Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب البيوع وهو تمليك شيءٍ واحد في زمان واحد من اثنين على الكمال؛ فإن اختار تضمين المشتري رجع المشتري بالثمن على البائع وَبَطَلَ البيعُ، ولبيس له أن يَرْجِعَ عليه بما ضمن؛ كما في المشتري من الغاصب. وإن اختار تضمين البائع: ذكر الطحاوي (رحمه الله) أنه ينظر إن كان قبض البائع قبض ضمان بأن كان مغصوباً في يده نفذ بيعه؛ لأنه لما ضمنه فقد ملك المغصوب من وقت الغصب، فتبين أنه باع ملك(١) نفسه فينفذ، وإن كان قبضه قبض أمانة، بأن كان وديعة عنده فباعه وسلمه إلى المشتري، لا ينفذ بيعه؛ لأن الضمان إنَّما وجب عليه بسبب متأخر عن البيع وهو التسليم، فيملك المضمون من ذلك الوقت لا من وقت البيع، فيكون بائعاً من مال غيره بغير إذنه، فلا ینفذ. وذكر محمد (رحمه الله) في ظاهر الرواية وقال: يجوز البيع بتضمين البائع، قيل: هذا محمولٌ على ما إذا سلمه البائع أولاً ثم باعه؛ لأنه إذا سلمه أولاً فقد صار مضموناً عليه بالتسليم، فتقدم سبب الضمان البيع، فتبين أنه باع مال نفسه فينفذ. ثم إِنْ كَانَ قيامِ الأربعة التي ذكرنا شرطاً للحوق الإِجازة، لأن الإِجازة إنما تلحق القيام، وقيام العقد بهذه الأربعة، ولأن الإِجازة لها حكم الإنشاء من وجه، ولا يتحقق الإِنشاء بدون العاقدين والمعقود عليه؛ لذلك كان قيامها شرطاً للحوق الإِجازة، فإن وجد صحت الإِجازة وصار البائع بمنزلة الوكيل، إذ الإِجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، ويكون الثمن للمالك إن كان قائماً؛ لأنه بدل ملكه، وإِن هلك في يد البائع يهلك أمانة؛ كما إذا كان وكيلاً في الابتداء وهلك الثمن في يده. ولو فسخه البائع قبل الإِجازة انفسخ واسترد المبيع إِن كان قد سلم، ويرجع المشتري بالثمن على البائع إن كان قد نقده، وكذا إذا فسخه المشتري ينفسخ، وكذا إذا فسخه الفضولي، فمحمدٌ يحتاج إلى الفرق بين البيع والنكاح، فإن الفضولي من جانب الرجل في باب النكاح إذا زوجت المرأة نفسها / ، لا يملك الفسخ عنده. ١٧٤/٣ ووجه الفرق له أن البيع الموقوف لو اتصلت به الإِجازة، فالحقوق ترجع إلى العاقد، فهو بالفسخ يدفع العهدة عن نفسه، فله ذلك بخلاف النكاح؛ لأن الحقوق في باب النكاح لا ترجع إلى العاقد، بل هو سفيرٌ ومعبر، فإذا فرغ من(٢) السفارة والعبارة التحق بالأجانب. وأما قيام الثمن في يد البائع هل هو شرط لصحة الإجازة أم لا، فالأمر لا يخلو إما إِن (١) في أ: مال. (٢). في ط: عن. ٥٨٢ كتاب البيوع كان الثمن ديناً كالدراهم والدنانير والفلوس النافقة والموزون الموصوف والمكيل الموصوف في الذمة؛ وَإِمَّا إِن كان عيناً كالعروض، فإِن كان ديناً، فقيامه في يد البائع ليس بشرط للحوق الإِجازة، لأن الدين لا يتعين بالتعيين، فكان قيامه بقيام الذمة . وإن كان عيناً فقيامه شرط للحوق الإِجازة، فصار الحاصل أن قيام الأربعة شرط صحة الإِجازة إذا كان الثمن ديناً، وإذا كان عيناً فقيام الخمس شرط، فإن وَجَدْت الإِجازة عند قيام الخمس، جاز ويكون الثمن للبائع لا للمالك، لأن الثمن إذا كان عيناً كان البائع مشترياً من وجه، والشراء لا يتوقف على الإِجازة، بل ينفذ على المشتري إذا وجد نفاذاً عليه؛ بأن كان أهلاً وهو أهل، والمالك يرجع عليه بقيمة ماله إِن لم يكن له مِثْلٌ، وبمثله إِن كان له مثل لأنه عقد لنفسه ونقد الثمن من مال غيره فيتوقف النقد على الإِجازة، فإِذا أجازه مالكه بعد(١) النقد فیرجع عليه بمثله أو بقيمته. بخلاف ما إذا كان الثمن ديناً، لأنه إذا كان ديناً، كان العاقد بائعاً من كل وجه، ولا يكون مشترياً لنفسه أصلاً فتوقف على إِجازة المالك، فإذا أجاز كان مجيزاً للعقدِ، فكان بدله له. ولو هلكت العين في يد الفضولي بَطَلَ العقدُ، ولا تلحقه الإِجازة، ويرد المبيع إلى صاحبه، ويضمن للمشتري مثْلَهُ إِن كان له مِثْلٌ، وقيمتَهُ إِن لم يكن له مثلٌ؛ لأنه قبضه بعقد فاسدٍ . ولو تصرف الفضولي في العين قبل الإِجازة، ينظر: إن تصرف فيه قبل القبض فتصرفه باطلٌ، لأَن الملك في العقد الفاسد يقف على القبض، وإن تصرف فيه بعد ما قبض بإذن المشتري صريحاً أو دلالةً يصحُّ تصرفه؛ لأَنّه تصرف في ملك نفسه، وعليه مثله أو قيمته؛ لأَن المقبوض بالبيع الفاسد مضمونٌ به، ولا تلحقه الإِجازة؛ لأنه هلك(٢) بجواز تصرفه فيه، فلا يحتمل الإِجازة بعد ذلك، ولو تصرف المشتري في المبيع قبل الإِجازة لا يجوز تصرفه، سواء كان قبض المبيع أو لم يقبضه؛ لعدم إِذن مالكه، والله (تعالى) أعلم. وأما الولايةُ: فالولاية (٣) في الأصل نوعان: نوعٌ يثبت بتولية المالك، ونوعٌ يثبت شرعاً لا بتولية المالك. (١) في أ: نفذ. (٢) في ط: ملك. (٣) الولاية بفتح الواو وكسرها مصدر وليه، وولى عليه. يتعدى فعله بنفسه، وبحرف الجر. تقول: وليت المرأة، ووليت عليها؛ إذا قمت بها. وملكت أمرها، ونصرتها. ومن معانيها لغة النصرة. ومنه قوله تعالى: ﴿الولاَيَّةِ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وِمَا كَانَ مُنْتَصِراً هُنَالِكَ﴾ . وقرأ الأخوان والأعمش وغيرهم عن طلحة وخلف وغيرهما: ((الولاية لِلَّه الْحَقِّ)) بكسر الواو . = ٥٨٣ كتاب البيوع أما الأول: فهو ولايةُ الوكيلِ فينفذ تصرف الوكيل، وَإِن لم يكنِ المحل مملوكاً له لوجود الولاية المستفادة من الموكل. وأما الثاني: فهو ولاية الأبِ والجد أب الأَبِ والوصي والقاضي، وهو نوعان أيضاً: ولاية النكاح، وولاية غيره من التصرفات. أما ولاية النكاح: فموضع بيانها ((كتاب النكاح)). وأما ولايةُ غيره من المعاملات، فالكلامُ فيه في مواضع: في بيان سبب هذه الولاية، وفي بيان شرائطها، وفي بيان ترتيب الولاية. أما الأول: فسبب هذا النوع من الولاية في التحقيق شيئان: أحدهما: الأبوة. والثاني: القضاء؛ لأن الجد من قبل الأب أبٌ، لكن بواسطة، ووصى الأَبِ والجد استفاد الولاية منهما، فكان ذلك ولاية الأبوة من حيث المعنى، ووصى القاضي يستفيد الولاية من القاضي، فكان ذلك ولاية القضاء معنى. أما الأبوة فلأنها داعية إلى كمال النظر في حق الصغير لوفور شفقة الأب، وهو قادرٌ على ذلك؛ لكمال رأيه وعقله، والصغيرُ عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، وثبوت ولاية النظر للقادر. على العاجز عن النظر أمر معقول مشروع؛ لأنه من باب الإِعانة على البر، ومن باب الإِحسان، ومن باب إِعانة الضعيف وإِغاثة اللفهان، وكل ذلك حسن عقلاً وشرعاً؛ ولأن ذلك من باب شكر النعمة وهي نعمة القدرة إذا شكر كل نعمة على حسب النعمة، فَشُكْرُ نعمةِ القدرة معونة وجاء لفظ الولاية في اللغة مصدراً بالفتح والكسر، وهما لغتان فيه بمعنى واحد، كالوكالة والوكالة، = والوصاية والوصاية، فدل ذلك على أنهما بمعنى واحد. وقيل بينهما فرق؛ فقد قال سيبويه الولاية بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم مثل الإمارة والنقابة؛ لأنه اسم لما توليته وقمت به؛ فإذا أرادوا المصدر فتحوا. ونسب إلى أبي عبيدة وأبي الحسن أنها بالفتح ولاية مولى نسب ونحوه، وبالكسر ولاية السلطان. وقال الزَّجَّاجُ: هي بالفتح النصرة والنسب، وبالكسر للإمارة ونقل عنه أنه ذهب إلى أن الولاية لاحتياجها إلى تَمّرُّنٍ وتدريب شبهت بالصناعات؛ ولهذا جاء فيها الكسر. هذا معنى الولاية في اللغة. أما في الشرع فهي نوعان: ولاية إجبار، ويمكن أن تفسر بأنها سلطة تثبت للرجل على المرأة بسبب ملك، أو أبوة، أو إيصاء فقط، تسوغ له القيام بأمر المرأة، والنيابة عنها في النكاح بطريق الإلزام وولاية غير إجبار، ويمكن أن تفسر بأنها سلطة تثبت للرجل على المرأة بسبب ملك، أو بنوة، أو أبوة، أو إيصاء، أو تعصيب، أو ولاء، أو كفالة، أو سَلْطَنَةٍ، أو إسلام؛ تسوغ له القيام بأمر المرأة، والنيابة عنها في النكاح لا بطريق الإلزام. ٥٨٤ كتاب البيوع العاجز، وشكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً، فضلاً عن الجواز، ووصى الأب قائم مقامه؛ لأنّه رضيه واختاره، فالظاهر أنه ما اختاره من بين سائر الناس إِلاَّ لعلمه بأن شفقته على ورثته مثل شفقته عليهم، ولولا ذلك لما ارتضاه من بين سائرِ الناس فكان الوصي خلفاً عن الأب، وخَلَفُ الشيء قائمٌ مقامه كأنه هو، والجد له كمال / الرأي ووفور الشفقة، إلا أنَّ شفقته دون شفقة الأب، فلا جرم تأخرت ولايته عن ولاية الأب، وولاية وصيه ووصى وصيه أيضاً؛ لأن تلك ولاية الأب من حيث المعنى على ما ذكرنا، ووصى الجد قائم مقامه؛ لأنه استفاد الولاية من جهته؛ وكذا وصى وصيه. وأما القضاء: فلأنَّ القاضيَ لاختصاصه بكمال العلم، والعقل، والورع، والتقوى، والخصال الحميدة أَشْفَقُ الناس على اليتامى فصلح وليًّا، وقد قال (عليه الصلاة والسلام): (السُّلْطَانُ وَلِيَّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ))(١) إلاَّ أن شفقته دون شفقة الأب والجد، لأن شفقتهما تنشأ عن القرابة وشفقته لا؛ كذا وصيّه، فتأخرت ولايته عن ولايتهما. فصل في شروط الولاية وأما شرائطها فأنواع بعضها يرجع إلى الولي(٢)، وبعضها يرجع إلى المولى عليه، وبعضها يرجع إلى المولى فيه. أما الذي يرجع إلى الولي فأشياء : منها: أن يكون حرًّا، فلا تثبت ولاية العبد؛ لقوله (سبحانه وتعالى): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدَاً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ولأنه لا ولاية له على نفسه، فكيف تثبت له الولاية على غيره. ومنها: أن يكون عاقلاً، فلا ولاية للمجنون لما قلنا، ومنها: إسلام الولي إذا كان المولى (١) تقدم. (٢) الولي لغة معناه: النصير والمعين، من وليه إذا قام به ونصره ومنه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وجمعه أولياء. وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح عليها، وكل من يلي أمر أحد فهو وليه. قال الفراء: المولى والولي واحد في كلام العرب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهُ هُوَ مَوْلاَهُ وجِبْرِيلُ .... ﴾ إلخ. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾. وفي اصطلاح المتكلمين: هو العارِفُ بالله تعالى، وبأسمائه وصفاته، حسبما يمكن المواظب على الطاعات، المجتنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في الشهوات. هو من له على المرأة ملك، أو بنوة، أو أبوة، أو تعصيب، أو ولاء، أو إيصاء، أو كفالة، أو سلطنة، أو ذو إسلام؛ قاله ابن عرفة. ٧٤/٣ ب ٥٨٥ كتاب البيوع عليه مسلماً، فإن كان كافراً لا تثبت له عليه الولاية؛ لقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ولأن تنفيذ الولاية للكافر على المسلم يشعر بالذل به، وهذا لا يجوز. وأما الذي يرجع إلى المولى عليه، فالصغرُ فلا تثبت الولاية على الكبير؛ لأنه يقدرُ على دفع [حاجة نفسه](١)، فلا حاجة إلى إثبات الولاية عليه لغيره، وهذا لأن الولاية على الحر تثبت مع قيام المنافي للضرورة، ولا ضرورة حالة القدرة فلا تثبت. وأما الذي يرجع إلى المولى فيه، فهو أن لا يكون من التصرفات الضارة بالمولى عليه؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((لاَ ضَرَرَ وَلاَ إِضْرَارَ فِي الإِسلام))(٢) وقال (عليه الصلاة والسلام): ((مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، فَلَيْسَ مِنَّا))(٣) والإِضرار بالصغير ليس من المرحمة في شيء، فليس للأب(٤) أن يهب مال الصغير من غيرِهِ بغير عوضٍ؛ لأنه إزالة ملكه من غير عوضٍ، فكان ضرراً محضاً، وكذا ليس له أن يهب بعوض عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: له ذلك. وجه قوله أن الهبة بعوضٍ معاوضة المال بالمال، فكان في معنى البيع فملكها كما يملك البيع . ولهما أنها هبة ابتداء بدليل أن الملك فيها يقف على القبض؛ وذلك من أحكام الهبة، وإِنما تصيرُ معاوضةً في الانتهاء وهو لا يملك الهبة، فلم تنعقد هبته، فلا يتصور أن تصير معاوضة بخلاف البيع؛ لأنه معاوضة ابتداءً وانتهاءً، وهو يملك المعاوضة. وليس له أن يتصدق بماله، ولا أن يوصي به؛ لأن التصدق والوصية إِزالة الملك من غير عوضٍ ماليٍّ، فكان ضرراً فلا يملكه، وليس له أن يطلق امرأته لأنَّ الطلاق من التصرفات الضارة المحضة، وليس له أن يعتق عبده، سواء كان بعوضٍ أو بغير عوضٍ. أما بغير عوض فلأنه ضَرَرٌ مَخْضٌ، وكذا بعوض لأنه لا يقابله العوض للحال؛ لأن العتق معلق بنفس القبول، وَإِذا عتق بنفس القبول يبقى الدين في ذمة المفلس، وقد يحصل وقد لا يحصل، فكان الإِعتاق ضرراً محضاً للحال. وكذا ليس له أن يقرض ماله؛ لأن القرض إزالة الملك من غير عوض للحال، وهو معنى قولهم القرض تبرعٌ وهو لا يملك سائر التبرعات؛ كذا هذا بخلاف القاضي فإنه يقرض مال اليتيم. (١) في أ: حاجته بنفسه. (٢) تقدم. (٣) تقدم. (٤) في ط: له. ٥٨٦ کتاب البيوع ووجه الفرق أن الإقراض من القاضي من باب حفظ الدين، لأن توى الدين بالإفلاس أو بالإِنكار، والظاهر أن القاضي يختار أملى الناس وأوثقهم، وله ولاية التفحص عن أحوالهم، فيختار من لا يتحقق إِفلاسه ظاهراً وغالباً، وكذا القاضي يقضي بعلمه فلا يتحقق التوى بالإِنكار، وليس لغير القاضي هذه الولاية، فبقي الإقراض منه إزالة الملك من غير أن يقابله عوض للحال، فكان ضرراً فلا يملكه، وله أن يدين ماله من غيره. وصورة الاستدانة أن يطلب إِنسانٌ من غير الأَب أو الوصي أن يبيعه شيئاً من أموال الصغيرِ بمثلٍ قيمته، حتى يجعل أصل الشيء ملكه وثمن المبيع ديناً عليه ليرده، فإن باعه منه بزيادة على قيمته فهو عينه، وإنما ملك الإِدانة ولم يملك القرض؛ لأن الإِدانة بيع ماله بمثل قيمته، وليس له أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ؛ لأنه يتعلق المهر برقبته / وفيه ضرر، وليس له أن يبيع ماله بأقل من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادةً، ولو باع لا ينفذ بيعه لأنه ضرر في حقه. وكذا ليس له أن يؤاجر نفسه أو ماله بأقل من أجرة المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادةً، وليس له أن يشتري بماله شيئاً بأكثر من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادةً لما قلنا، ولو اشترى ينفذ عليه ويكون المشتري له؛ لأن الشراء وجد نفاذاً على المشتري، وله أن يقبل الهبة والصدقة والوصية؛ لأن ذلك نفع محض فيملكه الولي، وقال (عليه الصلاة والسلام): ((خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ)) (١) وهذا يجري مجرى الحث على النفع، والحث على النفع ممن لا يملك النفع عبث، وله أنْ يزوّجَ أمته لأنه نفع، وله أن يبيع ماله بأكثر من قيمته ويشتري له شيئاً بأقل من قيمته لما قلنا. وله أن يبيعه بمثل قيمته وبأقل من قيمته، مقدار ما يتغابن الناس فيه عادةً، وله أن يشتري له شيئاً بمثل قيمته وبأكثر من قيمته قدر ما يتغابن الناس فيه عادةً؛ وكذا له أن يؤاجر نفسه وماله بأكثر من أجر مثله أو بأجر مثله أو بأقل منه، قدر ما يتغابن الناس فيه عادةً. وكذا له أن يستأجر له شيئاً بأقل من أجر المثل، أو بأجر المثل، أو بأكثر منه، قدر ما يتغابن الناس فيه عادةً. ولو أجر نفسه أو ماله ثم بلغ الصبي في المدة، فله الخيار في إِجازة النفس إِنْ شاء مضى عليها، وإِن شاء أبطلها، ولا خيار له في إجازة المال. (١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٣٩٣/١) رقم (١٢٥٤) بهذا اللفظ ثم قال: ((لم أر من ذكر أنه حديث أو لا فليراجع لكن معناه صحيح وفي أحاديث ما يشهد لذلك كحديث الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله فافهم ويشهد له ما رواه القضاعي عن جابر كما في الجامع الصغير بلفظ خير الناس أنفعهم للناس)) اهـ. وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٧٧٧/١٥) رقم (٤٣٠٦٥) وعزاه إلى القضاعي من حديث جابر. ١٧٥/٣ ٥٨٧ كتاب البيوع ووجه الفرق أن إِجارة مال الصغير تصرف في ماله على وجه النظر، فيقوم الأَب فيه مقامه، فلا يثبت له خيار الإبطال بالبلوغ، فأما إِجارة نفسه فتصرف على نفسه بالإِضرار، وكان ينبغي أن لا يملكه الأب، إلا أنه ملكها من حيث إنها نوع رياضة وتهذيب للصغير وتأديب له، والأب يلي تأديب الصغير فوليها على أنها تأديب، فإذا بلغ فقد انقطعت ولاية التأديب، وهو الفرق. وله أن يسافر بماله وله أن يدفع ماله مضاربةً، وله أن يبضع، وله أن يوكل بالبيع والشراء والإِجارة والاستئجار، لأن هذه الأشياء من توابع التجارة (١)، فكُلُّ من ملك التجارة يملك ما هو من توابعها، ولهذا ملكها المأذون، وله أن يعير ماله استحساناً، والقياس أن لا يجوز. وجه القياس أَنَّ الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض، فكان ضرراً، وجه الاستحسان أن هذا من توابع التجارة وضروراتها، فتملك بملك التجارة، ولهذا ملكها المأذون. وله أن يودع ماله؛ لأن الإيداع من ضرورات التجارة، وله أن يأذن له بالتجارة عندنا إذا كان يعقل البيع والشراء؛ لأن الإذن بالتجارة دون التجارة، فإذا ملك التجارة بنفسه فلأَنْ يملك الإِذن بالتجارة أَوْلَى. وله أن يكاتب عبده؛ لأن المكاتبَةَ عَقْدُ معاوضةٍ، فكان في معنى البيع، وله أن یرهن ماله بدينه، لأن الرهن من توابع التجارة؛ لأن التاجر يحتاج إليه؛ ولأنه قضاء الدين وهو يملك قضاء دينه من ماله فيملك الرهن بدينه أيضاً، وله أن يرهن ماله بدين نفسه أيضاً؛ لأن عين المرهون تحت يد المرتهن إلا أنه إذا هلك يضمن مقدار ما صار مؤديًّا من ذلك دين نفسه. وله أن يجعل ماله مضاربةً عند نفسه، وينبغي أن يشهد على ذلك في الابتداء، ولو لم يشهد يحل له الربح فيما بينه وبين الله (تعالى)، ولكن القاضي لا يصدقه. وكذلك إذا شارك ورأس ماله أقل من مال الصغير، فإن أَشْهَدَ، فالربح على ما شرط، والإذن لم يشهد يحل فيما بينه وبين الله (تعالى)، ولكن القاضي لا يصدقه، ويجعل الربح على قدر رأس مالهما . وما عرفت من الجواب في الأَب فهو الجواب في وصيه حال عدمه، وفي الجد ووصيه حال عدمه إِلاَّ أَن بين الأَب ووصيِّهِ وبين الجد ووصيه فرقاً من وجوه مخصوصةٍ. منها: أن الأَب أو الجد إذا اشترى مال الصغير لنفسه أو باع مال نفسه من الصغير بمثل (١) في أ: الإجارة. ٥٨٨ كتاب البيوع قيمته أو بأقل - جاز، ولو فعل الوصي ذلك لا يجوز عند محمد أصلاً، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إِن كان خيراً لليتيم جاز، وإِلاَّ فلا. ومنها: أن لهما ولاية الاقتصاص لأجل الصغير في النفس وما دونها، وللوصي ولاية الاقتصاص فيما دون النفس، وليس له ولاية الاقتصاص في النفس. ومنها: أن [له] (١) ولاية الصلح في النفس وما دونها على قدر الدية من غير حط بلا خلاف، وليس لهما ولاية العفو، وفي جواز الصلح من الوصي روايتان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في ((كتاب الصلح)). ثم ولي اليتيم / ، هل يأكل من مال اليتيم؟ فنقول: لا خلاف في أنه إِذا كان غنيًّا لا يأكل، لقوله (تعالى): ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَغْفِفْ﴾ [النساء: ٦] فأما إذا كان فقيراً فهل له أن يأكل على سبيل الإِباحة، أو ليس له أن يأكل إلا قرضاً. اختلف فيه الصحابة (رضي الله عنهم): روي عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) أن له أن يأكل على سبيل الإباحة، لكن بالمعروف من غير إِسرافٍ، وهو قول سيدتنا عائشة (رضي الله عنها)(٢). وروي عن سيدنا عمر (رضي الله عنه) أنه يأكل قرضاً، فإذا أيسر قَضَى(٣)، وهو إِحدى الروايتين عن ابن عباس (رضي الله عنهما). احتج هؤلاء بقوله (تعالى): ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] أمر (سبحانه وتعالى) بالإِشهاد على الأيتام عند دفع المال إليهم، ولو كان المال في أيدي الأولياء بطريق الأمانة لكان لا حاجة إلى الإِشهاد؛ لأن القولَ قولُ الولي إذا قال دفعت المال إِلى اليتيم عند إنكاره، وإنما الحاجة إلى الإِشهاد عند الأخذ قرضاً ليأكل منه؛ لأن في قضاء الدين القولَ قولُ صاحب الدين، لا قول من يقضي الدين، وعن سعيد بن جبير (رضي الله عنه) أنه فسر قولَهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قال: قرضاً. (١) سقط من ط . (٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢١٥/٢) وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس . (٣) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢١٦/٢) وعزاه إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والنحاس في ناسخه وابن المنذر. ٧٥/٣ ب ٥٨٩ كتاب البيوع احتج الأَولون بظاهر قوله (عزَّ شأنه): ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أطلق الله (عزَّ شأنه) لولي اليتيم أن يأكلَ من مال اليتيم بالمعروف، وهو الوسط من غير إِسراف. ورُوِيَ أن رجلاً سأل رسولَ الله وَّرَ فقال: ليس لي مالٌ، ولي يتيمٌ؟ فقال (عليه الصلاة والسلام): ((كُلْ مِنْ مَالٍ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلاَ مَتَأَثْلِ مَالَكَ بِمَالِهِ))(١) وذكر محمد ومالك في ((الموطأ)) أن الأفضل هو الاستعفاف من ماله؛ لماً روي أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) فقال له: أوصي إلى يتيم، فقال عبد الله: لا تشتر من ماله شيئاً، ولا تستقرض من ماله شيئاً، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. فصل [في ترتيب الولاية] وأما ترتيب الولاية، فأولى الأولياء الأبُ، ثم وصيُّهُ، ثم وصيُّ وصيِّهِ، ثم الجدُّ، ثم وصيه، ثم وصي وصيه، ثم القاضي، ثم من نَصبَهُ القاضي. وهو وصي القاضي. وإنما تثبت الولاية على هذا الترتيب؛ لأن الولاية على الصغار باعتبار النظر لهم لعجزهم عن التصرف بأنفسهم، والنظر على هذا الترتيب؛ لأن ذلك مبني على الشفقة؛ وشفقةُ الأبِ فَوْقَ شَفَقَةِ الكُلِّ، وشفقةُ وصِيِّهِ فوقَ شفقة الجد؛ لأنه مرضي (٢) الأب ومختاره، فكان خلف الأب في الشفقة، وخَلَفُ الشيء قائمٌ مقامَهُ؛ كأنه هو، وشفقة الجد فوق شفقة القاضي، لأَن شفقته تنشأ عن القرابة والقاضي أجنبي، ولا شك أن شفقة القريب على قريبه فوق شفقة الأجنبي. وكذا شفقة وصيه لأنه مرضي الجد وخلفه، فكان شفقته مثل شفقته، وإذا كان ما جعل له الولاية على هذا الترتيب كانت الولاية على هذا الترتيب ضرورة؛ لأن ترتيب الحكم على حسب ترتيب العلة، والله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ) أعلم. (١) أخرجه أبو داود (١١٥/٣) كتاب الوصايا، باب ما جاء في ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم الحديث (٢٨٧٢) والنسائي (٢٥٦/٦) كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه. وابن ماجه (٩٠٧/٢) كتاب الوصايا، باب قوله: ((ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف)) الحديث (٢٧١٨) وأحمد في المسند (١٨٦/٢، ٢١٥، ٢١٦) والبيهقي (٢٨٤/٦) كتاب الوصايا، باب والي اليتيم يأكل من ماله إذا كان فقيراً وابن الجارود في المنتقى رقم (٩٥٢) والبغوي في شرح السنة (٤٣٢/٤) كتاب العطايا والهدايا، باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم الحديث (٢١٩٨) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي ◌َّر فقال: إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم فقال: ((كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر أو مباذر ولا متأثل)). (٢) في أ: وصى. ٥٩٠ کتاب البيوع وليس لمن سوى هؤلاء من الأم والأخ والعم وغيرهم ولاية التصرف على الصغير في ماله، لأَن الأَخ والعم قاصراً الشفقة، وفي التصرفات تجري جنايات لا يهتم لها إلا ذو الشفقة الوافرة، والأم وإن كانت لها وفور الشفقة لكن ليس لها كمال الرأي؛ لقصور عقل النساء عادةً، فلا تثبت لهن ولاية التصرف في المال ولا لوصيهن، لأن الوصي خلف الموصي قائم مقامه؛ فلا يثبت له إلا قدر ما كان للموصي، وهو قضاء الدين والحفظ لكن عند عدم هؤلاء، ولوصي الأُم والأَخ أن يبيع المنقول والعقار لقضاء دين الميت والباقي ميراث للصغير، ثم ينظر إن كان واحد ممن ذكرنا حيًّا حاضراً فليس له ولاية التصرف أصلاً في ميراث(١) الصغير، لأَنَّ الموصي لو كان حيًّا لا يملكه في حال حياته؛ فكذا الوصي، وإن لم يكن فله ولاية الحفظ لا غير، إِلاَّ أنه يبيع المنقول لما أن بيع المنقول من باب الحفظ، لأن حفظ الثمن أيسر وليس له أن يبيع العقار لاستغنائه عن الحفظ لكونه محفوظاً بنفسه. وكذا لا يبيع الدراهم والدنانير لأنها محفوظة، وليس له أن يشتري شيئاً على سبيل التجارة، وله أن يشتري مَا لا بد منه للصغير، من طعامه، وكسوته، وما استفاد الصغير من المال من جهة أخرى سوى الإِرث بأنْ وُهِبَ له شيءٌ أو أوصى له به، فليس له ولاية التصرف فيه أصلاً، عقاراً كان أو منقولاً؛ لأنه لم يكن للموصى عليه ولاية؛ فكذا الوصي. وأما / وصي المكاتب فله أن يبيع المنقول والعقار لقضاء دين المكاتب ولقضاء دين الكتابة، لأَن المكاتب كان يملكه بنفسه، فكذا وصيه، وما فضل من كسبه يكون ميراثاً لورثته. أما الأَحرار منهم فلا شك، وكذا الولد المولود في الكتابة ومن كُوتب معه، لأَنّه عتق في آخر جزء من أجزاء حياته بعتق أبيه، وإذا صار الفاضل من كسبه ميراثاً لورثته، فهل يملك التصرف في مالهم. ذكر في الزيادات أنه لا يملك إلا الحفظ، وجعله بمنزلة وصي الأُم والأخ والعم، وفي ((كتاب القسمة)) الحقه بوصي الأب فإنه أجاز قسمته في العقارات، والقسمة في معنى البيع، فمن جازت قسمته يجوز بيعه، فكان فيه روايتان. وهذا إذا مات قبل أداء بدل الكتابة، فأما إذا أدَّى بدل الكتابة في حال حياته، وعتق، ثم مات، كان وصيه کوصي الحرِّ بلا خلافٍ. والثاني: ألا يكون في المبيع حق لغير البائع، فإن كان لا ينعقد كالمرهون والمستأجر لأَن فيه إبطال حق المرتهن والمستأجر، وهذا لا يجوز. (١) في أ: مال. ١٧٦ ٥٩١ كتاب البيوع وقد اختلفت عبارات الكتب في هذه المسألة في بعضها أن البيع فاسد، وفي بعضها أنه موقوفٌ، وهو الصحيح؛ لأن رُكْنَ البيع صدر من أهله مضافاً إلى مال متقوم مملوك مقدور التسليم من غير ضررٍ يلزمه . والدليلُ على أنه مدور التسليم أنه يمكنه أن يفتك الرهن بقضاء الدين فيسلمه إلى المدين؛ وكذا احتمال الإِجازة من المرتهن والمستأجر ثابت في البابين جميعاً إلا أنه لم ينفذ للحال لتعلق حقهما فتوقف، ويمكن التوفيق بين الروايتين بأن يحمل قوله ((فاسد)) على أنه لا حكم له ظاهرٌ، وهو تفسير الموقوف عندنا، فإذا توقف على إِجازتهما، فإن أجاز جاز ونفذ. وهل يملكان المطالبة بالفسخ؟ ذكر القدوري (رحمه الله) في شرحه وقال: أما المستأجر فلا يملك، وأما المرتهن فيجوز أنْ يُقَال يملك، فرق بينهما من حيث أَنَّ حَقَّ المستأجر في المنفعة لا في العين، إِذ الإجارة عقد على المنفعة لا على العين، والبيع عقد على العين، فلم يكن البيع تصرفاً في محل حق المستأجر، فلا يثبت له الخيار، وحق المرتهن في العين لأنه يستوفي الدين من بدل العين بالبيع عند عدم الافتكاك من الراهن؛ ولهذا لو أجاز البيع كان الثمن رهناً عنده، فكان البيع تصرفاً في محل حقه، فيثبت له الخيار، وهل يثبت للمشتري خيار الفسخ، فإن لم يعلم أنه مرهون أو مؤجر يثبت، لأن العقدَ المطلق يقتضي التسليم للحال، وقد فات فيثبت له خيار الفسخ، وَإِن علم فلا خيار له؛ لأَنَه رضي بالتسليم في الجملة. ولو باع عبده الذي وجب عليه القود نفذ، لأَنّه لا حق لولي القتيل في نفس القاتل، وإِنما له ولاية استيفاء القصاص، وإنها لا تبطل بالبيع، فيجوز البيع ولا يصير المولى بالبيع مختاراً للفداء، سواء علم بالجناية أو لم يعلم؛ لأن حق الولي في القصاص والبيع لا يبطل القصاص. وكذلك لو أعتقه أو دبره أو كاتب أمة فاستولدها لما قلنا؛ وكذا لو باع عبده الذي هو حلال الدم بالردة؛ لأن الردة توجب إِباحة الدم لا غير، والبيع لا يبطلها، وكذا لو أعتقه أو دبره؛ وكذا لو باع عبده الذي وجب قطع يده بالسرقة أو وجب عليه حد من الحدود كحد الزنا والقذف والشرب؛ لأن الواجب بهذه الجنايات ولاية استيفاء القطع والحد، والبيع لا يبطلها. ولو باع عبده الذي وجب دفعه بالجناية يجوز، علم المولى بالجناية أولاً، ولا سبيلَ لولي الجناية على العبد ولا على المشتري؛ لأنه لا حق له في نفسه العبد، وإنما يخاطب المولى بالدفع إِلا أن يختار الفداء غير أنه إِن كان عالماً بالجناية يلزمه أرش الجناية، بالغاً ما بلغ، لأَن إِقدامه على البيع بعد العلم بالجناية اختيار للفداء؛ إذ لو لم يختر لما باعه، لما فيه ٥٩٢ کتاب البيوع من إبطال حق ولي الجناية في الدفع، والظاهر أنه لا يرضى به وعلى تقدير الاختيار كان البيع إيطالاً لحقهم إلى بدل وهو الفداء، فكان الإقدام على البيع اختياراً للفداء، بخلاف ما إذا كان عليه قتلٌ أو قطع بسبب السرقة أو حد؛ لأن البيع لا يوجب بطلان هذه الحقوق، فلم يكن الإقدام على البيع اختياراً للفداء، فلا تسقط هذه الحقوق، بل بقيت على حالها، وإِن لم يكَن(١) عالماً بالجناية يلزمه الأقلُّ من قيمته / ومن أرش الجناية، لأنه إِذا لم يكن عالماً بالجناية كان البيع استهلاكاً للعبد من غير اختياره، فعليه الأقل من قيمته ومن أرش الجناية؛ لأنه ما أتلف على ولي الجناية إِلا قدر الأرش إلا إذا كان أقلهما عشرة آلاف درهم، فينقص منها عشرة دراهم، لأن قيمة قتل العبد خطأ إذا بلغ عشرة آلاف درهم ينقص منها عشرة دراهم . ٧٦/٣ ب وكذلك لو أعتقه المولى أو دَبَّرَهُ أو كاتب أمة فاستولدها، جاز، ولا سبيل لولي الجناية على العبد والمدبر وأم الولد، غير أنه إِن علم بالجناية كان ذلك اختياراً منه للفداء، وَإِنْ لم يعلم فعليه الأقل من قيمته ومن الدين وما زاد على هذا نذكره في كتاب جنايات العبيد في آخر ((كتاب الجنايات))، إن شاء الله (تعالى). فصل في شروط الصحة وأما شرائط الصحة فأنواع: بعضُها يعم البياعات كلها، وبعضها يخص البعض دون البعض . : أما الشرائط العامة: فمنها: ما ذكرنا من شرائط الانعقاد والنفاذ؛ لأن ما لا ينعقد ولا ينفذ البيع بدونه لا يصح بدونه ضرورة، إذ الصحة أمر زائد على [أصل] (٢) الانعقاد والنفاذ، فكل ما كان شرط الانعقاد والنفاذ كان شرط الصحة ضرورة وليس كل ما يكون شرط الصحة يكون شرط النفاذ، والانعقاد عندنا، فإن البيع الفاسد ينعقد وينفذ عند اتصال القبض به عندنا، وَإِن لم یکن صحيحاً. ومنها: أن يكون المبيع معلوماً وثمنه معلوماً علماً يمنع من المنازعة، فإن كان أحدهما مجهولاً جهالة مفضية إلى المنازعة فسد البيع، وَإِن كان مجهولاً جهالة لا تفضي إلى المنازعة لا يفسد، لأن الجهالة إذا كانت مفضية إلى المنازعة كانت مانعة من التسليم والتسلم، فلا يحصل مقصود البيع، وإذا لم تكن مفضية إلى المنازعة، لا تمنع من ذلك فيحصل المقصود. (١) في ط: كان. - (٢) سقط من ط . . ٥٩٣ كتاب البيوع وبيانه في مسائل إِذا قال: بعتُك شاةً من هذا القطيع، أو ثوباً من هذا العدل، فالبيع فاسد؛ لأن الشاة من القطيع والثوب من العدل مجهولٌ جهالة مفضية إلى المنازعة؛ لتفاحش التفاوت بين شاةٍ وشاةٍ وثوبٍ وثوبٍ، فيوجب فساد البيع؛ فإِنَّ عيَّن البائع شاة أو ثوباً وسلمه إِليه ورضي به، جاز، ويكون ذلك ابتداء بيع بالمراضاة، ولأن البياعات للتوسل إلى استيفاء النفوس إلى انقضاء آجالها، والتنازع يفضي إلى التفاني فيتناقض، ولأن الرضا شرط البيع، والرضا لا يتعلق إلا بالمعلوم. والكلام في هذا الشرط في موضعين: أحدهما: أن العلم بالمبيع والثمن علماً مانعاً من المنازعة شرط صحة البيع. والثاني: في بيان ما يحصل به العلم بهما. أما الأول: فبيانه في مسائل: وكذا إِذا قال: بعتُكَ أحد هذه الأَثواب الأَربعة بكذا، وذكر خيار التعيين أو سكت عنه، أو قال: بعتك أحد هذين الثوبين أو أحد هذه الأثواب الثلاثة بكذا، أو سكت عن الخيار، فالبيع فاسدٌ، لأَن المبيع مجهول، ولو ذكر الخيار بأن قال على أنك بالخيار تأخذ أيها شئت بثمن كذا وترد الباقي، فالقياس أن يفسد البيع، وفي الاستحسان لا يفسد. وجه القياس أن المبيع مجهولٌ، لأنه باع أحدهما غير عينٍ وهو غير معلوم، فكان المبيع مجهولاً، فيمنع صحة البيع؛ كما لو باع أحد الأثواب الأربعة وذكر الخيار. وجه الاستحسان الاستدلال بخيار الشرط، والجامع بينهما مساس الحاجة إلى دفع الغبن، وكل واحد من الخيارين طريق إلى دفع الغبن، وورود الشرع هناك يكون وروداً ههنا، والحاجة تندفع بالتحري في ثلاثة؛ لاقتصار الأشياء على الجيد، والوسط والرديء، فيبقى الحكم في الزيادة مردوداً إلى أصل القياس؛ ولأن الناس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم إلى ذلك، فإن كُلَّ أحد لا يمكنه أن يدخل السوق فيشتري ما يحتاج إليه، خصوصاً الأكابر والنساء، فيحتاج إلى أن يأمر غيره ولا تندفع حاجته بشراء شيء واحد معين من ذلك الجنس؛ لما عسى لا يوافق الآمر فيحتاج إلى أن يشتري أحد اثنين من ذلك الجنس فيحملهما جميعاً إلى الآمر، فيختار أيهما شاء بالثمن المذكور، ويرد الباقي، فجوزنا ذلك لتعامل الناس ولا تعامل فيما زاد على الثلاثة، فبقى الحكم فيه على أصل القياس. وقوله: المعقود عليه مجهول، قلنا: هذا ممنوعٌ، فإنه إذا شرط الخيار بأن قال على أن تأخذ أيهما شئت فقد انعقد البيع(١) موجباً للملك عند اختياره لا للحال، والمعقود عليه عند 1 (١) في أ: العقد. بدائع الصنائع ج٦ - ٣٨٢ ٥٩٤ كتاب البيوع اختياره / معلومٌ مع ما أن هذه جهالة لا تفضى إلى المنازعة، لأنه فوض الأمر إلى اختيار المشتري يأخذ أيهما شاء، فلا تقع المنازعة، وهل يشترط بيان المدة في هذا الخيار. اختلف المشايخ فيه لاختلاف ألفاظ محمد في هذه المسألة في الكتب، فذكر في ((الجامع الصغير)) على أن يأخذ المشتري أيهما شاء، وهو فيه بالخيار ثلاثة أيام. وذكر في الأصل على أن يأخذ أيهما شاء بألف ولم يذكر الخيار، فقال بعضهم لا يجوز هذا البيع إلا بذكر مدة خيار الشرط، وهو ثلاثة أيام فما دونها عند أبي حنيفة (رحمه الله)، وعندهما الثلاث وما وزاد عليها بعد أن يكون معلوماً، وهو قول الكرخي والطحاوي (رحمهما الله)، وقال بعضهم يَصِحُّ من غير ذكر المدة. وجه قول الأولين أَنَّ المبيعَ لو كان ثوباً واحداً معيناً وشرط فيه الخيار كان بيان المدة شرط الصحة بالإِجماع، فَكَذَا إذا كان واحداً غير معين، والجامع بينهما أن ترك التوقيت تجهيل لمدة الخيار، وأنه مفسد للبيع، لأن للمشتري أن يردهما جميعاً، والثابت بخيار التعيين رد أحدهما، وهذا حكم خيار الشرط، فلا بد من ذكر مدة معلومة. وجه قول الآخرين أن توقيت الخيار في المعين إِنما كان شرطاً؛ لأن الخيار فيه يمنع ثبوت الحكم للحاجة إلى دفع الغبن بواسطة التأمل، فكان في معنى الاستثناء، فلا بد من التوقيت ليصح استثناء ذلك في الوقت عن ثبوت حكم البيع فيه، وخيار التعيين لا يمنع ثبوت الحكم، بل يثبت الحكم في أحدهما غير عين، وإنما يمنع تعين المبيع لا غير، فلا يشترط له بيان المدة، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. والدليل على التفرقة بينهما أن خيار الشرط لا يورث(١) على أصل أصحابنا، وخيار التعيين يورث بالإجماع إِلاَّ أن للمشتري أن يردهما جميعاً لا حكماً لخيار الشرط المعهود ليشترط له بيان المدة، بل لأن البيع المضاف إلى أحدهما غير لازم، فكان محلاً للفسخ كالبيع بشرط خيار معهود، على ما نذكر إِن شاء الله (تعالى). وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى ثوبين أو عبدين أو دابتين على أن المشتري أو البائع بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام، ولم يعين الذي فيه الخيار من الذي لا خيار فيه، ولا بين حصة كل واحد منهما من الثمن، أن البيع فاسدٌ فيهما جميعاً لجهالة المبيع والثمن. (١) سيأتي الكلام على ذلك مفصلاً. ١٧٧/٣ ٥٩٥ كتاب البيوع أما جهالة المبيع فلأن العقد في أحدهما بات وفي الآخر خيار، ولم يعين أحدهما من الآخر، فكان المبيع مجهولاً، وأما جهالة الثمن فلأنه إذا لم يسم لكل واحد منهما ثمناً، فلا يعرف ذلك إلا بالحرز والظن، فكان الثمن مجهولاً، والمبيع مجهولاً، وجهالة أحدهما تمنع صحة البيع فجهالتهما أولى. وكذا إذا عين الذي فيه الخيار لكن لم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن. لأَن الثمن مجهول؛ وكذا إذا بين ثَمَّنَ كل واحد منهما، لكل لم يعين الذي فيه الخيار من صاحبه، لأَن المبيع مجهول، ولو عيَّنَ وبيَّن، جاز البيع فيهما جميعاً، لأن المبيع والثمن معلومان، ويكون البيع في أحدهما باتًّا من غير خيار، وفي الآخر فيه خيار، لأنه هكذا فعل، فإذا أجاز مَنْ له الخيار البيع فيما له فيه الخيار، أو مات، أو مضت مدة الخيار من غير فسخ حتى تم البيعٍ، ولزم المشتري ثمنهما - ليس له أنْ يَأْخُذَ أحدهما أو كلاهما ما لم ينقد ثمنهما جميعاً، لأن الخيار لما سقط ولزم العقد، صار كأنه اشتراهما جميعاً شراءً باًّا، ولو كان كذلك كان الأمر على ما وصفنا؛ فكذا هذا. ولو اشترى ثوباً واحداً أو دابةً واحدة بثمن معلوم على أن المشتري أو البائع بالخيار في نصفه، ونصفه بات، جاز البيع لأن النصف معلوم وثمنه معلوم أيضاً، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وَلَوْ بَاعَ عدداً من جملة المعدودات المتفاوتة كالبطيخ والرمان بدرهم، والجملة أكثر مما سمى، فالبيع فاسدٌ لجهالة المبيع جهالةٌ مفضيةً إلى المنازعة، فإن عزل ذلك القدر من الجملة بعد ذلك، أو تراضيا عليه، فهو جائز؛ لأن ذلك بيع مبتدأ بطريق التعاطي، وإليه أشار في الكتاب فقال: وإِنما وقع البيع على هذا المعزول حين تراضيا، وهذا نص على جواز البيع بالمراوضة . ولو قال بعت هذا العبد بقيمته، فالبيعُ فاسدٌ؛ لأنه جعل ثمنه قيمته، وإنها تختلف باختلاف تقويم المقومين، فكان الثمن مجهولاً؛ وكذلك إذا اشترى من هذا اللحم ثلاثة أرطالٍ بدرهم. ولم يبين الموضع / ، فالبيع فاسدٌ، وكذلك إِذا بين الموضع بأنْ قال: زِنْ من هذا الجنبُ رطلاً بكذا، أو من هذا الفخذ على قياس قول أبي حنيفة في السلم، وعلى قياس قولهما يجوز. وكذا روي عن محمد (رحمه الله) أنه يجوز؛ وكذا إِذا باع بحكم المشتري أو بحكم فلان؛ لأنه لا يدري بماذا يحكم فلان، فكان الثمن مجهولاً؛ وكذا إِذا قال: بعتُك هذا بقفيز حنطة، أو بقفيزي شعير؛ لأن الثمن مجهول، وقيل: هو البيعان في ٧٧/٣ ب ٥٩٦ كتاب البيوع (١) بيع (١). وقد رُوِيَ أَنَّ رسول الله وََّ (نَهَىَ عَنْ بَيْعَيْنِ فِي بَيْع))(٢) وكذا إِذا قال: بعتُك هذا العبد بألف درهم إِلى سنة أو بألف وخمسمائة إلى سنتين، لأنّ الثمن مجهول، وقيل: هو الشرطان في بیع(٣). (١) وصورة البيعتين في بيعة كأن يبيع السلعة بألزام بعشرة نقداً أو أكثر إلى أجل، ويختار بعد ذلك، أو يبيع بألزام إحدى سلعتين مختلفتين جنساً كثوب ودابة، أو صنعاً كرداء وكساء، وإنما نهى عنه للجهل بالثمن في الصورة الأولى، والجهل بالمثمن أو بهما في الصورة الثانية. (٢) ورد ذلك من حديث ابن عمر، وحديث ابن مسعود، وأبي هريرة. أما حديث ابن عمر: أخرجه أحمد (٧١/٢)، والبزار (١٠٠/٢)، الحديث (١٢٩٩) من طريق هشيم أنا يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَعليه: ((مطل الغني ظلم وإذا أحلت على ملىء فاتبعه ولا بيعتين في واحدة))، وأما البزار فرواه بلفظ: ((نهى عن بيعتين في بيعة)). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٣١/٤)، وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا الحسن بن عرفة وهو ثقة . وفاته أن يعزوه للإمام أحمد. أما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد (٣٩٨/١): حدثنا حسن وأبو النضر وأسود بن عامر قالوا: ثنا شريك عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: ((نهى رسول الله وَطّر عن صفقتين في صفقة واحدة)) قال أسود: قال شريك: قال سماك: الرجل يبيع البيع فيقول هو بنساء بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا. ورواه أيضاً، عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن سماك به، عن ابن مسعود أنه قال: لا تصلح صفقتان في صفقة، وأن رسول الله ◌َ* قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه)). ورواه البزار (٢/ ٩٠) كتاب البيوع: باب النهي عن صفقتين في صفقة الحديث (١٢٧٧) باللفظ الأول: (نهى رسول الله وَّل عن صفقتين في صفقة، وهو من طريق أسود بن عامر عن شريك عن سماك به. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((نهى رسول الله وَّر عن بيعتين في بيعة، وعن بيع وسلف، وعن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما ليس عندك)). أخرجه بهذا اللفظ : أحمد (١٧٤/٢ - ١٧٥)، والطيالسي ص (٢٩٨)، والدارمي (٢٥٣/٢) كتاب البيوع: باب في النهي عن شرطين في بيع، وأبو داود (٧٦٩/٣ - ٧٧٥) كتاب البيوع: باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، الحديث (٣٥٠٤)، والترمذي (٥٣٥/٣ . ٥٣٦) كتاب البيوع: باب كراهية بيع ما ليس عندك، الحديث (١٢٣٤)، والنسائي (٢٨٨/٧) كتاب البيوع: باب بيع ما ليس عند البائع، وابن ماجه (٧٣٧/٢ - ٧٣٨) كتاب التجارات: باب النهي عن بيع ما ليس عندك، الحديث (٢١٨٨). وابن الجارود ص (٢٠٥ - ٢٠٦) باب المبايعات المنهى عنها من الغرر وغيره، الحديث (٦٠١)، والحاكم (١٧/٢) كتاب البيوع: باب لا يجوز بیعان، وقد تقدم. (٣) وهو أن الشرط إمّا أن يقتضيه العقد أولاً، والثاني إما أن ينافي المقصود منه أو يخل بأحد العوضين، أولاً = ٥٩٧ كتاب البيوع وقد رُوِيَ أن رسول الله ێے «نَهَى عَنْ شَرطَیْنِ فِي بَيْع)» (١) ولو باع شيئاً يربح ده بازده ولم يعلم المشتري رأس ماله، فالبيعُ فاسد حتى يعلم، فيختار أو يدع؛ هكذا روى ابن رستم عن محمد؛ لأنه إذن لم يعلم رأس ماله، كان ثمنه مجهولاً، وجهالةُ الثمن تمنعُ صحةً البيع، فإِذا علم ورضي به جاز البيع، لأن المانع من الجواز وهو الجهالة عند العقد، وقد زالت في المجلس، وله حكم حالة العقد فصار كأنه كان معلوماً عند العقد، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ به حتى إِذا افترقًا تقرر الفساد. وَلَوْ هَلَكَ المبيعُ قبل العلم بعد القبض فعليه قيمته، لأن هذا حكم البيع الفاسد وقد تقرر ولا فالأقسام أربعة : والمفسد منهما القسمان: الثاني والثالث: ومثال الشرط الذي يقتضيه العقد شرط تسليم المبيع للمشتري، ورد العوض عن انتقاص البيع، وانتفاع المشتري بالمبيع، إذ هذه الأمور لازمة للعقد من غير اشتراطها فيه لاقتضائه لها فشرطها تأكيد لموجبه. ومثال ما لا يقتضيه، ولا ينافي المقصود منه، ولا يخل بأحد العوضين: شرط الأجل المعلوم للثمن، والخيار، والرهن، فهذه لا يقتضيها العقد ولكن لا تنافيه، ولا تخل بأحد العوضين، فلا تفسده، بل إن اشترطت عمل بها وإلاّ فلا. وأما الشرط الذي لا يقتضيه العقد، وينافي المقصود منه، فمثاله: أن يشترط البائع على المشتري ألاّ يبيع أو لا يهب، أو ألا يتخذ الأمة أم ولد، أو ألاّ يخرج بها من البلد، أو ألاّ يركب الدابة المشتراة، أو ألا يسكن الدار المشتراه أو لا يؤجرها، أو على أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وسبب النهي عن مثل هذه الصور ما يفضي إليه الشرط من جعل العقد خالياً عن المقصود منه غير مستعقب لثمرة وهو بفسد العقد. أما الشرط الذي يخل بأحد العوضين، فكبيع وشرط سلف من أحدهما: لأن الانتفاع بالسلف من جملة الثمن إن كان شرط السلف صادراً من البائع أو من جملة المثمن إن كان الشرط صادراً من المشتري، والانتفاع بالسلف مجهول فيدخل جهالة فيهما. ينظر: أثر النهي في العبادات والمعاملات لشيخنا عبد المجيد فتح الله. (١) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٨٥/٤)، والخطابي في معالم السنن (١٤٥/٣ - ١٤٦)، والحاكم في علوم الحديث ص (١٢٨) ذكر النوع التاسع والعشرين في معرفة سنن رسول الله ◌َو يعارضها مثلها، وابن حزم في المحلى (٤١٥/٨ - ٤١٦)، عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة. فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعاً وشرط شرطاً، فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته، فقال البيع جائز والشرط جائز، فقلت: سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة! فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي ◌َّ: ((أنه نهى عن بيع وشرط)) البيع باطل والشرط باطل ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: ((أمرني رسول الله ◌َ ﴿ أن أشتري بريرة فأعتقها)) البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: ((بعت النبي وَلّ ناقة وشرط لي حملانها إلى المدينة)) البيع جائز والشرط جائز. ٥٩٨ کتاب البيوع الفساد بالهلاك، لأن بالهلاك خرج البيع عن احتمال الإِجازة والرضا؛ لأن الإِجازة إِنَّما تلحق القائم دون الهالك، فتقرر الفساد فلزمته القيمة. وروى ابن شجاع عن محمد أَنَّ البَيْعَ جَائِزٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّه موقوفٌ على الإِجازَةِ، وإِليه أَشَارَ أَبُو يُوسف (رَحِمَهُ الله) فإِنَّه قَالَ: صَحَّ، وهذه أمارة البيع الموقوف، فإِن مات البائع قبل أن يرضى المشتري، وقد قبض أو لم يقبض، انتقض البيع، ولو كان المبيع عبداً فقبضه، ثم أعتقه، أو باعه، أو مات قبل العلم - جاز العتق والبيع، وعليه قيمتُهُ لوجود الهلاك حقيقة بالموت، وبالإِعتاق في المبيع، فخرج البيع عن احتمال الإِجازة، فتأكد الفساد فيلزمه القيمة. ولو أعتقه بعد ما علم برأس المال، فعليه الثمن لأَن إقدامه على الإِعتاق دليل الإِجازة، ولو عتق بالقرابة قبل العلم بالثمن بعد القبض فعليه قيمته، لأنه لا صنع له في القرابة، فلم يوجد دليل الإجازة، فكان العتق بها بمنزلة هلاك العبد قبل العلم، وهناك تجب القيمة؛ كذا ههنا. وكذا إذا باع الشيء برقمه أو رأس ماله ولم يعلم المشتري رقمه ورأس ماله، فهو كما إِذا باع شيئاً بربح ده بازده ولم يعلم ما اشترى به . ولو قال: بعتُك قفيزاً من هذه الصبرة، صَحَّ، وإِن كان قفيزاً من صبرة مجهولاً، لكن هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة، لأن الصبرة الواحدة متماثلة القفزان، بخلاف الشاة من القطيع وثوب من الأربعة، لأَن بين شاة وشاة تفاوتاً فاحشاً، وكذا بين ثوبٍ وثوبٍ، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. ولو باع شيئاً بعشرةٍ دَرَاهِم أو بعشرةَ دنانير، وفي البلد نقود مختلفة، انصرف إلى النقد الغالب؛ لأن مطلق الاسم ينصرف إلى المتعارف، خصوصاً إذا كان فيه صحة العقد، وإِن كان في البلد نقود غالبة، فالبيع فاسد؛ لأن الثمن مجهول؛ إذ البعض ليس بأولى من البعض. وعلى هذا يخرج أصل أبي حنيفة (عليه الرحمة) أن جملة الثمن إذا كانت مجهولة عند العقد في بيع مضاف إلى جملة، فالبيع فاسدٌ، إِلاَّ في القدر الذي جهالته لا تفضي إلى المنازعة . وجملة الكلام فيه أن المبيع لا يخلو إما إن كان من المثليات من المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، وإما أن يكون من غيرها من الذرعيات والعدديات المتفاوتة، ولا يخلو إما أن سمى جملة الكيل والوزن والعدد والذرع في البيع، وإما أن لم يسم، أما المكيلات فإن لم يسم جملتها بأن قال: بعت منك(١) هذه الصبرة، كُلُّ قفيزٍ منها بدرهم، لم يجز البيع إِلاَّ في (١) في أ: مثل. ٥٩٩ کتاب البيوع قفيز منها بدرهم، ويلزم البيع فيه عند أبي حنيفة، ولا يجوز في الباقي إلا إذا علم المشتري جملة القفزان قبل الافتراق؛ بأنْ كَالَها، فله الخيار، إِن شاء أخذ كل قفيز بدرهم، وَإِنْ شاء ترك، وَإِن لم يعلم حتى افترقا عن المجلس تقرر الفساد، وعند أبي يوسف ومحمد يلزمه البيع في كل الصبرة، كُلُّ قفيز منها بدرهم، سواء علم أو لم يعلم. وعلى هذا الخلاف إذا قال: كل قفيز منها بدرهمين، أو كل ثلاثة أقفزة منها بثلاثة دراهم، وعلى هذا الخلاف الوزن الذي لا ضرر في تبعيضه؛ كالزيت وتبر الذهب والفضة والعددي المتقارب كالجوز واللوز إذا لم يسم جملتها. وأما الذرعيات فإنْ لم يسم جملة الذرعان بأنْ قال: بعتُ / منك هذا الثوب أو هذه ٧٨/٣ ١ الأرض أو هذه الخشبة، كُلُّ ذراعٍ منها بدرهم، فالبيع فاسدٌ في الكل عند أبي حنيفة (رحمه الله) إِلاَّ إِذا علم المشتري جملة الذرعان في المجلس، فله الخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وإن لم يعلم حتى إذا تفرقا تقرر الفساد، وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز البيع في الکل، ویلزمہ کل ذراع منه بدرهم. وعلى هذا الخلاف إذا قال: كل ذراعين بدرهمين، أو كل ثلاثة أذرع بثلاثة دراهم، وعلى هذا الخلاف العدديات المتفاوتة؛ كالأغنام والعبيد؛ بأن قال: بعتُ منك هذا القطيع من الغنم كل شاة منها بعشرة دراهم، ولم يسم جملة الشياه، وعلى هذا الخلاف الوزني الذي في تبعيضه ضرر؛ كالمصوغ (١) من الأواني والقلب؛ ونحو ذلك. وجه قولهما في مسائل الخلاف أن جملة البيع معلومة، وجملة الثمن ممكن الوصول إلى العلم بالكيل والوزن والعدد والذرع، فكانت هذه جهالة ممكنة الرفع والإِزالة، ومثل هذه الجهالة لا تمنع صحة البيع؛ كما إذا باع بوزن هذا الحجر ذهباً، ولأبي حنيفة (رحمه الله) أن جملة الثمن مجهولة حالة العقد جهالة مفضية إلى المنازعة، فتوجب فساد العقد، كما إذا باع الشي برقمه، ولا شك أن جهالة الثمن حَالَةَ العقدِ مجهولة؛ لأنه باع كل قفيز من الصبرة بدرهم، وجملة القفزان ليست بمعلومة حالة العقد، فلا تكون جملة الثمن معلومة ضرورة، وكذلك هذا في الموزون والمعدود والمذروع. وقولهما يمكن رفع هذه الجهالة، مُسَلَّم، لكنها ثابتة للحال إلى أن ترتفع، وعندنا إذا ارتفعت في المجلس ينقلب العقد إلى الجواز، لأن المجلس وإن طال فله حكم ساعة العقد، والبيع بوزن هذا الحجر ذهباً ممنوعٌ على أصل أبي حنيفة (رحمه الله)، وإنما اختلف جواب (١) في أ: كالمصنوع. ٦٠٠ كتاب البيوع أبي حنيفة بين المثليات وغيرها من وجهٍ؛ حيث جوز البيع في واحد في باب الأمثال، ولم يجز في غيرها أصلاً؛ لأن المانع من الصحة جهالة الثمن؛ لكونها مفضية إلى المنازعة، وجهالة قفيز من صبرة غير مانعة مع الصحة؛ لأنها لا تفضي إلى المنازعة . ألا ترى لو اشترى قفيزاً من هذه الصبرة ابتداء جاز، فإذا تعذر العمل بعموم كلمة : (كل)(١) صرفت إلى الخصوص، لأنه ممكن على الأصل المعهود في صيغة العام إذا تعذر العمل بعمومها أنها تصرف إلى الخصوص عند إمكان الصرف إليه؛ بخلاف الأشياء المتفاوتة؛ لأن جهالة شاة من قطيع وذراع من ثوب جهالة مقضية إلى المنازعة. ألا ترى أن بيع ذراع من ثوب وشاة من قطيع لا يجوز ابتداء، فتعذر العمل بعموم كلمة : (كل) ففسد البيع في الكل، ولو قال: بعتُ منك هذا القطيع من الغنم كل شاتين بعشرين درهماً، فالبيعُ فاسدٌ في الكل بالإِجماع. وإن علم المشتري عدد الجملة في المجلس، واختار البيع، فرق بين المعدود المتفاوت، وبين المذروع والمكيل والموزون والمعدود المتقارب أن الواحد والاثنين هناك على الاختلاف، وإذا علم في المجلس واختار البيع، يجوز بلا خلافٍ، وههنا لا يجوز [في] (٢) الاثنين بلا خلافٍ، وإِن علم واختار البيع. ووجه الفرق أن المانع هناك جهالة الثمن وهي محتملة الارتفاع والزوال ثمة بالعلم في (١) وهي أقوى صيغ العموم، ومن خصائصها أنها للمذكر، ويكون الإخبار عنها مفرداً، وجمعاً غير أن الإخبار بالمفرد أفصح، وهو بالنظر إلى اللفظ نحو كل رجل قائم. والثاني: بالنظر إلى المعنى مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلِّ أَتَوُه دَاخِرِين﴾ وإذا دخلت كل للتأكيد كان ذلك فيما يتبعض باعتبار الفعل المستند إليه نحو اشتريت الفرس كلها، وقد لا يتبعض باعتبار فعل آخر، فلا يقال: حزت الفرس كلها، ومن خصائصها أيضاً: اختلاف حكمها في حالة النفي تقديماً وتأخيراً وذلك لأنها في الأولى لا يبقى الكلام معها مفيداً للعموم، بل لسلبه حيث إن القضية والحالة هذه جزئية يقال ما جاءني كل إخوتك، فالنفي فيه متوجه إلى الإيجاب الكلي ورفعه يصدق بالسلب الكلي، والإيجاب الجزئي فلا إفادة للعموم حينئذٍ، بل لسلبه الأعم من السلب الكلي، والإيجاب الجزئي. وأما في الحالة الثانية: فتفيد العموم نصاً في حال الرفع نحو كل الدراهم لم أقبضها حيث إن الكلام يكون حينئذٍ إيجاباً عدولياً، فموجبه ثبوت عدم القبض لكل واحد من الدراهم، أما في حال النصب فلا تكون للعموم في شيء سواء اشتغل العقل بالضمير أم لا، وذلك لأنها حينئذٍ في حكم التأخير والوقوع في حيز النفي، وأكثر الألفاظ بها شبهاً أسماء الأعداد؛ لأنها موضوعة للكل من حيث هو كل، وهو لا يقتضي شمول النفي لجميع آحاد ذلك العدد، بل المجموع من حيث هو مجموع، فيصدق بالبعض. ينظر: العموم لشيخنا مصطفى جمال الدين. (٢) سقط من ط .