Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب البيوع
وقال زفر: لا ينعقد إِلا بلفظ السلم؛ لأن القياس ألاَّ ينعقد أصلاً؛ لأنه بيع ما ليس عند
الإِنسان وأنه منهي عنه، إلا أن الشّرع ورد بجوازه بلفظ السّلم بقوله: ورخّص في السلم(١).
(١) السلم نوع من البيع فركن البيع ركن له ولكن جرى خلاف بين الفقهاء. هل لصيغة عقد السلم لفظ خاص
أم تنعقد بما ينعقد به البيع من كل لفظ يدل على التمليك إذ بعد اتفاقهم على أن السلم ينعقد سلماً إذا عبر
عنه بلفظ السلم أو السلف أو التسليف اختلفوا فيما إذا عبر عنه بلفظ من الألفاظ التي تفيد التمليك كالبيع
مثلا .
فالجمهور على أنه ينعقد كذلك.
وبعض يسير منهم زفر وابن أبان من الحنفية وابن حزم من الظاهرية على منع انعقاده سلما وهو أحد قولي
الشافعي .
استدل القائلون بعدم انعقاده سلماً بما يأتي:
أولاً: قد شرع السلم على خلاق القياس رخصة للمحتاجين وقد أتى الشرع بجوازه بلفظ السلم أو السلف
فيقتصر على ما ورد.
ثانياً: السلم غير البيع لأن البيع لا يشترط فيه قبض بدله في المجلس بخلاف السلم والمتغايران لا ينعقد
أحدهما بلفظ الآخر وعلى هذا فالسلم لا ينعقد بلفظ البيع.
ثالثاً: كثيرٌ من العقود تختلف أثرها تبعاً لاختلاف أسمائها كما في الربا والقرض وذلك مما يدل على أن
للأسماء اعتباراً في ترتيب الأحكام عليها وقد يكون ذلك مؤيداً للقائلين: إن العبرة في العقود بألفاظها لا
بمعانيها لأن الإجماع قد وقع على أن ألفاظ اللغة لا يعدل عما وضعت له في اللغة فكذا ألفاظ العقود.
واستبدل القائلون بانعقاده سلماً بما يأتي:
أولاً: السلم نوع من أنواع البيع وما هو بيع ينعقد بلفظه فإذن السلم ينعقد بلفظ البيع.
ثانياً: السلم نوع من البيع يقتضي القبص في المجلس كالصرف وإذا كان الصرف ينعقد بلفظ البيع فكذا
السلم لأن كلاً منهما نوع بيع يشترط فيه شروط خاصة.
ثالثاً: أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني لأن لفظ العقد إذا أمكن حمله على وجه
صحيح لا يجوز تعطيله ولذلك قالوا: إن الكفالة إذا اشترط فيها براءة الأصيل تكون حوالة وأن الحوالة إذا
اشترط فيها مطالبة الأصيل تكون كفالة وأن الهبة إذا صرح فيها بالعوض عند تكوين العقد تكون بيعاً لاهبة
وقد ناقش الجمهور أدلة هذا البعض مما يأتي :
أولاً: قولكم. شرح على خلاف القياس فيقتصر فيه على ما ورد. مسلم ولكن لا ينتج مدعاكم لأن مجيئه
هكذا لم يكن الأمر يرجع إلى اللفظ الذي ينعقد به حتى يصح ما قلتم وإنما هو هنا لعدم وجود المحل
الذي يرد عليه العقد بصرف النظر عما ينعقد به من غير ملاحظة للصيغة أصلاً.
ثانياً: قولكم. السلم غير البيع لما ذكرتم. ممنوع فإنهما وإن كانا يفترقان في بعض الأشياء فإن هذا
الافتراق لا يجعل السلم خارجاً عن أفراد البيع لأن الخاص يندرج في العام ويجوز التعبير عنه باسمه .
ثالثاً: قولكم. إن للأسماء اعتباراً في ترتيب الأحكام عليها ممنوع بل إنما يحكم الشارع بالتفرقة بين
العقود لما تضمنته من مصالح أو مفاسد تقتضي ترتيب أحكام خاصة عليها تبعاً لمقاصدها لا لألفاظها حتى
اشتهر بين العلماء قاعدة: العبرة في العقود بمعانيها لا بألفاظها .
وبهذه المناقشة ظهر قوة رأي الجمهور وهو الذي يوافق سنن التشريع الإسلامي فإن الشارع لم يحدّ لألفاظ
العقود بل ذكرها مطلقة فكما تنعقد بالألفاظ الرومية والفارسية والتركية فانعقادها مما يدل عليها من الألفاظ =

١٠٢
كتاب البيوع
ولنا: أن السلم بيع فينعقد بلفظ البيع؛ والدليلُ على أنه بَيْعٌ مَا رُوِيَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
- وَ * - نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِنسانِ وَرَخَّصَ في السَّلَم)»(١) نھی - عليه الصلاة والسلام -
عن بيع ما ليس عندَ الإنسان عاماً، وخصَّ(٢) السلم بالرخصة فيه، فدل أن السلم بيع ما ليس
عند الإِنسان؛ ليستقيم تخصيصه عن عموم النَّهي بالترخصٍ فيه .
فصل[في شرائط الركن]
وأما شرائط الركن فهي في الأصل نوعان: نوع يرجع إِلى نفس العقد، ونوع يرجع إلى
البدل .
أما الذي يرجع إلى نفس العقد فواحد؛ وهو أن يكون العقد باتاً عارياً عن شرط الخيار
للعاقدين أو لأحدهما(٣) ،
العربية أدلى وأحرى متى عرف المتعاقدان المقصود بها.
=
وبهذا يحكم بصحة العقود التي تجري بين الناس اليوم على طريق السلم وهم لا يسمونها سلماً ولا ينطقون
بلفظه حين التعاقد بل إن كثيراً منهم لا يدري من اسمه إلا أنه بيع مع شيوع التعامل به. وانتشاره انتشاراً عالمياً
ملموساً فمن الحرج على الناس والتضييق عليهم في معاملتهم بل من الإساءة إلى الشريعة الإسلامية أن نحكم
على عقودهم أجمعين بالفساد لأنهم لم يعبروا بلفظ خاص كيف والشريعة تنادي برفع الحرج بقول الله تعالى :
﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وبقول الرسول وَليقول إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه وفي
قواعد الفقه الإسلامي: أن لفظ العقد إذا أمكن حمله على وجه صحيح لا يجوز تعطيله .
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، فتح القدير ٣٢٣/٥، المحلى ١٠٥/٩ مغني المحتاج ٢/
١٠٢، أعلام الموقعين ١٠٨/٢.
(١) تقدم.
(٢) في ط: ورخص.
(٣) إن اشتراط الخيار من أحد العاقدين في عقود المعاوضات المالية يمنع خروج العوض عن ملكه واشتراطه
من العاقدين معاً يمنع خروج العوضين من ملكهما وذلك لأن العقد في حق المالك مع الخيار معلق على
سقوطه ممن له الخيار والمعلق على الشيء معدوم قبل وجوده وإذا انعدم البيع انعدم الملك وينبني على
ذلك ما يأتي
١ - إذا اشترط البائع الخيار لنفسه لا يخرج المبيع عن ملكه لأنه تمام العقد بالرضا والخيار يفيد عدم
الرضا بزوال ملكه عن المبيع ولهذا جاز تصرفه فيه ولو بعد تسليمه للمشتري ولا يجوز للمشتري أن
يتصرف فيه في مدة الخيار ولو قبضه بإذن البائع.
٢ - إذا كان الخيار للمشتري لا يخرج الثمن عن ملكه كذلك لمثل ما ذكر.
٣ - إذا كان الخيار لهما لا يخرج ما لكل منهما عن ملكه في مدة الخيار.
ومن لا خيار له في الصورتين الأولين يخرج ماله عن ملكه في مدة خيار الآخر هذا كله باتفاق الإمام
وصاحبيه .
=

١٠٣
کتاب البيوع
ومع اتفاقهم هذا قد اختلفوا في دخول مال من لا خيار له في ملك من له الخيار وعدم دخوله.
فقال الإمام: إنه لا يدخل في ملكه حتى لا يجتمع البدل والمبدل منه في ذمة شخص واحد وهذا لا أصل
له في الشريعة .
وقال الصاحبان - إنه يدخل في ملك الآخر حتى لا يكون سائبة ولا سائبة في الإسلام.
وأجاب الإمام عن ذلك بأن السائبة المحرمة هي التي لا ملك فيها ولا تعلق ملك لأحد على الأبد والمبيع
هنا ليس كذلك لأن عدم ملكيته لأحد المتعاقدين مؤقت بمدة الخيار ثم يصير ملكاً لواحد منهما بالإجازة
أو الفسخ.
ويؤخذ من هذا أن اشتراط الخيار في العقد يحول دون ترتب آثاره عليه فإن العقد بالنسبة إلى من اشترطه
لم يتم وإذن فليس له أن يتمتع بأي أثرٍ له أو يلزم به إلا بعد إمضائه من ناحيته ويستلزم ذلك منع الآخر
كذلك من التمتع بآثاره أو إلزامه بها ما دام العقد لم يتم نهائياً وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة.
إذا علم هذا فالدليل على اشتراط خلو عقد السلم من خيار الشرط ليكون العقد صحيحاً هو أن قبض رأس
مال السلم في مجلس انعقاده شرط لصحته كما سيأتي ولا يقع القبض صحيحاً إلا إذا كان مملوكاً للقابض
بالعقد وقد علم أن خيار الشرط يمنع من تحقق الملك فيلزمه مانعاً من صحة القبصه الذي هو شرط
لصحة العقد وإذن فيكون شرط الخيار مبطلاً للعقد لمنافاته لشرط صحته ويلزمه عكسه وهو أن يكون
العقد خالياً من شرط الخيار.
بهذا قال جمهور الأئمة وخالفهم في ذلك الإمام مالك رضي الله عنه فأجاز أن يقترن عقد السلم بخيار
الشرط إلى مدة ثلاثة أيام وهي المدة التي يجوز تأخير رأس المال إليها عندهم.
وإذن فالقول بجواز خيار الشرط في السلم مبني على القول بجواز تأخير رأس المال عن مجلس العقد
وسيأتي إن شاء الله تعالى في شرط قبض رأس المال ما يتبين به ضعف جواز تأخيره وأن الراجح وجوب
تعجيله في المجلس كما هو قول الجمهور وبهذا يكون قولهم هنا أرجح.
وعلى قول الجمهور لو تعاقدا السلم مع شرط الخيار ثم أسقطا الشرط بعد هلاك الثمن أو إنفاقه فإن السلم
يكون فاسداً ولا يعود صحيحاً اتفاقاً لأن رأس المال بهلاكه أو إنفاقه صار ديناً في ذمة المسلم إليه فلو
صح كان برأس مال هو دين وذلك لا يجوز كما لو كان في ابتداء العقد ولأنه لأن في معنى ابتداء العقد إذا
العقد قبل إسقاطه لم يكن له وجود شرعاً فلو جاز لكان من الكالئ بالكالئ المنهي عنه.
وهذا بخلاف ما لو أسقطاه قبل هلاك الثمن فإن في هذا خلافاً بين الأئمة إذا يقول أبو حنيفة وصاحباه
بصحة العقد ويقول زفر والأئمة الثلاثة بفساده على نمط ما تقدم فيما لو شرطا الخيار أكثر من ثلاثة أيام ثم
أجازه من له الخيار في الثلاث.
وكما أن عقد السلم يشترط فيه الخلو من خيار الشرط كذلك لا يثبت فيه خيار الرؤية في المسلم فيه لما
يؤخذ مما تقدم أن خيار الرؤية لا يثبت إلا بشرطين
١ - أن يكون محل العقد شيئاً معيناً كدار أو ثوب.
٢ - أن يكون محل العقد غير مرئي وقت العقد فإذا لم يره المشتري كان له الخيار عند رؤيته وأما إذا كان
قد رآه فلا يثبت له الخيار.
وبالنظر في عقد السلم يُرى أنه لا يمكن أن يتحقق فيه الشرطان السابقان بالنسبة للمسلم فيه لما يأتي:
أولاً: لأن المسلم فيه دين كائن في ذمة المسلم إليه وإذن فقد فقد الشرط المثبت لخيار الرؤية وهو التعيين =

١٠٤
کتاب البيوع
لأن جواز البيع مع شرط الخيار في الأصل [حكم](١) ثبت معدولاً به عن القياس(٢)؛ لأنه
وعليه فلا يصلح أن يتحقق فيه هذا الخيار.
=
ثانياً: لأن المسلم فيه ومن موصوف حين العقد بصفات خاصة تضبطه وتعرفه فإذا ما أحضره المسلم إليه
عند التسليم موافقاً لما وصف به فقد تحقق الرضا به وبذلك يكون ذكر الصفة قائماً مقام المشاهدة وعلى
هذا فلا فائدة من اشتراط خيار الرؤية فيه إذ لا مقتضى له.
هذا بالنسبة للمسلم فيه وأما بالنسبة لرأس المال فقد يتصور أن يثبت فيه خيار الرؤية وذلك إذا ما كان عيناً
مشخصة ليست حاضرة حين العقد ثم أحضرت في المجلس نفسه لأجل تسليمها فإن المسلم إليه حينئذ
يكون بالخيار إذا رآها إن شاء أخذ وإن شاء ترك وإنما صح هذا في عقد السلم لأنه لا يمنع ثبوت الملك
فلا يمنع صحة القبض الذي هو شرط صحة العقد.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، فتح القدير ١١٥/٥، الشرح الكبير ١٩٥/٣.
(١) سقط من ط.
(٢) جرى الفقهاء على أن يقولوا في بعض الأحكام هو مشروع على وفق القياس وفي بعضها هو مشروع على
خلاف القياس كما قالوا هنا فيحسن أن أبين المراد من قولهم هذا ليعلم أن السلم شرع على خلاف
القياس أو على وفقه فأقول:
الأصل أن لفظ القياس إذا أطلق في لسان الفقهاء ينصرف إلى القياس الأصولي الذي هو مساواة فرع
الأصل في علة حكمه الشرعي.
فالفرع هو المحل الذي سكت عنه دليل الأصل ويراد تعدية حكم الأصل إليه بواسطة جامع بينه بين محل
آخر منصوص على حكمه وهذا الآخر هو الأصل والجامع بينهما هو العلة.
فمعنى كون المشروع موافقاً للقياس أن الشارع الحكيم قد شرع النص من الكتاب أو السنة مثلاً ووجدت
فيه علة حكم آخر منصوص عليه بحيث يصلح أن يعتبر أصلاً يقاس عليه ذلك الحكم الذي أتى به النص
أخيراً لاشتراكهما في العلة فيقال حينئذ إن الحكم المتأخر مشروع بأحكامه مثلاً على وفق القياس.
ومعنى كون المشروع مخالفاً للقياس أن الشارع الحكيم قد شرعه بنص من الكتاب أو السنة مثلاً ووجدت
فيه علة حكم أصل مخالف للحكم الثابت فيه بالنص فيقال حينئذ إنه مشروع على خلاف القياس وإن
شئت قلت كما قال ابن القيم: والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع
يشابهه بنقيض ذلك الحكم فيقال هذا خلاف قياس ذلك النص.
وإنما يكون المراد من لفظ القياس عند الفقهاء هذا المعنى المذكور إذا لم يكن دليل الأصل شاملاً للفرع
أما إذا كان شاملاً له فإنه لا يصح أن يكون لفظ القياس مراداً به المعنى الأصولي لقولهم: إن من شروط
القياس أن لا يشمل دليل الأصل الفرع وحينئذ إذ قال الفقهاء في حكم إن مشروع على خلاف القياس أو
على وفقه وكان الفرع مما يشمله دليل الأصل يكون المراد من لفظ القياس هنا القياس الأصلي ((اللغوي))
الذي هو التقدير والمساواة بمعنى أن ذلك الحكم إذا قدر ونسب إلى قاعدة الشرع في نظائره من الأحكام
فإن وافقها كان الحكم مشروعاً على وفق القياس وإن خالفها كان مخالفاً له.
إذا علم هذا فقد اختلفت أنظار الفقهاء في مشروعية المسلم هل جاءت على خلاف القياس أم على وفقه.
قال جمهور الفقهاء بالأول.
وقال ابن القيم وشيخه ابن تيمية بالثاني.
=

١٠٥
کتاب البيوع
احتج الجمهور على مجيء المسلم مخالفاً للقياس بما يأتي:
أن بيع المعدوم منهي عنه شرعاً لقوله وسلّ لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك. وهذا عام مشمل
الموجود الذي ليس في ملك البائع كما يشمل المعدوم إذ يصدق عليه أنه ليس عند الإنسان وإنما نهى عن
بيع المعدوم للعجز عن التسلم الذي هو مقتضى عقد البيع.
وبالنظر في عقد السلم يرى أن المعقود عليه ليس عند البائع إذ هو معدوم حين العقد لأن الفرض في
السلم أنه عقد على ما في الذمة فتكون علة النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان من العجز عن التسليم قد
وجدت وتحققت في عقد السلم فلذا كان القياس فيه أن يكون منهياً عنه فتجويزه بعدئذ بالنصوص الدالة
على مشروعيته ليكون على خلاف القياس.
وبقي بعدئذ النظر في المراد من لفظ القياس في قول الجمهور إن السلم مشروع على خلاف القياس
ولتحقيق ذلك أقول:
صح عن النبي ◌َّ أنه قال لحكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك)) فإذا كان المراد البيع في هذا الحديث
البيع المطلق الذي هو بيع العين بالدين فحينئذ يكون المراد من لفظ القياس في قولهم هذا هو القياس
الأصولي لأن الحديث إذ ذاك لم يتبادل إلا فرداً واحداً من أفراد البيع وهو البيع المطلق والعلة في النهي
عن هذا البيع عند عدم البيع هي العجز عن تسليم ((البيع)) للمشتري حين العقد.
وبالنظر في عقد السلم يرى أن هذه العلة موجودة ومتحققة فيه لعدم وجود محل التعاقد حين العقد
ومقتضى وجود هذه العلة فيه أن يلحق بالبيع المطلق إذا كان على معدوم ويقاس عليه قياساً أصولياً فيأخذ
حكمه وهو الحرمة والبطلان فتكون مشروعيته بعد أن اقتضى هذا القياس بطلانه وتحريمه تشريعاً على
خلاف القياس الأصولي.
وعلى هذا الطريق سار الإمام السرخسي في مبسوطه والإمام العيني في البناية شرح الهداية وصاحب الدرر
في درره حيث قالوا: والقياس يأبى جوازه لأن بيع الموجود غير المقدور على تسليمه باطل فبيع المعدوم
أولى بالبطلان وإنما تركناه بآية المداينة اهـ.
وهذا لأن معنى القياس الأولويّ أن يقاس بيع السلم على بيع الأعيان الموجودة غير المقدور على تسليمها
ووجه الأولوية فيه أن المجهول الموجود له ثبوت من بعض الوجوه بخلاف المعدوم فإنه نفي محض.
وبيع المجهول الموجود باطل قطعاً فيبطل بالأولى بيع المعدوم ولا يصح هذا القياس إلا إذا أريد من البيع
في الحديث البيع المطلق كما تقدم.
وخالف هذه الطريقة الإمام المحقق الكمال بن الهمام فرأى أن المراد من البيع في الحديث مطلق البيع
فيكون القياس الأصولي قد فقد شرطه المتقدم وهو أن لا يشمل دليل الأصل الفرع. وعليه فلا يكون مراداً
ووجه شمول دليل الأصل الفرع على هذا الرأي أن مطلق البيع جنس له أنواع كثيرة. منها المقايضة
والصرف والسلم والبيع المطلق وكل هذه الأنواع سواء في اندراجها تحت جنس البيع المنهي عنه فلا
يصح قياس أحدها على الآخر إذ ليس أحدها أولى بأن يكون أصلاً والآخر فرعاً له.
وقد تقدم أنه إذا تعذر القياس الأصولي يكون المراد بالقياس في قولهم المتقدم ((من أن السلم مشروع على
خلاف القياس)) القياس الأصلي اللغوي، وهو التقدير والمساواة.
وعلى هذا المعنى يوجه قولهم هذا بأن السلم إذا قدر ونسب إلى قاعدة جواز البيع وهي أن يكون المبيع
موجوداً مملوكاً للبائع وللبائع عليه ولاية بوكالة مثلاً مقدور التسليم حال العقد حسًّا وشرعاً وجد أنه لا =

١٠٦
كتاب البيوع
شرط يخالف مقتضى العقد [لأن مقتضى العقد] (١) بثبوت الحكم للحال، وشرط الخيار يمنع
انعقاد العقد في حق الحكم، ومثل هذا الشرط مفسد للعقد في الأصل، إِلا أنا عرفنا جوازه
بالنص، والنص ورد في بيع العين، فبقي ما وراءه على أصل القِيَاس، خصوصاً إِذا لم يكن في
معناه، والسلم ليس في معنى بيع العين فيما شرع له الخيار؛ لأنه شرع لدفع الغبن، والسلم
مبناه على الغبن ووكس الثمن؛ لأنه بيع المفاليس فلم يكن في معنى مورد النص، فورود النص
هناك لا يكون وروداً ههنا دلالة، فبقي الحكم فيه للقياس؛ ولأن قبض رأس المال من شرائط
الصِّحة على ما نذكره، ولا صحَّة للقبض إِلا في الملك، وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك،
فيمنع المستحقّ صحة القبض، بخلاف [خيار](٢) المستحق أنه لا يبطل السلم حتى لو استحق
رأس المال، وقد افترقا بعد(٣) القبض وأجاز المستحق - فالسلم صحيح؛ لأنه لما أجاز تبين أن
العقد وقع صحيحاً من حين وجوده، وكذا القبض؛ إِذ الإِجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة،
وبخلاف خيار الرؤية والعيب؛ لأنه لا يمنع ثبوت الملك فلا يمنع صحّة القبض.
ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق بأبدانهما، ورأس المال قائم في يد المسلم
يساويها ولا تنطبق هي عليه وهذا معنى مخالفته للقياس عندهم هذه وجهة ما ذهب إليه جمهور الفقهاء
=
على كلتا الطريقتين وخالفهم في ذلك ابن القيم وشيخه فاستدلا على أن السلم مشروع على وفق القياس
بما يأتي:
أولاً: أن السلم بيع مضمون في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالباً فهو كالمعاوضة على المنافع في
الإجارة فكما جازت المعاوضة على المنافع في الإجارة على وفق القياس لأن قياسها على بيع الثمر بعد
أن يبدو صلاحه يقضي بمشروعيتها لانتفاء الغرر في كل فكذا السلم لأن كلاً منهما عقد على مقدور
التسليم غالباً ولا غرر فيه.
ثانياً: أن الابتياع بثمن مؤجل جائز على وفق القياس إجماعاً فيلحق به الابتياع بمبيع مؤجل الذي هو
السلم لأن كلا يرد على أمر مضمون في الذمة ثابت فيها مقدور على تسليمه غالباً فكل من الثمن والمبيع
عوض في البيع وليس من فرق بين كون أحد العوضين يجوز تأجيله في الذمة وبين الآخر فهذا شغل لذمة
المشتري بالثمن المضمون وهذا شغل لذمة البائع بالمبيع المضمون ومما يؤيد أنه لا فرق بينهما أن آية
المداينة عامة تعم الثمن والمثمن فهما سواء.
ويرجح هذا الفهم أن ابن عباس رضي الله عنهما وهو ترجمان القرآن قد فهمه حيث قال: أشهد أن السلف
المضمون في الذمة حلال في كتاب الله وقرأ هذه الآية.
وبهذا ثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، أعلام الموقعين ١٠٦/٢، المبسوط السرخسي ١٢٤/١٦،
الدرر ١٩٤/٢، فتح القدير ٣٢٤/٥.
(١) سقط من ط .
(٢) سقط من ط .
(٣) في ط: عن.

١٠٧
كتاب البيوع
إِليه - ينقلب العقد جائزاً عندنا خلافاً لزفر، وقد مرت المسألة، وإن كان هالكاً أو مستهلكاً لا
ينقلب إِلى الجواز بالإِجماع؛ لأن رأس المال يصير ديناً على المسلم إِليه، والسلم لا ينعقد
برأس مال دين فلا ينعقد عليه أيضاً.
وأما الذي يرجع إلى البدل فأنواع ثلاثة: نوع يرجع إِلى رأس المال خاصة، ونوع يرجع
إِلى المسلم فيه خاصة، ونوع يرجع إليهما جميعاً.
أَمَّا الَّذِي يرجعُ إِلى رأس المال فأنواع: (١)
(١) ذكر الحنفية لصحة السلم شروطاً لضبط المسلم فيه فقالوا يشترط.
١ - بيان جنس المسلم في العقد كقطن أو قمح أو تمر.
٢ - بيان نوع المسلم فيه في العقد. كقطن عفيفي أو أشموني أو قمح صعيدي أو بحيري أو تمر سيوي أو
سماني.
٣ - بيان قدر المسلم فيه في العقد كجيد أو متوسط أو رديء.
٤ - بيان قدر المسلم فيه في العقد بكيل أو وزن أو ذرع أو عدّ بأدوات يؤمن فقدها من أيدي الناس فإن
کان لا يؤمن فالسلم فاسد.
٥ - أن يكون مما يمكن ضبط قدره وصفته ضبطاً لا يبقى معه جهالة فاحشة وهو المكيلات والموزونات
والمزروعات والعدديات المتقاربة. وقالت المالكية يشترط لصحة السلم في المسلم فيه.
١ - بيان صفات المسلم فيه التي تختلف بها القيمة في السلم عادة ببلد المسلم فيه ومكانه كالنوع والجودة
والرداءة والتوسط بينهما.
٢ - ضبط المسلم فيه بعادة أهل محل العقد من كيل أو وزن أو ذرع أو عدّ.
وقالت الشافعية يشترط لصحة السلم في السلم فيه.
١ - معرفة الأوصاف التي يختلف بها الفرض اختلافاً ظاهراً وينضبط بها المسلم فيه.
٢ - كون المسلم فيه معلوم القدر كيلا فيما يكال ووزناً فيما يوزن وذرعاً فيما يزرع وفيما يعد.
وقالت الحنابلة يشترط لصحة السلم في المسلم فيه.
١ - وصف المسلم فيه بما يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً بذکر جنسه ونوعه وصفته وقدر حبّه ولونه إن
اختلف الثمن به .
٢ - بيان قدره بالكيل أو الوزن أو الذرع أو العد بأدوات معلومة عند العامة.
٣ - أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته من المكيل والموزون والمزروع والمعدود وبالنظر في هذه الشروط
يمكن الخلوص إلى النتيجة الآتية وهي:
أولاً: أن الشرط الأول عند كل من المالكية والشافعية والحنابلة وهو العلم بأوصاف السلم فيه يشمل عند
الحنفية شروطاً ثلاثة هي: بيان جنسه ونوعه. وصفته لأن المعلومية لا تتم إلا ببيان هذه الأشياء الثلاثة
وكل إمام منهم قد ذكرها بياناً للفرض الذي يقصده وهو معرفة الأوصاف التي يختلف بها الثمن.
ثانياً: أن الشرط الثاني عند كل من المالكية والشافعية وهو معلومية قدرة مثل الشرط الرابع عند الحنفية
والثاني عند الحنابلة فقد اشترطاه أيضاً إلا أن المالكية والشافعية لما رأوا أنه إذا علم قدره من كيل أو وزن
أو ذرع أو عدِّ فلا بد أن يكون مما ينضبط لذلك لم يذكروا شرط كونه مما ينضبط كما هو صنيع الحنفية =

١٠٨
كتاب البيوع
منها بيان جنسه؛ كقولنا: دراهم أو دنانير أو حنطة أو تمر.
ومنها: بيان نوعه إذا كان في البلد نقود مختلفة؛ كقولنا: دراهم فتحية أو دنانير
نيسابورية (١) أو حنطة سبقية أو تمر برني.
ومنها بيان صفته(٢)؛ كقولنا: جيد أو وسط أو رديء، لأن جهالة الجنس والنوع والصفة
[جهالة](٣) مفضية إلى المنازعة، وأنها مانعة صحّة البيع؛ لما ذكرنا من الوجوه فيما تقدم.
ومنها بيان قدره إذا كان مما يتعلَّق العقد بقَذره، من المكيلات والموزونات والمعدودات
المتقاربة. ولا يكفي بالإشارة إليه، وهذا قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وأحد قولي
الشَّافعي(٤).
والحنابلة حيث ذكروه شرطاً مستقلاً.
ومجمل هذا أنه بمقارنة هذه الشروط التي تختلف في عددها وتتفق في المراد منها يمكن استنتاج أن الأئمة
رضوان الله عليهم قد اتفقت كلمتهم على أن المسلم فيه لا بد أن يكون مما ينضبط في نفسه ولا بد من
ضبطه في العقد على وجه ينفي الجهالة الفاحشة المؤدية إلى المنازعة .
ينظر الشرح الكبير ٢٠٦/٣، مغني المحتاج ١٠٧/٢، كشاف القناع ١٢٠/٢.
(١) نيسابورية: نسبة إلى نيسابور.
(٢) ويراد بالصفة هنا الجودة والرداءة والتوسط بينهما فإن الفقهاء يختلفون في أن النص على أحد هذه الثلاثة
ضروري لتحقق الضبط أم ليس بضروري .
فيرى فقهاء الحنفية والحنابلة عدم تحققه وهو أحد قولي الشافعية لأن الفرض من اشتراط الضبط رفع
الجهالة المفضية إلى المنازعة وبدون بيانها لا ترتفع. ويرى فقهاء المالكية وهو القول الثاني للشافعية
تحققه بدون بيانها في العقد لأن العرف قائم مقام بيانها وعند عدم العرف يحمل على الوسط عند المالكية
وعلى الجيد عند الشافعية.
وعلى هذا فإذا أسلم شخص لآخر اثني عشر جنيهاً في أربعة أرادب من القمح الهندي ولم يذكرا صفته من
جودة ورداءة فإنه يكون العقد فاسداً عند الحنفية والحنابلة صحيحاً عند المالكية والشافعية على أحد
القولين .
والذي أراه أن القول بفساده كما هو رأي الحنفية والحنابلة سديد قوي الحجة كيف لا والواقع يؤيده إذ من
المبيعات ما له رتب مختلفة ودرجات متفاوتة وقد جرت العادة بعدم التسامح فيها ولم يكن عرف في
تعيين إحداها كالأقطان مثلاً. فإن مراتبها مختلفة يتفاوت الثمن والفرض باختلافها وكل أنواعها كثير
الوجود شائع الاستعمال فمثل هذا لا بد من تعيين إحداها حينئذ عند العقد وإلا فسد. ينظر: عقد السلم
لشيخنا عبد العظيم فياض.
(٣) سقط من ط .
(٤) كما لو أسلم في المكيل وزناً أو في الموزون كيلاً فإن الفقهاء حينئذ يختلفون أيضاً في صحة السلم بناء
على تحقق شرط الضبط أو عدم تحققه.
فمشهور مذهب الحنفية أن السلم صحيح. لتحقق شرط الضبط.
=

١٠٩
كتاب البيوع
وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بشرط والتَّعيين بالإشارة كاف؛ وهو أحد قولي الشَّافعي -
رحمه الله -، ولو كان رأس المال مما لا يتعلّق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة -
لا يشترط إِعلام/ قدره، ويكتفي بالإشارة بالإجماع؛ وكذا إِعلام قدر الثمن في بيع العين ليس ١٠٢/٣ب
بشرط، والإِشارة كافية بالإِجماع، وصورة المسألة: إذا قال: أسلمت إِليك هذه الدّراهم أو هذه
الدنانير ولا يعرف وزنها، أو هذه الصبرة ولم يعرف كيلها - لا يجوز عند أبي حنيفة.
وعندهما: يجوز، ولو قال: أسلمت إِليك هذا الثوب ولم يعرف ذرعه، أو هذا القطيع
من الغنم ولم يعرف عدده - جاز بالإجماع.
وجه قولهما: أن الحاجة إلى تعيين رأس المال، وأنه حصل بالإِشارة إليه، فلا حاجة إلى
إعلام قدره؛ ولهذا لم يشترط إعلام قَدْر الثمن في بيع العين ولا في السلم، إذا كان رأس
المال مما يتعلق العقد بقدره(١) .
لأن اشتراط الضبط في المسلم فيه كما هو للمعلومية على وجه يرفع النزاع بين المتعاقدين والمعلومية كما
=
تكون بالكيل في المكيل مثلاً تكون بالوزن فيه وذلك باتفاقهما على الوزن.
وبهذا قال الشافعي وهو رأي ابن المنذر إحدى روايتي الحنابلة.
وقالت المالكية لا يصح السلم حينئذ لعدم تحقق شرطه.
لأنه قدّره بغير ما هو مقدر به فلم يتحقق الضبط الذي هو شرط الصحة فيه فلا يجوز ومما يؤيد هذا أنه لو
كان محققاً لشرط الضبط لجاز بيع المكيلات من الأموال الربوية بعضها ببعض وزناً وبالعكس مع أنه لا
يصح فما ذاك إلا لاختلال الضبط في بيع المكيل وزناً وبيع الموزون كيلاً وهو الرواية الثانية عند الحنفية
والحنابلة .
(١) وطريق العلم به إما أن يكون بالرؤية فيما تكون المشاهدة مفيدة للعلم به كالعقار والحيوان وإما بوصفه
وصفاً نافياً للجهالة الفاحشة المؤدية للمنازعة كما في المثليات ونحوها حيث يجب بيان جنسه ككونه ذهباً
أو فضة أو قمحاً أو شعيراً وبيان نوعه ((إن كان مما يختلف به وإلا فلا داعي إليه)) ككون الجنيه مصرياً أو
انجليزياً والقمح مسقياً أو بعلياً)) وبيان صفته ككونه جيداً أو متوسطاً أو رديئاً وبيان قدره كأن يقول خمسة
جنيهات أو عشرین إردباس القمح مثلاً .
وعلى هذا اتفقت كلمة الفقهاء مستندين إلى نحو ما تقدم لهم في شرط ضبط المسلم فيه إلا أن أنظارهم
اختلفت هنا هل تعتبر الإشارة وحدها طريقاً من طرق العلم الرافعة لجهالة المقدار أم لا ولبيان وجهة
أنظارهم في هذا الموضوع أقول:
اتفقوا على أن الإشارة إلى رأس المال تفيد العلم به وتكون كافية عن بيان مقداره فيما إذا كان مما لا ينظر
فيه إلى المقدار بأن يكون من الذرعيات أو العدديات المتفاوتة كما لو اتفقا على أن يكون رأس المال ثوباً
أو عبداً أو حيواناً مثلاً.
أما إذا كان رأس المال مما ينظر فيه إلى المقدار كأن يكون من الكيلات أو الموزونات أو العدديات
المتقاربة بأن اتفقا على أن يكون رأس المال صبرة من طعام أو كمية من الزيت أو دراهم أو دنانير دون أن =

١١٠
كتاب البيوع
يعلم مقدار كيل صبرة الطعام أو كمية أرطال الزيت أو عدد الدراهم أو الدنانير فهاهنا قد اختلفت الأنظار.
=
فذهب الإمام أبو حنيفة والثوري إلى عدم الاكتفاء بالإشارة بل لا بد عندهما من النص على تعيين الكيل
والوزن والعد وهذا أحد قولي الشافعي وأحمد وذهب إلى الاكتفاء بالإشارة الإمامان أبو يوسف ومحمد
والإمام مالك إذا توفرت فيه شروط بيع الجزاف عنده وهو القول الثاني للشافعي وأحمد.
وقد وجه الفريق الأول القائل بعدم الاكتفاء بالإشارة وأنه لابد من تعيين المقدار قولهم بما يأتي:
أولاً: بما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال به وهو فقيه من فقهاء الصحابة وقول الفقيه
مقدم على القياس.
ثانياً: اتفق العلماء على أن المسلم فيه لابد من تعيينه ولا يكتفي بالإشارة في بيان فليلحق به رأس المال
في عدم الاكتفاء بالإشارة إليه في بيان قدره لأن كلا منهما عوض في العقد ولا داعي للتفرقة بينهما.
ثالثاً: أن السلم عقد لا يملك إتمامه في الحال ولا تسليم المعقود عليه ولا يؤمن انفساخه فوجب معرفة
رأس المال ليرد بدله كالقرض والشركة.
رابعاً: أن عدم النص على مقدار رأس المال اكتفاء بالإشارة إليه يؤدي إلى جهالة المسلم فيه الممنوعة
اتفاقاً وما يؤدي إلى الممتنع شرعاً ممتنع شرعاً.
بيان ذلك: أن السلم إليه من شأنه أن يكون محتاجاً ومعسراً ومن كان هذا شأنه فبمجرد أن يتسلم شيئاً من
المال يسارع إلى إنفاقه في حاجياته فإذا كان قد صرف بعضه ثم ظهر في البعض الآخر زيوف واختار
المسلم إليه أن يستبدله ويرده ولم يتيسر له هذا في مجلس العقد يكون العقد باطلاً بقدره فإذا لم يكن قدر
الكيل معلوماً لم يدر في كم انتقض وفي كم بقي وقد نشأ هذا الفساد من عدم تعيين المقدار اكتفاء
بالإشارة وما ينشأ عنه الفساد يكون مفسداً ومجمل هذا أن جهالة المسلم فيه مفسدة اتفاقاً فكذا ما يستلزمها
من عدم النص على بيان رأس المال فإنه يكون مفسداً.
وقد وجه الفريق الثاني القائل بالاكتفاء بالإشارة وأنه لا داعي للنص على المقدار قولهم بما يأتي : -
أولاً: إن الإشارة إلى رأس المال تنفي الجهالة الفاحشة المؤدية للمنازعة فتكون كافية عن النص على
مقداره قياساً على الثمن المعجل في البيع المطلق وعلى الأجرة المعجلة في الإجارة وعلى رأس المال
المضاربة وعلى رأس مال السلم الذي لا يتعلق العقد على مقداره فكما لا يشترط النص على مقدار هذه
الأشياء اكتفاء بالإشارة إليها كذلك رأس مال السلم فيما معنا بجامع أن كلا منها عوض في معاوضة مالية.
ثانياً: أن رأس مال السلم عوض في عقد لا يقتضي رد المثل فوجب أن تفنى المشاهدة عن ذكر صفاته
كالمهر والثمن في البيع.
وإذا نظر في أدلة الفريق الثاني أمكن مناقشتها بما يأتي : -
أولاً: يتجه على قياسهم رأس مال السلم على كل من الثمن المعجل والأجرة ورأس مال المضاربة ورأس
مال السلم الذي لا ينظر فيه إلى المقدار أن هناك فرقاً بين رأس مال السلم وبين هذه الأشياء الأربعة.
أما بيان الفرق بالنسبة بينه وبين كل من الثمن المعجل والأجرة ومال المضاربة فإن كلا من هذه الأمور إذا
حصل فيها ما يوجب رده أو استبداله فإنه لا يضر العقد ولا يترتب عليه فسخه إذ العقد في كل منها لا
يوجب تعجيل قبضه بخلاف رأس مال السلم فإنه لو حصل فيه شيء مما يوجب الرد أو الاستبدال فإنه
يستلزم جهالة المسلم فيه وهي ضارة بالعقد فكذا ما يستلزمها.
=

١١١
كتاب البيوع
ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن جهالة قدر رأس المال تؤدّي إلى جهالة قدر المسلم فيه،
وأنها مفسدة للعقد، فيلزم إعلام قدره صيانة للعقد عن الفساد ما أمكن؛ كما إذا أسلم فى
المکیل بمکیال نفسه بعينه.
ودلالة أنها تؤدي إلى ما قلنا: أن الدراهم على ما عليه العَادَة لا تَخْلو عن قليلٍ زيف،
وقد يرد الاستحقاق على بعضها، فإذا رد الزَّائف ولم يستبدل في مجلس الردّ، ولم يتجوز
وأما بيان الفرق بينه وبين رأس المال الذي لا ينظر فيه إلى المقدار فإن القدر في المقيس عليه ملحق
=
بالصفة والبيع لا يقابل الأوصاف ألا ترى أنه لو قال أسلمت إليك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فوجده
أحد عشر سلمت له الزيارة مجاناً فما ذاك إلا لأن الزيادة فيها تجري مجرى الصفة وإعلام صفة رأس
المال ليس بشرط الصحة السلم إذا كان معيناً مشاراً إليه فكان هذا قياساً مع الفارق.
ثانياً: يتجه على قياس رأس مال السلم على المهر والثمن أن هناك فرقاً بين المقيس والمقيس عليه فإن
المهر ليس عوضاً في مبادلة مالية وأن جهالته لا تستلزم فساد النكاح وكذلك الثمن لا يشترط تعجيله فإن
تبين زيفه لم يؤد إلى فساد مقابلة بخلاف رأس مال السلم في ذلك وبالنظر في وجهة الفريق الأول أنها
نوقشت من جانب الفريق الثاني بما يأتي :
أولاً: أن كلا من الرد والاستبدال والاستحقاق أمر موهوم. والموهوم لا وجود له فلا يعتبر وخاصة فيما
بنى على الرخص كالسلم.
ثانياً: أن دليل الإمام القائل بأن الاكتفاء بالإشارة في رأس المال يؤدي إلى جهالة المسلم فيه يرد عليه أن
فيه اعتبار شبهة الشبهة بل وأنزل منها لأن وجود الزيف محتمل ثم اختيار الرد محتمل ثم عدم الاستبدال
في مجلس العقد محتمل وما هو كذلك لا يعتبر إذا اعتبر هو الشبهة فقط.
ولكن يجاب عن الاتجاه الأول بتسليم أن هذا موهوم إلا أنه لا يمنع من اعتباره لأن الموهوم في هذا
العقد كالمعلوم لأنه قد شرع مع المنافي لشرعيته كون المبيع معدوماً فيكون ضعيفاً في شرعيته فيؤثر فيه
توهم الغرر المذكور.
أما ترى قول النبي ◌ّله: أرأيت لو أذهب الله ثمرة هذا الحائط بم يستحل أحدكم مال أخيه، فإنه قد اعتبر
الموهوم وهو ذهاب ثمرة الحائط حيث رتب وّير عدم الجواز عليه بالاستفهام الإنكاري ومما يؤيد اعتبار
الموهوم في هذا العقد أيضاً اتفاق العلماء على عدم صحة السلم بمكيال رجل بعينه لا يعرف مقداره
لاحتمال هلاك هذا الكيل قبل الحلول وهذا أمر وهمي وهو معتبر.
كما أجيب عن الاتجاه الثاني إما بأنها شبهة واحدة لأن الكل مبني على وجود الزيف وإما بأن السؤال
فاسق لأن الشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت كالنقد مع النسيئة وليس هذا كذلك.
ومن الموازنة بين أدلة الفريقين يستنتج أن أرجح القولين وأولاهما بالقبول هو القول بعدم الاكتفاء بالإشارة
ووجوب النص على المقدار وذلك ما يمكن أن يكون موافقاً لقواعد الشريعة إذ إنها قد احتاطت في هذا
العقد فمنعت فيه كل ما يوجب زيادة غرر ويؤدي إلى المشاحة والمنازعة ولا شك أن الاكتفاء بالإشارة
كثيراً ما يجري إلى التنازع والبغضاء الأمر الذي تأباه الشريعة وتنهى عنه دائماً في كل معاملاتها.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، مغني المحتاج ١٠٤/٢، الشرح الكبير ١٩٦/٣، فتح القدير
٢٣٩/٥.

١١٢
كتاب البيوع
المستحقّ - ينفسخ السلم في المسلم فيه بقدر المردود والمستحق ويبقى في الباقي وذلك غير
معلوم فيصير المسلم فيه مجهول القدر؛ ولهذا لم يصح السلم في المكيلات بقفيز بعينه؛ لأنه
يحتمل هلاك القفيز، فيصير المسلم فيه مجهول القدر فلم يصحّ؛ كذا هذا، بخلاف بيع العين؛
فإِن الزيف والاستحقاق هناك لا يؤثر في العقد، لأنَّ قبض الثمن غير مستحقّ، وبخلاف الثّياب
والعدديات المتفاوتة؛ لأن القذر فيها ملحق بالصّفة.
ألا ترى أنه لو قال: أسلمت إليك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع، فوجده المسلم إليه
أحد عشر - سلمت الزيادة له، فثبت أن الزيادة فيها تجري مجرى الصفة، وإعلام صفة رأس
المال ليس بشرط لصحّة السلم إذا كان معيناً مشاراً إِليه.
وعلى هذا الخلاف: إِذا كان رأس المال جنساً واحداً مما يتعلَّق العقد على قدره،
فأسلمه في جنسين مختلفين كالحنطة والشعير، أو نوعين مختلفين من جنس واحد كالهروي
والمروي ولم يبين حصَّة كل واحد منهما - فالسّلم فاسد عند أبي حنيفة، وعندهما جائز، ولو
كان جنساً واحداً مما لا يتعلق العقد على قدره؛ كالثوب والعددي المتفاوت، فأسلمه في شيئين
مختلفين ولم يبيّن حصة كل واحدٍ منهما من ثمن رأس المال - فالثمن جائز بالإجماع.
ولو كان رأس المال من جنسين مختلفين أو نوعين مختلفين، فأسلم ما في جنس واحد -
فهو على الاخْتِلاف.
والكلام في هذه المسألة بناء على الأصل الذي ذكرنا؛ أن كون رأس المال معلوم القذر
شرط لصحة السّلم عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بشَرْط .
ووجه البناء على هذا الأصل: أن إِعلام القدر لما كان شرطاً عنده، فإذا كان رأس المال
واحداً وقوبل بشيئين مختلفين - كان انقسامه عليهما من حيث القيمة لا من حيث الأجزاء،
وحصة كل واحد منهما من رأس المال لا تعرف إلا بالحزر والظن، فيبقى قدر حصة كل واحد
منهما من رأس المال مجهولاً، وجهالة قدر رأس المال مفسدة للسلم عنده، وعندهما إِعلام
قدره ليس بشرط، فجهالته لا تكون ضارّة، ولو أسلم عشرة دراهم في ثوبين جنسهما واحد
ونوعهما واحد وصفتهما واحدة وطولهما واحد، ولم يبين حصة كل واحد منهما من العشرة -
فالسلم جائزٌ بالإِجماع، أما عندهما فظاهر؛ لأَن إِعلام قدر رأس المال ليس بشرط.
وأما عنده: فلأن حصّة كل واحد منهما من رأس المال تعرف من غير حزر وظن، فكان
قدر رأس المال معلوماً، وصار كما إذا أسلم عشرة دراهم في قفيزي حنطة، ولم يبين حصة
كل قفيز من رأس المال - أنه يجوز؛ لما قلنا كذا هذا.
ولو قبض الثوبين بعد محلّ الأجل، ليس له أن يبيع أحدهما مرابحةً على خمسة دراهم

١١٣
كتاب البيوع
عند أبي حنيفة؛ وعند أبي يوسف ومحمد: له ذلك، وله أن يبيعهما جميعاً مرابحة/ على عشرة ١١٠٣/٣
بالإجماع؛ وكذا لو كان بين حصّة كل ثوب خمسة دراهم، له أن يبيع أحدهما على خمسة
مرابحة بلا خِلاَف، ونذكر دلائل هذه الجملة في مسائل المرابحة إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن يكون مقبوضاً في مجلس السّلم (١)؛ لأن المسلم فيه دين، والافتراق لا عن
(١) اتفق الفقهاء على أن يكون رأس المال وهو الثمن معجلاً إلا أنهم قد اختلفت آراؤهم في حد التعجيل.
فالجمهور على أنه يجب أن يكون قبل الافتراق بالأبدان.
والمالكية على أنه يكون قبل مضي ثلاثة أيام من مبدء العقد.
وقد استدل الجمهور على مدعاهم بما يأتي : -
أولاً: لو لم يقبض رأس المال قبل الافتراق لأدى إلى محرم شرعاً وهو الافتراق عن دين بدين وما يؤدي
إلى المحرم شرعاً يمتنع شرعاً فيجب القبض في المجلس ووجه أنه افتراق عن دين بدين عند عدم قبض
رأس المال قبل الافتراق أن عقد السلم لا يقع إلا على دين موصوف في الذمة فإذا افترقا ولم يقبض رأس
المال كان ديناً في الذمة أيضاً فيكون افتراقاً على دين بدين وقد نهينا عنه بما روي أن رسول الله ومؤ نهى
عن بيع الكالىء بالکالیء وهو الدین بالدین.
والسر في هذا أن مطلوب صاحب الشرع صلاح ذات البيت وحسم مادة الفساد والفتن وتقليلها بقدر
الإمكان حتى بالغ في ذلك بقوله ◌َّلية: ((لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا)) وإذا اشتملت المعاملة على شغل
الذمتين توجهت المطالبة من الجهتين فكان ذلك سبباً في كثرة الخصومات والعداوات فمنع الشرع ما
يفضي إلى ذلك وهو بيع الدین بالدين.
ثانياً: أن مأخذ هذا العقد دليل على هذا الشرط ووجه ذلك أنه يسمى سلما وسلفاً لغة وشرعاً أما لغة
فالعرب تقول أسلمت وأسلفت بمعنى واحد وأما شرعاً فقد جاء في الحديث الشريف الروايتان فتارة روي
يلفظ من أسلم فليسلم وتارة أخرى بلفظ من أسلف فليسلف والسلم ينبىء عن التسليم والسلف ينبىء عن
التقديم فيقتضي لزوم تسليم رأس المال وتقديم قبضه على قبض المسلم فيه وإلا ضاعت فائدة التسمية
وكانت لغواً وعبثاً من الشارع الحكيم وهو منزه عن ذلك.
ثالثاً: إن في عقد السلم غرراً بتأخير المسلم فيه فلا يضم إليه غرر تأخير تسليم رأس المال.
رابعاً: أن الفرض أن المسلم إليه محتاج شأن إقدامه على هذا العقد فلا بد من تسليم رأس المال إليه فوراً
ليتصرف فيه على حسب حاجته وإلا فلو لم يقبضه قبل الافتراق لعاد على حكمته بالنقض وهي حاجته.
واستدل الإمام مالك على أن التأخير إلى الثلاثة أيام تعجيل بما يأتي:
أولاً: أن الأحاديث الواردة في السلم الدالة على مشروعيته وبيان شروطه لم تنص على أن تعجيل رأس
المال في المجلس شرط فدل كل هذا على أن وقوع قبض رأس المال في المجلس ليس بشرط.
ثانياً: أن المانع من جواز تأخير قبض رأس المال هو مخافة أن يؤدي ذلك إلى بيع دين بدين وحيث لم
يشرطاه في العقد لا يخرج هذا العقد إلى الدين عرفاً.
ثالثاً: أن تأخير قبض رأس المال إلى آخر المجلس غير مفسد للعقد فكذلك تأخيره إلى يومين أو ثلاثة
لأن هذا التأخير لا يخرج العقد عن كونه سلماً إذ إن ما قارب الشيء يعطي حكمه.
ويمكن مناقشة أدلة المالكية هذه بما يأتي.
بدائع الصنائع ج٧ - ٨٢
=

١١٤
كتاب البيوع
قبض رأس المال يكون افتراقاً عن دين بدين وأنه منهي عنه، لما رُوِيَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - وَ -
نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِ بالكَالِيِ)»(١) أي النسيئة بالنسيئة، ولأن مأخذ هذا العقد دليل على هذا
الشَّرط، فإِنهَ يسمى سلماً وسلفاً لغة وشرعاً تقول العرب: أسلمت وأسلفت بمعنى واحدٍ، وفي
الحديث: ((مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسلِمْ فِي كَيْلٍ مَغْلُومٍ».
أولاً: قولهم النصوص الدالة على مشروعيته لم تذكره شرطاً فدل هذا على عدم شرطيته فيه أن هذه
=
الأحاديث إنما تعرضت للشروط التي لم يكن معمولاً بها زمن المشروعية. وليس من اللازم أن كل ما لم
ينص عليه ليس شرطاً إذ قد يترك بيانه بجريان العرف به.
على أنه قد يمنع عدم تعرض الأحاديث لهذا الشرط بل قد ذكرته ونصت عليه في قوله وثيقة: من أسلف
فليسلف: الحديث ولذا قال الشافعي فيما رواه البيهقي. أن قول النبي ◌َّلتر. من سلف فليسلف كأنه قال
فليعط لأنه لا يقع اسم التسليف فيه حتى يعطيه ما سلف قبل أن يفارق من سلف فدل هذا على النص على
شرطيته فكان شرطاً .
ثانياً: أن قولهم: الافتراق عن دين بدين إنما يكون إذا اشترطا تأخير رأس المال في العقد يلزمهم أن لا
يجوز والتأخير إلى الثلاثة أيام إذا كان مشروطاً ولكنهم أجازوه مع الشرط.
ثالثاً: قياسهم التأخير إلى الثلاثة أيام على التأخير إلى آخر المجلس قياس مع الفارق إذ العرف يقضي بأن
المقبوض في المجلس يسمى معجلاً ولا يقضي بذلك فيما أخر إلى نحو الثلاثة أيام وبذلك فسد قياسهم.
ومن هذا خلص لي أن أرجح مذهب الجمهور إذ هو مقتضى ظاهر النص.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض، فتح القدير ٣٤٢/٥، مغني المحتاج ١٠٢/٢، كشاف القناع
١٢٩/٢.
(١) أخرجه الدارقطني (٧١/٣) كتاب البيوع، الحديث (٢٦٩) والحاكم (٢/ ٥٧) كتاب البيوع، باب النهي عن
بيع الكالى بالكالىء، والبيهقي (٢٩٠/٥) كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الدين بالدين، من طريق عبد
العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: ((أن النبي ◌َّ نهى عن بيع الكالىء
بالكالى)) قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني (٣/
٧٢) الحديث (٢٧٠) والحاكم، والبيهقي من طريق ذؤيب بن عمامة ثنا حمزة بن عبد الواحد عن موسى
ابن عقبة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر به، وزاد: ((هو النسيئة بالنسيئة)) وسكت عنه الحاكم، وتعقبه
الذهبي بأن ذؤيباً واهٍ، وقد ضعف البيهقي الطريقين فقال: (موسى هذا هو ابن عبيدة الربذي، وشيخنا أبو
عبد الله - يعني الحاكم - قال في روايته عن موسى بن عقبة وهو خطأ، والعجب من أبي الحسن
الدارقطني شيخ عصره روى هذا الحديث في كتاب السنن عن أبي الحسن علي بن محمد المصري هذا
فقال عن موسى بن عقبة، وشيخنا أبو الحسن بن بشران رواه لنا عن أبي الحسن المصري في الجزء
الثالث من سنن المصري فقال عن موسى غير منسوب، ثم أردفه المصري بما رواه عن أحمد بن داود ثنا
عبد الأعلى بن حماد ثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي عبد العزيز الربذي عن نافع عن ابن عمر به. وأبو
عبد العزيز الربذي هو موسى بن عبيدة) ا. هـ ثم أخرجه البيهقي من طريق ابن عدي في الكامل (٦/
٢٣٣٥) ثنا القاسم بن مهدي ثنا أبو مصعب عن عبد العزيز الدراوردي عن موسى بن عبيدة فذكره. قال
ابن عدي: (وهذا معروف بموسی بن عبيدة عن نافع) قال البيهقي: (وقد رواه عبيد الله بن موسی وزید
ابن الحباب وغيرهما عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر) ثم أخرجه البيهقي =

١١٥
كتاب البيوع
وَرَوَي: ((مَنْ سَلَفَ فَلْيُسْلَفْ فِي كَيْلِ مَعْلُوم))(١) والسلم ينبئ عن التسليم والسلف ينبئ
عن التقدم، فيقتضي لزوم تسليم رأس المال، ويقدم قبضه على قبض المسلم فيه، فإِن قيل:
شرط الشيء يسبقه أو يقارنه، والقبض يعقب العقد، فكيف يكون شرطاً؟ فالجواب أن القَبْض
شرط بقاء العقد على الصّحة لا شرط الصحة، فإن العقد ينعقد صحيحاً بدون قبض، ثم يفسد
(٢٩٠/٥ - ٢٩١) كتاب البيوع: باب النهي عن بيع الدين بالدين. من طريق عبيد الله بن موسى، ومحمد
=
ابن عمر الواقدي وزيد بن الحباب كلهم عن موسى بن عبيدة. ثم أخرجه من طريق ذؤيب بن عمامة ثنا
حمزة بن عبد الواحد عن موسى - غير منسوب - عن عبد الله بن دينار به، ثم قال: (ولم ينسب شيخنا أبو
الحسين بن بشران عن أبي الحسن المصري فقال عن موسى، وهو ابن عبيدة بلا شك، وقد رواه
الدارقطني عن أبي الحسن المصري فقال عن موسى بن عقبة، رواه شيخنا أبو عبد الله بإسناد آخر عن
مقدام بن داود الرعيني عن ذؤيب بن عمامة فقال عن موسى بن عقبة وهو وهم، والحديث مشهور بموسى
ابن عبيدة، عن نافع عن ابن عمر، ومرة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة
(٥٩٧/٦ - ٥٩٨) كتاب البيوع، باب من كره أجلاً بأجل الحديث (٢١٦٧)، (٢١٦٩) والبزار (٩١/٢ -
٩٢) حديث (١٢٨٠) من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله
وَل عن الشمار، وعن بيع المجر، وعن بيع المجر، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالىء بكالىء وعن بيع
آجل بعاجل، قال: والمجر: ما في الأرحام، والغرر أن تبيع ما ليس عندك، وكالى بكالىء: دین بدین،
والآجل بالعاجل: أن يكون لك على الرجل ألف درهم. فيقول الرجل اعمل لك بخمسمائة ودع البقية،
والشغار: أن تنكح المرأة بالمرأة ليس بينهما صداق)) .
وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٠/٤) وزاد نسبته لإسحق بن راهويه.
وأخرجه الطبراني في الكبير كما في ((نصب الراية)) (٤/ ٤٠) من طريق موسى بن عبيدة عن عيسى بن سهل
ابن رافع بن خديج عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله وَّر عن المعاملة والمزابنة ونهى أن يقول الرجل
للرجل: أبيع هذا بنقد وأشتريه بنسيئة حتى يبتاعه ويحرزه وعن كالىء بكالى دين بدين.
ومنه تعلم اضطراب موسى بن عبيدة في هذا الحديث في سنده وفي متنه وموسى بن عبيدة الربذي.
وقد توبع موسى بن عبيدة تابعه ابراهيم بن أبي يحيى المجمع على كذبه.
أخرجه عبد الرزاق (٩٠/٨) رقم (١٤٤٤٠) عن ابراهيم الأسلمي به.
(١) أخرجه أحمد (٢٨٢/١)، والبخاري (٤٢٩/٤). كتاب السلم، باب في وزن معلوم، حديث (٢٢٤٠)
و(٢٢٤١)، ومسلم (١٢٢٦/٣ - ١٢٢٧): كتاب المساقاة: باب السلم، حديث (١٦٠٤/١٢٧)، وأبو
داود (٧٤١/٣ - ٧٤٢) كتاب البيوع والتجارات: باب في السلف، حديث (٣٤٦٣)، والترمذي (٦٠٢/٣
- ٦٠٣): كتاب البيوع: باب ما جاء في السلف في الطعام والتمر، الحديث (١٣١١)، والنسائي (٧)
٢٩٠): كتاب البيوت، باب السلف في الثمار، وابن ماجه (٢/ ٧٦٥) كتاب التجارات: باب السلف في
كيل معلوم، حديث (٢٢٨٠). وابن الجارود ص: (٢٠٩/٢٠٨). باب في السلم، حديث (٦١٤)
و(٦١٥)، والدارمي (٢/ ٢٦٠): كتاب البيوع: باب في السلف، والدار قطني (٣/٣). كتاب البيوع. رقم
(٣) والحميدي (٢٣٧/١)، رقم (٥١٠). والطبراني في الصغير (٢١٢/١) والشافعي (١٦١/٢). رقم
(٥٥٧). والبيهقي (١٨/٦): كتاب البيوع: باب جواز السلف المضمون بالصفة، وفي (١٩/٦): باب
السلف في الشيء. والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣٨/٤ - بتحقيقنا).

١١٦
كتاب البيوع
بالافتراق لا عن قبض، وبقاء العقد صحيحاً يعقب العقد ولا يتقدمه، فيصلح القبض شرطاً له،
وسواء كان رأس المال ديناً أو عيناً عند عامَّة العلماء استحساناً، والقياس ألاَّ يشترط قبضه في
المجلس إذا كان عيناً، وهو قول مالك - رحمه الله -.
وجه القياس: أن اشتراط القبض للاحتراز عن الافتراق عن دين بدين، وهذا افتراق عن
عین بدین وأنه جائزٌ.
وجه الاستحسان: أن رأس مال السلم يكون ديناً عادة (١)، ولا تجعل العين رأس مال
(١) وقد فرعوا على وجوب قبض رأس المال في المجلس أنه إذا كان ديناً في ذمة المسلم إليه كان العقد غير صحيح
لأن القبض الواجب شرعاً منعدم في هذه الحالة حقيقاً فيلزم الافتراق عن دين بدين فيكون العقد باطلاً .
قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم منهم مالك والأوزاعي والثوري وأحمد
=
وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي وعن ابن عمر أنه قال: لا يصح ذلك.
هذا ولكن إذا أحضر المدين الدين الذي في ذمته قبل افتراقهما عن المجلس وأقبضته رب السلم للمسلم
إليه صح العقد لوجوب شرطه حينئذ وهو قبض رأس المال قبل الافتراق.
وهذا إذا كان كل رأس المال ديناً في ذمة المسلم إليه أما إذا كان رأس المال مكوناً من جزءين أحدهما
معين مقبوض في مجلس العقد وثانيهما دين في ذمة المسلم إليه.
فقال الإمام أبو حنيفة وصاحباه والإمام الشافعي بجواز العقد في القدر المقبوض وبفساده في حصة الدين.
وقالوا: أما جوازه في حصة المقبوض فلاستجماع شرائط السلم ومنها قبض رأس المال وأما فساده في
الحصة التي هي في مقابلة الدين فلفوات القبض المستحق شرعاً في قدر الدين لأن العقد لا يتعلق بالدين
المضاف إليه وإنما ينعقد بمثله وهو غير مقبوض.
وقال زفر بفساد العقد في المقبوض أيضاً وهو قول ابن حزم:
وهذا لأن الفساد اللاحق للعقد من عدم قبض جزء من رأس ماله فساد قوي محكي في صلب العقد.
فيشيع في كل ما تضمنه العقد لا فرق بين مقبوض وغير مقبوض. ولأنه جعل قبول العقد في حصة الدين
شرطاً لقبوله في حصة النقد وهذا شرط مفسد للعقد ولأنه عقد واحد جمع بين فاسد وجامع فيكون فاسداً
لأن العقد لا ينقبض.
فعلى هذا لو أسلم شخص لآخر مائتي قرش في إردب من الذرة الشامية ونقده منها مائة وكان على المسلم
إليه المائة الثانية ديناً فإن هذا العقد يكون صحيحاً في نصف الأردب المقابل للمائة المقبوضة وباطلاً في
النصف الآخر المقابل بالمائة الدين عند أئمة الحنفية الثلاثة والشافعية والحنابلة. وأما عند زفر وابن حزم
فالكل باطل.
والذي أراه أرجح دلالة وأيسر معاملة ما عليه الأئمة لأن الفساد الذي نشأ من عدم قبض حصة الدين
طارىء على العقد بعد أن وقع العقد صحيحاً لأنه لم يقترن بأصل العقد إذ كونه ديناً عضو في المجلس ألا
ترى أنه لو أقبضه فيه بدل المائة الدين مائة أيضاً يكون العقد صحيحاً ولا يضره التبعيض للعلم بحصة كل
من البدلين .
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض.

١١٧
كتاب البيوع
السلم إلا نادراً، والنّادر حكمه حكم الغالب، فيلحق بالدين على ما هو الأصل في الشّرع في
إلحاق المفرد بالجملة؛ ولأن مأخذ العقد في الدّلالة على اعتبار هذا الشَّرط لا يوجب الفَصْل
بين الدّين والعين على ما ذكرنا، وسواء قبض في أول المجلس أو في آخره - فهو جائز؛ لأن
ساعات المجلس لها حكم ساعة واحدة؛ وكذا لو لم يقبض حتى قاما يمشيان، فقبض قبل أن
يفترقا بأبدانهما - لأن ما قبل الافتراق بأبدانهما له حكم المجلس.
وعلى هذا يخرج الإِبراء عن رأس مال السلم؛ أنه لا يجوز بدون قبول رب السلم؛ لأن
قبض رأس المال شرط صحّة السلم، فلو جاز الإبراء من غير قبوله وفيه إسقاط هذا الشرط
أصلاً - لكان الإِبراء فسخاً معنى. وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخ العقد، فلا يصح الإِبراء، وبقي
عقد السلم على حاله.
وإِذا قبل جاز الإِبراء؛ لأن الفسخ حينئذ يكون بتراضيهما وأنه جائز، وإِذا جاز الإبراء
وأنه في معنى الفسخ - انفسخ العقد ضرورة، بخلاف الإِبراء عن المسلم فيه أنه جائزٌ من غير
قبول المسلم إليه؛ لأنه ليس في الإِبراء عنه إسقاط شرط؛ لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط،
فيصح من غيرِ قبول، وبخلاف الإِبراء عن ثمن المبيع أنه يصحُّ من غير قبول المشتري إلا أنه
يرتد بالرد؛ لأَن قبض الثمن ليس بشرط لصحَّةٍ البيع إلا أنه يرتد بالرد؛ لأن في الإِبراء معنى
التمليك على سبيل التبرّع، فلا يلزم دفعاً لضرر المنة، ولا يجوز الإِبراء عن المبيع؛ لأنه عين
والإِبراء إِسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل.
وعلى هذا يخرج الاستبدال برأس مال السّلم في مجلس العقد؛ أنه لا يجوز، وهو أن
يأخذ برأس مال السّلم شيئاً من غير جنسه؛ لأن قبض رأس المال لما كان شرطاً، فبالاستبدال
يفوت قبضه حقيقة؛ وإنما يقبض بدله وبدل الشَّيء غيره.
وكذلك الاستبدال ببدل الصَّرف لما قلنا، فإِن أعطى رب السلم من جنس رأس المال
أجود أو أردأ، ورضي المسلم إليه بالأردأ - جاز؛ لأنه قبض جنس حقه، وإنما اختلف
الوصف؛ فإن كان أجود، فقد قضى حقه وأحسن في القضاء، وإِن كان أرداً فقد قضى حقه
أيضاً لكن على وجه النقصان، فلا يكون أخذ الأجود والأردأ استبدالاً، إلا أنه لا يجبر على
أخذ الأَردأ؛ لأَن فيه فوات حقه عن صفة الجودة، فلا / بد من رضاه، وهل يجبر على الأخذ ٣/ ١٠٣ ب
إِذا أعطاه أجود من حقه؟ قال علماؤنا الثلاثة - رحمهم الله -: يجبر عليه، وقال زفر: لا يجبر.
وجه قوله: أن رب السلم في إعطاء الزيادة على حقه متبرّع، والمتبرع عليه لا يجبر على
قبول التَّبرع؛ لما فيه من إلزام المنة فلا يلزمه من غير التزامه .
ولنا: أن إِعطاء الأجود مكان الجيد في قضاء الديون لا يعد فضلاً وزيادة في العادات،

١١٨
كتاب البيوع
بل يعد من باب الإِحسان في القَضَاء ولواحق الإِيفاء، فإذا أعطاه الأجود، فقد قضى حقّ
صاحب الحق وأجمل في القضاء، فيجبر على الأَخَذَ.
وأما الاستبدال بالمسلم فيه بجنس آخر، فلا يجوز أيضاً، لكن بناء على أصل آخر ذكرناه
فيما تقدّم؛ وهو أن المسلم فيه مبيع منقول، وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجُوز، وإِن
أعطى أجود أو أردا، فحكمه حكم رأس المال وقد ذكرنا.
وأما استبدال رأس مال السّلم بجنس آخر بعد الإقالة أو بعد انفساح السلم العارض - فلا
يجوز عندنا، خلافاً لزفر، ويجوز استبدال بدل الصّرف بعد الإقالة بالإِجماع، وقد مرّ الكلام
فيه والفرق فيما تقدّم، وتجوز الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضِرٍ والكفالة به؛ لوجود
ركن هذه العُقود مع شرائطه، فيجوز كما في سائر العقود، فلو امتنع الجواز فإِنما يمتنع لمكان
الخلل في شرط عقد السلم وهو القبض، وهذه العقود لا تخل بهذا الشّرط بل تحققه؛ لكونها
وسائل إلى استيفاء الحق فكانت مؤكدة له، هذا مذهب أضحَابنا الثَّلاثة - رحمهم الله -.
وقال زفر: لا يجُوز؛ لأن هذه العقود شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخّر عن المجلس،
فلا يحصل ما شرع له العقد فلا يصحّ، وهذا غير سديد؛ لأن معنى التَّوثيق يحصل في الحقين
جميعاً، فجاز العقد فيهما جميعاً، ثم إذا جازت الحوالة والكفالة، فإِن قبض المسلم إِليه رأس
مال السلم من المحال عليه أو الكفيل من رب السلم - فقد تم العقد بينهما إذا كانا في
المجلس، سواء بقي الحويل والكفيل أو افترقا بعد أن كان العاقدان في المجلس، وإن افترقا
العاقدان بأنفسهما قبل القبض - بطل السلم وبطلت الحوالة والكفالة، وإن بقي المحال عليه
والكفيل في المجلس؛ فالعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما لا لبقاء الحويل والكفيل وافتراقهما؛
لأن القبض من حقوق العَقْد وقيام العقد بالعاقِدَين، فكان المعتبر مجلسهما.
وعلى هذا الحوالة والكفالة ببدل الصّرف أنهما جائزان لما قلنا، لكن التقابض من
الجانبين قبل تفرّق العاقدين بأبدانهما شرط، وافتراق المحال عليه والكفيل لا يضر لما ذكرنا؛
فإِن افترق العاقدان بأبدانهما قبل التقابض من الجانبين، بطل الصّرف وبطلت الحوالة والكفالة؛
كما في السلم.
وأما الرَّهن برأس مال السلم(١)؛ فإن هلك الرّهن وقيمته مثل رأس المال أو أكثر - فقد
(١) اختلف العلماء في جواز أخذ الكفيل أو الرهن في بدلي السلم. وذلك كأن يقول رب السلم للمسلم إليه
أعطني كفيلاً أو رهناً بالمسلم فيه فيرضى أو يقول المسلم إليه لرب السلم أعطني كفيلاً أو رهناً استوفي
منه رأس المال في المجلس.
=

١١٩
کتاب البيوع
تم العقد بينهما؛ لأنه حصل مستوفياً لرأس المال؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء؛ لأنه قبض
مضمون، وقد تقرر الضَّمان بالهلاك، وعلى الراهن مثله من جنسه في المالية فيتقاضان،
فحصل الافتراق عن قبض رأس المال، فتم عقد السلم، وإن كان قيمته أقل من رأس المال تم
العقد بقدرة، ويبطل في الباقي؛ لأنه استوفى من رأس المال بقدره؛ وإِن لم يهلك الرهن حتى
افترقا، بَطْل السلم؛ لحصول الافتراق لا عن قبض رأس المال، وعليه رد الرهن على صاحبه.
وكذا هذا الحكم في بدل الصّرف إذا أخذ به رهناً؛ أنه إِن هلك الرهن قبل افتراق
العاقدين بأبدانهما تم عقد الصّرف؛ لأنه بالهلاك صار مستوفياً؛ وإن لم يهلك حتى افترقا، بطل
الصرف لفوات شرط الصحّة وهو القبض كما في السلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعلى هذا يخرج ما إذا كان رأس المال ديناً على المسلم إليه أو على غيره فأسلمه؛ أنه لا
يجوز؛ لأن القبض شرط ولم يوجد حقيقة، فيكون افتراقاً عن دين بدين، وأنه منهي؛ فإِن نقده
في المجلس، جاز إِن كان الدين على المسلم إليه؛ ولأن المانع ههنا ليس إلا انعدام القبض
حقيقة وقد زال، وإِن كان على غيره لا يجوز وإن نقده/ في المجلس، لكن هناك مانع آخر وهو
العجز عن التَّسليم؛ لأن ما في ذمة الغير لا يكون مقدور التَّسليم، والقدرة على التسليم عند العقد
من شرائط الصِّحة على ما مر، وهذا المانع منْعَدم في الفصل الأول؛ لأن ذمة المسلم إليه في
يده، فكان قادراً على التَّسليم عند العقد، وإِنما لم يجز لعدم القبض، وإِذا وجد جاز.
١١٠٤/٣
فمشهور أقوال الأئمة في ذلك الجواز لأن النصوص الدالة على جواز الرهن والكفيل عامة تشمل السلم
=
وغيره.
وروي المنع عن الإمام أحمد وجماعة من العلماء منهم زفر استناداً إلى أن أخذ الرهن أو الكفيل برأس
المال لا فائدة منه إذ من شرطه القبض في المجلس على رأس المال قبل القبض دين غير واجب إذ من
حق المتعاقدين الفسخ قبل تفرقهما.
وأما أخذ الرهن أو الكفيل بالسلم فيه فلا يمكن استيفاؤه منهما إذ إن حق رب السلم دين موصوف في ذمة
المسلم إليه وذلك الدين لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لأنه لا يتعلق بذمة الكفيل إلا المطالبة به فقط
والرهن عين أخرى غير الدين الموصوف فلا يمكن استيفاء المسلم فيه من كفيل أو رهن وبذلك كان
أخذهما خالياً من الفائدة فيكون باطلاً .
وللناظر في هذه الأدلة أن يمنع الخلو من الفائدة إذ إن من حق رب السلم أن يطالب الكفيل عند عجز
الأصيل أو يبيع الرهن ويشتري بثمنه ما يماثل دينه كما أن للمسلم إليه الحق في أن يطمئن على تمام العقد
واستيفائه الثمن الذي هو في حاجة إليه.
وأما كون رأس المال ديناً غير واجب فذلك مما يمنع إذ بعد التعاقد لا يملك أحدهما الفسخ إلا بتراضيهما
معاً فكان الدين مما لا يقبل السقوط إلا باتفاق المتعاقدين معاً وهذا هو الوجوب كما في كل الديون.
وبعد هذا النظر يتبين رجحان مذهب الجمهور وأنه أوفق بحفظ الأموال.
ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض.

١٢٠
كتاب البيوع
ولو أسلم ديناً وعيناً وافترقا، جاز في حصة العين وبطل في حصّة الدين؛ لأن الأصل أن
الفساد بقدر المفسد، والمفسد عدم القَبْض وأنه يخص الدين، فيفسد السلم بقدره؛ كما لو
اشترى عبدين ولم يقبضهما حتى هلك أحدهما قبل القَبْض، أنه يبطل العقد في الهالك ويبقى
في الآخر لما قلنا؛ كذا هذا.
وعلى هذا يخرج ما إذا قبض رأس المال، ثم انتقص القبض فيه بمعنى أوجب انتقاصه -
أنه يبطل السلم.
وبيان ذلك: أن جملة رأس المال لا تخلو أما أن تكون عيناً وهو ما يتعين بالتعيين، وإِما
أن تكون ديناً وهو ما لا يتعين بالتعيين؛ والعين لا تخلو إما أن توجد مستحقاً أو معيباً، والدين
لا يخلو إما أن يوجد مستحقاً أو زيوفاً (١) أو نبهرجة(٢) أو ستوقاً أو رصاصاً، وكل ذلك لا يخلو
إما أن يكون قبل الافتراق أو بعده، وجد كله كذلك أو بعضه دون بعض.
وكذلك أحد المتصارفين إِذا وجد بدل الصّرف كذلك فهو على التفاصيل التي ذكرنا؛ فإِن
كان رأس المال عيناً فوجده المسلم إليه مستحقاً أو معيباً، فإن لم يجز المستحق ولم يرض
المسلم إِليه بالعيب، يبطل السلم سواء كان بعد الافتراق أو قبله؛ لأنه انتقض القبض فيه
بالاستحقاق والردّ بالعيب، ولا يمكن إقامة غيره مقامه في القَبْض؛ لأنه معين فيحصل الافتراق
لا عن قبض رأس المال في المجلس، فيبطل السلم، وإِن أجاز المستحق ورضي المسلم إِليه
بالعيب - جاز السلم، سواء كان قبل الافتراق أو بعده؛ لأنه تبين أن قبضه وقع صحيحاً،
فحصل الافتراق عن قبض رأس المال أو لا، ولا سبيل للمستحق على المقبوض؛ لأنه لما
أجاز فقد صار المقبوض ملكاً للمسلم إليه، وله أن رجع على الناقد بمثله إِن كان مثلياً وبقيمته
إن لم يكن مثلياً؛ لأنه أتلف عليه ماله بالتسليم.
وكذا في الصَّرف، غير أن هناك إذا كان البدل المستحق أو المعيب عيناً كالتّبر والمصوغ
من الفضة، ولم يجز المستحق ولا رضى القَابض بالمعِيب حتى بطل الصّرف - يرجع على
قابض الدينار بعين الدِّينار إِن كان قائماً، وبمثله إن كان هالكاً، ولا خيار لقابض الدينار في
ظاهر الرواية؛ كما في بيع العَيْن إذا استحق المبيع وأخذه المستحق، ولو كان قابض الدِّينار
تصرّف فيه وأخرجه من ملكه، لا يفسخ عليه تصرفه، وعليه مثله كما في المقبوض بعقد
فاسد.
هذا إذا كان رأس المال عيناً، فأما إذا كان ديناً فإِن وجده مستحقاً وأجاز المستحق -
(١) الزيوف: الرديئة.
(٢) النبهرج: الزيف الرَّدِيءُ.