحُ عندنا، لأنه أسلم في المنْقَطع . وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم في حنطة موضع؛ أنه إِن كان مما لا يتوهم انقطاع طعامه - جاز السلم فيه؛ كما إذا أسلم في حنطة خراسان أو العراق أو فرغانة (١)؛ لأن كل واحد منها (١) بالفتح، ثم السكون، وغين معجمة، وبعد الألف نون: مدينة، وكورة واسعة بما وراء النهر، متاخمة لبلاد تركستان، في زاوية من ناحية هَيْطل، من جهة مطلع الشمس، على يمين القاصد لبلاد الترك، كثيرة الخير، واسعة الرستاق، يقال كان بها أربعون منبراً، وبينها وبين سمرقند خمسون فرسخاً، من ولايتها خُجندة. ويقال: فرغانة قرية من قرى فارس. ينظر: مراصد الاطلاع (١٠٢٩/٣). ١٤٠ كتاب البيوع اسم لولاية، فلا يتوهم انقطاع طَعَامها؛ وكذا إذا أسلم في طعام بلدة كبيرة كـ ((سمرقند)) وبخارى أو كاشان - جاز؛ لأنه لا ينفد طعام هذه البلاد إلا على سبيل الندرة، والنادر ملحق بالعدم. ومن مشايخنا من قال: لا يجُوز إلا في طعام ولاية لأَن وهم الانقطاع فيما وراء ذلك ثابتٌ، والسلم عقد جوز بخلاف القِيَاس؛ لكونه (١) بيع المعدوم، فتجب صيانته عن غرر الانقطاع ما أمكن. والصحيح أن الموضع المضاف إليه الطعام وإِن كان مما لا ينفذ طعامه غالباً - يجوز السلم فيه، سواء كان ولاية أو بلدة كبيرة؛ لأن الغالب في أحكام الشرع ملحق بالمتيقن؛ وإِن كان مما يحتمل(٢) أن ينْقَطع طعامه، فلا يجوز فيه السلم كأرض بعينها أو قرية بعينها؛ لأنه إذا احتمال الانقطاع لا على سبيل الندرة - لا تثبت القدرة على التَّسليم؛ لما ذكرنا أنه لا قدرة له للحال؛ لأنه بيع المفاليس وفي ثبوت القدرة عند محلّ الأجل شك؛ لاحتمال الانقطاع، فلا تثبت القدرة مع الشك. وقد روي أن زَيْدَ بْنَ شُعْبَةً لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسْلَمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - رََّ - قَالَ: «أَسْلِمِ إِلَيْكَ فِي تَمْرِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِها)) فَقَال - عَلَيْهِ السَّلام -: أَمَّا في تَمْرِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِها فَلا. وذكر في الأصل: إِذا أسلم في حنطة هراة لا يجوز، وأراد قرية من قرى الفرات المسماة بهراة؛ لأنه مما يحتمل ١٠٨/٣ ب انقطاع طعامه، ثم لو أسلم في ثوب هراة/ وذكر شرائط السَّلم - يجوز. ووجه الفرق بينهما ظاهر؛ لأَن إضافة الثوب إِلى هراة ذكر شرط من شرائط السلم لا جواز له بدونه، وهو بيان النَّوع لا تخصيص الثوب بالمكان المذكور؛ بدليل أن المسلم إليه لو أتى بثوب نسج في غير هراة، لكن على صفة ثوب هراة - يجبر رب السَّلم على القبول؛ فإِذا ذكر النوع وذكر الشَّرائط الأخر، كان هذا عقداً استجمع شرائطه فيجوز؛ فأما إِضافة الطّعام إِلى هراة، فليس يفيد شرطاً لا جواز للسلم بدونه، ألا ترى أنه لو ترك الإضافة أصلاً، جاز السلم فبقيت الإِضافة لتخصيص الطّعام بموضع معين يحتمل انقطاع طعامه - فلم يجز، والله عز وجل أعلم. ومنها أن يكون مما يتعيَّن بالتعيين، فإن كان مما لا يتعيَّن بالتعيين كالدراهم والدنانير - لا يجوز السلم فيه؛ لأن المسلم فيه بيع؛ لمَا رَوَيْنَا: ((أَنَّ النَّبِيَّ - بِّهــ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِنسان)) ورخْص في السلم، سمي السلم بيعاً فكان المسلم فيه مبيعاً والمبيّع مما يتعين (١) في أ: لكنه. (٢) في ط: لا يحتمل.