Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الأشربة
الصحابة؛ كعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم، كما دل على
=
ذلك سبب النزول.
ومما يدل على ذلك ما رواه عبد بن حميد، وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية ((البقرة)» قال
رسول الله وَّية: ((إن ربكم يقدم في تحريم الخمر)) ثم نزلت آية ((النساء)) فقال الرسول: ((إن ربكم يقرب
في تحريم الخمر))، ثم نزلت آية ((المائدة)) فحرمت الخمر عند ذلك وقال الرسول وَله: ((حُرمت الخمرُ)).
وما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله وَالر يقول: ((أيها الناس إن الله يبغض
الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده منها شيء فليبعه، ولينتفع به، قال: فما لبينا إلا يسيراً
حتى قال رسول الله وَله: إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية، وعنده منها شيء، فلا يشرب، ولا
يبع، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها)).
وهذا الرأي يحقق الحكمة في التدرُّج؛ إذ أنها كانت مباحة إما بالأصل، وإما بالشرع، ثم نفر من شربها
بهذه الآية، ثم حرم السكر قطعاً في الأوقات القريبة من القيام إلى الصلاة بآية ((النساء)»: ﴿لاَ تَقْرَبُوا
الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وبقيت فيما عدا هذه الأوقات على التنفير المستفاد من آية البقرة، حتى نزلت آية
المائدة، ففهم الجميع منها التحريم القاطع في كل الأوقات نصاً؛ ولذلك قال الرسول عليه السلام:
((حُرمت الخمر)) عند ذلك، ومشى الصحابة بعضهم إلى بعض، وقالوا: حرمت الخمر، وجعلت عدلاً
للشرك.
وأما القول بأن الآية دلت على التحريم، وما جاء بعدها كان من قبيل التوكيد، فيفوت الحكمة في
التدرج، ولو ذهبنا إلى أن الآية دلت على التحريم الظني لمن عقل التحريم منها - لكانت حكمة التدرج
أيضاً بالنسبة لمن عقل التحريم وغيره، على طريقة المخطئة القائلين بأن الحق واحد، ولو تمشينا على
رأي المصوبة القائلين بأن الحق يتعدد لما تأت الحكمة المقصودة من التدرج إلا بالنسبة لمن لم يعقل
التحريم منها بل عقل التنفير.
هذا - واتفق الكل على أن آية ((النساء)»: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ..... ) الآية دالة على تحريم
السكر في أوقات قرب الصلاة؛ ولذا كان يأمر الرسول عليه السلام مناديه إذا أذن للصلاة أن يقول: ((لا
يقربن الصلاة سَكْرَانٌ»، وقال الصحابة للرسول: لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم.
وأما السنة فأحاديث كثيرة منها ما يأتي: من:
الأول: ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَّر قال: ((من شرب الخمر في
الدنيا، ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة)).
الثاني: ما رواه البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: ((لا يزني الزاني
حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)).
الثالث: ما رواه مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَلَّ يقول: ((أيها الناس إن الله
يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده منها شيء، فليبعه ولينتفع به، قال: فما لبثنا إلا
يسيراً حتى قال النبي ◌ّر: إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا
يبع، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها)).
الرابع: ما رواه مسلم وأحمد والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان للنبي ◌ّر صديق من =

٤٢٢
كتاب الأشربة
ثقيف أو دوس فلقيه عام الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه فقال الرسول وَله: يا فلان أما علمت
=
أن الله حرمها، فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها فقال الرسول وَطّر: إن الذي حرم شربها حرم
بيعها فأمر بها فأفرغت في البطحاء)».
الخامس: ما رواه الحميدي في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً كان يهدي لرسول الله اليه
راوية خمر فأهداها إليه عاماً وقد حرمت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنها قد حرمت، فقال الرجل:
أفلا أبيعها، فقال إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: أفلا أكارم بها اليهود، قال: إن الذي حرمها حرم
أن يكارم بها اليهود، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: شنها على البطحاء».
السادس: ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَطلّ: («مدمن الخمر كعابد
وثن)).
السابع: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رجلاً سأل النبي ◌َّر عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة
يقال له المِزْر، قال أمسكر هو؟ قال: نعم، فقال النبي ◌َّ: ((كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن
يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله وما طنية الخبال؟ قال عرق أهل النار أو
عصارة أهل النار)).
الثامن: ما رواه الشيخان وأحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: يا رسول الله أفتنا في
شرابين كنا نصنعهما باليمن البِتْع - وهو من العسل ينبذ حتى يشتد - والمِزر - وهو من الذرة والشعير ينبذ
حتى يشتد، قال: وكان رسول الله ﴿ قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال: ((كل مسكر حرام)).
التاسع: ما رواه الترمذي وحسنه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَطاهر: ((كل مسكر حرام،
وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام».
العاشر: ما رواه أهل السنن من وجوه: أن النبي ◌َّالقر قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام».
الحادي عشر: ما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر أن النبي ◌َّ قال: لعن الله الخمر وشاربها
وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، زاد ابن ماجه وآكل ثمنها.
وجه الدلالة: أن هذه الأحاديث، وغيرها - قد بلغت مبلغ التواتر - صرّح النبي عليه الصلاة والسلام فيها
بتحريم الخمر، وتحريم كل مسكر: قليله وكثيره، من أي مادة اتخذ، وحذر من شربها، ومن التصدق
فيها بأي نوع من أنواع التصرف، ولو بالإهداء إلى اليهود، وتوعد من فعل شيئاً من ذلك باستحقاق
لعنة الله، والطرد من رحمته، وإنه جدير بأن يسقي في الآخرة من صديد أهل النار أو عرقهم، مع عبدة
الأوثان، وأن يحرم من شربها إلا أن يتوب في الدنيا، فإن الله يتوب عليه، ويمتعه بها في الآخرة.
وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أئمة الإسلام، وما حكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد
يكرب، وأبي جندل بن سهيل، أنهم قالوا: هي حلال؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ..... ) الآية. فقد بيَّن لهم فقهاء الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن
الخطاب رضي الله عنهم معنى هذه الآية، وأقاموا عليهم الحد في شربها، فرجعوا عن ذلك، وانعقد
الإجماع على تحريمها منذ عصر الصحابة، فمن استحلَّها الآن فقد كذب النبي ◌َّ؛ لأنه قد علم ضرورة
من النقل تحريمه فيكفر بذلك، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وفي تفسير القرطبي عن قول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾ الآية - قد
تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجُمحي من الصحابة، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه =

٤٢٣
كتاب الأشربة
عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وعمر، وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله
=
وحفصة ولاء عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله بشهادة الجارود ((سيد عبد القيس)) عليه بشرب
الخمر: روى الدارقطني قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري قال: حدثنا يحيى بن أيوب
العلاف، قال حدثني سعيد بن عُفير، قال: حدثني يحيى بن فليح بن سليمان قال: حدثني ثور بن زيد
عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله وَلقول بالأيدي
والنعال والعِصِيّ حتى توفي رسول الله فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد الرسول عليه السلام
فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتى رجل من
المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به إن يجلد فقال، لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر:
وأي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له: إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا
الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية، فإن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا
وأحسنوا، شهدت مع رسول الله وَ لل بدراً وأحداً والخندق والمشاهد، فقال عمر ألا تردون عليه ما يقول؟
فقال ابن عباس رضي الله عنه إن هؤلاء الآيات أنزلن عذراً لمن غبر وحجة على الناس، لأن الله تعالى
يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ الآية، ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى: ﴿فإن كان من
الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية فإن الله قد نها أن يشرب الخمر، فقال عمر: صدقت، ماذا ترون؟
فقال علي رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون
جلدة فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة.
وروى الخلال بإسناده عن محارب بن دثار أن أناساً من أهل الشام شربوا الخمر فقال لهم يزيد بن أبي
سفيان شربتم الخمر؟ قالوا: نعم بقول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما
طعموا﴾ الآية، فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه ((إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تنتظر بهم إلى
الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تنتظر بهم نهاراً حتى تبعث بهم إليّ لئلا يفتنوا عباد الله)) فبعث بهم إلى عمر
فشاور فيهم الناس، فقال لعلي ما ترى؟ فقال: أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن
زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا
على الله وقد أخبرنا الله عز وجل بحد ما يفتري بعضنا على بعض فحدهم عمر ثمانين ثمانين.
إذا ثبت هذا فالمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده وما عداه من الأشربة المسكرة فهو
محرم .
شبهة ورد ذهب بعض الفسّاق إلى أن آيات المائدة لا تدل على تحريم الخمر، لأن الله تعالى:
﴿فاجتنبوه﴾ ولم يقل حرمته فاتركوه، وقال: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ ولم يقل فانتهوا وقال بعض غلاتهم:
سألنا هل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا ثم سكت وسكتنا.
والرد على هذه الشبهة يعلم مما سبق في وجه دلالة آيتي المائدة على التحريم ((يراجع الوجهان الخامس
والحادي عشر ص ٣٧، ٣٨)).
هذا ما قاله بعض الفساق الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الأهواء وخدعتهم الأماني وغلبت
شهواتهم عقولهم وعجزوا عن فهم كلام الله على الوجه الصحيح، وعمت بصائرهم عن أسراره وبلاغته
التي أخرست فحول العرب.
أما المؤمنون الذين فهموا مواقع الكلام ووقفوا على أسراره فقد قالوا: انتهينا ربنا انتهينا ربنا أكدوا =

٤٢٤
كتاب الأشربة
الاستجابة والطاعة كما أكد الله عليهم التحريم، وقد كان فيهم المدمنون لشرب الخمر من عهد بعيد حتى
=
شق عليهم تحريمها، وكان أشق من جميع التكاليف الشرعية، وقد قدح بعض أذكيائهم زناد فكره عله
يهتدي إلى شيء يستند إليه في الرخصة من عموم تحريم الخمر بآيات المائدة فلم يجد أمامه إلا من مات
من أهل بدر وأحد كسيد الشهداء حمزة عم الرسول 18 وغيره ممن ماتوا قبل البيت في تحريم الخمر
بآيات المائدة فلم تغن عنهم هذه الشبهة شيئاً لأن الله تعالى لا يكلف العباد العمل بأحكام الشرع قبل
نزولها .
وقال الفخر الرازي: زعم بعض الجهال أن الله تعالى لما بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون موقعة في
العداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة بيّن بقوله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات
جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا﴾ الآية، أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك
المفاسد، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق. قالوا: ولا يمكن حمله
على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم لأنه لو كان المراد ذلك لقال ما كان جناح على الذين
طعموا كما قال مثل ذلك في آية تحويل القبلة: ﴿وما كان الله ليضيع أيمانكم).
ولكنه لم يقل ذلك بل قال: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا﴾
الآية. ولا شك أنه إذاً للمستقبل لا للماضي.
والجواب: أن هذا القول مردود بإجماع الأمة منذ عصر الصحابة على تحريم الخمر قليلها وكثيرها، وقد
دلت النصوص التي لا تحتمل التأويل على ذلك من مثل قول الرسول عليه السلام: ((أنهاكم عن قليل ما
يسكره كثيره وقوله: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام» وقوله: ((ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام» ولو
كان القليل مباحاً لما شق تحريم الخمر على الصحابة وقد شق عليهم كما بين في الشبهة الأولى. وقولهم
إن كلمة إذاً للمستقبل لا للماضي مسلّم ولا يفيدهم لما روى أبو بكر الأصم أنه لمّا نزل تحريم الخمر،
قال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ وكيف
بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟ فأنزل الله قوله: ﴿ليس على الذين
آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية. وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل
عن وقت نزول هذه الآية، لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغه هذا النص.
وحكى الإمام الماوردي عن طائفة من المتكلمين أن الخمر إنما تحرم إذا كانت صرفاً ولا تحرم إذا مزجت
بغيرها واستدلوا بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((حرمت الخمر بعينها)) وقالوا إن الممزوجة ليست
عينها فلم يتوجه التحريم إليها .
قال الماوردي: وهذا تأويل فاسد لظاهر عموم النهي عنها في الكتاب والسنة وتأيد ذلك بإجماع الأمة على
تحريم الخمر قليلها وكثيرها، ولو حلت بالمزج لبطل مقصود الشارع من تحريمها وكان الشخص إذا ألقي
فيها عوداً أو حصاة مثلاً أبيحت له، ولتوصل من أراد شربها إلى استباحتها بذلك. ولم يكن للنصوص
فيها أي تأثير.
على أن القول بحل الممزوجة بإطلاق يفهم منه ولو سكر منها وقد أجمعت الأمة على تحريم السكر من
أي شراب مسكر صرفاً كان أو ممزوجاً مع استقباحه عقلاً كما سيأتي.
والحديث الذي استدلوا به لا ينتج مدعاهم لضعفه لأن من طريق محمد بن الفرات أو عبد الرحمن بن بشر =

٤٢٥
كتاب الأشربة
والدليل على أنها محرمةُ العين قولهُ (سبحانه وتعالى): ﴿رِجُسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
[المائدة: ٩٠] وصف (سبحانه وتعالى) الخمر بكونها رجساً وغير المحرم لا يوصف به، فهذا يدلُ
على كونها محرمة في نفسها، وقوله (عز مِنْ قائلٍ): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ
العَدَاوَةَ﴾ [المائدة: ٩١] الآية، فدل على حرمة السكر، فَحرمت عينها والسكر منها.
وقال (عليه الصلاة والسلام): ((حُرِّمَتِ الخَمْرُ لِعَيْنِهَا، قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا)(١) والسكر من كل
شراب إِلاَّ أنه رخص شربها عند ضرورة العطش(٢). أو لإِكراهٍ قدر ما تندفع به الضرورة؛ ولأن
الغطفاني وأولهما وثانيهما ضعيف مجهول. والصحيح فيه أنه ليس مرفوعاً بل موقوف على ابن عباس
=
وهو منقطع أيضاً عنه لأن عبد الله بن شداد الراوي عن ابن عباس لم يلق ابن عباس.
وبهذا انهارت شبه المارقين واضمحلت حيلهم التي يتلمسونها لإباحة ما حرم الله ورسوله إرضاء لأهوائهم
وإشباعاً لشهواتهم ((وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل)).
ينظر: أحكام الخمور لشيخنا حسين حسان السمطاوي، تفسير ابن كثير والبغوي (١/ ٥٠١) تفسير المعارج
(٢١٩/٢)، فتح الباري (٢٣/١٠)، تفسير الطبري (٢١٠/٢)، نيل الأوطار (١٤١/٨)، نصب الراية (٤/
٢٦٣).
(١) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (١٢٤/٤) من حديث علي وأعله بمحمد بن الفرات.
(٢) ذهب الحنفية والظاهرية إلى جواز شرب الخمر لدفع الجوع أو العطش الشديد الذي يخشى صاحبه من
بقائه الهلاك على نفسه ولم يجد ما يسد به رمقه أو يزيل به ظمأه ولو نجسا إلا الخمر وهو مرجوح مذهب
الشافعية ومذهب الحنابلة في الممزوجة بما يروي من العطش. وذهب المالكية إلى عدم جواز شربها لمن
هذه صنعته من الجوع أو العطش وهو أصح مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة في الممزوجة بما لا يروي
من الظمأ.
استدل المجيزون بالكتاب والمعقول.
أما الكتاب فعموم قول الله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرتم إليه﴾.
وجه الدلالة: أن الآية أفادت إباحة الخمر عند الاضطرار كما سبق في مسألة إزالة الغصة، والجائع
والعطشان الذي هذه صنعته مضطر إلى شربها إحياء لمهجته وحفظاً لحياته فتكون مباحة له. وأما المعقول
فقالوا: إن شرب الخمر كما أبيح للمفصوص يباح للجائع أو العطشان المضطر إليه بجامع الاضطرار.
واستدل المانعون بعموم نصوص السنة الدالة على عموم التحريم ومنها ما تقدم قريباً في مسألة الغصة عند
ابن عرفة وقالوا في توجهها: إن الله تعالى لعن الشارب وتوعده بأن يسقيه في الآخرة من صديد أهل النار
مع حرمان من شربها إن لم يتب والإباحة التي وردت بها الآية لا تعارضنا إذ لا فائدة من شربها لدفع
الجوع أو العطش.
وبالمعقول فقالوا: لا فائدة في شرب الخمر لدفع الجوع أو العطش لأنها تجيع ولا تروي من الظمأ لما
في طبعها من الحرارة والمساعدة على الهضم فلا يحصل المقصود من شربها بخلاف الشرب لإزالة الغصة
فإن المقصود وهو السلامة من الموت حاصل يقينا أو ظناً قوياً.
ورد على المانعين في السنة أن عموم نصوصها مخصص بنص الكتاب الدال على إباحة جميع ما فصل الله
ورسوله تحريمه في حال الاضطرار ولم يفصل في الإباحة بين محرم وآخر فدل ذلك على إباحة الخمر =

٤٢٦
كتاب الأشربة
حرمة قليلها ثبتت بالشرع المحض، فاحتمل السقوط بالضرورة كحرمة الميتة ونحو ذلك.
وكذا لا يجوز الانتفاع بها للمداواة وغيرها(١)، لأن الله (تعالى) لم يجعل شفاءَنا فيما
حرم علينا، ويحرم على الرجل أن يسقي الصغير الخمر، فإِذا سقاه فالإِثم عليه دون الصغير
لأن خطاب التحريم يتناوله.
متى تحققت الضرورة، فالأحاديث محمولة على حال الاختيار جمعاً بين النصوص وقولكم الإباحة التي
۔
وردت بها الآية لا تعارضنا إذ لا فائدة إلى آخره ممنوع لأنه في الخمر رطوبة وحرارة وعسر الهضم
فالرطوبة التي فيها تزيل عطشه في الحال، وكذا عسر الهضم الذي تحدثه، وبذا ترتفع عنه المشقة ويزول
عنه سبب الهلاك العاجل، وبهذا المعنى يرد معقول المانعين.
يقول الدكتور محمد جعفر في مذكرته تدبير الصحة ((إن الخمر تعوق الهضم)) وقال صاحب المبسوط:
((ولا بأس بالإصابة من الخمر عند تحقق الضرورة بقدر ما يدفع الهلاك به عن نفسه، وشرب الخمر يرد
عطشه في الحال، لأن في الخمر رطوبة وحرارة فالرطوبة التي فيها ترد عطشه في الحال، ثم بالحرارة التي
فيها يزداد عطشه في ثاني الحال، وإلى أن يهيج ذلك به ربما وصل إلى الماء فعرفنا أنها تدفع الهلاك عن
نفسه)) .
وقال النووي: المذهب الصحيح تحريم الخمر للتداوي أو العطش وأن إمام الحرمين والغزالي اختارا
جوازها للعطش، قال إمام الحرمين: تسكن العطش فلا يكون استعمالها في حكم العلاج، قال: ومن قال
إنها لا تسكن العطش فليس على بصيرة، ولا يعد قوله مذهباً بل هو غلط ووهم فإنه معاقر الخمر يجتزىء
بها عن الماء، وقال القاضي أبو الطيب: سألت أهل المعرفة بها فقالوا: إنها تروي في الحال ثم تثير
عطشاً شديد. ينظر: أحكام الخمور لشيخنا حسين حسان المبسوط (٢٨/٢٤) المحلى على المنهاج (٤/
٢٠٣).
(١) ذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى عدم جواز شرب الخمر للتداوي، سواء أكانت صرفاً أم
ممزوجة، لمن اضطر إلى التداوي بها، وفقد النجس والطاهر الذي يقوم مقامها، إما معرفة بأنه كان يعلم
بالطب، وإما بإخبار طبيب عدل مسلم له بذلك، وهو أصح مذهب الشافعية.
وذهب الظاهرية إلى جواز التداوي بها صرفاً كانت أو ممزوجة، وهو مرجوح مذهب الشافعية.
استدل المانعون بالسنة، والأثر، والمعقول:
أما السنة فمنها ما يأتي:
الأول: ما رواه مسلم عن طارق بن سويد، أنه سأل النبي ◌َلّر عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها،
فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال النبي ◌َّه: ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء)).
الثاني: ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن مخارق بن دثار، أن النبي ◌َّ ** دخل على أم سلمة رضي الله
عنها، وقد نبذت نبيذاً في جرة، فخرج والنبيذ يهدر، فقال النبي ◌ّهو: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكت
بطنها، فنقعت لها، فدفعه برجله، فكسره، وقال: ((إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء)).
الثالث: ما رواه أبو داود، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَلّر: ((إن الله نزل الداء والدواء، وجعل
لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام)).
وجه الدلالة: أن النبي ◌ّلل نهى عن صنع الخمر بقصد التداوي، وبيَّن أنها ليست دواء، ولكنها داء، وقد =

٤٢٧
كتاب الأشربة
٠٠٠
كسر الوعاء الذي نبذت فيه أم سلمة النبيذ للمريضة التي اشتكت بطنها، وقد أرشدنا إلى التداوي من
=
الأدواء، ونهانا عن التداوي بالحرام؛ لأن الله تعالى أكرم من أن يجعل شفاء بعض الأمراض قاصراً على
مادة واحدة محرمة، بل جعل من الأدوية الحلال ما يغني عنها، ويقوم مقامها في التأثير أو يزيد، وحقيقة
النهي التحريم، ولم يفصل النبي عليه الصلاة والسلام بين حال اضطرار وغيرها، فدل ذلك على عموم
تحريم التداوي بها.
وأما الأثر فما روى البخاري عن ابن مسعود أنه قال في المسكر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم
علیکم.
وجه الدلالة: أن ابن مسعود أخبر بأن الله تعالى لم يجعل شفاء عباده من بعض الأمراض موقوفاً على
التداوي بالمحرم ومنه الخمر؛ لأن هناك من الحلال ما يغني عنه أو يزيد.
وأما المعقول فقالوا: إنها محرمة العين فلم يبح التداوي بها كلحم الخنزير واستدل المجيزون بالكتاب،
والسنة، والمعقول.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وجه الدلالة:
أن الله أباح جميع ما فصل تحريمه في حال الاضطرار ومنه الخمر، والمتداوي الذي يعلم أن الخمر
تعينت دواء لمرضة؛ بأن فقد الطاهر والنجس الذي يقوم مقامها في التداوي إما بمعرفة نفسه، وإما
بإخبار طبيب مسلم عدل عالم بذلك، مضطر إلى التداوي بها، فتكون مباحة له إنقاذاً لنفسه من مخلب
الأمراض الفتاكة.
وأما السنة فما استدل به المانعون منها، وقالوا في توجيهها: ليس في واحد منها أن النبي ◌َّر ذكره جواباً
لمضطر إلى التداوي بها، فتحمل على التداوي بها في غير حال الضرورة جمعاً بين الأدلة.
وأما المعقول فقالوا: إن المضطر إلى التداوي بها كالمغصوص المضطر إلى شربها، فكما أبيحت للثاني
تباح للأول. وقالوا أيضاً: يباح التداوي بها للمضطر إليه، كما يباع لأكل الميتة ونحوها.
ورد على المانعين في السنة أنه ليس في واحد منها أن النبي ◌َّر ذكره جواباً لمضطر إلى العلاج بها، فهي
محمولة ابتداء على حال الاختيار فحسب، ولو سلمنا حملها على العموم لكانت مخصصة بنص الكتاب
الذي أباح المحرم للاضطرار، ومنه التداوي بالخمر.
وأجيب بأن الظاهر من الأحاديث حملُها على العموم، ولا قرينة تعين حملها على حال دون أخرى، ولا
معارضة بين عموم الأحاديث، وعموم الإباحة المأخوذة من نص الكتاب في حال الاضطرار؛ لأن الإباحة
المستثناة عامة، وأحاديث النهي عن التداوي بالخمر خاصة، فيعمل بعموم الإباحة المستفادة من الآية،
فيما عدا ما أخرجه الدليل الخاص من حرمة التداوي بها عملاً بالنصين.
هذا على فرض تحقق الضرورة إلى العلاج بالخمر، وقد ثبت طبيّاً أنه لا ضرورة إلى العلاج بها ألبتة؛ فإنه
يوجد من الأدوية الطاهرة أو النجسة ما يغني عنها؛ أو يزيد في تأثير العلاج.
يقول الدكتور محمد جعفر في مذكرة تدبير الصحة: ((ليس في عالم الطب داء أو عارض يصح أن يعالج
بالكحول، إلا وهناك مواد أخرى كثيرة تؤديه، دون أن تضر بالجسم، فمثلاً قد يستعمل الكونياك، أو
الكحول كمنبه في حالات الهبوط، ولكن هناك من العقاقير ما يفضله في هذا الأثر؛ كالقهوة، والشاي،
وجوهرهما الفعال أفضل من الخمر، وكذلك ((الاستركنين، والأدرينالين، والكافور، والأثير، والنوشادر، =

٤٢٨
كتاب الأشربة
ومنها: أنه يكفر مستحلها(١)؛ لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به، وهو نص الكتاب
الكريم، فكان مُنْكِرُ الحرمة منكراً للكتاب.
وغيرها. مما يعرفه كل طبيب)).
=
وقال الدكتور ((ملر)) الأسكتلندي: ((الخمر لا يشفي شيئاً)).
وقال الدكتور: ((جون سون))، الإنكليزي ((إن الخمر ليس ضرورياً ألبتة ليستعمل دواء)).
ينظر: أحكام الخمور لشيخنا حسين حسان نيل الأوطار (١٦٩/٨)، المغني (٣٣١/١٠)، المبسوط (٢٤/
٩، ٢١، ٣٥؛، المحلى على المنهاج (٢٠٣/٤).
(١) اتفق الفقهاء على أن المسلم المكلف إذا استحل النبيذ في حال الاختيار لا يكفر بشبهة اختلاف العلماء في
حل قليله والعلة في التكفير ارتفاع الشبهة عما استحل من المحرم، ولم ترتفع الشبهة في النبيذ. واتفقوا
على تكفيره إذا استحل الخمر التي من نيء عصير العنب إذا غلي واشتد وقذف بالزبد لانعقاد الإجماع
على تحريمها مع علمه من الدين بالضرورة.
قال في جمع الجوامع وشرحه ((جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة وهو ما يعرفه الخواص
والعوام من غير تشكيك فالتحق بالضروريات كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا والخمر كافر قطعاً لأن
جحده يستلزم تكذيب النبي ◌َلتر .
وحكى شارح البهجة في باب الردة ((أن إمام الحرمين لم يستحسن إطلاق القول بتكفير مستحل الخمر
قال: وكيف نكفر من خالف الإجماع ونحن لا نكفر من رد أصله وإنما نبدعه، وأول كلام الأصحاب
على ما إذا صدّق المجمعين على أن تحريم الخمر ثبت شرعاً ثم حلّله فإنه رد للشرع حكاه الرافعي في
باب الشرب، ثم قال: وهذا إن صح فليجر في سائر ما حصل الإجماع على افتراضه فنفاه أو تحريمه
فأثبته، وأجاب عنه الزنجاني بأن مستحل الخمر لا نكفره لأنه خالف الإجماع فقط بل لأنه خالف ما ثبت
ضرورة أنه من دين محمد ◌ّله والإجماع والنص عليه، قال ابن دقيق العيد: ظاهر حديث ((التارك لدينه
المفارق للجماعة)) أن مخالف الإجماع كافر وبه قال بعضهم: وليس بالهين والحق أن المسائل الإجماعية
إن صحبها التواتر كالصلاة والصوم كفر منكرها لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع فقط. وإن لم
يصحبها التواتر لم يكفر، قال الزركشي: ((وهذا هو الصواب)) قال وعليه فلا ينبغي عد جحد المجمع عليه
من أنواع الردة، وعلى عده منها قال البلقيني ينبغي أن يزاد بلا تأويل، ليخرج البغاة والخوارج الذين
يستحلون دماء أهل العدل وأموالهم، والذين أنكروا وجوب الزكاة بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام
بالتأويل، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكفروهم.
والذي أراه أن جاحد المجمع عليه إذا كان معلوماً من الدين بالضرورة بحيث يعلم به الخاص والعام ولا
يخفى على أحد لتواتره يعد جحده كفراً كما نبه على ذلك صاحب جمع الجوامع وغيره، والخمر من هذا
القبيل فقد روى الخلاّل بإسناده عن محارب بن دثار أن أناساً شربوا بالشام الخمر فقال لهم يزيد بن أبي
سفيان: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم بقول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما
طعموا﴾ الآية، فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه: ((إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تنتظر بهم إلى
الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تنتظر بهم نهاراً حتى تبعث بهم إليّ لئلا يفتنوا عباد الله فبعث بهم إلى عمر
فشاور فيهم الناس فقال لعلي: ما ترى؟ فقال: أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه فإن
زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا
على الله، وقد أخبرنا الله عز وجل بحد ما يفتري بعضنا على بعض))، فحدهم عمر ثمانين ثمانين.
=

٤٢٩
كتاب الأشربة
ومنها: أنها يحد شاربها قليلاً أو كثيراً لإجماع الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) على
ذلك، ولو شرب خمراً ممزوجاً بالماء، إِن كانت الغلبة للخمر يجب الحد، وإِن غلب الماء
عليها حتى زال طعمها وريحُها لا يجب؛ لأن الغلبة إذا كانت للخمر فقد بقي اسم الخمر
ومعناها، وإذا كانت الغلبة للماء فقد زال الاسم والمعنى، إِلاَّ أنه يحرم شرب الماء الممزوج
بالخمر؛ لما فيه من أجزاء الخمر حقيقة؛ وكذا يحرم شرب الخمر المطبوخ، لأن الطبخ لا
يحل حراماً، ولو شربها يجب الحد لبقاء الاسم والمعنى بعد الطبخ، ولو شرب دردي الخمر
لا حد عليه، إِلاَّ إذا سكر؛ لأنه لا يسمى خمراً، ومعنى الخمرية فيه ناقصٌ لكونه مخلوطاً
بغيره، فأشبه المنصف، وإذا سكر منه يجب حد السكر؛ كما في المنصف، ويحرم شربه لما
فيه من أجزاء الخمر، وَمَنْ وجد منه رائحة الخمر أو قاء خمراً لا حد عليه؛ لأنه يحتمل أنه
شربها مكرهاً، فلا يجب مع الاحتمال.
ولا حد على أهل الذمة وإِن سكروا من الخمر؛ لأنها حلالٌ عندهم، وعن الحسن بن
زياد (رحمه الله) أنهم يحدُّون إِذا سكروا؛ لأن السكر حرام في الأديان كلها.
ومنها: أَن حد شرب الخمر وحد السكر مقدرٌ بثمانين جلدة في الأحرارِ لإِجماع الصحابة
(رضي الله عنهم) وقياسهم على حد القذف، حتى قال سيدُنا عليٍّ (رضي الله عنه): إِذا سَكَرَ
هَذَى وإذا هذى افترى(١)، وَحَدُّ المفترين ثمانون وبأربعين في العبيد؛ لأن الرق منصف للحد
كحد القذف والزنا(٢)؛ قال الله (تعالى جلَّ وعلا): ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى
المُحصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
فهذا القول من علي كرم الله وجهه في مجلس الشورى وفيه عيون فقهاء الصحابة مع عدم إنكار أحد منهم عليه
=
يدل على أنه كان معلوماً عند الصحابة أنه مستحل الخمر كافر وأن جزاءه القتل لردته وإنكاره ما علم ضرورة من
دين محمد ◌ّ مع الإجماع عليه فقد انعقد الإجماع على تحريمها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بعد حادثة قدامة بن مظعون رضي الله عنه ورجوعه عند ما بین له ابن عباس وعمر فساد تأويله كما سبق.
هذا كله حكم إنكار المجمع عليه إجماعاً قطعياً مشتهراً، أما من أنكر المجمع عليه إجماعاً ظنياً أو قطعياً
خفياً فلا يكفر لأنه لا يعلم إلا الخواص مثله من أنكر استحقاق ثبت الابن السدس مع بنت الصلب، ومن
أنكر تحريم المعتدة، ومن أنكر فساد الحج بالجماع قبل التحلل الأول مع الإجماع عليها فهؤلاء يعرفون
الصواب ليعتقدوه. ينظر: أحكام الخمور لشيخنا حسين حسان، جماع الجوامع مع البناني (٢/ ١٣٠)
الحاوي الكبير للماوردي جـ ١٨.
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٨٤٢) والشافعي في ((المسند) (٢/ ٩٠) رقم (٢٩٣) عن ثور بن زيد الديلي
أن عمر استشار علي في حد الخمر فذكره قال الحافظ في ((التلخيص)» (١٢٤/٤): وهذا منقطع لأن ثوراً
لم يلحق عمر بلا خلاف.
(٢) فقهاء الإسلام تنوعت أرائهم في نوع عقوبة الخمر ففريق يرى أنها تغرير يختلف باختلاف حال الشارب
ونظر الإمام ويرى الجمهور أن حد هؤلاء اختلفوا في قدرها للحر فذهب الحنفية والمالكية إلى أن قدرها =

٤٣٠
كتاب الأشربة
ثمانون، وهو مذهب إسحاق والأوزاعي، والثوري وغيرهم، وإحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي
=
الشافعي، واختاره ابن المنذر.
وذهب الشافعي في أصح مذهب إلى أن قدرها أربعين، وهو مذهب الظاهرية، وأبي ثور، وإحدى
الروايتين عن أحمد، قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على
تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة وغير ذلك.
استدل الحنفية ومن معهم بالسنة والأثر والمعقول والإجماع ..
أما السنة فمنها ما يأتي:
الأول: ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن أنس أن النبي وَلقر أتي برجل قد شرب
الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين وفعله أبو بكر فلما كان عمراً استشار الناس فقال عبد الرحمن: أخف
الحدود ثمانین فأمر به عمر)).
الثاني: ما رواه أحمد عن أبي سعيد قال: جلد على عهد رسول الله وَّر في الخمر بنعلين أربعين، فلما
كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطاً.
وجه الدلالة: أن شارب الخمر كان يجلد بين يدي رسول الله و لتر ثمانين؛ لأنه كان يضرب بالجريدتين أو
بالنعلين مجتمعين أربعين، فتكون الجملة الحاصلة ثمانين؛ لأن كل ضربة ضربتان، وإن كانت الرواية
الأولى محتملة، لقوله فجلد بجريدتين نحو أربعين إلا أن الثانية جارفة، بأن الضرب بنعلين أربعين؛ ولذا
استشار عمر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فرأوا أن الجلد في الخمر ثمانون سوطاً بدل الضرب
بالنعال ونحوها.
وأما الأثر فما رواه الإمام مالك رضي الله عنه عن ثور بن زيد الديلي، أن عمر بن الخطاب استشار في
الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: ((نرى أن نجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا
سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين)). الدِّيلي - بكسر المهملة
وإسكان الياء ۔۔
وجه الدلالة: أن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة في عقوبة شرب الخمر، فأشار عليه علي بأنها
ثمانون، فوافقه عمر عليها، وعمل بها، فدل ذلك على أنها ثمانون، ولم يعلم له مخالف.
وأما المعقول فقالوا: إن هذا حد في معصية، فلم يكن أقل من ثمانين كحد الفرية والزنا.
وأما الإجماع فقالوا: إن الصحابة في عهد عمر أجمعوا على أن حدّ شرب الخمر ثمانون، يدل لذلك ما
روى الدار قطني قال: حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي قال:
حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر
قال: رأيت رسول الله وَ* يوم حنين وهو يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران
قال: فقال رسول الله وَالر: لمن عنده، فضربوه بما في أيديهم، وقال: وحثا رسول الله وَّل عليه التراب
قال: ثم أتى أبو بكر رضي الله عنه بسكران قال: فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذٍ فضرب أربعين قال
الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن، عن ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر
قال: فأتيته، ومعه عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير
رضي الله عنهم وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك
السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك =

٤٣١
كتاب الأشربة
فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون قال فقال عمر: أبلغ
=
صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين، وعمر ثمانين.
وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي ◌َّ
بحنين، وفيه فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد أن الناس قد انهمكوا في الشرب، وتحاقروا العقوبة
قال وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين.
قال الباجي: ((واستدل أن ذلك حكمه، وإلى ذلك ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة أن حد شارب الخمر ثمانون،
وقال الشافعي: أربعون، والدليل على ما نقول ما روي من الأحاديث الدالة على أنه لم يكن من النبي تَّ
نَصِّ في ذلك على تحديد، وكان الناس على ذلك، ثم وقع الاجتهاد في ذلك في زمن عمر بن الخطاب،
ولم يوجد عند أحد منهم نص على تحديد؛ وذلك من أقوى الدليل على عدم النص فيه؛ لأنه لا يصح أن
يكون فيه نص باق حكمه، ويذهب على الأمة؛ لأن ذلك كان يكون إجماعاً منهم على الخطأ، ولا يجوز
ذلك على الأمة، ثم أجمعوا واتفقوا على أن الحد ثمانون وحكم بذلك على ملأ منهم، ولم يعلم لأحد
فيه مخالفة؛ فثبت أنه إجماع.
واستدل الإمام الشافعي رضي الله عنه، ومن معه بالسنة، والأثر، والمعقول، وللشافعي ومن معه أما السنة
فما روى مسلم، عن أنس رضي الله عنه أن النبي وَّ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين.
وجه الدلالة: أن النبي ◌َّلر كان يضرب في الخمر بالجريد، والنعال أربعين، فدل ذلك على أنها حث.
وأما الأثر فما روى مسلم عن حضين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد قد صلّى الصبح
ركعتين، ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما: حمران، أنه شرب الخمر، ويشهد آخر أنه رآه
يتقيؤها فقال: عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن
فاجلده، فقال الحسن: ((ول حارّها من تولى قارّها)) فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم
فاجلده، فجلده وعليَّ يعدّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي أربعين، وأبو بكر
أربعين، وعمر ثمانين، وكُلُّ سنةٌ، وهذا أحب إلي)).
وجه الدلالة: أن علياً كرم الله وجهه جزم في أخباره بأن النبي ◌َّير جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها
عدد محدد، إلا بعض الروايات السالفة عن أنس، ففيها نحو الأربعين. بطريق التقريب، والجمع بين
الأخبار، أن علياً جزم بالأربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب؛ فعملنا بما جزم به عليٍّ في
إخباره عن الجلد الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وعهد أبي بكر، ومن حفظ حجة على من
لم يحفظ؛ ولذلك قال لعبد الله بن جعفر لما بلغ الأربعين: أمسك.
وأما المعقول فقالوا: إن الشرب سبب يوجب الحد، فوجب أن يختص بعدد لا يشاركه فيه غيره، کالزنا
والقذف.
ورد على الجمهور في السنة أنها غير ظاهرة في التقدير بالثمانين؛ لأنها كما تحتمل أنه ضرب بالنعلين، أو
بالجريدتين مجتمعين معاً أربعين ضربة، فتكون جملة الضربات الحاصلة ثمانين، تحتمل أنه ضرب بنعل
منفرد، أو بجريدة منفردة عددا لم يبلغ الأربعين؛ لتمزق النعل، أو تكسر الجريدة، ثم كمل العدد على ما
مضى من الضرب أربعين، فكانت جملة الضربات على التعاقب أربعين ويرجح الاحتمال الثاني ما رواه
أحمد، والبيهقي، فأمر نحواً من عشرين رجلاً، فجلده كل واحد جلدتين بالجريد، والنعال. على أن
رواية بجريدتين نحو أربعين، لو لم يرد لها معارض لما دلت على تعين الثمانين تحديداً؛ لأن نحو=

٤٣٢
كتاب الأشربة
الأربعين بجريدتين مجتمعتين تحتمل الزيادة على الثمانين، والنقص منها، وقد منعوا الزيادة والنقص،
=
لكونها حداً.
وورد عليهم في أثر علي كرم الله وجهه أن ثور بن زيد الديلي لم يلحق عمر بلا خلاف.
وأجيب بأن النسائي، والحاكم روياه عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولاً .
وقد تضارب النقلُ عن علي في المقدار، فهذا الأثر أشار فيه على عمر رضي الله عنهما بالثمانين، وقد
روي عنه في قصة جلد الوليد بن عقبة؛ أنه قال لعبد الله بن جعفر: أمسك عندما وصل إلى الأربعين، ثم
قال: جلد النبي أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكُلُّ سُنَّةٌ؛ وهذا أحب إليّ.
وروى عنه البخاري، وغيره؛ أنه قال: ما كنت لأقيم حداً على أحد، فيموت فأجد في نفسي منه شيئاً؛
إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ ومع هذا التضارب في الآثار المروية عنه، لا تدل على تعين
مقدار بعد قوله: فإن النبي لم يسنه وأطلق ولم يقيده بالأربعين، أو بالثمانين.
وقد روي عن عمر؛ أنه جلد أربعين، وستين، وثمانين بعد المسورة، وجلد عثمان أيضاً ثمانين وأربعين.
وورد عليهم في المعقول أنه مردود، لأن الحدود لا تثبت قياساً، ولو سلم لكان معارضاً بمثله مما ذكره
الشافعي من أن اختلاف أسباب الجرائم يمنع من تساويها.
وورد عليهم في الإجماع أنه لم يتم، فهذا علي كرم الله وجهه كان ممن أشار على عمر بالثمانين، ثم
رجع عنها، واقتصر على الأربعين، لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في خلافة أبي بكر، مستندين إلى تقدير
ما فعل بحضرة الرسول وَلخل .
وأما الذي أشار به على عمر فقد تبين من سياق القصة؛ أنه أشار بذلك ردعاً للذين انهمكوا في الشراب،
واحتقروا العقوبة فيه؛ لأن في بعض طرق القصة كما تقدم في كتاب خالد رضي الله عنه: ((تحاقروا
العقوبة)) فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى الحد المذكور قدره، إما باجتهاد بناء على جواز دخول القياس في
الحدود، فيكون الكل حدا، أو أنهم استنبطوا من النص معنى يقتضي الزيادة في الحد، لا النقصان منه أو
القدر الذي زادوه كان على سبيل التعزير تحذيراً وتخويفاً؛ لأن من احتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت في
حقه كان أقرب إلى ارتداعه؛ فيحتمل أن يكونوا ارتدعوا بذلك، ورجع الأمر إلى ما كانوا عليه قبل ذلك،
فرأى على الرجوع إلى الحد المنصوص وأعرض عن الزيادة لانتفاء سببها .
ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم خاصاً بمن تمرد، وظهرت منه أمارة الاشتهار بالفجور، ويدل
على ذلك أن في بعض طرق حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عند الدارقطني وغيره، فكان
عمر إذا أتى بالرجل الضعيف تكون منه الزلة جلده أربعين، قال: وكذلك عثمان جلد أربعين، وثمانين.
ويؤيد ذلك أيضاً ما أخرجه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) بسندٍ صحيح. عن أبي رافع عن عمر، أتى
بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل، لا تأخذه فيك هوادة، فبعثه إلى مطيع بن الأسود العدوي، فقال: إذا
أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر، فوجده يضربه ضرباً شديداً، فقال: قتلت الرجل، كم ضربته؟
قال: ستين، فقال: أقصّ عنه بعشرين، قال أبو عبيدة: ((أقص عنه بعشرين)) يقول: اجعل شدّة الضرب
الذي ضربته قصاصاً بالعشرين التي بقيت، ولا تضربه العشرين.
وقال: يؤخذ من هذا الحديث أن ضرب الشارب لا يكون شديداً، وألا يضرب في حال السكر، لقوله:
إذا أصبحت غداً فاضربه، قال البيهقي: ويؤخذ منه أن الزيادة على الأربعين ليست بحد، إذ لو كانت حداً =

٤٣٣
كتاب الأشربة
لما جاز النقص منه بشدة الضرب؛ إذ لا قائل به».
=
فهذا كله يدل على أنه لا إجماع على الثمانين حداً، وإلا لما ساغ تركها ممن أجمعوا عليها بعد الإجماع،
وقد روي أن عمر كافأ أبا محجن الثقفي على بلائه الحسن يوم القادسية بقوله: ((لا نجلدك في الخمر
بعدها أبداً» كما سبق، فهذا يدلُّ على أن العقوبة كلها تعزير، وإلا لما تركها عمر، وهو الغيور في دينه
الذي لا يعرف المجاملة، ولا المحاباة في دين الله وعلى تسليم أن هناك إجماعاً، فالإجماع على جواز
الزيادة إلى الثمانين، لا على تحتمها.
قال ابن حزم: فمن تعلق بزيادة عمر ومن زادها معه على وجه التعزير، وجعل ذلك حداً مفترضاً، فيلزمه
أن يحرق بيت بائع الخمر، ويجعل ذلك حداً مفترضاً؛ لأن عمر فعله، وقد جلد عمر أربعين، وستين في
الخمر، بعد أن جلد الثمانين بأصح إسناد يمكن وجوده، فصح بما ذكرنا أنه القول بجلد أربعين في الخمر
هو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن بن علي، وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم
بحضرة جميع الصحابة وبه يقول الشافعي، وأبو سليمان، وأصحابهما؛ وبه نأخذ.
وقد روي عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر بن الخطاب؛ أن رجلاً كان على عهد رسول الله وَلّ كان
اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك النبي وَّر، وكان رسول الله وَّر قد جلده في الشرب،
فأتى به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به إلى رسول الله وَ له فقال
النبي: ((لا تلعنوه))، قال ابن حزم: فتوفي رسول الله وتلك سنته، ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم
جلد عمر أربعين صدراً من إمارته، ثم جلد عثمان الحدين كليهما ثمانين، وأربعين، ثم أثبت معاوية الحد
ثمانین .
ورد على الشافعي، ومن معه في السنة، أنها كما تحتمل الأربعين تحتمل الثمانين؛ لأن جلده في الخمر
بالنعال والجريد أربعين يحتمل، أنه جمع بينهما في الضرب أربعين ضربة، فتكون جملة الضربات ثمانين،
كما تحتمل أنه ضربه بكل واحد عدداً على التعاقب، فكان المجموع أربعين. وأجاب الشافعي بأن
الاحتمال الأول بعيد ومردود بما رواه أحمد، والبيهقي بلفظ: ((فأمر نحواً من عشرين رجلاً، فجلده كل
واحد جلدتين بالجريد والنعال))، ويجمع بين الروايات بأن جملة الضربات الحاصلة أربعون.
وللحنفية ومن معهم أن يقولوا: إن هذه الرواية التي رواها أحمد، والبيهقي، لا تفيد الأربعين نصاً؛ فإنها
تحتمل أن كلاً منهم جمع بين النعل والجريد في كل ضربة. فيكون كل منهم جلد أربع جلدات، وتكون
الجملة الحاصلة ثمانين، وإن كان بعيداً.
ولو سلم للشافعي أن الحديث نص في التحديد بالأربعين لما دل ذلك على تعينها في كل شارب، يدل
على ذلك الروايات التي جاءت بلفظ: ((فجلد بجريدتين نحو أربعين))؛ فتكون الرواية التي وردت
بالأربعين من جملة الأنواع التي يعاقب بها الشارب بحسب حاله، ولم يقصد بها التحديد وإلا لما تركها
النبي ◌َّه بعد فعلها أو الأمر بها، وكذلك أصحابه من بعده.
وورد على الشافعي، ومن معه أيضاً في أثر علي في جلد الوليد بن عقبة؛ أن الطحاوي قال: إن رواية أبي
ساسان هذه ضعيفة؛ لمخالفتها الآثار المذكورة، ولأن راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالداناج بنون
وجيم ضعيف، وتعقبه البيهقي بأنه حديث صحيح، مخرج في المسانيد والسنن، وأن الترمذي سأل
البخاري عنه فقوَّاه، وقد صححه مسلم، وتلقاه الناس بالقبول.
وقال ابن عبد البر: ان أثبت شيء في هذا الباب، قال البيهقي، وصحة الحديث إنما تعرف بثقة رجاله، =
بدائع الصنائع ج٦ - م٢٨

٤٣٤
كتاب الأشربة
وقد عرفهم حُفَّاظُ الحديث وقبلوهم. وتضعيفه الداناج لا يقبل؛ لأن الجرح بعد ثبوت التعديل لا يقبل إلا
=
مفسراً، ومخالفة الراوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه؛ قال الحافظ: وثق الداناج
المذكور أبو زرعة، والنسائي.
وقد ثبت عن علي في هذه القصة من وجه آخر أنه جلد الوليد أربعين، ثم ساقه من طريق هشام بن
يوسف عن معمر، وقال أخرجه البخاري، وهو كما قال. وطعن الطحاوي أيضاً في رواية أبي ساسان بأن
علياً قال: ((وهذا أحبُّ إلي))، أي: جلد أربعين، مع أن علياً جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين،
وبأن ابن أبي شيبة أخرج من وجه آخر عن علي أن حد النبيذ ثمانون، والجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنه لا تصح أسانيد شيء من ذلك عن علي، وثانيهما: على تقدير ثبوته فإنه يجوز أن ذلك
يختلف بحال الشارب، وأن حد الخمر لا ينقص عن الأربعين، ولا يزاد على الثمانين، والحجة إنما هي
في جزمه بأنه وَ لّ جلد أربعين. وقد جمع الطحاوي بينهما بما أخرجه هو والطبري من طريق أبي جعفر
محمد بن علي بن الحسين، أن علياً جلد الوليد بسوط له طرفان، وأخرج الطحاوي أيضاً، من طريق
عروة مثله، لكن له ذنبان، أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان.
قال الطحاوي: ففي هذا الحديث أن علياً جلده ثمانين؛ لأن كل سوط سوطان، وتعقب بأن المسند الأول
منقطعٍ، فإن أبا جعفر ولد بعد موت عليٍّ بأكثر من عشرين سنة، وبأن الثاني في سنده ابن لهيعة وهو
ضعيفٌ، وعروة لم يكن في الوقت المذكور مميزاً، وعلى تقدير ثبوته، فليس في الطريقين أن الطرفين
أصاباه في كل ضربة .
وقال البيهقي: يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين، فأراد بالأربعين ما اجتمع من عشرين وعشرين،
ويوضح ذلك وله في بقية الخبر: ((وكل سنة، وهذا أحب إليّ))؛ لأنه لا يقتضي التغاير، والتأويل المذكور
يقتضي أن يكون كل من الفريقين جلد ثمانين، فلا يبقى هناك عدد يقع التفاصل فيه.
وأما دعوى من زعم أن المراد بقوله: ((وهذا أحب إلي)) الإشارة إلى الثمانين، فيلزم من ذلك أن يكون
على رجح فعل عمر على ما فعله الرسول عليه السلام، وأبو بكر، وهذا لا يظن بمثله؛ قاله البيهقي.
واستدل الطحاوي لضعف حديث أبي ساسان بما تقدم ذكره من قول علي: إنه إذا سكر هذى ..... إلى
آخره.
قال الطحاوي فلما اعتمد عليٍّ في ذلك على ضرب المثل، واستخرج الحد بطريق الاستنباط دل على أنه
لا توقيف عنده من الشارع في ذلك، فيكون جزمه بأن النبي # # جلد أربعين غلطاً من الراوي؛ إذ لو كان
عنده الحديث المرفوع لم يعدل عنه إلى القياس، ولو كان عند من بحضرته من الصحابة كعمر، وسائر من
ذكر في ذلك شيء مرفوع لأنكروا عليه، وتعقب بأنه إنما يتجه الإنكار لو كان المنزع واحداً، فأما مع
الاختلاف فلا يتجه الأنکار.
وبيان ذلك أن في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحد أربعين، وإنما تشاوروا في أمر
يحصل به الارتداع يزيد على ما كان مقرراً ويشير إلى ذلك ما وقع من التصريح في بعض طرق أنهم
احتقروا العقوبة، وانهمكوا في الشرب.
فإن قيل: جاء في هذا الأثر عن علي، أن النبي ◌َّ جلد أربعين، وأبو بكر كذلك، وعمر ثمانين، وكُلِّ
سُنَّةٌ، وروى البخاري، وغيره عنه أنه قال: ((ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، فأجد في نفسي إلا =

٤٣٥
كتاب الأشربة
صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول الله وَلو لم يسنه)). فما طريق التوفيق؟
=
قال الحافظ: والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي وي لل جلد الأربعين وأنه سنة، وبين هذا المذكور،
وهو أن النبي عليه السلام لم يسنه، بأنه يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين، أي: لم يسن شيئاً زائداً
على الأربعين، ويؤيده قوله: ((وإنما هو شيء صنعناه نحن)) يشير إلى ما أشار به على عمر، وعلى هذا
فقوله: لو مات وديته، أي في الأربعين الزائدة، وبذلك جزم البيهقي، وابن حزم.
ويحتمل أن كون قوله: لم يسنه، أي: الثمانين، لقوله في الرواية الأخرى: وإنما هو شيء صنعناه، فكأنه
خاف من الذي صنعوه باجتهادهم ألا يكون مطابقاً، واختص هو بذلك؛ لكونه الذي كان أشار بذلك،
واستدلَّ له، ثم ظهر له أن الوقوف عند ما كان عليه الأمر أولاً أولى فرجع إلى ترجيحه، وأخبر بأنه لو
أقام الحد ثمانين، فمات المضروب وداه؛ للعلة المذكورة.
ويحتمل أن يكون الضمير في قوله ((لم يسنه)) لصفة الضرب، وكونها بسوط الجلد، أي: لم يسن الجلد
بالسوط، وإنما كان يضرب فيه بالنعال ونحوها مما تقدم ذكره، أشار إلى ذلك البيهقي.
وقال ابن حزم أيضاً لو جاء عن غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون، وأنه غير مسنون
ـ لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر، فضلاً عن علي مع سعة علمه وقوة فهمه، وإذا
تعارض خبر عمير بن سعيد الذي رواه البخاري عن علي، وخبر أبي ساسان فخبر أبي ساسان أولى
بالقبول؛ لأنه مصرح فيه برفع الحديث عن علي، وخبر عمير موقوف على عليّ.
وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع، وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة، والجمع
أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة، وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وهما، فرواية
الإثبات مقدمة على رواية النفي، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عند قتادة، وعلى
تقدير أن بينهما تمام التعارض، فحديث أنس سالم من ذلك.
هذا ما جمعوا به بين الآثار المروية عن علي كرم الله وجهه .
والذي أراه أن قول علي كرم الله وجهه: ((جلد النبي عليه الصلاة والسلام أربعين وأبو بكر أربعين)) إخبار
عما وقع في حضرة النبي رَّةٍ وخلافة أبي بكر في بعض وقائع الشرب. وقول علي: ((فإن النبي لم يسنه))
معناه لم يسنه بلفظ عام يشمل كل قضية من قضايا الشراب، وفعله وَّ للأربعين أو غيرها مرة لا يدل
على أن ذلك عقوبة لكل شارب لأنها وقائع عينية وهي لا عموم لها، ولو كان المقصود من حكاية العدد
عن النبي ◌ّي* تحديد عدد خاص في كل حوادث الشراب لما تركها النبي ◌َّ بعد فعلها أو الأمر بها،
ولما تجاوزها أصحابه من بعده في بعض حوادث الشراب وقد تجاوزها عمر وعثمان وغيرهما، فغاية ما
تدل عليه رواية جلد النبي عليه السلام أربعين)) أنها بيان لبعض الأنواع التي يعاقب بها الشارب بحسب
حاله .
على أن مشورة أبي بكر أصحاب رسول الله رضي الله عنهم أجمعين وتحريمهم المقدار الذي كان يضربه
الشارب في عهد الرسول يدل على أنه لم تكن هناك سنة مقدّرة للعقوبة تقديراً مضبوطاً عند علي وعند
غيره من الصحابة، وإلا لما جاز لهم الاجتهاد في قدر العقوبة مع وجود السنة المبنية لمقدارها بياناً
مضبوطاً، فدل ذلك على أن قول علي ((جلد النبي أربعين)) إمّا أنه أراد بها التقريب أو التحديد بعدما رآه
أبو بكر ومن معه ويدل لهذا القول عليّ ((لو مات وديته فإن النبي لم يسنه)) حيث أطل ولم يقيده بالأربعين =

٤٣٠
كتاب الأشربة
أو بالزائد عليها أو بالثمانين. وإذا كانت هذه منزلة الآثار عن علي كرم الله وجهه، فلا تدل على تحتم
=
مقدار خاص في كل حوادث الشرب.
وورد على الشافعي رضي الله عنه ومن معه في المعقول أنه قياس لإثبات الحدود، والحدود لا تثبت
قياساً.
ولو سلمنا ثبوتها به لكان معارضاً بما ذكره الجمهور من أنه في حد معصيته فيجب أن يقدر بالثمانين
کالقذف.
وأجاب الشافعي بأن قياسنا أولى لأن الحدود اختلفت في المقدار لاختلافها في الأسباب فجاز اعتبار
بعضها ببعض في التفاضل ولم يجز اعتبار بعضها ببعض في التماثل، ولأن الحدود ترتبت بحسب
الجرائم، فما كان جرمه أغلظ كان حده أكثر فالزنا لما غلظ جرمه للاشتراك فيه غلظ حده، والقذف لما
اختص بالتعدي على واحد كان أخف من الزنا، والخمر لما اختص بالشارب ولم يتعد عنه وجب أن
يكون أخف من القذف.
فإن قيل إن حقه القذف أخف من حد الخمر.
فالجواب عنه أنه أغلظ من وجهين: الأول أن القذف متعد، والشرب غير متعد، الثاني: أن حد القذف
من حقوق العباد، وحد الشرب من حقوق الله تعالى، وما تعلق بالعباد أغلظ فإن قيل إذا كانت الأربعون
هي الحد المحتوم والزيادة عليها إلى الثمانين تعزير فقد ساوى التعزير حدّاً، وقد قال الشافعية لا يبلغ
بالتعزير أدنى الحدود.
فالجواب عن ذلك أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود إذا كان سبب التعزير واحداً، فأما إذا اختلفت الأسباب
فإنه تجوز الزيادة لأن لكل سبب حكما، وتعزيره في الخمر لأسباب منها زوال عقله وتركه الصلاة،
وهذيانه وأعراضه عن معرفة الله وغير ذلك. فإن قيل إن مقتضى ذلك أن يزاد على الثمانين.
قلنا: إن هذا التعزير قام الإجماع من الصحابة على جواز بلوغه الثمانين مع عدم جواز الزيادة عليها فكان
هذا التعزير مخصوصاً من سائر التعزيرات بهذا الإجماع.
فالأقوى دليلاً في هذه المسألة عند القائلين بأن العقوبة حد أن الأربعين هي الحد المحتوم، وما زاد عليها
إلى الثمانين تعزيرات مرجعها إلى نظر الأمام إن شاء فعله للمصلحة التي يراها وأن شاء تركه، وكذلك
كان فعل عمر جلد الثمانين لما رأى المصلحة في فعلها، ونقص منها لما رأى المصلحة في النقص منها
ووقف عند الأربعين لما رأى المصلحة في الوقوف عندها. وترك أبو بكر الزيادة على الأربعين لما رأى
المصلحة في تركها وجلد عثمان رضي الله عنه الأربعين والثمانين في خلافته باعتبار المصلحة التي رأها،
وجلد علي كرم الله وجهه الوليد بن عقبة أربعين أو ثمانين في خلافة عثمان، وأشار على عمر بالثمانين
ورجع عنها إلى الأربعين لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في خلافة أبي بكر مستندين في ذلك إلى ما فعل
بحضرة الرسول وَ﴿ وإذا كان الإجماع السكوني حجة فأجماع الصحابة على الأربعين في عهد أبي بكر
سابق على أجماعهم على الثمانين في عهد عمر علي فرض تسليمه، والتمسك بإجماع أبي بكر أولى لأن
مستنده فعل الرسول عليه الصلاة والسلام ومن ثم رجع إليه علي ففعله في زمن عثمان بحضرته وبحضرة
من كان عنده من الصحابة منهم عبد الله بن جعفر الذي باشر ذلك، والحسن بن علي، فإن كان السكوت
إجماعاً فهذا هو الأول فينبغي ترجيحه.
فإن قيل: إن جميع ما جاء في السنة عن النبي بخصوص العقوبة يدل على أنها لم تكن مقدرة في =

٤٣٧
كتاب الأشربة
ومنها: أنه يحرم على المسلم تَمْلِيكُها وتملُّكُها بسائر أسباب الملك من البيع والشراء
وغير ذلك؛ لأن كل ذلك انتفاع بالخمر وأنها محرمة الانتفاع على المسلم.
وروي عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((يَا أَهْلَ المَدِينَةِ إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ)
قَدْ أَنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَنْ كَتَبَ هُذِهِ الآيَةَ وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهَا فَلاَ يَشْرَبْهَا وَلاَ يَبِيْعَهَا))(١)
فسكبوها في طرق المدينة، إِلاَّ أنها تورث؛ لأن الملك في الموروث ثبت شرعاً من غير صنع
العبد، فلا يكون ذلك من باب التمليك والتملك، والخمر إِن لم تكن متقومة فهي مال عندنا،
فكانت قابلة للملك في الجملة.
ومنها: أنه لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم؛ لأنها ليست متقومة في حق المسلم، وإن
كانت مالاً في حقه، وإتلاف مال غير متقوم لا يوجب الضمان، وَإِن كانت لذميٍّ يضمن عندنا؛
خلافاً للشافعي (رحمه الله) وهي من مسائل الغصب.
ومنها: أنها نجسةٌ غليظة (٢) حتى لو أصاب ثوباً أكثر من قدر الدرهم يَمْنَعُ جواز الصلاة؛
عهده ول تقديراً مضبوطاً بعد ولا يزاد عليه ولا ينقص منه، فكيف لساغ لأصحابه من بعده أن يقدروها
=
بحد محدود لا ينقص منه ولا یزاد عليه؟
فالجواب ما ذكره صاحب فتح القدير بقوله: ((وإنما جاز لهم أن يجمعوا على تعينه والحكم المعلوم منه
عليه الصلاة والسلام عدم تعينه لعلمهم بأنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى هذه الغاية في ذلك الرجل
لزيادة فساد فيه، ثم رأوا أن أهل الزمان تغيروا إلى نحوه أو أكثر على ما تقدم من قول السائب بن يزيد
(كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله وأمرة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا وأرديتنا
ونعالنا حتى كان آخر أمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين)) وعلموا أن الزمان كلما
تأخر كان فساد أهله أكثر فكان ما أجمعوا عليه هو ما كان حكمه عليه الصلاة والسلام في أمثالهم.
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥٥٨/٢) وعزاه للبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة.
(٢) اختلف فقهاء الإسلام في حكم نجاسة الخمر، أو طهارتها:
فذهب الجمهور إلى نجاسة الخمر المتخذة من نيء عصير العنب المسكر، وذهب آخرون: إلى طهارتها :
ذكر منهم النووي في المجمع وشرح مسلم ربيعة شيخ مالك، والليث بن سعد، وداود، ونسبة الأسنوي
في حاشية عميرة، والقرطبي إلى المزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين.
استدل الجمهور بالكتاب، والسنة، والأثر، والمعقول، والإجماع:
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ من عَمَلِ الشيطان
فاجتنبوه ..... ) الآية.
وجه الدلالة: أن الله تعالى سمى الخمر، وما عطف عليها رجساً والرجس النجس وأمر باجتنابها مطلقاً،
والقول بطهارتها ينافي الأمر المطلق باجتنابها .
قال القرطبي: ((فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر
باجتنابها الحکم بنجاستها».

٤٣٨
كتاب الأشربة
وقال ابن حجر الهيثمي: ((الخمر المتخذة من عصير العنب نجسة، لأن الله تعالى سمّاها رجساً، والرجس
=
شرعاً: النجس، ولا يلزم منه نجاسة ما بعدها في الآية؛ لأن الرجس إما مجاز فيه، والجمع بين الحقيقة
والمجاز جائز، وعلى امتناعه؛ وهو ما عليه الأكثرون هو من عموم المجاز، أو حقيقة في غير الخمر؛
لأنه يطلق أيضاً على مطلق المستقذر، واستعمال المشترك في معانيه جائز، استغناء بالقرينة، كما في
الآية.
وأما السنة، فمنها ما يأتي:
الأول: ما رواه مسلم، وأحمد، والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله وَله
صديق من ثقيف، أو دوس لقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه، فقال: يا فلان، ((أما
علمت أن الله حرمها)»؟ فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال الرسول وَّ: ((إن الذي حَرَّمَ
شربها حرم بيعها، فأمر بها، فأفرغت في البطحاء)).
الثاني: ما رواه الشيخان، وأحمد، عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب من
فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس، فأهرقها،
فأهر قتها .
وجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة أراقوا ما كان عندهم من الفضيخ حين علموا بتحريم الخمر، وعلم بذلك
الرسول عليه الصلاة والسلام وأقرهم على الإراقة، بل أمرهم بها، فدل ذلك على نجاسة الخمر؛ إذ لو
كانت طاهرة، لنهاهم عن الإراقة؛ لما فيها من تضييع المال المحرم إضاعته.
وأما الأثر: فما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس، فقال: ((لا يحل خل
من خمر قد أفسدت، حتى يبدأ الله إفسادها، فعند ذلك تطهر، ويطيب خلها)).
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب خطب الناس، وبين لهم أن خل الخمر لا يحل، حتى يبدأ الله
بإفسادها، بدون تدخل لآدمي في الإفساد، وعند ذلك تحل وتطهر، وهذا مشعر بأن الخمر قبل إفساد الله
لها بالتخلل كانت نجسة.
وأما المعقول: فمن وجوه:
الأول: قالوا: إنها محرمة العين، فتكون نجسة؛ كالخنزير.
الثاني: قالوا: إنها محرمة العين، فكانت نجسة؛ كالبول.
الثالث: قالوا: إنها محرمة، فكانت نجسة، كالدم.
الرابع: قالوا: إنها نجسة؛ تغليظاً، وزجراً عنها؛ قياساً على الكلب، وما ولغ فيه.
وأما الإجماع: فقال النووي في المجموع: نقل الشيخ أبو حامد الإجماع على نجاستها.
وقال الخطيب في مغني المحتاج: ((استدل على نجاسة الخمر الشيخ أبو حامد بالإجماع، وحمل على
إجماع الصحابة)) وقال الشيخ عميرة: قد استدل على نجاستها بالإجماع، حكاه أبو حامد، وابن عبد البر.
قال الأسنوي: وكأنهما أرادا إجماع الطبقة المتأخرة من المجتهدين، وإلا فقد خالف في ذلك ربيعة شيخ
مالك، والمزني واستدل القائلون بالطهارة بالسنة، والمعقول:
أما السُّنة: فما سبق للجمهور، وقالوا في توجيهها: قال القرطبي: واستدل سعيد بن الحداد القروي على
طهارتها بسفكها في طرق المدينة، قال: ولو كانت نجسة، لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله تعالى
عليهم ولما أقرهم الرسول عليه السلام على ذلك، بل ولما أمرهم بذلك، ولنهاهم عن الإراقة؛ كما نهى =

٤٣٩
كتاب الأشربة
عن التخلي في الطرق.
=
وأما المعقول: فقالوا: لا تلازم بين حرمة التعاطي والنجاسة، فمن المحرم ما هو طاهر إجماعاً؛ كسم
النبات، وكالأفيون، والحشيش، فتكون الخمر مثلها في التحريم، والطهارة.
ورد على الجمهور في الآية أن الرجس لا يدل على النجاسة؛ لأنه عند أهل اللغة اسم لكل مستقذر، ولو
كان طاهراً كالبصاق، والأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة، قال النووي: ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة
على النجاسة، لأن الرجس عند أهل اللغة القذر، ولا يلزم منه النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه
النجاسة وأورد ابن قاسم على قول ابن حجر: إن الرجس في الآية إن كان من قبيل عموم المجاز، فهو
مستعمل في القدر المشترك بين النجس وغيره مجازاً، فلا يدل على المطلوب، إلا بقرينة تفهم أن المراد
به بالنسبة للخمر هو النجس، وأي قرينة لذلك؟
وأجيب عن ذلك: بأن القرينة عدم المانع من إرادة المعنى الحقيقي بالنسبة للخمر، ووجوده بالنسبة لما
عداها وهو الإجماع.
وأورد عليه أيضاً أنه إن كان من قبيل استعمال المشترك في معنييه، فلا بد من قرينة تدل على أحد المعنيين
الراجع للخمر هو النجس، وأي قرينة لذلك؟
وأجيب عن ذلك: بأن القرينة بالنسبة للخمر اشتهار الرجس في النجس، وبالنسبة لما عداها الإجماع.
وورد عليهم في السنة أن الإراقة لا تدل على النجاسة؛ لأنهم إنما أراقوها؛ لتحريمها لا لنجاستها، وقد
كان العهد قريباً بتحريم الخمر، فلم ينكر عليهم النبي ◌ُّ أمر الإراقة، بل أمرهم بها، ليشتهر بها أمر
التحريم؛ كما اشتهر بنداء المنادي الذي أمره الرسول عليه السلام بالطواف في أرجاء المدينة؛ ليبلغ أهلها
أمر التحريم؛ ولذلك لم يأمرهم النبي بإراقتها مطلقاً في أي مكان، بل أمرهم بإراقتها في الأماكن البارزة
التي يكثر فيها المرور، ليعلم أمر التحريم كل من مر بها، ويبلغه غيره.
وورد عليهم في الأثر أنه ليس نصاً في إفادة الطهارة التي هي ضد النجاسة، حتى يَدُلَّ على نجاستها قبل
إفساد الله لها بالتخلل؛ لأن الطهر في اللغة: النقاء من الدنس والنجس، يقال فلان طاهر الذيل، أي بريء
من العيب، والخمر إذا تخللت بنفسها، فقد بعدت عن الذم والعيب من جهة أنها لا تفسد العقل والبدن،
ومن جهة أنه لم يرتكب ذنب في طريق حلها، قال في المصباح: ((طهر الشيء من بابي: قتل، وقرب
طهارة)) والاسم الطهر، وهو النقاء من الدنس والنجس، وهو طاهر العرض أي: بريء من العيب، وقد
قيل للحالة المناقضة للحيض طهر.
ولو سلمنا أن الظاهر منه الطهارة التي هي ضد النجاسة، فيدل على نجاستها قبل التخلل، لقلنا: إنه رأى
له مما للاجتهاد فيه مجال. وورد عليهم في المعقول ما يأتي:
أما قياسها على الخنزير: فإنا لا نسلم أن الحكم بالتحريم يستدعي الحكم بالنجاسة؛ لأن الخنزير إن كان
حياً، فنجاسته غير متفق عليها؛ لأن الإمام مالكاً رضي الله عنه يقول بطهارة كل حي، وإن كان كلباً أو
خنزيراً، وإن كان ميتاً فهو نجس بأدلة نجاسة الميتة من السنة، فلم يتم الياس حتى ينتج الحكم بالنجاسة؛
ومثل ذلك يرد على قياسها على الكلب، وما ولغ فيه.
وأما قياسها على البول: فلا يتم أيضاً، لأن نجس العين ما كان شديد القذارة، كالبول، والغائط مما تعافه
النفس، ويقشعر منه الجلد، والخمر ليست قذرة العين، وإنما قذارتها من جهة أنها سبب للغضب
والعذاب، فلم يكن الجامع بينهما القذارة الحسية.
=

٤٤٠
كتاب الأشربة
وأما قياسها على الدم: فقد قال الإمام النووي: لا دلالة فيه على النجاسة لوجهين:
=
الأول: أنه منتقص بالمخاط والبصاق وغيرهما، مما حرم تناوله مع طهارته.
الثاني: أن العلة في منع تناولهما مختلفة، فلا يصح القياس؛ لأن المنع من الدم؛ لكونه مستخبثاً، والمنع
من الخمر، لكونها سبباً للعداوة، والبغضاء والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة؛ كما صرحت الآية
الكريمة .
وورد عليهم في الإجماع أنه لم يصح؛ لأن ممن نقله الإمام الغزالي، وقد نقل عنه الإمام النووي في
المجموع أنه قال بطهارة الخمر المحترمة، والتي استمالت خمراً في باطن حبات العنب، وقال النووي:
((إن أقرب ما يقال في نجاستها، ما ذكره الغزالي: إن حكم نجاستها، تغليظاً وزجراً عنها؛ قياساً على
الكلب، وما ولغ فيه، فلو كان الإمام الغزالي ممن نقل الإجماع على نجاستها؛ لما كان له أن يخالفه،
ويقول بطهارة بعض أنواعها، ولما كان له أن يستدل على نجاستها بقياس لم يسلم له الاتفاق على حكم
أصله، وقد اضطرب نقل الإجماع: فبعضهم ينقل أنه إجماع الصحابة، وبعضهم بنقل أنه إجماع الطبقة
المتأخرة من المجتهدين، لأن ربيعة شيخ مالك، والمزني، وغيرهما خالفوا في نجاستها، وما كان هذا
شأنه من الإجماع، فلا ينهض على إثبات الحكم بالنجاسة مع الاختلاف فيه قديماً وحديثاً.
وورد على القائلين بالطهارة في السنة: إن الإراقة، والأمر بها لا يدل على الطهارة، فقد تراق القاذورات
النجسة في الطرقات، إن لم يكن سبيل إلى الخلاص منها إلا بذلك، وهكذا كان شأن أهل المدينة لا
مرافق في بيوتهم؛ لأنهم كانوا يتقذرون من اتخاذها، وتكليفهم إخراجها إلى خارج المدينة فيه كلفة،
ومشقة، مع ما فيه من تأخير ما وجب على الفور، وإنما نهى النبي ◌َّر عن التخلي في الطرق؛ لأن
المتخلي يعرض نفسه للعن الناس له؛ بسبب إيذائه لهم، وهكذا الأمر من بدء الخلق إلى اليوم يمر
الشخص بطريق، فيرى فيه عذرة آدمي، فتنقبض نفسه، ويقشعر جلده، وإذا مر بقذر آخر لا يجد من نفسه
هذا التأثر والانقباض؛ فالأمر بالإراقة كان للمبالغة في التحريم، حتى يقلع الناس عنها بعد أن تمكن حبها
من نفوسهم، ولذا أمرهم النبي عليه السلام بإراقتها في الأماكن المطروقة؛ ليشيع أمر تحريمها، فيعمل
الناس بذلك.
هذه أدلة الطرفين، ومناقشتها، وأرادها غير منتجة لمطلوب كل منهما، إلا معقول القائلين بالطهارة، أما
استدلال الجمهور بقول الله تعالى: ﴿رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ فهو غير ناهض على إثبات
النجاسة؛ لأن الرجس في اللغة: القذر والغضب والنتن والمأثم، وكل مستقذر من العمل، والعمل
المؤدي إلى العذاب والشك، قال في لسان العرب: قال الفراء في قول الله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على
الذين لا يعقلون﴾ إنه العقاب والغضب.
وقال ابن الكلبي في قول الله: ﴿فإن رجس أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ الرجس: المأثم.
وقال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿كذلك يجعل الله الرجس﴾ قال: الرجس: ما لا خير فيه.
قال أبو جعفر في قول الله: ﴿إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ الرجس: الشك، وفي
التنزيل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ قال
الزجاج: الرجس في اللغة: اسم لكل مستقذر من عمل، فبالغ الله في ذم هذه الأشياء المذكورة، وسماها
رجساً، ويقال: رجس الرجل بالضم رجساً بالفتح، ورجس بالكسر يرجس بالفتح، إذا عمل عملاً قبيحاً، =