Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب البيوع
ولأَبي حنيفة (رحمه الله) أن حرمة هذه الأشربة ما ثبتت بدليل متيقن مقطوع به؛ لكونها
محل الاجتهاد، والمالية قبل حدوث الشدة، كانت ثابتة بيقين، فلا تبطل بحرمة ثابتة
بالاجتهاد، فبقيت أموالاً، وبه تبين أن المراد من الحديث محرم ثبتت حرمتُهُ بدليلٍ مقطوع به،
ولم يوجد ههنا؛ بخلاف الخمر؛ لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به، فبطلت ماليتُها،َ والله
(سبحانه وتعالى) أعلم.
ولا ينعقد بيعُ الملاقيح والمضامين(١) الذي ورد النهي عنه، لأَن المضمونَ ما في صُلْبٍ
الذَّكَرِ، والملقوحَ: ما في رحم الأنثى، وذلك ليس بمالٍ.
وعلى هذا أيضاً يخرج بيع عَسْبِ الفَحْلِ، لأَن العَسْبَ هو الضرب(٢)، وأنه ليس بمالٍ،
من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقر قال: قاتل الله يهوداً حرمت عليهم الشحوم
=
فباعوها وأكلوا أثمانها .
حديث عبد الله بن عمر:
أخرجه أحمد (٢١٣/٢) عنه قال: سمعت رسول الله وَّلل عام الفتح يقول: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر
والميتة والخنزير فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن به الجلود ويستصبح بها الناس فقال
لا هي حرام ثم قال: ((قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوها ثم باعوها فأكلوا ثمنها».
وذكره الهيثمي في («المجمع» (٩٤/٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: نهى
رسول الله وَلّ عن ثمن الكلب وثمن الخنزير وعن مهر البغي وعن عسب الفحل. ورجال أحمد ثقات
وإسناد الطبراني حسن.
حدیث یحیی بن عباد:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٩٢/٤) عنه قال: أهدي للنبي وَلّ رق خمر بعدما حرمت فلما أتى بها
النبي ◌َّلي فقال: إن الخمر قد حرمت فقال بعضهم لو باعوها فأعطوا ثمنها فقراء المسلمين فأمر بها
النبي ◌ّلر فأهريقت في وادي من أودية المدينة وقال: لعن الله اليهود حرمت عليهم شحومها فباعوها
وأكلوا أثمانها. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أشعث بن سوار وهو ثقة وفيه كلام.
حديث أنس بن مالك :
أخرجه أحمد (٢١٧/٣) وأبو يعلى (٣٨٢/٥) رقم (٣٠٤٢) وابن حبان (١١١٩ - موارد) من طريق
عبد الرزاق وهو في مصنفه (٢١١/٩ - ٢١٢) رقم (١٦٩٧٠) من حديث أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ:
قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها .
(١) قال أبو إسحاق الشاطبي: بيع الأخبة لا يجوز ويفسخ، وإن قبضها المشتري ردت، فإن فاتت كانت عليه
القيمة. وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب مرسلاً، لا ربا في الحيوان، وإنما نهى فيه عن
ثلاثة) ((المضامين والملاقيح وحبل الحبلة)) قال مالك: المضامين بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح
بيع ما في ظهور الفحول، وحبل الحبلة بيع الجزور إلى أن ينتج نتاج الناقة: يعني البيع مع تأجيل الثمن
إلى نتاج نتاج الناقة.
(٢) في أ: الضراب.
بدائع الصنائع ج٦ - م٣٦

٥٦٢
كتاب البيوع
وقد يخرج على هذا بيع الحمل أنه لا ينعقد، لأَن الحمل ليس بمالٍ، ولا ينعقد بيع لبن المرأة
في قدح عندنا.
وقال الشافعي (رحمه الله): يجوزُ بيعُهُ.
وجه قوله أَنَّ هذا مشروب طاهر، فيجوز بيعه كلبن البهائم والماء.
ولنا أن اللبن ليس بمالٍ، فلا يجوز بيعه، والدليل على أنه ليس بمال إجماع الصحابة
(رضي الله عنهم)، والمعقول:
أما إجماعُ الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) فما روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي
(رضي الله تعالى عنهما) أنهما حَكَما في ولد المغرور بالقيمة وبالعقر بمقابلة الوطء، وما حكما
بوجوب قيمة اللبن بالاستهلاك، ولو كان مالاً لحَكَمَا؛ لأن المستحق يستحقُّ بَدَلَ إتلافٍ ماله
بالإِجماع، ولكان إيجاب الضمان بمقابلته أولى من إيجاب الضمان بمقابلة منافع البضع؛ لأنها
ليست بمالٍ، فكانت حاجة المستحق إلى ضمان المال أولى، وكان ذلك بمحضر من الصحابة
(رضي الله عنهم) ولم ينكر عليهما أحدٌ، فكان إِجماعاً.
وأما المعقول: فهو لأنه لا يباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، بل لضرورة تغذية
الطفل، وما كان حرام الانتفاع به شرعاً إِلاَّ لضرورة، لا يكون مالاً كالخمر والخنزير.
والدليل عليه أن الناس لا يعدونه مالاً ولا يباع في سوق ما من الأسواق، دَلَّ أنه ليس
بمالٍ، فلا يجوز بيعُهُ؛ ولأنه جزء من الآدمي، والآدميُّ بجميع أجزائه محترمٌ مكرمٌ، وليس من
الكرمةِ والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء، ثم لا فرق بين لبن الحرة وبين لبن الأمة في ظاهر
الرواية، وعند أبي يوسف (رحمه الله) أنه يجوز بيع لبن الأمة؛ لأنه جزء من آدميٍّ، هو مالٌ،
فكان محلاً للبيع كسائر أجزائه .
ولنا: أَنَّ الآدميَّ لم يجعل مَحَلاً للبيع إِلاَّ بحلول الرق فيه، والرقُّ لا يحل إِلاَّ في الحيَّ
واللبن لا حياة فيه، فلا يحله الرق، فلا يكون محلاً للبيع.
سفلٌ وعلوٌّ بين رجلين انهدما، فباع صاحبُ العلو علوه لم يجز؛ لأن الهواء ليس بمال،
ولو جمع بين ما هو مالٌ وبين ما ليس بمالٍ في البيع؛ بأنْ جمع بين حُرِّ وعبد أو بين عصير
وخمراً أو بين ذكية وميتة، وباعهما صفقةً واحدةً، فإن لم يُبِين حِصَّةً كل واحد منهما من
الثمن، لم ينعقد العقد أصلاً بالإِجماع، وإِن بَيَّنَ فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز في
العصير والعبد والذكية، ويبطل في الحر والخمر والميتة.
ولو جمع بين قن ومدبر، أو أم ولد ومكاتَب، أو بين عبده وعبد غيره، وباعهما صفقة
واحدة، جاز البيع في عبده بلا خلاف.

٥٦٣
كتاب البيوع
وجه / قولهما أن الفساد بقدر المفسد؛ لأن الحكم يثبت بقدر العلة والمفسد خص ٣/ ٧٠ ب
أحدهما، فلا يتعمم الحكم مع خصوص العلة، فلو جاء الفساد إِنما يجيء من قبل جهالة
الثمن، فإِذا بين حصة كل واحد منهما من الثمن، فقد زال هذا المعنى أيضاً؛ ولهذا جاز بين
القن إِذا جمع بينه وبين المدبر أو المكاتب أو أم الولد وباعهما صفقة واحدةً؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة (رضي الله عنه) أن الصفقة واحدة، وقد فسدت في أحدهما، فلا تصح في
الآخر.
والدليل على أن الصفقة واحدة أن لفظ البيع والشراء لم يتكرز، والبائع واحدٌ والمشتري
واحدٌ، وتفريق الثمن وهو التسمية لكل واحد منهما، لا يمنع اتحاد الصفقة، دَلَّ أن الصفقة
واحدة وقد فسدت في أحدهما بيقين لخروج الحر والخمر والميتة عن محلية البيع بيقين، فلا
يصح في الآخر؛ لاستحالة كون الصفقة الواحدة صحيحة وفاسدة؛ ولهذا لم يصح إِذا لم يسم
لكل واحد منهما ثمناً، فكذا إذا سمى؛ لأن التسمية وتفريق الثمن لا يوجب تعدد الصفة لاتحاد
البيع والعاقدين، بخلاف الجمع بين العبد والمدبر؛ لأن هناك الصفقة ما فسدت في أحدهما
بيقين، بل بالاجتهاد الذي يحتمل الصواب والخطأ، فاعتبر هذا الاحتمال في تصحيح الإضافة
إلى المدبر ليظهر في حق القن إن لم يكن إظهاره في حقه، ولأنه لما جمع بينهما في الصفقة
فقد جعل قبول العقد في أحدهما شرط القبول في الآخر؛ بدليل أنه لو قبل العقد في أحدهما
دون الآخر لا يصح، والحرُّ لا يحتمل قبول العقد فيه، فلا يصح القبول في الآخر، بخلاف
المدبر؛ لأنه محل لقبول العقد فيه في الجملة فصح قبول العقد فيه، إلا أنه تعذر إظهاره فيه
بنوع اجتهاد، فيجب إظهاره في القن؛ ولأن في تصحيح العقد في أحدهما تفريق الصفقة على
البائع قبل التمام؛ لأنه أوجب البيع فيهما، فالقبول في أحدهما يكون تفريقاً، وهذا لا يجوز
بخلاف ما إذا جمع بين القن والمدبر، لأن المدبر محل لقبول البيع فيه؛ لكونه مملوكاً له إِلا
أنه لم ينفذ للحال مع احتمال النفاذ في الجملة بقضاء القاضي لحق المدبر، وهذا يمنع محلية
القبول في حق نفسه لا في صاحبه، فيجعل محلاً في حق صاحبه.
والدليلُ على التفرقة بين الفصلين أن الحكم ههنا يختلف بين أن يسمي لكل واحد منهما
ثمناً أو لا يسمي، وهناك لا يختلف، دل أن الفرق بينهما لما ذكرنا.
وعلى هذا الخلاف إذا جمع بين شاة ذكية وبين متروك التسمية عمداً، ثم إذا جاز البيع
في أحدهما عندهما، فهل يثبت الخيار فيه؟
إن علم بالحرام يثبت لأن الصفقة تفرقت عليه، وإِن لم يعلم لا؛ لأنه رضي بالتفريق،
والله (سبحانه وتعالى) أعلم.

٥٦٤
كتاب البيوع
ومنها: أن يكون مملوكاً لأن البيع تمليكٌ، فلا ينعقد فيما ليس بمملوك، كمن باع الكلأ
في أرض مملوكة [له](١) والماء الذي في نهره أو في بئره؛ لأن الكلأ وإن كان في أرض
مملوكة فهو مباح؛ وكذلك الماء ما لم يوجد الأحراز.
قال النبي وََّ: ((النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ))(٢) والشركة العامة هي الإِباحة، سواء خرج
الكلأ بماء السماء من غير مؤنة أو ساق الماء إلى أرض ولحقه مؤنة؛ لأن سوق الماء إِليه ليس
بإِحرازٍ، فلم يوجد سبب الملك فيه فبقي مباحاً كما كان؛ وكذا بيع الكمأة وبيع صيد لم يوجد
في أرضه لا ينعقد؛ لأنه مباحٌ غير مملوك (٣)؛ لانعدام سبب الملك فيه، وكذا بيع الحطب
والحشيش والصيود التي في البراري والطير الذي لم يصد في الهواء والسمك الذي لم يوجد
في الماء.
وعلى هذا يخرج بيع رباع مكة (٤) وإِجارتها أنه لا يجوز عند أبي حنيفة (رضي الله عنه).
(١) سقط من ط .
(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠٠) كتاب البيوع: باب في منع الماء حديث (٣٤٧٧) وأحمد (٣٦٤/٥) والبيهقي
(٦/ ١٥٠) كتاب إحياء الموات: باب ما لا يجوز إقطاعه من المعادن الظاهرة كلهم من طريق حريز بن
عثمان ثنا أبو خداش عن رجل من أصحاب النبي ◌َّه قال: قال رسول الله وَله: ((المسلمون شركاء في
ثلاث في الماء والكلأ والنار)) .
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة
أخرجه ابن ماجه (٨٢٦/٢) كتاب الرهون: باب المسلمون شركاء في ثلاث حديث (٢٤٧٣) حدثنا
محمد بن عبد الله بن يزيد ثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله التر:
((ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار)).
وقال البوصيري في ((الزوائد)) (٢٦٦/٢ - ٢٦٧): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات محمد بن عبد الله بن
يزيد المقري أبو يحيى المكي وثقه النسائي وابن أبي حاتم ومسلمة الأندلسي والخليل وغيرهم وباقي
رجال الإسناد على شرط الشيخين. اهـ.
وللحديث شاهد أيضاً من حديث ابن عباس.
أخرجه ابن ماجه (٨٢٦/٢) كتاب الرهون: باب المسلمون شركاء في ثلاث حديث (٢٤٧٢) من طريق
عبد الله بن خراش بن حوشب الشيباني عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال
رسول الله وَلهر: ((المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار وثمنه حرام)).
قال البوصيري في ((الزوائد)) (٢٦٦/٢): هذا إسناد ضعيف عبد الله بن خراش ضعفه أبو زرعة والبخاري
والنسائي وابن حبان وغيرهم.
(٣) في أ: مأكول.
(٤) مذهب الحنفية، أن بيع دور مكة وكراءها لا يجوز، وهو رواية عن أحمد. قال ابن المنير في المقتفى:
وهو أحد قولي مالك والمشهور منه. واحتج أبو حنيفة بما رواه عن عبيد الله بن أبي يزيد كذا قال عن ابن
أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: ((مكة حرام وحرام بيع رباعها، وحرام أجر =

٥٦٥
کتاب البيوع
بيوتها))، قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعاً، وهو وهم والصحيح أنه موقوف قال: ووهم أيضاً
=
في قوله ابن أبي يزيد. والصواب ابن أبي زياد القداح. وروى الحاكم في المستدرك من طريق
إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: مكة مباح لا
تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها. وقال: صحيح الإسناد. ولم يخرجاه، وشاهده حديث أبي حنيفة انتهى.
وإسماعيل قال فيه البخاري: منكر الحديث وضعفه يحيى والنسائي وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ.
وأبوه ضعفه يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وفي سنن ابن ماجه عن عثمان بن أبي
سليمان عن علقمة بن نضلة: توفي رسول الله وَّلير، وأبو بكر وعمر. وإن دور مكة كانت تدعى:
السوائب. من احتاج سكن. ومن استغنى أسكن. وفي سنن الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن
عبد الله بن عمر ويرفعه: من أكل من كراء بيوت مكة أكل ناراً. وابن أبي نجيح: هو عبد الله بن يسار لم
يدرك عبد الله. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن مجاهد قال النبي ◌َّر: ((مكة حرام حرمها الله لا يحل بيع
رباعها، ولا إجارة بيوتها))، وكان عطاءً يكره إجارة بيوتها والقاسم وعبد الله بن عمر. وروي عن
محمد بن علي: لم يكن لدور مكة أبواب وحكي عن عثمان أنه قال: رباعي التي بمكة يسكنها بنيَّ
ويُسكنونها من أحبوا. وكره بيعها مجاهد وعطاءً وطاوس. وكان عمر بن الخطاب يأمر بنزع أبواب دور
مكة إذا قدم الحاج. قال السهيلي: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة، أن ينهي أهلها عن كراء
دورها إذا جاء الحاج فإن ذلك لا يحل لهم. وعن مالك: إن كان الناس ليضربون فساطيطهم بدور مكة لا
ينهاهم أحد، واحتجوا أيضاً بأن الله تعالى أطلق على مكة كلها مسجداً بقوله: ﴿سبحان الذي أَسرى بعبده
ليلاً من المسجد الحرام﴾ وإنما كان الإسراءُ من بيت أم هانىء، وغيره من البيوت داخل في لفظ
المسجد، والمسجد لا يباع ولا يؤجر وعورض هذا بأن الإجماع قائم على جواز الوطء، وغيره من
الأحوال التي لا تسوغ في المسجد فيها فلو كان اسم المسجد يستلزم حكم المسجد لزم ألا يجوز فيها
حالة من الحالات المنافية للمسجد. وأجاب ابن المنير أيضاً، بأن العام إذا خصص بقي ما عداه على
أصل العموم فلا يلزم من جواز تلك الأحوال فيها بدليل الإجماع جواز غيرها من البيع والإجارة إلا بقيد
جامع مستأنف. ولو فرض قياس كان النص أو العرف يدفعه، قلت: بل الجواز دل عليه النص كما
سيأتي، وأيضاً. فإطلاق لفظ المسجد على دور مكة أو على الحرم كلها مجاز من باب التغليب. لا من
باب حقيقة اللفظ وقد قال سبحانه: ﴿فَوَلْ وَجْهَك شطرَ المسجد الحرام﴾ ولم يكتف أحد من المسلمين
باستقبال المسجد المحيط بالكعبة فضلاً عن بقية دور مكة بل أجمعوا على أن المراد بالمسجد الحرام في
هذه الآية، الكعبة فقط، وهو حقيقة اللفظ ولا يتبادر الذهن إلى إرادة مكة كلها إلا بقرينة، وحينئذٍ يبطل
ما بنى عليه ابن المنير من منع بيع دور مكة لإطلاق المسجد عليها، وليس مأخذ منع البيع وعدمه ذلك بل
مأخذه الخلاف في أنها فتحت صلحاً أو عنوة. وذهب الشافعي وأحمد في رواية وغيرهما إلى جواز بيعها
وكرائها، وأن دورها وأراضيها باقية على ملك أربابها يجوز لهم التصرف فيها، ببيع ورهن وإجارة ووقف،
وكذا سائر دور الحرم وأراضيه، وللشافعي فيه مناظرة مع إسحاق بن راهويه فروى البيهقي بسنده إلى
إبراهيم بن محمد الكوفي قال: رأيت الشافعي يفتي الناس ورأيت إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل
حاضرين قال أحمد بن حنبل لإسحاق: يا أبا يعقوب تعالَ حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله فقال إسحاق: لم
تر عيناي مثله !! قال: نعم. فجاء فأوقفه على الشافعي فذكر القصة إلى أن قال: ثم تقدم إسحاق إلى مجلس =

٥٦٦
كتاب البيوع
الشافعي وهو مع خاصته جالس فسأله عن سكنى بيوت مكة، أراد الكراء فقال له الشافعي: عندنا جائز،
=
قال رسول الله وَّر، وهل ترك لنا عقيل من دار فقال له إسحاق: أَتأذن لي في الكلام فقال: تكلم. فقال:
حدثنا يزيد عن هشام عن الحسن: أنه لم يكن يرى بذلك (بأساً وأخبرنا أبو القاسم وغيره عن سفيان عن
منصور عن إبراهيم أنه لم يكن يرى بذلك). وعطاءً وطاوس لم يكونا يريان بذلك، فقال الشافعي لبعض
من عرفه: من هذا؟ فقال: إسحاق بن راهويه الحنظلي الخراساني. فقال له الشافعي: أنت الذي يزعم
أهل خراسان أنك فقيههم. فقال إسحاق: هكذا يزعمون. قال الشافعي: ما أحوجني إلى أن يكون غيرك
في موضعك فكنت آمر بعرك أذنيه. أنا أقول: قال رسول الله وَله. وأنت تقول: عطاءً وطاوس وإبراهيم
والحسن، هؤلاء لا يرون ذلك. هل لأحد مع رسول الله وَّر حجة؟ فذكر قصته، إلى أن قال: قال
الشافعي: قال الله ﴿لِلْفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم﴾ فنسب الديار إلى المالكين أو إلى غير
المالكين؟ قال إسحاق: للمالكين. فقال الشافعي: قول الله تعالى أصدق الأقاويل. وقد قال
رسول الله وَّير: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))، فنسب الديار إلى مالك أو إلى غير مالك؟ فقال
إسحاق: إلى مالك. فقال الشافعي: وقد اشترى عمر بن الخطاب دار الحجامين وأسكنها، وذكر جماعة
من الصحابة، فقال له إسحاق: اقرأ أول الآية. قال الله عز وجل: ﴿سواءً العاكفُ فيه والبادِي﴾ فقال
الشافعي: لو كان هذا كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد فيها ضالة، ولا ينحر فيها البدن، ولا تلقى
فيها الأرواث. ولكن هذا في المسجد خاصة. قال: فسكت إسحاق. ولم يتكلم، فسكت عنه الشافعي
رحمهما الله. وروى البيهقي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سواءً العاكف فيه
والبادي﴾ يقول: من أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام. قال البيهقي، وما يروى عن إسماعيل بن
إبراهيم بن حماد عن أبي عن ابن عمر عن النبي ◌َّر. قال: مكة مباح لا تباع رباعها ولا تؤجر.
فإسماعيل وأبوه ضعيفان. قال: وما روي عن علقمة بن نضلة الكناني أنه قال: يعني الحديث السابق من
جهة ابن ماجه فهو إخبار عن عادتهم الكريمة من إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم قال: وقد روينا جواز
البيع وجواز الإرث كثيراً فاشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية دار السجن لعمر بن
الخطاب. وقال الزبير: باع حكيم بن حزام دار الندوة من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف وذكر
الدارقطني في اسماءِ رجال الموطأ أن حكيم بن حزام باع دار الندوة في الإسلام بمائة ألف درهم. وذلك
في زمن معاوية، فلامه معاوية في ذلك، وقال أبعت مكرمة أبائك وشرفهم؟ فقال حكيم: ذهبت المكارم
إلا بالتقوى. ولقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر وبعتها بمائة ألف. وأشهدكم أن ثمنها في سبيل الله،
فأينا المغبون؟ والندوة بالنون هي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور، ولفظها مأخوذ من لفظ الندى،
والنادي، وهو مجلس القوم الذي يندون حوله، أي يذهبون قريباً منه وقال ابن المنذر في الإشراف، كان
أحمد بن حنبل يتوقى الكراء في المواسم، ولا يرى بأساً بالشراء، واحتج بأن عمر بن الخطاب اشترى
دار السجن بأربعة آلاف وحكى ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: لا أرى به بأساً وحكى الطحاوي عن أبي
يوسف أنه قال: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها كسائر البلدان. قال الطحاوي: اعتبرنا ذلك فوجدنا المسجد
الحرام الذي كل الناس فيه سواءٌ لا يجوز لأحد أن يبني فيه بيتاً ولا يحتجر منه موضعاً وكذا حكم جميع
المواضع التي لا ملك لأحد فيها وجميع الناس فيها سواءٌ.
ألا ترى أن عرفة لو أراد رجل أن يبني في المكان الذي يقف الناس فيه لم يكن له ذلك؟ (وكذلك منى)
قالت عائشة: يا رسول الله ألا نتخذ لك بمنى شيئاً تستظل به. قال: يا عائشة إن منى مباح لمن سبق . =

٥٦٧
كتاب البيوع
وروي عنه أنه لا يجوز، وبه أخذ الشافعي (رحمه الله) لعمومات البيع من غير فصلٍ بين
أرضٍ الحرم وغيرها، ولأن الأصل في الأراضي كلها أن تكون محلاً للتمليك، إِلاَّ أنه امتنعٍ
تملّك بعضَها شرعاً لعارضٍ الوقف؛ كالمساجد ونحوها ولم يوجد في الحرم فبقي محلاً
للتمليك.
ولنا ما روي عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما) عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه
قال: ((إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ): حَرَّمَ مَّكَّةَ يَوْمَ خَلَقَهَا، لَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِلُّ لَأَحَدٍ
بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُغْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ
صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَشُّ حَشِيشُهَا))(١) أخبر (عليه الصلاة والسلام) أن مكة حرام، وهي اسم للبقعة،
والحرام لا يكون محلاً للتمليك.
وروي عن عبد الله بن سيدنا عمر (رضي الله تعالى عنهما) عَنِ النبيِّ (عليه الصلاة
رواه الترمذي. وقال حسن. والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري. قال الطحاوي: ورأينا مكة
=
شرفها الله على غير ذلك قد أجيز فيها البناء. وقال ◌َّلير: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق
عليه بابه فهو آمن. فأثبت لهم أملكة كريمة قال السهيلي والقرطبي شارح مسلم: والخلاف منتزع من
أصلين، أحدهما قوله تعالى: ﴿والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً العاكف فيه والباد﴾ وأن
الضمير هل يرجع إلى المسجد الحرام أو إلى البلد. والثاني أن رسول الله ◌َ ﴿ دخلها عنوة غير أنه مَنَّ
على أهلها بأنفسهم وأموالهم ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعضهم، لأنها مخالفة لغيرها من
وجهين أحدهما: ما خص الله (به) رسوله، فإنه قال: ﴿قل الأَنَفالُ الله والرسول﴾ والثاني: ما خص الله
تعالى به مكة من أنه لا تحل غنائمها، ولا تلتقط لُقْطَتها، وهي حرم الله وأمنه. فكيف تكون أرضها أرض
خراج؟ فليس لأحد فتح بلداً أن يسلك بها مسلك مكة، فأرضها أو دورها لأهلها، ولكن أوجب الله
تعالى عليهم أن يوسعوا على الحاج إذا قدموها من غير كراءٍ، فَهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا فتحت
عنوة أو صلحاً. وإن كان ظاهر الأحاديث أنها فتحت عنوة أي كما هو مذهب الحنفية، ومذهب الشافعي
أنها فتحت صلحاً، واحتواءُ أبي طالبٍ على أملاك عبد المطلب يدل على ذلك وهو كان أكبر أولاده حين
وفاته على عادة الجاهلية. قال القرطبي: من قال: إنها فتحت عنوة كانت مغنومة لكن النبي وَّ لم
يقسمها، وأقرها لأهلها، ولمن جاء بعدهم كما فعل عمر بالأرض المغنومة فتبقى على ذلك، لا تباع،
ولا تكرى، ومن قال إنها فتحت صلحاً كالشافعي فتبقى ديارهم في أملاكهم لكن مالك يقول إنها فتحت
عنوة مع تجويز بيعها، راعى الخلاف على أصله في مراعاة الخلاف الظاهر وتكون فائدة حكمه بالكراهة
أن من باع شيئاً منها أو أكراه لا ينفسخ عنده، ويمضي غير أنه لا يشرع الإقدام عليه.
فائدة: الخلاف السابق إنما هو في نفس الأرض فأما البناء والمساكن فيجوز بيعها بلا خلاف.
قال الروياني: ولا يكره بيع شيءٍ من الأرض إلا أراضي مكة، فيكره بيعها للخلاف. وكذا إجارتها. قال
النووي: وهذا غريب والأحسن أن يقال: إنه خلاف الأولى. ينظر: اعلام الساجد من ص (١٤٤
- ١٥٢).
(١) تقدم.

٥٦٨
کتاب البيوع
والسلام) أنه قال: ((مَكَّةُ حَرَامٌ، وَبَيْعُ رِبَاعِهَا حَرَامٌ)» (١) وهذا نصّ في الباب، ولأَن الله (تبارك
وتعالى) وضعٍ للحرم حرمة وفضيلة، ولذلك جعله (سبحانه وتعالى) مأمناً؛ قال الله (تبارك
وتعالى / جلَّ شأنه): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧] فابتذاله بالبيع والشراء
والتمليك والتملك، امتهانٌ، وهذا لا يجوز بخلاف سائر الأراضي.
وقيل إِن بقعة ((مَكَّة)) وقف حرم سيدنا إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، ولا حجة في
العمومات؛ لأنه خص منها الحرم بالحديث المشهور، ويجوز بيع بناء بيوت مكة؛ لأَنَّ الحرم
للبقعة لا للبناء.
وروي عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) أنه قال: كره إِجارة بيوت مكة في الموسم من
الحاج والمعتمر، فأما من المقيم والمجاور فلا بأس بذلك، وهو قول محمد (رحمه الله).
ويجوز بيعُ أراضي الخراج والقطيعة والمزارعة والإِجارة والإِكارة، والمراد من الخراج
أرض سواد العراق التي فتحها سيدنا عمر (رضي الله تعالى عنه)، لأنه مَنَّ عليهم وأقِرهم على
أراضيهم، فكانت مبقاة على ملكهم، فجاز لهم بيعُها، وأرض القطيعة هي الأرض التي
أقطعها(٢) الإِمام لقوم وخصهم بها، فملكوها بِجَعْلِ الإِمامِ لهم، فيجوز بيعُها.
وأرض المزارعة أن يدفع الإنسان أرضه إِلى مَنْ يزرعها ويقوم بها، وبهذا لا تخرج عن
كونها مملوكة .
وأرض الإِجارة هي الأرض التي يأخذها الإِنسان من صاحبها ليعمرها ويزرعها.
وأرض الإِكارة التي في أيدي الأَكرة، فيجوز بيع هذه الأرض، لأنها مملوكة لأصحابها.
وأما أرض الموات التي أحياها رجلٌ بغير إذن الإِمام، فلا يجوز بيعُها عند أبي حنيفة
(رضي الله عنه)، لأنها لا تملك بدون إذن الإِمام، وعندهما يجوز بيعها؛ لأنها تملك بنفس
الإِحياء، والمسألة تذكر في كتاب ((إِحياء الموات)).
وذكر القدوري (رحمه الله) أنه لا يجوز بيع دور بغداد وحوانيت السوق التي للسلطان
عليها غلَّة؛ لأنها ليست بمملوكة؛ لما روي أن المنصورَ أَذِنَ للناس في بنائها، ولم يجعل
البقعة ملكاً لهم، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
ومنها: وهو شرط انعقاد البيع للبائع أن يكون مملوكاً للبائع عند البيع، فإن لم يكن لا
ينعقد، وإِن ملكه بعد ذلك بوجه من الوجوه إِلا السلم خاصَّةً، وهذا بيع ما ليس عنده، ونهى
رسول الله وَّ، عن بَيْعِ ما ليس عند الإِنسان، ورَخَّصَ في السَّلَمِ.
(١) تقدم.
(٢) في ط: قطعها.
١٧١/٣

٥٦٩
كتاب البيوع
ولو بَاعَ المغصوب فضمنه المالك قيمته نفذ بيعه؛ لأن سبب الملك قد تقدم فتبين أنه باع
ملك نفسه، وههنا تأخر سبب الملك فيكون بائعاً ما ليس عنده، فدخل تحت النهي، والمراد
منه بيع ما ليس عنده ملكاً؛ لأَن قصة الحديث تَدُلُّ عليه، فإِنه روي أن حكيم بن حزام كان
يبيع الناس أشياء لا يملكها، ويأخذُ الثمنَ منهم، ثم يدخل السوق فيشتري ويسلم إِليهم، فبلغ
ذلك رسولَ اللهِ وَ﴿ فقال: ((لاَ تَبَعْ مَا لَيْسَ عِنْدكَ))(١) ولأَن بيع ما ليس عنده بطريق الأصالة عن
نفسه تمليك ما لا يملكه بطريق الأصالة، وأنه محال، وهو الشرط فيما يبيعه بطريق الأصالة عن
نفسه .
فأما ما يبيعه بطريق النيابة عن غيره، ينظر إِن كان البائع وكيلاً وكفيلاً فيكون المبيع
مملوكاً للبائع ليس بشرط، وإِن كان فضوليًّا فليس بشرط للانعقاد عندنا، بل هو من شرائط
النفاذ، فإن بيع الفضولي عندنا منعقد موقوف على إجازة المالك، فإن أجاز نفد، وإن رد بَطَلَ.
وعند الشافعيِّ (رحمه الله) هو شرط الانعقاد، لا ينعقد بدونه، وبيع الفضولي باطلّ
عنده، وسيأتي، إن شاء الله (تعالى).
ومنها: أن يكون مقدور التسليم عند العقد، فإن كان معجوز التسليم عنده لا ينعقد، وإِن
كان مملوكاً له كبيع الآبق (٢)، في جواب ظاهر الروايات حتى لو ظهر يحتاج إلى تجديد
(١) أخرجه أبو داود (٨٦٨/٣ - ٨٦٩) كتاب البيوع: باب في الرجل يبيع ما ليس عنده حديث (٣٥٠٣)
والترمذي (٥٣٤/٣) كتاب البيوع: باب كراهية بيع ما ليس عندك حديث (١٢٣٢) والنسائي (٢٨٩/٧)
كتاب البيوع: باب بيع ما ليس عند البائع وابن ماجه (٢/ ٧٣٧) كتاب التجارات: باب النهي عن بيع ما
ليس عندك حديث (٢١٨٧) وأحمد (٤٠٢/٣، ٤٣٤) وابن الجارود رقم (٦٠٢) والبيهقي (٣١٧/٥)
كتاب البيوع: باب ما ورد في كراهية البايع بالعينة، والطبراني في ((الصغير» (٤/٢) من حديث حكيم بن
حزام.
(٢) وبيع الآبق إباقاً مطلقاً بالنسبة إلى البائع والمشتري، منهي عنه، وسواء أقال المشتري هو عند فلان
واعترف فلان به أم لم يقل ذلك؛ لأن البائع في كلتا الحالتين عاجز عن تسليمه للمشتري، ففيما إذا لم
يقل هو عند فلان عجزه ظاهر.
وكذلك إذا قال هو عنده، لأنه آبق بالنسبة لهما، إذ لا يقدر البائع على تسليم ما في يد غيره.
أما حديث النهي عن بيع الآبق فما روي عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أن النبي ◌َّرِ ((نهى عن
شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها، وعن بيع العبد وهو آبق)).
واتفق العلماء على أن مثار النهي عن بيع الآبق هو عجز البائع عن تسليمه للمشتري حتى إنه لو كان
مقبوضاً للمشتري عند البيع جاز البيع اتفاقاً، إذ التسليم إنما وجب لأجل تسلم المشتري وقد تم.
ثم اختلفوا بعد هذا في أنه هل أفاد النّهي عن بيعه للمعنى المتقدم بطلان البيع أو فساده؟
وهذا الاختلاف مبني على اختلافهم في أن القدرة على التسليم هل تعتبر جزءاً من محل البيع فمحله المال
المملوك المقدور على تسليمه، أو لا تعتبر جزءاً منه فالمحل المال المملوك فقط؟
=

٥٧٠
كتاب البيوع
الإِيجاب والقبول، إِلا إِذا تراضيا فيكون بيعاً مبتدأ بالتعاطي، فإِنْ لم يتراضيا وامتنع البائع من
التسليم لا يجبر على التسليم، ولو سلم وامتنع المشتري من القبض لا يجبر على القبض.
وذكر الكرخي (رحمه الله) أنه ينعقد بيع الآبق حتى لو ظَهَرَ وسلم يجوز، ولا يحتاج إِلى
تجديد البيع، إِلا إِذا كان القاضي فسخه، بأن رفعه المشتري إِلى القاضي فطالبه بالتسليم،
وعجز عن التسليم، ففسخ القاضي البيع بينهما، ثم ظهر العبد.
وجه قول الكرخي (رحمه الله) أَنَّ الإِبَاقَ لا يوجب زوال الملك، أَلاَ ترى أنه لو أعتقه أو
دبره ينفذ، ولو وهبه من ولده الصغير يجوز، وكان ملكاً له فقد باع مالاً مملوكاً له، إلا أنه لم
ينفذ للحال للعجز عن التسليم، فإن سلم زال المانع فينفذ، وصار كبيع المغصوب الذي في يد
الغاصب إذا باعه المالك لغيره - أنه ينعقد موقوفاً على التسليم؛ لما قلنا؛ كذا هذا.
وجه ظاهر الروايات أن القدرة على التسليم لذا العاقد شرط انعقاد العقد، لأنه لا ينعقد
إِلاَّ لفائدة، ولا يفيد إِذا لم يكن قادراً على التسليم، والعجزُ عن التسليم ثابتٌ حالة العقد، وفي
حصول القدرة بعد ذلك شك واحتمال قد يحصل وقد لا يحصل، وما لم يكن منعقداً بيقين لا
فمن ذهب إلى ((الأول)) قال: حيث ان جزء المحلّ وهو القدرة على التسليم مفقود في الآبق فبيعه باطل.
=
فلو عاد العبد من إباقه وقد باعه ممن ليس عنده لا ينقلب العقد صحيحاً، كما إذا باع خمراً فتخللت قبل
التسليم، أو باع طيراً في الهواء، ثم أخذه لا يعود صحيحاً، وهذا هو ظاهر الرواية، وهو مروي عن
محمد بن الحسن، ومختار مشايخ بلخ والثلجي، فقد اعتبروا القدرة على التسليم جزء المحل، أو على
الأقل شرطاً من شرائط الصحة التي يجب حصولها عند العقد لجوازه.
ومن ذهب إلى ((الثاني)) قال إن محل البيع موجود وهو المال المملوك، ومثار النهي امر آخر، وراء أركان
البيع وهو وصف لازم له فينعقد البيع بصفة الفساد. فلو عاد العبد الآبق بعد بيعه ينقلب البيع صحيحاً،
وهذا مرويّ عن أبي حنيفة ومحمد في الرواية الأخرى، وبه أخذ الكرخي، وجماعة من مشايخ الحنفية.
وعلى هذا إن امتنع البائع عن تسليمه، أو المشتري عن قبضه، أجبر على ذلك: لأن العقد قد انعقد لقيام
المالية والملك للمولى مع الأباق ولهذا جاز إعتاقه وتدبيره، والمانع وهو العجز عن التسليم قد ارتفع،
فتحقق المقتضى وانتفى المانع.
وعلى هذه القاعدة تتخرج الفروع التي فقد فيها القدرة على التسليم، كبيع الطير الذي أخذه ثم أرسله في
الهواء، فإنه بالإرسال لا يخرج عن ملكه، فإذا أخذه بعد بيعه وسلّمه، فطائفة مع الكرخي قالوا: ((يعود
البيع جائزاً)) وقال البلخيّون: لا يعود جائزاً، فمن قال إنه يعود جائزاً، يرى أنه انعقد فاسداً مع عدم القدرة
على التسليم.
ويرى ((الكمال)» أن عدم القدرة على التسليم مفسد لا مبطل؛ وقول من يقول المحليّة كونه مالاً مملوكاً
مقدور التسليم، إن عنى محلية البيع الصحيح فنعم وإلاّ فلا، بل محل البيع المال المملوك للبائع أو غيره
فإن كان له فنافذ، أو لغيره فموقوف، والنافذ إما صحيح إن كان مبيعه مقدور التسليم، وليس فيه شرط
فاسد، وإلا ففاسد. ينظر: أثر النهي في العبادات والمعاملات لشيخنا عبد المجيد فتح الله.

٥٧١
کتاب البيوع
ينعقد لفائدة تحتمل الوجود والعدم على الأصل المعهودِ، إِن ما لم يكن ثابتاً بيقين، أنه لا
يثبت بالشك والاحتمال؛ بخلاف ما / إذا أبق بعد البيع قبل القبض أنه لا ينفسخ، لأن القدرة ٧١/٣ ب
على التسليم كانت ثابتة، لذا العقد فانعقد، ثم زالت على وجه يحتمل عودها فيقع الشك في
زوال المنعقد بیقین .
والثابت باليقين لا يزول بالشك، فهو الفرق؛ بخلاف بيع المغصوب من غير الغاصب أنه
ينعقد موقوفاً على التسليم حتى لو سلم ينفذ، ولأن هناك المالك قادر على التسليم بقدرة
السلطان، والقاضي وجماعة المسلمين، إِلاَّ أنه لم ينفذ للحال لقيام يد الغاصب صورة، فإِذا
سلم زال المانع فينفذ بخلاف الآبق؛ لأنه معجوز التسليم على الإطلاق؛ إذ لا تصل إِليه يدُ
أحدٍ لما أنه لا يعرف مكانه، فكان العجز متقرراً، والقدرة محتملةٌ موهومةٌ، فلا ينعقد مع
الاحتمال، فأشبه بيع الآبَقِ بيع الطير الذي لم يوجد في الهواء، وبيع السمك الذي لم يوجد
في الماء، وذلك باطل؛ كذا هذا.
ولو جاء إِنسان إِلى مولى العبد فقال: إِن عبدك عند فلان، فبعه مني. وأنا أقبضه منه،
فصدقه وباعه منه، لا ينفذ؛ لما فيه من عذر القدرة على [القبض، لكنه] (١) ينعقد حتى لو قبضه
ينفذ بخلاف الفصل المتقدم، لأن القدرة على القبض ههنا ثابتةٌ، في زعم المشتري، إلا أن
احتمال المنع قائم، فانعقد موقوفاً على قبضه، فإِذا قبضه تحقق ما زعمه فينفذ؛ بخلاف الفصل
الأول؛ لأن العجز عن التسليم للحال متحققٌ فيمنع الانعقاد.
وَلَوْ أَخَذَهُ رَجُلٌ فجاء إلى مولاه فاشتراه منه جاز الشراء، لأن المانع هو العجز عن
التسليم ولم يوجد في حقه، وهذا البيع لا يدخل تحت النهي؛ لأن النهي عن بيع الأبق، وهذا
ليس بآبقٍ في حقه، ثم إذا اشترى منه لا يخلو إما إِن أحضر العبد مع نفسه، وإِما إِن لم
يحضره، فإِن أحضره صار قابضاً له عَقِيب العقد بلا فصلٍ، وَإِن لم يحضره مع نفسه، ينظر إِن
كان أخذه ليرده على صاحبه وَأَشْهَدَ على ذلك لا يصير قابضاً له، ما لم يصل إليه؛ لأَن قبضه
قبض أمانة، وقبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان، فلا بد من التجديد بالوصول إليه حتى
لو هلك العبد قبل الوصول، يهلك على البائع ويبطل العقد؛ لأنه مبيع هلك قبل القبض.
وإذا وصل إليه صار قابضاً له بنفس الوصول، ولا يشترط القبض بالبراجم (٢)؛ لأن معنى
القبض هو التمكين والتخلي وارتفاع الموانع عرفاً وعادةً حقيقةً، وإِن كان أخذه لنفسه لا ليرده
على صاحبه، صار قابضاً له عَقِيب العقد بلا فصلٍ، حتى لو هلك قبل الوصول إِليه يهلك على
(١) في أ: التسليم لكونه.
(٢) في أ: بالتزاحم.

٥٧٢
كتاب البيوع
المشتري؛ لأن قبضه قبض ضمان وقبض الشراء أيضاً قبض الضمان، فتجانس القبضان فَتَنَاوَبًا .
ولو كان أخذه ليرده ولكنه لم يشهد علي ذلك، فهو على الاختلاف المعروف بين أبي
حنيفة وصاحبيه، عند أبي حنيفة (عليه الرحمة): يصير قابضاً له عَقِيب العقد؛ لأن هذا قبض
ضمان عنده، وعندهما لا يصير قابضاً إلاَّ بعد الوصول إِليه؛ لأن هذا قبض أمانة عندهما،
وهي من مسائل ((كتاب الإِباق)) و((اللقطة)).
وعلى هذا بيع الطائر الذي كان في يده وطار، أنه لا ينعقد في ظاهر الرواية، وعلى
قياس ما ذكره الشافعي (رحمه الله) ينعقد، وعلى هذا بيع السمكة التي أخذها ثم ألقاها في
حظيرة، سواء استطاع الخروج عنها أو لا بعد أن كان لا يمكنه أخذها بدون الاصطياد، وإِن
كان يمكنه أخذها من غير اصطياد يجوز بيعُها بلا خلاف؛ لأنه مقدور التسليم؛ كذا البيع.
وعلى هذا يخرج بيع اللبن في الضرع؛ لأن اللبن لا يجتمع في الضرع دفعة واحدة، بل
شيئاً فشيئاً فيختلط المبيع بغيره على وجه يتعذر التمييز بينهما، فكان المبيع معجوز التسليم عند
البيع، فلا ينعقد.
وكذا بيع الصوف على ظهر الغنم في ظاهر الرواية؛ لأَنّه ينمو ساعةً ساعةً، فيختلط
الموجود عند العقد بالحادث بعده على وجه لا يمكن التمييز بينهما، فصار معجوز التسليم
بالجز والنتف استخراج أصله وهو غير مستحق بالعقد.
وروي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) عن النبيِّ بَّر أنه نهى عن بيع الصوف على ظهر
الغنم.
وروي عن أبي يوسف أنه جوز بيعه والصلح عليه؛ لأنه يجوز جزه قبل الذبح، فيجوز
بيعه؛ كبيع القصيل في الأرض.
ووجه الفرق بين القصيل والصوف لظاهر الرواية أن الصوف لا يمكن جزه من أصله من
غير ضررٍ يلحق الشاة؛ بخلاف / القصيل، ولا ينعقد بيع الدين من غير من عليه الدين؛ لأن
الدين إما أن يكون عبارة عن مال حكمي في الذمة، وإما أن يكون عبارة عن فعل تمليك المال
وتسليمه، وكل ذلك غير مقدور التسليم في حق البائع.
ولو شرط التسليم على المديون لا يصح أيضاً؛ لأنه شرط التسليم على غير البائع،
فيكون شرطاً فاسداً فيفسد البيع، ويجوز بيعه ممن عليه لأن المانع هو العجز عن التسليم، ولا
حاجة إلى التسليم ههنا، ونظير بيع المغصوب أنه يصح من الغاصِب ولا يصح من غيره إذا كان
الغاصب منكراً ولا بينة للمالك، ولا يجوز بيع المسلم فيه؛ لأن المسلم فيه مبيع، ولا يجوز
١٧٢/٣

٥٧٣
كتاب البيوع
بيع المبيع قبل القبض، وهل يجوز بيع المجمد؟ فنقول: لا خلاف في أنه إذا سلم المجمدة
أولاً إلى المشتري أنه يجوز، أما إذا باع ثم سلم:
قال بعض مشايخنا: لا يجوز؛ لأنّه إِلى أن يسلم بعضه يذوب، فلا يقدر على تسليم
جميعه إلى المشتري، وقال بعضُهم: يجوز، وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني (رحمه الله): إذ
باعه وسلمه من يومه ذلك يجوز، وإِن سلمه بعد أيام لا يجوز، وبه أخذ الفقيه أو الليث (عليه
الرحمة)؛ لأنه في اليوم لا ينقص نقصاناً حصة من الثمن، وأما الذي يرجع إلى النفاذ فنوعان:
أحدهما: الملك أو الولاية، أما الملك: فهو أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، فلا ينفذ بيع
الفضولي(١) لانعدام الملك والولاية، لكنه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك، وعند الشافعي
(١) اختلف العلماء في حكم بيع الفضولي:
فذهب الشافعي في المشهور عنه - إلى بطلان بيعه، وكذا سائر تصرفاته القابلة للنيابة، كما لو زوج أمة
غيره، أو ابنته، أو طلق منكوحته، أو أعتق عبده، أو آجر داره، أو وقفها، أو وهبها، أو اشترى له بعين
ماله - فقد اشترط الشافعي أن يكون للعاقد ولاية شرعية على المعقود عليه، من ملك، أو وكالة، أو
ولاية؛ وبهذا قال أبو ثور، وابن المنذر، وأحمد في أصح الروايتين عنه.
قال الشافعي في ((الأم)): ((وإذا غصب الرجل من الرجل الجارية، فباعها من رجل، والمشتري يعلم أنها
مغصوبة، ثم جاء المغصوب منه، فأراد إجازة البيع لم يكن البيع جائزاً، من قبل أن أصل البيع كان
محرماً، فلا يكون لأحد إجازة المحرم، ويكون له تجديد بيع حلال هو غير حرام - فإن قال قائلٌ: أرأيت
لو أن امرءاً باع جارية له، وشرط لنفسه فيها الخيار. أما كان يجوز البيع، ويكون له أن يختار إمضاءه،
فيلزم المشتري بأن الخيار له دون المشتري؛ قيل: بلى - فإن قيل: فما الفرق بينهما؟ قيل: هذه باعها
مالكها بيعاً حلالاً، وكان له الخيار على شرطه، وكان المشتري غير عاصٍ لله ولا البائع، والغاصب
والمشتري - وهو يعلم أنها مغصوبة - عاصيان الله تعالى؛ هذا بائع ما ليس له، وهذا مشتر لا يحل له، فلا
يقاس الحرام على الحلال؛ لأنه ضده، انتهى بتصرف.
وقال المالكية، والحنفية: إن بيع الإنسان ملك غيره بدون إذنه موقوف على رضاه، إن أجازه نفذ، وإلا
بطل، علم المشتري بأن البائع فضولي أو لم يعلم.
واحتج الشافعي (رضي الله عنه) بأحاديث:
١ - حديث حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله وسلم فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس
عندي، أأبتاع له من السوق، ثم أبيعه منه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك، وهو حديث صحيح رواه أبو
داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: حديث حسنٌ.
٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي وَ الر قال: ((لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق
إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك، ولا وفاء نذر إلا فيما تملك))، رواه أبو داود، والترمذي، وابن
ماجه، وغيرهم من طرق كثيرة بأسانيد حسنة، ومجموعها يرتفع به عن كونه حسناً، ويقتضي كونه
صحيحاً.
٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أيضاً أن رسول الله وَّل أرسل عتاب بن أسيد إلى أهل مكة =

٥٧٤
كتاب البيوع
(رحمه الله) هو شرط الانعقاد أيضاً حتى لا ينعقد بدونه، وأصل هذا أن تصرفات الفضولي
أن أبلغهم عن أربع خصال: أنه لا يصلح شرطان في بيع، ولا بيع وسلف، ولا تبع ما لم تملك، ولا
=
ربحٍ ما لم تضمن)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، بأسانيد صحيحة. قال الشافعية ومن وافقهم:
أولاً: إن قول النبي ◌ّ﴿ في حديث حكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك، المرادُ به لا تبع ما لا
تملك، لأنه ذكره جواباً له حين سأله أنه يبيع الشيء، ويمضي، ويشتريه، ويسلمه، وللاتفاق على صحة
بيع ماله الغائب - قالوا: فبيعُ الفضولي منهي عنه بهذه النواهي التي جاءت بها الأحاديث، ومثار النهي فيه
كون العاقد ليس أهلاً للبيع؛ إذ يشترط لكونه أهلاً له أن يكون مأذوناً فيه شرعاً؛ بأن يكون مالكاً للمبيع
إن باشر العقد لنفسه، وإن باشره لغيره المالك يشترط أن يكون ذلك بوكالة، أو ولاية، فحيث فقد من
الفضولي هذا الشرط، فالنهي عن بيعه لعدم أهليته لهذا العقد، والعقد الصادر من غير أهله باطل؛ فيبطل
بيعه .
قالوا: ثانياً: إن بيع الفضولي بيع لما لا يقدر على تسليمه، وبيع ما لا يقدر على تسليمه باطل، فبيعُ
الفضولي باطل؛ كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء.
واستدل الحنفية، ومن معهم، على انعقاد بيع الفضولي بما يأتي:
أولاً: حديث حكيم بن حزام: ((أن رسول الله و # أعطاه ديناراً يشتري له به أضحية، فاشترى به أضحية،
وباعها بدينارين، واشترى أضحية بدينار، وجاءه بأضحية ودينار، فتصدق النبي ◌َّ بالدينار، ودعا له
بالبركة»، رواه أبو داود والترمذي.
وبحديث عروة البارقي قال: ((دفع إليّ رسول الله وَّ ر ديناراً، لأشتري له شاة، فاشتريت له شاتين، فبعت
إحداهما بدينار، وجئت بالشاة والدينار إلى رسول الله رَّلية، فذكر له ما كان من أمره، فقال: بارك الله لك
في صفقة يمينك، فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة الكوفة، فيربح الربح العظيم، فكان من أكثر أهل
الكوفة مالاً، رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظ الترمذي، وإسناد الترمذي صحيح،
وإسناد الآخرین حسن.
قالوا: فقد تصرف كل من حكيم بن حزام، وعروة البارقي في مال النبي وَّر بالبيع والشراء بغير إذنه؛ إذ
لم يأذن عليه السلام إلاّ بشراء شاةٍ واحدةٍ، فباعها حكيم بدينارين، واشترى أضحية بدينار، وجاءه بأضحية
ودينار، واشترى عروة البارقي شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار، وجاء إلى النبي ◌َّ بالشاة والدينار،
فلم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام عليهما تصرفهما بدون إذنه، ولم يقل إنه باطل، بل وافقهما، ودعا
لهما بالبركة فدل على انعقاد بيع الفضولي، وجوازه مع توقف نفاذه على إجازة المالك؛ إذ هو الذي
يحقق له المصلحة، أما لو لنا بجوازه نافذاً بدون توقف، كان فيه إضرار بالمالك الذي لم يأذن في
التصرف .
واستدلوا ثانياً: بأن بيع الفضولي تصرفٌ شرعيٍّ له مجيز حال العقد، وقد صدر من أهله في محله، ولا
ضرر فيه على أحد، وكل تصرف هذا شأنه فهو جائز، مأذون فيه شرعاً، فبيع الفضولي منعقد شرعاً.
أما كونه له مجيز، فلأن المالك للبيع له أن يجيز العقد، وأن يبطله.
وأما صدوره من الأهل؛ فلأن أهلية التصرف إنما هي بالعقل والبلوغ. أما تحقق المحل؛ فلأن محله هو المال
المتقوم المملوك في الجملة، وبعد الملك للعاقد في المحل لا ينتفي هذا، ألا ترى أنه إذا باعه بإذن المالك
جاز، والإذن لا يجعل غير المحل محلاً، فوجب أن ينعقد العقد؛ لأن الحكم عند تحقق المقتضى لا يمتنع إلا
المانع، والمانع منتف؛ لأن المانع هو الضرر، ولا ضرر في ذلك لأحد من المالك والعاقدين.

٥٧٥
كتاب البيوع
التي لها مجيز حالة العقد منعقدةٌ موقوفةٌ على إجازة المجيز من البيع والإِجارة والنكاح
والطلاق ونحوها، فإن أجاز ينفذ وإِلاَّ فيبطل، وعند الشافعي (رحمه الله) تصرفاته باطلة.
وجه قول الشافعي (رحمه الله) أن صحة التصرفات الشرعية بالملك أو بالولاية ولم يوجد
أحدهما فلا تصح، وهذا لأن صحة التصرف الشرعي هو اعتباره في حق الحكم الذي وضع له
شرعاً لا يعقل للصحة معنى سوى هذا.
فأما الكلام الذي لا حكم له يكون صحيحاً شرعاً، والحكم الذي وضع له البيع شرعاً
أما المالك؛ فلأنه مخير بين الإجارة إن وجد فيه مصلحته، والفسخ إن لم يجد فيه المصلحة، وله فيه
=
منفعة؛ إذ يكفي مؤنة طلب المشتري.
وأما الفضولي، فلأن فيه صون كلامه عن الإلغاء. وأما المشتري؛ فلأنه يصل إلى غرضه من البيع.
مناقشة أدلة الشافعي قيل له في أحاديث النهي عن بيع ما لا يملك: إن لفظ البيع فيه مطلق، فينصرف إلى
الفرد الكامل من أفراد البيوع، وهو البيع التام النافذ الذي يستعقب المطالبة من الطرفين، فهو المنهي عنه،
لا البيع الموقوف الذي نثبته، أو المراد أن يبيعه، ثم يشتريه، فيسلمه بحكم ذلك العقد، وسبب ذلك
النهي يفيد هذا، وهو قول حكيم بن حزام: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيطلب مني سلعة ليست عندي،
فأبيعها منه، ثم أدخل السوق، فاشتريها، ثم أسلّمها، فقال ◌َّر: ((لا تبع ما ليس عندك))، فالنهي بمعزل
عن محل النزاع.
وقول الشافعي: لا انعقاد إلا بالقدرة الشرعية، إن أراد الانعقاد على وجه النفاذ سلمناه ولا يضر، وإن أراد
لا انعقاد على وجه التوقف إلى أن يرى المالك مصلحة في الإجازة، فيجيز فعله، أو عدمها فيبطله
فممنوع، ولا دليل عليه، بل الدليل دلّ على ثبوته، وهو تحقق الحاجة والمصلحة لكلِّ من العاقدين،
والمالك من غير ضرورة، ولا مانع شرعي، فيدخل ثبوته تحت العمومات المجيزة للبيع، فلما كان هذا
التصرف خيراً لكل من العاقدين، والمالك من غير ضرر كان الإذن في فعله ثابتاً دلالة؛ إذ كل عاقل يأذن
في التصرف النافع له بلا ضرر، وصار كالوصية من المديون المستغرق، وبأكثر من الثلث، إذا كان
المعقود عليه باقياً، حيث يتوقف على إجازة المستحق بالإجماع، فهذا أصل القياس صحيح. أمّا قياس
الشافعي بيع الفضولي على بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، فقياس مع الفارق؛ إذ بطلان بيع
السمك، والطير ليس لعدم القدرة على التسليم؛ بل لعدم المحل فيهما، فإنهما ليسا بمملوكين أصلاً بل
الأخذ، وما ليس بمملوك لأحد لا يكون محلاً للبيع.
وقياسُه على بيع الآبق قياس مع الفارق أيضاً؛ إذ بيع الآبق ينعقد فاسداً، وهو عند الحنفية مفيد للملك،
إذا اتصل به القبض.
فإن قيل: يجب أن يَلْغُو لعدم المقصود منه وهو الملك. قلنا: لا يلزم من عدم ترتيبه في الحال عدمه
مطلقاً، بل هو مرجوٍّ، فلا يلزم عدمه، وكونه متعلق العقد مرجواً كافٍ في صحة التصرف؛ ولهذا صح
تعليق الطلاق، والعناق بالشرط، وإلا فلا وقوع في الحال، ولا يقطع بوقوعه، فكان ينبغي أن يلغى،
لكن لما كان بحيث يرجى صحَّ، وانعقد سبباً في الحال مضافاً، أو عند الشرط لقولنا هذا. ينظر: آثر
النهي في العبادات والمعاملات لشيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.

٥٧٦
كتاب البيوع
وهو الملك لا يثبت حال وجوده لعدم شرطه، وهو الملك أو الولاية، فلم يصح، ولهذا لم
يصح شراؤه؛ فكذا بيعه.
ولنا عمومات البيع من نحو قوله (تبارك وتعالى): ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله
(عزَّ شَأْنُهُ): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ
مِنْكُم﴾ [النساء: ٢٩] وقوله (سبحانه وتعالى): ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] شرع (سبحانه وتعالى) البيع والشراء والتجارةَ وابتغاءَ الفضل من غير
فصلٍ بين ما إذا وجد من المالك بطريق الأصالة وبين ما إذا وجد من الوكيل(١) في الابتداء، أو
بين ما إذا وجدت الإِجازة من المالك في الانتهاء وبين وجود الرضا في التجارة عند العقد أو
بعده، فيجب العمل بإِطلاقها إِلاَّ ما خُصَّ بدليل.
وروي عن النبي ◌ُّر أنه دفع ديناراً إلى حكيم بن حزام (رضي الله عنه) وأمره أن يشتري
له أضحية، فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة إلى النبي ◌َّ فدعا له
بالبركة، وقال (عليه الصلاة والسلام): ((بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ))(٢).
ومعلوم أنه لم يكن حكيم مأموراً ببيع الشاة، فلو لم ينعقد تصرفه لما باع، ولما دعا له
رسولُ اللهِ وَّ بالخير والبركة على ما فعل ولأَنْكَرَ عليه؛ لأن الباطل ينكر، ولأن تصرف العاقل
محمولٌ على الوجه الأحسن ما أمكن، وقد أمكن حمله على الأحسن ههنا، وقد قصد البر به
والإِحسان إليه بالإِعانة على ما هو خير للمالك في زعمه؛ لعلمه بحاجته إلى ذلك، لكن لم
يتبين إلى هذه الحالة لموانع وقد يغلب على ظنه زوال المانع، فأقدم عليه نظراً لصديقه وإحساناً
إليه لبيان المحمدة والثناء لتحمل مؤنة مباشرة التصرف الذي هو محتاج إليه والثواب من الله
(عزَّ وجلَّ) بالإِعانة على البر والإِحسان.
قال الله (تبارك وتعالى): ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقال (تعالى جلَّ
شأنه): ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] إِلاَّ أن في هذه التصرفات ضرراً في
الجملة، لأَن للناس رغائب في الأعيان، وقد يقدم الرجل على شيء ظهرت له الحاجة عنه
بإزالته عن ملكه، لحصول غرضه بدون ذلك، ونحو ذلك، فيتوقف على إجازة المالك، حتى
لو كان الأمر على ما ظنه مباشر التصرف إجازة وحصل له النفع من جهته، فينال الثواب والثناء
وإِلاَّ فلا يجيزه / ويثني عليه بقصد الإِحسان وإيصال النفع إِليه، فلا يجوز القول بإهدار هذا
التصرف، وإلحاق كلامه وقصده بكلام المجانين وقصدهم، مع ندب الله (عزَّ وجلَّ) إِلى ذلك
وحثّه عليه، لما تلونا من الآيات.
٧٢/٣ ب
(١) في أ: الموكل.
(٢) تقدم.

٥٧٧
کتاب البيوع
وقوله صحة التصرف عبارة عن اعتباره في حق الحكم.
قلنا: نعم، وعندنا هذا التصرف مفيد في الجملة، وهو ثبوت الملك فيما يتضرر المالك
بزواله موقوفاً على الإِجازة، أما من كل وجه أو من وجه، لكن لا يظهر شيء من ذلك عند
العقد، وإنما يظهر عند الإِجازة، وهو تفسير التوقف عندنا أن يتوقف في الجواب في الحال أنه
صحيح في حق الحكم أم لا، ويقطع القول به للحال، ولكن يقطع القول بصحته عند
الإِجازة، وهذا جائزٌ، وله نظائرٌ في الشرع، وهو البيع بشرط الخيار للبائع أو المشتري على ما
عرف .
وأما شراء الفضوليِّ ففيه تفصيلٌ نذكُرُه، إن شاء الله (تعالى) في موضعه، ثم الإِجازة إنما
تلحق تصرف الفضولي عندنا بشرائط .
منها: أَن يكون له مجيز عند وجوده، فما لا مجيز له عند وجوده لا تلحقه الإجازة، لأَن
ماله مجيز متصور منه الإذن للحال وبعد وجود التصرف، فكان الانعقاد [للحال لينفذ](١) عند
الإذن القائم مفيداً، فينعقد، وما لا مجيز له لا يتصور الإذن به للحال، والإذن في المستقبل قد
يحدث وقد لا يحدث، فإن حدث كان الانعقاد مفيداً، وإِن لم يحدث لم يكن مفيداً، فلا
ينعقد مع الشك في حصول الفائدة على الأصل المعهود إن ما لم يكن ثابتاً بيقين لا يثبت مع
الشك، وَإِذا لم ينعقد لا تلحقه الإِجازة؛ لأن الإجازة للمنعقد.
وعلى هذا يخرج ما إذا طلق الفضولي امرأة البالغ أو أعتق عبده أو وهب ماله أو تصدق
به، أنه ينعقد موقوفاً على الإِجازة، لأن البالغ يملك هذه التصرفات بنفسه، فكان لها مجيزاً
حال وجودها، فيتوقف على إِجازة المالك، وبمثله لو فعل ذلك على الصبي لا ينعقد، لأَن
الصبيَّ ليس من أهل هذه التصرفات بنفسه.
ألا ترى لو فعل ذلك بنفسه لا تنعقد، فلم يكن لها مجيز حال وجودها، فلم تنعقد،
وكذلك الصبي المحجور عليه إذا باع مال نفسه، أو اشترى، أو تزوج امرأة، أو زوج أمته، أو
كاتب عبده، أو فعل بنفسه ما لو فعل عليه وليه لجاز عليه، يتوقف على إجازة وليه ما دام
صغيراً، أو على إِجازته بنفسه بعد البلوغ إِن لم يوجد من وليه في حال صغره، حتى لو بلغ
الصبي قبل إِجازة الولي، فأجاز بنفسه جاز، ولا يتوقف على نفس البلوغ من غير إِجازة، لأن
هذه التصرفات لها مجيز حال وجودها.
ألا ترى أنه لو فعلها وليُّه جازت، فاحتمل التوقف على الإِجازة، وإِنما يتوقف على
(١) سقط من ط.
بدائع الصنائع ج٦ - م٣٧

٥٧٨
كتاب البيوع
إجازته بنفسه أيضاً بعد البلوغ؛ كما يتوقف على إجازة وليه في حال صغره؛ لأنه لما بلغ فقد
ملك الإِنشاء، فأولى أن يملك الإِجازة، ولأَن ولايته على نفسه فوق ولاية وليّهِ عليه في حال
صغره، فلمَّا جاز بإِجازة وليه، فَلَأَنْ يجوزُ بإِجازة نفسه أَوْلَى، ولا يجوز بمجرد البلوغ، لأَن
الإِجازة لها حكم الإِنشاء من وجهٍ، وأنه فعل فاعل مختار، والبلوغ ليس صنعة، فلا يعقل
إجازة .
وكذا إِذا وَكَّل الصبي وكيلاً بهذه التصرفات، ففعل الوكيل قبل بلوغ الصبي أو بعده،
توقف على إِجازته بعد البلوغ إلا التوكيل بالشراء، فإنه لا يتوقف، بل ينفذ على الوكيل، لأن
الشراء وجد نفاذاً على الوكيل، فلا يتوقف إِلاَّ إذا بلغ الصبي قبل أن يشتري الوكيل فأجاز
التوكيل، ثم اشترى الوكيل بعد ذلك فيكون الشراء للصبي لا للوكيل، لأن إِجازة الوكالة منه
بعد البلوغ بمنزلة إنشاء التوكيل.
ولو وكله ابتداء لكان الشراء له لا للوكيل، كذا هذا، وبمثله إذا طلق الصبي امرأته أو
خالعها أو أعتق عبده على غير مالٍ، أو على مالٍ، أو وهب ماله أو تصدَّق به، أو زوج عبده
امرأة، أو باع ماله بمحاباة، أو اشترى شيئاً بأكثر من قيمته قدر مالاً يتغابن الناس في مثله عادةً،
أو غير ذلك من التصرفات مما لو فعله وَلِيُّهُ في حالٍ صغره لا يجوز عليه، لا ينعقد حتى لو أجاز
وليّه، أو الصبي بعد البلوغ لا يصح(١)، لأن هذه التصرفات ليس لها مجيز حال وجودها، فلا
تحتمل التوقف / على الإِجازة إِلا إِذا أجازه الصبي بعد البلوغ بلفظ يصلح للإنشاء، بأن يقول
بعد البلوغ أوقعت ذلك الطلاق أو ذلك العتاق، فيجوز، ويكون ذلك إنشاء الإِجازة، وَلَوْ وَكْلَ
الصبيُّ وكيلاً بهذه التصرفات ففعل الوكيل، يُنظر إِن فعل قبل البلوغ لا يتوقف وهو باطل، لأن
فعل الوكيل كفعل الموكل؛ ولو فعل الصبي بنفسه لا يتوقف، فكذا إذا فعله الوكيل.
١٧٣/٣
وإِن فعل بعد البلوغ يتوقف على إِجازته بمنزلة الفضولي على البائع(٢)، وإِن بلغ الصبي
فأجاز التوكيل بعد البلوغ قبل أن يفعلِ الوكيل شيئاً ثم فعل جاز، لأن إِجازة التوكيل منه بمنزلة
إنشائه، وكذا وصية الصبي لا تنعقد لأنها تصرف لا مجيز له حال وجوده.
أَلاَ ترى أنه لو فعل الولي لا يجوز عليه، فلا يتوقف، وسواء أطلق الوصية أو أضافه إلى
حال البلوغ لما قلنا، حتى لو أوصى ثم مات قبل البلوغ أو بعده لا تجوز وصيته، إِلا إذا بلغ
وأجاز تلك الوصية بعد البلوغ فتجوز، لأن الإِجازة منه بمنزلة إِنشاء الوصية، ولو أنشأ الوصية
بعد البلوغ ضَحَّ؛ كذا هذا.
(١) في أ: لا يجوز.
(٢) في أ: البالغ.

٥٧٩
كتاب البيوع
وعلى هذا تصرف المكاتب والعبد المأذون إِن ماله مجيز حال وجوده، يتوقف على
إجازة المولى، وما لا مجيز له حالة وجوده يبطل ولا يتوقف، لما ذكرنا من الفقه، إِلاَّ أن بين
المكاتب والعبد المأذون والصبي فرقاً من وجهٍ، وهو أن المكاتب أو المأذون إذا فعل ما يتوقف
على الإِجازة بأن زَوَّجَ نَفْسَهُ امرأةً، ثم عتق، ينفذ بنفس الإِعتاق، وفي الصبي لا ينفذ بنفس
البلوغ، ما لم توجد الإِجازة.
ووجه الفرق أن العبد بعد الإذن يتصرف بمالكية نفسه على ما عرف، فكان ينبغي أن ينفذ
للحال، إِلاَّ أنه توقف لحق المولى، فإِذا عتق فقد زال المانع فنفذ؛ بخلاف الصبي، فإِن في
أهليته قصوراً لقصورٍ عَقْلِهِ، فانعقد موقوفاً على الإِجازة، والبلوغُ ليس بإِجازةٍ على ما مر.
وأما حكم شراء الفضولي، فجملةُ الكلام فيه أن الفضولي إذا اشترى شيئاً لغيره فلا يخلو
إِما إن أضاف العقد إلى نفسه، وإما إِن أضافه إلى الذي اشترى له، فإن أضافه إلى نفسه كان
المشتري له، سواء وجدت الإِجازة من الذي اشترى له أو لم توجد؛ لأن الشراء إذا وجد نفاذاً
على العاقد نفذ عليه، ولا يتوقف؛ لأَنَّ الأصل أَنْ يَكُونَ تصرف الإِنسان لنفسه لا لغيره.
قال الله (تعالى عَزَّ مِنْ قائل): ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال (عزَّ من قائل): ﴿وَأَنْ
لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وشراء الفضولي كسبه حقيقة، فالأصل أن يكون له إِلا إذا
جعله لغيره، أو لم يجد نفاذاً عليه لعدم الأهلية؛ فيتوقف على إجازة الذي اشترى له؛ بأن كان
الفضولي صبيًّا محجوراً، أو عبداً محجوراً، فاشترى لغيره، يتوقف على إجازة ذلك الغير، لأن
الشراء لم يجد نفاذاً عليه فيتوقف على إِجازة الذي اشترى له ضرورة؛ فإن أجاز نفذ، وكانت
العهدة عليه لا عليهما؛ لأنهما ليسا من أهل لزوم العهدة، وإِن أضاف العقد إلى الذي اشترى
له؛ بأن قال الفضولي للبائع: بع عبدك هذا من فلان بكذا، فقال: بعتُ، وقبل الفضوليُّ البيع
فيه لأجل فلان، أو قال البائعُ: بعتُ هذا العبد من فلان بكذا، وقبل المشتري الشراء منه لأجل
فلان - فإنه يتوقف على إجازة المشتري له؛ لأن تصرف الإنسان، وإن كان له على اعتبار
الأَصل، إِلاَّ أن له أن يجعله لغيره بحق الوكالة وغير ذلك، وههنا جعله لغيره، فينعقد موقوفاً
على إِجازته .
ولو قال الفضولي للبائع: اشتريتُ منك هذا العبد بكذا لأجل فلان، فقال: بعتُ، أو قال
البائعُ للفضولي: بعتُ منك هذا العبد بكذا لفلان(١)، فقال: اشتريت - لا يتوقف، وينفذ
الشراء عليه، لأنه لم توجد الإِضافة إلى فلان في الإِيجاب والقبول، وإِنما وجدت في
(١) في أ: لأجل.

٥٨٠
كتاب البيوع
أحدهما، وأحدهما شطر العقد فلا يتوقف لما ذكرنا أن الأصل أن لا يتوقف، وَإِنما توقف
لضرورة الإِضافة من الجانبين، فإذا لم يوجد يجب العمل بالأصل.
وهذا بخلاف الوكيل بالشراء أنه إذا اشترى شيئاً يقع شراؤه للموكل، وَإِن أضاف العقد
إلى نفسه لا إلى الموكل، لأنه لما أمره بالشراء فقد أنابه مناب / نفسه، فكان تصرف الوكيل
كتصرفه بنفسه، ولو اشترى بنفسه كان المشتري له؛ كذا هذا، والله (تعالى) أعلم.
ولو اشترى الفضولي شيئاً لغيره، ولم يضف المشتري إلى غيره حتى لو كان الشراء له،
فَظَنَّ المشتري والمشتري لَهُ أَنَّ المشتري لكون للمشتري له فسلم إليه بعد القبض بالثمن الذي
اشتراه به، وقيل المشتري له، صَحَّ ذلك، ويجعل ذلك تولية كأنه ولاه منه بما اشترى، ولو
علم المشتري بعد ذلك أن الشراء نفذ عليه والمشتري له، فأراد أن يسترد من صاحبه بغير
رضاه، لم يكن له ذلك؛ لأن التولية منه قد صحَّتْ، فلا يملك الرجوع؛ كمن اشترى منقولاً
فطلب جاره الشفعة، فظن المشتري أن له شفعة، فسلم إليه، ثم أراد أحدهما أن ينقض ذلك
من غير رضا الآخر، لم يكن له ذلك؛ لأنه لما سلم إِليه صار ذلك بيعاً بينهما.
ولو اختلفا فقال المشتري له: كنت أمرتك بالشراء، وقال المشتري: اشتريته لك بغير
أمرك، فالقولُ قولُ المشتري له؛ لأَن المشتري له قال: اشتريتُهُ لك، كان ذلك إِقراراً منه بأنه
اشتراه بأمره؛ لأَن الشراء له لا يكون إلا بأمره عادةً، فكان القولُ قولَهُ، ثم إِن أخذه بقضاء
القاضي لا يحل له ذلك، إِلاَّ إِذا كان صادقاً في كلامه فيما بينه وبين الله (جلَّ شأنه)، وَإِن
أخذه بغير قضاء طاب له؛ لأنه أخذه برضاه، فصار ذلك بيعاً منهما بتراضيهما.
ومنها: قيام البائع والمشتري حتى لو هلك أحدهما قبل الإِجازة من المالك، لا تلحقه
الإجازة.
ومنها: قيام المالك حتى لو هلك المالك قبل إِجازته لا يجوز بإِجازة ورثته.
ومنها: قيام المبيع حتى لو هلك قبل إِجازة المالك لا يجوز بإجازة المالك، غير أنه إن
هلك في يد المالك يملك(١) بغير شيء، وإِن هلك بعد التسليم إلى المشتري فالمالك بالخيار،
إن شاء ضمن البائع، وإِن شاء ضمن المشتري؛ لوجود سبب الضمان من كلِّ واحدٍ منهما،
وهو التسليمُ من البائع والقبض من المشتري، لأن تسليم مال الغير وقبضه بغير إذن صاحبه كل
واحد منهما سبب لوجوب الضمان، وأيهما اختار تضمينه برىء الآخر، ولا سبيل علیه بحال،
لأنه لما ضمن أحدهما فقد ملك المضمون فلا يملك تمليكه من غيره؛ لما فيه من الاستحالة
(١) في أ: يهلك.
٧٣/٣ ب