Indexed OCR Text
Pages 481-500
كِتَابُ الاسْتِحْسَانِ(١) وقد يسمى كتاب الحظر، والإِباحة، وقد يسمى ((كتاب الكراهة))، والكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضعين : (١) وهو لغة: اعتماد الشيء حسناً، سواء كان علماً أو جهلاً. قال بعضهم: هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى. وقال بعضهم: هو تخصيص القياس بدليل أقوى. قال إلكيا: وهو أحسن ما قيل في تفسيره، ما قاله أبو الحسن الكرخي؛ أنه قطع المسائل عن نظائرها الدليل خاص يقتضي العدول عن الحكم الأول فيه إلى الثاني، سواء كان قياساً أو نصاً، يعني: أن المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما يحكم في نظائرها إلى الحكم بخلافه؛ لوجه يقتضي العدول عنه، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: ما لي صدقة على الزكاة، فإن هذا القول منه عام في التصدق بجميع ماله. وقال أبو حنيفة: يختص بمال الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، والمراد من الأموال المضافة إليهم: أموال الزكاة، فعدل عن الحكم في مسألة المال الذي ليس هو بزكويّ بما حكم به في نظائرها من الأموال الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم دليل اقتضى العدول وهو الآية. وقال البزدوي: الاستحسان هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو تخصيص القياس بدليل أقوى منه . وقال الكمال بن الهمام: الحنفية قسموا القياس: إلى جلي، وخفي، فالأول: القياس، والثاني: الاستحسان، فهو القياس الخفي بالنسبة إلى قياس ظاهر متبادر، ويقال لما هو أعم من القياس الخفي أي: كل دليل في مقابلة القياس الظاهر من نص كالسلم، أو إجماع كالاستمتاع، أو ضرورة كطهارة الحياض والآبار، فمنكره لم يدر المراد به، أي: عند القائلين به. وقال الباجي: الاستحسان هو القول بأقوى الدليلين. يقول القرافي: وعلى هذا يكون حجة إجماعاً وليس كذلك. ذكر محمد بن خويز منداد: معنى الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك هو: القول بأقوى الدليلين، كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر، وتخصيص الرعاف دون القيء بالبناء، للحديث فيه؛ وذلك لأنه لو لم ترد سنة بالبناء في الرعاف، لكان في حكم القيء في أنه لا يصح البناء؛ لأن القياس يقتضي تتابع الصلاة، فإذا وردت السنة في الرخصة بترك التتابع في بعض المواضع صرنا إليه، وأبقينا الباقي على الأصل. = ٤٨١ بدائع الصنائع ج٦ - ٣١٢ ٤٨٢ کتاب الاستحسان في بيان معنى اسم الكتاب. وفي بيان أنواعه المحظورات والمباحات المجموعة فيه. أما الأول: فالاستحسان يذكر ويراد به كون الشيء على صفة الحسن، ويذكر ويراد به فعل المستحسن، وهو رؤية الشيء حَسَناً، يُقال: استحسنت كذا، أي: رأيته حسناً، فاحتمل تخصيص هذا الكتاب بالتسمية بالاستحسان لاختصاص عامة ما أورد(١) فيه من الأحكام بحسن ليس في غيرها؛ ولكونها على وجه يستحسنها العقل والشرع. قال: وهذا الذي ذهب إليه هو الدليل، فإن سماه استحساناً، فلا مشاحة في التسمية. وقال القرافي: قال به مالك في عدة مسائل في تضمين الصناع المؤثرين في الأعيان بصنعتهم، وتضمين الحمالين للطعام والأدم دون غيرهم من الحمالين. وقال الشاطبي: الاستحسان عندنا وعند الحنفية: هو العمل بأقوى الدليلين، فالعموم إذا استمر، والقياس إذا اطرد، فإن مالكاً وأبا حنيفة يريان: تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى. ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس، ويريان معاً: تخصيص القياس، ونقض العلة. الاستحسان: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص. ابن قدامة: الاستحسان له ثلاثة معان: أحدها: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة. ثانيها: ما يستحسنه المجتهد بعقله . ثالثها: معنى ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه. ابن بدران: كلام أحمد يقتضي أن الاستحسان: عدول عن موجب قياس لدليل أقوى. واعلم: أنه إذا حرر المراد بالاستحسان زال التشنيع، وأبو حنيفة بريء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة. ينظر: البحر المحيط للزركشي: (٨٧/٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (١٣٦/٤)، ونهاية السول للإسنوي: (٣٩٨/٤)، ومنهاج العقول للبدخشي: (١٨٧/٣)، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري (١٣٩)، والتحصيل من المحصول للأرموي: (٣١٨/٢)، والمنخول للغزالي (٣٧٤)، وحاشية البناني: (٣٥٣/٢)، والإبهاج لابن السبكي: (١٨٨/٣)، والآيات البينات لابن قاسم العبادي: (٤/ ١٩٣)، وحاشية العطار على جمع الجوامع: (٣٩٤/٢)، والمعتمد لأبي الحسين: (٢٩٥/٢)، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي (٦٨٧)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: (٦/ ١٩٢)، وكشف الأسرار للنسفي: (٢/ ٢٩٠)، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: (٢٨٨/٢)، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: (٨٣/٢)، ونسمات الأسحار لابن عابدين (٢٢٤)، تقريب الوصول لابن جُزيّ (١٤٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢٤٠)، وينظر: منتهى السول والأمل (٢٠٧)، والوصول لابن برهان: (٢/ ٣٢٠)، وأحكام الفصول (٦٨)، والحدود (٦٥)، وشرح تنقيح الفصول (٤٥١). (١) في ب: أودع. ٤٨٣ کتاب الاستحسان وأما التسمية بالحظر والإباحة فتسمية طَابَقَتْ معناها وافقت مقتضاها؛ لاختصاصه ببيان جملة من المحظورات والمباحات، وكذا التسمية بالكراهة؛ لأنَّ الغالب فيه بيان المحرمات، وكل محرم مكروه في الشرع؛ لأن الكراهة ضد المحبة والرضا؛ قال الله (تبارك وتعالى): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرِّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] والشرع لا يحب الحرام ولا يرضى به إلا أن ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به من نصِّ الكتاب العزيز أو غير ذلك، فعادة محمد أنه يسميه حراماً على الإطلاق، وما تثبّت حرمته بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحادِ وأقاويل الصحابة الكرام (رضي الله عنهم) وغير ذلك يسميه مكروهاً، وربما يجمع بينهما فيقول: حرامٌ مكروه؛ اشعاراً منه أَن حرمته ثبتت بدليل ظاهر لا بدليل قاطع. وأما بيان أنواع المحرمات والمحلات المجموعة فيه فنقول؛ وبالله (تعالى) التوفيق: المحرماتُ المجموعةُ في هذا الكتاب في الأصل نوعان: نوع ثبتت حرمته في حق الرجال والنساء جميعاً . ونوع ثبتت حرمته في حق الرجال دون النساء. أما الذي ثبتت حرمته في حق الرجال والنساء جميعاً، فبعضها مذكور في مواضعه من(١) الكتب، فلا نعيده ونذكر ما لا ذكر له فى الكتب، ونبدأ بما بدأ به محمدٌ (رحمه الله) الكتاب، وهو حرمة النظر والمس؛ والكلام فيها في ثلاث مواضع: أحدها: في بيان ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من المرأة والمرأة من الرجل. والثاني: في بيان ما يحل ويحرم للرجل من الرجل. والثالث: في بيان ما يحل ويحرم للمرأة من المرأة. أما الأول: فلا يمكن الوصول إلى معرفته إِلاَّ بعد معرفة أنواع النساء، فنقول وبالله (تعالى) التوفيق، النساءُ في هذا الباب سبعة أنواع: نوعٌ مِنْهُنَّ المنكوحات، ونوع منهم المملوكات، ونوع منهن ذوات الرحم المحرم، وهو الرحم المحرم للنكاح؛ كالأمّ والبنتِ والعمَّةِ والخالة، ونوعٌ منهن ذوات الرحم بلا محرم، وهن المحارم من جهة الرضاع والمصاهرة، ونوع منهنَّ مملوكات الأغيار، ونوعٌ منهنّ من لا رحم لهن أصلاً ولا محرم؛ وهن الاجنبيات الحرائر؛ ونوع منهن ذوات الرحم بلا محرم، وهو الرحم الذي لا يحرم النكاح؛ كبنتِ العمِّ والعمةِ والخالِ والخالة. (١) في ط: في. ٤٨٤ كتاب الاستحسان أما النوعُ الأول: وهو المنكوحات فيحل للزوج النظر إلى زوجته ومسها من رأسها إلى قدمها؛ لأنه يحلُّ له وطؤها؛ لقوله (تعالى): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مُلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] وأنه فوق النظر والمس، فكان [إحلاله](١) إحلالاً لهما من طريق الأولى، إِلاَّ أنه لا يحل له وطؤها في حالة الحيض؛ لقوله (تبارك وتعالى): ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىَ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فصارت حالة الحيض مخصوصة عن عموم النص الذي تلونا، وهل يحل الاستمتاع بها فيما دون الفرج. اختلف فيه . قال أبو حنيفة وأبو يوسف (رضي الله عنهما) لا يحل الاستمتاع [إلا] (٢) بما فوق الإِزار. وقال محمدٌ (رحمه الله) يجتنب شعار الدم، وله ما سوى ذلك(٣). واختلف المشايخ في تفسير قولهما: بما فوق الإِزار. قال بعضُهم: المراد به ما فوق السرة(٤)، فيحل الاستمتاع بما فوق سرتها ولا يباح بما تحتها إِلى الركبة، وقال بعضُهم: المراد منه مع الإِزار فيحل الاستمتاع بما تحت سرتها سوى الفرج، لكن مع المئزر لا مكشوفاً، ويمكن العمل بعموم قولهما: بما فوق الإِزار، لأنه يتناول ما فوق السرة وما تحتها سوى الفرج مع المئزر؛ إذ كل ذلك فوق الإِزار فيكون عملاً بعموم اللفظ، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. (١) سقط من ط . (٢) سقط من ط . (٣) اتفق أهل العلم على تحريم غشيان الحائض، ومن فعله عالماً عصى، ومن استحله كفر، لأنه محرم بنص القرآن، ولا يرتفع التحريم حتى ينقطع الدم وتغتسل عند أكثر أهل العلم، وهو قول سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، وإليه ذهب عامة العلماء، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ أي: اغتسلن. أما مخالطة الحائض ومضاجعتها ومباشرتها فوق الإزار، فغير حرام بالاتفاق، واختلفوا فيما تحت الإزار، فذهب أكثرهم إلى تحريمه خوفاً من أن يقع في الحرام، قال النبي ◌َِّ: «مَنْ رَتَعَ حولَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِیه» . يروى ذلك عن عمر، وابن عمر، عن عائشة، وهو قول سعيد بن المسيّب، وشريح، وعطاء، وطاوس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة رضي الله عنهم. ورخص فيه بعضهم دون الفرج، وهو قول عكرمة ومجاهد، وبه قال إسحاق، وأبو يوسف ومحمد، والأول أصح. ينظر: شرح السنة (٤٠٩/١، ٤١١). (٤) في ب: سرتها. ٤٨٥ کتاب الاستحسان وجه قول محمد ظاهرُ قَوْلِهِ (تبارك وتعالى): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] جعل الحيض أذى فتختص الحرمة بموضع الأذى، وقد روي أن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) سُئلت عَمَّا يحلُّ للرجل من امرأته الحائض، فقالت: يَتَّقِي شعارَ الدم، وله مَا سوى ذلك(١). ووجه قولهما روي عَنْ رسول الله وَّرَ أنه قال: ((لَهَا (٢) مَا تَخْتَ السُّرَّةِ وَلَهُ مَا فَوْقَهَا))(٣). وروي أنَّ أزواجَ النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) كن إذا حضن أمَرَهُنَّ أن يتزرن ثم يضاجعهن، ولأَن الاستمتاع بها بما يقرب من الفرج سببُ الوقوع في الحرام. قال رسول الله وَّه: ((أَلاَ إِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، فَمَنْ حَامَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»(٤) وفي روايةٍ: ((مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ)). والمستمتعُ بالفَخِذِ يحومُ حول الحمى، ويرتعُ حوله، فيوشك أن يقع فيه، دلَّ أن الاستمتاع به سببُ الوقوع في الحرام، وسببُ للحرام حرامٌ أصله الخلوة بالأجنبية. وأما الآية الكريمة فحجةٌ عليه؛ لأن ما حول الفرج لا يخلو عن الأَذى عادة، فكان الاستمتاع به استعمال الأذى، وقول سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) له ما سوى ذلك، أي: مع الإِزار، فحمل على هذا توفيقاً بين الدلائل؛ صيانةً لها عن التناقض. وكذلك المرأة يحلُّ لها النظرُ إلى زَوْجِهَا [واللمسُ من فرقه](٥) إِلى قدمه؛ لأَنَه حِلٌّ لها ما هو أكثر من ذلك، وهو التمكينُ من الوطء فهذا أولى، ويحل النظر إلى عين فرج المرأة المنكوحة؛ لأَن الاستمتاع به حلالٌ، فالنظر إليه أولى، إِلاَّ أن الأدبَ غَضَّ البصر عنه من الجانبين، لما روي عن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: قُبض رسولُ اللهِ وَّةٍ وما نظرتُ إلى ما منه، ولا نظر إلى ما مني))(٦). ولا يحلُّ إِتيان الزوجة (٧) في دبرها؛ لأَن الله (تعالى عزَّ شأنه) نهى عن قربان الحائض، ونبه على المعنى، وهو كون المحيض أذى، والأذى في ذلك المحل أفحش وأذم(٨)، فكان أولى بالتحريم . وروي عن سيدنا عليّ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرِ قال: ((مَنْ أَتَى حَائِضاً أَوِ امْرَأَةً (١) تقدم في الطهارة. (٢) في ط: لنا. (٣) تقدم في النكاح. (٤) تقدم. (٥) في ب: والمس من قرنه. (٦) تقدم تخريجه في كتاب النكاح. (٧) في ب: المرأة. (٨) في ب: وأدون. ٤٨٦ کتاب الاستحسان فِي دُبْرِهَا، أَوْ أَتَى كَاهِنَا فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ، فَهُوَ كَافِرِ، بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ◌َِ))(١) [وروي أنه عليه السلام](٢) نهى عن إتيان النساء في محاشهن، أي: أدبارهن وعلى ذلك جاءت الآثار من الصحابة الكرام (رضي الله تعالى عنهم) أنها سميت اللوطية (٣) الصغرى؛ ولأن حل الاستمتاع في الدنيا لا يثبت لحق قضاء الشهوات خاصَّةً؛ لأن لقضاء الشهوات خاصة داراً أخرى، وإِنما يثبت لحق قضاء الحاجات، وهي حاجة بقاء النسل إلى انقضاء الدنيا، إِلاَّ أنه ركبت الشهوات في البشر للبعث على قضاء الحاجات، وحاجة النسل لا تحتمل الوقوع في الأدبار، فلو ثبت الحل لثبت لحق قضاء الشهوة خاصه، والدنيا لم تخلق له(٤). (١) تقدم. (٢) سقط من ط . (٣) في ب: الوطيئة. (٤) قال العلامة القرطبي في تفسيره عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم ... ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. هذه الأحاديث نصّ في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث؛ أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة؛ فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحاً، ولا يباح! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم. و((حرث)) تشبيه؛ لأنهن مزدرع الذرية؛ فلفظ ((الحرث)) يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع: وأنشد ثعلب: إنما الأرحام أر ضون لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترث، ووحد الحرث لأنه مصدر؛ كما يقال: رجل صوم، وقوم صوم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة؛ كما ذكرنا آنفاً. و((أَنَّى)) تجيء سؤالاً وإخباراً عن أمر له جهات؛ فهو أعم في اللغة من ((كيف)) ومن ((أين)) ومن ((متى))؛ هذا هو الاستعمال العربي في ((أَنَّى)). وقد فسر الناس ((أنى)) في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبويه بـ(كيف)) ومن ((أين)) باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسّرها بـ((أين)) إلى أن الوطء في الدبر مباح؛ وممن نسب إليه هذا القول: سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى ((كتاب السر)). وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب؛ ومالك أجل من أن يكون له ((كتاب سر)). ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول. إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب ((جماع النسوان وأحكام القرآن)). وقال إلكيا الطبري: وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأساً؛ ويتأول فيه قول الله عز وجل: ﴿أَتَأْتُونَ الذّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَّقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥]. وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم؛ ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مثلاً له؛ حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكيا: وهذا فيه نظر، إذ معناه : = ٤٨٧ کتاب الاستحسان وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتك؛ ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعاً؛ فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَأَتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ما يدل على أن في المَأْتى اختصاصاً، وأنه مقصور على موضع الولد. قلت: هذا هو الحق في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به؛ إلا شيئاً جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها؛ والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعاً للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضاً على أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث؛ لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل؛ فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم؛ ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض، فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين؛ وأخرج يده عاقداً بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة؛ وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناساً بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك؛ فنفر من ذلك؛ وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا عليّ، كذبوا عليّ، كذبوا عليّ! ثم قال: ألستم قوماً عرباً؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاوَكُمْ حَرِثْ لَكُمْ﴾؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيه، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله ويّلي اثنا عشر صحابياً بمتون مختلفة؛ كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار؛ ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه ((تحريم المحل المكروه)). ولشيخنا أبي العباس أيضاً في ذلك جزء سماه ((إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار)). قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله؛ وهذا هو اللائق به رضي الله عنه. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه. وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض بهنّ؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر؛ فال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين. وأسند عن خزيمة بن ثابت: سمعت رسول الله وَّل يقول: ((أيها الناس إن الله لا يستحي من الحقّ لا تأتوا النساء في أعجازهن)). ومثله عن علي بن طَلْق. وأسند عن أبي هريرة عن النبي ◌َ التر قال: ((من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة)) وروى أبو دود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن = ٤٨٨ کتاب الاستحسان وأما النوع الثاني: وَهُنَّ المملوكات، فحكمهنَّ حُكْمُ المنكوحات، فيحل للمولى النظر إلى سائر بدن جاريته ومسها من رأسها إلى قدمها؛ لأَنّه حَلَّ له ما هو أكثر منه؛ لقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] الآية إِلاَّ أن حالة الحيض صارت مخصوصة، فلا يقربها في حالة الحيض، ولا يأتي في دُبُرِهَا لما ذكرنا من الدلائل، وفي الاستمتاع بها فيما دون الفرج على الاختلاف. وكذا إذا ملكها بسائر أسباب الملك، لا يحل له أَنْ يَقْرَبَهَا قبل أن يستبرئها . والأَصل فيه ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ أنه قال في سَبَايَا أوطاسٍ: ((أَلاَ لاَ تُوَطأُ الحَبَالَى ولأن فيه خوف اختلاط المياه، وقد قال حَتَّى يَضَعْنَ، وَلاَ الحَبَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئنِ بِحَيْضَةٍ))(١) رسولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَزِعَ غَيْرِهِ»(٢) وكذا فيه، وهم ظهور الحبل بها فيدعيه ويستحقها، فيتبين أنه يستمتع بملك الغير. وأما الدواعي من القُبْلَةِ، والمعانقة، والنظر إلى الفرج عن شهوةٍ، فلا يحل عند عامة العلماء إلا في المسبية، وقال مكحول (رحمه الله): يحلُّ. وجه قوله: أَنَّ الملك في الأصل مطلق التصرف؛ ولهذا لم تحرم الدواعي في المسبية ولا على الصائم، فكان ينبغي أن لا يحرم القربان أيضاً إِلاَّ أن الحُزْمَةُ عرفناها بالنصِ، فتقتصر الحرمة على مورد النص، على أَنَّ النص إِن كان معلولاً بخوف اختلاط المياه، فهذا معنى لا يحتمل التعدية إلى الدواعي، فلا يتعدى إليها . وجه قول العامة أَن حرمة القربان إنما تثبت خوفاً عن توهم العلوق وظهور الحبل، وعند الدعوة والاستحقاق يظهر أن الاستمتاع صادف ملك الغير، وهذا المعنى موجودٌ في الدواعي من المستبرأة ونحوها، فيتعدى إِليها ولا يتعدى في المسبية، فيقتصر الحكم فيها على مَوْرِدٍ النصِّ؛ ولأن الاستمتاع بالدواعي وسيلةٌ إلى القربان، والوسيلةُ إلى الحرام حرامٌ أصله الخلوة؛ وهذا أولى لأن الخلوة في التوسل إلى الحرام دون المس، فكان تحريمهاَ تحريماً للمس بطريق الأولى؛ كما في تحريم التأفيف من الضرب والشتم، وَمَنِ اعتمد على هذه النكتة منع فضل عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ﴿ قال: ((تلك اللوطية الصغرى)) يعني إتيان المرأة في دبرها. ورُوي عن = طاوس أنه قال: كان بدء عمل قوم لوطٍ إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله ◌َّر استغني به عما سواه. ينظر: القرطبي (٦٢/٣ - ٦٤). (١) تقدم. تقدم تخريجه . (٢) ٤٨٩ كتاب الاستحسان المسبية، وزعم أن لا نص فيها عن أصحابنا وهو غير سديدٍ؛ فإنَّ حِلَّ الدواعي من المسبية منصوصٌ عليه من محمدٍ (رحمه الله) فلا يستقيم المنع، فكان الصحيح هو العلة الأولى وحرمة الدواعي في باب الظهار والإِحرام ثبت لمعنى آخر ذكرناه في ((كتاب الحج)) و((الظهار)). وأما النوع الثالث: وهو ذوات(١) الرحم المحرم، فيحل للرجل النظر من ذوات محارمه إلى: رَأْسِهَا، وَشَعْرِهَا، وأذنيها، وصدرها، وعضدها، وثديها، وساقها، وقدمها؛ لقوله (تبارك وتعالى): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِيَنَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] نَهَاهُنَّ (سبحانه وتعالى) عن إِبداء الزينة مطلقاً، واستثنى (سبحانه) إِبداءها للمذكورين في الآية الكريمة، منهم ذو الرحم المحرم، والاستثناء من الحظر إباحةٌ في الظاهر. والزينةُ نوعان: ظاهرةٌ، وهو الكحل في العين والخاتم في الأصبع والفتخة (٢) للرجل. وباطنةٌ، وهو العصابة للرأس، والعقاص للشعر، والقرط للأذن، والحمائل للصدر، والدملوج للعضد، والخلخال للساق، والمراد من الزينة مواضعها لا نفسها؛ لأن إبداء نفس الزينة ليس بمنهي، وقد ذكر (سبحانه وتعالى) الزينة مطلقة فيتناول النوعين جميعاً، فيحل النظر إليها بظاهر النص؛ ولأن المخالطة بين المحارم للزيارة وغيرها ثابتة عادة، فلا يمكن صيانة مواضع الزينة عن الكشف إِلاَّ بحرج وأنه مدفوع شرعاً، وكُلُّ ما جاز النظر إِليه منهن من غير حائل، جَازَ مَسُهُ؛ لأن المحرم يحتاج إلى إِركابها وإنزالها في المسافرة معها، وتتعذر صيانة هذه المواضع عن الانكشاف، فيتعذر على المحرم الصيانة عن مس المشكوف؛ ولأنَّ حرمة النظر إلى هذه المواضع ومسها من الأجنبيات إِنما ثبت خوفاً عن حصولٍ(٣) الشهوة الداعية إلى الجماع، والنظر إلى هذه الأعضاء ومسها في ذوات المحارم لا يورثُ الشهوةَ؛ لأَنَهما لا يكونان للشهوة عادة، بل للشفعة، ولهذا جرت العادة فيما بين الناس بتقبيل أمهاتهم وبناتهم. وقد رُوِيَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَه كان إذا قدم من الغزو قَبَّلَ رَأْسَ السيدة فاطمة (رضي الله عنها)، وَهَذَا إذا لَمْ يَكُنْ النظر والمس عن شهوة، ولا غلب على ظنه أنه لا يشتهي، فأما إذا كان يشتهي أَو كان غالب ظنه وأكبر رأيه أنه لو نظر أو مس اشتهى، لم يجز له النظر والمس؛ لأنه يكون سبباً للوقوع في الحرام يكون حراماً، ولا بأس أن يسافر بها إذا أمن الشهوة، لما روي عَنْ رسول الله وَر أنه قال: ((لاَ يَحِلُّ لاِرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ ثَلاثَاً فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ محرمٍ مِنْهَا))(٤) ولأَن الذي يحتاج المحرم إِليه في السفر (١) في ط: ذات. (٢) وهي خاتم أصبع الرجل كما سيأتي تفسير المصنف لها. (٣) في ب: إثبات. (٤) تقدم في الحج. ٠ ٤٩ كتاب الاستحسان معها في الحمل والإنزال، ويحل له مسها، فتحل المسافرة معها؛ وكذا لا بأس بأَنْ يخلو بها إذا أمن على نفسه؛ لأنه لما حل المس، فالخلوة أَوْلَى، فإن خاف على نفسه لم يفعل؛ لما روي عَنْ رسولِ اللهِ وَّر أنه قال: ((لاَ يَخْلُوَنَّ الرَّجُلُ بِمُغِيَبةٍ وَإِنْ قَبِلَ حَمُوهَا، أَلاَّ حَمُوهَا المَوْتُ))(١) وهو محمولٌ على حالةِ الخوف أو يكون نهي ندبِّ وتنزيهِ، والله أعلم. ولا يحل النظر إلى بطنها وظهرها وإلى ما بين السرة والركبة منها ومسها؛ لعموم قوله (تبارك وتعالى): ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ .... ) الآية [النور: ٣٠]، إِلاَّ أنه (سبحانه وتعالى) رَخْصّ النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة؛ بقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَلاَ ﴾ الآية [النور: ٣١] فبقي غض البصر عما وراءها يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولِتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... مأموراً به وإذا لم يحل النظر فالمس أولى؛ لأنه [أقوى، ولأن](٢) رخصة النظر إلى مواضع الزينة للحاجة التي ذكرناها، ولا حاجة إلى النظر إلى ما وراءها، فكان النظر إليها بحق الشهوة، وإنه حرامٌ؛ ولأن الله (تبارك وتعالى) جعل الظهار منكراً مِنَ القول وزوراً، والظهار ليس إِلاَّ تشبيه المنكوحة بظهر الأُمُّ في حَقِّ الحرمة ولو لم يكن ظهر الأُم حرامُ النظرِ والمسُ، لم يكن الظهار منكراً مِنَ القولِ وزوراً فيؤدي إلى الخلف في خبر من يستحيل عليه الخلف. هذا إِذا كانت هذه الأَعضاء مكشوفة، فأَمَّا إذا كَانَتْ مستورة بالثياب واحتاج ذو الرحم المحرم إِلى إِركابها وإنزالها، فلا بأس بأن يأخذَ بَطْنَها أو ظهرها أو فَخْذَهَا من وراءِ الثوبِ إِذا كان يأمن على نفسه؛ لما ذكرنا أنَّ مَسَّ ذوات الرحم المحرم لا يورث الشهوة عادةً؛ خصوصاً من وراء الثوب؛ حتى لو خاف الشهوة في المس لا يمسه، وليجتنب ما استطاع، وكل ما يحل للرجل من ذوات الرحم المحرم منه من النظر والمس يحل للمرأة ذلك من ذي رحمٍ محرم منها، وكُلُّ ما يحرم عليه يحرم عليها، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم. وأما النوع الرابعُ: وهو ذوات المحرم بلا رحم فحكمهنَّ حكم ذوات الرحم المحرم، وقد ذكرناه، والأصلُ فيه قولُ النبيِّ (عليه الصلاة والسلام): ((يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»(٣). وروي أن أفلح بن أبي قيس(٤) (رحمه الله) استأذن أَنْ يدخلَ على سيدتنا عائشة (رضي الله تعالى عنها) فسألت رسولَ اللهِ وَّر عن ذلك، فقال (عليه السلام): ((لِيَلِجْ عَلَيْكِ (١) تقدم في النكاح. (٢) سقط من ط. (٣) تقدم في النكاح. (٤) عم عائشة من الرضاعة. قال ابن منده: عداده في بني سليم وقال أبو عمر: يقال: إنه من الأشعريين. ينظر الإصابة (١/ ٢٥٠)، أسد الغابة (٢٠٤)، الثقات (١٥/٣)، جامع الرواة (١٠٧/١). ٤٩١ کتاب الاستحسان [أفلح)] (١) فَإِنَّهُ عَمُّكِ، أَرْضَعَتَكِ امْرَأَةُ أَخِيهِ))(٢). وأما النوع الخامس: وهو مملوكات الأَغيار، فَحُكْمُهُنَّ أيضاً في حل النظر والمس وحرمتهما حُكْمُ ذوات الرحم المحرم، فيحل النظر إلى مواضع الزينة منهن ومسها، ولا يحل ما سوى ذلك. والأصل فيه ما روي أَنَّ رسولَ الله وَلِّ مس ناصية أَمَةٍ، وَدَعَا لها بالبركة. وروي أنَّ سيدنا عمر (رضي الله تعالى عنه) رأى أمةً متقنعةً، فعلاها بالدرة، وقال: أَلْقِي عنك الخمارَ يا دفار، أَتَتَشَبَّهِينَ بالحرائرِ، فدلَّ على حل النظر إِلى رأسها وشعرها وأذنها. ورُوِيَ عن سيدنا عمر (رضي الله تعالى عنه) أنه مَرَّ بجاريةٍ(٣) تعرض على البيع فضرب بيده على صدرِها، وقال: اشتروا، ولو كان حراماً لم يتوهم منه (رضي الله عنه) أَنْ يَمَسَّها؛ ولأن بالناس حاجة إلى النظر إلى هذه المواضع ومسها عند البيع والشراء، لمعرفة بشرتها من اللين والخشونة ونحو ذلك؛ لاختلاف قيمتها باختلاف أطرافها، فألحقت بذواتِ الحرم المحرم؛ دفعاً للحرج عن الناسٍ؛ ولهذا يحل بهنّ المسافرة بلا محرم ولا حاجة إلى المس والنظر إِلى غيرها؛ لأنها تصير معلومة بالنظر إلى الأطراف ومسها، وهذا إِذا أمن على نفسه الشهوة. فإنْ لَمْ يَأْمَنْ وخاف على نفسه أنْ يشتهي لو نظر أو مس، فلا بأس أن ينظر إِليها، وإِن اشتهى إِذا أراد أن يشتريها [لأنه يحتاج أن يشتريها] (٤) فلا بد له من النظر، لما قلنا، فيحتاج إلى النظر فصار النظر من المشتري بمنزلة النظر من الحاكم والشاهد والمتزوج، فلا بأس بذلك، وإِن كان عن شهوة؛ فكذا هذا؛ وكذا لا بأس له أن يمس، وإِن اشتهى إِذا أراد أن يشتريها عند أبي حنيفة (رضي الله عنه). وروي عن محمدٍ (رحمه الله) أنه يكره للشابَّ مَسَّ شيء من الأمة. والصحيحُ قول أبي حنيفة (رضي الله عنه)؛ لأَن المشتري يحتاج إلى العلم ببشرتها، ولا يحصل ذلك إلا باللمس فرخص للضرورة. وكذا يحل للأمة النظر [إلى الرجل](٥) والمس من الرجل الأجنبي ما فوق السرة ودون الركبة إِلاَّ أَن تخاف الشهوة فتجنب كالرجل، وكلُّ جوابٍ عرفته في القنة(٦)، فهو الجواب المُدَبَّرَةِ وأم الولد لقيام الرق فيهما. (١) سقط من ط. (٢) تقدم في الرضاع. (٣) في ب: رأى جارية. (٤) سقط من ط. (٥) سقط من ط . (٦) في ب: الأمة. ٤٩٢ كتاب الاستحسان وأما النوع السادس: وهن(١) الأَجنبيات الحرائر، فلا يحل النظر للأجنبي من الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إِلَّ الوجه والكفين، لقوله (تعالى): ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] إِلاَّ أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص بقوله (تعالى): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَّهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] والمراد من الزينة مواضعها؛ ومواضع الزينة الظاهرة الوجه والكفان، فالكحلُ زينةُ الوجهِ، والخاتم زينة الكف؛ ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء ولا يمكنها ذلك عادةً إِلاَّ بكشفِ الوجه والكفين، فيحل لها الكشف، وهذا قول أبي حنيفة (رضي الله عنه). وروى الحسن عَنْ أبي حنيفة (رحمهما الله) أنه يحل النظر إلى القدمين أيضاً. وجه هذه الرواية ما روي عن سيدتنا عائشة (رضي الله تعالى عنها) [أنها قالت](٢) في قوله (تبارك وتعالى): ﴿إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] [أنه](٣) القلبُ والفتحةُ (٤) وهي خاتمُ أصبع الرجْلِ، فَدَلَّ على جواز النظر إلى القدمين؛ ولأن الله (تعالى) نهى عن إبداء الزينة واستثنى ما ظهر منها والقدمان ظاهرتان؛ أَلاَ ترى أَنَّهما يظهران عند المشي، فكانا من جملة المستثنى من الحظر فيباح إبداؤهما . وجه ظاهر الرواية ما رُوِيّ عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال في قوله (جلَّ شأنه): ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أنه الكحل والخاتم، وروي عنه في رواية أخرى أنه قال: الكفُّ والوجه(٥)، فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهي؛ ولأن إباحة النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء، ولا حاجة إلى كشف القدمين، فلا يباح النظر إليهما، ثم إِنما يحل النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منها من غير شهوة، فَأَمَّا عن شهوة فلا يحل؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((تَزْنِيَانِ وَلَيْسَ زِنَا العَيْنَيْنِ إِلاَّ النَّظَرُ عَنْ شَهْوَةٍ))(٦) ولأن النظر عن شهوة سبب الوقوع في الحرام، فيكون حراماً إِلاَّ في حالة الضرورة بأن دعي إِلى شهادة، أو كان حاكماً، فأراد أن ينظر إليها ليجيز إِقرارها عليها، فلا بأس أن ينظر إلى وجهها، وإِن كان لو نظر إليها لاشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك؛ لأن الحرمات قد يسقط اعتبارها لمكان الضرورة. (١) في ط: وهو. (٢) سقط من ط. (٣) سقط من ط. (٤) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٧٥/٥) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. (٥) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٧٥/٥) وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد. (٦) تقدم تخريجه. ٤٩٣ كتاب الاستحسان ألا ترى أنه خص النظر إلى عينِ الفرج لمن قصد إقامة حسبة الشهادة على الزنا، ومعلوم أن النظر إلى الفرج في الحرمة فوقَ النظر إلى الوجه، ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة، فهذا أولى؛ وكذا إِذا أَرَادَ أَنْ يتزوج امرأة، فلا بأس أن ينظر إِلى وجهها، وإِن كان عن شهوة؛ لأن النكاح بعد تقديم النظر أدل على الألفة والموافقة الداعية إِلى تحصيل المقاصد، على ما قال النبي (عليه الصلاة والسلام) للمغيرة بن شعبة (رضي الله عنه) حين أَرَادَ أَنْ يتزوج امرأة: ((اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَخْرَى أَنْ يَدُومَ بَيْنَكُمَا)) دعاه(١) (عليه الصلاة والسلام) إلى النظر مطلقاً، وعلل (عليه الصلاة والسلام) بكونه وسيلةً إلى الأُلفة والموافقة . وَأَمَّا المرأةُ فلا يحلُّ لها النظر من الرجل الأجنبي ما بين السرة إلى الركبة، ولا بأس أن تنظر إلى ما سوى ذلك إِذا كانت تأمن على نفسها . والأفضلُ للشابٌ غض البصر عن وجه الأجنبية، وكذا الشابة؛ لما فيه من خوفِ حدوثٍ الشهوة والوقوع في الفتنة، يؤيده المروي عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنهما) أنه قال في قوله (تبارك وتعالى): ﴿إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أنه الرداء والثياب(٢)، فَكَان غض البصر وترك النظر أَزْكَى وَأَظْهَرَ، وذلك قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وروي أَنَّ أعميين دَخَلاَ على رسول الله وَلَهُ وعنده بعضُ أزواجه؛ سيدتنا عائشة (رضي الله تعالى عنها) وأخرى، فقال لهما: ((قُوَما))، فقالتا: إِنَّهُمَا أعميان يا رسول الله، فقال (١) أخرجه أحمد (٢٤٤/٤ - ٢٤٥) والدارمي (١٣٤/٢) كتاب النكاح، باب الرخصة في النظر للمرأة عند الخطبة والترمذي (٣٩٧/٣) كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، حديث (١٠٨٧) والنسائي (٦٩/٦) كتاب النكاح باب إباحة النظر قبل التزويج، وابن ماجه (٦٠٠/١) كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها حديث (١٨٦٦) وعبد الرزاق (١٣٣٥) وسعيد بن منصور رقم (٥٥١ - ٥١٨) وابن الجارود ص (٢٢٦) كتاب النكاح حديث (٦٧٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٤) كتاب النكاح، باب الرجل يريد تزوج المرأة هل يحل له النظر إليها أم لا؟ والدارقطني (٢٥٢/٣) كتاب النكاح، باب المهر، حديث (٣١) والبيهقي (٧/ ٨٤) كتاب النكاح باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها. والخطيب في التاريخ (٧/ ٣٤٤) والبغوي في شرح السنة (٥/ - بتحقيقنا) من طريق عاصم الأحول عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة قال: ((خطبت امرأة فذكرتها لرسول الله وصل# فقال لي: هل نظرت إليها؟ فقلت: لا. قال: فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». (٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٧) عن ابن مسعود قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٧٤/٥) وعزاه إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه. ٤٩٤ کتاب الاستحسان لهما: أَعَمْيَاوَانٍ(١) أَنْتُمَا))؟ إِلا إِذا لم يكونا من أهل الشهوة؛ بأن كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما . والعبد فيما ينظر إلى مولاته كالحرّ الذي لا قرابة بينه وبينها سواء؛ وكذا الفحل، والخصيُّ، والعنين، والمخنث إِذا بَلَغَ مبلغ الرجال - سواءٌ؛ لعموم قوله (تبارك وتعالى): ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وإِطلاق قوله (عزَّ شأنه): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ولأن الرِّقَّ والخصاء لا يعدمان الشهوة وكذا العنةُ والخنوثة. أما الرق فظاهر، وأما الخصاء فإِن الخصيَّ رَجُلٌ، إِلا أنه مُثُلَ به، إِلى هذا أشارت سيدتُنا عائشة (رضي الله عنها) فقال: أنه رجلٌ مُثْلَ به، أفتحلُّ له المثلةُ ما حَرَّمَ اللَّهُ (تبارك وتعالى) عَلَى غيره؟ وأما العنة والخنوثة فالعنين والمخنث رجلان، فإن قيل: أليس إن المملوك بملك اليمين ﴾ [النور: ٣١] إلى للمرأة مستثنى من قوله (جلَّ وعلا): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِيُعُولَتِهِنَّ. قوله (عزَّ شأنه): ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] من غير فصل بين العبد والأمة والاستثناء من الحظر إِباحةٌ. فالجوابُ: أن قولَهُ (سبحانه وتعالى): ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ينصرف إِلى الإماء؛ لأن حكم العبيد صار معلوماً بقوله (سبحانه وتعالى): ﴿أَوِ الَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِزْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] إِذ العبد من جملة التابعين من الرجال، فكان قوله (عزَّ شأنه): ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] مصروفاً إِلى الإِماء؛ لئلا يؤدي إِلى التكرار. (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٦٢) كتاب اللباس: باب قول الله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ حديث (٤١١٢) والترمذي (٩٤/٥) كتاب الأدب: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال حديث (٢٧٧٨) وأحمد (٢٩٦/٦) والنسائي في ((الكبرى)) (٣٩٣/٥) كتاب عشرة النساء: باب نظر النساء إلى الأعمى حديث (٩٢٤١، ٩٢٤٢) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١١٦/١) وأبو يعلى (٣٥٣/١٢) رقم (٦٩٢٢) وابن حبان (١٩٦٨ - موارد) والفسوى في ((المعرفة والتاريخ)) (٤١٦/١) والبيهقي (٩١/٧ - ٩٢) وابن سعد في ((الطبقات)) (١٢٦/٨) كلهم من طريق الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان. قال الحافظ في ((الفتح)» (٣٣٧/٩): وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عنها وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته. اهـ. ٤٩٥ كتاب الاستحسان فإن قيل: حُكْمُ الإِماء صار معلوماً بقوله (تبارك وتعالى): ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ فالصرف إِليهنَّ يؤدِي إِلى التكرار أيضاً. فالجوابُ: أن المراد بالنساء الحرائر، فوقعت الحاجة إلى تعريف حكم الإِماء، فأبان بقوله (جلَّ شأنه): ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أَنَّ حُكْمَ الحرَّةِ والأمة فيه سواءٌ. وروي عن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: كَانَ يدخِلُ على نساء رسول الله وَ﴿ مخنثٌ، فكانوا يعدونه مِنْ غيرِ أولِي الإِزْبَةِ، فَدَخَلَ رسولُ اللهِ وَّر ذات يوم وهو ينعتُ امرأةً، فقال: ((لاَ أَرَىْ هَذَا يَعْلَمُ مَا هَهُّنَا، لَاَ يَذَخُلُ عَلَيْكُنَّ، فَحَجَبُوهُ»(١). وكذا رُوِيَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ شَهِ دَخَلَ على أم سلمة (رضي الله عنها) وعندها مخنثٌ، فأقبل على أخي أم سلمة فقال: يا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ فَتَحَ الله عليكم غداً الطائف دَلَلْتُكَ على بنتِ غيلان، فإِنَّها تُقبل بأربع وتُدْبِر بثمانٍ، فقال (عليه الصلاة والسلام): ((لاَ أَرَىْ يَعْرِفُ هُذا هَهُنَا، لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هُذَا))(٢) إِذا بلغ الأجنبي مبلغ الرجال، فإن كان صغيراً لم يَظْهَرْ على عورات النساء، ولا يعرف العورة من غير العورة، فلا بأس لهنَّ مِنْ ابداءِ الزينة لهم؛ لقوله (جلَّ وعلا): ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] مستثنى من قوله (عزَّ شأنه): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ إلا لمن ذكر، والطفل في اللغة الصبيُّ ما بين أن يولد إِلى أن يحتلم . وأما الذي يعرف التمييز بين العورة وغيرها وقرَب من الحلم، فلا ينبغي لها أن تبدي زينتها له؛ أَلاَ تَرَى أن مثل هذا الصبي أُمِر بالاستئذان في بعض الأوقات بقولِهِ (تبارك وتعالى): ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ..... ﴾ [النور: ٥٨] إلا إذا لم يكونا من أهل الشهوة؛ بأن كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما، وروي أَنَّ أعميين دخلا على سيدنا رسول الله ◌َ﴿ وعنده بعض أزواجهِ؛ سيدتنا عائشة وأخرى، فقال لهما: ((قُوما)) فقالتا: أنَّهما أعميان يا رسولَ الله، فقال: ((أَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا))، هذا حكم النظر إلى الوجه والكفين. وأما حُكْمُ من هذين العضوين فلا يحل مسهما؛ لأَنَّ حِلَّ النظرين للضرورة التي ذكرناها، ولا ضرورة إلى المس مع ما أن المس في بعث الشهوة وتحريكها فوق النظر، وإِباحةٌ أَذْنَى الفعلين لا يَدُلُّ على إباحة أعلاهما؛ هذا إِذا كان شابين، فإن كان شیخین کبیرین فلا بأس بالمصافحة، لخروج المصافحة منهما من أن تكون مورثة للشهوة لانعدام الشهوة. (١) سيأتي تخريجه في موضعه. (٢) سيأتي تخريجه. ٤٩٦ کتاب الاستحسان وقد روي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّوَ كان يُصَافِحُ العجائز. ثم إِنما يحرم النظر من الأجنبية إلى سائر أعضائها سوى الوجه والكفين أو القدمين أيضاً على اختلافِ الروايتين إذا كانت مكشوفة، فَأَمَّا إِذا كانت مستورة بالثوب، فإن كان ثوبها صفيقاً لا يلتزق ببدنها فلا بأس أنْ يتأملها ويتأمل جسدها؛ لأن المنظور إليه الثوب [دون البدن](١)، وإِن كان ثوبها رقيقاً يَصِفُ ما تحته ويشف، أو كان صفيقاً لكنه يلتزق ببدنها حتى يستبين له جسدها، فلا يحل له النظر؛ لأنه إذا استبان جسدها كانت كاسيةً صورةً عاريةً حقيقةً، وقد قال النبيُّ وََّ: ((لَعَنَ اللَّهُ الكَاسِيَاتِ العَارِيَاتِ))(٢). وَرُوِيَ عن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: دَخَلَت عَلَيَّ أختي السيدة أسماء وعليها ثيابٌ شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاقٌ، فقال رسول الله وَله: ((هذِهِ ثِيَابٌ تَمُجُّهَا ((سُورَةُ النُّورِ)) فَأُمِرَ بها فأُخرجت، فقلت: يا رسولَ الله زارتني أختى فقلت لها ما قلت، فقال: ((يا عَائِشَةُ، إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَرَى مِنْهَا إِلَّ وَجْهُهَا وَكَفَّاهَا))(٣) فإِن ثبت هذا من النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) كان تفسيراً لقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] فَدَلَّ عَلَى صحة ظاهر الرواية أن الحرة لا يحل النظر منها إِلاَّ إِلى وجهها وكفيها، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وأما النوع السابع: وهو ذواتُ الرحم بلا محرم، فَحُكْمُهُنَّ حكم الأجنبيات الحرائر؛ لعموم الأمر بغض البصر والنهي عن إِبداءَ زينتهن إلا للمذكورين في محلِّ الاستثناء، وذو الرحم بلا محرم غير مذكور في المستثنى، فبقيت منهية عنه إبداء الزينة له، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. (١) سقط من ط . (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٦٠) كتاب اللباس: باب فيما تبدي المرأة من زينتها حديث (٤١٠٤) من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله وَّلهو وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله وَ له وقال: يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وکفیه. وقال أبو داود: خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ١٧٠): خالد بن دريك البناني روى عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما ولم يدركهما قاله شيخنا المزي وحكي عن أبي داود أنه قال: لم يدرك عائشة. اهـ. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٩٩/١) قال ابن القطان: ومع هذا فخالد مجهول الحال، قال المنذري وفيه أيضاً سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري نزيل دمشق مولى بني نضر تكلم فيه غير واحد، وقال ابن عدي في ((الكامل)) هذا حديث لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال فيه مرة عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة . ٤٩٧ کتاب الاستحسان وأما الثاني: وهو ما يحلُّ من ذلك ويحرم للرجل من الرجل، فنقول وبالله التوفيق: يحلُّ للرجل أن يَنْظُرَ من الرجل الأجنبي إلى سائر جسده إِلاَّ ما بين السرة والركبة إِلاَّ عند الضرورة، فلا بأسَ أَنْ يَنْظُرَ الرجلُ من الرجلِ إِلى موضع الختان ليختنه ويداويه بعد الختن. وكذا إذا كان بموضع (١) العورة مِن الرجلِ قرحٌ أو جرحٌ، أو وقعت الحاجة إلى مداوة الرجل، ولا ينظر إلى الركبة، ولا بأس بالنظر إِلَى السرة، فالركبةُ عورةٌ، والسرةُ ليستْ بعورةٍ عندنا، وعند الشافعي على العكس من ذلك. والصحيحُ قولنا لما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَرَ أنه قال: «مَا تَحْتَ السُّرَّةِ عَوْرَةٌ»، والركبة ما تحتها، فكانت عورة إِلاَّ ما تحت الركبة صار مخصوصاً، فبقيت الركبة تحت العموم(٢)، ولأن الركبةَ عضوٌ مركب من عظم الساق والفخذ على وجه يتعذر تمييزه، والفخذ من العورة، والساق ليس من العورة، فعند الاشتباه يجبُ العمل بالاحتياط؛ وذلك فيما قلنا؛ بخلاف السرة؛ لأَنّه (٣) اسم لموضع معلوم لا اشتباه فيه. وقد رُوِيّ عن سيدنا عمر (رضي الله عنه) أنه كان إذا اتزر أَبْدَى سُرَّتَهُ، ولو كانت عورة لما احتمل منه كشفها، هذا حكم النظر. وأما حكم المس فلا خلاف في أنَّ المصافحة حلالٌ؛ لقوله (عليه السلام): ((تَصَافَحُوا تَحَابُوا)) (٤) وَرُوِيَ عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((إِذَا لَقِي المُؤْمِنُ أَخَاهُ فَصَافَحَهُ تَنَاثَرَتْ (١) في ط: بوضع. (٢) تقدم تخريجه. (٣) في ب: فإنه. (٤) الحديث بلفظ: تصافحوا تحابوا لم أجده بهذا اللفظ وإنما المحفوظ: تهادوا تحابوا. أخرجه الطبراني في «الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (١٢١/٤) والدولابي في ((الكنى)) (١٤٣/١) وأبو الشيخ في الأمثال (١٢٥) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٦٥٣) كلهم من طريق المثنى أبي حاتم العطار عن عبيد الله بن العيزار عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة قالت: قال رسول الله وَليقول: ((تهادوا تحابوا وهاجروا تورثوا أبناءكم مجداً وأقيلوا الكرام عثراتهم)) . وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٤٩/٤) وقال: وفيه المثنى أبو حاتم ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام. ومن هذا الوجه ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص - ١٦٥) وعزاه للطبراني في الأوسط والحربي في الهدايا والعسكري في الأمثال. اهـ. وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعطاء مرسلاً. حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (٥٩٤) والدولابي في ((الكنى)) (١٥٠/١، ٧/٢) وأبو يعلى (٩/١١) = بدائع الصنائع ج٦ - م٣٢ ٤٩٨ كتاب الاستحسان ذُنُوبُهُ)) (١)؛ ولأن الناس يتصافحون في سائر الأعصار في العهود والمواثيق، فكانت سنة متوارثة . واخْتُلِفَ فِي القُبْلَةِ والمعانَقَةِ، قال أبو حنيفة (رضي الله عنه) ومحمدٌ (رحمه الله): يُكْرَهُ للرجل أَنْ يُقَبُلَ فَمَّ الرجلِ أو يَدَهُ أو شيئاً منه أو يُعَانِقَهُ، وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أنه لا بأس به . ووجهه ما رُوِي أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) مِنَ الحبشةِ عَانَقَهُ سيدنا رسولِ اللهِ وَّ وَقَبَّل بين عينيه(٢)، وأدنى درجات فعل النبيِّ الحلُّ؛ وكذا روي أَنَّ أصحاب رسول الله وَ﴿ كانوا إذا رجعوا من أسفارِهم كان يُقَبِّلُ بعضهم بعضاً ويعانقُ بعضُهم بعضاً(٣). واحتجًا بما روي أنه سُئل رسول الله وَّهِ فقيل: أَيُقَبِّلُ بعضُنا بعضاً، فقال: ((لا))، فقيل: رقم (٦١٤٨) والبيهقي (١٦٩/٦) كتاب الهبات: باب التحريض على الهبة والهدية والقضاعي في ((مسند = الشهاب)» (٦٥٧) كلهم من طريق ضمام عن موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعاً. قال الحافظ في ((التلخيص)» (٦٩/٣ - ٧٠): رواه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي وأورده ابن طاهر في ((مسند الشهاب)) من طريق محمد بن بكير عن ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة وإسناده حسن. حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه الحاكم في ((علوم الحديث)) (ص ٨٠) من طريق ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل المعافري عن عبد الله بن عمرو أن النبي وَّر قال: ((تهادوا تحابوا)). حديث عبد الله بن عمر : أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في ((الترغيب والترهيب)) كما في ((نصب الراية)) (١٢١/٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق الراشدي ثنا محمد بن داود بن عبد الجبار عن أبيه عن العوام بن حوشب عن شهر بن حوشب عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((تهادوا تحابوا)). مرسل عطاء: أخرجه مالك في («الموطأ)) (٩٠٨/٢) كتاب حسن الخلق باب ما جاء في المهاجرة حديث (١٦) عن عطاء قال: قال رسول الله وَالر: ((تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء)). (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد» (٣٩/٨). وقال المنذري في ((الترغيب)) (٤٢٣/٣): رواه الطبراني في الأوسط ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً. اهـ. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ويعقوب بن محمد بن الطحلاء روى عنه غير واحد ولم يضعفه أحد وبقية رجاله ثقات. (٢) أخرجه البغوي وابن السكن كما في ((الإصابة)) (٥٩٣/١) من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة به. (٣) تقدم تخريجه. ٤٩٩ کتاب الاستحسان أَيُعَانِقُ بعضُنا بعضاً، فقال (عليه الصلاة والسلام): ((لا))، فقيل: أَيُصَافِحُ بعضُنا بعضاً، فقال (عليه الصلاة والسلام): ((نَعَمْ)) (١) . وذكر الشيخ أبو منصور (رحمه الله) أن المعانقة إِنما تُكْرَهُ إذا كانت شبيهة بما وضعت للشهوة في حالة التجرد؛ فأما إذا قصد بها المبرّة والإكرام، فلا تكره؛ وكذا التقبيل الموضوع لقضاء الوطر والشهوة هو المحرم، فإِذا زال عن تلك الحالة أبيح، وعلى هذا الوجه الذي ذكره الشيخ يحمل الحديث الذي احتج به أبو يوسف (رحمه الله)، والله أعلم بالصواب. وأما الثالث: وهو بيان ما يحل من ذلك وما يحرم للمرأة من المرأة، فَكُلُّ ما يحل للرجلِ أن ينظر إِليه من الرجلِ يحلُّ للمرأة أن تنظر إليه من المرأة، وكلُّ ما لا يحل له لا يحل لها، فتنظر المرأة من المرأة إِلى سائر جسدها إِلا ما بين السرة والركبة، لأنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف الشهوة والوقوع في الفتنة؛ كما ليس ذلك في نظر الرجل إلى الرجل، حتى لو خافت ذلك تجتنب عن النظر كما في الرجل، ولا يجوز لها أن تنظر ما بين سرتها إلى الركبة إلاَّ عند الضرورة، بأن كانت قابلة فلا بأس لها أن تنظر إلى الفرج عند الولادة، وكذا لا بأس أن تنظر إليه لمعرفة البكارة في امرأة العنين، والجارية المشتراة على شرط البكارة، إذا اختصما . وكذا إذا كان بها جرحٌ أو قرحٌ في موضع لا يحلُّ للرجال النظر إليه، فلا بأس أن تداويها إذا علمت المداواة، فإن لم تَعَلْمَم [تُعَلَّم ثم تداويها](٢) فإن لم توجد امرأة تعلم المداواة ولا امرأة تتعلم وخيف عليها الهلاك أو بلاء أو وجع لا تحتمله - يداويها الرجل، لكن لا يكشف منها إلا موضع الجرح [والقرح](٣) ويغض بصره ما استطاع؛ لأن الحرمات الشرعية جاز أن يسقط اعتبارها شرعاً لمكان الضرورة؛ كحرمة الميتة وشرب الخمر حالةً المخمصةِ والإِكراه، لكن الثابتَ بالضرورة لا يَعْدُ موضع الضرورة؛ لأن علة ثبوتها الضرورة، والحكم لا يزيد على قدر العلة، هذا الذي ذكرنا حكم النظر والمس. وأما حكم الدخول في بيت الغير، فالداخلُ لا يخلو: إما أن يكون أجنبيًّا أو من محارمه، فإن كان أجنبيًّا فلا يحل له الدخول فيه من غير استئذان؛ لقوله (تبارك وتعالى): (١) أخرجه الترمذي (٧٥/٥) كتاب الاستئذان: باب ما جاء في المصافحة (٢٧٢٨) وابن ماجه (١٢٢٠/٢) كتاب الأدب: باب المصافحة حديث (٣٧٠٢) وأحمد (١٩٨/٣) من حديث أنس. وقال الترمذي: حديث حسن. (٢) سقط من ب. (٣) سقط من ط . ٥٠٠ کتاب الاستحسان ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] قيل: تستأنسوا، أي: تستأذنوا، وقيل: تستعلموا، وهما متقاربان لأن الاستئذان طلب الإذن، والاستعلام طلب العلم، والإِذن إِعلام، وسواء كان السكن في البيت أو لم يكن، لقوله (تعالى): ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] وهذا يَدُلُّ على أن الاستئذان ليس للسكان أنفسهم خاصَّةً، بل لأنفسهم ولأموالهم؛ لأن الإنسان كما يتخذ البيت ستراً لنفسه يتخذُه ستراً لأَمواله، وكما يَكْرَهُ اطلاعَ الغير على نفسه، يكره اطلاعه على أمواله، وفي بعض الأخبار: ((إِنَّ مَنْ دَخَلَ بَيْتَاً بِغَيْرِ إِذْنٍ قَالَ لَهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: عَصَيْتَ وآذَيْتَ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ الخَلْقُ كُلُّهُمْ إِلَّ الثَّقَلَيْنِ، فَيَصْعَدُ صَوْتُهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَتَقُولُ مَلاَئِكَةُ السَّمَاءِ أُفٌ لِفُلاَنٍ عَصَىْ رَبَّهُ وَأَذَىْ)) . وَإِذا استأذن فأذن له حل له الدخول يدخل، ثم يسلم ولا يقدم التسليمٍ على الدخول، كما قال بعضُ الناس لقوله (سبحانه وتعالى): ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ولأنه لو سلم قبل الدخول، فإذا دخل يحتاج إلى التسليم ثانياً، وإِن لم يؤذن له بالدخول وقيل له: ارجع، فليرجع. ويكره له أن يقعد على الباب؛ لقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] وفي بعض الأخبار: ((الاسْتِثْذَانُ ثَلاَثُ مَرَّاتٍ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِنَّ فَلْيَرْجِعْ(١)، أما الأول فيسمع الحي. وأما الثاني: فيأخذوا حذرهم، وأما الثالث: فإن شاءوا أذنوا؛ وإن شاءوا ردُوا. فإذا استأذَن ثلاث مرات ولم يُؤْذَنُ له ينبغي أَنْ يرجعَ ولا يقعدَ على الباب لينتظر؛ لأَن للناس حاجات وأشغالاً في المنازل [وخارج المنازل] (٢) فلو قعد على الباب وانتظر لضاق [به](٣) ذرعُهم، وشغل قلوبهم، ولعل لا تلتم حاجاتهم، فكان الرجوع خيراً له من القعود؛ وذلك قوله (تعالى): ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] هذا إذا كان الدخول للزيارة ونحوها، فأما إذا كان الدخول لتغيير المنكر بأنْ سَمِعَ في دار صوت المزامير والمعازف، فليدخل عليهم بغير إِذنهم، لأَن تغيير المنكر فرضٌ، فلو شرط الإِذن لتعذر التغيير، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. وإن كان من محارمه فلا يدخل بغير استئذان أيضاً، وإِن كان يجوز له النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة لعموم(٤) النص الذي تلونا، ولو دخل عليها من غير استئذان فربّما كانت (١) أخرجه مسلم (١٦٩٤/٣ - ١٦٩٥) كتاب الآداب باب الاستئذان حديث (٣٣، ٣٤، ٢١٥٣/٣٥). (٣) سقط من ط. (٢) سقط من ط .. (٤) في ب: لعموم قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا .... ) الآية.