Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الأشربة
..
ومنها ما رواه النسائي عن يحيى بن يمان العجلي عن سفيان عن منصور عن خالد بن سعد عن أبي
=
مسعود الأنصاري، أن النبي و ﴿ عطس وهو يطوف بالبيت، فأتي بنبيذ من السقاية فقطب، فقال له رجل:
أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، عليّ بذنوب من ماء زمزم، فصبه عليه، ثم شرب وهو يطوف بالبيت
قَطَّبَ وَجْهَهُ تَقْطِيباً: عَبَسَ [مختار الصحاح ص ٥٤١].
ومنها: ما أخرجه النسائي عن عبد الملك بن نافع قال ابن عمر: رأيت رجلاً جاء إلى رسول الله وَّهِ فدفع
إليه قدحاً فيه نبيذ، فوجده شديد، فرده عليه، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أحرام هو؟ فعاد فأخذ
منه القدح، ثم دعا بماء فصبه عليه، ثم رفعه إلى فيه فَقَطَّبَ، ثم دعا بماء آخر فصبه عليه، ثم قال: ((إذا
اغتلمت عليكم هذه الأوعية، فاكسروا متونها بالماء)) اغتلمت: اشتدت [المصباح ص ٦١٩].
ومنها: ما أخرجه النسائي عن أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة
قال: قال رسول الله مَّطاهر: ((اشربوا في الظروف ولا تسكروا)).
وجه الدلالة: أن النبي ◌َ﴿ قَطْبَ وجهه من شدة النبيذ الذي رفع إليه، ولذلك ردَّه، وعندئذٍ سألوه عن
حكمه من الحرمة أو الحل، فأجابهم بأنه ليس بحرام، وطلب ماء ليكسر به شدته، فصب عليه الماء،
وشرب منه، وسقى غيره، ولو كان حراماً لما أجابهم بأنه ليس بحرام، ولما شرب منه، ولا سقى غيره،
وقد أرشدهم إلى أن النبيذ إذا اشتد فليكسروا شدته بالماء، حتى يستطيعوا شربه، وأباح لهم الشرب في
الظروف ونهاهم عن السكر. فحسب، فدل ذلك على إباحة القليل مطلقاً، إلا أن الإجماع خص القليل
بما إذا كان لغير لهو وطرب.
وأما الأثر فكثير منه ما يأتي:
الأول: أ - ما روى ابن حزم من طريق سعيد بن مسروق عن شماس بن لبيد عن رجل عن ابن مسعود،
أنه قال: ((إن القوم يجلسون على الشراب وهو لهم حلال، فما يقومون حتى يحرم عليهم)).
ب - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن علقمة
قال: أكلت مع ابن مسعود، فأتينا بنبيذ شديد نبذته سيرين فشربوا منه.
جـ ـ ما أخرجه الطحاوي من طريق الحجاج بن أرطأة عن حماد عن علقمة عن ابن مسعود في قول
النبي ◌َّر: ((كل مسكر حرام)» قال: هي الشربة التي تُسْكِّرُكَ.
وجه الدلالة: أن ابن مسعود رضي الله عنه فسَّر المسكر الوارد في الأحاديث بالشربة التي تسكر، وأخبر
أن القوم يجلسون على الشراب وهو لهم حلال بشرب قليله، فما يقومون حتى يحرم عليهم بشرب
الكثير، وقد قدم لزواره النبيذ الشديد الذي صنعته زوجه في بيته، فشربوا منه، فدل ذلك على أن القليل
مُبَاحٌ؛ إذ لو كان حراماً لما فعل ابن مسعود شيئاً من ذلك.
الثاني: ما رواه ابن حزم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها من طريق أبي عوانة عن سماك بن حرب
عن قرفاصة - امرأة منهم - عن عائشة؛ أنها قالت: ((اشربوا ولا تسكروا)).
وجه الدلالة: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أذنت في الشرب؛ ونهت عن السكر فدل ذلك على
إباحة القليل؛ إذ لو كان حراماً لما أذنت فيه، ومثله لا يعرف إلا بتوقيف.
الثالث: أ- ما رواه الدراقطني في سننه من طريق سعيد بن ذي لعوة، أن أعرابياً شرب من أداوة لعمر نبيذاً،
=
فسكر به، فضربه الحدَّ، فقال الأعرابي: إنما شربت من إداوتك، فقال عمر: ((إنما جلدناك على السكر)).

٤٦٢
كتاب الأشربة
ب - ما رواه ابن حزم عن عمرو بن ميمون عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان
=
يقول: إنا نشرب من هذا النبيذ شراباً يقطع لحوم الإبل في بطوننا، قال عمرو بن ميمون: وشربت من
شرابه، فكان كأشد النبيذ، وفي بعض طرقه: ((إنا لنشرب هذا الشراب الشديد لنقطع به لحوم الإبل في
بطوننا أن تؤذينا، فمن رابه من شرابه شيء، فيلمزجه بالماء)».
جـ ـ ما رواه ابن حزم عن همام بن الحارث، أن عمر أتى بشراب من زبيب الطائف، ثم شرب فقطب،
وقال: إن نبيذ الطائف له عُرام العرام: وزاق غراب: الحدة والشرس. [المصباح ص ٥٥٥].
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب أخبر بأنه يشرب النبيذ الشديد ليقطع لحوم الإبل في بطنه، وكان لشدته
يقطّب وجهه منه؛ ولذا طلب صب الماء عليه ليكسر حدته، وقد جلد الأعرابي على السكر لا على
الشرب، ولو كان قليل النبيذ الشديد حراماً - لما شربه عمر، وهو الذي تكرر سؤاله في تحريم الخمر؛
فدل ذلك على الإباحة .
وأما المعقول فمن وجوه:
الأول: قالوا: إن الأنبذة مما تعم بها البلوى، وما عمَّ به البلوى وجب أن يكون ثبوته مستفيضاً عاماً، وما
كان كذلك لا يحرم إلا بالتواتر، وليس فيه تواتر.
الثاني: قالوا: إن جميع الأشربة كانت مباحة، وتحريمها نسخ، والنسخ لا يثبت إلا بالنص، والنص
مختصٌّ بالخمر دون النبيذ. فدل ذلك على تحريم الخمر، وإباحة قليل النبيذ.
الثالث: قالوا: إن النبيذ بالمدينة كان عامًّا، والخمر نادر؛ لأن النبيذ يعمل من ثمارها، والخمر يجلب
إليها من الشام، والطائف، وغيرها، وقد روى البخاري عن ابن عمر؛ أنه قال: ((حرمت الخمر وما
بالمدينة منها شيء)»، فلو استويا في التحريم - لكان أهل المدينة إلى بيان تحريم النبيذ نصًّا أحوجٍ منهمٍ
إلى تحريم الخمر، فلما عدل بالنص عن النبيذ إلى الخمر - دل على اختصاصها بالتحريم، قليلاً وكثيراً
دون النبيذ، فلا يحرم منه إلا السكر.
الرابع: قالوا: إن الله تعالى ما حرم شيئاً، إلا وأغنى عنه بمباح منه جنسه، فإنه حرم الزنا وأباح النكاح،
وحرم الحرير وأباح القطن والكتان، وحرم التعدي وأباح الجهاد، وقد حرم الله الخمر - فوجب أن يفتى
عنها بمباح من جنسها، وليس ما يغني عنها من جنسها سوى النبيذ، فوجب أن يكون قليله مباحاً، اعتباراً
بسائر المحرمات.
الخامس: قالوا: إن الله تعالى وعدنا بالخمر في الجنة، ورغب فيها أهل الطاعة، وما لا تعرف لذته لا
يتوجه إليه الترغيب، فاقتضى ذلك أن يبيح لهم ما يستدلون به على لذتها، وليس ذلك سوى النبيذ،
فاقتضى أن يحل لهم قليله اعتباراً بسائر الترغيبات.
ورد على الجمهور في الآية: أن إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، إنما يحصُل
بالسكر؛ وذلك مجمع على تحريمه، وإنما الخلاف في قليل النبيذ المسكر. وأجاب الجمهور بأن
الإجماع انعقد على تحريم القليل من نيء عصير العنب المشتد، وهو لا يسكر شاربه، وكذلك انعقد بين
المتخالفين على تحريم قليل نقيع الزبيب والتمر، وقليل سائر الأنبيذة، إذا كان للهو وطرب، فليحرم
القليل إذا كان للتقوى أو استمراء الطعام، حيث لم يقم على إباحة وكيل. بل دل الدليل على عموم
تحريم القليل من غير تفصيل بين حال وحال.
=

٤٦٣
كتاب الأشربة
وورد عليهم في السنة أنها مطعون فيها، وعلى فرض سلامتها فإنها مؤولة، أو نحن نقول بموجبها. أما
=
الطعن فإن يحيى بن معين طعن في الحديث الأول، وهو قول الرسول عليه السلام: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ،
وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)).
والجواب عن هذا الطعن في هذا الحديث تقدم ص ١٥، ١٦ فلا نعيده، وأما بقية الأحاديث فلم يبينوا من
طعن فيها، وقد راجعنا كتب الجرح فلم نجد لواحد منهم طعناً في واحد منها، وقد روى هذه الأحاديث
الزيلعي في ((نصب الراية))، ولم يبين فيها جهة مطعن. وقد اعترف بصحتها الطحاوي، والكمال كما
سيأتي.
وأما التأويل لهذه السنن والأحاديث، فإنهم قالوا: إنهم محمولة على الشرب للهو والطرب؛ توفيقاً بين
الأدلة، صيانة لها عن التناقض.
وأجاب الجمهور بأن هذا التأويل لا دليل عليه، بل دَلَّ الدليل على عموم التحريم، وإن كان الشرب
بقصد التقوى، يدل لذلك ما رواه الإمام أحمد من طريق مرثد بن عبد الله اليزني عن ديلم رضي الله عنه
قال: سألت رسول الله ◌َ﴿ قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة، نعالج فيها عملاً شديداً، وكنا
نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا، فقال الرسول وير: هل يسكر؟ قلت:
نعم. قال: فاجتنبوه. قال: فقلت: إن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم. فهذا حديث
رسول الله عليه السلام نصَّ في تحريم النبيذ المسكر، قليلاً كان أو كثيراً، وإن كان للتقوي، ولو كان
قليلُه مباحاً للتقوي - لبينه الرسول عليه السلام لشدة الحاجة إليه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت
الحاجة .
وأما القول بالموجب فإنهم قالوا: إن المسكر حرام، وهو القدح الأخير؛ لأن المسكر ما به يحصل
الإسكار، وهو يحصُل بالقدح الأخير، وهو يحرم قليله وكثيره. قال في ((المبسوط)): روي عن أبي
يوسف أنه قال في تأويله: إذا كان يشرب على قصد السكر، فإن القليل والكثير على هذا القصد حرام،
فأما إذا كان يشرب لاستمراء الطعام فلا، فهو نظير المشي على قصد الزنا يكون حراماً، وعلى قصد
الطاعة يكون طاعة، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) هو على ما قال
رسول الله: ((والقدح الأخير هو المسكر قليلُه وكثيره حَرَامٌ)).
وأجاب الجمهور بما قاله الحافظ في ((الفتح)) قال: ((وقد رد أنس الاحتمال الذي جنحوا إليه فقال أحمد:
حدثنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت المختار بن فلفل يقول: سألت أنساً، فقال: نهى رسول الله وَله
عن المزفت، وقال: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) قال: فقلت له: صدقت، المسكر حرام، فالشربة والشربتان على
الطعام، فقال: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وهذا سند صحيح على شرط مسلم، والصحابي أعلم بالمراد
ممن تأخر بعده، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة
شيء، ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم النخعي. فحملهم المسكر أو ما أسكر الوارد في الأحاديث على ما
به حصل السكر خلاف الظاهر، بعدما تقدم عن أنس رضي الله عنه صريحاً في تحريم القليل على الطعام،
وهو نص في إبطال مدعاهم.
والظاهر في قول الرسول عليه السلام: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) وقوله: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)» أنه صفةٌ
لجنس الشَّراب، لا صفة لقدره الذي به يَحْصُلُ الإسكار؛ كما يقال للماء: إنه مرور للطعام إنه مشبعٌ،
وإن كان الشبع والري ينتفيان مع القليل، وهو موصوفٌ به كالكثير، ولو حملناه على قليل القدح الأخير =

٤٦٤
كتاب الأشربة
وكثيره؛ كما ذهبوا إليه ــ لدلَّ ذلك على تحريم غيره مما سبقه، لوجوه منها ما يأتي:
الأول: أن تعليق التحريم بالأخير يوجب تعليقه بالأول والأخير؛ لأن أول الأخير لا يسكر كأول الأول؛
ثم كان أول الأخير حراماً كآخره، فكذلك الأول يجب أن يكون حراماً كالأخير.
الثاني: أن كُلَّ جزءٍ من أجزاء الشراب يجوز أن يكون هو الأخير المحرم، وهو غير متميز، فوجب أن
يكون الكُلُّ حَراماً .
الثالث: أن لكل جزء من الشراب تأثيراً في السكر، فالقدح الأول مبدؤه، والقدح الأخير غايته، فصار
قليله وكثيره مسكراً، فوجب أن يكون حراماً في كل حال.
الرابع: أن الأخير الذي يسكر لا يعلم أنه مسكر إلا بعد شربه، فلم يصح تعليقُ التحريم به، لما فيه من
تعليق الحكم بالمجهول، فكان الكل حراماً من غير تفصيل.
ولهذا قال بعض المنصفين من الحنفية بعد أن ساق الأحاديث السابقة الدالة على تحريم قليل كل شراب
مسكر: وحينئذٍ فجوابهم بعدم ثبوت هذه غير صحيح، وكذا حمله على ما به حصل السكر وهو القدح
الأخير؛ لأن صريح هذه الروايات القليل.
وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث أيضاً، لكن قال: اختلفوا في تأويل الحديث، فقال بعضهم:
أراد به جنس ما يسكر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده.
وهذا القول علم رده مما ذكرنا قريباً، ومما ذكره بعض الحنفية وهو الكمال في عبارته السالفة.
على أن حملهم التحريم في المسكر، أو ما أسكر الوارد في الأحاديث على قليل القدح الأخير وكثيره - لا
تساعده قواعد اللغة العربية، قال في ((المصباح)): ويروى ما أسكر كثيره فقليله حرام، ونقل عن بعضهم
أنه أعاد الضمير على كثيره، فيبقى المعنى على قوله فقليل الكثير حرام، حتى لو شرب قدحين من النبيذ
مثلاً ولم يسكر بهما، وكان يسكر بالثلث، فالثلث كثير، فقليل الثلث وهو الكثير حرام دون الأولين،
وهذا كلام منحرف عن اللسان العربي؛ لأن الإخبار عن الصلة دون الموصول؛ وهو ممنوع باتفاق النحاة .
وقد اتفقوا على إعادة الضمير من الجملة على المبتدأ؛ ليربط به الخبر، فيصير المعنى الذي يسكر كثيره
فقليل ذلك الذي يسكر كثيره حرام، وقد صرح به في الحديث فقال: ((كل مسكر حرام))، وما أسكر الفرق
منه فملءُ الكف منه حَرَامٌ، ولأن الفاء جواب لما في المبتدأ من معنى الشرط.
والتقدير: مهما يكن من شيء يسكر كثيره فقليل ذلك الشيء حرام، ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم،
والمعنى: فلذلك الذي يقوم غلامه ولو أعيد الضمير على الغلام - بقي التقدير: الذي يقدم غلامه فللغلام
درهم، فيكون إخباراً عن الصِّلة دون الموصول. فيبقى المبتدأ بلا رابط فتأمله، وفيه فساد من جهة المعنى
أيضاً؛ لأنه إذا أريد فقليل الكثير حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدي إلى إباحة ما لا يسكر
من الخمر، وهو مخالف للإجماع.
أقول: قول ((المصباح)) وفيه فساد من جهة المعنى .... إلخ لا يرد على الحنفية باعتبار قواعدهم
الأصولية؛ لأنهم لا يقولون بمفاهيم النصوص، بخلاف مفاهيم الكتب.
وورد عليهم في الأثر، أنه معارضٌ بمثله مما ذكره الحنفية.
والجواب: أن ما تمسك به الجمهور أقوى وأولى بالاتباع لموافقته الأحاديث الصحيحة الصريحة في
تحريم القليل بشهادة منصفيهم.
=

٤٦٥
كتاب الأشربة
وأما أثر الحنفية فلا يقوى على المعارضة، بعدما سيتضح ما فيه قريباً إن شاء الله تعالى.
هذا: ويمكن للحنفية أن يوردوا على الأثر ما أوردوه على الأحاديث السابقة للجمهور من تأويلها على
الشرب للتلهي، أو القول بموجبها بتحريم المسكر بالفعل.
والجواب الجواب فلا نعيده.
ورد على الجمهور في المعقول الأول، أنه معارض بمثله، إذ لو كان كذلك لوجب أن يكون كل حامض
خلاً؛ لأنا نراه خلاً إذا حدثت فيه الحموضة، وغير خل إذا ارتفعت عنه الحموضة، فلما لم يكن كل
حامض خلاً لم يكن كل مشتد خمراً.
وأجاب الجمهور بأن صحة التعليل موقوفة على اطراده، وهو في الخمر مطرد فصح، وفي الخلِّ غير
مطرد فبطل.
ورد عليهم في المعقول الثاني، أنه لا يصح اعتبار القليل بالكثير في التحريم؛ لأن كثير السقمونيا وما
أشبهها من الأدوية حرام، وقليلها غير حرام.
وأجاب الجمهور بأن تحريم كثير السقمونيا وما أشبهها للضرر، وهو موجود في الكثير دون القليل،
وتحريم الخمر للشدة، وهي موجودة في القليل والكثير، فإن منعوا من التعليل فقد سبق الدليل صريحاً
من السنة في تحريم القليل من مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام)).
ثم يقال لهم: لما لم يمنع هذا من التسوية بين قليل الخمر وكثيره لم يمنع من التسوية بين قليل النبيذ
وكثيره.
وورد عليهم في المعقول الثالث: أنه معارض بقبلة الصائم تدعو إلى الوطء، ولا يحرم عليه التقبيل لحرمة
الوطء.
وأجاب الجمهور بأنها إذا دعت إلى الوطء كانت حراماً، وإنما يباح منها ما لا يدعو إلى الوطء.
وورد عليهم في الرابع: أن التحريم مراعى موقوف، والموقوف ممنوع، والممنوع محرم.
وأجاب الجمهور بأن ما راعيتموه بعد شربه أبحتموه مشكوكاً فيه، والشك يمنع الإباحة. على أنكم
عزرتموه بهذا المباح الذي تحرمونه عليه بعد، وما أفضى إلى التعزير كان حراماً ولم يوردوا عليهم في
المعقول الخامس شيئاً.
ورد على الحنفية في الحديث الأول أنه مطعون فيه لضعف محمد بن الفرات، وجهالة عبد الرحمن
الغطفاني وإذا كان الحديث بهذه المنزلة فلا ينهض على الإثبات، ومعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة
في تحريم القليل من كل شراب في جميع الأحوال بشهادة منصفيهم كما سبق.
ولو سلَّمنا صحته لكان المراد بالسكر فيه المسكر؛ لأن السكر ليس من فعل الشارب حتى ينهى عنه،
وإنما شرب المسكر فعله؛ فصار النهي متوجهاً إليه.
وأيضاً فتحريم السكر بهذا الخبر لا يمنع من تحريم المسكر بغيره من الأخبار الثابتة الصحيحة الصريحة
في تحريم المسكر جمعاً بين الأدلة، وتكون أخبار الجمهور أولى لأمرين:
الأول: أنها أعمُّ حكماً؛ لأن تحريم المسكر يوجب تحريم السكر، وتحريم السكر لا يوجب تحريم
المسكر.
الثاني: أن السكر يدرك العقل قبحه، فيقضي بمنعه، فورود الشرع مؤكد لما يقتضيه العقل حينئذٍ، ولا =
بدائع الصنائع ج٦ - م٣٠

٤٦٦
كتاب الأشربة
٠٠٠
كذلك حرمة المسكر، والتأسيس خير من التأكيد.
ورد عليهم في الحديث الثاني؛ أنا لا نسلم حصر الخمر الشرعية في الشراب المشتد المتخذ من ثمرات
الشجرتين؛ لأن النبي ◌ّي لم يقل: ليست الخمر إلا من هاتين الشجرتين. وإنما قال: ((الخمر من هاتين
الشجرتين))، فأثبت أن الخمر تتخذ منهما، ولم يمنع أن الخمر تتخذ من غيرهما إن ورد بذلك نصٍّ.
وقد ورد النص بذلك صريحاً، فقد أخرج أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين عن
الشعبي؛ أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ◌َّ يقول: ((إن الخمر من العصير والزبيب، والتمر
والحنطة، والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر)) لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه أن
النعمان خطب الناس بالكوفة .
وإذا ثبت هذا وصح، فلا موجب للقول بحلٌ القليل من الأنبذة المتخذة من غير الشجرتين بناء على
الإباحة الأصلية؛ لأن النصوص دلت على رفعها عن كل شراب مسكر قليله وكثيره من غير تفصيل، بل
دلت على تحريمها إذا كانت بقصد التقوي أو استمراء الطعام، كما تقدم في الحديث الذي رواه الإمام
أحمد من طريق مرثد، ودل على ذلك أيضاً أثر أنس الذي رواه الإمام أحمد عن المختار بن فلفل في
تفسير قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ مسكر حرام)) السلف ص ٧٤.
ورد عليهم في الحديث الثالث أنه لا يدل لوجوه منها ما يأتي:
الأول: أنه ضعيف؛ لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب سفيان، وهو سيىء الحفظ، كثير الخطأ،
وقال ابن عدي: قال البخاري حديث يحيى بن يمان هذا لا يصحُ، وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: أخطأ
ابن يمان في إسناد هذا الحديث.
الثاني: أن نبيذ السقاية كان غير مسكر؛ لأنه كان يصنع للحاج إذا صدر من ((منى)) لطواف الإفاضة،
ليستطيبوا به ماء زمزم لثقله، وكان الشراب لا يبقى أكثر من يومين أو ثلاثة، وذلك غير مسكر.
الثالث: أن نبيذ السقاية كان من نبيذ الزبيب غير المطبوخ، وهو إذا أسكر حرم قليله وكثيره في كل حال
عند أبي حنيفة، فلا يصح له حمله عليه.
ورد عليهم في الحديث الرابع أنه لا يدل؛ لأن راويه عبد الملك بن نافع ققال النسائي: لا يحتج بحديثه،
والمشهور عن ابن عمر خلاف هذا، ثم أخرج عن ابن عمر تحريم المسكر من غير وجه، وقال البخاري:
لا يتابع عليه، وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر، وعبد الملك بن نافع شيخ مجهول. وقال البيهقي:
هذا حديث يعرف بعبد الملك بن نافع، وهو رجلٌ مجهولٌ اختلفوا في اسمه واسم أبيه، فقيل هكذا،
وقيل: عبد الملك بن القعقاع، وقيل: مالك بن القعقاع.
ورد عليهم في الحديث الخامس أنه لا يدل، قال النسائي: حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن
سليم، ولا نعلم أحداً تابعه عليه من أصحاب سماك، وسماك كان يقبل التلقين قال أحمد بن حنبل: كان
أبو الأحوص يُخطىء في هذا الحديث. وقال أبو زرعة: وهم أبو الأحوص فقال: عن سماك عن القاسم
عن أبيه عن أبي بردة، فقلب من الإسناد موضعاً وصحف موضعاً، أما القلب فقوله عن أبي بردة أراد عن
ابن بريدة، ثم احتاج أن يقول: ابن بريدة عن أبيه فقلب الإسناد بأسره، أو فحسن من ذلك تصحيفه
لمتنه: ((اشربوا في الظروف، ولا تسكروا))، وقد روي هذا الحديث عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي وَّ
قال: ((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم،
ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكراً».

٤٦٧
كتاب الأشربة
٠٠
ولو سلمنا صحة هذه الأحاديث لما دلت على إباحة القليل من المسكر؛ لأن تقطيب النبي وَلو لم يكن
=
لشدة إسكاره، بل كان لشدة حموضته، أو حلاوته؛ ولذلك صب عليه الماء ليكسر به الشدة ولو بلغ حد
الإسكار لم يفده صب الماء الإباحة، وقد اعترف الطحاوي بذلك فقال: لو بلغ حد الإسكار لكان لا
يحل، ولو ذهبت شدته يصب الماء فثبت أنه قبل أن يصب عليه الماء كان غير حرام.
قال الحافظ: وإن لم يبلغ حد الإسكار فلا خلاف في إباحة شرب قليله وكثيره، فدل على أن تقطيبه كان
لأمر غير الإسكار. قال ابن حزم: ولو صحت هذه الأحاديث لكانت أعظم حجةٌ عليهم؛ لأن فيها كلها
أن النبي ◌ِّر مزجه بالماء ثم شربه، وهذا لا يخلو ضرورة من أحد أمرين: إما ألا يكون ذلك النبيذ
مسكراً، فهي موافقة لقولنا، وإما أن يكون مسكراً، كما يقولون، فإن كان مسكراً فصب الماء على
المسكر عندهم، لا يخرجه من التحريم إلى التحليل، ولا ينقله عن حاله أصلاً إن كان قبل صب الماء
حراماً فهو عندهم بعد صبه حَرَامٌ، وإن كان قبل صبه حلالاً فهو بعد صبه حلال، وإن كان قبل صبه
مَكْرُوهاً فهو بعد صبه مكروه، فقد خالفوها كلها، وجعلوا فعل النبي عليه الصلاة والسلام الذي حققوه
عليه باطلاً عندهم، ولغوا لا معنى له.
وقال أبو المظفر السمعاني: ثبتت الأخبار عن النبي ◌َّر في تحريم المسكر، ثم ساق كثيراً منها، ثم قال:
والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، قال:
وقد زل الكوفيون في هذا الباب، ورووا أخباراً معلة لا تعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن النبي وَّلـ
شرب مسكراً فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلواً، ولم يكن مسكراً،
وقد روى ثمامة بن حزن القشيري، أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن النبيذ، فدعت جارية حبشية
فقالت: ((سل هذه؛ فإنها كانت تنبيذ لرسول الله وَ لّ فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل،
وأو کئه وأعلقه، فإذا أصبح شرب منه)) أخرجه مسلم.
ورد عليهم في الآثار - أما المروي عن ابن مسعود أولا فضعيف لأن شماساً مجهول، ورجل أجهل
وأجهل، ولو صح لما كان لهم فيه دليل، ويقال لهم في معناه إنهم يقعدون إليه قبل أن يغلي ويشتد وهو
حلال، فلا يقومون عنه حتى يأخذ في الغليان فيحرم.
وأما المروي عنه ثانياً فليس نصا في أن النبيذ كانت شدته من الغليان، ويحتمل أن تكون الشدة من
الحلاوة أو الحموضة.
وأما المروي عنه ثالثاً فضعيف بالحجاج بن أرطأة، قال ابن حزم روينا أنه كان لا يصلي مع المسلمين في
المسجد، فقيل له في ذلك، فقال: أكره مزاحمة البقالين، لا ينبل الإنسان حتى يدع الصلاة في الجماعة،
وروى عنه أيضاً أنه أنكر السلام على المساكين، وقال: على مثل هؤلاء لا يسلم.
وقال البيهقي: ذكر لعبد الله بن المبارك قول ابن مسعود: ((الشربة التي تسكرك))، فقال: هذا باطل، وإنما
هو من قول إبراهيم النخعي، وقد روي عن إبراهيم بخلافه، وذلك فيما رواه الحسن بن عمر، وعن
فضيل بن عمرو عن إبراهيم قال كانوا يرون أن من شرب شراباً فسكر منه لم يصلح له أن يعود إليه، وقال
البخاري: قال زكريا بن عدي: لما قدم ابن المبارك الكوفة كان به علة، فأتاه وكيع وأصحابنا، فتذاكروا
عنده حتى بلغوا الشراب، فجعل ابن المبارك يحتج بأحاديث الرسول وَل# وأصحابه من المهاجرين
والأنصار من أهل المدينة، قالوا: لا، ولكن من حديثنا، فقال ابن المبارك: أنبأنا الحسن بن عمرو=

٤٦٨
كتاب الأشربة
الفقيمي عن فضيل بن عمرو عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: إذا سكر من شراب لم يحل له أن
=
يعود إليه أبداً، فنكسوا رؤوسهم، فقال ابن المبارك الذي يليه أرأيت أعجب من هؤلاء؟ أحدثهم عن
الرسول عليه الصلاة والسلام وعن أصحابه والتابعين، فلم يعبثوا به، وأذكر عن إبراهيم فينكسوا
رؤوسهم .
ولو سلمنا صحة هذه الآثار عن ابن مسعود لكانت معارضة بما رواه الإمام أحمد بسندٍ صحيح عن أنس
رضي الله عنه أنه قال لمن سأل عن المزفت: نهى رسول الله وَلَّ عن المزفت، وقال: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»
فقال له السائل: صدقت. فالشربة والشربتان على الطعام؟ فقال له أنس: ما أسكر كثيره فقليله حرام. وقد
سبق أن الجمهور رووا عن ابن مسعود قوله: أحدث الناس أشربة لا أدري ما هي، ما لي شراب منذ
عشرين سنة إلا الماء، والعسل، واللبن، وإذا اختلف قوله كان قوله الموافق لأخوان من الصحابة مع
موافقة الحديث المرفوع الصحيح، أولى.
ورد على الحنفية فيما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه ضعيف؛ لأن في سنده سماك بن حرب عن
قرفاصة، وسماك ضعيف، وقرفاصة مجهولة.
وقد روينا سابقاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي ◌َالقر: ((ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه
حرام)»، وقد روى الدارقطني في ((سننه)) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((إن الله لم يحرم الخمر
لاسمها، وإنما حرمها لعاقبتها، فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر فهو حرام كالخمر)).
ورد عليهم فيما روي عن عمر رضي الله عنه أن الأول ضعيف؛ لأن في سنده سعيد بن ذي لعوة، قال فيه
البخاري، وغيره: سعيد بن ذي لعوة مجهول لا يعرف.
ولو سلمنا صحته لما دل على إباحة القليل، وجلد عمر رضي الله عنه في السكر لا يدل على إباحة
القليل؛ لأن عمر جلد ابنه في شرب الطلاء، روى مالك رضي الله عنه عن ابن شهاب عن السائب بن
يزيد، أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه
شراب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تاماً)) فدل جلده لابنه في
شرب الطلاء الذي لم يسكر منه على حرمة القليل، ووجوب العقوبة فيه، وإن كان قليلاً؛ لأن ابنه أجاب
أباه عما شرب مع وجود الرائحة الدالة على قرب زمن الشرب. وهذا الأثر أقوى من الأول، فوجب
العمل بما دل عليه.
ولو سلمنا أن عمر رضي الله عنه جلد في السكر فقط لما دل ذلك على إباحة القليل؛ لأن العقوبة تدرأ
بالشبهة احتياطاً وأما الحرمة فتثبت في القليل كالكثير احتياطاً؛ لأنه مقدمة الكثير، وداع إليه ومقدمة الحرام
حرام.
وأما الأثران الآخران فصحيحان، ولكنهما ليسا نصاً في أن الشراب بلغ حد الإسكار، بل فيهما ما يدلّ
على أنه لم يبلغ هذا الحد وهو كسره بالماء، لأنه لو بلغ حد الإسكار ما أفاده الكسر بالماء الإباحة، كما
سبق عن الطحاوي، فدل ذلك على أن التطيب كان لأمر آخر؛ إما لشدة الحلاوة، وإما لشدة الحموضة؛
يدل على ذلك ما روى النسائي عن عقبة بن فرقد قال: كان النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب قد خُلل،
قال النسائي: ومما يدل على صحة ذلك حديث السائب بن يزيد المذكور سابقاً.
وروى الأثرم عن الأوزاعي، أن عمر إنما كسره بالماء لشدة حلاوته، قال الحافظ: ويمكن الحمل على
حالتين: هذه لمّا لم يقطب، وأما عندما قطب فكان لحموضته.
=

٤٦٩
كتاب الأشربة
..
قال البيهقي، وابن حزم: حمل هذه الأشربة على أنهم خشوا أن تتغير فتشتد، فجوزوا صب الماء فيها،
ليمتنع الاشتداد أولى من حملها على أنها كانت بلغت حد الإسكار، فكان صب الماء عليها لذلك؛ لأن
مزجها بالماء لا يمنع إسكارها، إذا كانت بلغت حد الإسكار.
قال ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلة، وإذا اختلف الناس في شيء وجب رده إلى كتاب الله
وسنة رسوله الصحيحة، وما روي عن بعض التابعين؛ أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره، فللقوم ذنوب
يستغفرون الله منها، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين؛ إما مخطىء أخطأ في التأويل على حديث سمعه،
أو رجل أتى ذنباً لعله أن يكثر من الاستغفار لله تعالى.
وقال النسائي: أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلةُ عالم، وقد حذَّرنا من زلة
العلماء، ولا حجة في قول أحد مع السنة، وذكر أيضاً عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة في
المسكر عن أحد صحيحاً، إلا عن إبراهيم.
ورد عليهم في المعقول:
أما الأول: فإنا لا نسلم أن ما عمت به البلوى يجب أن يكون بيانه عاماً؛ لأن هذا أصلٌ مختلفٌ فيه،
ويجوز أن يكون بيان ما عم به البلوى خاصًّا من أخبار الآحاد، كما أن تحريم الكلام في الصلاة مما تعمُّ
الْبَلوى، وهو من أخبار الآحاد.
ولو سلَّمنا هذا الأصل لما سلمنا أنه غير مستفيض، لأنه قد استفاض بيانه، فإن النبي ◌َّلهو أمر مناديه أن
ينادي بتحريم الخمر في أرجاء ((المدينة))، وقد أخبر أبو طلحة بذلك وهو على شرابه في بيته، فأمر أنساً
بإراقة ما كان عنده من النبيذ ولو سلمنا أن الاستفاضة في البيان غير كافية لقلنا: إنه استفاض نقلاً وبياناً
وإنما وقع الخلاف في التأويل. ولو سلمنا أنه لم يستفض نقله وبيانه لقلنا: إن بيانه مأخوذ من نص
الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ .... ) الآية، فأجزأ بيانُ الكتاب عن الاستفاضة في السُّنة.
وأما الثاني: فلا نسلم أن تحريم الأنبذة نسخ، بل هو ابتداء شرع؛ لأنهم كانوا في صدر الإسلام
مستديمين لشربها على الإباحة السابقة، فجاء الشرع بتحريمها، وما هذه سبيله يجوز أن يثبت بأخبار
الآحاد. ولهذا نظير، فقد نهى رسول الله له ول عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من
الطيور، ويجوز إثباته بالقياس؛ كما جاز إثبات الربا في الأرز قياساً على البُرِّ.
وخلاصته: أن رفع الإباحة الأصلية ليس نسخاً، إذ النسخ رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر، أو بيان
انتهاء أحد الحكم الشرعي الأول، والإباحة الأصلية ليست حكماً شرعياً، إذ لم تثبت بخطاب.
فإن قيل: الإباحة ثبتت بخطاب، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْنَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ يَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً
وَرِزْقاً حَسَناً﴾ فيكون رفعها نسخاً.
قلنا: لو سلمنا ذلك لكان نسخها مأخوذ من نص الكتاب وهو قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ ..... ) الآيتين.
على أن الذي رفع حكمه في الآية إنما هو المتخذ من ثمرات الشجرتين، والكلام في المتخذ من غيرهما
فهو بحث في غير محل النزاع - ولو قدرنا أنها لم تنسخ بالآية، وأن المراد بالسكر الوارد في الآية مطلق
المسكر من أي مادة - لما امتنع أن ينسخ ما يستفيض بيانه، وإن لم يستفض نقله، ولهذا نظير فقد حولت
القبلة إلى الكعبة، وأهل قباء في الصلاة متوجّهين إلى بيت المقدس، فتحولوا إلى الكعبة، لما أخبرهم من
أخبرهم بالتحول وهو واحد، وقد عملوا به في النسخ.

٤٧٠
كتاب الأشربة
فإن قيل: قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ ...... ) الآية من قبيل الإخبار، والخبر لا
=
يدخله النسخ .
قلنا: الجواب ما ذكره ابن العربي بقوله: إن هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا أن الخبر إذا كان
عن الوجود الحقيقي، أو عن إعطاء ثواب فضلاً من الله تعالى فهو الذي لا ينسخ، فأما إذا تضمن الخبر
حكماً شرعياً، فالأحكام تتبدل وتنسخ جاءت بخبر أو بأمر، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ، وإنما
يرجع إلى ما تضمنه قال القرطبي: والمسألة أصولية وهي أن الإخبار عن الأحكام الشرعية هل يجوز
نسخها أم لا، اختلف في ذلك، والصحيح جوازه لهذه الآية، وما كان مثلها؛ ولأن الخبر عن مشروعية
حكم ما يتضمن طلب ذلك المشروع، وذلك الطلب هو الحكم الشرعي الذي يستدل على نسخه، والله
أعلم.
ثم قال: على أن الآية وإن كانت خبراً لفظاً، فهي تحتمل الإنشاء معنى، ويكون المعنى على الاستفهام
الإنكاري، أي: أتتخذون من الثمرات سكراً، وتدعون رزقاً حسناً: الخل، والزبيب، والتمر، كقوله:
((فَهُمْ الْخَالِدُونَ))، أي: ((أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ)) والله أعلم.
ورد عليهم في الثالث: أن الخمر اسم عام لكل شراب مسكر كما سبق، فنص التحريم من الكتاب شامل
للجميع، كما تبادر فهم ذلك إلى ذهن الصحابة، حين نزول آية التحريم، فتركوا قليل النبيذ وكثيره،
وأراقوه وأتلفوا آنيته، وعلى تسليم أن الخمر خاص، فإن تحريمها لم يكن مقصوراً على أهل المدينة، بل
هو عام لسائر الخلق، وإذا كان النبيذ بالمدينة أكثر من الخمر فإن الخمر بالشام وغيرها أكثر من النبيذ،
والبعيد أحوج إلى عموم البيان من القريب.
ورد عليهم في الرابع: أن الله لما حرم السكر، ولم يغن عنه بمباح من جنسه - جاز أن يحرم قليل
المسكر، وإن لم يغن عنه بمباح من جنسه على أنه قد أباح من جنسه ما يغني عنه مما لا يسكر،
كالعصير، والنقيع غير الشديدين، والشرب والخل فأغنى عن المسكر.
ورد عليهم في الخامس أنهم قد عرفوا لذتها قبل التحريم، فأغنى عن المعرفة بعده، فإن قيل: إن ذلك
خاصٌّ بمن شربها قبل التحريم.
فالجواب القاطع: أن خمر الجنة غير مسكرة، لأن الله تعالى وصفها بقوله: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا
يُنْزِفُون﴾ بخلاف خمر الدنيا. والله أعلم.
هذه أدلة الطرفين ومناقشتها في قليل النيء من الأنبذة المسكرة المتخذة من غير ثمرات النخيل والأعناب
إذا أخذ للتقوى أو استمراء الطعام. ولا شك أن من نظر فيها نظرة منصف مجرد عن الأغراض المذهبية
علم أن الحق الذي لا تشوبه شائبة في جانب الجمهور القائلين بتحريم قليل كل شراب يسكر كثيره من أي
مادة اتخذ الشراب متى اتصف بصفة الإسكار من الشدة المطربة سواء أشرب للهو وطرب أم للتقوى أو
استمراء الطعام، وقد تأيد ذلك بنصوص السنة الكثيرة الصريحة التي لا تحتمل التأويل من مثل قول
الرسول وَله: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وقوله: ((ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام، أو
فالحسوة منه حرام».
ينظر: أحكام الخمور لشيخنا السمطاوي، نيل الأوطار (١٤٤/٨)، نصب الراية (٣٠٢/٤، ٣٠٤)، الأم
(١٧٧/٦)، المبسوط: (٤/٢٤)، فتح القدير (١٨٣/٤).

٤٧١
كتاب الأشربة
وعن محمد (رحمه الله) روايتان: في روايةٍ لا يحل شربه، لكن لا يجب الحد إِلاَّ
بالسكر.
وفي روايةٍ قال: لا أحرمه، ولكن لا أشرب منه، والحجج تذكر في الثلث فأبو حنيفة
وأبو يوسف (رحمهما الله) يحتاجَّان إلى الفرق بين المطبوخ أدنى طبخة والمنصف من عصير
العنب .
ووجه الفرق لهما أَنَّ طَبْخَ العصير على هذا الحد وهو أن يذهب أقل من ثلثيه لا أثر له
في العصر؛ لأن بعد الطبخ بقيت فيه قوة الإِسكار بنفسه.
أَلاَ ترى أنه لو ترك يغلي ويشتد من غير أن يخلط بغيره، كما كان قبل الطبخ، لم يعمل
فيه هذا النوع من الطبخ فبقي على حاله؛ بخلاف نبيذ التمر ونقيع الزبيب؛ لأنه ليس فيه قوة
الإسكار بنفسه .
ألا ترى أنه لو ترك على حاله ولا يخلط به الماء لم يحتمل الغليان أصلاً؛ كعصير العنب
إِذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه والماء يغلي ويسكر إِذا خلط فيه الماء وإذا لم يكن مسكراً
بنفسه، بل بغيره، جاز أَنْ يتغير حاله بالطبخ، بخلاف العصير على ما ذكرنا، وإِلى هذا أشار
سيدنا عمر (رضي الله عنه) فيما روينا عنه من قوله: ((يَذْهَبُ حرامُهُ وريح جنونِهِ)) يعني إِذا كان
يغلي بنفسه بأن طبخ حتى ذهب ثلثاه، فقد ذهب سلطانه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
هذا إذا نقع الزبيب المدقوق في الماء، ثم طبخ نقيعه أدنى طبخة، فأما إذا نقع الزبيب
كما هو وصفى ماؤه، ثم طبخ أدنى طبخة فقد روى محمدٌ عن أبي حنيفة وأبي يوسف
(رحمهم الله) أنه لا يحل حتى يذهب بالطبخ ثلثاه ويبقى ثلثه.
ووجهه ما ذكرنا أَنَّ انقاع الزبيب إِحياء للعنب، فلا يحل به عصيره إِلاَّ بما يحل به عصير
العنب، وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أنه يعتبر في ذلك أدنى طبخة؛ لأنه زبيب انتفخ
بالماء، فلا يتغير حكمه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
وأما المثلث فنقولُ: لا خلاف في أنه ما دام حلواً لا يسكر يحل شربه، وأما المعتقُ
المُسْكِرُ فيحلُّ شربه للتداوي، واستمراء الطعام، والتقوى على الطاعة عند أبي حنيفة وأبي
يوسف (رضي الله عنهما).
وروى محمد (رحمه الله) لا يحل، وهو قول الشافعيِّ (رحمه الله)، وأجمعوا على أنه لا
يحل شربه للهو والطرب؛ كذا روى أبو يوسف (رحمه الله) في الأمالي، وقال لو أراد أن
يشرب المسكر، فقليلَهُ وكثيرُهُ حرامٌ، وقعوده لذلك والمشي إليه حرام.

٤٧٢
كتاب الأشربة
وجه قول محمد والشافعي (رحمهما الله) ما روي عن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) أنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قال: ((مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)» (١) وروي عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٢/٤) كتاب الأشربة: باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام، حديث (١٨٦٥) وأبو
داود (٤ / ٨٧) كتاب الأشربة: باب النهي عن المسكر، حديث (٣٦٨١) وابن ماجه (١١٢٥/٢) كتاب
الأشربة: باب ما أسكر كثيره فقليله حرام، حديث (٣٣٩٣) وابن الجارود في المنتقى ص (٢٩١) باب ما
جاء في الأشربة، حديث (٨٦٠) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢١٧/٤) كتاب الأشربة، باب ما
يحرم من النبيذ، والبيهقي (٢٩٦/٨) كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام. وابن حبان (١٣٨٥
- موارد) من طريق محمد بن المنكدر عن جابر به.
وقال الترمذي: حسن غريب.
وصححه ابن حبان.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم علي وعائشة وعبد الله بن عمرو وخوات بن جبير وزيد بن ثابت
وسعد بن أبي وقاص.
حديث علي :
أخرجه الدارقطني (٢٥٠/٤) كتاب الأشربة (٢١) من طريق عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي
طالب حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: ((كل
مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام» قال أبو الطيب آبادي في ((التعليق المغني)) (٢٥٠/٤ - ٢٥١):
فيه عيسى بن عبد الله عن آبائه تركه الدار قطني.
حديث عبد الله بن عمرو:
أخرجه أحمد (١٦٧/٢) والنسائي (٣٠٠/٨) كتاب الأشربة: باب تحريم كل شراب اسكر كثيره وابن
ماجه (١١٢٥/٢) كتاب الأشربة: باب ما أسكر كثيره فقليله حرام حديث (٣٣٩٤) والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) (٢١٧/٤) والدارقطني (٢٥٤/٤) كتاب الأشربة (٤٣) والبيهقي (٢٩٦/٨) كتاب الأشربة:
باب ما أسكر كثيره فقليله حرام من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
حدیث خوات بن جبير:
أخرجه الحاكم (٤١٣/٣) والدارقطني (٢٥٤/٤) كتاب الأشربة (٤٤) والعقيلي في ((الضعفاء)) (٢٣٣/٢)
من طريق عبد الله بن إسحاق بن الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال ثنى أبي عن
صالح بن خوات بن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن جده عن رسول الله وَ ل* قال: ما أسكر كثيره
فقليله حرام وسكت عنه الحاكم والذهبي وضعفه العقيلي.
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٦٠/٥) وقال: رواه الطبراني في ((الكبير والأوسط)) وفيه عبد الله بن
إسحاق الهاشمي قال العقيلي: له أحاديث لا يتابع منها على شيء وذكر له الذهبي هذا الحديث.
حدیث زيد بن ثابت :
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٦٠/٥) عنه قال: قال رسول الله وَله: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في ((الكبير والأوسط)) وفيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف جداً.
حديث سعد بن أبي وقاص :
أخرجه النسائي (٣٠١/٨) كتاب الأشربة: باب تحريم كل شراب أسكر قليله والدارمي (١١٣/٢) كتاب =

٤٧٣
كتاب الأشربة
قال: ((كُلُّ مُسْكِرٍ مِنْ عَصِيرِ العِنَبِ، إِنَّما سُمِّيَ خَمْراً لِكَوْنِهِ مُخَامِراً لِلِعْقَلِ))(١) ومعنى المخامرة
يوجدُ في سائر الأشربة المسكرة.
وأبو حنيفة وأبو يوسف (رضي الله عنهما) احتجًا بحديثِ رسولِ الله وَّه وآثار الصحابة
الكرام (رضي الله عنهم).
أما الحديثُ فما ذكره الطحاوي (رحمه الله) في ((شرح الآثار)) عن عبد الله بن سيدنا عمر
(رضي الله تعالى عنهما) أنَّ النبيَّ (عليه الصلاة والسلام) أَتي بنبيذٍ، فَشَمَّهُ، فقطب وجهُهُ
لشدتِهِ، ثم دعا بماء فصبَّهُ عليه، وشَرِبَ منه(٢).
وأما الآثار، فمنها: ما رُوِيَ عن سيدنا عمر (رضي الله عنه) أنه كان يشربُ النبيذَ
الشديدَ، ويقولُ: إِنَّا لتنحرُ الجزورَ وأن العتق منها لآل عمر، ولا يقطعه إِلاَّ النبيذ الشديد.
ومنها: ما رَوَيْنَا عنه أنه كتب إِلى عمار بن ياسر (رضي الله عنهما) أني أُتيت بشرابٍ من
الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه، فَمُرّ من
قِبَلَكَ فليتوسعوا مِنْ أشربتهم، نص على الحل ونبه على المعنى وهو زوالُ الشدة المسكرة؛
بقوله: ((ويذهب ريح جنونه)) وندب إِلى الشرب بقوله: ((فليتوسعوا من أشربتهم)).
ومنها: ما رُوِيَ عن سيدنا عليٍّ (رضي الله تعالى عنه) أنه أضاف قوماً فسقاهم، فسكر
بعضُهم فَحَدَّهُ، فقال الرجلُ تسقيني ثم تحدني، فقال سيدنا عليّ (رضي الله عنه): إنما أحدك
للسكر.
وروي هذا المذهب عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن سيدنا عمر (رضي الله تعالى
عنهما) أنه قال: حين سُئل عن النبيذِ أشرب الواحد والاثنين والثلاثة، فإِذا خفتَ السكْرَ، فَدَعْ.
وإِذا ثبت الإِحلال من هؤلاء الكبار من الصحابة الكرام (رضي الله عنهم) فالقولُ
بالتحريم يرجعُ إلى تفسيقهم وأنه بدعة؛ ولهذا عد أبو حنيفة (رضي الله عنه) إِحلال المُثَلَّثِ من
شرائطٍ مذهب السنة والجماعة، فقال في بيانها: أَنْ يُفَضِّلَ الشيخين ويجب الختنين، وَأنُ يرى
الأشربة: باب ما قيل في المسكر والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٦/٤) وأبو يعلى (٥٥/٢) رقم
=
(٦٩٤، ٦٩٥) وابن حبان (١٣٨٦ - موارد) والبيهقي (٢٩٦/٨) من طريق عامر بن سعد عن أبيه أن
رسول الله وَلثم قال: ((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره)).
صححه ابن حبان .
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٨/٤) وابن أبي شيبة (١١٠/٥) كتاب الأشربة: باب من
كان يقول: إذا اشتد عليك فاكسره بالماء حديث (٢٤٢١٠).

٤٧٤
كتاب الأشربة
المسح على الخفين، وَأَنْ لاَ يُحَرِّمُ نَبِيذَ الخمرِ لما أن في القول بتحريمه تفسيق كبار الصحابةِ
(رضي الله تعالى عنهم)، والكف عن تفسيقهم، والإِمساك عن الطعن فيهم؛ من شرائط السنة
والجماعة .
وأما ما ورد من الأخبار ففيها طعنٌ ثم بها تأويلٌ، ثم قول بموجبها، أما الطعن: فإن
يحيى بن معين (رحمه الله) قد رَدَّها، وقال: لا تصح عن النبي (عليه السلام) وهو من نقلة
الأَحاديث، فطعنه يوجب جرحاً في الحديثين.
وأما التأويلُ: فهو أنها محمولة على الشربِ للتلهي؛ توفيقاً بين الدلائل؛ صيانةً لها عن
التناقض.
وأما القولُ بالموجب: فهو أن المسكر عندنا حرامٌ وهو القدح الأخير، لأن المسكر لا
يحصل به الإِسكار، وأنه لا يحصل بالقدح الأخير، وهو حرام قليلُه وكثيرُهُ، وهذا قول
بموجب الأحاديث إِن ثبتت بحمد الله (تعالى).
وأما قولهم: إن هذه الأشربة خمرٌ لوجود معنى الخمر فيها، وهو صفة مخامرة العقل،
قلنا: اسم الخمر للنيء مِنْ مَاءِ العنب إذا صار مسكراً حقيقةً ولسائر الأشربة مجازٌ؛ لأَن معنى
الإِسكار والمخامرة فيه كاملٌ، وفي غيره من الأشربة ناقصٌ، فكان حقيقة له مجازاً لغيره؛ وهذا
لأَنه لو كان حقيقة لغيره لكان الأمر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون اسماً مشتركاً، وإِما
أن يكون اسماً عامًّا، لا سبيل إلى الأول؛ لأَن شرط الاشتراك اختلاف المعنى، فالاسمُ
المشترك ما يقع على مسميات مختلفة الحدود والحقائق؛ كاسم العين ونحوها، وههنا ما
اختلف، ولا سبيل إلى الثاني لأن من شرط العموم أن تكون أفراد العموم متساوية في قبول
المعنى الذي وضع له اللفظ لا متفاوتة، ولم يوجد التساوي ههنا، وإذا لم يكن بطريق الحقيقة
تعين أنه بطريق المجاز، فلا يتناولها مطلق اسم الخمر، والله أعلم.
وأما الجُمْهُورِيُّ: فحكمه حكم المثلث؛ لأنّه مثلث يرق بصب الماء عليه، ثم يطبخ أَذْنَى
طبخة لئلاً يفسد.
وأما الخليطان: فحكمُهُمَا عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد من النيء عنهما
والمطبوخ وقد ذكرناه، وقد رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَّرِ أنه نهى عن شرب التمرِ والزبيبِ جميعاً،
والزهو والرطب جميعاً، وهو محمولٌ على النيء والسكر منه، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم.
وروي أنه (عليه السلام) نهى عن نبيذِ البسرِ والتمر والزبيب جميعاً(١) ولو طُبخ أحدُهما
(١) أخرجه أحمد (٣٦٣/٣) والبخاري (٦٧/١٠) كتاب الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا
كان مسكراً، حديث (٥٦٠١) ومسلم (١٥٧٤/٣) كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب
مخلوطين، حديث (١٦ - ١٩٨٦/١٩) وأبو داود (٩٩/٤) كتاب الأشربة، باب في الخليطين، حديث =

٤٧٥
كتاب الأشربة
ثم صب قدح من النيء فيه أفسده؛ سواء كان من جنسه أو خلاف جنسه؛ لأنه اجتمع الحلال
والحرام فيغلب الحرام الحلال، ولو خلط العصير بالماء فإِن ترك حتى اشتد لا شك أنه لا
يحل، وَإِن طبخ حتى ذهب ثلثاه ففيه نظر؛ إِن كان الماء هو الذي يذهب أولاً بالطبخ يطبخ
حتى يذهب قدر الماء ثم يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه فيحل، وإِن كان الماء والعصير يذهبان
معاً بالطبخ حتى يذهب ثلثا الجملة، فلا يحل، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم.
وأما المِزْرُ والجِعَةُ والبِتْعُ وما يُتَّخَذُ من السكر والتين ونحو ذلك، فيحل شربه عند أبي
حنيفة (رضي الله عنه)، قليلاً كان أو كثيراً، مطبوخاً كان أو نَيَّ، ولا يُحَدُّ شاربه وإِن سكر.
وروي عن محمد (رحمه الله) أنه حرامٌ بناء على أصله، وهو أن ما أسكر كثيره فقليله
حرامٌ كالمثلث.
وقال أبو يوسف (رحمه الله) ما كان من الأشربة يبقى بعدما يبلغ عشرة أيام ولا يفسد،
فإِنِي أكرهه؛ وكذا روي عن محمدٍ، ثم رجع أبو يوسف عن ذلك إلى قول أبي حنيفة
(رضي الله عنه).
وجه قول أبي يوسف الأول أَنَّ بَقَاءَهُ وعدم فساده بعد هذه المدة دَلِيلُ شدته، وشدتُهُ
دلیلُ حرمته.
وجه قول أبي حنيفة (رحمه الله) أن الحرمة متعلقةٌ بالخمرية لا تثبت إِلاَّ بشدة، والشدةُ
لا توجد في هذه الأشربة، فلا تثبت الحرمة، والدليلُ على انعدام الخمرية أيضاً ما روينا عن
النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ)) ذكر (عليه الصلاة والسلام)
الخمر بلام الجنس، فاقتضى اقتصار الخمرية على ما يتخذ من الشجرتين، وإِنما لا يجب الحد
وإِن سكر منه؛ لأنه سكرٌ حصل بتناول شيء مباح، وأنه لا يوجب الحد كالسكر الحاصل من
تناول البنج والخبز في بعض البلاد؛ بخلاف ما إذا سكر بشرب المثلث أنه يجب الحد؛ لأن
السكر هناك حصل بتناول المحظور وهو القدح الأخير.
(٣٧٠٣) والترمذي (٢٩٨/٤) كتاب الأشربة، باب ما جاء في خليط البسر والتمر حديث (١٨٧٦)
=
والنسائي (٢٩٠/٨ - ٢٩١) كتاب الأشربة باب خليط البسر والرطب، خليط البسر والتمر، خليط البسر
والزبيب وابن ماجه (١١٢٥/٢) كتاب الأشربة، باب النهي عن الخليطين، حديث (٣٣٩٥) والبيهقي (٨)
٣٠٦) كتاب الأشربة، باب الخليطين. من حديث جابر بن عبد الله ((أن رسول الله وَّل نهى أن ينبذ التمر
والزبيب جميعاً ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعاً)) وأخرجه أحمد (٧١/٣) ومسلم (١٥٧٤/٣ - ١٥٧٥)
كتاب الأشربة باب كراهة انتباذ التمر، حديث (٢٠، ١٩٨٧/٢١) والترمذي (٢٩٨/٤) كتاب الأشربة،
باب ما جاء في خليط البسر والتمر، حديث (١٨٧٧) والنسائي (٨/ ٢٩٠) كتاب الأشربة، باب خليط
الزهو والبسر من حديث أبي سعيد الخدري: ((أن النبي وَ لّ نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما وعن
التمر والبسر أن يخلط بينهما».

٤٧٦
كتاب الأشربة
وأما ظروف الأشربة المحرمة فيباح الشرب منها إذا غسلت إِلاَّ الخزف الجديد الذي
يتشرب فيها على الاختلاف الذي عرف في (كتاب الصلاة))، والأصلُ فيه قولُ النبيِّ (عليه
الصلاة والسلام): ((إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الشُّرْبِ فِي الدِّبَّاءِ والحَنْتَمْ والمزفت، أَلاَ فَاشْرَبُوا فِي
كُلِّ ظَرْفٍ، فَإِنَّ الظُّرُوفَ لاَ تُحِلُّ شَيْئاً وَلاَ تُحَرِّمُهُ)) (١).
(١) الدباء القرع، المزفت أو المقير ما دهن بهذه المادة. الحنتم: الخزف على أن لون، النقير: أصل النخلة،
ينقر ثم يقشر، المزادة المجبوبة: هي السقاء الكبير سميت بذلك لأنه يزاد فيها على الجلد الواحد، كذا
قال النسائي، والمجبوبة بالجيم بعدها موحدتان بينهما واو هي التي تقطع رأسها فتصير كالدن مشتقة من
الجب وهو القطع لكون رأسها يقطع حتى لا تبقى لها رقبة .
نقول: اتفق الفقهاء على حل الإنتباذ في اسقية الجلد غير المزادة المجبوبة واختلفوا في الانتباذ في الأوعية
المذكورة:
فذهب الجمهور إلى جواز الانتباذ فيها. وأن النهي عنها قد نسخ وذهب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي
طالب وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم إلى حرمة الانتباذ في هذه الأوعية، وبقاء النهي عنها.
واستدل الجمهور بالسنة ومنها ما يأتي:
الأول: ما روي عن أنس رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله وَّل عن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم
والمزفت، ثم قال بعد ذلك ألا كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية فاشربوا فيما شئتم ولا تشربوا مسكراً،
من شاء أوكى سقاءه على أثم)) رواه الإمام أحمد.
الثاني: ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله وَله عن الظروف فقالت الأنصار إنه لا
بد لنا منها قال فلا إذاً.
الثالث: ما رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلية:
((كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألاّ تشربوا مسكراً».
وجه الدلالة: قال الإمام النووي: كان الانتباذ في هذه الأوعية منهياً عنه في أول عهد التحريم خوفاً من أن
يصير النبيذ فيها مسكراً، ولا يعلم به لكثافتها فتتلف ماليته على صاحبه، وربما شربه الإنسان ظاناً أنه لم
يصر مسكراً فيصير شارباً للمسكر، وكان العهد قريباً بإباحة المسكر فلما طال الزمان واشتهر تحريم
المسكر وتقرر ذلك في نفوسهم نسخ ذلك وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط ألا يشربوا مسكراً، وهذا
صريح قوله ◌َّه في حديث بريدة المذكور في آخر هذه الأحاديث: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء
فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكراً)).
وقال ابن بطال إنما كان الانتباذ في الأوعية منهياً عنه قطعاً للذريعة، فلما قالوا لا نجد بداً من الانتباذ في
الأوعية قال: ((انتبذوا وكل مسكر حرام» وهكذا الحكم في كل شيء نهى عنه بمعنى النظر إلى غيره فإنه
يسقط للضرورة كالنهي عن الجلوس في الطرقات فلما قالوا لا بد لنا منها قال: ((فأعطوا الطريق حقها)).
واستدل القائلون ببقاء النهي وحرمة الانتباذ فيها بالسنة. وهي ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن وفد
عبد القيس قدموا على النبي ◌َّر فسألوه عن النبيذ فنهاهم أن ينبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم.
وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَير قال لوفد عبد القيس: ((أنهاكم عن الدباء والحنتم
والنقير والمقير والمزادة المجبوبة، ولكن اشرب في سقائك وأوكه)) رواه مسلم والنسائي وأبو داود. وما
رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله وَّلل عن الحنتمة وهي الجرة وعن الدباء وهي القرعة =

٤٧٧
كتاب الأشربة
ونهى عن النقير وهي أصل النخلة ينقر نقراً وينسح نسحاً، ونهى عن المزفت وهو المقير وأمر أن ينبذ في
=
الأسقية» رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه.
وجه الدلالة: أن النبي ◌َّ نهى عن الانتباذ في هذه الأوعية المذكورة وحقيقة النهي التحريم ولم يوجد له
صارف.
وروى ابن حزم أن علياً كرم الله وجهه شرب من نبيذ فلما بلغه أنه نبيذ جرّ تقيأه.
وروي أيساً عن نصر بن عمران الضبعي قال: قلت لابن عباس: إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذاً حلواً
فأشرب منه فيقرقر في بطني، قال ابن عباس: ((لا تشرب منه ولو كان أحلى من العسل)) يقرقر: بصوت
المختار ص ٥٢٨.
وأسند الطبري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ((لأن أشرب من قمقم محمّى فيحرق ما
أمرق، ويبقي ما أبقى أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجرّ)).
قيل لبعض الصحابة الذاهبين إلى بقاء النهي عن الانتباذ فيها إن النهي عن الانتباذ فيها قد نسخ بما صحٍ
عن رسول الله وَّر أنه قال: ((كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا
تشربوا مسكراً)) فهذا الحديث نص صريح في تقدم النهي عن الانتباذ فيها ثم نسخه بعد ذلك ولا حكم
للمنسوخ بعد صحة الأذن منه عليه الصلاة والسلام في الانتباذ فيها .
والذي اختاره مذهب الجمهور من إباحة الانتباذ في هذه الأوعية التي كان منهياً عن الانتباذ فيها ما دام الشراب
لم يصل إلى حد الإسكار وإنما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الانتباذ فيها أولاً لأن العهد بإباحة الخمر كان
قريباً والنفوس مولعة بشربها وقد كانوا ألفوا الانتباذ في هذه الأوعية فنهى الرسول عليه السلام عن الانتباذ فيها
سداً للذريعة، ثم لمّا شكوا إليه عدم قدرة كل واحد منهم على أسقية الجلد التي أذن فيها، أذن لهم في الانتباذ
في الجوار غير المدهونة لأنها أقل إسراعاً إلى استعداد الشراب من المدهونة ليتسع المجال أمامهم وترتفع
المشقة عنهم، ولما طال الزمن واستقر تحريم المسكر في نفوسهم أباح لهم الرسول عليه السلام الانتباذ في كل
وعاء وبين لهم أن الظرف لا دخل له في التحريم ولا في التحليل، وإنما مدار التحريم والتحليل على صفة
الشراب من الشدة والطرب فما كان مشتداً مطرباً فهو حرام، وما لم يكن كذلك فهو مباح، ويستوي في هذا
الانتباذ في جميع الأوعية، وأما بعض الصحابة المتمسكون ببقاء النهي عن الانتباذ فيها فلعلهم لم يبلغهم
الناسخ، كما قال الخطابي، وهذا الجواب لا محيض عنه، لأن الصحابة هم أسرع الناس امتثالاً وقبولاً
لأمر الله ورسوله عليه السلام لا يليق بمكانتهم أن يبلغهم الناسخ ويتمسكوا معه بالمنسوخ.
فإن قيل: فما الفرق بين أسقية الجلد التي أذن النبي عليه السلام في الانتباذ فيها أول الأمر وبين غيرها مما
نھی عنه؟
قلنا: إن أسقية الجلد لرقتها يتخللها الهواء من مسامها فلا يسرع التغير إلى ما فيها كما يسرع إلى ما في
غيرها من الأوعية الكثيفة المنهى عنها، وأيضاً فإن السقاء إذا نبذ فيه وربط أمنت من مفسدة الإسكار لأنه
إذا تغير واشتد وصار مسكراً شق الجلد فما دام لم يشقه فهو غير مسكر بخلاف الأوعية الأخرى فإنها
لكثافتها يصير النبيذ فيها مسكراً ولا يعلم به.
ينظر: أحكام الخمور لشيخنا السمطاوي، نيل الأوطار (١٥٢/٨)، فتح الباري (٤٧/١٠)، المحلى لابن
حزم (٤٩٧/٧).

٤٧٨
كتاب الأشربة
وأما بيان حد السكر الذي يتعلق به وجوب الحد فقد اختلف في حده، قال أبو حنيفة
(رضي الله عنه): السكران الذي يحد هو الذي لا يعقل قليلاً ولا كثيراً، ولا يعقل الأرض من
السماء، والرجل، من المرأة، وقال أبو يوسف (رحمه الله تعالى) ومحمد (رحمه الله):
السكران هو الذي يغلب على كلامه الهذيان.
وروي عن أبي يوسف أنه يمتحن ب﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فيستقرأ فإِن لم
يقدر على قراءتها فهو سكران؛ لما روي أن رجلاً صنع طعاماً فدعى: سَيِّدَنَا أبا بكر، وسيدنا
عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا عليًّا، وسيدنا سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنهم)، فأكلوا
وسقاهم خمراً، وكان قبل تحريم الخمر، فحضرتهم صلاة المغرب فأمهم واحدٌ منهم فقرأ:
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] على طرح: لا أعبد ما تعبدون فنزل قولُه (تبارك وتعالى):
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾(١) [النساء: ٤٣].
وهذا الامتحان غير سديدٍ؛ لأن مِنَ السكارى مَنْ لم يتعلم هذه السورة من القرآن أصلاً،
ومن تعلم فقد يتعذر عليه قراءتها في حالة الصحو خصوصاً مَنْ لا اعتناء له بأمرِ القرآن، فكيف
في حالة السكر.
وقال الشافعي (رحمه الله) إذا شرب حتى ظَهَرَ أثرُهُ في مشِيهِ وأطرافه وحركاته فهو
سكران، وهذا أيضاً غير سديدٍ؛ لأن هذا أمر لا ثبات له؛ لأنه يختلف باختلاف أحوال الناس
منهم مَنْ يَظْهَرُ ذلك منه بأدنى شيء، ومنهم من يظهر فيه، وإِن بلغ به السكر غايتَهُ.
وجه قولهما شهادة العرف والعادة، فإِن السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى،
وإليه أشار سيدنا علي (رضي الله عنه) بقوله: ((إِذَا سَكَرَ هَذَى وإذا هذى افترى وحد المفتري
ثمانون))، وأبو حنيفة (عليه الرحمة) يسلم ذلك في الجملة فيقول: أصلُ السكر يعرف بذلك،
لكنه اعتبر في باب الحدود ما هو الغاية في الباب احتيالاً للدرء المأمور به بقوله مَ له: ((اذرَؤُوا
الحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ))(٢) ولا يعرف بلوغ السكر غايته إلا بما ذكر، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم (٣).
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٥/٣) كتاب الأشربة باب في تحريم الخمر حديث (٣٦٦٩) والترمذي (٢٣٨/٥)
كتاب التفسير: باب ومن سورة النساء حديث (٣٠٢٦) والحاكم (١٤٢/٤) من حديث علي بن أبي
طالب .
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ذهب الجمهور إلى أن السكران الذي يترتب على سكره الأحكام من التفسيق ووجوب الحد وغيرهما هو
الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم وخرج عن مألوفه وعادته في حال صحوه، وهو رأي
الصاحبين وعليه الفتوى.
=

٤٧٩
کتاب الاستحسان
وذهب أبو حنيفة إلى أن السكران الذي تترتب عليه الأحكام غير العقوبة أما من تجب عليه العقوبة فهو
=
الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض ولا الرجل من المرأة.
واستدل الجمهور بالكتاب والسنة والأثر والمعقول.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾
الآية.
وجه الدلالة: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن قرب الصلاة حتى يعلموا كل ما يقولون، لأن ((ما)) من صنيع
العموم فدل ذلك على أن من لم يعلم كل ما يقول فهو سكران وإن علم البعض، يؤيد ذلك ما روى
الترمذي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا فأكلنا
وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما
تعبدون﴾ ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى
حتى تعلموا ما تقولون﴾.
فهؤلاء أصحاب رسول الله ◌َّ ر علموا بدخول وقت الصلاة وقاموا لأدائها وقدموا واحداً منهم ليؤمهم فيها
وقصد هو إمامتهم والقراءة لهم، وقد عرفوا أركان الصلاة فأتوا بها ومع ذلك دلت الآية الكريمة على أنهم
سكارى لخلطهم في القراءة فنهتهم عن القرب من الصلاة حتى يعلموا جميع ما يقولون فدل ذلك على أن
السكران الذي يترتب على سكره جميع الأحكام هو الذي يختلط كلام لسكره إذ لا فرق بين حكم
وحكم.
وأما السنة فما رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: أتى رسول الله وَّه برجل نشوان فقال: إني لم
أشرب خمراً إنما شربت زبيباً وتمراً في دباءة قال فأمر به فنهز بالأيدي وخفق بالبغال ونهى عن الدباء وعن
الزبيب والتمر يعني أن يخلطا.
وجه الدلالة: أن النبي ◌َّ أمر بضرب النشوان مع علمه بما شربه وأخباره به في حال نشوته، ولم تكن
معرفته له دارئة عن العقوبة، فدل ذلك على أن السكران الذي يعاقب هو الذي يختلط غالب كلامه وأن
وعى بعضه .
وأما الأثر فمنه ما يأتي:
الأول: ما رواه الدارقطني عن أمير المؤمنين على كرم الله وجهه في شرب الخمر قال: ((إنه إذا شرب
سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون».
الثاني: ما رواه ابن حزم عن عمرو بن دينار عن يعلى بن منبه عن أبيه قال: سألت عمر بن الخطاب عن
حد السكران فقال: ((هو الذي إذا استقرىء سورة لم يقرأها وإذا اختلطت ثوبه مع ثياب لم يخرجه)).
وجه الدلالة: أن هذين الأثرين عن عمر وعلي رضي الله عنهما دلاً على أن السكران هو الذي يختلط
كلامه وأنه يستحق العقوبة في تلك الحالة.
وأما المعقول فقالوا إن المجنون قد يعرف السماء من الأرض والطول من العرض والرجل من المرأة، ولو
جعلنا ضابط السكران الذي يعاقب من لا يعرف شيئاً مما ذكر لاستلزم ذلك عدم عقوبته .
واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه بالكتاب والأثر والمعقول.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾.
وجه الدلالة: أن الله تعالى عبر عن الصحو بعلم ما يقولون فكان السكر ضده وهو عدم العلم بشيء مما =

٤٨٠
كتاب الاستحسان
يقولون فيكون السكران هو الذي لا يعلم شيئاً مما يقول لا كلاً ولا بعضاً.
وأما الأثر فما في المبسوط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من بات سكران بات عريس الشيطان
فعليه أن يغتسل.
وجه الدلالة: أن ابن عباس بين أن السكران هو الذي لا يحس ولا يشعر بشيء لذلك أمره بالاغتسال عند
صحوه .
وأما المعقول فقال إن الحد عقوبة والحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درء اللحد، ونهاية السكر أن يغلب
السرور على العقل فيسلبه التمييز بين شيء وشيء، وما دون ذلك لا يعرى عن شبهة الصحو.
ورد على أبي حنيفة رضي الله عنه في الآية أنها لا تدل على أن السكران هو الذي لا يعرف شيئاً مما يقول
لأنها نزلت في علي كرم الله وجهه ومن كان معه ولم يصل سكرهم إلى الحد الذي اعتبره الإمام، لأنهم
أدركوا دخول وقت الصلاة وقاموا لأدائها عالمين بها قاصدين فعلها مقدمين بعضهم ليؤمهم فيها وقصد هو
إمامتهم ومع ذلك كله جعلهم الله سكارى لخلطهم في القراءة ولذا قال الكمال: ((ومن استدل للإمام بهذه
الآية على أن السكران هو الذي لا يعقل منطقاً فهو غريق في الخطأ، لأنها نزلت في علي وأصحابه، وأما
قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا﴾ الآية فإنما أطلق لهم الصلاة حتى يصحوا كل الصحو بأن يعلموا جميع ما
يقولون خشية أن يبدلوا بعض ما يقولون)).
وورد عليه في الأثر الوارد عن ابن عباس أنه لا ينهض حجة في مقابلة السنة الصحيحة مع معارضته بما
هو أقوى منه من أثرى عمر وعلي رضي الله عنهما.
وورد عليه في المعقول أنه لا يصلح لدرء العقوبة، ولو كان صالحاً لدرئها لكان الأولى في العمل به
رسول الله وَير، وقد عرفه النشوان وأخبره بأنه لم يشرب خمراً وإنما شرب زبيباً وتمراً ومع ذلك فقد أمر
الرسول ◌َله بضربه فضرب ولم يكن علمه بذلك شبهة دارئة عن العقوبة.
ينظر: أحكام الخمور لشيخنا السمطاوي، الهداية (١٨٨/٤)، نيل الأوطار (١٢٠/٧)، المحلى (٧)
٥٠٨)، المبسوط (٣٠/٢٤).