Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب البيوع وكذا الأصل في بيع الذَّهب والفضة بجنسهما هو الحُزْمة؛ لكونهما أثْمَان الأَشياء فيها وقيمتها (١)، فكان قوام الأموال والحياة بها، فيجب إظهار شرفها في الشَّرْع بما قلنا، ولنا في إثبات الأصل إِشارات النُّصوص من الكتاب العزيز والسُّنة والاستدلال: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالقِسطَاسِ المُسْتَقيم وَلا تَبُخَسوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوا في الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة الشعراء، ١٨١ - ١٨٣] وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمٍ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ والمِيْزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [سورة هود، ٨٥] جعل حرمة الربا بالمكيل والموزون مطلقاً عن شرط الطعم، فدلَّ على أن العلّة هي الكيل والوزن، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمِطَفّفين الَّذِينِ إِذَا أَكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [سورة المطففين، ١ - ٣] ألحق الوعيد الشّديد بالتَّطفيف في الكيل والوزن مطلقاً، من غير فصل بين المطعوم وغيره. وأما السنة: فما رُويَ أَنَّ عَامِلٌ خَيْبَرَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمْراً جَنِيباً فَقَالَ: أَوَ كُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: لاَ، وَلَكِنِّي أَعْطَيْتُ صَاعَيْنٍ وَأَخَذْتُ صَاعاً، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ: أَرْبَيْتَ هلاَّ بِعْتَ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ ابْتَعْتَ بِسِلْعَتِكَ تَمْراً!(٢). وكذلك الميزان؛ وأراد به الموزون بطريق الكِنَاية؛ المجاورةٍ بينهما مطلقاً، من غير فَضْل بين المطعوم وغير المطعوم؛ وكذا روى مالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق الحنظلي بإسنادهما الحديث المشْهُور، الذي رواه محمَّدٍ في ((كتاب البيوع)) عن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في آخِرِهِ: ((وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ))(٣). (١) أخرجه أحمد (٣/٣، ١٠، ٦٠). ومسلم (٢٥/٦ - ٢٦) كتاب المساقاة، باب: بيع الطعام مثلاً بمثل، حديث (٩٩، ١٥٩٤/١٠٠) كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - فذكره بنحوه. (٢) أخرجه ابن عدي (٤٢٥/٢) وابن حزم في ((المحلى) (٤٧٩/٨) والبيهقي (٢٨٦/٥) كتاب البيوع: باب من قال بجريان الربا في كل ما يكال ويوزن، من طريق حيان بن عبيد الله قال: سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: يداً بيد كان ابن عباس لا يرى به بأساً ما كان منه يداً بيد فأتاه أبو سعيد فقال له: ألا تتقي الله حتى متى يأكل الناس الربا أو ما بلغك أن رسول الله وسلّ قال: التمر بالتمر والحنطة بالحنطة الشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يداً بيد عيناً بعين مثلاً بمثل فما زاد فهو ربا ثم قال: وكذلك ما یکال ویوزن. قال ابن عدي: تفرد به حیان. وقال البيهقي: وقد تكلموا فيه. = كتاب البيوع وأما الاستدلال: فهو أن الفَضل على المعيار الشّرعي من الكَيْل والوزن في الجنس - إنَّما كان رباً في المطعومات والأثمان في الأشياء الستة المنْصُوص عليها؛ لكونه فضل مالٍ خالٍ عن العوضِ يمكن التَّحرز عنه في عقد المعَاوَضة، وقد وجد في الجصّ والجديد ونحوهما، فورود الشّرع ثمة يكون وروداً ههنا دلالة. وبيان ذلك: أن البيع لغةً وشرعاً: مبادلة المال بالمال، وهذا يقتضي التَّساوي في البدلين، على وجه لا يخلو كل جزءٍ من البدل من هذا الجَانِب، عن البدل من ذلك الجانب؛ لأنَّ هذا هو حقيقة المَبادَلة؛ ولهذا لا يملك الأب الوصيّ بيع مال اليتيم بغبْن فاحشٍ، ولا ٩٢/٣ ب يصحُّ من المريض إلاَّ من الثلث، والقفيز من الحِنْطة/ مثل القفيز من الحنطة صورةً ومعنى، وكذلك الدِّينار مع الدِّينار. أما الصورة: فلأنهما متماثلان في القَدْر، وأما المعنى: فإِن المجانَسَة في الأموال عبارةٌ عن تقارب المالية، فكان القَفِيز مِثلاً للقفيز، والدِّينار مثلاً للدينار؛ ولهذا لو أتلف على آخر قفيزاً من حنطة - يلزمه قفيزٌ مثله ولا يلزمه قيمته، وإذا كان القَفيز من الحنطة مثلاً للقَفِيز من الحنطة - كان القَفيز الزَّائد فضل مالٍ خال عن العِوَضِ، يمكن التحرُّز عنه في عقد المعاوضة؛ فكان ربا، وهذا المعنى لا يخصُّ المطعومات والأثمان، بل يوجد في كل مكيل بجنسه وموزون بجنسه(١) فالشّرع الوارد هناك يكون وارداً ههنا دلالة. وأما قوله: ((الأصل حرمة بيع المطعوم بجنسه)) فممنوع، ولا حجَّة له في الحديث؛ لأنه - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ - ما اقتصر على النَّهي عن بيع الطّعام بالطعام؛ ليجعل الحظر فيه أصلاً، بل قرن به الاستثناء، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إِلَّ سَوَاءٌ بِسَوَاء)) فلا يدلُّ على كون الحزمة فیه أصلاً. وأعله ابن حزم بجهالة حيان وعدم سماعه من أبي سعيد وابن عباس. = وللحديث طريق آخر. فأخرجه الدارقطني (١٤/٣) كتاب البيوع: حديث (٣٩) من طريق المبارك بن مجاهد عن مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله قال: لا ربا إلا في الذهب والفضة أما يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب. قال الدارقطني: هذا مرسل ووهم المبارك على مالك في رفعه إلى النبي ◌َّ وإنما هو من قول سعيد بن المسيب قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٧/٤): وقال ابن القطان: المبارك بن مجاهد ضعيف ومع ضعفه فقد انفرد عن مالك برفعه والناس رووه عنه موقوفاً. وقال عبد الحق: هكذا رواه المبارك بن مجاهد ووهم على مالك من رفعه إنما هو قول سعيد: ا. اهـ وقد أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٦٣٥/٢) رقم (٣٧) من قول سعيد بن المسيب. (١) في ط: بمثله. ٦٣ کتاب البيوع وقوله: جعل الطّعم علَّة دعوة ممنوعة أيضاً، والاسم المشْتَق من معنى إِنما يُجْعَل علَّة للحُكْم المذكور عقيبه عندنا، إذا كان له أثرٌ؛ كالزنا والسرقة ونحوهما، فلِمَ قلتم: بأن للطّعم أثراً، وكونه متعلّق البقاء لا يكون أثره في الإِطلاق أولى من الحظر؛ فإِن الأصل فيه هو التّوسيع دون التَّضييق، على ما عرف والله أعلم. وعلى هذا الأصل تبنى مسائل الربا نقداً ونسيئة، وفروع الخلاف بيننا وبين الشَّافعي، أما ربا النقد ففائدة الخلاف فيه تَظْهر في موضعين : أحدهما: في بيع مكيل بجِئْسه غير مطْعُوم أو موزُون، بجنسه غير مطْعُوِمٍ ولا ثمن، كبيع قفيز حصّ بقفيزي حصّ، وبيع من حديد بمَنَوَى حديد - عندنا لا يجُوز؛ لأَنّه بيع ربا لوجود علَّة الربا؛ وهو الكيل مع الجنس، أو الوزن مع الجنس، وعنده: يجُوز؛ لأن العلة هي الطَّعم أو الثمنية، ولم يُوجَد. وعلى هذا الخِلاف بيع كل مقدّر بجنسه من المَكِيلات والموزونات، غير المطعومات والأَثمان؛ كالنّورة، والزَّرنيخ(١) والصّفر، والنّحاس، ونحوها. وأما بيع المَكِيل المطعُوم بجنسه متفاضلاً، وبيع الموزون المطْعُوم بجنسه متفاضلاً؛ كبيع قَفِيز أرز بقَفِيزيْ أرزٍ، وبيع منّ سكرٍ بِمَنَوَى سكر - فلا يجوز بالإجماع. أما عندنا: فلوجود القَدْر والجنس، وعنده: لوجود الطَّعم والجنس؛ وكذا كلّ مؤْزُون هو مأكول أو مشْرُوب؛ كالدهن والزّيت والخلّ ونحوها. ويجوز بيع المَكِيل بغير جنسه متفاضلاً، مطعوماً كان أو غير مطعوم، بعد أن يكون يداً بيد؛ كبيع قفيز حِنْطَة بقفيزي شعير، وبيع قَفِيز حصّ بقفيزي نورةٍ، ونحو ذلك؛ لأن علة الرِّبا الفضل مجموع الوصْفَين، وقد انعدم أحدُهُما وهو الجنس؛ وكذا بيع الموزُون بغير جِئْسه متفاضلاً جائزٌ؛ ثمنين كانا أو مثمَّنين بعد أن يكون يداً بيدٍ؛ كبيع دينار بمَائَة درهم، وبيع مَنّ حديد بمنوی نحاسٍ أو رَصاصٍ، ونحو ذلك؛ لما قلنا. ويجوز بيع المذْرُوعات والمعدودات المتفاوتة، واحداً باثنين، يداً بيد؛ كبيع ثوبٍ بثوبين، وعبد بعبْدَين، وشاة بشاتيْن، ونصل بنَصْلين ونحو ذلك بالإجماع، أما عندنا: فلانعدام أحد الوصْفَين؛ وهو الكيل والوَزْن، وعنده: لانعدام الطَّعم والثّمنيةَ. وأما بيع الأواني الصّفرية واحداً باثنين؛ كبيع قُمْقَمَة بقُمْقُمَتَيْن ونحو ذلك، فإن كان مما (١) الزرنيخ: عنصر شبيه بالفلزات، له بريق الصلب ولونه، ومركباته سامة، يستخدم في الطب وفي قتل الحشرات المعجم الوسيط (زرنخ). ٦٤ كتاب البيوع يباع عدداً، يجوز؛ لأن العدّ في العدديات ليس من أوصاف علَّة الرّبا، فلا يتحقق الزبا؛ وإن كان مما يباعُ وزناً، لا يجوز؛ لأنه بيع مال الرّبا بجنسه مجازفة، ويجوز بيع المعدودات المتَقَاربة، من غير المطْعُومات بجنسها متفاضلاً، عند أبي حنيفة وأبي يوسُف، بعد أن يكون يداً بيد؛ كبيع الفلس بالفلسين بأعيانهما . وعند محمَّد: لا يجوز. وجه قوله: أنَّ الفُلُوسَ أثمانٌ، فلا يجوز بيعها بجنسها متفاضلاً؛ كالدَّراهم والدَّنانير، ودلالة الوضف [أن الثمن](١) عبارة عما تقدّر به مالية الأعيان، ومالية الأعْيَان كما تقدّر بالدَّراهم والدَّنانير تقدَّر بالفُلُوس، فكانت أثماناً؛ ولهذا كانت أثماناً عند مقابلتها بخلاف جنسها، وعند مقابلتها بجِنْسها حالة المساواة، وإِن كانت ثمناً، فالثَّمن لا يتعيّنن، وإِن [كانت] (٢) عيناً كالدراهم والدنانير، فالتحق التّعيين فيهما بالعَدَم، فكان بيع الفلس بالفلسين ١٩٣/٣ بغير/ أعيانهما - وذا لا يجوز؛ ولأنها إِذا كانت أثماناً، فالواحد يقابل الواحد، فبقي الآخر فضْل مالٍ لا يقابله عوض في عقد المعَاوَضة، وهذا تفسير الربا. ولهما: أن علَّة ربا الفضل هي القَدْر مع الجنس، وهو الكَيْل أو الوزن المتَّفق عند اتحاد الجِنْس، والمجانسة إن وجدت ههنا فلم يوجد القَدْر، فلا يتحقَّق الربا. وقوله: الفلوس أَثْمَان، قلنا: ثمنيتها قد بطَلَت في حقّهما قبل البيع، فالبيع صادفها وهي سلع عدديَّة، فيجُوز بيع الواحد بالاثنين كسائر السُّلع العددية؛ كالقماقم العددية وغيرها، إلا أنه بقيت أثماناً عند مقابلتها بخلاف جِئْسها، وبجنسها حالة المساواة؛ لأن خروجها عن وصف الثَّمينة كان لضرورة صحَّة العقد وجوازه؛ لأنهما قصدا الصحة، ولا صحّة إِلا بما قلنا، ولا ضرورة ثمة؛ لأن البيع جائزٌ في الحَالَيْن؛ بَقِيَت على صفة الثَّمينة أو خرجت عنها. والثاني: في بيع مطْعُوم بجنسه ليس بمِكيل ولا موزُون؛ كبيع حفنة حِنْطة بحفْنَتين منها، أو بطيخة ببطيختين، أو تفاحة بتفاحتين، أو بيْضَة ببيضَتَيْن، أو جوزة بجُوزَتَيْن - يجوز عندنا؛ لعدم العلة، وبقي الكَيْل مع الجنس أو الوزن، وعنده: لا يجُوز؛ لوجود الطَّعم والجنس. وكذا لو باعٍ حفنة، أو تفّاحة بتفَّاحة، أو بيْضَة ببيضةٍ - يجوز عندنا لما قلنا. وعنده: لا يجُوز، لوجود الطّعم؛ لأن حُزْمة بيع المطعوم بجنسه هو العزيمة عنده، والتساوي في الكيل أو الوزن مخلص عن الحُزْمَةِ بطريق الرُّخصة، ولم يوجد المخلص، فبقي على أصل الحُزْمة . (١) سقط من ط . (٢) سقط من ط . ٦٥ کتاب البيوع وأما ربا النّساء وفروعه، وفائدة الاختلاف فيه، فالأصل فيه ما روي عن إِبراهيم النَّخعي؛ أنه قال: أسْلِم ما يكال فيما يوزن، وأسْلِم ما يوزن فيما يكَال، ولا تسلم ما يكال فيما يكال، ولا ما يوزّنُ فیما یوزَنُ. وإذا اختلف النَّوعان مما يكَالُ أو يوزن، فلا بأس به؛ اثنان بواحد يداً بيدٍ، ولا خير فيه نسيئةً، ولا بد من شَرْح هذه الجملة، وتَفْصيل ما يحتاج منها إِلى التَّفْصيل؛ لأنه - رحمه الله - أجرى القضيّة فيها عامة، ومنها ما يحتمل العُمُوم، ومنها ما لا يحتمل، فلا بدَّ من بيان ذلك؛ فنقول وبالله التوفيق: لا يجوز إِسلام المكيلات في المكيلات على العموم، سواءٌ كانا مطعومين؛ كالحِنْطّة في الحنطة أو في الشعير، أو غير مطعومين؛ كالجصّ في الجصّ أو في النّورة. وكذلك بيع المكيل بالمكيل حالاً لا سلماً، لكن ديناً موصوفاً في الذّمة لا يجوزُ، سواءٌ كان من جنسٍ واحدٍ أو من جنْسَين، مطعومَيْن كانا أو غير مطعومين عندنا؛ لأن أحَدَ وصفي علَّة ربا الفضل جمعهما، وهو الكيل. وعند الشافعي - رحمه الله -: إن كانا مطْعومين، فكذلك؛ وإِن لم يكونا مطْعُومين، جاز؛ لأن العلّة عنده الطَّعم. وأما إِسلام الموزونات في الموزُونات، ففيه تفصيلٌ؛ إِن كانا جميعاً مما يتعينان في العَقْد، لا يجوز أيضاً، سواءٌ كانا مطْعُومين كالسكر في الزّعفران، أو غير مطْعُومين كالحديد في النّحاس؛ لوجود أحد وضفَي علَّة ربا الفضل الذي هو عّة تامة لربا النّساء. وعند الشَّافعي: يجُوز في غير المطْعُوم، ولا يجوز في المطْعُوم؛ لما قلنا، وإِن كانا مما لا يتعيَّنان في العقد؛ كالدراهم في الدنانير والدنانير في الدراهم، أو الدَّراهم في الدَّراهِم والدنانير في الدنانير، أو لا يتعين المسلّم فيه؛ كالحديد في الدراهم والدنانير - لا يجوز؛ لأَنّ المسلم فيه مبيعٌ لما روي: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّرْ نَهَى عَنْ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِنْسانِ، وَرَخَّصَ فِي السَّلَم))؛ فهذا يقتضي أن يكون السَّلم بيع ما ليس عند الإِنسان؛ لأنه رخّص في بعض ما دخل تحتَ النَّهي، والدّاخل تحت النهي هو البيع، دل أن السلم نوعُ بيع؛ ليستقيم إِثبات الرُّخصة فيه (١)، فكان المسلّم فيه مبيعاً، والمبيع مما يتعيّن بالتّعيين، والدراهم والدنانير لا يختَملان التَّعيين شرعاً في عقُود المعاوضات، فلم يكونا متعيّنين، فلا يصْلُحان مسلّماً فيهما. (١) الرخصة ((بالتسكين)) مأخوذة من الترخيص وهو لغة السهولة والتيسير. قال الجوهري الرخصة في الأمر خلاف التشديد ومن ذلك رخص السعر إذا تيسر وسهل. وفي اصطلاح الفقهاء يعرفها الحنفية بقولهم: الرخصة ما تغير من عسر إلى يسر لعذر أي هي الحكم الذي شرع وفيه سهولة ويسر لدفع حاجة الناس بعد حكم فيه عسر وضيق. ويعرفها فقهاء الشافعية بقولهم. هي ما ثبت على خلاف الدليل لعذر أي هي الحكم الذي شرع ثانياً دفعاً لحاجة الناس بعد أن اقتضى خلافه دلیل متقدم عليه . ٠ بدائع الصنائع ج٧ - ٥٢ ٦٦ كتاب البيوع وبالتأمل في مفهوم التعريفين يرى أن مآلهما واحد وأن أئمة المذهبين متفقون على أن الرخصة لا بد فيها = من القيود الآتية وهي: ١ - أن يكون دليل الحكم الأصلي قائماً. ٢ - أن يكون هناك تغيير في مقتضاه بدليل آخر. ٣ - أن يكون هذا التغيير الحاصل إنما هو للعذر لا لفقد سبب شرعية الحكم الأصلي غير أنهم يختلفون بعد ذلك فيما هو داخل تحت مفهوم الرخصة تبعاً لما يقتضيه النظر في الدليل التفصيلي. فالحنفية يقسمون الرخصة إلى أربعة أقسام: قسمان حقيقيان وآخران مجازيان فأول الحقيقين خصوه بما أباحه الشارع مع قيام دليل التحريم معمولاً به كإجراء كلمة الكفر على اللسان عند الإكراه عليه فإن الدليل على وجوب الإيمان بالله تعالى قائم أبداً في حق كل مكلف فتكون حرمة الكفر كذلك ولكن الله تعالى أجاز للمكره إجراء كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان تفادياً مما يلحقه من الأذى. ثانيهما: خصوه بما أباحه الشارع مع قيام الدليل المحرم غير معمول به أي بدون أن یکون حکمه الذي هو الحرمة باقياً كفطر المسافر في رمضان فإن المحرم للإفطار وهو الدليل الذي أوجب الصوم عند شهود الشهر قائم لكن حرمة الإفطار غير قائمة لوجود السفر فهذان النوعان هما نوعا الرخصة الحقيقية أما النوعان المجازيان : ؛ فأولهما: ما وضعه الشارع عن الأمة المحمدية من الآصار والأغلال كقتل النفس في صحة التوبة وغير ذلك فهذا الحكم من حيث إنه كان واجباً قبل الإسلام وقد تغير إلى أيسر منه فلم يجب توسعة وتخفيفاً فقد أشبه الرخصة من حيث الانتقال فيه من عسر إلى يسر. ثانيهما: ما أسقطه الشارع عنا مع كونه مشروعاً في الجملة فمن حيث إنه سقط لم يكن رخصة ومن حيث إنه مشروع في حقنا في الجملة كان شبيهاً بالرخصة الحقيقية. وذلك كقصر الصلاة في السفر لأن الحنفية يرون أن الصلاة شرعت أولا ركعتين ثم أقرت على هذا في السفر وزيدت في الحضر وإذن فالقصر في السفر حكم أصلي ولكن لما كان في العادة أن السفر طارئ على الإقامة وكان حكم الصلاة فيه أيسر من حكمها في الحضر كان قصر الصلاة في السفر رخصة مجازية . وكالسلم فإن الأصل في البيع أن يلاقي عيناً موجودة عند البائع وهذا الحكم مشروع في حق المكلفين لكن الشارع الحكيم قد أسقطه في السلم حتى جعل وجود المبيع وتعينه مفسداً له فإذن السلم عند الحنفية بناء على هذا من قبيل الرخصة المجازية. وأما الشافعية فيقولون بنوعي الرخصة الحقيقية المتقدمين كما يقولون بالنوع المجازي الأول لعدم مشروعيته في حقنا بل هو شريعة من قبلنا نسخت في حقنا. وأما النوع المجازي الأخير عند الحنفية فقد قالوا في بعض أفراده إنه رخصة حقيقية كقصر الصلاة في السفر بناء على ما رأوه في الدليل التفصيلي من أن الصلاة الرباعية شرعت أربعاً ولعذر السفر قصرت فصدق على القصر أنه حكم سهل شرع ثانياً للعذر وهذا حدّ الرخصة الحقيقية. واختلفت أنظارهم في البعض الآخر كالسلم حيث إن فريقاً منهم جعله شبيهاً بالرخصة لعدم قيام المقتضى حقيقة فإن السلم ليس بحرام أبيح للعذر وفريقاً آخر جعله من الرخصة حقيقة بناء على فهمه أنه المقتضى للحكم الأصلي موجود فتكون السهولة التي وردت في السلم وتضمنها دليل جوازه جاءت على خلاف = ٦٧ كتاب البيوع وإِن كان رأس المال ممَّا لا يتعين، والمسلم فيه مما يتعيَّن؛ كما لو أسْلَم الدّراهم أو الدَّنانير، في الزّعفران أو في القُطْن أو الحدِيد وغيرها من سائر الموزُونات؛ فإِنَّه يجُوز؛ لانعدام العلّةِ وهي القَدْر المتفق أو الجنس. أما المجانسة فظاهرة الانتفاء، وأما القَدْر المتفق؛ فلأن وزن الثَّمن يخالف وزن المثمّن، ألا ترى أن الدَّراهم توزن بالمثَاقِيل، والقُطْن والحديد/ يوزنان بالقبَّان(١)، فلم يتّفق القدر، فلم ٩٣/٣ب توجد العلّة، فلا يتحقّق الربا. هذا إذا أسلم الدَّراهم أو الدَّنانير في سائر الموزُونات، فأمَّا إذا أسلم نقرة فضّة، أو تبر ذهب، أو المصُوغ فيها فهل يجوز؟ ذكر الاخْتِلاف فيه بين أبي يوسف وزفر: على قول أبي يوسف: يجُوز، وعلى قول زفر: لا يجوز. وجه قول زفر: أنَّه وجد علَّة ربا النساء، وهي أحد وصْفَي علة ربا الفضل، وهو الوزن في المَالَيْن، فيتحقّق الربا. وجه قول أبي يوسف: أن أحد الوصفَين الذي هو علة القَدْر المتفق، لا مطلق القَدْر، ولم يوجد؛ لأن النّقرة أو التبر من جنس الأَثمان، وأصل الأَثمان ووزن الثّمن يخالف وزن المثمّن، على ما ذكرنا، فلم يتّفق القدر، فلم توجد العِلّة، فلا يتحقّق الربا؛ كما إذا أسلم فيها الدَّراهم والدَّنانير. مقتضى الدليل المحرم وهو حديث حكيم بن حزام الناهي عن بيع ما ليس عند الإنسان فشرط العندية في = البيع ليمكن تسليم البيع وهذا عام يشمل السلم كما يشمل غيره من البيوع لكن أسقط هذا الشرط في السلم تسهيلاً على الناس. وإلى الوجهين يشير قول الغزالي في المستصفى: قد يقال إنه ((أي السلم)) رخصة لأن عموم نهيه وَّر عن بيع ما ليس عند الإنسان يوجب تحريمه ثم قال: ويمكن أن يقال السلم عقد آخر فهو بيع دين. فافتراقهما في الشرط لا يلحق أحدهما الرخصة فيشبه أن يكون هذا مجازاً فإن قول الراوي نهى عن بيع ما ليس عندك ورخص في السلم تجوز في العبارة. وقريب من ذلك وجهان نقلهما الماوردي أن السلم أصل بنفسه أو عقد تحريم جوز للحاجة لكن لا يخفى أن شرط العندية سقط في السلم بحيث لم يبق مشروعاً أصلاً فيه حتى كانت العندية فيه مفسدة له. وبهذا تعلم أن الأوجه هو مذهب الحنفية من أنه رخصة مجازية وهو أحد الوجهين في كلام الغزالي والماوردي هذا ويقابل الرخصة العزيمة وهي لغة القصد المصمم قال تعالى: ﴿فنسي ولم نجد له عزماً﴾. أي قصداً بليغاً وفي الاصطلاح قيل هي الحكم المنتقل عنه. وقيل هي الحكم ابتداء. ينظر: عقد السلم لشيخنا عبد العظيم فياض. (١) القَبَّان: الميزان ذو الذراع الطويلة المقسمة أقساماً، ينقل عليها جسم ثقيل يسمى الرمانة، لتعين وزن ما يوزن. المعجم الوسيط (قبن) ٦٨ كتاب البيوع ولو أسلم فيها الفُلوس جاز؛ لأن الفلس عددي، والعدد في العدديَّات ليس من أوصاف العِلَّةِ، ولو أسْلَم فيها الأواني الصّفرية ينظر: إِن كانت تباع وزناً، لم يجُز؛ لوجود الوزن الذي هو أحد وضفي علَّ ربا الفَضْل، وإِن كانت تباع عددية، جاز؛ لانعدام العلّة. وأما إِسلام المكيلات في الموزُونات فهو أيضاً على التَّفْصيل، فإِن كان الموزون مما يتعيَّن بالتَّعيين، يجُوز، سواء كانا مطْعُومين؛ كالحِنْطَة في الزيت أو الزعفران، أو غير مطعومين؛ كالجصّ في الحديد - عندنا: لعدم العلة . وعند الشافعي: لا يجوز في المطعومين؛ لوجود العلة، وإِن كان ممَّا لا يتعين بالتَّعْيين، وهو الدَّراهم والدَّنانير - لا يجوز؛ لما مرَّ أن شرط جواز السَّلم [أن يكون المسلم](١) فيه مبيعاً، والدّراهم والدّنانير أَثمان أبداً، بخلاف سائر الموزونات. ثم إِذا لم يجز هذا العَقْد سلماً هل يجوز بيعاً؟ ينظر: إِن كان بلفظ البَيْع، يجُوز، ويكون بيعاً بثمن مؤجّل؛ لأنه إِن تعذّر تصحيحه [سلماً](٢) أمكن تصحيحه بيعاً بثمن مؤجَّل، فيجعل بيعاً به، وإِن كان بلفظ السَّلم، اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: لا يجُوز؛ لأن السَّلم يخالف مطْلَق البيع في الأحكام والشَّرائط، فإذا لم يصحَّ سلماً، بطَل رأساً. وقال بعضهم: يجُوز؛ لأَنَّ السلم نوع بيع، ألا ترى أنَّ النبي - عليه الصلاة والسلام - سماه بيعاً حين(٣) نهى عن بَيْع ما ليس عند الإنسان، ورخّص في السَّلم؛ ولهذا ينعقد بلفظ البَيْع، إلا أنه اختص بشرائط مخصوصة، فإذا تعذَّر تصحيحه بيعاً هو سلم، يصحّح بيعاً بثمن مؤجّل تصحيحاً للتصرُّف بالقدر الممكن، وأما إِسلام الموزونات في المكِيلاَت فجائزٌ على العُمُوم، سواء كان الموزُون الذي جعله رأس المال عرضاً(٤) يتعيَّن بالتعيين، أو ثمناً لا يتعين بالتَّعيين، وهو الدراهم والدنانير؛ لأنه لم يجمعها أحد الوصفين، وهو القذر المتفق أو الجنس، فلم توجد العلّة، ولو أسلم جنساً في جنسه وغير جنسه؛ كما إذا أسلم مكِيلاً في مكيل. وموزون - لم يجز السّلم في جميعه عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعند أبي يوسف ومحمَّد - رحمهما الله -: يجُوز في حصَّة خلاف الجنس وهو الموزُون، وهو على اختلافهم فيما جميع بين حُرِّ وعبد، وباعهما صفقة واحدةً، وقد ذكرناه فيما تقدم. وأما إِسلام غير المكيل والموزُون في جنسه من الذرعيات والعدديَّات؛ كالهروي في الهروي(٥) والمروي في المروي، والحيوان في الحيوان - فلا يجُوز عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: يجُوز. (١) سقط من ط . (٣) في أ: حيث. (٥) في ط: الهري. (٢) سقط من ط. (٤) في أ: عوضاً. ٦٩ کتاب البيوع ولقب هذه المسألة: أن الجنس بانفراده يحرم النّساء عندنا، وعنده لا يحرم، فلا يجوز إِسلام الجوز في الجوز، والبيض في البيض، والتفاح في التفاح، والحفنة في الحفنة بالإجماع؛ لوجود الجِنْس عندنا، ولوجود الطعم عنده، وأجمعوا على أنه يجُوز إسلام الهروي في المروي؛ لانعدام أحد الوصفَين عندنا، وعنده لانعدام الطّعم والثمنية. ويجوز إِسلام الجوز في البيض، والتّفاح في السفرجل(١)، والحيوان في الثوب عندنا؛ لما قلنا، وعنده: لا يجوز في المطعوم؛ لوجود الطعم. ولو أسلم الفُلوس في الفلوس، لا يجوز عندنا؛ لوجود الجنس،، وعنده لوجود الثمنية، وكذا إذا أسلم الأواني الصفرية في جنسها، وهي تباع عدداً - لا يجوز عندنا؛ لوجود المجانسة، وعنده لوجود الثمنية، والكلام في مسألة الجنس بانفراده مبنيٌّ على الكلام في مسألة الرِّبا . وأصل الشّافعي فيها ما ذكرنا؛ أن حُرمة بيع المطْعوم بجنسه، وحرمة بيع الأَثْمَان بجنسها/ هي الأصل، والتساوي في المعيار الشّرعي مع اليد مخلص عن الْحُرمة بطريق الرُّخصة، أو رِبًا النّساء عنده هو فضل الحلول على الأجل في المطعومات، والثمنية في الأثمان، وقد ذكرنا ما له من الدَّليل على صحَّة هذا الأَصل فيما تقدم، والكَلام لأصحابنا في هذه المسألة على نحو ما ذكرنا في علَّة ربا الفضل؛ وهو أن السَّلم في المطْعُومات والأثمان إنما كان رباً؛ لكونه فضلاً خالياً عن العوض يمكن التحرُّز عنه في عقد المعاوضة؛ لأن البيع عَقْد مبادلة على طريقِ المقَابَلة والمساواة في البدلين؛ ولهذا لو كانا نَقْدين، يجُوز، ولا مساواة بين النقد والنّسيئة؛ لأَن العين خير من الدّين، والمعجّل أكثر قيمة من المؤجّل، فكان ينبغي أن يكون كل فَضْل مشروطٍ في البيع رباً، سواء كان الفَضْل من حيث الذَّات أو من حيث الأَوْصاف، إلا ما لا يمكن التحرُّز عنه دفعاً للحرج، وفضل التعيين يمكن التحرُّز عنه؛ بأن يبيع عيناً بعين، وحالاً غير مؤجل، وهذا المعنى موجود في غير المَعْلُوم والأَثمان، فورود الشَّرِع ثمة يكون وروداً ههنا دلالة؛ وابتداء الدَّليل لنا في المسألة ما رُوِيَ عَنْ النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إِنَّه قَالَ: ((لاَ رِبَا إِلاَّ فِي النَّسِيئَة))(٢). ١٩٤/٣ (١) السفرجل: شجر مثمر من فصيلة الورديات المعجم الوسيط (سفرجل) (٢) أخرجه البخاري (٣٨١/٤) كتاب البيوع: باب بيع الدينار بالدينار نساءً حديث (٢١٧٨) ومسلم (١٢١٧/٣ - ١٢١٨) كتاب المساقاة: باب بيع الطعام مثل بمثل حديث (١٠١، ١٠٢، ١٥٩٦/١٠٣) والنسائي (٧) ٢٨١) كتاب البيوع: باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة، وابن ماجه (٧٥٨/٢ - ٧٥٩) كتاب التجارات: باب من قال: لا ربا إلا في النسيئة حديث (٢٢٥٧) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤/ ٦٤) والبيهقي (٢٨/٥) من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد. ٧٠ كتاب البيوع ورُوِي: ((إِنَّمَا الرُّبِا فِي النَّسيئَةِ))، حقَّق - عليه الصلاة والسلام - الربا في النسيئةِ، من غير فَضْل بين المطعوم والأثمان وغيرها، فيجب القَوْل بتحقيق الرِّبا فيها على الإطلاق والعمومِ، إِلا ما خَصَّ أو قيد بدليل، والرِّبا حرام بنصّ الكتاب العزيز، وإِذا كان الجنس أحد وضفي علَّة ربا الفضل، وعلة ربا النَّسيئةِ عندنا، وشرط علة ربا الفَضْل عنده - فلا بد من معرفة الجِنْس من كل ما يجري فيه الرُّبا، فنقول: وبالله التوفيق: الحِنْطة كلها على اختلاف أنواعها وأوصافها وبلدانها - جنسٌ واحد وكذلك الشّعير؛ وكذلك دقيقهما، وكذا سويقهما(١). وكذلك التّمر، وكذلك المِلْح، وكذلك العِنَب، وكذلك الزَّبيب، وكذلك الذَّهب والفضة - فلا يجوز بَيْعُ كُلَّ مَكِيل مِنْ ذَلك بجنسه متفاضلاً في الكيل، وإن تساويا في النّوع والصّفة بلا خلاف . وأما متساوياً في الكيل متفاضلاً في النَّوع والصفة - فنقول: لا خلاف في أنه يجُوز بيع الحِنْطَة بالحنطة، والسَّقية بالسَّقية، والنّحسية بالنّحسية، وإحداهما بالأخرى، والجيدة بالجيدة، والرَّديئة بالرديئة، وإحداهما بالأخرى، والجديدة بالجديدة والعتيقة بالعَتِيقة وإحداهما بالأخرى، والمقلوة بالمقلوة. وكذلك الشّعير على هذا؛ وكذلك دقيق الحنطة ودقيق الشعير، فيجوز بيع دقيق الحِنْطَّة بدقيق الحنطة، وسويق الحنطة بسويق الحِنْطّة، وكذا دقيق الشعير وسويقه؛ وكذا التمر بالتمر البَزْني بالمعقلي(٢) والجيد بالرديء، والجديد بالجديد والعتيق بالعتيق وأحدهما بالآخر. وكذلك العنب بالعنب، والزَّبيب اليابس بالزبيب اليابس، ولا خلاف في أنه لا يجُوز بيع حِنْطَة مقلية بحنطةً غير مقلية، والمطبوخة بغير مطبوخة، وبيع الحِنْطَّة بدقيق الحنطةِ وبسويق الحنطة، وبيع تمر مطبوخ بتمر غير مطبوخ متفاضلاً في الكيل أو متساوياً فيه؛ لأَن المقلية ينضمّ بعض أجزائها إلى بعض، يعرف ذلك بالتجربة، فيتحقّق الفضل من حيث القَدْر في الكيل فيتحقَّق الربا، وكذا المطبوخَة بغير المطبوخة؛ لأن المطْبُوخ ينتفخ بالطّبخ، فكان غير المطبوخَةِ أكثر قدراً عند العقد، فيتحقق الفَضْل. وكذلك بيع الحِنْطَةِ بدقيق الحِنْطَةِ؛ لأنَّ في الحنطة دقيقاً، إلا أنه مجتمع؛ لوجود المانع من التَّفرق وهو التركيب، وذلك أكثر من الدَّقيق المتفرق، عرف ذلك بالتَّجربة، إلا أن الحِنْطة إذا طُحنت ازداد دَقيقها على المتفرّق، ومعلوم أن الطخنَ لا أثر له في زيادة القَدْر، فدلَّ أنه كان أزيد في الحنطة، فيتحقق الفضل من حيث القَدْر بالتَّجربة عند العقد، فيتحقق الرِّبا، وأما (١) السويق: طعام يتخذ من مد قومة الحنطة والشعير. المعجم الوسيط (سوق). (٢) المعقلي: نوع من أنواع التمر. ٧١ كتاب البيوع بيع الحِنْطَة المبلولة أو النديَّة بالندية، أو الرطبة بالرطبة، أو المبلولة بالمبلولة، أو اليابسة باليابسة؛ وبيع التمر بالرُّطب، والرُّطب بالرُّطب أو بالتمر، والمنقع بالمنقع، والعنب بالزَّبيب اليابس واليابس بالمنقع، والمنقع بالمنقع متساوياً في الكيل فهل يجوز؟ قال أبو حنيفة - رحمه الله -: كل ذلك جائز،، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: كله جائز إلا بيع الثَّمر بالرطب،، وقال محمد - رحمه الله -: كله فاسدٌ إلا بيع الرُّطب بالرُّطب والعنب/ بالعنب، ٩٤/٣ب وقال الشَّافعي - رحمه الله -: كله باطلٌ. ويجوز بيع الكفرى(١) بالتمر، والرطب بالبسر متساوياً ومتفاضلاً بالإِجماع؛ لعدم الجنس والكيل؛ إذ هو اسم لوعاء الطَّلع، فأبو حنيفة - رحمه الله - يعتبر المساواة في الحَالِ عند العقد، ولا يتلفت إلى النُّقصان في المآل، ومحمد - رحمه الله - يعتبرها حالاً ومآلاً، واعتبار أبي يوسف مثل اعتبار أبي حنيفة، إلاَّ في الرطب بالتمر، فإِنه يفسده بالنص. وأصل الشَّافعي - رحمه الله - ما ذكرنا في مسألة علَّة الربا؛ أن حُزمة بيع المطعوم بجنسه هي الأصل، والتَّساوي في المعيار الشّرعي مع اليد مخلص، إلا أنه يعتبر التَّساوي ههنا في المعيار الشّرعي في أعدل الأحوال، وهي حالة الجَفَاف. واحتج أبو يوسف ومحمَّد بما رُويَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْر))، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إِنَّهُ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ))(٢) بيَّن - عليه السلام - الحكم وعلَّته، وهي النُّقصان عند الجفاف؛ فمحمد عدَّى هذا (١) الكُفْرَّى: وعاء طَلْع النخل. ترتيب القاموس (كفر) (٢) أخرجه أبو داود (٦٥٧/٣ - ٦٥٨) كتاب البيوع: باب في التمر حديث (٣٣٦٠) والطحاوي (٦/٤) كتاب البيوع: باب بيع الرطب بالتمر والدارقطني (٤٩/٣) كتاب البيوع حديث (٢٠٣) والحاكم (٣٨/٢ - ٣٩) كتاب البيوع، والدارقطني (٤٦/٣) والبيهقي (٢٩٤/٥) كتاب البيوع: باب ما جاء في النهي عن بيع الرطب بالتمر، من طريق معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن يزيد به. قال الدارقطني: خالفه - أبي يحيى - مالك واسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد رووه عن عبد الله بن يزيد ولم يقولوا نسيئة واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس. وقال البيهقي: والعلة المنقولة في هذا الخبر تدل على خطأ هذه اللفظة وقد رواه عمران بن أبي أنس عن أبي عياش نحو رواية الجماعة ثم أخرجه من هذه الطريق. وقد تعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي - (٢٩٥/٥) فقال أخرج أبو داود، رواية يحيى ثم قال عقبها رواه عمران بن أبي أنس عن مولى بني مخزوم عن سعد نحوه. وظاهر هذا أن عمران رواه كرواية يحيى وعلى خلاف رواية الجماعة، ويوضح ذلك ما ذكره الطحاوي في مشكل الحديث فقال: حدثنا يونس ثنا ابن وهب الحديث السابق. ثم قال: فظهر بهذا أن عمران رواه على موافقة رواية يحيى ومخالفة رواية = ٧٢ كتاب البيوع الحكم إلى حيث تعدت العلَّة، وأبو يوسف قَصَره على محل النصّ؛ لكونه حكماً ثبت على خلاف القِيَاس. ولأبي حنيفة - رحمه الله - الكتاب الكريم والسنة المشهورة، أما الكتاب: فعمومات البيع من نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة، ٢٧٥] وقوله عز شأنه: ﴿يَأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَموالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، ٢٩] فظاهر النصوص يقْتَضي جواز كل بيعَ، إلا ما خُصَّ بدليل، وقد خص البيع متفاضلاً على المعيار الشّرعي، فبقي البيع متساوياً على ظاهر العموم. وأما السُّنة المشهورة: فحديث أَبِي سَعِيد الخُذْرِيِّ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حَيْثُ جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بَيْعَ الحِنْطَةِ بِالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِر وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلِ عَامَّاً مُطْلَقاً مِنْ غير تخْصِيصٍ وتقييدٍ، ولا شكَّ أَن اسمَ الحنطةِ والشّعير يقع على كل چِنْس الحنطة والشّعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما؛ وكذلك اسم الثَّمر يقع على الرُّطب والبسر؛ لأنه اسم لتمر النَّخل لغةً، فيدخل فيه الرُّطب واليابس والمذنب(١) والبسر والمنقع(٢). الجماعة، وهذا السند أجل من السند الذي ذكره البيهقي، يونس هو ابن عبد الأعلى حافظ احتج به مسلم وهو أجل من الربيع، وهو المرادي، لأنه كان في عقله شيء حكاه ابن أبي حاتم عن النّسائي ولم يخرج له صاحباً الصحيح. وعمرو بن الحارث المصري الراوي عن بكير حافظ جليل وهو أجل من مخرمة بن بكير بلا شك لأن مخرمة ضعفه ابن معين وغيره، وقال ابن حنبل وابن معين: لم يسمع من أبيه إنما وقع له كتابه، ومالك قد اختلف عليه في سند الحديث كما ذكره البيهقي، واختلف أيضاً على إسماعيل فروى عنه نحو رواية مالك، ذكره البيهقي وغيره، وروى الطحاوي عن المزني عن الشافعي عن ابن عيينة عن إسماعيل عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش الزرقي عن سعد الحديث، قال الطحاوي: وهذا محال، أبو عياش الزرقي صحابي جليل وليس في سنن عبد الله بن يزيد لقاء مثله، واختلف أيضاً على أسامة فرواه عنه ابن وهب نحو رواية مالك، ورواه الليث عن أسامة وغيره عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة، وفي أطراف المزي رواه زياد بن أيوب عن علي بن غراب عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش عن سعد موقوفاً، ولم يذكر الدارقطني ولا غيره فيما علمنا سند رواية الضحاك لينظر فيه، ولو سلم حديث هؤلاء من الاختلاف كان حديث يحيى بن أبي كثير أولى بالقبول من حديثهم لأنه زاد عليهم وهو إمام جليل، وزيادة الثقة مقبولة، كيف وفي رواية عمران بن أبي أنس التي ذكرناها ما يقوي حديثه وتبين أنه لم ينفرد به، ويظهر من هذا كله أن الحديث قد اضطرب اضطراباً شديداً في سنده ومتنه، وزيد مع الاختلاف فيه هو مجهول لا يعرف، كذا قال ابن حزم وغيره، وأخرج صاحب المستدرك هذا الحديث من طرق منها رواية يحيى ثم صحّحه ثم قال: لم يخرجه الشيخان لما خشيا من جهالة زيد، وفي تهذيب الآثار للطبري علل الخبر بأن زيداً انفرد به ، هو غير معروف في نقلة العلم) انتهى . (١) المذنب: نوع من البسر، له ذَنَبٌ . (٢) المنقع: التمر المنقع في اللبن. ٧٣ كتاب البيوع وروي أن عَامِلَ خَيْبَرَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ تَمْراً جَنِيباً، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ((أَوَ كُلّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا)) وَكَانَ أَهْدى إِلَيْهِ رُطَباً، فقد أطلق عليه الصَّلاة والسلام اسم التَّمر على الرُّطب. وروي: (أَنَّهُ نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ بَيْعِ الثَّمْرِ حَتَّى يَزْهُوَ أَيْ يَحْمَرَّ أَوْ يَضْفَرَّ)) وروي: ((حتَّى يَحْمَارَّ أوْ يَصْفَارَ)) والإحمرار والإصفرارَ من أوْصَاف البُسْر، فقد أطْلَقَ - عليه الصلاة والسلام - اسم التَّمر على البُسْر، فيدخل تحت النصِ. وأمَّا الحَديثُ فمداره على زيد بن عيَّاش، وهو ضعيف عند النَّقلة(١)، فلا يقبل في معارضة الكتاب والسُّنة المشهورة؛ ولهذا لم يقبله أبو حنيفة - رحمه الله - في المناظرة في معارضة الحَدِيث المشهور، مع أنه كان من صيَارفة الحديث، وكان من مذهبه تَقْديم الخبر - وإِن كان في حد الآحاد - على القِيَاس، بعد أن كان راويه عدلاً ظاهر العَدَالة، أو بأدلة، فيحمله على بيع الرُّطب بالتمر نسيئة، أو تمراً من مال اليتيم، توفيقاً بين الدلائل، صيانةً لها عن التَّناقض، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكذلك الذَّهب والفضَّة لا يجوزُ بيعُ كُلَّ بجنسه، متفاضلاً في الوزن، سواءٌ اتفقا في النّوع والصفة؛ بأن كانا مضروبين دراهم أو دنانير، أو مصوغين، أو تبرين جيدين أو رديئين، أو اختلفا للحَدِيثِ المَشْهُور مثلاً بمثل، والفَضْل ربا، وأما متساوياً في الوزن متفاضلاً في النوع والصّفة؛ كالمصوغ بالتبر والجيد بالرديء - فيجوز عندنا،، وقال الشَّافعي - رحمه الله -: لا يجُوز بيع الجيد بالرَّديء؛ واحتج بالحديث المشْهُور: ((مِثْلاَ بِمِثْلٍ)) ولا مماثلة بين الجيّد والرديء في القيمة . وأما (٢) الحديث المشهور: ((مِثْلاَ بِمِثْلٍ)) فالمراد منه المَماثلة في الوزن؛ وكذا روي في بعض الروايات: ((وَزْناً بِوَزْنٍ))، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((جيّدُهَا وَرَدِيتُهَا سَوَاءٌ))(٣) وبه تبيَّن أن الجودة عند المقَابَلة بجنسها لا قيمة لها شرعاً، فلا يظهر الفَضْل، واللّحوم معتبرة (١) زيد بن عياش، أبو عياش الزُّرقيُّ، ويقال المخزومي، ويقال: مولى بني زهرة المدني روي عن سعد بن أبي وقاص روى عنه عبد الله بن يزيد - مولى الأسود بن سفيان - وعمران بن أبي أنس السلميُّ. روى له الأربعة حديثاً واحداً. ينظر تهذيب الكمال (١٠١/١٠)، ميزان الاعتدال (١٥٦/٣) رقم (٣٠٢٦)، تهذيب التهذيب (٤٢٣/٣)، تقريب التهذيب (٢٧٦/١)، خلاصه تهذيب الكمال (٣٥٤/١)، الكاشف (٣٤١/١). (٢) في أ: ولنا. (٣) ذكره الزيلعي في نصب الراية (٣٧/٤)، وقال: غريب، ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد المتقدم في الحديث الأول. وقال الحافظ من الدراية لم أجده (١٥٦/٢). ٧٤ كتاب البيوع بأصُولها، فإِنْ تجانس الأصْلاَن، تجانس اللَّحمان، فتراعى فيه المماثَلَة، ولا يجوز إلا متساوياً . وإن اختلف الأَضْلان، اختلف اللَّحمان، فيجوز بيع أحدهما بالآخر متساوياً ومتفاضلاً، بعد أن يكون يداً بيدٍ، ولا يجُوز نسيئةً؛ لوجود أحد وصفي علَّة ربا الفضل وهو الوزن. إذا عرف هذا فنقول: لحوم الإبل كلها على اخْتِلاف أنواعها؛ من لحوم الغراب، ١٩٥/٣ والبخاتي(١)، والهجين(٢)، وذي السنامين، وذي سنام واحد - جنس واحد؛ لأن الإبل/ كلها جنس واحدٌ، فكذا لحومها. وكذا لحوم البقر والجواميس كلها جنس واحدٌ، ولحوم الغنم في الضَّأن والنَّعجة، والمعز، والتيس - جنس واحد؛ اعتباراً بالأصُول وهذا عندنا،، وقال الشافعي - رحمه الله -: اللحوم كلها جِئْسٌ واحد، اتَّحدت أصولها أو اختلفت، حتى لا يجُوز بيع لحم الإِبل بالبقر، والبقر بالغنم متفاضلاً . وجه قوله: أن اللَّحمين استويا اسماً ومنفعة، وهي التَّغذي والتقوي، فاتَّحد الجنس، فلزم اعتبار المماثلة في بيع بعضها ببعض . ولنا: أن أصُول هذه اللُّحوم مختلفة الجِنْس، فكذا اللُّحوم؛ لأنها فروع تلك الأصُول، واختلاف الأصل يوجب اختلاف الفَرْع. قوله: الاسم شامل والمقصود متّحد، قلنا: المعتبر في اتّحاد الجنس اتّحاد المقْصُود الخاص لا العام، ألا ترى أن المطْعُومات كلها في معنى الطّعم متَّحدة، ثم لا يجعل كلها جنساً واحداً؛ كالحنطة مع الشعير ونحو ذلك، حتى يجُوزَ بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، مع اتحادهما في معنى الطّعم، لكن لمَّا كان ذلك معنى عامّاً(٣) يوجب اتّحاد الجنس، كذا هذا. وروي عن أبي يوسف: أنَّه يجوز بَيْعَ الطَّير بعضه ببعض متفاضلاً، وإِن كانا من جنس واحدٍ؛ لأنه لا يوزَن عادة؛ وعلى هذا الباب: هذه الحَيّوانات حكمها حُكْم أصولها عند الاتِّحَاد والاختلاف؛ لأنها متفرِّعَةٌ من الأصول، فكانت معتبرة بأصولها؛ وكذا خل الدقل(٤) مع خل العنب جِنْسَان مختلفان؛ اعتباراً بأصلهما، واللَّحم مع الشَّحم جنسان مختلفان؛ لاختلاف الاسْم والمنافع؛ وكذا مع الألَّيَة، والألية مع الشحم جنسان مختلفان؛ لما قلنا. (١) البخاتي: الإبل الخراسانية، المعجم الوسيط (بخت) (٢) الهجين: ضرب من النوق خفيف الجسم سريع السير. المعجم الوسيط (هجن). (٣) في ط: عالم. (٤) الدقلُّ: أردأ التمر. ٧٥ كتاب البيوع وشخِم البطن مع شحم الظّهر جنسان مختلفان، وكذا مع الألية بمنزلة اللَّحم مع شحم البطن والآلية؛ لأنه لحم سَمِين، وصُوف الشّاة مع شعر المعز(١) جنسان مختلفان؛ لاختلاف الاسم والْمَنْفَعَة؛ وكذا غزل الصُّوف مع غزل الشّعر، والقطن مع الكتان - جنسان مختلفان؛ وكذا غزل القطن مع غزل الكتَّان، ولا يجوز بيع غزل القطن بالقطن متساوياً؛ لأن القطن ينقص بالغَزْل، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر؛ كبيع الدقيق بالحنطةِ. وأما الحيوان مع اللَّحم؛ فإن اختلف الأَصْلان، فهما جنسان مختلفان كالشّاة الحية مع لحم الإبل والبقر، فيجوز بيع الْبَعْض بالبعض مجازفة نقداً ونسيئةً؛ لانعدام الوزن والجِنْس، فلا يتحقَّق الربا أصلاً، وإِن اتفقا؛ كالشاة الحية مع لَخم الشاة من مشايخنا من اعتبرهما جِئْسين مختلفين، وبنوا عليه جَواز بَيْع لحم الشّاة بالشّاة الحية مجازفة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعللوا لهما بأنه باع الجِنْس بخلاف الجِنْس. ومنهم من اعتبرهُما جنساً واحداً، وبنوا مذهبهما على أن الشّاة ليست بموزُونة، وجريان ربا الفضل يعتمد اجتماع الوصفَين الجنس مع القذر، فيجوز بيع أحدهما بالآخر مجازفة ومفاضلة، بعد أن يكون يداً بيدٍ، وهو الصَّحِيحُ على ما عرف في الخِلاَفيات. وقال مُحَمَّدٌ: لا يجُوز إلاَّ على وجه الاغْتِبار، وهو (٢) أن يكون وزْن اللحم الخَالصِ أكثر من اللَّحم الذي في الشّاة الحية بالحزر(٣) والظن!، فيكون اللَّحم بإزاء اللحم، والزّيادة بإزاء إِخلاف الجِنْس من الأطراف، والسَّقط من الرأس والأكارع والجلد والشَّحم، فإِن كان اللَّحم الخالص مثل قدر اللحم الذي في الشّاة الحية، أو أقل، أو لا يدري - لا يجُوز. وعلى هذا الخلاف؛ إذا باع الشّاة الحية بشَخم الشاة أو بإليتها، وهذا مذهب أصحابنا، ، وقال الشَّافعي - رحمه الله -: اللَّحوم كلها جنس واحدٌ، فلا يجوز بيع اللَّحم بالحَيَوان كَيْفَمَا كان، سواء اتَّفق الأَضْلان أو اختلفا، باع مجازفةً أو على طريق الاعتبار. وأجمعوا على أنه لا يجُوزِ بيع الشّاة بلحم الشّاة نسيئةً؛ لوجود الجِنْس المحرم للنساء؛ لأن اللَّحم الخالص من جنس اللَّحم الذي في الشّاة. وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع دُهن السِّمسم بالسمسم، إلا على طريق الاعتبار؛ وهو أن يكون الدُّهن الخَالِص أكثر من الدُّهن الذي في السّمسم، حتى يكون الدّهن بإزاء الدّهن، والزائد بإزاء خلاف جِنْسه وهو الكَسْب؛ وكذلك دهن الجُوز بلب الجوز. (١) في أ: الغنم. (٣) الحزر: التخمين. (٢) في ط: على. ٧٦ كتاب البيوع وأما دُهن الجوز بالجُوز: فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يجُوز مجازفة، وقال بعضُهم: لا يجُوز إلا على طريق الاغتِبار، وأجمعوا على أن بيع النّصال بالحَدِيد غير المصْنُوع - جائز مجازفة، بعد أن يكون يداً بيدٍ . أما الكلام مع الشَّافعي - رحمه الله -؛ فهو بنى مذهبه على أصْلٍ له ذكرناه/ غير مرة؛ وهو أن حُزْمة بيع مأكولٍ بجنسِه هو العَزيمة، والجواز عند التَّساويّ في المِعيار الشّرعي رخصة، ولا يعرف التَّساويٍ بينَ اللَّحم الخالص وبين اللحم الَّذي في الشّاة، فيبقى على أصْل الحرمة، وقد أبطَلنا هذا الأَصْل في علَّة الربا. وأمَّا الكلام مع أصْحَابنا، فوجه قول محمّد - رحمه الله -: أن في تجويز المجازفة ههنا احتمال الرِّبا، فوجب التحرُّز عنه ما أمكن، وأمكن بمراعاة طريق الاغتِبار، فلزم مراعاته قياساً على بيع الدّهن بالسّمسم؛ والدَّليل على أن فيه الرِّبا: أن اللَّحم موزُون، فيحتمل أن يكون اللَّحم المنزوع أقل من اللَّحم الذي في الشّاة وزناً، فيكون شيءٌ من اللحم مع السَّقط زيادة، ويحتمل أن يكون مثله في الوزن، فيكون السَّقط زيادة، فوجب مراعاة طريق الاعتبار تحرُّزاً عن الربا عند الإِمكان؛ ولهذا لم يجُز بيع دهن السمسم بالسّمسم(١)، والزيت بالزّيتون، إِلا على طريق الاعتبار، كذا هذا. ولهذا قلنا: أن هذا بيع الموزُون بما ليس بموزُون، يداً بيد، فيجوز مجازفة ومفاضلة؛ استدلالاً ببيع الحديد الغير المصْنُوع بالنّصال مجازفةً ومفاضلة؛ يداً بيدٍ، ودلالة الوصف: أن اللحم المَنْزُوعِ وإِن كان موزوناً - فاللَّحم الذي في الشّاة ليس بموزُون؛ لأن الموزون ما له طريق إِلى معرفة مقدار ثقله، ولا طريق إلى معرفة ثقل اللَّحم الذي في الشّاة؛ لأَن الطريق إِما أن يكون الوزن بالقبَّان، وإما أن يكون الاستدلال بالتّجربة، وإما أن يكون بالحزر والتخمين من غير تفاوت فاحِش، وشيء من ذلك لا يصلُح طريقاً لمعرفة مقدار اللّحم الذي في الشّاة. أما الوزن بالقَبَّان؛ فلأن الشّاة لا توزن بالقَبَّان عرفاً ولا عادة، ولو صلح الوزن طريقاً الوزن، لأن إمكان الوزن ثابت، والحاجة إلى معرفة مقدار اللَّحم الذي فيها ماسة؛ حتى يتعرف المشْتَري ذلك بالجسّ وَالمسّ باليد، والرفع من الأَرض ونحو ذلك، ولأن الحيَّ يثقل بنفسه مرة ويخف أخرى، فيختلف وزنه، فدلَّ أن الوزن لا يصْلُح طريق المعرفة. وأما التَّجربة؛ فإن ذلك بالذَّبح، ووزن المذبوح ليعرف اللَّحم الذي كان فيها عند العَقْد بطريق الظهور لا يمكن؛ لأنَّ الشّاة تحتمل الزّيادة والنقصان، والسمن والهزال، ساعة فساعة، فلا يعرف به مقدار ثقله حالة العَقْد بالتجربة . (١) في ط: الدهن بالسمسم. ٣/ ٩٥ب ٧٧ كتاب البيوع وأما الحزر والظّن؛ فإنه لا حزر لمن لا بَصَارة له في هذا الباب، بل يخْطِئ لا محالة، ومن له بَصَارة يغلط أيضاً ظاهراً وغالباً، ويظهر تفاوت فاحش؛ فدل أنه لا طريق لمعرفة اللَّحم الذي في الشّاة الحيّة، فلم يكن موزوناً، فلا يكون محلّاً لربا الفضل، بخلاف بيع دُهن السّمسم بالسمسم، لأن ذلك بيع الموزُون بالموزون؛ لأنه يمكن معرفة مقدار الدّهن في السمسم بالتّجربة؛ بأن يوزن قَدْر من السِّمسم فيستخرج دهنه، فيظهر وزن دهنه الذي في الجملة بالقِيَاس عليه، أو يعصر الجملة فيظهر قدر الدّهن الذي كان فيها حالة العَقْد، أو يعرف بالحزر والتَّخمين أنه كم يخرج من الدُّهن من هذا القَدْر، من غير تفاوت فاحش يلحق الضرر بأحد العاقدين، فكان ذلك بيع المؤزُون بالموزون مجازَفةً، فلم يجز؛ لاحتمال الرِّبا، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو باع شاةً مذبوحة غير مسْلُوخة بلحم شَاةٍ - لا يجوز إِلا على طريق الاعتبار بالإِجْمَاع؛ لأن اللَّحم الذي في الشّاة المذبوحة موزون، فقد باع الموزُون بجنسه وبخلاف جنسه، فيراعي فيه طريق الاعتبار، بخلاف اللَّحم الذي في الشّاة الحية؛ فإِنه غير موزُون لما قلنا، فلم يتحقّق الرِّبا، فجازت المجَازَفة فيه. ولو باع شاة حيَّة بشاة مذبوحة غير مسْلُوخة مجازفةً - جاز بالإِجماع، أما عِنْدَهما، فظاهر؛ لأنه باع الموزُون بما ليس بموزُون، فلا يتحقَّق الربا؛ كما لو باع شاة حيَّة بلَخم الشاة، وأما عند محمد؛ فلأن اللَّحم يقابل اللَّحم، وزيادة اللَّحم في إحداهما مع سقطها يكون بمقابلة سقط الأُخرى، فلا يتحقّق الربا. وكذلك لو باع شاتين حيَّتين بشاة واحدةٍ مذْبُوحة غير مسلوخة - جاز بالإجماع على اخْتِلاف الأصلين، ولو باع شاتين مذبوحَتَيْن غير مسْلُوخَتين، بشاة واحدةٍ مذبوحة غير مسْلُوخةٍ - يجوز، ويكون اللحم بمقابله اللَّحم، وزيادة اللحم في أحد الجانبين مع السَّقط يكون بمقابلةٍ سقط / الأخرى. ١٩٦/٣ ولو باع شاتين مذْبُوحتين مسْلُوختين، بشاةٍ واحدةً مذْبِوحَةٍ غير مسلوخةٍ - يجوز، ويقابل اللَّحم باللحم ومقابل اللّحم من المسلوختين بمقَابَلةِ سقط الأُخرى. ولو باع شاتين مذْبُوحتين غير مَسْلُوخَتَيْن، بشاة مذبوحةٍ مسْلُوخة - لا يجوز؛ لأن زيادة اللحم من غير المسْلُوختين مع السّقط لا يقابله عِوَض، فيكون رباً، ولو باع شاتين مسْلُوختين بشاة مسلوخةٍ، لا يجُوز؛ لأنهما مالان جمعهما الوَزْن، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر مفاضلةً ومجازفة؛ حتى لو كانا مستَويَيْن في الوزن، يجوز يداً بيدٍ. ولا يجوز بيع الزَّيت بالزيتون، ودهن الكتَّان بالكتَّان، والعصير بالعنب والسَّمن بلبن فيه ٧٨ كتاب البيوع سَمْن، والصوف بشاةٍ على ظهرها صُوف، واللبن بحيوانٍ في ضرعه لَبَن من جنسه، والثّمر بأرض ونَخْل عليه تمر، والحنطة بأرض فيها زَرْعُ قد أدرك؛ ونحو ذلك من أموال الرِّبا؛ حتى يكون المفرد أكثر من المجموع؛ ليكون المثل بالمِثْل والزيادة بمقابلة خلاف الجِنْس، وسنذكر أجْنَاس هذه المَسَائل في مواضعها إن شاء الله تعالى. هذا إذا قُوبل بدلٌ من جنس ببدلٍ من جنسه، أو ببدلین من جنسه، أو من خلاف چِنْسه، فأما إذا قوبل أَبدال من جِئْسين مختلفين، بأبدال من جِئْسَين مختلفين، فإن كان من غير أموال الرِّبا، فلا شك أنه يجُوز، وتقسم الأَبدال من أحد الجانبين بالأَبدال من الجانب الآخرِ قسمةً توزيع وإِشاعة؛ من حيث التَّقويم، وإِن كان من أموال الرِّبا، فَيَجُوز أيضاً عند أصحابنا الثلاثة، ويصرف الجنس إلى خلاف الجِنْس، فيقسم قسمةَ تصحيح لا قسمة إِشاعة وتوزيع،، وعند زفر والشَّافعي: لا يجُوز، ويقسم قسمة توزيع وإِشاعة من حيث القيمة؛ كما في غير أموال الرِّبا. وبيان ذلك في مسائل: إِذا باع كُرّ حنطة وكُرّ شعير بكرَّى حنطة وكرَّى شعير - جاز عند عُلَمائنا الثلاثة، وتصرف الحِنْطة إِلى الشَّعير، والشَّعير إِلى الحنطة، وعندهما: لا يجوز؛ وكذلك إذا باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين، ويصرف الدّرهم إِلى الدِّينارين، والدِّينار إِلى الدرهمین. وجه قول زفر والشافعي: أن هذا بَيْع ربا، فلا يجوز؛ كبيع الدِّرهم بالدرهمين والدِّينار بالدينارين؛ ودلالة الوصف: أنه قابل الجملة بالجملة مطلقاً، ومطلق مقابلة الجملة بالجملة يُقْتَضي انقسام كل بدل من أحد الجانبين، بجميع الأبدال من الجانب الآخر على سبيل الشّيوع من حيث القِيمَة، إذا كانت الأَبدال مختلفة القِيَم؛ استدلالاً بسائر البياعات في غير أموال الرِّبا، فإنه إذا باع عَبْداً وجارية بفرسٍ وثوب، وقيمتهما مختلفة - يقسَم العبد على قيمة الفرسٍ والثّوب. وكذا الجارية، حتى لو وجد بواحدٍ من الجملة عيباً يردّه بحصَّته من البدلين؛ وكذا لو استحق واحدٌ منهما يردّه بحصَّته من البدَلَين على البائع؛ وكذا لو كان أحد البَدَلَيْن داراً، فالشَّفيع يأخذها بحصتها من البَدَلين، فكان التَّقسيم - عَلَى الوجه الذي قلنا - هو الموجب الأصْلي في البَيَاعَات كلّها، والانقسام على هذا الوَجْه في أموال الرِّبا يحقق الرِّبا؛ لأنه يصير بائعاً كُرّ حنطة وكُرَّى شعير، بكُرَّى شعير وبِكُرّ حِنطة، فيتحقَّق الرِّبا، على أنه إِن لم يتحقّق الرِّبا، ففيه احتمال الرِّبا، وأنه مفسد للعقد؛ كبيع الصُّبرة بالصُّبرة مجازفة. ولنا: عمومات البيع من غير فَضْل؛ فمن ادَّعى التخصيص، فعليه الدَّليل؛ ولأن المتعاقدين أطلقا مقابلة الجملة بالجملة، والمطلق يتعرَّض للذَّات لا للصِّفات والجهات، فلا يكون مقابلة الجنس بالجنس عيناً، ولا مقابلة الجنس بخلاف الجنس عيناً فلا يتحقّق الرِّبا؛ لأنه ٧٩ كتاب البيوع اسم لفضلٍ مال في مقابلة الجِنْس بالجنس عيناً ولم يوجد، أو نقول: مطلق المقَابَلة تحتمل مقابلة الجِنْس بالجنس، على سبيل الشيوع من حيث القيمة كما قلتم، وتحتمل مقَابَلة الجنس بخلاف الجِنْس؛ لأن كل ذلك مقابلة الجملة بالجملة، إلا أنا لو حملناه على الأوّل يفسد العقد؛ ولو حملناه على الثَّاني، لصحَّ، فالحمل على ما فيه الصحة أولى. وقوله: موجب البيع المطلَق المشتمل على / إبدال من الجَانِبَيْن، انقسام كل بدلٍ من أحد ٩٦/٣ب الجانبين على جَمِيع الأبدال من الجانب الآخر، على الشّيوع من حَيْثُ التَّقويم، قلنا: ممنوع؛ لأن هذا مُوجب العَقْد المطلَق في موضع، في مسائل البَيَّاعَاتِ في غير أموال الرِّبا ما ثبت الانقسام موجباً له، بل بحكم المعاوضَة والمساواة في الأبدال؛ لأنهما لمَّا أطلقا البيع وهو يشتمل على إِبدال من الجانبين من غير تَعْيين مقابلة البَعضِ بالبَعْضٍ، وليس البعض بأولى من البَعْض في التّعيين، فلزم القول بالإِشاعة، والتَّقسيم من حيث القيمة حكماً للمعاوضَة والمساواة، وعند تحقّق الضَّرورة، وهي ضرورة الردّ بالعيب بالإِشاعة، والرجوع عند الاستِحقَاق؛ ونحو ذلك، فلا يثبت الانْقِسَام عند القيمة. قبل تحقّق الضَّرورة على ما عرف. وقوله: فيه احتمال الرِّبا، قلنا: احتمال الربا ههنا يوجِبُ فساد العقد عند مقابله الجنس بالجنس عيناً؛ كما في بيع الصُّبرة بالصُّبرة لا على الإطلاق؛ لأن عند مقابلة الجنس بالجنس يلزم رعاية المماثلة المشروطة، ولم توجد ههنا، فلا توجب الفَسَاد، وعلى هذا، إِذا باع ديناراً ودرهمين بدرهمين ودينارين - أنه يجوز عندنا، ويكون الدِّينار بالدِّرهمين، والدِّرهمان بالدِینارین. وكذا إِذا باعَ دِرْهَمَينٍ وَدِيناراً بدينارين ودرهم - يجوزُ عندنا؛ بأن يجعل الدِّرهَمانِ بالدینارین والدينار بالدرهم؛ وكذا إذا باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودینار - أنه جائز عندنا، وتكون الخمسة بمقابلة الخمسة، والخمسة الأخرى بمقابلة الدينار؛ وكذلك إذا باع أحد عشر درهماً بعَشْرة دراهم ودينار - جاز عندنا، وكانت العشرةُ بمِثْلِها، ودینار بدرهم. وكذلك قَالَ أبو حنيفة - عليه الرحمةُ -: أنَّه إِذا بَاعَ مِائَ دِرْهَم ودینار بألف درهم - يجوز ولا بأس به، وتكون المائة بمقابلة المائة، والتسعمائة بمقابلة الدِّينارَ، فلا يتحقق الربا. وكذا روي عن محمد أنه قال: إِذا باع الدَّراهم بالدَّراهم، وفي أحدهما فَضْل من حيث الوزن، وفي الجانب الذي لا فضل فيه فلوس - فهو جائزٌ في الحكم، ولكني أكْرَهه. فقيل [له](١) كيف تجده في قلبك؟ قال: أجده مثل الجَبَل. (١) سقط من ط . ٨٠ كتاب البيوع والحاصل: أنه ينظر إلى ما يقابل الزيادة من حيث الوَزْن من خلاف الجنس، إن بلغت قيمته قيمة الزّيادة، أو كانت أقلّ منها مما يتغابن النَّاس فيه عادة - جاز البيع من غير كراهة؛ وإن كانت شيئاً قليل القيمة، كفلس وجوزة ونحو ذلك - يجوز مع الكراهة؛ وإن كان شيئاً لا قيمة له أصلاً ككف من تراب ونحوه - لا يجوز البيع أصلاً؛ لأن الزيادة لا يقابلها عوض، فيتحقّق الربا . فصل [في شرائط جريان الربا] وأما شرائط جريان الرِّبا، فمنها: أن يكون البدلان معْصُومين؛ فإِن كان أحدهما غير معصُوم، لا يتحقَّق الربا عندنا. وعند أبي يوسف: هذا ليس بشرطٍ، ويتحقق الربا. وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مُسْلم دارَ الحرب تاجراً، فبايع (١) حربيّاً درهماً بدرهمين، أو غير ذلك من سائر البيوع الفَاسِدة في حكم الإِسلام - أنه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد،، وعند أبي يوسف: لا يجوز. وعلى هذا الخلاف المسلم الأسير في دار الحَرْب، أو الحربيّ الذي أسلم هناك ولم يهاجر إِلينا، فبايع أحداً من أهل الحرب. وجه قول أبي يوسف: أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين، فهي ثابتة في حق الكُفَّار؛ لأنهم مخاطبون بالحُرمات في الصّحيح من الأقوال(٢)، فاشتراطه في البيع يوجب فساده؛ كما إذا بايع المسلم الحربي المسْتَأمن في دار الإِسلام. (١) في ط: فباع. (٢) ويظهر أثر ذلك الخلاف في الفروع الفقهية يظهر فيما لو قال شخص لزوجته إن خالفت نهيي فأنت طالق ثم أمرها بشيء كأن قال لها مثلاً قومي فقعدت. فإن من ذهب إلى أن الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده يقول إنها قد خالفت نهيه لأن أمرها بالقيام يدل على النهي عن القعود، فإذا قعدت تكون قد خالفت نهيه فيقع الطلاق المعلق لحصول المعلق عليه وهو مخالفتها نهيه. ومن ذهب إلى أن الأمر بالشيء لا يدل على النهي عن ضده يقول إن هذا الطلاق لا يقع لأن المعلق عليه، وهو مخالفة نهيه لم يحصل، لأن أمرها بالقيام لا يدل إلا على طلب القيام فقط ولا دلالة له على النهي عن القعود. فلم يكن قعودها مخالفاً لنهيه الذي علق الطلاق عليه وإنما هو مخالف لأمره ولم يعلق الطلاق على مخالفته. فلا يقع الطلاق - وإن خالفت أمره لأنه لم يعلق على مخالفته - لعدم مخالفتها نهيه التي علق الطلاق عليها؛ لأنه لم يكن منه نهي حتى يكون قعودها مؤدّياً لما علق الطلاق عليه. ينظر: دراسات في أصول الفقه ص (١١٣)