Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ کتاب الاستحسان مكشوفة العورة، فيقع بصره عليها، فيكرهان ذلك، وهكذا رُوِيَ أَنَّ رجلاً سأل النبيّ (عليه الصلاة والسلام) وقال: أنا أخدمُ أمي وأفرشُها، ألى أستأذن عليها؟ فقال رسولُ الله ◌ٍَّ: (نَعَمْ)) فسأله ثلاثاً فقال (عليه الصلاة والسلام): ((أيَسُرُّكَ (١) أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً))؟ فقال: لا، قال: ((اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا)(٢) . وكذا روي عن حذيفة (رضي الله عنه) أن رجلاً سأله فقال: أستأذن على أختي؟ فقال (رضي الله عنه): ((إِن لم تستأذن رأيتَ ما يسوءك)) إِلاَّ أَنَّ الأَمر في الاستئذان على المحارم أيسرُ وأسهل؛ لأن المحرم مطلق النظر إلى موضع الزينة منها شرعاً، هذا الذي ذكرنا حكم الأحرار البالغين. وأما حكم المماليك والصبيان: أما المملوك فيدخل في بيتٍ سيده من غير استئذان إِلاَّ في ثلاثة أوقاتٍ: قبل صلاة الفجر، وعند الظهر، وبعد صلاة العشاء الآخرة؛ لقوله (تبارك وتعالى): ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمِ ...... ) إلى قوله (تعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طُوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] ولأن هذه أوقات التجرد وظهور العورة في العادة. أما قبل صلاة الفجر: فوقت الخروج من ثياب النوم، وقت الظهيرة: وقت وضع الثياب للقيلولة. وأما بعد صلاة العشاء: فوقت وضع ثياب النهار للنوم، ولا كذلك بعد هذه الأوقات الثلاث، لأن العورات بعدها تكون مستورة عادةً، والعبدُ والأمَةُ في ذلك سواءٌ، سواء كان المملوك صغيراً أو كبيراً بَعْدَ أن كان يعرف العورة من غير العورة؛ لأن هذه أوقات غرة وساعات غفلة، فربما يكون على حالةٍ يَكْرَهُ أن يراه أحد عليها؛ وهذا المعنى يستوي فيه الذكر والأنثى، والكبير والصغير، بعد أن يكون من أهل التمييز، ويكون الخطاب في الصغار للسادات بالتعليم والتأديب، كما في الآباء مع الأبناء الصغار. وأما الصبيان فإن كان الصغير ممن لا يميز بين العورة وغيرها فيدخل في الأوقات كلها، وإِن كان من أهل التمييز بأن قرب من البلوغ يمنعُهُ الأب من الدخول في الأوقات الثلاثة؛ تأديباً. وتعليماً لأمور الدين؛ كالأمر بالصلاة إذا بلغ سبعاً وضربه عليها إذا بلغ عشراً والتفريق بينهم في المضاجع، والله أعلم. (١) في ط: يسرك. (٢) تقدم تخريجه. ٥٠٢ كتاب الاستحسان هذا إذا كان البيت مسكوناً بأن كان له ساكنٌ، وأما إذا لم يكن كالخانات والرباطات التي تكون للمارَّة، والخربات التي تقضى فيها حاجة البول والغائط، فلا بأس أنْ يدخلَهُ من غيرِ استئذانٍ؛ لقوله (سبحانه وتعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩] أي: منفعة لكم، وهي منفعة دفع الحر والبرد في الخانات والرباطات، ومنفعة قضاء الحاجة من البول والغائط في الخربات، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وروي في الخبر أنه لما نزلت آيةُ الاستئذان، قال سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه): يا رسول الله، فَكَيْفَ بالبيوتِ التي بين مَكَّة وَالمدينةِ، وِبين المدينةِ والشام؛ ليس فيها ساكنٌ، فأنزل الله (تعالى عَزَّ وَجَلَّ) قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيَّرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، والله (عزَّ وجلَّ) الموفق. هذا الذي ذكرنا حُكَمُ الدخول. وأما حكم ما بعد الدخول وهو الخلوة؛ فإِن كان في البيت امرأةٌ أجنبيةٌ أو ذاتُ رحم محرم، لا يحل للرجل أن يخلو بها؛ لأن فيه خوف الفتنة والوقوع في الحرام. وقد رُوِيّ عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا و(١) ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ))(٢) وإن كانت المرأة ذات رحم محرم منه فلا بأس بالخلوة. والأفْضَلُ ألا يفعل؛ لِما روي عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنهما) أنه قال: ما خلوتُ بامرأةٍ قَطَّ؛ مخافةً أن أَدْخُلَ في نهي النبيّ (عليه الصلاة والسلام). ويكره للمرأة أَنْ تَصِلَ شعْرَ غيرِها من بني آدم بشعرِها، لقوله (عليه السلام): ((لَعَنَّ اللَّهُ الوَاصِلَةِ والمُسْتَوْصِلَةَ)»(٣) ولأنَّ الآدميَّ بجميع أجزائه مكرم، والانتفاعُ بالجزء المنفصل منه إهانةٌ (١) في ط: فإن. (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه البخاري (٣٨٧/١٠) كتاب اللباس: باب وصل الشعر حديث (٥٩٣٧) ومسلم (١٦٧٧/٣) كتاب اللباس: باب تحريم فعل الواصلة حديث (٢١٢٤/١٩٩) وأبو داود (٤٧٦/٢) كتاب الترجل: باب في صلة الشعر حديث (٤١٦٨) والترمذي (٢٠٧/٤) كتاب اللباس: باب ما جاء في مواصلة الشعر حديث (١٧٥٩) والنسائي (١٤٥/٨) كتاب الزينة: باب المستوصلة حديث (٥٠٩٥) وابن ماجه (٦٣٩/١) كتاب النكاح: باب الواصلة والواشمة. حديث (١٩٨٧) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢١٦/٢ - بتحقيقنا) كلهم من طريق نافع عن ابن عمر أن النبي ◌َّر قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٧٦/١): واللفظ للبخاري إلا قوله: الواشرة والمستوشرة وقد قال الرافعي في ((التذنيب)» إنها في غير الروايات المشهورة وهو كما قال فقد رويناها في مسند عمر بن عبد العزيز = ٥٠٣ کتاب الاستحسان له، ولهذا كره بيعه، ولا بأس بذلك من شعر البهيمة وصوفها؛ لأنه انتفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك، ولهذا احتمل الاستعمال في سائر وجوه الانتفاع، فكذا في التزين. ولا بأس للرجلِ أَنْ يعزل عن أمتِهِ بغير إذنها. وأما المنكوحةُ فإنْ كانت حُرَّةً يُكْرَهُ(١) له العزل من غير إذنها بالإجماع؛ لأن لها في الولد حقًّا وفي العزل فوتُ الولد، ولا يجوز تفويت حق الإنسان من غيرِ رضاه، فإِذا رضيت جاز. وإِن كانت أمةً فلا بد من الإذن أيضاً بلا خلافٍ؛ لكن الكلام في أن الإِذن بذلك إِلى المولى أم إليها، قال أبو حنيفة (رحمه الله): الإِذنُ فيه إلى مولاها، وقال أبو يوسف ومحمدٌ (رحمهما الله): إِليها. وجه قولهما أَن لها حَقًّا في قضاء الشهوة، والعزلُ يوجب نقصاناً فيه، ولا يجوز إبطال حق(٢) الإِنسان من غير رضاه. وجه قول أبي حنيفة (رضي الله عنه) أَنَّ الكراهة في الحرة لمكان خوفِ فوتِ الولدِ الذي لها فيه حَقٌّ، والحقُّ ههنا في الولد للمولى لا للأمة، وقولهما فيه نقصان قضاء الشهوة، فنعم، لكن حقها في أصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال. للباغندي من حديث معاوية ورواه أبو نعيم في المعرفة في ترجمة عبد الله بن عضاه الأشعري وقال ابن = الصلاح في الوسيط لم أجد هذه الزيادة بعد البحث الشديد إلا أن أبا داود والنسائي رويا في حديث عن أبي ريحانة في النهي عن الوشر. انتهى وهو في مسند أحمد من حديث عائشة قالت: كان رسول الله والخ يلعن الواشمة والمؤتشمة والواشرة والمؤتشرة. (١) اختلف أهل العلم في كراهية العزل، فرخص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، قال جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، ورخص فيه زيد بن ثابت، وروي عن أبي أيوب، وسعد بن أبي وقاص وابن عباس أنهم كانوا يعزلون. وكرهه جماعة من الصحابة وغيرهم لما روي أن النبي وّ سئل عن العزل، فقال: ((ذلك الوأدُ الخفي)» وروي عن ابن عمر أنه كان لا يعزل، قال مالك: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن زوجته الأمة إلا بإذن أهلها، ويعزل عن أمته بغير إذنها. وروي عن ابن عباس ((تُستأمر الحرة في العزل، ولا تُستأمر الجارية)). وبه قال أحمد. وفي الحديث دلالة على أنه لو أقر بوطء أمته، وادعى العزل أن الولد لاحق به إلا أن يدعي الاستبراء. وروي عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود: كان نبي الله وَلقر يكره عشر خصال: الصفرة: يعني الخلوق، وتغيير الشيب، وجر الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم، وعزل الماء عن محله، وفساد الصبي غير محرمه. ينظر: شرح السنة (٨٠/٥ - ٨١). (٢) في ب: البخس بحق. ٥٠٤ كتاب الاستحسان أَلاَ ترى أن من الرجال مَنْ لا ماء له، وهو يجامعُ امرأتَهُ من غيرٍ إِنزال، ولا يكون لها حق الخصومة، دَلَّ أن حقها في أصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وَيُكْرَهُ للرجل أن يقولَ في دعائه: أسألُكَ بحقٌّ أنبيائك ورسلِكَ، وبحقِّ فلانٍ؛ لأنه لا حَقَّ لأحدٍ على الله (سبحانه وتعالى جل شأنه)؛ وكذا يكره أن يقولَ في دعائه: أسألك بمعقد العِزْ مِنْ عَرْشِكَ. وروي عن أبي يوسف أنه لا بأس بذلك؛ لورود الحديث، وهو ما روي عن رسولِ الله وَّ أنه كان يقولُ في دعائه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعْقَدِ العِزُّ مِنْ عَرْشِكَ، وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ، وَبِاسْمِكَ الأَعْظَمِ، وَجَدْكَ الأَغَلَى، وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ))(١). وجه ظاهر الرواية أَن ظاهر هذا اللفظ يوهم التشبيه، لأن العرش خلق من خلائق الله (تبارك وتعالى جلَّ وعلا) فاستحال أن يكون عز الله (تبارك وتعالى) معقوداً به، وظاهر الخبر الذي هو في حد الآحاد إذا كان موهماً للتشبيه، فالكف عن العمل به أسلم. ويكره حمل الخرقة لمسح العرق والامتخاط ترفعاً بها وتكبراً؛ لأن التكبر من المخلوق مذمومٌ؛ وكذا هو تشبيه بزيٌّ العَجَمِ . وقال سیدنا عمر (رضي الله عنه): «إيّاكُمْ وزي العجم)). فأما الحاجة فلا بأس به؛ لأنه لو لم يحمل لاحتاج إلى الأخذ بالكم والذيل، وفيه إفساد ثوبِهِ. ولا بأس بربط الخيط في الأصبع أو الخاتم للحاجة؛ لأن فيه استعانة على قضاء حاجة المسلم بالتذكير ودفع النسيان، وأنه أمرٌ مندوب إليه. وروي أَنَّ رسول الله وَّهِ أَمَرَ بَعْضَ الصحابة بذلك. ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاءِ، لما روي عَنِ النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((إِذَا أَتَيْتُمْ الغَائِطَ فَعَظْمُوهُ قِبْلَةَ اللَّهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) فَلاَ تَسْتَقْبِلُوهَا وَلاَ تَسْتَدِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)) وهذا بالمدينة(٢). (١) أخرجه البيهقي في ((الدعوات الكبير)) كما في ((نصب الراية)) (٢٧٢/٤ - ٢٧٣). وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وقال: هذا حديث موضوع بلا شك وفي إسناده عمر بن هارون البلخي قال ابن معين فيه: كذاب، وقال ابن حبان يروي عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخاً لم يسرهم. (٢) تقدم. ٥٠٥ كتاب الاستحسان وأما الاستدبار فعن أبي حنيفة (رضي الله عنه) فيه روايتان: في روايةٍ: يكره، وفي رواية: لا يكره؛ لما رَوَىُ عبدُ الله بن سيدنا عمر (رضي الله عنهما) أنه رأى النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) مستقبل الشام مستدبر القبلة (١)؛ ولأنَّ فَرْجَه لا يوازي القبلة حالة الاستدبار، وَإِنما يوازي الأرضَ بخلاف حالة الاستقبال. هذا إذا كان في الفضاء، فإن كان في البيوت فكذلك عندنا، وعند الشافعي (عليه الرحمة) لا بأس بالاستقبال في البيوت. واحتج بما رَوَىْ عبدُ الله بن سيدنا عمر (رضي الله عنهما) سُئل عن ذلك فقال: إِنَّما ذلك في الفضاء. ولنا ما روينا من حديثٍ رسولِ الله وَلَو مطلقا من غير فصل بين الفضاء والبيوت، والعمل بقولِ رسولِ الله وَّل﴿ أَوْلَى من العمل بقول الصحابي، ولأن الفارق بين الفضاء وبين البيوت إِن كان وجود الحائل من الجدار ونحوه؛ فقد وجد الحائل في الفضاء وهو الجبال وغيرها، ولم يمنع الكراهة؛ فكذا هذا. ويكره أن تكون قبلة المسجد إلى متوضأ أو مخرج أو حمام؛ لأن فيه ترك تعظيم المسجد، وأما مسجد البيت وهو الموضع الذي عينه صاحبُ البيت لصلاةٍ فلا بأس بذلك؛ لأنه ليس بمسجدٍ حقيقة، فلا يكون له حكم المسجد. وَتُكْرَهُ التصاويرُ في البيوت؛ لما روي عن رسول الله بَّر عن سيدنا جبريل (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: (([إنَّا](٢) لاَ نَدْخُلُ بَيْتَاً فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةً» (٣) ولأَن إِمساكها تشبه بعبدة الأَوثان، إلا إذا كانت على البُسُطِ أو الوسائد الصغار التي تلقى على الأَرض ليجلسَ عليها [فلا] (٤) تُكْرَهُ؛ لأَن دوسَهَا بالأرجلِ إِهانةً لها، فإمساكها في موضع الإِهانة لا يكون تشبهاً بعبدة الأَصنام إِلاَّ أن يسجد عليها، فيكره لحصول معنى التشبه، ويكره على الستور وعلى الأزر المضروبة على الحائط وعلى الوسائد الكبار، وعلى السقف لما فيه من تعظيمها، ولو لم يكن لها رَأْسٌ فلا بأس؛ لأنها لا تكون صورة، بل تكون نقشاً، فإن قطع رأسَهُ بأنْ خاط على عنقِهِ خيطاً، فذاك ليس بشيء؛ لأنها لم تخرج عن كونها صورة، بل ازدادَتْ حليةً كالطوق لذوات الأَطواقِ من الطيور، ثم المكروه صورة ذي الروح، فأما صورة ما لا روحَ فيه(٥) من الأشجارِ والقناديل ونحوها، فلا بأس به. (١) تقدم. (٣) تقدم. (٥) في ط: له. (٢) سقط من ط . (٤) سقط من ط . ٥٠٦ كتاب الاستحسان ويكره التعشيرُ والنقطُ في المصحف، لقول عبد الله بن مسعودٍ (رضي الله عنهما): جَرِّدُوا مَصَاحِفَكُمْ(١)، وذلك في ترك التعشير والنقط؛ ولأن ذلك يؤدي إلى الخلل في تحفظ القرآن؛ لأَنّه يشكل(٢) عليه، فلا يجتهد في التحفظ، بل يَتَكّاسَل، لكن قيل هذا في بلادهم، فأما في بلاد العجم فلا يكره؛ لأن العجم لا يقدرون على تعلم القرآن بدونه، ولهذا جرى التعارف به في عامة البلاد(٣) من غير نكير، فكان مستوناً لا مكروهاً، ولا بأس بنقش المسجد بالجصِّ والساج وماء الذهب، لأَن تزين المسجد من [باب](٤) تعظيمه، لكن مع هذا تركه أفضل، لأَن صَرَف المال إلى الفقراء أَوْلَى، وإليه أشار عمرُ بن عبد العزيز (رضي الله عنهما) حين رأى ما لا ينقل إلى المسجد الحرام، فقال المساكينُ أحوجُ مِن الأَساطين(٥)، وكان لمسجد رسولِ اللَّهِ وَ ﴿ل جريد النخل، وهذا إذا نقش من مال نفسه، فأما من مال المسجد فلا ينبغي أن يفعل، ولو فعل القيم من مال المسجد قيل أنه يضمن. ولا يعق عن الغلام والجارية عندنا، وعند الشافعي (رحمه الله): العقيقةُ سُنَّةٌ. واحتجَّ بما روي أَنَّ رسولَ الله ◌َ ﴿ عَقَّ عَنْ سيدنا الحسن وسيدنا الحسين (رضي الله عنهما) کېشاً کیشاً (٦). ولنا ما روي عن سيدنا رسول الله وَ ل أنه قال: «نَسَخَتِ الأُضْحِيَّةُ كُلَّ دَم كَانَ قَبْلَهَا، وَنَسَخَ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلَّ صَوْمٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَنَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ كَانَتْ قَبْلَهَا)(٧) والعقيقة كانت قبل الأضحية، فصارتٌ منسوخة بها كالعتيرة والعقيقة ما كانت قبلها فرضاً، بل كانت فضلاً، وليس بعد نسخ الفضل إِلاَّ الكراهة بخلاف صوم عاشوراء، وبعض الصدقات المنسوخة حيث [لا يكرُه](٨) التنقل بها بعد النسخ؛ لأَنَّ ذلك كان فرضاً، وانتساخ الفرضية لا يخرجه عن كونه قربة في نفسه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. ويكره للرجل أن يجعل الراية في عنق عبدِهِ، ولا بأس بأن يقيده، أما الراية وهي الغلُّ، فلأنه شيءٌ أحدثتْهُ الجبابرة. وقد قال رسولُ اللهِ وََّ: ((كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِذْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ))(٩) فأما التقييد فليس بمحدثٍ، بل كان يستعمله الصحابة الكرام (رضي الله تعالى عنهم) روي أَنَّ (١) ورد هذا بلفظ: جردوا القرآن. أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق كما في ((نصب الراية)) (٢٦٩/٤). (٣) في ب: الإسلام. (٢) في ط: يتكل. (٤) سقط من ط . (٥) في ب: الشياطين. (٦) تقدم. (٧) تقدم. (٨) في ب: جاز. (٩) تقدم. ٥٠٧ کتاب الاستحسان عَبْدَ الله بن عباس (رضي الله عنهما) قيد عبداً له يعلمه تأويل القرآن، وبه جرت العادة في سائر الأعصار من غير نكيرِ، فيكون إِجماعاً، ولأن ضرب الراية على العبد لابقاء التمكن من الانتفاع مع الأَمن عن الإِباقَ إِلاَّ أَن يحصل بالراية؛ لأن كل أحد إذا رآه يمشي مع الراية يظنه آبقاً، فيصرفه عن وجهه ويردُّه إلى مولاه، فلا يمكنه الانتفاع به، فلم يكن ضرب الراية عليه مفيداً. ولا بأس بالحقنة، لأنها من باب التداوي، وأنه أمر مندوب إليه. قال النبيُّ (عليه الصلاة والسلام): ((تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلاَّ وَقَدْ خَلَقَ لَهُ دَوَاءٌ إِلَّ السَّامَّ وَالِهِرَمِ))(١). وَيُكْرَهُ اللعب بالنرد(٢) والشطرنج والأربعة عشر، وهي لعب تستعمله اليهود، لأَنّه قمارٌ، أو لعبٌ، وكلُّ ذلك حرام. وأما القمار؛ فلقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ والأَنْصَابُ والأَزْلاَمُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] وهو القمارُ؛ كذا روى ابن عباس وابن سيدنا عمر (رضي الله عنهم)(٣)، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وغيرهم (رضي الله عنهم) أنهم قالوا: الميسرُ القمار (٤) كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان. وعن سيدنا عليّ (رضي الله عنه) أنه قال: الشطرنجُ [هو](٥) مَيْسِرُ الأعاجم (٦)، وعن النبي ◌ََّ أنه قال: ((مَا أَلْهَاكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ مَيْسِرٌ))(٧) . (١) تقدم. (٢) والنرد هو الطاولة والواضع له أزدشيرين بابك وهو أول ملوك الفرس الأخيرة، فإنه وضع النرد وضرب به مثلاً للقضاء والقدر وأن الإنسان ليس له تصرف في نفسه لا يملك لها نفعاً ولا يدفع عنها ضرراً ولا يقدر أن يجلب لها موتاً ولا حياة ولا سعداً ولا شقاء بل هو مصرف على حكم القضاء والقدر معرض طوراً للنفع وطوراً للضرر. وجعلها أيضاً تمثيلاً للخط الذي يناله العاجز بما يجري لديه من الملك والحرمان الذي يبتلى به الحازم بما دار به عليه الفلك - وضعها على مثال الدنيا وأهلها فرتب الرقعه اثني عشر بيتاً بعدد شهور السنة والبروج وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر والدرج التي هي لكل برج ثلاثين درجة . (٣) ينظر: ((الدر المنثور)) (٥٦٥/٢). (٤) ينظر: ((الدر المنثور)) (٥٦٥/٢). (٥) سقط من ط . (٦) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢/ ٥٦٤) وعزاه إلى عبد بن حميد. (٧) تقدم. ٥٠٨ كتاب الاستحسان وأما اللعب: فلقوله (عليه الصلاة والسلام): «كُلُّ لَعِبِ حَرَامٌ، إِلاَّ مُلاَعَبَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَقَوْسَهُ وَفَرَسَهُ))(١). وقوله (عليه الصلاة والسلام): ((مَا أَنَا مِنْ رَدَّ وَلاَ رَدَّ مِنِّي)) . وحكي عن الشافعي (رحمه الله) أنه رخص في اللعب بالشطرنج (٢)، وقال: لأن فيه (١) تقدم في النكاح. (٢) الشطرنج: هو بكسر أوله، وفي لغة بالسين، وفيه أربع لغات كسر الشين، وفتحها، والإعجام، والإهمال - والأشهر الإعجام مع الكسر، ويجمع على شطارج، وأصله في اللغة الأعجمية ((شسن رنك)) ومعناه: ستة ألوان، لأن شمس ستة، ورنك ألوان، وهي أعني: الستة الشاة، والفرزان، والفيل، والفرس، والرخ، والبيرق، ثم أول من وضعه كما ذكره ابن خلكان، وصاحب الغرر. ((حرمة بن داهر الهندي)) وضعه (لبلهيت)، ويقال له شِهْرَامْ بكسر الشين المعجمة. وقصد الواضع للشطرنج مضاهاة لـ((أزدشير)) أول ملوك الفرس الأخيرة واضع النرد لتمثيل الدنيا، وأهلها كما تقدم بيانه، وافتخرت الفرس بذلك. ثم لما قارن حكماء ذلك العصر بينهما قضوا بترجيح الشطرنج على النرد؛ حيث إن الشطرنج وضع على أساس قاعدة أن لا قضاء ولا قدر مؤثرين بذاتهما، وأن الإنسان قادر بسعيه واجتهاده أن يبلغ المراتب العلية، والخطط السنية؛ فكان في ذلك إبطال القاعدة الأساسية التي بني عليها وضع النرد؛ كما أن الإنسان لو أهمل السعي والاجتهاد هوى به إلى الحضيض وأخرجه من روض العين الأريض. ومما يدل على ذلك أن البيرق ينال بحركته وسعيه منزلة ((الفرزان)) في الرياسة. ثم جعلها الواضع مصورة تماثيل على صورة الناطق والصامت، وجعلها درجات ومراتب، فجعل ((الشاه)) الرئيس والمدبر، والفرس والفيل مركوبين له، (والفرزان) وزيره، (والبيادق رعاياه فالواحد من الرعية لو أعطى الاجتهاد حقه في تهذيب نفسه كان ذلك عوناً على أنه ينال رتبة (الفرزان) أي وزيراً. وكذلك (الفرزان) إذ علت همته، وتمكنت قدرته - طمحت نفسه إلى نيل رتبة (الشاة) أي الملك، ونازعه الملك، ولو أدى إلى مقاتلته، وهكذا الحكم في كل قطعة من القطع التي تليها. وقيل إن الواضع للشطرنج بعض الحكماء، ليبينوا للناس ما خفي عنهم من مكايد الحروب، وكيفية ظفر الغالب، وخذلان المغلوب - وبينوا فيها التدبير والحزم، والاحتياط والمكيدة، والاحتراس، والتعبية والنجدة - والقوة والجلد والشجاعة والبأس، فمن عدم شيئاً من ذلك علم موضع تقصيره، ومن أين أتى بسوء تدبيره، لأن خطأها لا يستقال، والعجز فيها متلف المهج والأموال؛ لأنه معلوم بالبداهة أن في ترك الحزم ذهاب الملك، وضعف الرأي جالب للعطب والهلاك - والتقصير سبب الهزيمة. والتلف وعدم المعرفة بالتعبية داع إلى الانكشاف أمام العدو. قال بعض المحققين إنما حرم اللعب بالرد، ولم يحرم اللعب بالشطرنج؛ لأن المخطىء في الشطرنج إنما يحيل خطأه على فكر، وأما في النرد فيحيل خطأه على القدر، وهذا كفر وما يفضي إلى الكفر حرام؛ فحرم النرد لذلك. اهـ. قال الشوكاني: قال النووي مذهبنا أنه مكروه وليس بحرام، وهو مروي عن جماعة من التابعين. وقال مالك وأحمد هو حرام، قال مالك: هو شر من النرد وألهى. وروى ابن كثير في إرشاده أن أول ظهور = ٥٠٩ کتاب الاستحسان تشحيذَ الخاطرِ وتذكيةَ الفهم والعلم بتدابير الحرب ومكايده، فكان من باب الأدب، فأشبه الرماية والفروسية، وبهذا لا يخرج عن كونه قماراً ولعباً، وَكُلُّ ذلك حرامٌ لما ذكرنا. وكره أبو يوسف التسليم على اللأَّعبين بالشطرنج؛ تحقيراً لهم لزجرِهم عن ذلك، ولم يكرهه أبو حنيفة (رضي الله عنه)؛ لأن ذلك يشغلهم عما هم فيه، فكان التسليمُ [عليهم](١) بعض ما یمنعهم عن ذلك، فلا یکره. ولا بأس بعيادةِ اليهود والنصارى؛ لما روي أنَّ رسولَ اللهِ وَّ عاد يهوديًّا فقال له: ((قُلْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)) فنظر إلى أبيه فقال له أبوه: ((أَجِبْ مُحَمَّداً)) فأسلم، ثم مات، الشطرنج في زمن الصحابة وضعه رجل هندي يقال له صصة. قال: وروى البيهقي من حديث جعفر بن = محمد عن أبيه ((أن علياً قال في الشطرنج: هو من الميسر)) قال ابن كثير: وهو منقطع جيد، وروي عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد وعائشة أنهم كرهوا ذلك. وروي عن ابن عمر أنه شر من النرد كما قال مالك. وحكى في ضوء النهار عن ابن عباس وأبي هريرة وابن سيرين وهشام بن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وابن جبير أنهم أباحوه وقد روي في تحريمه أحاديث، أخرج الديلمي من حديث وائلة مرفوعاً: ((إنّ الله في كلّ يوم ثلاثمائة نظرة ولا ينظر فيها إلى صاحب الشاه)) وفي لفظ (يرحم بها عباده ليس لأهل الشاه فيها نصيب)) يعني الشطرنج. وأخرج من حديث ابن عباس يرفعه ((ألا إن أصحاب الشاه في النار الذين يقولون: قتلت والله شاهك)). وأخرج الديلمي أيضاً عن أنس يرفعه («ملعون من لعب بالشطرنج)). وأخرج ابن حزم وعبدان «ملعون من لعب بالشطرنج، والنظر إليهم كالآكل لحم الخنزير)) من حديث جميع بن مسلم. وأخرج الديلمي عن عليّ مرفوعاً ((يأتي على الناس زمان يلعبون بها، ولا يلعب بها إلا كل جبار، والجبار في النار)). وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ كرم الله وجهه أنه قال: ((النرد والشطرنج من الميسر)) وأخرج عنه عبد بن حميد أنه قال: ((الشطرنج ميسر العجم)). وأخرج عنه ابن عساكر أنه قال: ((لا يسلم على أصحاب النردشير والشطرنج)) قال ابن كثير: والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شيء، ويؤيد هذا ما تقدم من أن ظهوره كان في أيام الصحابة، وأحسن ما روي فيه ما تقدم عن عليّ كرم الله وجهه، وإذا كان بحيث لا يخلو أحد اللاعبين من غنم أو غرم فهو من القمار، وعليه يحمل ما قاله عليّ إنه من الميسر، والمجوزون له قالوا: إن فيه فائدة وهي معرفة تدبير الحروب ومعرفة المكايد فأشبه السبق والرمي. قالوا: وإذا كان على عوض فهو كمال الرهان. ولا نزاع أنه نوع من اللهو الذي نهى الله عنه، ولا ريب أنه يلزمه إيغار الصدور وتتأثر عنه العداوات، وتنشأ منه المخاصمات، فطالب النجاة لنفسه لا يشتغل بما هذا شأنه، وأقل أحواله أن يكون من المشتبهات، والمؤمنون وقافون عند الشبهات. وفي الشفاء للأمير الحسين قبل آخر الكتاب بنحو ثلاث ورق عن عليّ عليه السلام («أنه أمر بتحريق رقعة الشطرنج وإقامة كلّ واحد ممن لعب بها معقولاً على فرد رجل إلى صلاة الظهر، ثم ذكر غير ذلك)). ينظر: نيل الأوطار (٩٩/٨ - ١٠٠). (١) سقط من ط . ٥١٠ کتاب الاستحسان فقال رسول الله وَله: ((الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَنْقَذَ بِي نَسَمَةٌ مِنَ النَّارِ))(١) ولأَن عيادة الجار قضاء حق الجوار، وأنه مندوبٌ إِليه، قال الله (تبارك وتعالى): ((وَالجَارِ الجُنُبِ)) من غير فصل مع ما في العيادة من الدعوة إِلى الإِيمان رجاء الإِيمان، فكيف يكون مكروهاً. ويكره الابتداء بالتسليم على اليهودي والنصراني، لأَن السلام اسمٌ لكلٍ برِّ وخير، ولا يجوز مثل هذا الدعاء للكافر، إِلاَّ أنه إذا سلَّم لا بأس بالرد عليه مجازاة له، ولكن لا يزيد على قوله: وَعَلَيْكَ، لما روي عن رسول الله وَّهَ أنه قال: ((إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيَكُمْ أَحَدَهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ﴾(٢) . ولا بأس بدخول أهل الذمة المساجد عندنا. وقال مالك (رحمه الله) والشافعي لا يحلُّ لهم دخول المسجد الحرام(٣)، احتج مالكٌ (١) تقدم. (٢) أخرجه مسلم (١٧٠٧/٤) كتاب السلام: باب ((النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم)) رقم (٢١٦٣/٦)، وأبو داود (٢/ ٧٧٣) كتاب الأدب: باب ((في السلام على أهل الذمة)) رقم (٥٢٠٥)، والترمذي (١٥٤/٤) كتاب السير باب ((ما جاء في التسليم على أهل الكتاب)) رقم (١٦٠٢)، وأحمد (٢/ ٢٦٦ - ٣٤٦ - ٤٥٩)، وعبد الرزاق (٣٩١/١٠): كتاب الجامع: باب ((السلام على أهل الشرك والدعاء لهم)) رقم (١٩٤٥٧)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٤١/٤) كتاب ((الكراهية)) باب («السلام على أهل الكفر» والروايات مطولة ومختصرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) قال الزركشي من علماء الشافعية قال أصحابنا: لا يمكن الكافر من دخول حرم مكة، سواءٌ مساجدها، وغيرها. حتى لو جاء في رسالة لا يدخل بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به. هذا هو المشهور. قال شيخنا: ورأيت في كتاب القاضي ابن كج في كتاب الحج: لا يجوز للمشرك عندنا دخول الحرم، فإن احتيج إلى أن يدخل طبيب كافر إليه فذلك جائز للضرورة غير أنه لا يترك مستوطناً به. هذا لفظه بحروفه. وظاهر نص الأم، وإطلاق الجمهور في كتاب الجزية ينازعه. قال الشافعي في الأم هناك: ليس للإمام أن يدع مشركاً يطأ الحرم بحال من الحالات. طبيباً كان أو صانعاً بنياناً أو غيره انتهى. ولعل ابن كج يحمل النص على غير حالة الضرورة، وأغرب القاضي فحكى في الذخائر فقال: هناك: وإن جاءَ كافر رسولا إلى الإمام في الحرم فقد قال الخراسانيون: يجوز دخوله، لأداء الرسالة. وقال العراقيون: لا يجوز قال: وإن جاء ليسلم أو ليسمع كلام الله قال الخراسانيون يجوز له الدخول لذلك وقال العراقيون لا يجوز بل يخرج إليه من يسمع كلامه وإسلامه، ويسمعه كلام الله تعالى انتهى. وما نقله عن الخراسانيين غريب أو غلط. والموجود في كتبهم التصريح بموافقة العراقيين. وقد صرح بذلك الإمام في كتبه، وولده، والغزالي، والعوراني، والبغوي، وغيرهم، ولم يذكر صاحب الكافي والترغيب من متأخريهم سواه، وأما غير الحرم فيجوز أن يدخل كل مسجد ويبيت فيه بإذن المسلمين وهو مذهب جمهور العلماء. وجوز أبو حنيفة تمكينه من دخول الحرم، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نَجَسٌ فلا يقربوا = ٥١١ كتاب الاستحسان (رحمه الله) بقولِهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وتنزيه المسجد عن النجس واجبٌ، يحققه أنه يجب تنزيه المسجد عن بعض الطاهرات كالنخامة(١) ونحوها، قال رسول الله وَّ: ((إِنَّ المَسْجِدَ لَيَنْزَوِي(٢) مِنَ النّخَامَةَ كَمَا تَنْزَوِي الجِلْدَةُ مِنَ النَّارِ)»(٣) فعن النجاسة أولى. واحتج الشافعيُّ (رحمه الله) بقولِه (جلَّ وعلا): ﴿فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] خصَّ المسجد الحرام بالنهي عن قربانِهِ، فيدل على اختصاص حرمة الدخول به؛ ليكون التخصيص مفيداً. ولنا: أَنَّ المشركين من وفود العرب وغيرهم كانوا يدخلون المسجد على رسولِ الله ◌َّر؛ فإنه روي أَنَّ أبا سفيان دَخَلَ المسجد عام الحديبية؛ وكذا وَفْدُ ثقيف دخلوا المسجد . وقال رسولُ اللهِ وَّهُ يَوْمَ فتح مكة: ((مَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ))(٤) جعل (عليه الصلاة المسجدَ الحرامَ بعد عَامِهم هذا﴾. وهذه الآية نزلت في سنة تسع من الهجرة، والمراد بالمسجد الحرام في = الآية، الحرم كله، لقوله: ﴿سبحانَ الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام﴾ وإنما أَسرى به من بيت أم هانىء، أو من بيت خديجة. كما قاله الماوردي والبغوي وكلاهما خارج عن الحرم. ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى في الآية: ﴿وإن خِفتم عَيْلَةٌ فسوف يُغنيكم الله من فضله إِن شاءَ﴾. أي إن خفتم انقطاع التجارة عنكم، فاعتصموا بفضل الله، ومعلوم أن ما يخاف من هو في البلدٍ لا في المسجد نفسه، ولقوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً﴾ إلى أن قال: ﴿ومن كفر فأُمَتِّعه قليلا﴾. أي بمكة وهو ما قبل فتحها. فدل على تحريمها على الكافر بعد الفتح. (وقد روى الشافعي بسنده أنه عليه السلام قال: لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم) ولقول ابن عباس: لا يدخل أحد مكة إلا محرماً. والكافر لا يمكن إحرامه، فامتنع دخوله. وقال الماوردي في الحاوي: الكافر إن شرط عليه في عقد جزيته ألا يدخل مساجدنا، فليس له دخولها وإن لم يشترط عليه ذلك ففيه ثلاثة مذاهب أحدهما: وهو مذهب الشافعي أنه يجوز لهم دخول مساجدنا بإذننا إلا الحرم، ومساجده، فلا يجوز لهن دخوله. والثاني: وهو قول أبي حنيفة أنه يجوز لهن دخول المساجد كلها في الحرم وغيره. والثالث: وهو قول مالك أنه يجوز لهم دخول الحرم ومساجده إلا المسجد الحرام خاصة. ينظر: أعلام الساجد ص (١٧٣ - ١٧٥). (١) في ب: المخاط . (٢) ينزوي: ينضم وينقبض. النهاية في غريب الحديث (زوی). (٣) تقدم. (٤) أخرجه مسلم (١٤٠٧/٣) كتاب الجهاد: باب فتح مكة حديث (٨٦/ ١٧٨٠) وأبو داود (١٧٨/٢) كتاب الخراج باب ما جاء في خبر مكة حديث (٣٠٢٤) وأحمد (٥٣٨/٢) والدارقطني (٦٠/٣ - ٦١) كتاب البيوع حديث (٢٣٣) والبيهقي (٣٤/٦) كتاب البيوع: باب ما جاء في بيع دور مكة، وفي ((دلائل النبوة)) (٥٦/٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٦٤٣/٥، ٦٤٤ - بتحقيقنا) كلهم من طريق عبد الله بن رباح عن أبي هريرة . ٥١٢ كتاب الاستحسان والسلام) المسجد(١) مأمناً، ودعاهم إلى دخوله، وما كان (عليه الصلاة والسلام) ليدعو إلى الحرام. وأما الآية الكريمة فالمرادُ أنهم نجسُ الاعتقاد والأفعال، لا نجس الأَعيان، إذ لا نجاسة على أعيانهم حقيقة، وقوله (عزَّ وجلَّ) ﴿فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هُذَا﴾ نَهْيٌ عن دخول مكة للحج، لا عن دخول المسجد الحرام نفسه؛ لقوله (تعالى): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]. ومعلومٌ أن خوف العَيْلَة إنما يتحقق بمنعهم عن دخول مكة، لا عن دخول المسجد الحرام نفسه؛ لأنهم إذا دخلوا مكة ولم يدخلوا المسجد الحرام لا يتحقق خوف العيلة؛ ولما رُوِيَ أن رسول الله وَّر بعث سيدنا عليًّا (رضي الله عنه) ينادي أَلاَ لا يحجَّنَّ بعد هذا العام مشركٌ (٢) فَثَبَتَ أَن هذا نهيّ عن دخولِ مكة للحجِّ إِلاَّ أنه (سبحانه وتعالى) ذكر المسجد الحرام لما أن المقصد من إِتيان مكة البيت والبيت في المسجد، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. [ولو أن] مسلماً باع خمراً وأخذ ثمنها وعليه دَيْنٌ، يكره لصاحب الدين أن يأخذه منه، ولو كان البائع نصرانيًّا فلا بأس بأخذه. ووجه الفرق أَنَّ بيع الخمر من المسلم باطلٌ؛ لأنها ليست بمتقومة في حق المسلم، فلا يملك ثمنها، فبقي على حكم ملك المشتري، فلا يصح قضاء الدين به، وابن كان البائع نصرانيًّا، فالبيعُ صحيحٌ لكونها مالاً متقوماً في حقه، فملك ثمنها فصح قضاء الدين منه، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم. رجل دعي إلى وليمة أو طعام وهناك لعبٌ أو غناء، جملة الكلام فيه أن هذا في الأصلِ لا يخلو من أحد الوجهين : إما أن يكون عالماً أَن هناك ذاك، وإما أن لم يكن عالماً به، فإِن كان عالماً به، فإن كان من غالبٍ رأيه أنه يمكنه التغيير، يجيب؛ لأنَّ إجابة الدعوى مسنونة. قال النبيُّ (عليه الصلاة والسلام): ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا))(٣) وتغيير المنكر (١) في ب: الحرم. (٢) تقدم. (٣) أخرجه البخاري (١٤٨/٩) كتاب النكاح: باب حق الوليمة حديث (٥١٧٣) ومسلم (١٠٥٢/٢) كتاب النكاح: باب الأمر بإجابة الداعي حديث (١٤٢٩/٩٦) ومالك في ((الموطأ) (٥٤٦/٢) كتاب النكاح: باب ما جاء في الوليمة حديث (٤٩) وأبو داود (٢/ ٣٦٧) كتاب الأطعمة: باب ما جاء في إجابة الدعوة حديث (٣٧٣٦، ٣٧٣٧، ٣٧٣٨) والترمذي (٤٠٤/٣) كتاب النكاح: باب ما جاء في إجابة الداعي = ٥١٣ کتاب الاستحسان مفروضٌ، فكان في الإِجابة إِقامة الفرض ومراعاة السنة. وَإِن كان في غالب رأيه أنه لا يمكنه التغيير، لا بأس بالإجابة لما ذكرنا أَن إِجابة الدعوة مسنونة، ولا تترك السنة لمعصيةٍ تُوجَدُ من الغير. أَلاَ تَرَى أنه لا يترك تشييع الجنازة وشهود المأتم، وإِنْ كان هناك (١) معصية من النياحة وشقُ الجیوب ونحو ذلك؛ کذا ههنا. وقيل هذا إذا كان المدعو إِماماً يُقْتَدَى به؛ بحيث يحترم ويحتشم منه، فإنْ لم يكنْ فترك الإِجابة والقعود عنها أَوْلَى. وإِن لم يكن عالماً حتى ذهب فوجد هناك لعباً أو غناء، فإن أمكنه التغيير غَيَّرَ، وإِن لم يمكنه ذكر في الكتاب وقال لا بأس بأن يقعد ويأكل . قال أبو حنيفة (رضي الله عنه): ابتليتُ بهذا مَرَّةً لما ذكرنا أنَّ إِجابة الدعوة أمرٌ مندوب إليه، فلا يترك لأجل معصية توجد من الغير. هذا إذا لم يعلم به حتى دخل، فإِن علمه قبل الدخول يرجع ولا يدخل، وقيل هذا إِذا لم يكن إِمام يقتدى به، فإن كان لا يمكث بل يخرج؛ لأن في المكث استخفافاً بالعلم والدين وتجرئة لأهلِ الفسقِ على الفسق، وهذا لا يجوز، وصبر أبي حنيفة (رحمه الله) [عليه](٢) محمولٌ على وقتٍ لم يصر فيه مقتدى به على الإطلاق. ولو صار لما صبر، وَدَلَّتِ المسألة على أن مجردَ الغناء معصيةٌ(٣). وكذا الاستماع إليه؛ وكذا ضربُ القصب والاستماع إليه، ألا ترى أن أبا حنيفة (رضي الله عنه) سماه ابتلاءً. حديث (١٠٩٨) وابن ماجه (٦١٦/١) كتاب النكاح: باب إجابة الداعي حديث (١٩١٤) وأحمد (٢/ = ٢٠، ٢٢، ٣٧، ١٠١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار» (١٤٧/٤) والبيهقي (٢٦٢/٧) كتاب الصداق: باب اتيان كل دعوة عرساً كان أو نحوه، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٠٤/٥ - بتحقيقنا) من طرق عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. وله ألفاظ متعددة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (١) في ب: فيه. (٢) سقط من ط . (٣) اعتاد كثير ممن يعنون بالحديث والكتابة إطلاق بعض الألفاظ والمصطلحات دون عناية أو تمحيص لما يكتبونه أو يتلفظون به. ومن هذا الصنيع إطلاق بعضهم اسم ((الفن))، وإرادة تلك الصنوف من الرفض، والغناء الفاحش، والتصوير الماجن، كما أطلق كثير منهم ومن غيرهم اسم ((المشروبات الروحية)) على ما حرمه الله من الخمور، واسم ((الفائدة)) على الربا. وهذا من تسمية الشيء بغير اسمه . بدائع الصنائع ج٦ - م٣٣ ٠ ٥١٤ كتاب الاستحسان ويكره الاحتكار، والكلام في الاحتكار في موضعين. أحدهما: في تفسير الاحتكار، وما يصير به الشخص محتكراً. وكلمة الفن تطلق ويراد بها: التطبيق العملي للنظريات العلمية بالوسائل التي تحققها، ويكتسب بالدراسة = والدربة. كما تطلق هذه الكلمة على ((جملة الوسائل التي يستعملها الإنسان، لإثارة المشاعر والعواطف». هذا، ولا تشفع النية الحسنة لتبرير حرام، فكم من حسن النية أراد الحق ولم يصبه. ومهما يكن من أمر فاتقاء الشبهات أسلم لدين المرء وأحوط. وبعد، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري سمع النبي وَله يقول: ((ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف)). وفي الباب أحاديث أخر لا تخلو من كلام، وإنما العمدة في الكلام على تحريم المعازف إنما هو حديث البخاري هذا، ولا يلتفت إلى كلام ابن حزم وأمثاله من الأندلسيين؛ فإن القوم كان مشهوراً في ديارهم كثيرة المغنيين، ولعل صاحبنا أبكر بن العربي كان يعني من غير معازف، وحملنا على هذا وجوب حسن الظن ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. وأما الغناء فقد تكلم فيه كثيرون من بين مانع ومجوز، والصواب التفصيل؛ فإن الجمهور ذهبوا إلى تحريم الغناء مع ألة من آلات الملاهي وبدونها. وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من الظاهرية وجماعة من الصوفية إلى الترخيص في السماع، ولو مع العود واليراع. وهم أيضاً استندوا إلى آثار رويت عن بعض السلف. وأدلة الجمهور منها ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ قال: هو والله الغناء. ومنها ما أخرجه ابن ماجه، وغيره من أصحاب السنن، وإن كانت لا تخلو من مقال. وهذا النزاع هو في الغناء الذي خالطه آلة من زمار وشبابة، وغيرهما. وأما مجرد الغناء من غير آلة فقد قال الأدفوي في ((الإمتاع)): إن الغزالي في بعض تآليف الفقهية نقل الاتفاق على حله، ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه، ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه. وخلاصة الأمر أن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وقد استمع النبي ◌َّر لغناء الجاريتين، ولم ينكر عليهما، بل أنكر على المنكر، وعلم عائشة كيف يغني النساء في أعراس الأنصار، وأخبر أنهم يحبون اللهو، وقال لأنجشة: رفقاً بالقوارير. أما إذا خالطه آلة من آلات المعزف، فهو ما يحظر شرعاً لما يترتب عليه من ترقيق قلوب الرجال والنساء وميل بعضهم إلى بعض، وغير ذلك من الفتن. وبعد: فلا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه، والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما شرح به الحديث الصحيح: ((ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه وديته)) ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه))، ولا سيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود، والخدود، والجمال، والدلال، والهجر والوصال، ومعاقرة العقار، وخلع العذار والوقار؛ فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية وإن كان من التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول. نسأل الله السداد والثبات. ٥١٥ كتاب الاستحسان والثاني: في بيان حكم الاحتكار(١). أما الأول: فهو أن يشتري طعاماً في مصر ويمتنع عن بيعه، وذلك يضر بالناس، وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر، وذلك المِصْرُ صغيرٌ، وهذا يضر به - يكون محتكراً، وإِن كان مِصْراً كبيراً لا يضر به لا يكون محتكراً، ولو جلب إِلى مصرٍ طعاماً من مكان بعيد وحبسه، لا يكون احتكاراً. وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أنه يكون احتكاراً؛ لأن كراهة الاحتكار بالشراء في المصر والامتناع عن البيع لمكان الإضرار بالعامة، وقد وجد ههنا. ولأبي حنيفة (رضي الله عنه) قولُ النبيِّ (عليه السلام): ((الجَالِبُ مَرْزُوقٌ)) وهذا جالب(٢)؛ ولأن حرمة الاحتكار بحبس المشتري في المصرِ لتعلق حق العامة به، فيصير ظالماً (١) الاحتكار لُغَةً: قال الجوهري: احتكار الطعام جمعه وحبسه، يتربّص به الغلاء، قال: وهو الحُكرة بضم الحاء. وقال ابن فارس: الحُكْرَة حَبْسُ الطعام إرادة غلائه، قال: وهو الحكر. والحكر يعني بفتح الحاء وفتح الكاف وإسكانها . انظر: تحرير التنبيه ٢٠٨، المصباح المنير (٢٢٦/١). واصطلاحاً : عرفه الحنفيةُ بأنه: اشتراء طَعَام ونحوه، وحبسه إلى الغَلاَءِ أربعين يوماً. عرفه الشافعيةُ بأنه: شراء القُوَتِ في وقت الغَلاَءِ ليمسكه، ويبيعه بعد ذلك، بأكثر من ثمنه للتضييق حينئذٍ . عرفه المالكية بأنه: حَبْسُ الطعام إرَادَة الغلاء. عرفه الحنابلةُ بأنه: أن يشتري القُوتَ للتجارة، ويحبسه ليقلّ ويغلو. انظر: حاشية ابن عابدين (٢٨٢/٥)، نهاية المحتاج (٥٧/٣)، شرح الزرقاني على موطأ مالك (٣/ ١٩٩)، كشاف القناع (٣٥/٢). (٢) أخرجه ابن ماجه (٧٢٨/٢) كتاب التجارات: باب الحكرة والجلب حديث (٢١٥٣) والدارمي (٢٤٩/٢) كتاب البيوع باب في النهي عن الاحتكار والعقيلي (٢٣١/٣ - ٢٣٢) والبيهقي (٣٠/٦) كتاب البيوع: باب ما جاء في الاحتكار، وفي ((شعب الإيمان)) (٥٢٥/٧) رقم (١١٢١٣) كلهم من طريق علي بن سالم بن ثوبان عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عمر مرفوعاً. وقال البيهقي: تفرد به علي بن سالم عن علي بن زيد قال البخاري لا يتابع في حديثه. وقال البوصيري في ((الزوائد» (١٦٣/٢): هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. والحديث ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٦١/٤) وزاد نسبته إلى إسحاق بن راهويه والدارمي وعبد بن حميد وأبي يعلى الموصلي في مسانيدهم. قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص - ١٧٠): أخرجه ابن ماجه في سننه والحاكم في صحيحه = ٥١٦ کتاب الاستحسان بمنع حقِّهم على ما نذكر، ولم يوجد ذلك في المشتري خارج المصر من مكان بعيد؛ لأنه متى اشتراه ولمٍ يتعلق به حق أهل المصر فلا يتحقق الظلم، ولكن مع هذا الأفضلُ له أن لا يفعل ويبيع، لأن في الحبس ضرراً بالمسلمين، وكذلك ما حصل له من ضياعه بأن زرع أرضه فأمسك طعامه، فليس ذلك باحتكار؛ لأنه لم يتعلق به حق أهل المصر، لكن الأفضل أن لا يفعل ويبيع لما قلنا، ثم الاحتكار يجري في كل ما يضر بالعامة عند أبي يوسف (رحمه الله)، قوتاً كان أو لا، وعند محمد (رحمه الله) لا يجري الاحتكار إِلاَّ في قوت الناس وعلف الدواب من الحنطة والشعير والتبن والقت . وجه قول محمدٍ (رحمه الله) أَن الضرر في الأَعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف؛ فلا يتحقق الاحتكار إِلاَّ به . وجه قول أبي يوسف (رحمه الله) أن الكراهة لمكان الإضرار بالعامة، وهذا لا يختص بالقوت والعلف. وأما حكم الاحتكار فنقولُ يتعلق بالاحتكار أحكام: منها: الحرمةُ؛ لما روي عن رسول الله وَّ أنه قال: ((المُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ، والجَالِبُ مَرْزُوقٌ))، ولا يلحق اللعن إِلا بمباشرة المحرم(١). وروي عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((مَنِ احْتَكَرَ طَعَاماً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَّدْ بَرِىءَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِىءَ اللَّهُ مِنْهُ))(٢) ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بارتكاب الحرام؛ ولأن الاحتكار من باب الظلم؛ لأن ما بيع في المصر فقد تعلق به حق العامة، فإِذا امتنع المشتري عن بيعه شدة حاجتهم إليه، فقد منعهم حقهم، ومنعُ الحقِّ عن المستحق ظلمٌ، وإِنه حرامٌ، وقليل مدة الحبس وكثيرها سواءٌ في حق الحرمة لتحقق الظلم. وإسحاق والدارمي وعبد وأبو يعلى في مسانيدهم والعقيلي في ((الضعفاء)) من حديث عمر به مرفوعاً = وسنده ضعيف . (١) تقدم. (٢) أخرجه أحمد (٣٣/٢) وابن أبي شيبة (١٠٤/٦) والحاكم (١١/٢ - ١٢) والبزار (١/ ١٠٦ - كشف) رقم (١٣١١) وأبو يعلى (١١٧/١٠) رقم (٥٧٤٦) والدارقطني في ((غرائب مالك)) كما في («نصب الراية)) (٤/ ٢٦٢) والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((المجمع)) (١٠٣/٤) كلهم من طريق أصبغ بن زيد ثنا أبو بشر عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة الحضرمي عن ابن عمر به. وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي فضعفه وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠٣/٣): ((وفيه أبو بشر الأملوكي ضعفه ابن معين. وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٣٩٢/١) رقم (١١٧٤) عن أبيه: هذا حديث منكر وأبو بشر لا أعرفه. ٥١٧ كتاب الاستحسان . ومنها: أن يؤمر المحتكر بالبيع إزالة للظلم، لكن إِنما يؤمر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله، فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار ورفع إِلى الإِمام مرَّة أخرى وهو مُصِرٍّ عليه، فإن الإِمام يَعِظُهُ ويهدده، فإنْ لم يفعل ورفع إليه مرة ثالثة يحبسه ويعزره؛ زجراً له عن سوءٍ صنعِهِ، ولا يجبر على البيع. وقال محمد: يجبر عليه، وهذا يرجع إلى مسألة الحجر على الحر، لأنَّ الجبر على البيع في معنى الحجر. وكذا لا يسعر؛ لقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقوله (عليه الصلاة والسلام): ((لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبٍ مِّنْ نَفْسِهِ»(١) وروي أن السعرَ عَلاَ في المدينة وطلبوا التسعير من رسولِ اللهِ وَّ فلم يُسَعِّز، وقال: ((إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) هو المُسَعِّرُ القَابِضُ الْبَاسِطُ))(٢). ومنها: أنه إذا خاف الإِمامُ الهلاكَ على أهلِ المصر أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه عليهم، فإذا وجدوا ردوا عليهم مثله؛ لأنهم اضطروا إليه، ومن اضطر إلى مال الغير في مخمصة، كان له أن يتناوله بالضمان؛ لقول الله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. وكذا يكره تلقي الركبان إذا كان يضر بأهل المصر؛ لما روى النبي (عليه الصلاة والسلام): (نَهَى عَنْ تَلَقِّ الرُّكْبَانِ))(٣) ولأَن فيه إضراراً بالعامة، فيكره كما يكره الاحتكار. ويكره خرق الزق(٤) الذي فيه خمرٌ لمسلم عند أبي حنيفة (رحمه الله)، ولو خَرَقَ يَضْمَنُ، وعند أبي يوسف ومحمدٍ: لا يكره ولا يضمن. وعلى هذا الخلاف كسر آلات الملاهي من البربط(٥) والعود والزمارة ونحوها، والمسألة تعرف في ((كتاب البيوع)). رَجُلٌ ابتلع درة(٦) رجل فمات المبتلع، فإن ترك مالاً كانت قيمة الدرة في تركته، وإِن لم (١) تقدم. (٢) تقدم . (٣) تقدم. والمقصود به: أن يستقبل الحضري البدوي قبل وصوله إلى البلد، ويخبره بكساد ما معه كذباً، ليشتري (٤) منه سلعته بالوكس، وأقل من ثمن المثل؛ وذلك تغرير محرم. النهاية في غريب الحديث (لقي). (٥) البربط: العود (من آلات الموسيقى)، ومعناه صدر البط. المعجم الوسيط (بربط). (٦) الدرة: اللؤلؤة العظيمة الكبيرة. المعجم الوسيط (درر). ٥١٨ كتاب الاستحسان يترك مالاً لا يشق بطنه، لأن الشق حرامٌ، وحرمةُ النفسِ أعظم من حرمة المال، وعليه قيمة الدرة؛ لأنه استهلكها وهي ليست من ذوات الأمثال، فكانت مضمونة بالقيمة، فإِن ظهر له مال في الدنيا قضى منه، وإِلاَّ فهو مأخوذٌ به في الآخرة. حاملُ ماتت فاضطرب في بطنها ولدٌ، فإن كان في أكبر الرأي أنه حَيٍّ يشق بطنها؛ لأنا ابتلينا ببليتين فنختار أهونهما، وشق بطن الأم الميتة أهون من إِهلاك الولد الحي. رَجُلٌ له ورثةٌ صغار فأراد أن يوصي، نظر في ذلك؛ فإن كان أكبر رأيه أنه تقع الكفارة لهم بما سوى ثلث الوصية من المتروك، فالوصية بالثلث أفضلُ؛ لأن فيه رعاية الجانبين. وإِن كان أكبر رأيه أنه لا تقع الكفاية لهم إِلاَّ بكل المتروك، فالمتروك لهم أفضل من الوصية؛ لما روي أن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) سأل رسولَ الله وَلَر فقال: بكم وصى الرجلُ من ماله؟ فقال (عليه الصلاة والسلام): ((بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))(١) لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. رجلٌ رَأَى رَجُلاً قتل أباه وادعى القاتل أنه قتله بقصاص أو ردة ولم يعلم الابن من ذلك شيئاً، وسع الابن أَنْ يقتله؛ لأَنّه عاين السبب الموجب للقصاص في الأصل، وهو القتل العمد؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((العَمْدُ قَودٌ إِلاَّ أَنْ يُغْفَى أَوْ يُفادى))(٢) والقاتل يدعي أمراً عارضاً؛ فلا يسمع إِلاَّ بحجة. وكذلك إذا أقر بالقتل في السر، ثم ادعى أنه قتله بقصاص أو بردة، كان الابن في سعة من قتله؛ لأن الإقرار بالقتل العمد إقرار بالسبب الموجب للقصاص في الأصل على ما بينا، ولو لم يعاين القتل ولا أقر به عنده، ولكن شهد عنده شاهدان عدلان على معاينة القتل أو على الإقرار به، لم يسعه قتله حتى يقضي القاضي بشهادتهما، فرقاً بين الإقرار وبين الشهادة. ووجه الفرق بينهما ظاهرٌ؛ لأن الشهادة ليست بحجة بنفسها، بل بقضاء القاضي لما فيها من تهمة جر النفع، فلا تندفع التهمة إِلاَّ بقضاء القاضي. فأما الإقرار فحجة بنفسه؛ إذ الإِنسان غير متهم في الإِقرار على نفسه، فهو الفرق، وكذلك يحل لمن عاين القتل أو سمع إقراره به أن يعين الولي على قتله؛ لأنه إِعانة لصاحب الحق على استيفاء حقه ظاهراً. (١) تقدم. (٢) تقدم. ٥١٩ كتاب الاستحسان ولو شهد عند الابن اثنان بما يدعيه القاتل مما يحل دمه من القتل والردة، فإن كانا ممن يقضي القاضي بشهادتهما لو شهدا عنده، لا ينبغي للابن أن يعجل بالقتل، لجواز أن يتصل القضاء بشهادتهما، فيتبين أنه قتله بغير حق، والامتناع عن المباح أَوْلَى مِن ارتكاب المحظور، وإِن كانا ممن لا يقضي القاضي بشهادتهما لو شهدا عنده كالمحدودين في القذف والنساء وحدهن، كان في سعة من قتله لما ذكرنا أن الشهادة ليست بحجة بنفسها، بل بقضاء القاضي؛ فإن كانت ممن لا يتصل بها القضاء، كان وجودها وعدمها بمنزلة واحدة، ولكن مع هذا إن توقف في ذلك فهو أفضل، لاحتمال اتصال القضاء به في الجملة، أو لاحتمال أن يكون صدقاً حقيقة عندالله (عزَّ وجلَّ). ولو شهد عنده رجلٌ واحدٌ عدلٌ غير محدودٍ في القذف، ينبغي أن يتوقف في القتل؛ لجواز أن ينضم إليه شاهد آخر، ولهذا لو شهد عند القاضي لتوقف أيضاً، فكان الانتظار أفضل، ولو لم ينتظر واستعجل في قتله كان في سعة منه؛ لأن الموجود أحد شطري الشهادة، وأنه لا يعتبر بدون الشطر الآخر. ولو عاين الوارث رجلاً أخذ مالاً من أبيه، أو أقر عنده أنه أخذ مالاً من أبيه وادعى أنه كان وديعة له عند أبيه، أو كان دَيْناً له عليه اقتضاه منه - وسعه أن يأخذه منه؛ لأَنّه لما عاين أخذ المال منه فقد عاين السبب الموجب للضمان في الأصل وهو الأَخذ، لأَن الأَخذ في الأصل سبب لوجوب ضمان المأخوذ، وهو رد عینه إن كان قائماً، ورد بدله إِن کان ھالكاً؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((عَلَى النُّدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ))(١) ودعوى الإبداع والدين أمرٌ عارضٌ، فلا يسمع إِلا بحجة، وله أنْ يَأْخُذَهُ منه. ولو امتنع عن الدفع يقاتله عليه؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ))(٢) وكذا إذا أقر بذلك؛ لأنه أقر بالسبب الموجب للضمان على ما بينا، فله أن يأخذه منه. وكذلك يسع لمن عاين ذلك أو سمع إقراره أن يعينه على الأخذ منه؛ لكونه إعانة على استيفاء الحق ظاهراً، ولو لم يعاين ذلك ولا أقر به عنده ولكن شهد شاهدان عدلان عنده أَنَّ هذا الشيءَ الذي في يدِ فلان ملكُ ورثته عن أبيك، لا يسعه أخذه منه حتى يقضي القاضي، بخلاف الإقرار، وقد مَرَّ الفرق بينهما في فصل القتل، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم. وأما الذي ثبت حرمته في حق الرجال دون النساء فثلاثة أنواع: منها: لبس الحرير المصمت من الديباج والقز؛ لما روي أنَّ رسول الله نَّ خرج (١) تقدم. (٢) تقدم. ٥٢٠ کتاب الاستحسان وبإحدى يديه حريرٌ، وبالأخرى ذهبٌ، فقال: ((هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلِّ لِإِنَائِهَا))(١). وروي أن رسولَ الله ◌َر أعطى سيدنا عمر (رضي الله عنه) حلة فقال: يا رسول الله، كسوتني حلةً، وقد قلتِ في حلة عطارد إِنما يَلْبَسُهُ مَنْ لا خَلاَقَ لَهُ في الآخرة، فقال رسولُ اللهِ وَّهُ: ((إِنِّي لَمْ أَكْسُكُهَا لِتَلْبِسَهَا))(٢) وفي رواية: ((إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَ لِتَكْسُوَ بَعْضَ نِسَائِكَ)). فإن قيل: أليس روي أن رسول الله وَلو خرج وعليه قباء من ديباج، قيل: نعم، ثم نسخ؛ لما روي عن أنس (رضي الله عنه) أنه قال: لبس رسولُ اللَّهِ وَ لَه جبةَ حرِيرٍ أَهْدَاهَا له أكيدر رومة، وذلك قبل أن ينهى عنه كذا؛ قال أنسٌ؛ وهذا في غير حالِ الحربِ(٣). وأما في حال الحرب فكذلك عند أبي حنيفة. وعند أبي حنيفة ومحمد: لا يكره لبس الحرير في حال الحرب. وجه قولهما: أن في لبس الحرير في حال الحرب ضرورة؛ لأنه يحتاج إلى دفع ضرر السلاح عنه، والحرير أدفع له وأهيب للعدو، وأيضاً فرخص للضرورة. ولأبي حنيفة (رضي الله عنه) إطلاق التحريم الذي روينا من غير فصل بين حال الحرب وغيرها، وما ذكراه من الضرورة يندفع بلبس ما لحمته حرير وسداه غير حرَّيْرٍ، لأَن دفع ضرر السلاح وتهيب العدو يحصل به، فلا ضرورة إلى لبس الحرير الخالص، فلا تسقط الحرمة من غير ضرورة، ولا فرق بين الكبير والصغير في الحرمة بعد أن كان ذكراً؛ لأَنَّ النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) أدار هذا الحكم على الذكورة؛ بقوله (عليه الصلاة والسلام): ((هُذَانِ حَرَامَانٍ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي)) إِلَّ أن اللابس إِذ كان صغيراً فالإِثم على من ألبسه لا عليه؛ لأنه ليس من أهل التحريم عليه؛ كما إذا سُقي خمراً فشربها، كان الإِثم على الساقي لا عليه؛ كذا ههنا. هذا إِذا كان كله حريراً وهو المصمت؛ فإن كانت لحمته حريراً وسداه غير حريرٍ لا يكره لبسُهُ في حالِ الحربِ بالإِجماع؛ لما ذكرنا من ضرورة دفع مضرة السلاح وتهييب العدو، فأما في غير حال الحرب فمكروهٌ؛ لانعدام الضرورة، وإِن كان سداه حريراً ولحمته غير حريرٍ لا يكره في حالِ الحرب وغيرها، وههنا نكتتان: إحداهما: أنَّ الثوبَ يصير ثوباً للحمة؛ لأنه إِنما يصير ثوباً بالنسج، والنسجُ تركيب اللحمة بالسدي، فكانت اللحمة كالوصف الأخير، فيضاف الحُكْمُ إِليه، وهذه النكتةُ تقتضي إباحة لبس الثياب العتابي. (١) تقدم. (٣) تقدم . (٢) تقدم.