Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
کتاب النذر
وجه الاستحسان قول النبي وَّ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ)) (١) وقوله (عليه الصلاة
والسلام): ((مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى، فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ بِمَا سَمَّى))(٢) والمراد من الحديثين النذر بما هو طاعة
مقصودة وقربة مقصودة، وقد نذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة؛ لأنه نذر بذبح الولد
تقديراً بما هو خلف عنه وهو ذبح الشاة، فيصح النذر بذبح الولد على وجه يظهر أثر الوجوب
في الشاة التي هي خلف عنه؛ كالشيخ الفاني إذا نذر أَنْ يَصُومَ رجب، أنه يصح نذره، وتلزمه
الفدية خلفاً عن الصوم، ودليل ما قلنا الحديث وضربٌ من المعقول.
أما الحديثُ فقولُ النبيِّ وَّهِ: ((أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ))(٣) أراد أول آبائه من العرب وهو سيدنا
إسماعيل (عليه الصلاة والسلام)، وآخر آبائه حقيقة، وهو عبدالله بن عبد المطلب، سمَّاهما
(عليه الصلاة والسلام) ذبيحين، ومعلوم أنهما ما كان ذبيحين حقيقة، فكانا ذبيحين تقديراً
بطريق الخلافة؛ لقيام الخلف مقام الأصل.
وأما المعقول: فلأن المسلم إنما يقصد بنذره التقرب إلى الله (تعالى) إِلاَّ أنه عجز عن
التقرب بذبح الولد تحقيقاً، فلم يكن ذلك مراداً من النذر وهو قادرٌ على ذبحه تقديراً بذبح
الخلف، وهو ذبح الشاة، فكان هذا نذراً بذبح الولد تقديراً بذبح ما هو خلف عنه حقيقة؛
كالشيخ الفاني إذا نذر بالصوم.
وإِنما لا يصح بلفظ القتل؛ لأن التعيين بالنذر وقع للواجب على سيدنا إبراهيم (عليه
الصلاة والسلام)، والواجب هناك بالإيجاب المضاف إلى ذبح الولد بقوله (تعالى عزَّ شأنه):
﴿إِنِّي أَرَىْ فِي المَنَّامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] على أن هذا حكم ثبت استحساناً بالشرع،
والشرعُ إِنما ورد بلفظَ الذبح لا بلفظ القتل، ولا يستقيم القياس؛ لأن لفظ القتل لا يستعمل في
تفويت الحياة على سبيل القربة والذبح يستعمل في ذلك.
ألا ترى أنه لو نذر بقتل شاة لا يلزمه، ولو نذر بذبحها لزمه، ولو نذر بنحر نفسه لم
يذكر في ظاهر الروايات.
وذكر في نوادر هشام أنه على الاختلاف الذي ذكرنا، ولو نذر بنحر ولد ولده، ذكر في
شرح الآثار أنه على الاختلاف، ولو نذر بنحر والديه أو جده أو جدته، يصحُّ نذره عند أبي
حنيفة (رحمه الله)، وعند الباقين لا يصح.
ولو نذر بذبح عبده عند محمد (رحمه الله) يصح، وعند الباقين لا يصح، وإِنما اختلف
(١) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه .

٣٤٢
كتاب النذر
أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما مع اتفاقهما في الولد؛ لاختلافهما في المعنى في الولد، فالمعنى
في الولد عند أبي حنيفة (رحمه الله): هو أنه نذر بالتقرب إلى الله (تعالى) بذبح ما هو أعزّ
الأشياء عنده، وهذا المعنى يوجد في الوالدين، ولا يوجد في العبد، وعند محمد (رحمه الله)
المعنى في الولد أن النذر بذبحه تقرب إلى الله (تعالى) بما هو من مكاسبه، والولد في معنى
المملوك له شرعاً .
قال النبي وَلَّ: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ (١) وَإِنْ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ)) فعدى الحكم
إِلى المملوك حقيقة وهو العبد وإلى النفس، وولد ولده لكونهما في معنى المملوك له، ولم
يعد إِلى الوالدين؛ لانعدام هذا المعنى.
وعلى هذا القياس ينبغي أن يصح نذر الجد بذبح الحافد، وعند محمد لا يصح وإذا
أوجب على نفسه الهدي فهو بالخيار بين الأشياء الثلاثة، إن شاء أهدى شاةً، وإِن شاء بقرة،
وإِن شاء إيلاً، وأفضلها أعظمها؛ لأن اسم الهدي يَقَعُ عَلَى كل واحدٍ منهم.
ولو أوجب على نفسه بدنة فهو بالخيار بين شيئين: الإبل والبقر، والإبل أفضل؛ لأنَّ
اسم البدانة يَقَعُ على كل واحد منهما، ولو أَوجب، جزوراً فعليه الإِبل خَاصَّةً؛ لأنَّ اسم
الجزور يَقَعُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، ولا يجوز فيهما إلا ما يجوز في الأضاحي، وهو الثني من الإبل
والبقر، والجذع من الضأن إذا كان ضخماً.
ولا يجوز ذبح الهدي الذي أوجب إِلا في الحرم، لقوله (تعالى): ﴿ثُمَّ مَحلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ
العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ولم يرد به نفس البيت، بل البقعة التي هو فيها وهي الحرم، لأن الدم لا
يراق في البيت، والمراد من قوله (تعالى) ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] نفس البيت؛
لأنه هناك ذكر الطواف بالبيت، وههنا أضافه إلى البيت لذلك افترقا، ولأن الهدي اسم لما
يُهدى إلى مكان الهدايا، ومكان الهدايا هو الحرم، ولا يحل له الانتفاع بها، ولا بشيء منها إِلاَّ
في حال الضرورة؛ فإِن اضطر إلى ركوبها ركبها، ويضمن ما نقص ركوبه عليها، وهذه من
مسائل المناسك.
ولو أوجب على نفسه أَن يهدي مالاً بعينه، فإِن كان مما لا يحتمل الذبح يلزمه أن
يتصدق به أو بقيمته على فقراء مكة، وإِن كان مما يذبح ذبحه في الحرم وتصدق بلحمه على
فقراء مكة، وَلَوْ تَصَدَّقَ به على فقراء الكوفة جاز، كذا ذكر في الأصل.
ولو أوجب بدنة فذبحها في الحرم وتصدق على الفقرا جاز بالإجماع، ولو ذبح في غير
(١) تقدم تخريجه.

٣٤٣
کتاب النذر
الحرم وتصدق باللحم على الفقراء جاز عن نذره في قولٍ أبي حنيفة ومحمد (رحمهما الله)،
وعند أبي يوسف (رحمه الله) لا يجوز.
ولو أوجب جزوراً فله أَنْ يَنْحَرَهُ في الحلِّ والحرم ويتصدق بلحمه، وهذه من مسائل
الحج، ولو قال: مَا أَمْلِكُ هدي، أو قال: ما أملك صدقة، يمسك بعض ماله ويمضي الباقي؛
لأنه أضاف الهدي والصدقة إلى جميع ما يملكه، فيتناول كل جنس من جنس أمواله، ويتناول
القليل والكثير، إِلاَّ أنه يمسك بعضه؛ لأنه لو تصدق بالكلِّ لاحتاج إلى أن يتصدق عليه فيتضرر
بذلك.
وقد قال (عليه الصلاة والسلام): ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ))(١) فكان له أن يمسك
مقدار ما يعلم أنه يكفيه إلى أن يكتسب، فإذا اكتسب مالاً تصدق بمثله؛ لأنه انتفع به مع كونه
واجب الإِخراج عن ملكه لجهة الصدقة، فكان عليه عوضه؛ كمن أنفق ماله بعد وجوب الزكاة
عليه .
ولو قال: مالي صدقة، فهذا على الأموال التي فيها الزكاة من الذهب والفضة وعروض
التجارة والسوائم، ولا يدخل فيه ما لا زكاة فيه، فلا يلزم أن يتصدق بدور السكنى، وثياب
البدن، والأثاث، والعروض التي لا يقصد بها التجارة، والعوامل، وأرض الخراج؛ لأنه لا
زكاة فيها ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه؛ لأنّه مال الزكاة.
أَلاَ تَرَى أنه إِذا انضم إليه غيره تَجِبُ فيه الزكاة، ويعتبر فيه الجنس لا القدر؛ ولهذا
قالوا: إِذا نذر أَنْ يَتَصَدَّقَ بماله وعليه دينٌ محيطٌ - أنه يلزمه أنْ يتصدق به؛ لأنه جنس مال
تجب فيه الزكاة، وإِن لم تکن واجبة، فإِن قضی دینه به لزمه التصدق بمثله لما ذكرنا فيما
تقدم، وهذا الذي ذكرنا استحسانْ، والقياس أَنْ يدخل فيه جميع الأموال كما في فصل الملك؛
لأَن المال اسم لما يُتَمَّولُ كما أن الملك اسم لما يملك، فيتناول جميع الأموال كالملك.
وجه الاستحسان أن النذر يعتبر بالأمر؛ لأن الوجوب في الكلِّ بإيجاب الله (جل شأنه)
وإِنما وجد من العبد مباشرة السبب الدال على إيجاب الله تعالى، ثم الإِيجاب المضاف إلى
المال من الله (تعالى) في الأمر، وهو الزكاة في قوله (تعالى): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾
[التوبة: ١٠٣] وقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَالذين فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ونحو ذلك تعلق
بنوع دون نوع فكذا في النذر.
وقد قال أبو يوسف (رحمه الله) قياس قول أبي حنيفة (عليه الرحمة) إذا حلف لا يملك
(١) تقدم تخريجه.

٣٤٤
كتاب النذر
مالاً ولا نية له، وليس له مالٌ تجب فيه الزكاة، يحنث، لأن اطلاق اسم المال لا يتناول ذلك.
وقال أبو يوسف: ولا أحفظ عن أبي حنيفة إذا نوى بهذا النذر جميع ما يملك داره
تدخل في نذره؛ لأن اللفظ يحتمل وفيه تشديد على نفسه، وقال أبو يوسف: ويجب عليه أن
يتصدق بما دون النصاب، ولا أحفظه عن أبي حنيفة (رحمه الله)، والوجه ما ذكرنا، وإِذا كانت
له ثمرة عشرية أو غلة عشرية تصدق بها في قولهم؛ لأن هذا مما يتعلق به حق الله (تعالى) وهو
العشر.
وقال أبو حنيفة (رحمه الله تعالى): لا تدخل الأَرض في النذر، وقال أبو يوسف يتصدق
بها .
لأبي يوسف أنها من جملة الأموال النامية التي يتعلق حق الله (تعالى) بها فتدخل في
النذر .
ولأبي حنيفة (رضي الله عنه) أن حق الله (تعالى) لا يتعلق بها، وإِنما يتعلق بالخارج منها
فلا تدخل.
قال بشر عن أبي يوسف إِذا جعل الرجل على نفسه أن يطعم عشرة مساكين ولم يسم
فعليه ذلك، فإِن أطعم خمسة لم يجزه، لأَن النذر يعتبر بأصل الإيجاب، ومعلوم أن ما أوجبه
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لعدد من المساكين لا يجوز دفعه إلى بعضهم إِلاّ على التفريق في الأيام؛ فكذا
النذر .
ولو قال: لله عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بهذه الدراهم على المساكين، فتصدق بها على واحد
أجزأه؛ لأنه يجوز دفع الزكاة إلى مسكين واحد، وإن كان المذكور فيها جميع المساكين؛
لقول الله (تعالى): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] كذلك النذر.
ولو قال: لله عليَّ أَنْ أُطْعِمَ هذا المسكين هذا الطعام بعينه، فأعطى ذلك الطعام غيره
أجزأه؛ لأن الصدقة المتعلقة بمالٍ متعينٍ لا يتعين فيها المسكين؛ لأنه لما عين المال صار هو
المقصود، فلا يعتبر تعيين الفقير، والأفضل أن يعطي الذي عينه .
ولو قال: لله عليَّ إطعام عشرة مساكين، وهو لا ينوي أن يطعم عشرة مساكين؛ إِنما نوى
أن يطعم واحداً ما يكفي عشرة أجزأه؛ لأن الطعام اسم للمقدار؛ فكأنه أوجب مقدار ما يطعم
عشرة، فيجوز أن يطعم بعضهم.
ولو قال: لله عليَّ أَنْ أتصدق بهذه الدراهم يوم يقدم فلان، ثم قال: إِن كلمت فلاناً
فعليَّ أن أتصدق بهذه الدراهم، فكلم فلاناً وقدم فلان، أجزأه أن يتصدق بتلك الدراهم عنهما

٣٤٥
كتاب النذر
جميعاً، ولا يلزمه غير ذلك؛ وكذلك الصيام إِذا سمَّى يوماً بعينه؛ لأنه علق وجوب شيء واحد
بشرطين لكلِّ واحدٍ منهما بحياله؛ فإِن وجد الشرطان معاً وجبتْ بالإيجابين جميعاً؛ لأن
اجتماع سببين على حكم واحد جائزٌ؛ فإِن وجدا على التعاقب وجب بالأول، ولا يتعلق بالثاني
حكم، نظيره إِذا قال لعبده: إِنْ دَخَلَ زيد هذه الدار فأنت حر، ثم قال: إِن دخلها عمرو فأنت
حر، فإن دخلا معاً عُتق العبد بالإِيجابين، وإِن دخلا على التعاقب عتق بالأول، ولا يتعلق
بالثاني حُكُمْ؛ كذا هذا.
ولو قال: إِن كلمت فلاناً فعليَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بهذه الدراهم، فكلم فلاناً وجب عليه أن يتصدق
بها؛ لأنه أوجب على نفسه التصدق بها، فيجب عليه ذلك، فإن أعطى ذلك من كفارة يمينه أو من
زكاة ماله، فعليه لنذره مثل ما أعطى؛ لأنه لما أعطى تعين للإِخراج بجهة النذر، ولم يتعين
للإِخراج بجهة الزكاة، فإذ أخرجه بحق لم يتعين فيه صار مستهلكاً له فيضمن مثله؛ كما لو أنفقه
بخلاف الفصل الأول، لأن مثال الواجب تعين لكلِّ واحد عن النذرين، فجاز عنهما.
ولو قال: إِن قدم فلان، فاللَّه عَلَيَّ أَنْ أصوم يوم الخميس، ثم صام يوم الخميس عن
قضاء رمضان أو كفارة يمين أو تطوعاً، فقدم فلانٌ يومئذٍ بعد ارتفاع النهار، فعليه يوم مكانه
لقدوم فلان؛ لأنه وجب عليه صوم ذلك اليوم عن جهة النذر لوجود شرط وجوبه وهو قدوم
فلان فيه، فإِذا صام عن غيره فقد منع وقوعه عن النذر، فصار كأنه قدم بعدما أكل، فيلزمه
صوم يوم آخر مكانه لقدوم فلان، ولو كان أراد بهذا القول اليمين لم يحنث في يمينه لوجود
شرط البر، وهو صوم اليوم الذي حلف على صومه، وجهات الصوم لم تتناولها اليمين.
ولو كان قدم فلانٌ بعد الظهر، لم يكن عليه قضاؤه، لأنه لما قدم بعد الظهر لم يجب
الصوم عن النذر؛ كما لو أنشأ النذر بعد الزوال، فقال: للَّهِ عليَّ أن أصوم هذا اليوم، فلا
يجب قضاؤه، وإِن قدم فلان قبل الزوال في يوم قد أكل فيه فعليه أن يقضي؛ لأنَّ القُدُومَ
حصل في زمان يصح ابتداء النذر فيه، وَإِنَّما امتنع الصوم لوجود المنافي له وهو الأكل، فلا
يمنع صحة النذر؛ كما لو أوجب ثم أكل.
ولو قال: لله عليَّ أَنْ أَصُومَ الشهر الذي يقدم فيه فلانٌ، فقدم في رمضان، فصامه في
رمضان، أجزأ عن رمضان ولا يلزمه صوم آخر بالنذر؛ لأن شهر رمضان في حالِ الصحةِ
والإِقامة يتعين لصومه لا يحتمل غيره، فلم يتعلق بهذا النذر حُكْمٌ ولا كفارة عليه إِن كان أراد
به اليمين لتحقق البر وهو الصوم، واليمين انعقدت على الصوم دون غيره وقد صام.
ولو قال: لله عليَّ أَنْ أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، شكراً لله تطوعاً لقدومه، ونوى
به اليمين، فصامه عن كفارة يمين، ثم قدم فلان ذلك اليوم عند ارتفاع النهار، فعليه قضاؤه
والكفارة .

٣٤٦
کتاب النذر
أما القضاء: فلأنه نذر أن يصوم ذلك اليوم للقدوم، وذلك اليوم غير متعين لصوم
الكفارة، فإذا صام عن جهة يتعين الوقت لها لزمه القضاء.
وأما الكفارة: فلأنه لم يحلف على مطلق الصوم، بل على أن يصوم عن القدوم، فإِذا
صام عن غيره لم يوجد البر فيحنث، ولو كان في رمضان، فلا قضاء عليه وعليه الكفارة.
أما عدم وجوب القضاء؛ فلأنَّ زمانَ رمضانَ يتعينُ لصوم رمضان، فلا يصح إيجاب
الصوم فيه لغيره.
وأما وجوب الكفارة فيه؛ فلأنه لم يصم لما حلف عليه، فلم يوجد البر، وَإِن صامه
ينوي الشكر على قدوم فلان ولا ينوي رمضان، بَرَّ في يمينه وأجزأه عن رمضان.
أما الجواز عن رمضان؛ فلأنَّ صومَ رمضانَ لا يعتبر فيه تعيين النية؛ لكون الزمان متعيناً
له فوقع عنه.
وَأَمَّا بره في يمينه فلأنه حلف على الصوم بجهة وقد قصد تلك الجهة إِلاَّ أنه وقع عن
غيره حكماً من غير قصد، ولو قال: لله عليَّ أَنْ أصومَ هذا اليوم شهراً، فإنه يصوم ذلك اليوم
حتى يستكمل منه ثلاثين يوماً، فإِنه تعذر حمله على ظاهره إذ اليوم الواحد لا يوجد شهراً؛
لأنه إذا مضى لا يعود ثانياً فيحمل على التزام صوم اليوم المسمى بذلك اليوم الذي هو فيه من
الاثنين أو الخميس كلما تجدد إلى أن يستكمل شهراً ثلاثين يوماً حملاً للكلام على وجه
الصحة .
ولو قال: لله عليَّ أن أصوم هذا الشهر يوماً، نظر إلى ذلك الشهر أنه رجب أو شعبان أو
غيره، ويصير كأنه قال: لله عليَّ أن أصوم رجب أو شعبان في وقت من الأوقات؛ إذ الشهر لا
يوجد في يوم واحد، فلا يمكن حمله على ظاهره، وقد قصد تصحيح نذره فيحمل على وجه
يصح وهو حمل اليوم على الوقت، وقد يذكر اليوم ويراد به مطلق الوقت؛ قال الله (تعالى):
﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقال (تعالى): ﴿وَمَنْ يُوَلِهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾
[الأنفال: ١٦] ويقال في العرف: يوماً لنا ويوماً علينا على إرادة مطلق الوقت.
ولو قال: لله عليَّ أن أصوم هذا اليوم غداً، فعليه أن يصوم اليوم الذي قال فيه هذا
القول، إن قال ذلك قبل الزوال وقبل أن يتناول ما ينقض صومه ويبطل قوله ((غداً))؛ لأنه ركب
اسماً على اسم لا بحرف النسق، فبطل التركيب؛ لأنه يكون إيجاب صوم هذا اليوم غداً، وهذا
اليوم لا يوجد في غد، فلا يكون الغد ظرفاً له بطل قوله ((غداً»، وبقي قوله: لله عليَّ أن أصوم
هذا اليوم، فينظر في ذلك اليوم، فإن كان قابلاً للإيجاب صح، وإِلاَّ بطل بخلاف الفصل
الأول، لأن اليوم قد يعتد به عن مطلق الوقت.

٣٤٧
كتاب النذر
وَأَمَّا الغَدُ فلا يصلح عبارة عن مطلق الوقت ولا يعبر به إِلاَّ عن عين الغد، ولو قال: الله
عليَّ أن أصوم غداً اليوم، فعليه أن يصوم غداً؛ وقوله: ((اليوم)) حشو من كلامه؛ لأنه أوجب
على نفسه صوم الغد، وذلك صحيح ولم يصح قوله اليوم؛ لأنه ركبه على الغد لا بحرف
النسق فبطل؛ لأن صوم غدٍ لا يتصور وجوده في اليوم، فلغى قوله اليوم، وبقي قوله: لله عليَّ
أَنْ أصوم غداً.
ولو قال: لله عليَّ صوم أمس غداً، لم يلزمه شيء؛ لأن أمس لا يمكن أن يصام فيه؛
لأنه لا يعود ثانياً فبطل الالتزام فيه، فلا يلزمه بقوله غداً؛ لأنه لم يوجب صوم غدٍ، وإِنما جعل
الغد ظرفاً للأمس، وأنه لا يصلح ظرفاً له، فلغت تسمية الغد أيضاً، والأصل في هذا النوع أن
اللفظ الثاني يبطلِ في الأحوال كلها لما ذكرنا، وَإِذا بطل هذا ينظر إلى اللفظ الأول، فإِن صلح
صح النذر به وإلا بطل.
ولو قال: لله عليَّ صوم كذا كذا يوماً، ولا نية له، فعليه صوم أحد عشر يوماً، لأنه جمع
بين عددين مفردين مجملين لا بحرف النسق، فانصرف إلى أقل عددين مفردين يجمع بينهما لا
بحرف النسق وذلك أحد عشر، لأن الأقل متيقن به والزيادة مشكوك فيها، وَإِن نَوَى شيئاً فهو
على ما نوى يوماً كان أو أكثر؛ لأَن حَمْلَ هذا اللفظ على التكرار جائزٌ في اللغة، يقال: صوم
يوم يوم، ويراد به تكرار يوم، وإذا جاز هذا فقد نوى ما يحتمله كلامه فعلمت نيته.
ولو قال: لله عليَّ صوم كذا وكذا يوماً، فعليه صوم أحد وعشرين يوماً إِن لم يكن له
نية، لأنه جمع بين عددين مفردين على الإكمال بحرف النسق، فحمل على أقل ذلك، وأقله
أحد وعشرون يوماً، وإن كانت له نية فهو على ما نوى واحداً أو أكثر؛ لأن هذا مما يحتمل
التكرار، يقال: صوم یوم یوم، ويراد به تكرار يوم واحد.
ولو قال: لله عليَّ صوم بضعة عشر يوماً ولا نية له، كان عليه صوم ثلاثة عشر يوماً؛ لأنَّ
البضع عند العرب عبارة عن ثلاثة فما فوقها إلى تمام العقد، وهو عشرة وعشرون وثلاثون
وأربعون ونحو ذلك؛ فإذا لم يكن له نية صرف إِلى أقله، وذلك ثلاثة عشر؛ إذ الأقل متيقن.
ولو قال: لله عليَّ صوم سنين، فهو على ثلاث سنين؛ لأن الثلاث مستحقة هذا الاسم
بيقين، ولو قال: السنين، فهو على عشر سنين في قول أبي حنيفة (رضي الله عنه)، وعندهما
على الأبد.
ولو قال: عليَّ صوم الشهور، فهو على عشرة أشهر عند أبي حنيفة (رحمه الله) إذا لم
يكن له نية، وعندهما على اثني عشر شهراً، ولو قال: صوم شهور، فهم على ثلاثة أشهر بلا
خلافٍ، وكذا هذا في الأيام وأياماً منكراً ومعرفاً، وعندهما المعروف يقع على الأيام السبعة،
وقد ذكرناه في ((كتاب الأيمان)).

٣٤٨
كتاب النذر
ولو قال: لله عليَّ صوم جمع هذا الشهر، فعليه صوم كل يوم جمعة في ذلك الشهر، إذا
لم يكن له نية؛ لأن هذا اللفظ يراد به في ظاهر العادة عين يوم الجمعة.
ولو قال: لله عليَّ صوم أيام الجمعة، فعليه صوم سبعة أيام؛ لأن أيام الجمعة سبعة في
تعارف الناس .
ولو قال: لله عليَّ صوم جمعة، فإن كانت له نية فهو على ما نوی، إِن نوى عين يوم
الجمعة أو نوى أيامها؛ لأن ظاهر لفظه يحتمل كلاهما، وإن لم يكن له نية فهو على أيامها،
لأنه يراد به في أغلب العادات أيامها، والله (عزَّ شأنه) أعلم.
ولو نذر بقربة مقصودة من صلاة، أو صوم، فقال رجلٌ آخر: عَلَيَّ مثلُ ذلك يلزمه،
وكذا إذا قال: عليَّ المشي إلى بيت الله (عزَّ شأنه)، وكلُّ مملوكٍ لي حُرِّ، وكل امرأة لي
طالق - إذا دخلت الدار، فقال رجلٌ آخر: عَلَيَّ مثلُ ذلك إِن دخلت الدار ثم دخل الثاني الدار،
فإنه يلزمه المشي ولا يلزمه العتاق والطلاق.
ثم قال: أَلاَ ترى أَنْه لو قال عليَّ طلاق امرأتي فإن الطلاق لا يقع عليها، وَهَذَا يَدُلُّ على
أن مَنْ قال الطلاق عليَّ واجب أنه لا يقع طلاقه، قال القدوري (رحمه الله) وكان أصحابنا
بالعراق يقولُون فيمن قال: الطلاق لي لازمٌ، يقع الطلاق؛ لعرف الناس أنهم يريدون به
الطلاق، وكان محمد بن سلمة يقول: إِن الطلاق يقع بكلٌ حالٍ.
وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني عن علي بن أحمد بن نصير بن يحيى عن محمد بن
مقاتل (رحمهم الله) أنه قال: المسألةُ على الخلافِ.
قال أبو حنيفة (عليه الرحمة): إذا قال الطلاق لي لازم، أو عَلَيَّ واجب، لم يقع، وقال
محمدٌ: يقع في قوله لازم، ولا يقع في قوله واجب.
وحكى ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف في رجلٍ قال: ألزمت نفسي طلاق امرأتي
هذه، أو ألزمت نفسي عتق عبدي هذا، قال إن نوى به الطلاق والعتاق فهو واقعٌ، وإِلاَّ لم
يلزمه، وكذلك لو قال: ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه إِن دخلت الدار، أو عتق عبدي هذا
فدخل الدار وقع الطلاق والعتاق إِن نوى ذلك؛ وَإِن لم ينو فليس بشيء، جعله بمنزلة كنايات
الطلاق .
وجه قول محمدٍ (عليه الرحمة): أَن الوقوعَ للعادةِ، والعادة في اللزوم؛ لأنهمٍ يذكرونا
على إِرادة الإيقاع ولا عادة في الإِيجاب فلا يقع شيء، ولأبي يوسف (رحمه الله) أن الظاهر
الإلزام والإِيجاب للنذر، ويحتمل أن يراد به التزام حكم الطلاق الواقع فيقف على النية كسائر
كنايات الطلاق، ولأبي حنيفة (رحمه الله) أن الطلاق لا يحتمل الإِيجاب والإلزام لأنه ليسر
بقرية فبطل.

٣٤٩
کتاب النذر
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: إِذا قال رجلٌ: امرأةُ زيدٍ طالق ثلاثاً ورقيقه أحرارٌ
وعليه المشي إلى بيت الله (جل شأنه)، إِن دخل هذه الدار، فقال زيد: نعم، كان كأنه قد
حلف بذلك كله، لأنَّ نعم جواب لا يستقل بنفسه، فيتضمن إضمار ما خرج جواباً له؛ كما في
قوله (عزَّ شأنه): ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] قالوا: ((نَعَمْ)) تقديره: نعم
وجدنا ما وعدنا ربُّنا حَقًّا؛ وكالشهرد إذا قرأوا على المشهود عليه كتاب الوثيقة، فقالوا: نشهد
عليك بما فيه، فقال: نعم. إِن لهم أن يشهدوا؛ لأن تقديره نعم اشهدوا عليَّ بما في الكتاب،
ولو لم يكن قال: نعم، ولكنه قال: أجزت ذلك، فهذا لم يحلف على شيء؛ لأن قوله:
أجزت ليس بإيجاب والتزام فلا يلزمه شيء.
فإِن قال: قد أجزتُ ذلك علي إِن دخلت الدار، أو قال: قد ألزمت نفسي ذلك إن
دخلت الدار كان لازماً له؛ لأنه التزم ما قاله فلزمه، وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً قال: امرأةٌ زيدٍ طالق، فقال
زيد: قد أجزت، لزمه الطلاق.
وكذلك لو قال: قد رضيتُ ما قال، أو ألزمته نفسي؛ لأَنَّ هذا ليس بيمين، بل هو إيقاع
فيقف على الإِجازة، فأما اليمين فيحتاج إلى الالتزام ليجوز على الحالف وينفذ عليه، فلا بد
من لفظ الالتزام.
ولو أن رجلاً قال: إِن بعت هذا المملوك من زيد فهو حر، فقال زيد: قد أجزت ذلك، أو
رضيت ذلك، ثم اشتراه، لم يعتق؛ لأن الحالف أعتق عبده بشرط فوجد الشرط في غير ملکه،
فلم يحنث، ولا يتعلق بالإِجازة حكم؛ لأن البائع لم يوقت اليمين وإِنما حلف في ملك نفسه.
وَلَوْ كَانَ البَائِعُ قَالَ: إِنْ اشترى زَيْدٌ هُذا العَبْدَ فَهُوَ حُرٍّ، فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ اشتراهُ عتق
عليه؛ لأنَّ البائع لم يعقد اليمين في ملك نفسه، وإِنما أضافها إلى ملك المشتري، فصار عاقد
اليمين موقوفة وقد أجازها من وقفت عليه فتعلق الحكم بها.
وَقَالَ ابْنُ سَمَّاعَةُ عن أبي يوسف: لو أَنَّ رجلاً طلق امرأته فقال آخر: عَلَيَّ مثلُ ذلك،
فإن هذا لا يلزم الثاني؛ وكذلك لو قال: عليَّ مثل هذا الطلاق؛ لأن قوله: عليَّ مثل ذلك
إيجاب الطلاق على نفسه، والطلاق لا يحتمل الإيجاب.
ولو حلف رَجُلْ بطلاق امرأته لا يدخل هذه الدار، فقال آخر: عليَّ مثل ذلك إِن
دخلتها، فإِن دخلها الثاني لم يلزمه طلاق امرأته؛ لأنه أوجب على نفسه الطلاق إِن دخل الدار،
والطلاق لا يحتمل الإيجاب والإلزام؛ لأنه ليس بقربة، فإن أراد بهذا الإِيجاب اليمين، فليست
بطلاق حتى تطلق، فإن لم يفعل حتى مات أحدهما حنث؛ لأن النذر إذا أريد به اليمين صار
كأنه قال لا طلقتها، ولو قال ذلك لا يحنث حتى يموت أحدهما؛ كذا هذا.

٣٥٠
كتاب النذر
ولو قال: عبدي هذا حر إِن دخلت هذه الدار، فقال آخر: عَلَيَّ مثل ذلك إِن دخلت هذه
الدار، فدخل الثاني لم يعتق عبده؛ لأنه أوجب على نفسه بدخول الدار عتقاً غير معين، فكان
له أن يخرج منه بشراء عبد يعتقه فلا يتعلق العتق بعبيده الموجودين لا محالة، وإذا لم يتعلق
بهم لا يلزمه عتق في ذمته؛ لأنه لو لزمه لم يكن ذلك مثل ما فعله الحالف.
ولو أَنَّ رَجُلاً قال: لله عليَّ نسمة إِن دخلت هذه الدار، فقال آخر: عليَّ مثل ذلك إِن
دخلت، فهذا لازم للأول ولازم للثاني، أيُّهما دَخَلَ لزمه نسمة؛ لأن الأول أوجب عتقاً في
ذمته، وذلك مما يجب بالنذر، وإذا أوجب آخر مثله وجب عليه، بخلاف الفصل الأول؛ لأن
ثمة ما أوجب العتق، بل علق فلا يكون على الثاني إيجاب؛ لأنه ليس بمثل.
ولو قال: كُلُّ مالي هدي، وقال آخر: وعَلَيَّ مثلُ ذلك، فعليه أَنْ يَهْدِيَ جميع ماله،
سواء كان أقلَّ من مالٍ الأول أو أكثر إِلاَّ أن يعني مثل قدره فيلزمه مثل ذلك إِن كان مال الثاني
أكثر، وَإِن كان مال الثاني أقل يلزمه في ذمته تمام مال الأول؛ لأن مطلق الإِيجاب يضاف إلى
هدي جميع ماله كما أوجب الأول، فإذا أراد القدر فقد نوى ما يحتمله الكلام، فيحمل عليه.
فإِن قال رجلٌ: كُلُّ مال أملك إِلى سنة فهو هدي، فقال آخر: عَلَيَّ مثلُ ذلك، لم يلزمه
شيءٌ، لَأَن الثاني لم يضف الهدي إِلى الملك، فلا تثبت الإضافة بالإِضمار، والله (عزَّ شأنه)
أعلم.
ومنها: أن يكون المنذور به إذا كان مالاً مملوك الناذر وقت النذر، أو كان النذر مضافاً
إلى الملك أو إلى سبب الملك حتى لو نذر بهدي مالاً يملكه أو بصدقة ما لا يملكه للحال، لا
يصح؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((لاَ نَذْرَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ)) إِلاَّ إِذا أضاف إِلى الملك
أو إِلى سبب الملك بأن قال: كُلُّ مال أملكه فيما استقبل فهو هدي، أو قال: فهو صدقة، أو
قال: كلما اشتريته أو أرثه فيصح عند أصحابنا؛ خلافاً للشافعيِّ (رحمه الله).
والصحيح قولنا: لقوله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّذَّقَنَّ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ.
﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قوله (تعالى): ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقَاً فِي قُلُوبِهِمْ
إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] دلت الآية الشريفة على
صحة النذر المضاف، لأنَّ الناذر بنذره عاهد الله (تعالى) الوفاء بنذره، وقد لزمه الوفاء بما
عهد، والمؤاخذة على ترك الوفاء به، ولا يكون ذلك إِلاَّ في النذر الصحيح.
ومنها: أن يكون مفروضاً ولا واجباً، فلا يصح النذر بشيء من الفرائض، سواء كان
فرض عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان، أو فرض كفاية كالجهاد وصلاة الجنازة، ولا
بشيء من الواجبات سواء كان عيناً كالوتر وصدقة الفطر والعمرة والأضحية، أو على سبيل

٣٥١
کتاب النذر
الكفاية كتجهيز الموتى وغسلهم ورد السلام ونحو ذلك؛ لأن إيجاب الواجب لا يتصور، وأما
الذي يرجع إلى نفس الركن فخلوه عن الاستثناء فإن دخله أبطله.
فصل [في حكم النذر]
وأما حكم النذر فالكلام فيه في مواضع.
الأول: في بيان أضل الحكم.
والثاني: في بيان وقت ثبوته.
والثالث: في بيان كيفية ثبوته.
أما أصل الحكم: فالناذر لا يخلو من أن يكون نذر وسمى؛ أو نذر ولم يسم، فإِن نذر
وسمى فحكمه وجوب الوفاء بما سمى بالكتاب العزيز والسنة والإجماع والمعقول.
وأما الكتاب الكريم فقوله (عَزَّ شَأْنُهُ): ﴿وَلْيُوقُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الج: ٢٩] وقوله (تعالى):
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدُ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤] وقوله (سبحانه): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] والنذر نوعُ عهد من الناذر مع الله (جل وعلا) فيلزمه الوفاء بما عهد،
وقوله (جلَّت عظمتُهُ): ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] أي: العهود، وقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَمِنْهُمْ
مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قوله (تعالى): ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا
وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧] ألزم الوفاء بعهده حيث أوعد على ترك الوفاء.
وأما السنة: فقول النبيِّ وَّهِ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ (تَعَالَى) فَلْيُطِعْهُ))(١) وقوله وَّهِ: (مَنْ
نَذَرَ وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ بِمَا سَمَّى)) (٢) و((على): كلمة إيجاب، وقوله وَّ: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ
شُرُوطِهِمْ، وَالنَّاذِرُ شَرْطِ الوَفَاءِ»(٣) بما نذر، فيلزمه مراعاة شرطه، وعليه إِجماعُ الأَمة.
وأما المعقول: فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى الله (سبحانه وتعالى) بنوع من
القربِ المقصودة التي له رخصة تركها لما يتعلق به من المعاقبة الحميدة، وهي نيل الدرجات
العلى والسعادة العظمى في دار الكرامة وطبعه لا يطاوعه على تحصيله، بل يمنعه عنه لما فيه
من المضرة الحاضرة وهي المشقة ولا ضرورة في الترك فيحتاح إلى اكتساب سبب يخرجه عن
رخصة الترك ويلحقه بالفرائض الموظفة، وذلك يحصل بالنذر، لأن الوجوب يحمله على
التحصيل خوفاً من مضرة الترك فيحصل مقصوده، فثبت أن حكم النذر الذي فيه تسمية هو
وجوب الوفاء بما سمى.
(١) تقدم تخريج الحديث.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه .

٣٥٢
کتاب النذر
وسواء كان النذر مطلقاً أو مقيداً أو معلقاً بشرط بأن قال: إن فعلت كذا فعليَّ لله حجّ أو
عمرةٌ أو صومٌ أو صلاة، أو ما أشبه ذلك من الطاعات حتى لو فعل ذلك يلزمه الذي جعله
على نفسه، ولم يجز عنه كفارة، وهذا قول أصحابنا (رضي الله عنهم).
وقال الشافعي (رحمه الله): إِن علقه بشرط يريد كونه لا يخرج عنه بالكفارة؛ كما إِذا
قال: إِن شفى الله مريضي أو إِن قدم غائبي، فعليَّ كذا؛ وإِن علقه بشرط لا يريد كونه بأن قال
إِن كلمت فلاناً، أو قال: إِن دخلت الدار فللَّه عليَّ كذا، يخرج عنه بالكفارة، وهو بالخيار إن
شاء وَفَّى بالنذر وإن شاء كفر، وأصحاب الشافعي (رحمه الله) يسمون هذا يمين الغصب.
وروى عامر عن علي بن معبد عن محمد (رحمهم الله) أنه رجع عن ذلك، وقال:
يجزي فيه كفارة اليمين، وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن أبي حنيفة (رحمه الله) أنه يجزيه
كفارة اليمين.
وروي إن أبا حنيفة (عليه الرحمة) رجع إلى الكفارة في آخر عمره، فإِنه روي عن
عبد العزيز بن خالد أنه قال: قرأت على أبي حنيفة (رحمه الله) ((كتاب الأَيْمَان)) فلما انتهيت
إلى هذ المسألة قال: قف فإِن من رأيي أن أرجع إلى الكفارة، وقال: فخرجت حاجًّا، فلما
رجعت وجدت أبا حنيفة عليه الرحمة قد مات، فأخبرني الوليدُ بْنُ أبان أن أبا حنيفة رَجَعَ عن
الكفارة .
والمسألة مختلفةٌ بين الصحابة (رضي الله عنهم)، روي عن علي وعبد الله بن عباس
(رضي الله عنهم) أن عليه الوفاء بما سمى، وعن سيدنا عمر وعبد الله بن سيدنا عمر وسيدتنا
عائشة وسيدتنا حفصة (رضي الله عنهم) أن عليه الكفارة.
احتجَّ مَنْ قال بوجوب الكفارة بقوله (جلَّتْ عَظمتُهُ): ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمْ
الأَيْمان﴾ [المائدة: ٨٩] وقوله (جل شأنه): ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وهذا يمين، لأن
اليمين بغير الله (تعالى جل شأنه) شرط وجزاء وهذا كذلك.
وروي عن رسول الله وَّ أنه قال: ((النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ اليَمِينِ)»(١) وهذا نص،
(١) أخرجه أحمد (١٤٤/٤) ومسلم (٢٦/٣) كتاب النذر، باب في كفارة النذر، حديث (١٦٤٥/١٣) وأبو
داود (٦١٥/٣) كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر نذراً لم يسمه، حديث (٣٣٢٣) والترمذي (٤٢/٣)
كتاب النذر والأيمان، باب في كفارة النذر إذا لم يسم حديث (١٥٦٧) والنسائي (٢٦/٧) كتاب الأيمان
والنذر، باب كفارة النذر، وابن ماجه (٦٨٧/١) كتاب الكفارات باب من نذر نذراً ولم يسمه. حديث
(٢١٢٧) والبيهقي (٤٥/١٠) كتاب الأيمان، باب من قال عليّ نذر ولم يسم شيئاً من حديث عقبة بن
عامر .

٣٥٣
کتاب النذر
ولأن هذا في معنى اليمين بالله (تعالى) لأن المقصد من اليمين بالله الامتناع من المحلوف عليه
أو تحصيله خوفاً من لزوم الحنث، وهذا موجود ههنا؛ لأنه إن قال: إِن فعلت كذا فعليَّ
حجة، فقد قصد الامتناع من تحصيل الشرط، وإِن قال: إِن لم أفعل كذا فعليَّ حجة، فقد
قصد تحصيل الشرط، وكل ذلك خوفاً من الحنث، فكان في معنى اليمين بالله (تعالى) فيلزمه
الكفارة عند الحنث.
.﴾ الآية
ولنا قولُه (جل شأنه): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ ..
[التوبة: ٧٥] وغيرها من نصوص الكتاب العزيز والسنة المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر عاماً مطلقاً
من غير فصل بين المطلق والمعلق بالشرط، والوفاء بالنذر هو فعل ما تناوله النذر لا الكفارة،
لأن الأصيل اعتبار التصرف على الوجه الذي أوقعه المتصرف، تنجيزاً كان أو تعليقاً بشرط،
والمتصرف أوقعه نذراً عليه عند وجود الشرط وهو إيجاب الطاعة المذكورة لا إيجاب الكفارة.
واحتج أبو يوسف (رحمه الله) في ذلك وقال: القولُ بوجوب الكفارة يؤدِّي إلى وجوب
القليل بإيجاب الكثير، ووجوب الكثير بإيجاب القليل؛ لأنه لو قال: إن فعلت كذا فعليَّ صومُ
سنة، أو إطعام ألف مسكين، لزمه صوم ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين.
ولو قال: إِن فعلت كذا فعليَّ صوم يوم أو إطعام مسكين، لزمه إطعام عشرة مساكين أو
صوم ثلاثة، ولا حجة لهم بالآية الكريمة، لأنَّ المراد بها اليمين بالله (عزَّ شأنه)، لأن الله
(تعالى) أثبت باليمين المعقودة ما نفاه بيمين اللغو بقوله (تعالى جلَّت كبرياؤه): ﴿لاَ
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] والمراد من
النفي اليمين بالله (تعالى) كذا في الإثبات، والحديث محمول على النذر المبهم؛ توفيقاً بين
الدلائل؛ صيانةً لها عن التناقض.
وأما قولهم: إِنَّ هذا في معنى اليمين بالله (تعالى)، ممنوع بأنّ النذر المعلق بالشرط
صريح في الإيجاب عند وجود الشرط، واليمين بالله (تعالى) ليس بصحيح في الإيجاب، وكذا
الكفارة في اليمين بالله (تعالى) تجب جبراً لهتك حرمة اسم الله (عز اسمه) الحاصل بالحنث،
وليس في الحنث ههنا هتك حرمة اسم الله تعالى، وَإِنما فيه إِيجاب الطاعة، فلم يَكُنْ في معنى
اليمين بالله (تعالى).
ثُمَّ الوَفَاءُ بالمنذور به نفسه حقيقة إِنَّما يجبُ عِنْدَ الإِمْكَان، فأما عند التعذر فإنما يجب
الوفاء به تقديراً بخلفه؛ لأن الخلف يقوم مقام الأصل؛ كأنه هو كالتراب حال عدم الماء،
والأشهر حال عدم الإِقراء، حتى لو نذر الشيخ الفاني بالصوم يصح نذره وتلزمه الفدية؛ لأنه
عاجزٌ عن الوفاء بالصوم حقيقة، فيلزمه الوفاء به تقديراً بخلفه، ويصير كأنه صام.
بدائع الصنائع ج٦ - م٢٣

٣٥٤
کتاب النذر
وعلى هذا يخرج أيضاً النذر بذبح الولد أنه يصح عند أبي حنيفة (رحمه الله) ومحمد
(رحمه الله) ويجب ذبح الشاة؛ لأنه إِن عجز عن تحقيق القربة بذبح الولد حقيقة، لم يعجز عن
تحقيقها بذبحه تقديراً بذبح خلفه وهو الشاة، كما في الشيخ الفاني إِذا نذر بالصوم.
وأما وجوب الكفارة عند فوات المنذور به إِذا كان متعيناً بأن نذر صوم شهر بعينه، ثم
أفطر فهل هو من حكم النذر؟ فجملة الكلام فيه أن الناذر لا يخلو إما إن قال ذلك ونوى النذر
ولم يخطر بباله اليمين، أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يميناً، أو لم يخطر بباله شيء لا النذر
ولا اليمين، أو نَوَى اليمين ولم يخطر بباله النذر أو نوى اليمين ونوى أَنْ لا يكون نذراً، أو
نوى النذر واليمين جميعاً؛ فإن لم يخطر بباله شيء لا النذر ولا اليمين، أو نوى النذر ولم
يخطر بباله اليمين، أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يميناً، يكون نذراً بالإجماع.
وإِن نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذراً يكون يميناً ولا يكون نذراً بالاتفاق، وإِن نوى
اليمين ولم يخطر بباله النذر، أو نوى النذر واليمين جميعاً كان نذراً ويميناً في قول أبي حنيفة
ومحمد، وعند أبي يوسف يكون يميناً ولا يكون نذراً.
والأصل عند أبي يوسف لا يتصور أن يكون الكلام الواحد نذراً ويميناً، بل إِذا بقي نذراً
لا يكون يميناً، وإِذا صار يميناً لم يبق نذراً، وعند أبي حنيفة ومحمد (رحمهما الله) يجوز أن
يكون الكلام الواحد نذراً أو يميناً.
وجه قول أبي يوسف: أَنَّ الصيغةَ للنذر حقيقة وتحتمل اليمين مجازاً لمناسبة بينهما يكون
كل واحد منهما سبباً لوجوب الكف عن فعلٍ أو الإقدام عليه، فإذا بقيت الحقيقة معتبرة لم
يثبت المجاز، وإِذا انقلب مجازاً لم تبق الحقيقة، لِأَن الكلام الواحد لا يشتمل على الحقيقة
والمجاز لما بينهما من التنافي؛ إذ الحقيقة من الأسامي ما تقرر في المحل الذي وضع له،
والمجاز ما جاوز محل وضعه وانتقل عنه إِلى غيره لضرب مناسبة بينهما، ولا يتصور أن يكون
الشيء الواحد في زمان واحد متقرراً في محله ومنتقلاً عنه إِلى غيره.
ولهما: أن النذر فيه معنى اليمين؛ لأن النذر وضع الإيجاب الفعل مقصوداً تعظيماً لله
(تعالى)، وفي اليمين وجوب الفعل المحلوف عليه إِلاَّ أن اليمين ما وضعت لذلك، بل لتحقيق
الوعد والوعيد ووجوب الفعل لضرورة تحقق الوعد والوعيد، لا أنه يثبت مقصوداً باليمين؛ لأنها ما
وضعت لذلك، وَإِذا كان وجوب الفعل فيها لغيره لم يكن الفعل واجباً في نفسه، ولهذا تنعقد اليمين
في الأفعال كلها، واجبة كانت أو محظورة أو مباحة، ولا ينعقد النذر إلا فيما الله (تعالى) من جنسه
إِيجاب، ولهذا لم يصح اقتداء الناذر بالناذر لتغاير الواجبين، لأن صلاة كل واحد منهما وجبت
بنذره، فتتغاير الواجبات ولم يصح الاقتداء، ويصح اقتداء الحالف بالحالف؛ لأن المحلوف عليه
إِذا لم يكن واجباً في نفسه، كان في نفسه نفلاً؛ كأن اقتدى المتنفل بالمتنفل فصح.

٣٥٥
كتاب النذر
وإذا ثبت أن المنذور واجب في نفسه والمحلوف واجب لغيره، فلا شك أن ما كان
واجباً في حقّ نفسه، كان في حق غيره واجباً، فكان معنى اليمين وهو الوجوب لغيره موجوداً
في النذر، فكان كل نذر فيه معنى اليمين إِلاَّ أنه لا يعتبر لوقوع النسبة بوجوبه في حق نفسه عن
وجوبه في حق غيره، فإِذا نواه فقد اعتبره فصار نذراً ويميناً، وبه تبين أن ليس هذا من باب
الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظٍ واحدٍ؛ لأن المجاز ما جاوز محل الحقيقة إلى غيره لنوع
مناسبة بينهما، وهذا ليس من هذا القبيل، بل هو من جعل ما ليس بمعتبر في محل الحقيقة مع
وجوده وتقرره معتبراً بالنسبة، فلم يكن من باب المجاز.
والدليل على أنه يجوز اشتمال لفظ واحدٍ على معنيين مختلفين كالكتابة والإعتاق على
مال إِن كل واحد منهما يشتمل على معنى اليمين ومعنى المعاوضة على ما ذكرنا في ((كتاب
العتاق)) و((المكاتب)).
وأما النذر الذي لا تسميه فيه فحکمه وجوب ما نوی إن كان الناذر نوى شيئاً، سواء كان
مطلقاً عن شرط أو معلقاً بشرط؛ بأن قال: للَّهِ عَلَيَّ نذرٌ، أو قال: إِن فعلت كذا فالله عليَّ
نذر؛ فإن نوى صوماً أو صلاة أو حجًّا أو عمرة لزمه الوفاء به في المطلق للحال، وفي المعلق
بالشرط عند وجود الشرط، ولا تجزيه الكفارة في قول أصحابنا على ما بينا، وإِن لم تكن له
نية، فعليه كفارة اليمين، غير أنه إِن كان مطلقاً يحنث للحال، وإِن كان معلقاً بشرط يحنث عند
الشرط؛ لقوله (عليه السلام): ((النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَارَةُ اليَمِينُ)) (١) والمراد منه النذر المبهم
الذي لا نية للناذر فيه، وسواء كان الشرط الذي علق به هذا النذر مباحاً أو معصية بأن قال: إنْ
صمتُ أو صلَّيْتُ، فالله عليَّ نذرٌ، ويجب عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه؛ لقوله (عليه
الصلاة والسلام): (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَىْ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ
عَنْ يَمِينِهِ))(٢).
(١) ينظر: تخريج الحديث السابق.
(٢) أما الرواية فوردت من حديث أبي هريرة، من رواية أبي حازم عنه أخرجه مسلم (١٢٧١/٣ - ١٢٧٢)
كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن
يمينه، حديث (١٦٥٠/١١) والبيهقي (٣٢/١٠) كتاب الإيمان، باب من حلف على يمين فرأى خيراً منها
فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه بلفظ: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها وليكفر
عن يمينه)) ومن رواية عبد العزيز بن المطلب عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة لفظ الباب
أخرجه مسلم (١٢٧٢/٣) كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها حديث (١٣/
١٦٥٠) من حديث عدي بن حاتم أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وأبو داود الطيالسي (٢٤٧/١) كتاب
الأيمان والنذور باب من حلف على يمين فرأى خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، حديث
(١٢١٨) وأحمد (٢٥٦/٤ - ٢٥٧ - ٢٥٨) والدارمي (١٨٦/٢) كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف =

٣٥٦
كتاب النذر
على يمين فرأى غيرها خيراً منها، ومسلم (١٢٧٢/٣ - ١٢٧٣) كتاب الأيمان باب ندب من حلف يميناً
=
فرأى غيرها خيراً منها، أن يأتي الذي هو خير، يكفر عن يمينه، حديث (١٦، ١٦٥١/١٨) والنسائي
(١٠/٧ - ١١) كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة بعد الحنث، وابن ماجه (٦٨١/١١) كتاب
الكفارات، باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها حديث (٢١٠٨) والحاكم (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١)
كتاب الأيمان والنذور، باب لا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم والبيهقي (٣٢/١٠) كتاب
الأيمان، باب من حلف على يمين فرأى خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، بلفظ فليأت
الذي هو خیر ولیکفر عن يمينه.
ومن حديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو
خير وكفر عن يمينك)) ومنهم من قال: ((فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير)).
والحديث أخرجه أحمد (٦٢/٥ - ٦٣) والدارمي (١٨٦/٢) كتاب الأيمان والنذر، باب من حلف على
يمين فرأى غيرها خيراً منها، والبخاري (٥١٦/١١ - ٥١٧) كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى:
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) حديث (٦٦٢٢) ومسلم (١٢٧٣/٣ - ١٢٧٤) كتاب الأيمان باب
ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها، حديث (١٦٥٢/٩) وأبو داود الطيالسي (٢٤٧/١) كتاب
الأيمان والنذور، باب من حلف على يمين فرأى خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، حديث
(١٢١٩) والنسائي (١٢/٧) كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة بعد الحنث وأبو داود (٥٨٤/٣) كتاب
الأيمان والنذور، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث حديث (٣٢٧٧) وابن الجارود في المنتقى ص (٣١٠):
باب ما جاء في الأيمان حديث (٩٢٩) والبيهقي (٣١/١٠) كتاب الأيمان، باب من حلف على يمين فرأى
خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٤٠٠) من طرق عن
الحسن عن عبد الرحمن به ومن حديث عبد الرحمن بن أذينة عن أبيه أخرجه الطيالسي (٢٤٧/١) كتاب
الأيمان والنذور، باب من حلف على يمين فرأى خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه. حديث
(١٢٢٠).
ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أحمد (٢٠٤/٢) بلفظ: ((فليأت الذي هو خير وليكفر عن
يمينه))، ورواه الطيالسي (٢٤٧/١) كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف على يمين فرأى خيراً منها
حديث (١٢٢١) وأحمد (٢١٢/٢) وأبو داود (٥٨٢/٣) كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين في قطيعة
الرحم. حديث (٣٢٧٤) وابن ماجه (٦٨٢/١) كتاب الكفارات، باب من قال كفارتها تركها حديث
(٢١١١) بلفظ: ((فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارتها)).
وقال أبو داود: الأحاديث كلها عن النبي (وَّ ((وليكفر عن يمينه)) إلا فيما لا يعبأ به يعني ممن ترك ذكر
الكفارة. وقال تركها كفارتها .
ومن حديث مالك الجشمي رواه النسائي (١١/٧) كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة بعد الحنث، وابن
ماجه (٦٨١/١) كتاب الكفارات، باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، حديث (٢١٠٩).
وأما الرواية الثانية وهي تقديم الكفارة فوردت من حديث أبي هريرة أيضاً من رواية مالك وسليمان بن
بلال عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رواه مالك (٤٧٨/٢) كتاب النذور والأيمان، باب
ما تجب فيه الكفارة من الأيمان حديث (١١) وأحمد (٣٦١/٢) ومسلم (١٢٧٢/٣) كتاب الأيمان، باب =

٣٥٧
کتاب النذر
ولو نوى في النذر المبهم صياماً ولم ينو عدداً فعليه صيام ثلاثة أيام في المطلق للحال،
وفي المعلق إذا وجد الشرط، وإِن نوى طعاماً ولم ينو عدداً فعليه طعام عشرة مساكين لكلِّ
مسكينٍ نصف صاعٍ من حنطة؛ لأنه لو لم يكن له نية لكان عليه كفارة اليمين؛ لما ذكرنا أن
النذر المبهم يمين وأن كفارته كفارة يمين، فلمَّا نَوَى به الصيام انصرف إلى صيام الكفارة وهو
صيام ثلاثة أيام وانصرف الإطعام إلى طعام الكفارة وهو إطعام عشرة مساكين.
ولو قال: لله عليَّ صدقة فعليه نصف صاع، ولو قال: لله عليَّ صوم فعليه صوم يوم،
من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، حديث (١٢) والترمذي (١٠٧/٤) كتاب الأيمان والنذور، باب ما
=
جاء في الكفارة قبل الحنث، حديث (١٥٣٠) والبغوي في التفسير، والبيهقي (٥٣/١٠) كتاب الأيمان
باب الكفارة قبل الحنث.
ومن حديث عدي بن حاتم أخرجه مسلم (١٢٧٣/٣) كتاب الأيمان باب ندب من حلف يميناً، فرأى
غيرها خيراً منها. حديث (١٧ /١٦٥١) ومن حديث أم سلمة الطبراني (٢٣/ رقم ٦٩٤) والقضاعي في
مسند الشهاب (٣٠٨/١) حديث (٥١٤).
ومن حديث عبد الرحمن بن سمرة أيضاً أخرجه أحمد (٦٢/٥ - ٦٣) والدارمي (١٨٦/٢) كتاب النذور
والأيمان، باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، والبخاري (٥١٦/١١ - ٥١٧) كتاب الأيمان
والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) حديث (٦٦٢٢) ومسلم (٣/
١٢٧٣) كتاب الأيمان باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها. حديث (١٦٥٢/١٩) والطيالسي
المسند ص (١٩٢)، حديث (١٣٥١) وأبو داود (٥٨٥/٣) كتاب الأيمان والنذور، باب الرجل يكفر قبل
أن يحنث، حديث (٣٢٧٨) والنسائي (١٠/٧) كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة قبل الحنث، والبيهقي
(٥٢/١٠ - ٥٣) كتاب الأيمان باب الكفارة قبل الحنث، والخطيب في تاريخ بغداد (٢٢٨/٤) ومن
حديث أبي موسى.
أخرجه الطيالسي (٢٤٧/١) كتاب اليمين والنذر، باب من حلف على يمين فرأى خيراً منها، حديث
(١٢١٧) وأحمد (٣٩٨/٤) والبخاري (٥١٧/١١) كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿لا
يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) حديث (٦٦٢٣) ومسلم (١٢٦٨/٣ - ١٢٦٩) كتاب الأيمان، باب ندب
من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها. حديث (١٦٤٩/٧) وأبو داود (٥٨٣/٣ - ٥٨٤) كتاب الأيمان
والنذور، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث حديث (٣٢٧٦) والنسائي (٩/٧ - ١٠) كتاب الأيمان والنذور،
باب الكفارة قبل الحنث، وابن ماجه (٦٨١/١) كتاب الكفارات، باب من حلف على يمين فرأى غيرها
خيراً منها، حديث (٢١٠٧) والطبراني في المعجم الصغير (٥٦/١ - ٥٧) والبيهقي (٥١/١٠) كتاب
الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث عنه عن النبي ◌ّر في قصة وفيه قول النبي ◌َّةٍ: ((والله إن شاء الله لا
أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)) وله طرق وألفاظ.
ومن حديث عائشة :
الحاكم (٣٠١/٤) كتاب الأيمان والنذور، باب لا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم بنحو حديث
أبي موسى وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي من حديث أبي الدرداء رواه الحاكم (٤/ ٣٠١)
والبيهقي (١٠/ ٥٢) كتاب الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث.
جــ

٣٥٨
کتاب النذر
ولو قال: لله عليَّ صلاة، فعليه ركعتان؛ لأن ذلك أدنى ما ورد الأمر به، والنذر يعتبر بالأمر،
فإذا لم ينو شيئاً ينصرف إلى أدنى ما ورد به الأمر في الشرع.
وَأَمَّا وقت ثبوت هذا الحكم، فالنذر لا يخلو إما أن يكون مطلقاً، وإِمَّا أن يكون معلقاً
بشرط أو مقيداً بمكان أو مضافاً إلى وقت، والمنذور لا يخلو إما إن كان قربة بدنية كالصوم
والصلاة، وإما إن كان مالية كالصدقة، فإن كان النذر مطلقاً عن الشرط والمكان والزمان فوقت
ثبوت حكمه، وهو وجوب المنذور به هو وقت وجود النذر، فيجب عليه في الحال مطلقاً عن
الشرط والمكان والزمان؛ لأنَّ سبب الوجوب وجد مطلقاً فيثبت الوجوب مطلقاً.
وإِن كان معلقاً بشرط نحو أنْ يقولُ: إِن شفى الله مريضي، أو إن قدم فلان الغائب فالله
عليَّ أَنْ أصوم شهراً؛ أو أصلي ركعتين، أو أتصدق بدرهم ونحو ذلك، فوَّقته وقت الشرط،
فما لم يوجد الشرط لا يجب بالإِجماع، ولو فعل ذلك قبل وجود الشرط يكون نفلاً؛ لأن
المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط وهذا لأن تعليق النذر بالشرط هو إثبات النذر بعد وجود
الشرط؛ كتعليق الحرية بالشرط إثبات الحرية بعد وجود الشرط، فَلاَ يَجِبُ قبل وجود الشرط
لانعدام السبب قبله وهو النذر، فلا يجوز تقديمه على الشرط؛ لأنه يكون أداء قبل الوجوب
وقبل وجود سبب الوجوب، فلا يجوز كما لا يجوز التكفير قبل الحنث؛ لأنه شرط أن يؤديه
بعد وجود الشرط فيلزمه مراعاة شرطه؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ
شُرُوطِهِمْ))(١) وإِن كان مقيداً بمكان؛ بأن قال: لله عليَّ أن أصلي ركعتين في موضع كذا، أو
أتصدق على فقراء بلد كذا، يجوز أداؤه فى غير ذلك المكان عند أصحابنا الثلاثة
(رحمهم الله)، وعند زفر (رحمه الله)؛ لا يجوز إِلاَّ في المكان المشروط.
وجه قوله: أنه أوجب على نفسه الأداء في مكان مخصوص؛ فإِذا أدَّى في غيره لم يكن
مؤدياً ما عليه، فلا يخرج عن عهدة الواجب؛ ولأن إِيجاب العبد يعتبر بإيجاب الله (تعالى)
مقيداً بمكان لا يجوز أداؤه في غيره، كالنحر في الحرم والوقوف بعرفة والطواف بالبيت
والسعي بين الصفا والمروة؛ كذا ما أوجبه العبد.
ولنا أَنَّ المقصودَ والمبتغى من النذر هو التقرب إلى الله (عزَّ وجلّ) فلا يدخل تحت نذره
إلا ما هو قربة، وليس في عين المكان وإنما هو محل أداء القربة فيه فلم يكن بنفسه قربة، فلا
يدخل المكان تحت نذره فلا يتقيد به، فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة، وإِن كان مضافاً إلى
وقت بأن قال: لله عليَّ أن أصوم رجب، أو أصلي ركعتين يوم كذا، أو أتصدق بدرهم في يوم
كذا، فوقَّت الوجوب في الصدقة هو وقت وجود النذر في قولهم جميعاً حتى يجوز تقديمها
على الوقت بلا خلافٍ بين أصحابنا .
(١) تقدم تخريجه.

٣٥٩
كتاب النذر
واختلف في الصوم والصلاة، قال أبو يوسف: وَقْتُ الوجوب فيهما وقت وجود النذر،
وعند محمد (عليه الرحمة) وقت مجيء الوقت حتى يجوز تقديمه على الوقت في قول أبي
يوسف، ولا يجوز في قول محمدٍ (رحمه الله).
وجه قول محمد أن النذر إيجاب ما شرع في الوقت نفلاً؛ ألا ترى أن النذر بما ليس
بمشروع نفلاً وفي وقت لا يتصور؛ كصوم الليل وغيره لا يصح، والناذر أوجب على نفسه
الصوم في وقت مخصوص، فلا يجب عليه قبل مجيئه؛ بخلاف الصدقة؛ لأنها عبادة مالية لا
تعلق بها بالوقت، بل بالمال، فكان ذكر الوقت فيه لغواً بخلاف العبادة البدنية.
وجه قول أبي يوسف أن الوجوب ثابتٌ قبل الوقت المضاف إليه النذر، فكان الأداء قبل
الوقت المذكور أداء بعد الوجوب فيجوز.
والدليل على تحقق الوجوب قبل الوقت المعين وجهان:
أحدهما: أن العبادات واجبة على الدوام بشرط الإِمكان وانتفاء الحرج؛ بالنصوص
والمعقول.
أما النصوص: فقوله (عزَّ شأنه): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اركَعُوا واسجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُم﴾
[الحج: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء: ٣٦] ونحو ذلك.
وأما المعقول: فهو العبادة ليست إِلاَّ خدمة المولى، وخدمة المولى على العبد مستحقة،
والتبرع من العبد على المولى محال، والعبودية دائمة، فكان وجوب العبادة عليه دائماً؛ ولأن
العبادات وجبت شكراً للنعمة، والنعمة دائمة، فيجب أن يكون شكرها دائماً حسب دوام
النعمة، إِلاَّ أَنَّ الشرع رخص للعبد تركها في بعض الأوقات، فإذا نذر فقد اختار العزيمة وترك
الرخصة فيعود حكم العزيمة؛ كالمسافر إِذا اختار صوم رمضان فصام سقط عنه الفرض؛ لأن
الواجب عليه هو الصوم إِلاَّ أنه رخص له تركُه لعذر السفر، فإذا صام فقدِ اختار العزيمة وترك
الرخصة، فعاد حكم العزيمة لهذا المعنى، كان الشروع في نفل العبادة اللزوم في الحقيقة بما
ذكرنا من الدلائل بالشروع إِلاَّ أنه لما شرع فقد اختار العزيمة وترك الرخص فعاد حكم العزيمة؛
كذا في النذر.
والثاني: أنه وجه سبب الوجوب للحال وهو النذر، وإِنما الأجل ترفيه يترفه به في
التأخير، فإذا عجل فقد أحسن في إسقاط الأجل، فيجوز كما في الإقامة في حق المسافر لصوم
رمضان، وهذا لأن الصيغة صيغة إِيجاب، أعني: قوله: لله عليَّ أن أصوم، والأصلُ في كلٌ
لفظ موجود في زمان اعتباره فيه فيما يقتضيه في وضع اللغة، ولا يجوز إِبطاله ولا تغييره إِلى
غير ما وضع له إِلاَّ بدليل قاطع أو ضرورة داعية.

٣٦٠
كتاب النذر
ومعلومٌ أنه لا ضرورة إلى إبطال هذه الصيغة ولا إلى تغييرها، ولا دليل سوى ذكر
الوقت وأنه محتمل قد يذكر للوجوب فيه كما في باب الصلاة، وقد يذكر لصحة الأداء كما في
الحج والأضحية، وقد يذكر للترفيه والتوسعة كما في وقت الإِقامة للمسافر والحول في باب
الزكاة، فكان ذكر الوقت في نفسه محتملاً، فلا يجوزُ إِبطال صيغة الإِيجاب الموجودة للحال
مع الاحتمال، فبقيت الصيغة موجبة وذكر الوقت للترفيه والتوسعة؛ كيلا يؤدي إلى إِبطال
الثابت بيقين إِلى أمر محتمل، وبه تبين أن هذا ليس بإيجاب صوم رجب عيناً، بل هو إيجاب
صوم مقدور بالشهر، أيّ شهرٍ كان، فكان ذكر رجب لتقرير الواجب لا للتعيين، فأيُّ شهرٍ
اتصل الأداء به تعين ذلك الشهر للوجوب فيه، وإِن لم يتصل به الأداء إِلى رجب تعين رجب
لوجوب الأداء فيه، فكان تعيين كل شهر قبل رجب باتصال الأداء به وتعيين رجب بمجيئه قبل
اتصال الأداء بشهر قبله؛ كما في باب الصلاة أنها تجب في جزء من الوقت غير عين؛ وَإِنما
يتعين الوجوب بالشروع إِن شرع فيها، وإِن لم يشرع إلى آخر الوقت تعين آخر الوقت
للوجوب، وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف في أصول الفقه، وكما في النذر المطلق
عن الوقت وسائر الواجبات المطلقة عن الوقت من قضاء رمضان والكفارة وغيرهما، أنها تجب
في مطلق الوقت في غير عينٍ، وإنما يتعين الوجوب إما باتصال الأداء به، وإما بآخر العمر إِذا
صار إلى حال لو لم يؤد لفات بالموت.
وأما كيفية ثبوته، فالنذر لا يخلو إما أن أضيف إلى وقت مبهم، وَإِما إن أضيف إلى وقت
معين؛ فإِن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال: لله عليَّ أن أصوم شهراً، ولا نية له، فحكمه هو
حكم الأمر المطلق عن الوقت.
واختلف أهل الأُصول في ذلك أن حكمه وجوب الفعل على الفور أم على التراخي،
حكى الكرخي (رحمه الله) عن أصحابنا أنه على الفور.
وروى ابن شجاع البلخي عن أصحابنا أنه يجب وجوباً مُوَسَّعاً، فظهر الاختلاف بين
أصحابنا في الحجِّ، فعند أبي يوسف يجب على الفور، وعند محمد على التراخي، وروي عن
أبي حنيفة (عليه الرحمة) مثل قول أبي يوسف.
وقال عامة مشايخنا بما وراء النهر أنه على التراخي، وتفسير الواجب على التراخي
عندهم أنه يجب في جزء من عمره غير عينٍ، وإليه خيار التعيين، ففي أي وقت شرع فيه تعين
ذلك الوقت للوجوب، وإِن لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمر، إذا بقي من آخر عمره قدر
ما يمكنه الأداء فيه بغالب ظنه، حتى لو مات قبل الأداء يأثم بتركه، وهو الصحيح؛ لأنَّ الأمر
بالفعل مطلق عن الوقت، فلا يجوز تقييده إِلاَّ بدليل؛ فكذلك النذر؛ لأن النصوص المقتضية
لوجوب الوفاء بالنذر مطلقة عن الوقت، فلا يجوز تقييدها إِلاَّ بدليل؛ وكذا سبب الوجوب وهو