Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الأشربة
والرجس بالفتح: شدة الصوت، فكأن الرجس العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع بالقبح.
=
وقال ابن الكلبي: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ أي: مأثم من عمل الشيطان.
وقال الراغب في المفردات: ((الرجس)) الشيء القذر يقال: رجل رجس، ورجال أرجاس، قال
تعالى: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾، والرجس يكون على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع، وإما
من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، وإما من كل ذلك؛ كالميتة، فإنها تعاف طبعاً وعقلاً وشرعاً،
والرجس من جهة الشرع الخمر، والميسر، وقيل: ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبه
بقوله: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ لأن كل ما يوفى إثمه على نفعه، فالعقل يقتضي اجتنابه، وجعل
الكافرين رجساً من حيث إن الشرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض
فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ وقوله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ قيل: النتن
وقيل: العذاب؛ وذلك كفوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ وقال: أو لحم خنزير فإنه رجس، وذلك من
حيث الشرع.
وعن ابن عباس: ((الرجس في الآية: السخط)) وعن جابر بن زيد ((الرجس: الشر)»، وعن غيرهما:
((الرجس: المأثم)).
وإذا كان الأمر كما سبق وهو أن الرجس يطلق في اللغة على جميع ما تقدم، ولا قرينة في الآية تدل على
حمله على الرجس الحسي، بل قرن الخمر بما بعدها، والحكم على الجميع بأنه رجس من عمل الشيطان
يرجح أن المراد به إنما هو الرجس المعنوي، وهو ما ينفر منه العقل، لسوء عاقبته، والمذكورات في الآية
تشترك جميعها في هذا المعنى، فهي سبب للغضب، والعقاب، والإثم، والعذاب، وجعل الرجس في
جانب الخمر بمعنى النجاسة، وفي جانب غيرها لا على هذا المعنى نحكم، وتفريق بين المجتمعات في
الحكم بدون دليل، بل دل الدليل على خلافه، فإن قول الله تعالى: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾
كالصريح في كون الرجس معنوياً، وهو محمول على الجميع من الخمر، وما عطف عليها؛ لأن الأصل
في الإخبار عن المبتدأ، وما عطف عليه، ولا قرينة في الآية تدل على خلافه، إما بتقدير مضاف، كالشأن
أو التعاطي، وإما لأنه على صورة المصدر، فيستوي فيه القليل، والكثير. وأما جعله خبراً عن الخمر
فقط، وخبر ما عطف عليها محذوف، فخلاف الظاهر المتبادر من السياق، ولا قرينة في الآية تدل عليه
فإن قيل: إن القرينة الإجماع على طهارة ما عطف على الخمر قلنا: فما هي القرينة قبل الإجماع؟ وهل
كان الجميع طاهراً أم نجساً قبله؟
وحسبي في هذا المقام قول الإمام النووي: ((واحتج أصحابنا بالآية الكريم، قالوا: ولا يضر قرن الميسر
والأنصاب، والأزلام بها، لأن هذه الأشياء طاهرة، لأن هذه الثلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على
مقتضى الكلام، ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة؛ لأن الرجس في اللغة: القذر، ولا يلزم منه النجاسة،
وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة:
وأما استدلال الطرفين بالسنة: فلا يشم منه رائحة الدلالة على الطهارة، أو النجاسة؛ لأن الإراقة، والأمر
بها كان يقصد شهرة التحريم، وإبلاغه إلى الجميع، وما كان كذلك لا يستلزم الحكم بالنجاسة، ولا
بالطهارة؛ لأن القاذورات قد تراق في الطرقات، إن لم يكن بد من إراقتها، وقد كان أهل المدينة لا
يتخذون المرافق في بيوتهم؛ لأنهم يتقذرون منها، قالت عائشة رضي الله عنها: ((إنهم كانوا يتقذرون من
اتخاذ الكُثُفِ في البيوت))، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة، ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على =

٤٤٢
كتاب الأشربة
الفور، على أنه كان يمكن التحرز منها على فرض نجاستها، فإن طرق المدينة واسعة، ولم تكن الخمر
=
من الكثرة، بحيث تصير نهراً يعم الطريق، وإنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحفظ منها وأما معقول
الجمهور: فلم يسلم واحد من وجوهه الأربعة كما سبق.
وأما الإجماع: فلم يصح.
قال الشيخ السمسطاوي: هذا ما استدل به الطرفان وما ورد عليه، ومع احترامي لمذهب الجمهور فإنه لم
يظهر لي دليل ناهض ينتج مذهبهم إلا ما يحتمله أثر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد قدمنا أنه
محتمل ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، ولو سلم ظهوره في الطهارة التي هي ضد النجاسة لكان رأياً له
مما للاجتهاد فيه مجال، ولذا قال الإمام النووي: ((وأقرب ما يقال في نجاستها ما ذكره الغزالي أنه حكم
بنجاستها تغليظاً وزجراً عنها قياساً على الكلب وما ولغ فيه وقد أسلفنا أن هذا لم يتم لعدم الاتفاق على
حكم أصله لذلك فإني أختار القول بالطهارة مستنداً في ذلك إلى أن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يثبت
ما يخرجها عن هذا الأصل من الدليل الناهض، وما رأيته بعد، والحكم بحرمة التناول لا يستلزم الحكم
بنجاسة المعين لا بمطابقة ولا يتضمن ولا بالتزام وإذا كانت الخمر نجسة في شريعة الإسلام فما الذي دعا
رسول الله ◌َو إلى ترك النصوص الدالة على ذلك إلى وفاته وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو
ممتنع اتفاقاً مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يترك أمراً من الأمور إلا مبيناً، وها هي ذي النصوص
العديدة في أبواب الخمر الكثيرة من التحريم إلى حرمة التداوي إلى حرمة البيع والاهداء ونحوها ولم نجد
نصاً واحداً منه بَّر نستند إليه في مبحث النجاسة، ولذا صرح العلماء بأنهم حكموا بنجاستها تغليظاً
وزجراً عنها .
هذا وقد رأيت في مجموع الإمام النووي أن إمام الحرمين والغزالي قالا بطهارة الخمر المحترمة والتي
استحالت خمراً في باطن حبات العنب قال الإمام النووي فرع الخمر نوعان محترمة وغيرها فالمحترمة هي
التي اتخذ عصيرها ليصير خلاً، وغيرها ما اتخذ عصيرها للخميرة.
هذا - وأما النبيذ المسكر فحكمه في النجاسة حكم الخمر المتفق عليها عند المالكية والشافعية والحنابلة
وغيرهم من الفقهاء حملاً على الخمر وهو رأي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.
وأما الحنفية فإنهم قائلون بنجاسة الأنبذة الثلاثة المحرمة عندهم فحسب قياساً على الخمر.
وحكى النووي في المجموع عن صاحب البيان من الشافعية وجهاً: أن النبيذ المسكر طاهر لاختلاف
العلماء في إباحة قليله .
هذا - وإذا لم ينهى الدليل على نجاسة الخمر التي من نيء عصير العنب المشتد فالنبيذ مع الاختلاف فيه
على ما سبق أولى.
قال صديق حسن خان في كتاب الروضة البهية: ((والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم
يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه، لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها
ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم شرعي والأصل البراءة من ذلك لا سيما إذا
كان ذلك من الأمور التي تعم بها البلوى، وقد أرشدنا الرسول ومَ لل إلى السكوت عن الأمور التي
سكت الله عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من العباد أن
يحكم بنجاسته بمجرد رأيه كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرم الله تناوله زاعماً أن النجاسة =

٤٤٣
كتاب الأشربة
لأن الله (تبارك وتعالى) سمَّاها رجساً في كتابه الكريم؛ بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ
فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ولو بل بها الحنطة فغسلتْ وجففَّتْ وطحنَتْ، فإِن لم يوجد منها طعم
الخمر ورائحتها يحلّ أكله، وإِن وجد لا يحل؛ لأن قيام الطعم والرائحة دليلُ بقاء أجزاء
الخمر، وزوالها دليلُ زوالها، ولو سقيت بهيمة منها ثم ذبحت، فإن ذبحت ساعة ما سقيت به
تحلُّ من غير كراهةٍ؛ لأنها في أمعائها بعد فتطهر بالغسل، وإِن مضى عليها يوم أو أكثر تحل
مع الكراهة لاحتمالٍ أنها تفرقت في العروق والأعصاب.
ومنها: إذا تَخَلَّلَتْ بنفسها يحلُّ شربُ الخل بلا خلاف(١)؛ لقوله (عليه السلام): ((نِعْمَ
والتحريم متلازمان، وهذا لزعم من أبطل الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا
=
تضمن ولا التزام فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاستها إلا أن ورد عن الشارع ما يدل على
النجاسة، وقد ورد ما أفاد نجاسة الدم والميتة من السنة، روى الشيخان وأحمد عن أسماء بنت أبي بكر
رضي الله عنهما قالت: جاءت امرأة إلى النبي ◌َّلير فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف
تصنع؟ فقال: تحثه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه)). وروى الدارقطني والإمام أحمد عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله وَالر فقال: ((هلا
أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة، قال يطهرها الماء والقرظ». فهذان النصان عن
رسول الله وَّل ولا على نجاسة بعض ما حرم الله تناوله، ولولا ورودهما ما كان لأحد أن يحكم بالنجاسة
بمجرد التحريم أما الخمر فإنه لم يرد في نجاستها سنة من السنن ولا أثر لم يخل عن احتمال ولذا قال
صاحب سبل السلام: ((والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة وأن التحريم لا يلازم النجاسة فإن الحشيشة
محرمة طاهرة وكذا المخدرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأما النجاسة فيلازمها التحريم فكل
نجس محرم وليس كل محرم نجساً وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع من ملابستها على كل حال،
فالحكم بالنجاسة للعين حكم بتحريمها بخلاف الحكم بالتحريم فإنه لا يستلزم النجاسة الشرعية كالمخاط
والبصاق فإنه يحرم تعاطيهما مع طهارتهما شرعاً فإذا عرفت هذا فتحريم الخمر الذي دلت عليه النصوص
لا يلزم منه نجاستها، بل لا بد من دليل آخر عليها وإلا بقيت على الأصل المتفق عليه من الطهارة فمن
ادعی خلافه فالدلیل علیه.
ينظر: أحكام الخمور لشيخنا حسين السمطاوي المجموع للنووي (٥٧٤/٢) تفسير القرطبي (٢٨٨/٦)،
نيل الأوطار (١٤١/٨)، الهداية (١٥٧/٨) التحفة وحواشيها (٢٨٨/١).
(١) اختلفوا في نجاسة الخمر، وطهارتها: فذهب فريق إلى الطهارة، وذهب الجمهور إلى النجاسة.
والقائلون بالنجاسة اختلفوا في حكم الطهارة بالتخليل، ولبيان الحكم عندهم في ذلك نقول:
اتفق القائلون بنجاسة الخمر على أنها إذا تخللت بنفسها طهرت، إلا ما حكي عن سحنون المالكي: أنها
لا تطهر .
قال النووي في شرح مسلم: ((أجمعوا على أن الخمر إذا انقلبت بنفسها خلاًّ طهرت، وقد حكي عن
سحنون المالكي أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله)).
واختلفوا في حكم التخليل، وتأثيره في الطهارة، سواء أكان التخليل بوضع شيء فيها، أم بنقلها من مكان
إلى آخر ونحوه :
=

٤٤٤
كتاب الأشربة
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن التخليل حرام، ولا تطهر به الخمر إن كان بوضع شيء فيها، أما إن كان
=
بنقلها من مكان إلى آخر ونحوه، فأصح الوجهين في المذهبين أنها تطهر.
وذهب الحنفية: إلى أن التخليل مباح، وتطهر به الخمر، وهو أحد قولي المالكية، وذهب الظاهرية إلى
حرمة التخليل مع الطهارة به، وهو أحد قول المالكية.
استدل الشافعية والحنابلة بالسنة، والأثر، والمعقول:
أما السُّنة: فمنها ما يأتي :
الأول: ما رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، عن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّ سئل عن الخمر تتخذ
خلا فقال: لا .
الثاني: ما رواه أحمد، وأبو داود عنه أيضاً، أن أبا طلحة سأل النبي وَلّر عن أيتام ورثوا خمراً؟ قال
أهرقها، قال: أفلا نجعلها خلاًّ؟ قال: لا.
الثالث: ما رواه أحمد، والدارقطني عنه أيضاً؛ أن يتيماً كان في حجر أبي طلحة، فاشترى له خمراً، فلما
حرمت سئل النبي ◌َّلو أتتخذ خلاً؟ قال: لا.
الرابع: ما رواه أحمد، عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله لمّا حرمت الخمر؟ إن عندنا خمر اليتيم لنا
فأمرنا فأهرقناها.
الخامس: ما رواه مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَلَه يخطب بـ((المدينة))
فقال: أيها الناس إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعلّ الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده منها شيء
فليبعه، ولينتفع به، قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال الرسول وَليقول: ((إن الله تعالى حرم الخمر، فمن
أدركته هذه الآية - وعنده شيء منها - فلا يشرب ولا يبع))، فاستقبل الناس بها طرق ((المدينة)) فسفكوها.
وجه الدلالة: أن النبي ◌َّ نهى أصحابه عن اتخاذ الخل من الخمر ولو كانت ليتامى وأمرهم بإراقتها، ولو
كان هناك سبيل إلى إصلاحها، والانتفاع بها، لأرشدهم إليه ولنهاهم عن إضاعتها، وإتلافها؛ كما
نصحهم، وحثهم على الانتفاع بها قبل تحريمها، لما توقع نزول التحريم القاطع، وكما نبه أهل الشاة
الميتة على دباغ جلدها، والانتفاع به، والنهي حقيقة التحريم، ولم يوجد له صارف، والفعل المحرم لا
يكون سبباً في الحل، كذبح الشاة في غير مذبحها.
وأما الأثر فما رواه البيهقي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس، فقال: ((لا يحل خل
من خمر قد أفسدت، حتى يبدأ الله إفسادها، فعند ذلك تطهر، ويطيب خلها ولا بأس بأن يشتروا من أهل
الذمة خلاً، ما لم يتعمدوا إفساده)) .
وجه الدلالة أن عمر بن الخطاب خطب الناس، وبيَّن لهم أن خل الخمر التي تعالج لا يحل، وأما التي
يحل خلها: فهي التي خللت بنفسها، وهذا قول ينتشر، وخاصة من مثل عمر رضي الله عنه ولم يعلم له
منكر، فكان كالإجماع على حرمة التخليل، وعدم التطهير، وقد بالغ ابن قدامة، فقال: ((ولأن إجماع
الصحابة)) ثم ساق الأثر المذكور.
وأما المعقول: فمنه ما يأتي :
الأول: قالوا: إذا خللت الخمر بطرح شيء فيها، فإن ما طرح فيها يتنجس بها عند الملاقاة، فإذا خللت
تنجست هي به، فلا تطهر.
الثاني: قالوا: إن التخليل حرام؛ لصحة النهي عنه بدون صارف له عن حقيقة، والنهي للتحريم، والفعل =

٤٤٥
كتاب الأشربة
.
المحرم شرعاً لا يكون سبباً للحل، كذبح الشاة في غير مذبحها.
=
الثالث: قالوا: إنه استعجل حدوث الخل بالتخليل قبل أوانه، فعوقب بنقيض قصده؛ كمن باشر قتل
مورثه، يحرم من الميراث، لمباشرته فعلاً حراماً، بخلاف ما إذا مات بنفسه، وقد جرى على ألسنة
الفقهاء ((من طلب الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه)).
وللحنفية: واستدل الحنفية بالسنة، والأثر، والمعقول:
أما السُّنة، فمنها ما يأتي :
الأول: ما رواه مسلم، والنسائي، عن أبي طلحة بن نافع، عن جابر رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَير: ((نعم الإدام الخل)).
الثاني: ما رواه البيهقي في المعرفة، عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه عن
النبي ◌َّر أنه قال: ((خير خلكم خل خمركم)).
الثالث: ما أخرجه الدارقطني في سننه، عن فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم
سلمة رضي الله عنها، أنها كانت لها شاة تحتلبها، ففقدها النبي وَلو فقال: «ما فعلت الشاة)»؟ قالوا:
ماتت، قال: ((أفلا انتفعتم بإهابها»، فقلنا: إنها ميته، فقال عليه السلام: ((إن دباغها يحله؛ كما يحل خل
الخمر)).
وجه الدلالة: أن النبي ◌َّلير مدح الخل مطلقاً، وبين أن خير الحل ما كان من الخمر، ولم يفصل بين ما
كان بعلاج، وما كان بغير علاج؛ فدل ذلك على جواز التخليل، واتخاذ الخل من الخمر بالعلاج، وقد
أرشدنا في الحديث الثالث إلى جواز الاتخاذ بالمعالجة، كدبغ جلد الميتة.
وأما الأثر: فما رواه ابن حزم، عن علي كرم الله وجهه أنه كان يصطبغ بالخل.
وروي أيضاً: أن اثنين من أصحاب معاذ اختلفا في خل الخمر، فسألا أبا الدرداء فقال: لا بأس به.
وروي أيضاً عن مسربل العبدي، عن أمه قالت: سألت عائشة أم المؤمنين عن خل الخمر؟ فقالت: ((لا
بأس به هو إدام)» .
وجه الدلالة أن هؤلاء الصحابة كانوا يستعملون الخل، وإن كان من الخمر، ولا يرون به بأساً، فدل ذلك
على جواز التخليل والطهارة .
وأما المعقول: فمنه ما يأتي:
الأول: قالوا: إن التخليل إصلاح لجوهر فاسد، فيكون من الحكمة والشرع ألا ينهى عنه؛ كدبغ جلد
الميتة .
الثاني: قالوا: إذا زال الوصف المفسد من الشدة المطربة، فقد زال سبب النجاسة والتحريم، فتطهر
وتحل، كما لو تخللت بنفسها.
واستدل المفصلون بما استدل به الشافعية، ومن معهم من السنة، وقالوا للمفصلين في توجيهها: إن
الأحاديث دلت على النهي عن التخليل وحقيقة التحريم، إلا أن الخل يحل، لقول الرسول عليه الصلاة
والسلام: ((نعم الإدام الخل))، قال ابن حزم: فإذاً الخل حلال، فهو بيقين غير الخمر المحرمة، وإذا
سقطت من العصير الحلال صفات العصير، وحلت فيه صفات الخمر، فليست تلك العين عصيراً حلالاً،
بل هي خمر محرمة، وإذا سقطت عن تلك العين صفات الخمر المحرمة، وحلت فيها صفات الخل =

٤٤٦
كتاب الأشربة
الحلال، فليست خمراً محرمة، بل هي خل حلال، وهكذا كل ما في العالم إنما الأحكام على الأسماء،
=
فإذا بطلت تلك الأسماء بطلت تلك الأحكام المنصوصة عليها، وحدثت لها أحكام الأسماء التي انتقلت
إليها .
ولأن حرمة التخليل لا تستلزم عدم الطهارة به إذا صار الخمر خلاً؛ لأن الخل غير الخمر، فيكون طاهراً
حلالاً؛ لأن الأحكام ترد على الأسماء؛ كما تقدم عن ابن حزم.
ورد على الشافعية، ومن معهم في السنة أن النهي عن التخليل ليس مقصوداً، وإنما المقصود النهي عن
الاستعمال؛ كأنه يستعمل الخمر استعمال الخل في الاصطباغ به، وهو نظير ما روي أن النبي وَّر ((نهى
عن تحليل الحرام، وتحريم الحلال، وأن تتخذ الدواب كراسي والمراد الاستعمال، ولما نزل قول الله
تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ قال عديّ بن حاتم رضي الله عنه: ما عبدناهم
قط، قال النبي وَلير: ((أليس كانوا يأمرون وينهون، فتطيعونهم))؟ قال: نعم، فقال عليه السلام: ((هو ذاك))
فسر الاتخاذ بالاستعمال، وفي حديث أبي طلحة ذكر بعض الرواة، أفلا أخللها؟ قال: نعم، وإن صح ما
روي، فإنما نهى عن التخليل في الابتداء للزجر عن العادة المألوفة، فقد كان يشق عليهم الانزجار عن
العادة المألوفة في شرب الخمر، فأمر النبي ◌َّ بإراقة الخمور، ونهى عن التخليل أولاً، مبالغة في
التحريم ثم نسخ بعد ذلك.
وأجاب الشافعية: بأن حمل النهي عن التخليل على النهي عن الاستعمال خلاف الظاهر المتبادر من
السياق، ولا قرينة تدل عليه، بل الدليل يدل على خلافه، فإن الصحابة كانوا يفهمون من أدلة التحريم
تحريم كل وسائل الانتفاع، كالبيع والإهداء؛ ولذلك أراقوا ما كان عندهم من الخمور، وعلم بذلك
الرسول عليه السلام، وأقرهم، بل أمرهم بالإراقة، روى الحميدي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رجلاً كان يهدي لرسول الله وَ ل# راوية خمر، فأهداها إليه عاماً وقد حرمت فقال النبي وَّ: ((إنها
حرمت))، فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال النبي ◌َّ: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها))، قال: أفلا أكارم
بها اليهود؟ قال النبي ◌َّر: ((إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود)»، قال: فكيف أصنع بها؟ قال:
(شنها على البطحاء)).
وأما ما نسبوه إلى بعض الرواة في حديث أبي طلحة، من أن النبي وَّ قال له: ((نعم)) فلم ترد هذه الزيادة
في المسانيد الصحيحة، ولا في السنن، وعلى تقدير ورودها، فإنما قصد منها التقريع؛ لكثرة إلحاح أبي
طلحة في سؤال التخليل.
وأما الجواب على ادعاء النسخ، فسأذكر فيه كلمة ابن تيمية قال رحمه الله: فإن قيل هو منسوخ؛ لأنه كان
في أول الإسلام، فأمروا بذلك، كما امروا بكسر الآنية، وشق الظروف؛ ليمتنعوا عنها، قيل: هو غلط
من وجوه:
الأول: أن أمر الله لا ینسخ إلا بأمر الله ورسوله، ولم يرد بعد هذا نص بنسخه.
الثاني: أن الخلفاء الراشدين بعد موت النبي ◌َّيّ عملوا بهذا؛ كما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((لا
تأكلوا خل خمراً إلا خمراً بدأ الله إفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري من خل أهل الذمة.
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن خل الخمر التي قصد إفسادها، ويأذن فيما بدأ الله
بإفسادها، ويرخص في شراء خل أهل الذمة؛ لأنهم لا يفسدون خمرهم، وإنما تتخلل بغير اختيارهم . =

٤٤٧
كتاب الأشربة
٠.
الثالث: إن الصحابة كانوا أطوع الناس لله ولرسوله؛ ولهذا لما حرم عليهم الخمر أراقوها، فإذا كانوا مع
=
هذا نهوا عن تخليلها، وأمروا بإراقتها، فمن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك؛ فإنهم أقل طاعة لله
ولرسوله، يوضح ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - غلظ على الناس العقوبة في شرب الخمر،
حتى كان ينفي فيها؛ لأن أهل زمانه كانوا أقل اجتناباً لها من الصحابة على عهد رسول الله وَالر - فكيف
يكون زمان ليس فيه النبي عليه السلام ولا عمر؟ لا ريب أن أهله يكونون أقل اجتناباً للمحارم، فكيف
تسد الذريعة عن أولئك المتقين، وتفتح لغيرهم، وهم أقل تقوى منهم؟
وأما ما يروى: ((خير خلكم خل خمركم)) فهذا كلام لم يقله الرسول عليه الصلاة والسلام ومن نقله عنه
فقد أخطأ، ولكن هو كلام صحيح؛ فإن خل الخمر لا يكون فيه ماء، ولكن المراد التي بدأ الله
بإفسادها)).
وورد عليهم في المعقول الأول: أن الخل لا يتنجس بالمطروح قبل التخليل؛ كما لا ينجس بأجزاء الدَّنِّ
التي تلاقي الخمر قبل التخلل.
وأجاب الشافعية بالفرق بين أجزاء الدَّنِّ والمطروح، بأن أجزاء الدن من الضروريات اللازمة للخمر،
فحكم بطهارتها وطهارته، للضرورة، وإلا لما أمكن اتخاذ خل من خمر تخللت بنفسها، ولا كذلك
المطروح، فإنه لا ضرورة إليه، ويمكن اتخاذ الخل من الخمر بدونه.
قال النووي: فإذا خللت، فهذا الخل نجس لعلتين: إحداهما التخليل، وثانيتهما: نجاسة المطروح
بالملاقاة، فتستمر نجاستها، إذ لا مزيل لها، ولا ضرورة إلى الحكم بانقلابها به طاهراً، بخلاف أجزاء
الدَّنْ، قال أصحابنا: وسواء في هذا المحترمة وغيرها، والمطروح قصداً، والواقع فيها اتفاقاً، باتقاء الريح
ونحوها، وفي وجه ضعيف يجوز تخليل المحترمة، وتطهر به، وفي وجه تطهر المحترمة، وغيرها إذا
طرح بلا قصد، حكاهما الرافعي، والصحيح المشهور: أنه لا فرق)).
وورد عليهم في المعقول الثاني: أنا لا نسلم أن التخليل حرام، بل هو جائز؛ لأن النهي عن التخليل إنما
هو نهي عن الاستعمال، وعلى تسليم أنه راجع إلى التخليل، فقد كان ذلك أولاً، ثم نسخ.
وأجاب الشافعية بما سبق، وخلاصته: أن النهي ظاهر في حرمة التخليل؛ لأن تلك حقيقة، ولم يوجد له
صارف، وأما ادعاء النسخ، فقد تقدم إبطاله.
وورد على الحنفية ومن معهم في السُّنة:
أن حديث: ((نعم الإدام الخل)) ليس فيه تعرض لجواز اتخاذ الخل من الخمر بعلاج أو بغيره، وإنما هو
مدح للخل مطلقاً، سواء أكان من غير الخمر، أم منها، فيحمل على ما كان من غيرها، أو منها بدون
علاج؛ جمعاً بين الأدلة.
وأن حديث: ((خير خلكم خل خمركم)) لا يدل؛ لأن في سنده المغيرة بن زياد، وهو ضعيف، ويقال له:
أبو هاشم المكفوف صاحب مناكير، وقيل: إنه حدث عن عطاء بن أبي رباح جملة المناكير. وإذا كان
الحديث بهذه المنزلة، فلا يقوى على معارضة أحاديث الجمهور الصحيحة الصريحة في النهي عن
التخليل، ولو سلمنا صحته، لما دل على جواز اتخاذ الخل من الخمر بعلاج؛ لأن كل ما فيه بيان أن خير
الخل ما كان من الخمر، لعدم مزجه بالماء، وهذا لا يدل على جواز الاتخاذ بالعلاج، وليس حمله على
اتخاذه منها بعلاج أولى من حمله على ما كان منها بدون علاج، بل الثاني أولى، لموافقته للأحاديث =

٤٤٨
كتاب الأشربة
الصحيحة المرفوعة؛ ولأنه الذي كان عليه عمل الصحابة الذي دل عليه أثر الفاروق عمر رضي الله عنه
=
ولم يعلم له مخالف.
قال الزيلعي: تفرد به المغيرة بن زياد، وليس بالقوي، وأهل ((الحجاز)) يسمون خل العنب خل الخمر،
قال: وإن صح، فهو محمول على اتخاذه بدون معالجة، وعليه يحمل حديث فرج بن فضالة.
وأن حديث: ((إن دباغها يحله؛ كما يحل خل الخمر)) لا يدل على جواز التخليل، قال ابن القيم: ((تفرد به
فرج بن فضالة، عن يحيى، وفرج ممن لا يحتج بحديثه، ولم يصح تخليل الخمر من وجه، وقد فسرته
رواية فرج فقال: معنى أن الخمر إذا تغيرت، فصارت خلاً حلت، فعلى هذا التفسير الذي رواه الراوي
يرتفع الخلاف، وقد قال الدارقطني: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول:
حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة، وقال البخاري: فرج بن فضالة منكر
الحديث .
وورد عليهم في الآثار أنها لا تدل على جواز التخليل.
أما أثر علي كرم الله وجهه فلأنه فعل من أفعاله، ولم يبين لنا طريقة استحضار الخل الذي كان يصطبغ به،
وهل كان من الخمر أو من غيرها؟ وإذا كان منها، فهل تخلل بنفسه، أو بمعالجة آدمي. وكذا الأثران
الآخران ليس فيهما بيان كيفية اتخاذ الخل من الخمر، هل هو بعلاج، أو بدونه؟ فيحمل على ما كان
بدون علاج، جمعاً بين الآثار، وقد بين المراد من الآثار جميعها أثر عمر رضي الله عنه الذي خطب به
على رؤوس الأشهاد، وهو دال على حرمة التخليل، وعدم التطهير، ولم يعلم له مخالف، فهو كالإجماع
على ذلك، وقد عده ابن قدامة إجماعاً؛ كما قدمنا ذلك عنه .
وورد عليهم في المعقول الأول: أنه باطل لوجهين:
الأول: أنه في مقابلة النص الصريح الصحيح في حرمة التخليل سئل النبي وّر عن الخمر تتخذ خلاً؟
فقال: ((لا)).
الثاني: أن حكم الأصل مختلف فيه، فقد قال الهادوية وغيرهم: إن الدباغ لا يطهر جلد الميتة.
وورد عليهم في المعقول الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ لأن التي تخللت بنفسها قد زالت علة نجاستها
بدون علة خلفتها، فتطهر؛ كالماء إذا تغير بطول المُكْث، بخلاف التي تخللت بطرح شيء فيها، فإنها
وإن كانت علة نجاستها من الشدة المطربة قد زالت، إلا أنها قد خلفتها علة أخرى، وهي نجاستها بنجاسة
ما تنجس بها عند الطرح فيها قبل التخليل، فلم يتم القياس.
فإن قيل: إن سلم هذا في التخليل بطرح شيء فيها، فلا يسلم في التخليل بغير طرح شيء؛ كالنقل من
مكان إلى آخر .
قلنا: إن الأصح في المذهبين فيما إذا خللت بغير طرح شيء فيها أنها تطهر، قال النووي في ((المجموع)):
((وأما مسألة النقل من مكان إلى آخر، كنقلها من شمس إلى ظل، أو بالعكس، فالأصح أنها تطهر،
والوجهان جاريان فيما إذا فتح رأسها؛ ليصيبها الهواء استعجالاً للحموضة)).
وقال ابن قدامة: ((فأما من نقلها من موضع إلى آخر، فتخللت من غير أن يلقي فيها شيئاً، فإن لم يكن
قصد تخليلها، حلت بذلك؛ لأنها تخللت بفعل الله تعالى، وإن قصد تخليلها، احتمل أن تطهر، لأنه لا
فرق بينهما، إلا القصد، فلا يقتضي تحريمها، ويحتمل ألا تطهر، لأنها خللت، فلم تطهر، كما لو ألقي
فيها شيء .
=

٤٤٩
كتاب الأشربة
..
ولأرباب الرأي المرجوح أن يقولوا: إن الشارع الحكيم نهى عن التخليل، سواء أكان بطرح شيء فيها أم
=
بنقلها من مكان إلى آخر ونحوه، فكان هذا العقل محرماً شرعاً؛ لمخالفة النهي، والفعل المحرم شرعاً لا
يكون سبباً في الحل والانتفاع؛ كذبح الشاة في غير مذبحها.
هذه أدلة المتخالفين، ومناقشتها، وبالنظر فيها نرى أن الأدلة الدالة على حرمة التخليل مطلقاً، سواء أكان
بطرح شيء فيها، أم بغيره، قوية وصحيحة، ولم يوجد لها صارف، أو ناسخ.
وأما مسألة الطهارة، أو النجاسة بالتخليل، فالذي نتبينه من مذهب المانعين للطهارة به أن العمدة فيه إنما
هو مجاورة الخمر لعين تطرح فيها قبل التخليل، فتتنجس العين المطروحة بالخمر حين طرحها، فتستمر
نجاسة الخمر بعد التخليل، كما كانت قبل التخليل، لمجاورتها للعين المطروحة، وهذا يفيد أنهم يقولون
بطهارة الخمر عند انقلابها خلاً، ثم يحكمون بتنجيسها بمجاورة تلك العين المطروحة المتنجسة بالخمر
قبل التخليل، ولذلك كان الأصح عندهم الطهارة فيما إذا كان التخليل بغير طرح شيء فيها.
فإذا كان النهي عن التخليل يقتضي عدم التطهير، فيلزمهم أن يقولوا بنجاسة الخمر إذا انقلبت خلاً لمعالجة
بغير وضع شيء فيها، كالنقل من مكان إلى آخر، وهم لا يقولون به في أصح مذهبهم.
وإن كان النهي عن التخليل لا يقتضي عدم التطهير، فيلزمهم أن يقولوا بطهارة الجميع، سواء أخللت
بطرح شيء فيها، أم بنقلها من مكان إلى آخر ونحوه، وحرمة التخليل شيء، ونجاسة الخل أو طهارته
شيء آخر.
وكما عفى عن أجزاء الإناء التي تلاقى الخمر عند النجاسة يعفى عما ألقي فيها قبل التخليل، وإن كان
الإلقاء حراماً إن كان بفعل فاعل، ويتضح بهذا أن أرجح المذاهب ما قال به المالكية، والظاهرية من حرمة
التخليل، لصحة النهي عنه، وطهارة الخل.
وأما أثر عمر رضي الله عنه فليس نصًّا في عدم طهارة ما تخللت بفعل فاعل، مع احتمال أنه رأى له مما
للاجتهاد فيه مجال.
واتفق الفقهاء على أن الخمر التي من نيء عصير العنب المشتد يحرم على المسلم المكلف العالم بها
وبتحريمها التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرف وأنه لا ضمان على من أتلفها عليه أو غصبها منه سواء
أكانت محترمة أم غير محترمة، ونقل النووي في المجموع أن الشيخ أبا علي السّنجي ((بكسر السين
المهملة وبالجيم)) حكى وجهاً في الخمر المحترمة بصحة بيعها، بناء على الشاذ في طهارتها فإن صح عنه
فهو محجوج بالإجماع. واختلفوا في التصرف في النبيذ وضمانه:
فذهب الجمهور إلى حرمة الانتفاع والتصرف في سائر الأنبذة المسكرة وأنه لا ضمان على من أتلفها على
المسلم المذكور.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الأنبذة الثلاثة المحرمة عنده مما سوى الخمر يحرم الانتفاع بها ويجوز التصرف
فيها ((بمعنى أنه يترتب عليه الأثر لا بمعنى الحل بالبيع ونحوه، وعلى من أتلفها على المسلم الضمان
بالقيمة لا بالمثل)).
وذهب الصاحبان إلى أن الأنبذة الثلاثة المحرمة يحرم الانتفاع بها والتصرف فيها بالبيع ونحوه، ولا يضمن
من أتلفها على المسلم. أما غير تلك الأنبذة الثلاثة فيجوز التصرف فيها وعلى من أتلفها أو غصبها
الضمان .
بدائع الصنائع ج٦ - م٢٩

٤٥٠
كتاب الأشربة
واستدل الجمهور بالسنة والأثر والمعقول:
=
أمّا السنة فمنها ما يأتي:
الأول: ما رواه مسلم وأحمد والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله وَالخر صديق
من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه فقال: يا فلان أما علمت أن الله
حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها، فقال الرسول وَّر إن الذي حرم شربها حرم بيعها
فأمر بها فأفرغت في البطحاء.
الثاني: ما رواه الحميدي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً كان يهدي لرسول الله وَلي راوية خمر
فأهداها إليه عاماً وقد حرمت فقال النبي وَلهو: ((إنها قد حرمت)) فقال الرجل أفلا أبيعها؟ فقال النبي رَّ:
((إن الذي حرم شربها حرم بيعها»، قال: أفلا أكارم بها اليهود؟ قال النبي ◌َّر: ((إن الذي حرمها حرم أن
يكارم بها اليهود»، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: ((شنها على البطحاء)).
وجه الدلالة: أن النبي ◌َّله صرح بحرمة بيع الخمر وإهدائها كما صرح بحرمة شربها، ولم يبح الانتفاع بها
بأي وجه، ولو بالإهداء إلى اليهود كيلا تعود بفائدة على المهدي مكافأة له على هديته ولذلك أمر أصحابه
بإراقتها وإتلافها إهانة لها، ولو كانت مالاً متقوماً منتفعاً به شرعاً كما أمر بإراقتها لأن فيه إضاعة للمال.
وقد نهى عن إضاعته، وإذا لم تكن الخمر مالاً متقوماً منتفاً به شرعاً فلا يجب الضمان على من أتلفها
على المسلم أو غصبها منه وقد سبق أن كل شراب مسكر يسمى خمراً من غير فرق بين المتخذ من عصير
العنب المشتد وغيره.
وإذا حرم شربها وبيعها وأهداؤها فلتحرم سائر التصرفات فيها. وأما الأثر فمنه ما يأتي:
الأول: ما ذكره الشافعي في كتاب الأم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بلغ عمر بن الخطاب أن رجلاً
باع خمراً فقال عمر: قاتل الله فلاناً باع خمراً أو ما تعلم أن رسول الله وَّر قال: ((قاتل الله اليهود حرمت
عليهم الشحوم فجملوها وباعوها)).
الثاني: ما روى ابن حزم عن طاوس أنه سئل عن الطلاء فقال: ((أرأيت الذي مثل العسل تأكله بالخبز
وتصب عليه الماء فتشربه عليك به، ولا تقرب ما دونه ولا تشتره ولا تبعه ولا تسقه ولا تستعن بثمنه)).
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا على من باع الخمر بقوله قاتل الله فلاناً، وهذه
الجملة لا تذكر في العرف غالباً إلا لمن ارتكب محرماً ورأيت في لسان العرب أن الذي باع الخمر سمرة
رضي الله عنه فقال عمر قاتل الله سمرة قال الخطابي إنما باع عصيراً ممن يتخذه خمراً فسماه باسم الخمر
مجازاً باعتبار ما يؤول إليه كما قال تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ فلهذا نقم عمر عليه. وإما أن يكون
سمرة باع خمراً فلا لأنه لا يجهل تحريمه مع اشتهاره .... وكذلك طاوس يجيب سائله بقوله في الطلاء
المستند الذي لم ينعقد ولم يصر كالعسل لاتبعه ولا تشتره ولا تستعن بثمنه إلى آخره فدل ذلك على أن
الأنبذة المسكرة المتخذة من غير عصير العنب يحرم التصرف فيها بالبيع ونحوه.
وأما المعقول فقالوا الأنبذة المسكرة يحرم التصرف فيها والانتفاع بها ولا ضمان على من أتلفها على
المسلم كالخمر التي من نيء عصير العنب وللإمام السنة والمعقول.
أما السنة فما سبق أنه استدل به الجمهور وقال في توجيهها: صرح النبي ◌َّر في الأحاديث بحرمة بيع
الخمر وإهدائها، والخمر هي النيء من عصير العنب المشتد وما عداها من الأنبذة المسكرة لا تسمى =

٤٥١
كتاب الأشربة
خمراً ولا يثبت لها من الأحكام إلا ما أثبته الدليل من حرمة الشرب ووجوب الحد في السكر منها كما
=
سيأتي.
وأما المعقول فقال: إن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه قال تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا
الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ وهذا متحقق في النبيذ، لأنه مرغوب فيه، والمال
اسم لما هو مرغوب فيه إلا أن الخمر مع كونها مرغوباً فيها لا يتصرف فيها بالبيع ونحوه للنص الوارد
فيها، والنص ورد باسم الخمر فيقتصر على مورد النص.
واستدل الصاحبان بالمعقول فقالا أن محل البيع هو المال والمال اسم لما يباح الانتفاع به حقيقة وشرعاً،
ولم يوجد في الأنبذة المحرمة فلا تكون مالاً فلا يجوز بيعها كالخمر.
ورد على الإمام في السنة أنا لا نسلم أن اسم الخمر خاص بالنيء من عصير العنب المسكر حتى تقصر
الأحكام عليه لما سب أن كل شراب مسكر يسمى خمراً من أي مادة اتخذ لا فرق بين ما كان متخذاً من
نيء عصير العنب المشتد وما كان من غيره، وقد وافق الإمام الجمهور على حرمة الانتفاع بهذه الأنبذة
المسكرة، والبيع ونحوه انتفاع بها وقد روي عن أبي هريرة عند أبي داود وعن ابن عباس عند ابن حبان
وعن ابن مسعود عند الحاكم وعن بريدة عند الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن أحمد بن أبي
خيثمة بلفظ: ((من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمراً فد تقحم
النار على بصيرة)) حسنه الحافظ.
وإذا كان هذا وعيد من يمسك العنب الحلال ليبيعه ممن يتخذه خمراً فما يكون وعيد من يمسك النبيذ
الحرام ويبيعه لينتفع بثمنه؟ وورد عليه في المعقول أن محل البيع الشرعي إنما هو المال المتقدم المباح
الانتفاع به حقيقة وشرعاً، ولم يتحقق هنا شرط المحل وهو الانتفاع به شرعاً بالاتفاق فلا يجوز بيعها
كالخمر لأن البيع ونحوه انتفاع أيما انتفاع. وكون البيع اللغوي مبادلة شيء مرغوب فيه بآخر مرغوب فيه
لا يقتضي حل بيعها شرعاً، لأن الشارع اعتبر الحقيقة البيع الشرعي شروطاً لا تتحقق الحقيقة الشرعية
بدونها ككون المبيع مالاً متقوماً منتفعاً به شرعاً وهذه الأشربة ليست كذلك عند الإمام.
على أن هذا نظر والنظر لا يقاوم الأخبار والآثار الصحيحة الصريحة في النهي عن الانتفاع بها من البيع
والاهداء ونحوهما وعموم النصوص شامل لكل شراب مسكر من غير فرق لما سبق أن الأصح في اسم
الخمر العموم لغة لكل شراب مسكر.
وورد على الصاحبين أن قصر الأحكام على بعض الأشربة المسكرة دون بعض تحكم بعدما سبق من
الدليل الدال على عموم اسم الخمر لكل شراب مسكر من أي مادة اتخذ، وكما ألحق الصاحبان هذه
الأنبذة الثلاثة بخمر عصير العنب المشتد يلزمهما أن يلحقا بها سائر الأنبذة المسكرة حيث لم يقم دليل
على التخصيص والذي نختاره حرمة التصرف في كل مسكر بأي نوع من أنواع التصرف لورود الأخبار
الصحيحة الدال على حرمة إمساكها ووجوب إتلافها وحرمة بيعها وشربها وإهدائها ولم تفصل الأخبار بين
نوع من الشراب المسكر وآخر منه ولا بين المحترمة وغيرها، ولو كان ما حرمه الله ورسوله ما لا محترماً
لأمر الرسول عليه السلام بحفظه ونهى عن إضاعته وقد علمنا مما تقدم أن اسم الخمر شامل لغة لكل
شراب مسكر من أي مادة اتخذ من غير فرق بين المتخذ من نيء عصير العنب والمتخذ من غيره. فإن لم
يسلم ذلك لغة فالجميع خمر شرعاً يحرم الانتفاع بها بأي وجه من أوجه الانتفاع ومنه البيع والإهداء وما =

٤٥٢
كتاب الأشربة
الإِدَامُ الخَلُّ))(١) وَإِنَّمَا يعرف التخلل بالتغير من المرارة إلى الحموضة بحيث لا يبقى فيها مرارة
ماثلهما. لقول الرسول عليه الصلاة والسلام ((كل مسكر خمر)) وقوله: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها))
=
وقوله: ((إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود)» كما سبق في الأحاديث.
هذا - والقول بإباحة التصرف فيها بالبيع ونحوه ينافيه أنه إعانة على المعصية للمشتري أو المهدي إليه،
والإعانة على المعصية حرام قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾
وإذا لم تكن الأشربة المحرمة مالاً متقوماً محترماً منتفعاً به شرعاً فلا ضمان على من غصبها أو أتلفها على
المسلم لأنها واجبة الإتلاف، وقد سبق أن النبي * توعد من أمسك العنب الحلال ليبيعه ممن يتخذه
خمراً بأن يتقحم النار على بصيرة فأولى بالتوعد من يمسك المسكر ويتصرف فيه بالبيع وغيره.
هذا - وقد اختلفوا في تعامل الذميين بها وشربهم لها.
فذهب الجمهور إلى الحرمة.
وذهب الحنفية إلى عدمها.
قال النووي في المجموع: ((بيع الخمر وسائر التصرفات فيها حرام على أهل الذمة كما هو حرام على
المسلم. وقال أبو حنيفة: لا يحرم ذلك عليهم، قال المتولي: المسألة مبنية على أصل معروف في
الأصول، وهو أن الكافر عندنا مخاطب بالفروع وعندهم ليس بمخاطب)» وموضع تحقيق هذا المبحث
علم الأصول. فإن قيل: إنك في بحث النجاسة أو الطهارة اخترت القول بالطهارة فكيف تحرم التصرف
في الخمر بالبيع ونحوه؟
قلنا: إنه لا تلازم بين الطهارة وصحة البيع الشرعي ونحوه. فكم من أشياء طاهرة ويحرم التصرف فيها
شرعاً بالبيع وما شاكله ألا ترى أن الأصنام المصنوعة من الطاهر كالخشب والحجر والذهب والفضة
طاهرة إجماعاً وبيعها حرام شرعاً ومثله سائر التصرفات فيها، لأنها واجبة الإتلاف ولنهي الشرع عن
بيعها. روى جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله وَ ل# يقول: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها
الناس فقال لا - هو حرام، ثم قال رسول اللّه ◌َل#ل عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حرم شحومها
جموله ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) رواه الجماعة جملوه بفتح الجيم والميم أذابوه يقال جَمَله إذا أذابه والجميل
الشحم المذاب.
ينظر: أحكام الخمور لشيخنا حسين حسان، الهداية (١٦٦/٨)، مغني الحنابلة (٣٤٣/١٠)، نصب الراية
(٣١٠/٤، ٣١١)، نيل الأوطار (١٥٦/٨)، المبسوط (٢٤/٢٤)، سبل السلاح (٤١/١)، المجموع (٢/
٥٧٤) .
(١) أخرجه مسلم (١٢٢/٣) كتاب الأشربة: باب فضيلة الخل والتأدم به حديث (٢٠٥٢/١٦٦) وأبو داود
(٣٨٧/٢) كتاب الأطعمة: باب في الخل حديث (٣٨٢١) والنسائي (١٤/٧) كتاب الأيمان: باب إذا
حلف ألا يأتدم فأكل خبزاً بخل، وأحمد (٣/ ٤٠٠) والطيالسي (٣٣٠/١ - منحة) رقم (١٦٦٨) والدارمي
(١٠١/٢) كتاب الأطعمة: باب أي الإدام كان أحب إلى رسول الله وَلقوله وأبو يعلى (٢٢١١، ٢٢١٨)
والبيهقي (٦٣/١٠) كتاب الأيمان: باب من حلف أن لا يأكل خبر بإدام فأكله، والبغوي في ((شرح السنة))
(٦ /٨٤ - بتحقيقنا) كلهم من طريق أبي سفيان عن جابر به.
وأخرجه أبو داود (٣٨٧/٢) كتاب الأطعمة: باب في الخل حديث (٣٨٢٠) والترمذي (٢٧٨/٤) كتاب =

٤٥٣
كتاب الأشربة
أصلاً عند أبي حنيفة (رضي الله عنه) حتى لو بقي فيها بعض المرارة لا يحل.
وعند أبي يوسف ومحمد: تصير خلاًّ بظهور قليل الحموضة فيها، لأَنَّ مِنْ أصل أبي
حنيفة (رحمه الله) أَنَّ العصير من ماء العنب لا يصير خمراً إلاَّ بعد تكامل معنى الخمرية فيه؛
فكذا الخمر لا يصير خلاًّ إِلاَّ بعد تكامل معنى الخلية فيه، وعندهما يصير خموراً بظهور دليل
الخمرية، ويصير خلاًّ بظهور دليل الخلية فيه، هذا إذا تخللت بنفسها، فأما إذا خللها صاحبُها
بعلاج من خلِّ أو ملح أو غيرهما، فالتخليلُ جائزٌ، والخلُّ حلالٌ عندنا.
وعند الشافعي: لا يجوز التخليل ولا يحل الخل،
وإن خللها بالنقل من موضع إلى موضع، فلا شك أنه يحل عندنا، وللشافعي
(رحمه الله) قولان.
واحتج بما روي أن بعد نزول تحريم الخمرِ كانت عند أبي طلحة الأنصاريِّ (رحمه الله)
خمورٌ لأيتام، فجاء إلى رسول الله وَلُّ وقَال: ما نصنعُ بها يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقال (عليه الصلاة
والسلام): ((أَرِقْهَا))، فقال أبو طلحة: أفلا أُخَلِّلُهَا؟ قال (عليه الصلاة والسلام): ((لا))(١) نَصَّ
(عليه الصلاة والسلام) على النهي عن التخليل، وحقيقة النهي للتحريم؛ ولأن في الاشتغال
بالتخليل احتمال الوقوع في الفساد، ويتجنس الظاهر منه ضرورة؛ وهذا لا يجوز بخلاف ما إذا
تخللت بنفسها .
الأطعمة باب ما جاء في الخل حديث (١٨٣٩) وفي ((الشمائل)) رقم (١٥٤) وابن ماجه (١١٠٢/٢) كتاب
=
الأطعمة: باب الائتدام بالخل حديث (٣٣١٧) وأبو يعلى (١٩٨١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٨٣/٦
- بتحقيقنا) من طريق محارب بن دثار عن جابر به.
وأخرجه الترمذي (٢٧٨/٤) كتاب الأطعمة: باب ما جاء في الخل حديث (١٨٣٩) من طريق مبارك بن
سعيد عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر به.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨٤/٢) رقم (١٧٤٩) من طريق إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن جابر به.
وللحديث شاهد من حديث عائشة :
أخرجه مسلم (١٦٢٢/٣٠) كتاب الأشربة: باب فضيلة الخل والتأدم به حديث (٢٠٥١) والترمذي (٤/
٢٧٨) كتاب الأطعمة: باب ما جاء في الخل حديث (١٨٤٠) والدارمي (١٠١/٢) كتاب الأطعمة: باب
أي الإدام كان أحب، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً.
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٦/٣) كتاب الأشربة: باب ما جاء في الخمر تخلل حديث (٣٦٧٥) والترمذي (٣/
٥٨٨) كتاب البيوع: باب ما جاء في بيع الخمر والنهي عن ذلك حديث (١٢٩٣) وأحمد (١١٩/٣،
١٨٠، ٢٦٠) والدارمي (١١٨/٢) كتاب البيوع: باب النهي أن يجعل الخمر خلاً، والدارقطني (٢٦٥/٤)
كتاب الأشربة: باب اتخاذ الخل من الخمر من حديث أنس أن أبا طلحة فذكر الحديث.
وأخرجه مسلم (١٥٧٢/٣) كتاب الأشربة: باب تحريم تحليل الخمر حديث (١٩٨٣/١١) والترمذي (٣/
٥٨٩) كتاب البيوع: باب النهي أن يتخذ الخمر خلاً حديث (١٢٩٤) عن أنس قال: سئل النبي صَلّ أتخذ
الخمر خلاً؟ قال: لا. وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

٤٥٤
كتاب الأشربة
ولنا ما رُوِيَ عن النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((أَيَّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ كَالخَمْرِ
إِذَا تَخَلَّلَ فَيَجِلُّ))، فحقق (عليه الصلاة والسلام) التخليل وأثبتَ حَلَّ الخل شرعاً (١) ولأَن
التخليلَ سببٌ لحصولِ الحل فيكون مباحاً؛ استدلالاً بماء إذا أمسكها حتى تخللت.
والدليل على أنه سبب لحصول الحل أن بهذا الصنع صار المائع حامضاً بحيث لا يبين
في الذوق أثر المرارة، فلا يخلو إما إِن كان ذلك لغلبة الحموضة المرارة مع بقائها في ذاتها،
وإِما إِن كان لتغير الخمر من المرارة إلى الحموضة، لا سبيل إِلى الأول لأنه لا حموضة في
الملح لتغلب المرارة، وكذا بإلقاء حلو قليل يصير حامضاً في مدة قليلة لا تتخلل بنفسها عادة،
والقليل لا يغلب الكثير، فتعين أن ظهور الحموضة بإِجراء الله (تعالى) العادة، على أن مجاوزة
الخل يغيرها من المرارة إِلى الحموضة في مثل هذا الزمان، فثبت أن التخليل سبب لحصول
الحل، فيكون مباحاً؛ لأن حينئذٍ يكون اكتساب مال متقوم عندنا، وعنده: يكون اكتساب المال
وكل ذلك مشروع.
وأما الحديث: فقد رُوِيَ أَنَّ أبا طلحة (رحمه الله) لما قال: ((أَفَلاَ أُخللها))؟ قال (عليه
الصلاة والسلام) (نَعَمْ))(٢) فتعارضت الروايتان، فسقط الاحتجاج؛ على أنه يحمل على النهي
عن التخليل لمعنى في غيره وهو دفع عادة العامة؛ لأن القوم كانوا حديثي العهد بتحريم
الخمر، فكانت بيوتهم لا تخلو عن خمر، وفي البيت غلمان وجواري وصبيان، وكانوا ألفوا
شرب الخمر وصار عادةً لهم وطبيعةً، والنزوع عن العادة أمرٌ صعبٌ، فقيم البيت إِن كان يَنْزَجِرُ
عن ذلك ديانةً فَقَلَّ ما يسلم الاتباع عنها لو أمر بالتخليل؛ إِذ لا يتخلل من ساعتها، بل بعد
وقت معتبر، فيؤدي إلى فساد العامة، وهذا لا يجوز، وقد انعدم ذلك المعنى في زماننا ليقرر
التحريم ويألف الطبع تحريمها؛ حملناه على هذا دفعاً للتناقض عن الدليل، وبه تبين أَنْ ليس
فيما قلناه احتمال الوقوع في الفساد.
وقوله: تنجس الظاهر من غير ضرورة، نعم، لكن لحاجة وأنه لجائز كدبغ جلد الميتة،
والله (سبحانه وتعالى): أعلم.
ثم لا فرق في ظاهر الرواية بين ما إِذا ألقى فيها شيئاً قليلاً من الملح أو السمك أو
الخل، أو كثيراً حتى تحل في الحالتين جميعاً.
وروي عن أبي يوسف: أنه إن كان الخل كثيراً لا يحلُّ.
(١) تقدم تخريجه .
(٢) تقدم تخريجه.

٤٥٥
كتاب الأشربة
وجه رواية أبي يوسف (رحمه الله) أن الملقي من الخل إِذا كان قليلاً فهذا تخليل لظهور
الحموضة فيها بطريق التغيير، فأما إذا كان كثيراً فهذا ليس بتخليل، بل هو تغليبٌ لغلبة
الحموضة المرارة، فصار كما لو ألقى فيها كثيراً من الحلاوات حَتَّى صَارَ حلواً أنه لا يحل، بل
يتنجس الكل؛ فكذا هذا.
وجه ظاهر الرواية: أَنَّ كُلَّ ذلك تخليلٌ، أما إذا كان قليلاً فظاهر، وكذلك إذا كان كثيراً؛
لما ذكرنا أن ظهور الحموضة عند إلقاء الملح والسمك لا يكون بطريق التغليب؛ لانعدام
الحموضة فيهما، فَتَعَيَّنَ أن يكون بطريق التغيير، وفي الكثير يكون أسرع، والله (سبحانه
وتعالى) أعلم.
وأما السَّكَرَ والفَضيخُ ونقيعُ الزبيبِ فيحرم شرب قليلها وكثيرها، لما روي عن النبيِّ
(عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ))(١) وأشار (عليه الصلاة والسلام)
إلى النخلةِ والكرمةِ، والتي ههنا هو المستحق لاسم الخمر فكان حراماً.
وسُئل عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) عن التداوي بالسَّكَرِ فقال: إِنَّ الله (تبارك
وتعالى) لم يجعلْ شفاءكم فيما حَرَّم عليكم (٢) .
وعَنِ ابْنِ عباسٍ (رضي الله عنهما) قال: السَّكَرُ هي الخمرُ ليس لها كنية(٣).
وَرُوي أنه لما سُئل عن نقيع الزبيب قال: الخمرُ أَحْيَتْهَا(٤). أشار إلى علة الحرمة، وهي
أن إيقاع الزبيب في الماء إِحياء للخمر؛ لأن الزبيب إذا نقع في الماء يعود عنباً، فكان نقيعه
كعصير العنب؛ ولأن هذا لا يتخذ إِلا للسكر، فيحرم شرب قليلها وكثيرها.
(١) أخرجه مسلم (١٥٧٣/٣) كتاب الأشربة: باب بيان أن جميع ما ينتبذ مما يتخذ من الخل والعنب يسمى
خمراً، حديث (١٣، ١٩٨٥/١٤) وأبو داود الطيالسي ص (٣٣٥) حديث (٢٥٦٩) وأحمد: (٢٧٩/٢،
٤٠٨، ٤٠٩) والدارمي (١١٣/٢) كتاب الأشربة، باب مما يكون الخمر، وأبو داود (٨٤/٤ - ٨٥) كتاب
الأشربة، باب الخمر مما هي، حديث (٣٦٧٨) والترمذي (٢٩٧/٤ - ٢٩٨) كتاب الأشربة، باب ما جاء
في الحبوب التي يتخذ معها الخمر حديث (١٨٧٥) والنسائي (٢٩٤/٨) كتاب الأشربة، باب تأويل
قول الله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً وابن ماجه (١١٢١/٢) كتاب
الأشربة، باب ما يكون منه الخمر حديث (٣٣٧٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢١١/٤) كتاب
الأشربة، باب الخمر المحرمة ما هي. والبيهقي (٢٨٩/٨ - ٢٩٠) كتاب الأشربة، باب ما جاء في تفسير
الخمر الذي نزل تحريمها. وعبد الرزاق (٢٣٤/٩) رقم (١٧٠٥٣) وأبو يعلى (٣٩٨/١٠) رقم (٦٠٠٢)
والبغوي في ((شرح السنة)) (١١٦/٦ - بتحقيقنا) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٥/٥) كتاب الأشربة: باب في السكر ما هو حديث (٢٣٨٣٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٧٥) كتاب الأشربة باب في السكر ما هو.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٦/٥) كتاب الأشربة باب في نقيع الزبيب ونبيذ العنب.

٤٥٦
كتاب الأشربة
فإن قيل: أليس أَنَّ الله (تبارك وتعالى): قال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ
مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقًا حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] وهذا خَرَجَ مَخْرَجَ تذكير النعمة والتنبيه على شكرها، فيدل
على حلها؟
فالجواب: قيل إِن الآية منسوخةٌ بآية تحريم الخمرِ، فلا يصح الاحتجاج بها.
والثاني: إِنْ لَمْ تَكُنْ منسوخة، فيحتمل أن ذلك خرج مخرج التغيير، أي: إنكم تجعلون
ما أعطاكم الله (تعالى) من ثمرات النخيل والأعناء التي هي حلالٌ: بعضها حراماً وهو
الشراب، والبعض حلالاً وهو الدبس، والزبيب والخل؛ ونحو ذلك.
نظيره قوله (تعالى): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً﴾
[يونس: ٥٩] وعلى هذا كانت الآية حجة عليكم، لأنَّ التغيير على الحرام لا على الحلال.
ولا يكفر مستحلها، ولكن يضلل؛ لأَن حُزْمَتَهَا دون حرمة الخمرِ لثبوتها بدليل غير
مقطوع به من أخبارِ الآحادِ وآثارِ الصحابةِ (رضي الله عنهم) على ما ذكرنا، ولا يحد بشرب
القليل منها؛ لأنَّ الحد إنما يجب بشرب القليل من الخمر، ولم يوجد بالسكر؛ لأن حرمة
السكر من كل شراب كحرمة الخمر لثبوتها بدليل مقطوع به، وهو نصُ الكتاب العزيز؛ قال الله
(تعالى جل شأنه) في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي
الخَمْرِ وَالمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وهذه المعاني
تحصل بالسكر من كل شراب، فكانت حرمة السكر من كل شراب ثابتة بنصٌ الكتاب العزيز
كحرمة الخمر؛ ولهذا جمع رسول الله وَّل بين الحرمتين في قوله (عليه الصلاة والسلام):
((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الخَمْرُ لِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا والسَّكَرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ)).
ومعلوم أنه (عليه الصلاة والسلام) ما أراد به أصل الحرمة؛ لأن ذلك لا يقف على السكر
في كل شراب، دَلَّ أن المراد منه الحرمة الكاملة التي لا شبهة فيها كحرمة الخمر، وكذا جمع
سيدنا علي (رضي الله عنه) بينهما في الحد، فقال: ((فيما أسكر من النبيذ ثمانون، وفي الخمر
قليلها وكثيرها ثمانون))، ويجوزُ بيعُها عند أبي حنيفة مع الكراهة، وعند أبي يوسف ومحمد:
لا يجوز أصلاً.
وجه قولهما: أن محل البيع هو المال، وأَنه اسمٌ لما يباح الانتفاع به حقيقةً وشرعاً، ولم
يوجد، فلا يكون مالاً، فلا يجوز بيعها كبيع الخمر.
وجه قول أبي حنيفة (رضي الله عنه): أن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب
فيه، قال الله (تبارك وتعالى): ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا
كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] وقد وجد ههنا؛ لأن الأشربة مرغوبٌ فيها، والمال اسم لشيء

٤٥٧
كتاب الأشربة
مرغوبٌ فيه إلا أن الخمر مع كونها مرغوباً فيها لا يجوز بيعها بالنص الذي روينا، والنصُّ ورد
باسم الخمر فيقتصر على مورد النص.
وعلى هذا الخلاف إذا أتلفها إِنسان يضمن عنده، وعندهما لا يضمن.
ومنها: حكم نجاستها، فقد رُوِيَ عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) أنها لو أصابت الثوبَ
أكثر من قدرِ الدرهم تمنع جواز الصلاة؛ لأنه يحرم شربُ قليلها وكثيرها كالخمر؛ فكانت
نجاستُها غليظة كنجاسة الخمر؛ وروي أنها لا تمنع أصلاً، لأن نجاسة الخمر إنما تثبت بالشرع
بقوله (عزَّ شأنه): ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩١] فيختص باسم الخمر.
وعن أبي يوسف (رحمه الله) أنه اعتبر فيها الكثير الفاحش كما في النجاسة الحقيقية؛
لأنها وإن كانت محرمة الانتفاع، لكن حرمتها دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها ولا
يحد بشرب القليل منها، فأوجب ذلك خفة في نجاستها، هذا الذي ذكرنا حكم النيء من
عصير العنب ونبيذ التمر ونقيع الزبيب.
وأما حكم المطبوخ منها: أَما عصير العنب إِذا طبخ أدنى طبخة وهو الباذق، أو ذهب
نصفه وبقي النصف، وهو المنصف، فيحرم شرب قليله وكثيره عند عامة العلماء (رضي الله
عنهم).
وروى بشر عن أبي يوسف (رحمهما الله) الأَول أنه مباح، وهو قول حَمَّاد بن أبي
سليمان، ويصح قول العامة؛ لأنه إذا ذهب أقل من الثلثين بالطبخ، فالحرام فيه بان وهو ما زاد
على الثلث.
والدليل على أن الزائد على الثلث حرام ما رُوِيَ عن سيدنا عمر (رضي الله عنه) أنه كتب
إلى عمار بن ياسر (رضي الله عنه) أني أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي
ثلثه، يبقى حلاله ويذهب حرامه، وريح جنونه، فَمُرْ مَنْ قِبَلَكَ فليتوسعوا من أشربتهم)) (١) نص
على أن الزائد على الثلث حرام وأشار إِلى أنه ما لم يذهب ثلثاه، فالقوةُ المسكرةُ فيه قائمةٌ،
وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام (رضي الله عنهم) ولم ينقل عنهم خلافه، فكان إجماعاً
منهم، ولا يحد شاربه ما لم يسكر، وإذا سكر حد، ولا يكفر مستحله لما مر، ويجوز بيعه
عند أبي حنيفة وإِن كان لا يحل شربه، وعندهما لا يحل شربه، ولا يجوز بيعه على ما ذكرنا.
هذا إِذا طُبخ عصير العنب، فأما إذا طُبِخَ العنب كما هو، فقد حَكَى أبو يوسف عن أبي
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٢/٥) كتاب الأشربة باب في الطلاء من قال: إذا ذهب ثلثاه فاشربه حديث
(٢٤٠١٠) .

٤٥٨
كتاب الأشربة
حنيفة (رضي الله عنهما) أن حكمه حكم العصير لا يحل حتى يذهب ثلثاه، وروى الحسن عن
أبي حنيفة (رضي الله عنهما) أن حكمه حكم الزبيب حتى لو طُبخ أدنى طبخة يحل بمنزلة
الزبيب .
وأما المطبوخُ من نبيذ التمرِ ونقيع الزبيب أدنى طبخة، والمنصف منهما، فيحل شربه ولا
يحرم إلا السكر منه، وهو طاهر يجوز بيعه ويضمن متلفه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف
(رضي الله عنهما)(١) .
(١) ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الظاهر، وغيرهم من الفقهاء إلى تحريم قليل كل شراب
يسكر كثيره من أي مادة، لا فرق في القليل بين ما شرب للهو والطرب، وما شرب للتقوى، أو استمراء
الطعام. وهو الأصح من رأي محمد بن الحسين صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه.
وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومن وافقهما إلى أن قليل الأنبذة المسكرة المذكورة يحرم إذا كان للهو
وطرب، ويحل إذا كان للتقوى، أو استمراء الطعام.
واستدل الجمهور الكتاب، والسنة، والأثر، والمعقول:
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرٍ ..... ) الآية.
وجه الدلالة: أن الله تعالى نبّه على أن العلة في تحريم الخمر كونها توقع في العداوة والبغضاء، وتصد
عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه العلةُ موجودةٌ في جميع الأنبذة المسكرة، بحسب الشأن، فوجب طرد
الحكم في الجميع، من غير فرق بين قليل وكثير، ولا فرق بين ما أخذ للتقوى، أو استمراء الطعام من
القليل، وما أخذ للهو والطرب، وقد سبق أن كُلَّ شراب مسكر يسمى خمراً، فتكون الأنبذة من
مشمولات الآية الكريمة. فهي محرمة بالنص قليلها وكثيرها من غير تفصيل.
وأما السنة فأحاديث كثيرة منها ما يأتي:
الأول: ما رواه مسلم، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلاير: ((كل مسكر
خمر، وكل مسكر حرام)).
الثاني: ما رواه الشيخان، واللفظ للبخاري عن عائشة رضي الله عنها؛ أن رسول الله وَفهر سئل عن البتع
فقال: (كُلُّ شَرَابٍ أُسْكِرَ فَهُوَ حَرَامٌ)) .
الثالث: ما رواه أحمد من طريق مرثد بن عبد الله المزني عن ديلم رضي الله عنه قال: سألت
رسول الله وَّل قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة، نعالج فيها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من
هذا القمح، نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا، فقال الرسول وَلير: ((هل يسكر))؟ قلت: نعم، قال:
((فاجتنبوه)) قال: فلت: إن الناس غير تاركيه، قال: ((فإن لم يتركوه فقاتلوهم)).
الرابع: ما أخرجه النسائي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؛ أن النبي ◌ّ نهى عن قليل ما أسكر
کثیره .
الخامس: ما رواه أبو داود، والترمذي عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها سمعت النبي وَّر يقول: ((كل
مسكر حرام، وما أسكر الفَرْق منه فملء الكف منه حرام»، وفي لفظ للترمذي: ((فالحَسْوة منه حرام)) قال
الترمذي: حديث حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه.
==

٤٥٩
كتاب الأشربة
٠٠
.......
السادس: ما رواه إسحاق بن راهويه، والطبراني عن ابن عمر مرفوعاً: ((مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)).
=
وجه الدلالة: أن النبي وَلّ بيّن في هذه الأحاديث أن كل شراب مسكر يحرم قليله وكثيره مطلقاً سواء
أشرب للتقوى، أو استمراء الطعام، أم شرب للهو والطرب من غير فرق، وقد أمر النبي عليه الصلاة
والسلام أهل اليمن باجتناب تعاطي نبيذ القمح الذي يأخذونه للتقوى، وتؤَعدهم بالقتال إن لم يتركوه،
وهذا يدلُّ على عموم التحريم في كل حال؛ إذ لو كان القليل مباحاً للتقوى، ومقاومة البرد لأذن لهم فيه
الرسول عليه السلام، وبيَّن لهم حكمه، لأنهم كانوا في أشد الحاجة إليه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت
الحاجة اتفاقاً .
وأما الأثر فمنه ما يأتي:
الأول: ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب خطب على منبر النبي وَلّ
فقال: ((أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء من العنب، والتمر، والعسل،
والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل)).
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخبر أن نزول آيات تحريم الخمر صادف صنع الخمر من
هذه الخمسة، فترك الصحابة شربها قليلها وكثيرها، ثم بين بتلك القاعدة العامة وهي قوله: ((والخمر ما
خامر العقل)) أن أي شراب مسكر يغطي العقل ويستره، يكون حكمه حكم المذكورات سابقاً، من حرمه
قليله وكثيره، من غير تفصيل في القليل بين ما أخذ للهو، وما أخذ للتقوى أو استمراء الطعام.
الثاني: ما رواه ابن حزم عن مريم بنت طارق، أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول لنساء عندها: ما
أسكر أحداكن فلتجتنبه، وإن كان ماء حُبها)) الحب بالضم الخابية فارسي معرب.
الثالث: ما رواه ابن حزم، عن عبيدة السلماني، عن ابن مسعود قال: أحدث الناس أشربة لا أدري ما
هي، ما لي شراب منذ عشرين سنة إلا الماء، والعسل، واللبن.
الرابع: ما رواه النسائي من طريق زيد بن جبير قال: سألت ابن عمر عن الأشربة فقال: ((اجتنب كل شيء
ينسن)) ينسن: يغلي، والنسين صوت غليان الماء.
الخامس: ما رواه البيهقي بسند صحيح أن إبراهيم النخعي قال: ((إذا سكر من شراب، لم يحل له أن يعود
إليه أبداً».
وجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة وإبراهيم النخعي من التابعين وإنما آثرنا ذكر الأثر عنه دون سواه من
التابعين؛ لأن هو الذي اشتهر عنه القول بحل النبيذ ــ نهوا عن كل شراب يغلي ويشتد، وبينوا أنه لا يحلُّ
متى وصل إلى هذا الحد، ولم يفصلوا بين قليل وكثير، ولا بين ما أخذ من القليل للهو والطرب، وما
أخذ للتقوى أو استمراء الطعام، فدل ذلك على عموم التحريم؛ إذ مثله لا يعلم إلا بتوقيف.
وأما المعقول فمن وجوه:
الأول: قالوا إن الخمر مختص بمعنيين: الصفة وهي الشدة المطربة، والتأثير الذي يحدث عنها وهو
السكر، يثبت بهما اسم الخمر وتحريمه، ويزول بارتفاعهما اسم الخمر وتحريمه، لأنه إذا كان عصيراً
ليس فيه شدة، ولا يحدث عنه سكر - لم ينطلق عليه اسم الخمر، ولم يجر عليه حكمه من التحريم، وإذا
حدثت فيه الشدة المطربة، وصار مسكراً - انطلق عليه اسم الخمر، وجرى عليه حكمه من التحريم، فإن
ارتفعت الشدة وزال عنه الإسكار بالتخلل مثلاً ارتفع عنه اسم الخمر، وزال عنه حكم التحريم.
=

٤٦٠
كتاب الأشربة
فدل ذلك على تعلق الاسم والحكم بالصفة والتأثير دون الجنس، وقد وجدت الشدة، وتأثير السكر في
النبيذ، فوجب أن يتعلق به اسم الخمر وحكمه من تحريم القليل في كل حال.
الثاني: قالوا: لما كان قليلُ الخمر مثل كثيره، وجب أن يكون قليلُ النبيذ مثل كثيره؛ لأنهما اجتمعا في
حكم الكثير، فوجب أن يستويا في حكم القليل من التحريم في كل حالٍ.
الثالث: قالوا إن دواعي الحرام يتعلق بها حكم التحريم؛ لأن تحريم المسبب يوجب تحريم السبب،
وشرب المسكر يدعو إلى السكر وشرب القليل يدعو إلى الكثير، فوجب أن يحرم المسكر لتحريم
السكر، ويحرم القليل في كل حال لتحريم الكثير.
الرابع: ما احتج به الشافعي عليهم فقال: ما تقولون: إذا شرب أقداحاً فلم يسكر؟ قالوا: حلالٌ، قال:
فإن خرج إلى الهواء فضربته الريح فسكر؟ قالوا: يكون حراماً، قال: يا عجباً، ينزل الشراب إلى جوفه
حلالاً، ثم يصير بالريح حراماً.
الخامس: ما احتج به المزني عليهم فقال: إن جميع الأشربة إذا كانت حلوة فهي حَلاَلٌ، ولا يختلف
حكمها باختلاف أجناسها، فإذا حمضت وصارت خلاًّ فهي حلال، ولا يختلف حكمها باختلاف
أجناسها، وجب إذا اشتدت وأسكرت أن يكون حكمها واحداً، ولا يختلف حكمها باختلاف أجناسها،
فلما لم يحل جميعها وجب أن يحرم جميعها، ولما لم يحل قليلها وكثيرها وجب أن يحرم كثيرها وقليلها
في كل حال.
استدل الحنفية بالسنة، والأثر، والمعقول:
أما السنة: فما رواه العقيلي في الضعفاء من طريقي محمد بن الفرات، وعبد الرحمن الغطفاني عن علي
رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ((حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب)).
وما رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَلو يقول: ((إن الخمر
من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة)).
وجه الدلالة: أن النبي ◌َّرَ بيَّن في الحديث الأول أن الخمر محرمة عينها؛ قليلها وكثيرها، وأما غيرها من
الأشربة المسكرة فلا يحرم منها إلا السكر، فبقي القليلُ الذي لا يسكر من غير الخمر على أصل الإباحة،
سواء أكان متخذاً من ثمرات النخيل، أم من غيرها، وبين في الحديث الثاني أن الشراب المسكر المتخذ
من ثمرات الشجرتين فقط يحرم، قليلاً كان أو كثيراً؛ لكونه خمراً شرعاً، فبقي المتخذ من غير الشجرتين
على أصل الإباحة قليلاً كان أو كثيراً، إلا أن الحديث الأول أخرج من أصل الإباحة بالسنة لمدلول
الحديث الثاني - السكر من غير المتخذ من الشجرتين؛ كما أخرج الحديث الثاني من أصل الإباحة بالنسبة
لمدلول الأول - القليل المتخذ من ثمرات النخيل، فحصل من الحديثين معاً أن الشراب المسكر المتخذ
من ثمرات النخيل والأعناب يحرم قليله وكثيره، والمتخذ من غيرها لا يحرم منه إلا السكر، فبقي القليل
على أصل الإباحة، سواء أكان للهو وطرب، أم للتقوى أو استمراء الطعام، إلا أن الإجماع على تحريم
القليل إذا كان للهو وطرب، فبقي القليل مباحاً فيما عدا ذلك على الأصل.
قال في المبسوط: وطريق من توسع في هذه الأشربة؛ أن الأشربة كلها كانت مباحة قبل نزول التحريم،
ثم نزل تحريم الخمر، وما عرفنا هذه الحرمة إلا بالنص، فبقي سائر الأشربة بعد نزول تحريم الخمر على
ما كان عليه قبله .
=