Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الذبائح والصيود
وكذلك إن أَرسل كلبه أو بازه على صيدٍ، فعدل عن الصيد يمنة أو يسرة، وتشاغل بغير
طلب الصيد وفتر عن سنته ذلك، ثم تبع صيداً آخر فأخذه وقتله، لا يؤكل إِلا بإرسال
مستأنفٍ، أو أن يزجره صاحبه ويسمى فينزجر فيما يحتمل الزجر؛ لأنّه لما تشاغل بغير (١)
طلب الصيد فقد انقطع حكم الإِرسال، فإذا صاد صيداً بعد ذلك فقد ترسل بنفسه، فلا يحل
[أكل](٢) صيده إِلا أن يزجره صاحبه فيما يحتمل الزجر لما بينا.
وإن كان الذي أرسل فهداً، والفهد إذا أرسل كمن، ولا يتبع حتى يستمكن فيمكث ساعة
ثم يأخذ الصيد فيقتله، فإنه يؤكل.
وكذلك الكلب إذا أرسل فصنع كما يصنع الفهد، فلا بأس بأكل ما صاد، لأن حكم
الإرسال لم ينقطع بالكمون؛ لأنه إنما يمكن ليتمكن من الصيد، فكان ذلك من أسباب
الاصطياد ووسيلة إِليه، فلا ينقطع به حكم الإِرسال كالوثوب والعدو، وكذلك البازي إِذا أُرسل
فسقط على شيء، ثم طار فأخذ الصيد، فإنه يؤكل؛ لأنه إنما يسقط على شيء ليتمكن من
الصيد، فكان سقوطه بمنزلة كمون الفهد.
وكذلك الرامي إذا رمى صيداً بسهم، فَمَا أصابه في سننه ذلك ووجهه أكل؛ لأَنّه إِذا
مضى في سننه فلم ينقطع حكم الرمي، فكان ذهابه بقوة الرامي، فكان قتله مضافاً إِليه، فيحل،
فإن أصاب واحداً ثم نفذ إلى آخر وآخر، أكل الكل لما قلنا، مع ما أن تعيين الصيد ليس
بشرط، فإِن أمالت الريح السهم إلى ناحيةٍ أخرى، يميناً أو شمالاً، فأصاب صيداً آخر لم
يؤكل، لأَن السهم إِذا تحول عن سننه فقد انقطع حكم الرمي، فصارت الإصابة بغير فعل
الرامي، فلا يحل؛ كما لو كَانَ عَلَى جَبَلٍ سَيْفٌ، فألقته الريح على صيدٍ فقتله، أنه لا يؤكل؛
كذا هذا.
فإن لم ترده الريح عن وجهه ذلك أكل الصيد، لأنه إذا مضى في وجهه، كان مضيه بقوة
الرامي، وَإِنَّما الريح أعانته، ومعونةُ الريح السهمَ مما لا يمكن الاحتراز عنه، فكان ملحقاً
بالعدم، فإِن أصابت الريح السهم وهي ريح شديدة، فدفعته لكنه لم يتغير عن وجهه، فأصاب
السهم الصيد؛ فإنه يؤكل؛ لأنه مضى في وجهه ومعونة الريح إذا لم تعدل السهم عن وجهه لا
يمكن التحرز عنه، فلا يعتبر، ولو أصاب السهم حائطاً أو صخرةً فرجع، فأصاب صيداً، فإِنه
لا يؤكل؛ لأن فعل الرامي انقطع وصارت الإصابة في غير جهة الرمي، فإن مر السهم بين
الشجر فجعل يصيب الشجر في ذلك الوجه، لكن السهم على سننه، فأصاب صيداً فقتله فإنه
يؤكل، فإنْ رَدَّهُ شيء من الشجر يمنَةً أو يسرةً، لا يؤكل لما بينا، فإن مر السهم فحجشه حائطٌ
(١) في أ: عن.
(٢) سقط من ط .

٢٦٢
كتاب الذبائح والصيود
وهو على سننه ذلك، فأصاب صيداً فقتله، أكل؛ لأن فعل الرامي لم ينقطع، وإِنما أصاب
السهم الصيد والحائط، وذلك لا يمنع الحل.
وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أن حكم الرمي(١) لا ينقطع بالتغير عن سننه يميناً
وشمالاً، إِلاَّ إِذا رجع من ورائه، ولوأن رجلاً رمى بسهم وسمى، ثم رمى رجلٌ آخر بسهم
وسمى، فأصاب السهم الأول السهم الثاني قبل أن يصيب الصيد، فرده عن وجهه ذلك،
فأصاب صيداً فقتله، فإِنه لا يؤكل، لأنه لما رده السهم الثاني عن سننه انقطع حكم الرمي، فلا
يتعلق به الحل.
قال القدوري: وهذا محمولٌ على أن الرامي الثاني لم يقصد الاصطياد؛ لأَن القتل
حصل(٢) بفعله، وهو لم يقصد الاصطياد، فلا يحل، فأما إذا كان الثاني رمى للاصطياد فيحل
أكل الصيد، وهو للثاني؛ لأنه مات بفعله، وإِن لم يقصده بالرمي وتعيينُ المرمي إِليه ليس
بشرطِ .
ولو أَنَّ رجلين رمى كلُّ واحد منهما صيداً بسهم فأصابا الصيد جميعاً، ووقعت الرميتان
بالصيد معاً، فمات، فإِنه لهما ويؤكل، أمَّا حل الأكلّ فظاهر، وأما كون الصيد لَهُمَا فلأنهما
اشتركا في سبب الاستحقاق، وتساويا فيه فيتساويان في الاستحقاق.
فإِن أَصَابَهُ سهمُ الأَول فوقذه ثم أصابه سهم الآخر فقتله، قال أبو يوسف (رحمه الله):
/٢٨٦ ب يؤكل / والصيد للأول؛ وقال زفر (رحمه الله): لا يؤكل، وهذا فرع اختلافهم في أن المعتبر
في الرمي حال الرمي، أو حال الإصابة، فعند أصحابنا الثلاثة المعتبر حال الرمي وعند زفر
حال الإصابة .
ووجه البناء على هذا الأصل: أن المعتبر لما كان حال الرمي عندنا فقد وجد الرمي
منهما، والصيد ممتنعٌ، فلا يتعلق بالسهم الثاني حظر إلا أن الملك للأول؛ لأن سهمه أخرجه
من حيز الامتناع، فصار السهم الثاني كأنه وقع بصيد مملوك، فلا يستحق به شيء، فَكَانَ
الاعتبار بحال الرمي في حق الحل والإصابة في حق الملك، لأن الحل يتعلق بالفعل والملك
يتعلق بالمحل، وَلَمَّا كان الاعتبار بحال الإصابة عنده فقد أصابه الثاني، والصيد غير ممتنع،
فصار كمن رمى إلى شاة فقتلها .
وجه قول زفر (رحمه الله) الاعتبار حال الإصابة أن الملك يقف ثبوته على الإِصابة؛ فإنه
لو لم يصب لا يملك، يَدَلَّ أن المعتبر هو وقت الإصابة.
(١) في ط: الإرسال.
(٢) في أ: جعل.

٢٦٣
كتاب الذبائح والصيود
وَلَنَا: أَنَّ حال الرمي هو الذي يفعله، والتسمية معتبرة عند فعله، فكان الاعتبار بحال
الرمي(١)، وكذلك إِن رمى أحدهما بعد الآخر قبل إصابة الأول، فهو كرميهما معاً في القولين؛
لأَن رمي الثاني وجد والصيد ممتنعٌ، فصار كما لوٍ رَمَيا معاً، فإن أصابه سهم الأول ولم يخرجه
من الامتناع، فأصابه الثاني فقتله، فهو للثاني؛ لأَن الأول إذا لم يخرجه عن حد الامتناع ففعل
الاصطياد وجد من الثاني، وللأول تسببٌ في الصيد، فصار كمن أثار صيداً وأخذه غيره، أن
الصيد يكون للآخذ لا للمثير؛ كذا هذا.
وإِن كان سهم الأول وقذه وأخرجه عن الامتناع، ثم أصابه سهم الثاني، فَهَذَا عَلَى
وجوه: إِن مات من الأول أكل، وعلى الثاني ضمانُ ما نقصته جراحته؛ لأَن السَّهْمَ الأَول وقع
به وهو صيد، فإذا قتله حل، وقد ملكه الأول بالإصابة، فالجراحةُ الثانيةُ نقص في ملك الأول
فيضمنها الثاني.
وإِنْ مَاتَ من الجراحة الثانية لم يؤكل؛ لأن الثاني رمى إليه وهو غير ممتنع، فصار
كالرمي إِلى الشاة، ويضمن الثاني ما نقصته جراحته؛ لأنه نقصٌ دخل في ملك الغير بفعله، ثم
يضمن قيمته مجروحاً بجراحتين؛ لأنه أتلف بفعله إِلاَّ أنه غرم نقصان الجرح الثاني، فلا يضمنه
ثانياً، والجرح الأول نقص حصل بفعل المالك للصيد، فلا يضمنه الثاني.
وإن مات من الجراحتين لم يؤكل؛ لأن أحد الرميين حاظر والآخر مبيحٌ، فالحكم
للحاظر احتياطاً، والصيد للأول لانفراده بسبب ملكه وهو الجراحة المخرجة له من الامتناع،
وعَلَى الثاني للأول نصف قيمته مجروحاً بالجراحيتن ويضمن نصف ما نقصته الجراحة الثانية؛
لأنه مات بفعلهما، فسقط نصف الضمان وثبت نصفه، والجراحة الثانية يضمنها الثاني؛ لأنها
حصلت في ملك غيره، ولأنه أتلف على شريكه نصيبه حين أخرجه من الإباحة إلى الحظر،
فيلزمه الضمان، وإِن لم يعلم بأي بالجراحتين مات، فهو كما لو علم أنه مات منهما؛ لأن كل
واحدة من الجراحتين سبب القتل في الظاهر، والله (عزَّ وجلَّ) أعلم.
وَلَوْ أَرْسَلَ كلباً على صيدٍ وسمى، فأدرك الكلب الصيد، فضربه فوقذه، ثم ضربه ثانياً
فقتله، أُكِلَ؛ وكذلك لو أَرْسَلَ كلبين على صيد فضربه أحدهما فوقذه، ثم ضربه الكلب الآخر
فقتله، فإنه يؤكل(٢)؛ لأن هذا لا يدخل في تعليم الكلب؛ إِذٍ لا يمكن أن يعلم بترك الجرح
بعد الجرح الأول، فلا يعتبر، فكأنه قتله بجرحٍ واحد.
ولو أَرْسَلَ رجلان كُل واحد منهما كلبه على صيدٍ، فضربه كلب أحدهما فوقذه، ثم
(١) في أ: الإصابة عنده.
(٢) في أ: لا يؤكل.

٢٦٤
كتاب الذبائح والصيود
ضربه كلب الآخر فقتله، فإنه يؤكل لما ذكرنا أنَّ جرحَ الكلبِ بعد الجرح مما لا يمكن التحفظ
عنه، فلا يوجب الحظر فيؤكل، ويكون الصيد لصاحب الأول؛ لأن جراحة كلبه أخرجته عن
حد الامتناع، فصار ملكاً له، فجراحة كلب الثاني لا تزيل ملكه عنه.
وَمِنْهَا: أَن يكون الإِرسال والرمي على الصيد وإِليهِ، حَتَّى لَوْ أُرْسِلَ على غير صيد أو
رمي إلى غير صيد فأصاب صيداً لا يحل؛ لأن الإِرسال إلى غير الصيد والرمي إِلى غيره لا
يكون اصطياداً، فلا يكون قتل الصيد وجرحه مضافاً إلى المرسل والرامي، فلا تتعلق به
الإباحة .
وعلى هذا يخرج ما إذا سمع حسًّا فظنه صيداً، فأرسل عليه كلبه أو بازه، أو رماه بسهم
فأصاب صيداً، أو بَانَ لَهُ أنَّ الحس الذي سمعه لم يَكُنْ حس صيد، وإِنما كان شاة أو بقرة أوّ
آدميًّا، أنه لا يؤكل الصيد الذي أصابه في قولهم جميعاً؛ لأنه تبين أنه أرسل على ما ليس
بصيد، ورمى إلى ما ليس بصيدٍ، فلا يتعلق به الحل لما بينا من الفقه، وصار كأنه رمى إلى
٢٨٧/١ أ آدمي أو شاة أو / بقرة وهو يعلم به فأصاب صيداً، أنه لا يؤكل؛ كذا هذا.
وإن كان الحس حس صيد، فأصاب صيداً يؤكل، سواء كان ذلك الحس حس صيد
مأكول أو غير مأكول، بعد أن كان المصاب(١) صيداً مأكولاً، وهذا قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: إِن كان ذلك الحس حس صيد لا يؤكل لحمه كالسباع ونحوها لا يؤكل،
وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أنه إن كان حس ضبع يؤكل الصيد وإِن كان حس خنزير لا
يؤكل الصيد، وجه قول زفر: أَنَّ السَّبْعَ غير مأكول، فالرمي إِليه لا يثبت به حل الصيد
المأكول، كما لو كان حس آدمي فرمى إليه فأصاب صيداً.
وَلَنَا أَنَّ الإِرسال إِلى الصيد اصطياد مباح، مَأْكُولاً كان الصيد أو غير مأكولٍ، فتتعلق به
إِباحة الصيد المأكول؛ لأن حل الصيد المأكول يتعلق بالإِرسال، فإذا كان الإِرسال حلالاً يثبت
حله، إلا أنه لا يثبت بحل الإِرسال حل حكم المرسل إليه، لأن حرمته ثبتت لمعنى يرجع إِلى
المحل، فلا تتبدل بالفعل، لأن المعتبر في الإِرسال هو قصد الصيد.
فَأَمَّا التعيين، فليس بشرط، لما بينا فيما تقدم، وقد قصد الصيد، حلالاً كان أو حراماً،
بخلاف ما إذا كان الحس حس آدمي؛ لأن الإِرسال على الآدمي ليس باصطياد، فضلاً عن أن
يكون حلالاً، فلا (٢) يتعلق حل الصيد بما ليس باصطياد؛ وعلى الوجه الثاني لم يوجد منه
قصد الصيد، فلا يتعلق به الحل.
(١) في أ: المصاد.
(٢) في ط: إذ لا .

٢٦٥
كتاب الذبائح والصيود
وجه رواية أبي يوسف (رحمه الله) في فصله بين سائر السباع وبين الخنزير: أن الخنزير
محرم العين حتى لا يجوز الانتفاع به بوجه، فسقط اعتبار الإرسال عليه والتحق بالعدم، فأما
سائر السباع فجائز الانتفاع بها في غير جهة الأكل، فكان الإِرسال إِليها معتبراً، وإِن سمع حسًّا
ولكنه لا يعلم أنه حس صيد أو غيره، فأرسل فأصاب صيداً لم يؤكل؛ لأنه إذا لم يعلم استوى
الحظر والإِباحة، فكان الحكم للحظر احتياطاً.
وذكر في الأصل فيمن رمى خنزيراً أهليًّا، فأصاب صيداً، قال: لا يؤكل؛ لأَن الخنزير
الأهلي ليس بصيد لعدم التوحش والامتناع، فكان الرمي إليه كالرمي إلى الشاة، فلا يتعلق به
حل الصيد، وإِن أصاب صيداً مأكولاً، وقد قالوا فيمن سمع حسًّا فظنه آدميًّا، فرماه فأصاب
الحس نفسه، فإذا هو صيد أكل؛ لأنه رمى إلى المحسوس المعين وهو الصيد فصح.
ونظيره ما إذا قال لامرأته وأشار إليها هذه الكلبة طالقٌ، أنها تطلق، وبطل الاسم، وقالوا
لو رمى طائراً فأصاب صيداً وذهب المرمي إِليه ولم يعلم، أو وحشيٍّ، أو مستأنس؛ أكل
الصيد؛ لأن الأصل فى الطير التوحش، فيجب التمسك بالأصل حتى يعلم الاستئناس.
ولو علم أن المرمي إليه داجن تأوى البيوت، لا يؤكل الصيد؛ لأن الداجن يأويه البيت
وتثبت اليد عليه، فكان الرمي إليه كالرمي إلى الشاة، وذلك لا يتعلق به الحل؛ كذا هذا.
وقالوا: لو رمى بعيراً فأصاب صيداً، وذهب البعير، فلم يعلم أناذٌ أو غير نادٌّ، لم يؤكل
الصيد، حتى يعلم أن البعير كان نادًا؛ لأن الأصل في الإِبل الاستئناس فيتمسك بالأصل حتى
یظهر الأمر بخلافه.
واختلفت الرواية عن أبي يوسف (رحمه الله) فيمن رمى سمكة أو جرادة فأصاب صيداً،
فقال في روايةٍ لا يؤكل؛ لأن السمك والجراد لا ذكاة لهما، وروي عنه أنه يؤكل؛ لأن المرمي
إليه من جملة الصيد، وإِن كان لا ذكاة له، وقالوا لو أرسل كلبه على ظبي موثق فأصاب صيداً
لم يؤكل؛ لأن الموثق ليس بصيد لعدم معنى الصيد فيه، وهو الامتناع، فأشبه شاة، ولو أرسل
بازه على ظبي وهو لا يصيد الظبي، فأصاب صيداً، لم يؤكل؛ لأن هذا إرسال لم يقصد به
الاصطياد، فصار كمن أرسل كلباً (١) على قتل رجلٍ فأصاب صيداً.
ومنها: أن لا يكون ذو الناب الذي يصطاد به من الجوارح محرم العين، فإِن كان محرم
العين وهو الخنزير فلا يؤكل صيده، لأنه (٢) محرم العين محرم الانتفاع به، والاصطياد به انتفاع
به، فكان حراماً، فلا يتعلق به الحل.
(١) في أ: صيداً.
(٢) في ط: لأن.

٢٦٦
كتاب الذبائح والصيود
وأما ما سواه من ذي الناب من السباع، فقد قال أصحابنا جميعاً: كُلُّ ذي مخلب وذي
ناب علم فتعلّم ولم يكن محرم العين، فصيد به، كان صيده حلالاً؛ لعموم قوله (عزَّ شأنه):
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤].
وقالوا في الأَسد والذئب؛ أنه لا يجوز الصيد بهما لا لمعنى يرجع إلى ذاتهما، بل لعدم
احتمال التعلم، لأن التعلم بترك العادة، وذلك بترك الأكل، وقيل: إِن من عادتهما أنهما إذا
أخذ صيداً لا يأكلانه في الحال، فلا يمكن الاستدلال بترك الأكل فيهما على التعلم، حتى لو
تصور تعلیمهما يجوز.
٢٨٧/١ ب
وذكر هشام وقال سألت محمداً عن الذئب / إذا علم فصاد، فقال: هذا أرى أنه لا
يكون، فَإِنْ كَانَ فلا بأس به، وقال: سألته عن صيد ابن عرس، فأخبرني أن أبا حنيفة
(رحمه الله) قال: إذا عُلُم فتعلم، فكل مما صاد، فصار الأصل ما ذكرنا أن ما لا يكون محرم
العين من الجوارح إِذا عُلِّم فتعلم، يؤكل صيده، والله (جلَّ شأنه) أعلم.
ومنها: أن يعلم إِن تلف الصيد بإرسال، أو رمى هو سبب الحل من حيث الظاهر، فإن
شاركهما معنى، أو سبب يحتمل حصول التلف به، والتلف به مما لا يفيد الحل - لا يؤكل إِلاَّ
إذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأنه إذا احتمل حصول التلف بما لا يثبت به
الحل، فقد احتمل الحل والحرمة، فيرجع جانب الحرمة احتياطاً، لأنّه إِن أكل عسى أنه أكل
الحرام فيأثم، وَإِن لم يأكل فلا شيء عليه، والتحرز عن الضرر واجبٌ عقلاً وشرعاً.
والأَصل فيه ما روي عن رسول الله وَّلير أنه قال لوابصة بن معبد (رضي الله عنه):
((الحَلاَلُ بَيِّنْ وَالحَرَامُ بَيْنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبَهَاتٌ فَدَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُكَ))(١) وقال
عبدُ الله بن مسعود (رضي الله عنهما): ما اجتمع الحلال والحرام في شيءٍ إِلاَّ وقد غلب
الحرامُ الحلالَ (٢) .
وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيداً وهو يطير، فأصابه فسقط على جبل، ثم سقط منه
على الأرض فمات، أنه لا يؤكل، وهو تفسير المتردي؛ لأنه يحتمل أنه مات من الرمي،
ويحتمل أنه مات بسقوط عن الجبل.
وكذلك لو كان على جبل فأصابه، فسقط منه شيء على الجبل، ثم سقط على الأرض
فمات، أو كان على سطح فأصابه، فهوى فأصاب حائط السطح، ثم سقط على الأرض
(١) تقدم تخريجه .
(٢) ذكره الهندي في («كنز العمال)) (٧٩٧/٣) رقم (٨٧٩٠) وعزاه إلى عبد الرزاق.

٢٦٧
كتاب الذبائح والصيود
فمات، أو كان على نخلة أو شجرة، فسقط منها على جذع النخلة، أو ند من الشجرة ثم سقط
على الأرض فمات، أو وقع على رمح مركوز في الأرض وفيه سِنان فوقع على السِّنان، ثم
وقع على الأرض فمات، أو نشب فيه السنان فمات عليه، أو أصاب سهمه صيداً فوقع في
الماء فمات فيه، لا يحل، لأنه يحتمل أنه مات بالرمي، ويحتمل أنه مات بهذه الأَسباب(١)
الموجودة بعده.
وقد روي عن رسول الله وَّ أنه قال: ((وَإِنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلاَ تَأْكُلُهُ، فَلَعَلَّ المَاءَ [قد](٢)
قَتَلَهُ)»(٣) بَيِّنَ (عليه الصلاة والسلام) الحكم، وعلل بما ذكرنا من احتمال موته بسبب آخر، وهو
وقوعه في الماء، والحكم المعلل بعلةٍ يتعمم بعموم العلة، ولو أصابه السهم فوقع على الأرض
فمات، فالقياس أن لا يؤكل؛ لجواز موته بسبب وقوعه على الأرض.
وفي الاستحسان: يُؤكل؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عن وقوع المرمي إِليه على الأرض،
فلو اعتبر هذا الاحتمال لوقع الناس في الحرج، وذكر في المنتقى في الصيد إذا وقع على
صخرةٍ فانشق بطنه، أو تقطع رأسه؛ أنه لا يؤكل، قال الحاكم الجليل الشهيد المروزي: وهذا
خلاف جواب الأصل.
قال القدوري (رحمه الله): وعنى به أنه خلاف عموم جواب الأصل؛ لأَنّه ذكر في
الأَصل لو وقع على آجرة موضوعة في الأرض، أكل، ولم يفصل بين أن يكون انشق بطنه أو
لم ينشق، فهذا يقتضي أن يؤكل في الحالين، فيجوز أن يجعل في المسألة روايتان، ويجوزُ أن
يفرق بين الحالين من حيث أن لو انشق بطنه أو انقطع رأسه، فالظاهر أن موته بهذا السبب لا
بالرمي، فَكَانَ احتمالُ موته بالرمي احتمالَ خلافِ الظاهر، فلا يعتبر، وإذا لم ينشق ولم
ينقطع، فموته بكل واحد من السببين محتملٌ احتمالاً على السواء، إلاَّ أن التحرز [عنه](٤) غير
ممكن، فسقط اعتبار موته بسبب العارض.
ويجوز أن يكون المذكور في المنتقى تفسيراً لما ذكر في الأصل، فيكون معناه أنه يؤكل
إذا لم ينشق بطنه، أو لم ينقطع رأسه، فيحمل المطلق على المقيد، ويجعل المقيد بياناً للمطلق
عند تعذر العمل بهما .
(١) في أ: الأشياء.
(٢) سقط من ط .
(٣) تقدم تخريجه بلفظ: إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع
في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك.
(٤) سقط من ط .

٢٦٨
كتاب الذبائح والصيود
ولو وقع على حرف آجرة (١) أو حرف حجر، ثم وقع على الأرض فمات لم يؤكل لما
قلنا، ولو كانت الآخرة منطرحة على الأرض فوقع عليها ثم مات، أكل؛ لأن الآجرة المتطرحة
كالأرض، فوقوعه عليها كوقوعه على الأرض، ولو وقع على جبل فمات عليه، أكل؛ لأَن
استقراره على الجبل كاستقراره على الأرض.
وذكر في المنتقى عن أبي يوسف (رحمه الله) لو رمى صيداً على قُلَّةٍ جبلٍ فأثخنه حتى
صار لا يتحرك، ولم يستطع أن يأخذَهُ فرماه فقتله، ووقع، لم يأكله؛ لأنه خرج عن كونه صيداً
بالرمي الأول لخروجه عن حد الامتناع. فالرمي الثاني لم يصادف صيداً، فلم يكن ذكاة له، فلا
يؤكل.
وعلى هذا يخرج ما إذا اجتمع على الصيد مُعَلَّمٌ وغير معلم، أو مُسمى عليه وغير
مسمَّى، أنه لا يؤكل لاجتماع سببي الحظر والإِباحة، ولم يُعْلَمْ أيهما قتله.
ولو أرسل مسلم كلبه فاتبع الكلب كلب آخر غير معلم [أو معلم](٢) لكنه لم يرسله أحد
ولم يزجره بعد انبعاثه، أو سبع من السباع، أو ذو مخلبٍ منَ الطير، مما يجوز أن يعلم فيصاد
٢٨٨/١ أ به، فرد الصيد عليه ونهشه(٣) أو فعل ما يكون معونةً للكلب المرسل /، فأخذه الكلب
المرسل وقتله - لا يؤكل؛ لأن رد الكلب ونهشه (٤) مشاركة في الصيد، فأشبه مشاركة المعلم
وغير المعلم، والمسمى عليه غير المسمى عليه، بخلاف ما إذا رد عليه آدمي، أبو بقرة، أو
حمار، أو فرس، أو ضب، لأن فعل هؤلاء ليس من باب الاصطياد، فلا يزاحم الاصطياد في
الإباحة، فكان ملحقاً بالعدم، فإن تبع الكلب الأول كَلْبٌ غير معلم ولم يرد عليه، ولم يهب(٥)
الصيد، ولكنه اشتد عليه وكان الذي أخذ وقتل الكلب المعلم، لا بأس بأكله؛ لأنهما ما اشتركا
في الاصطياد لعدم المعاونة، فيحل أكله، والله (جلَّ شأنه) أعلم.
ومنها: أن يلحق المرسل أو الرامي الصيد أو من يقوم مقامه قبل التواري عن عينه، أو
قبل انقطاع الطلب منه إِذا لم يدرك ذبحه، فإِن تَوَارَى عن عينه وقعد عن طلبه ثم وجده، لم
يؤكل، فأما إذا لم يتوار عنه أو توارى لكنه لم يقعد عن الطلب حتى وجده، يؤكل استحساناً،
والقياس أنه لا يؤكل.
وجه القياس أنه يحتمل أن الصيد مات من جراحة كلبه أو من سهمه، ويحتمل أنه مات
بسبب آخر، فلا يحل أكله بالشك.
(١) الآجرة: اللبنة المحرقة المُعَدَّة للبناء. المعجم الوسيط (آجر).
(٣) في أ: وهبأة.
(٢) سقط من ط .
(٥) في أ: يهيأ.
(٤) في أ: وتهيأته.

٢٦٩
كتاب الذبائح والصيود
وجه(١) الاستحسان ما روي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ مَرَّ بالرَّوْحَاءِ على حمارٍ وحش عقير،
فتبادر أصحابه إليه، فقال: ((دَعُوهُ فَسَيَأْتِي صَاحِبُهُ ((فجاء رجلٌ من فهر)) فقال: هذه رميتي
يا رسولَ اللَّهِ، وأنا في طلبها، وقد جعلتها لك، فأمر رسول الله وَلَه سيدنا أبا بكر (رضي الله
عنه) فقسمه بين الرفاق؛ ولأن الضرورة توجب ذلك، لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه في
الصيد، فإِنَّ العادةَ أنَّ السهمَ إذا وقع بالصيد تحامل فغاب، وإذا أصاب الكلب الخوف منه
غاب، فلو اعتبرنا ذلك لأدى ذلك إلى انسداد باب الصيد، ووقوع الصيادين في الحرج، فسقط
اعتبار الغيبة التي لا يمكن التحرز عنها؛ إذا لم يوجد من الصائد تفريط في الطلب؛ لمكان
الضرورة والحرج، وعند قعوده عن الطلب لا ضرورة فيعمل بالقياس.
وقد روي أن رجلاً أهدى إلى النبيِّ (عليه الصلاة والسلام) صَيْداً، فقال له: ((مِنْ أَيْنَ لك
هذا؟ فقال: رميتُهُ بالأمسِ وكنتُ في طلبه حتى هجم على الليل فقطعني عنه، ثم وجدته اليوم
ومزراقي فيه، فقال (عليه الصلاة والسلام): ((إِنَّهُ غَابَ عَنْكَ وَلاَ أَدْرِي لَّعَلَّ بَغْضَ الهَوَامُ أَعَانَكَ
عَلَيْهِ لاَّ حَاجَةَ لِي فِيهِ))(٢) بيَّن (عليه الصلاة والسلام) الحكم وعلَّة الحكم، وهو ما ذكرنا من
احتمال موته بسبب آخر، وهذا المعنى لا يتحقق فيه إذا لم يقعد عن الطلب.
وروي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه سئل عن ذلك، فقال: كل ما أصميت ودع
ما أنميت(٣)، قال أبو يوسف (رحمه الله): الاصماء: ما عاينه والإِنماء: ما توارى عنه، وقال
هشام عن محمد (رحمه الله): الأصماء: ما لم يتوار على بصرك والإِنماء: ما توارى عن
بصرك، إِلاَّ أنه أقيم الطلب مقام البصر للضرورة، ولا ضرورة عند عدم الطلب؛ ولأنه إذا قعد
عن طلبه فمن الجائز أنه لو كان طلبه لأدركه حَيًّ، فيخرج [الحي](٤) من أن يكون ذكاة، فلا
يحل بالشك، بخلاف ما إذا لم يقعد عن طلبه؛ لأنه لم يدركه حَيَّ، فبقي الجرح ذكاة له، والله
تعالى أعلم.
(١) في أ: وحجة.
(٢) روي هذا الحديث مرسلاً وموصولاً. فأخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (ص ٢٨١) رقم (٣٨٣) من طريق
موسى بن أبي عائشة عن أبي رزين مرسلاً.
وذكره عبد الرحمن في ((الأحكام الوسطى)) (١١٣/٤) من طريق أبي داود وقال: هذا مرسل. أهـ. وهو
في ((المصنف)) أيضاً لابن أبي شيبة. وينظر «نصب الراية)) (٣١٤/٤ - ٣١٥) أما الحديث الموصول:
فأخرجه عبد الرزاق (٤٦١/٤) رقم (٨٤٦١) من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق عن قيس بن أسلم
عن الحسن بن محمد عن عائشة به.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣١٥/٤): وابن أبي المخارق واه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٦٠/٤) رقم (٨٤٥٥) من طريق مقسم عن ابن عباس.
(٤) سقط من ط .

٢٧٠
كتاب الذبائح والصيود
وأما ما يستحب من الذكاة وما يكره منها: فمنها: أن المستحب أن يكون الذبح بالنهار،
ویکره بالليل.
والأصلُ فيه ما روي عَنْ رسولِ اللهِ وَِّ أنه نَهَى عَنْ الأَضحى ليلاً وعَنِ الحصادِ ليلاً،
وهو كراهةٌ تنزيهِ، ومعنى الكراهة يحتمل أن يكون لوجوه:
أحدها: أن الليلَ وقتُ أمنٍ وسكونٍ وراحةٍ، فإيصال(١) الألم في وقت الراحة يكون
أشد .
والثاني: أنه لا يأمن من أن يخطىء فيقطع يده، ولهذا كره الحصاد بالليل.
والثالث: أنَّ العروق المشروطة في الذبح لا تتبين في الليل، فربَّما لا يستوفى قطعها.
ومنها: أنه يستحب في الذبح حالة الاختيار أن يكون ذلك بآلةٍ حَادَّةٍ من الحديد،
كالسكين والسيف، ونحو ذلك، ويكره بغير الحديد وبالكليل من الحديد؛ لأنَّ السنة في ذبح
الحيوان ما كان أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته.
١٣
والأصلُ فيه ما روينا عن رسولِ اللهِ وَّهِ أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى عَزَّ شَأْتُهُ) كَتَبَ الإِحْسَانَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَخْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَّفْرَتَهُ،
وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))(٢) وفي بعض الروايات: ((وَلْيشَدَّ قَوَائِمَهُ، وَلْيُلْقِهِ عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرَ، وَلْيُوجُّهَهُ نَحُوَ
القِلَّةِ، وَلْيُسَمِ اللَّهَ (تَعَالَى) عَلَيْهِ»، والذبح بما لنا أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته.
ومنها: التذفيف في قطع الأوداج، ويكره الإِبطاء فيه، لما روينا عن النبي (عليه الصلاة
والسلام) أنه قال: ((وَلْيُرِخْ ذَبِيحَتَهُ»، والإِسراعُ نوعُ راحةٍ له.
ومنها: الذبح في الشاة والبقرة والنحر في الإبل، ويكره القلب من ذلك لما ذكرنا فيما
تقدم، والله (عزَّ شأنه) أعلم.
ومنها: أن يكون ذلك من قِبَلِ الحلقوم، ويكره من قبل القفا لما مر.
ومنها: قطع الأَوْدَاج، كلها، ويكره قطع البعض دون البعض؛ لما فيه من إِبطاء فوات
حياته .
ومنها: الاكتفاء بقطع الأوداج، ولا يبلغ به النخاع، وهو العرق الأبيض الذي يكون في
(١) في ط: فإيصال.
(٢) تقدم تخريجه قريباً.

٢٧١
كتاب الذبائح والصيود
عظم الرقبة، ولا يبان / الرأس، ولو فعل ذلك يكره لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجةٍ ٢٨٨/١
إليها، وفي الحديث: ((أَلاَ لاَ تَنْخَعُوا الذَّبِيحَةَ))، والنخعُ: القتلُ الشديدِ حتى يبلغ النخاعَ.
ومنها: أن يكون الذابح مستقبل القبلة، والذبيحة موجهة إلى القبلة؛ لما روينا، ولما
روي أن الصحابة (رضي الله عنهم) كانوا إذا ذبحوا استقبلوا القبلة؛ فإِنه روي عن الشعبي أنه
قال: كانوا يستحبُّون أن يستقبلوا بالذبيحة [إلى](١) القبلة(٢)، وقوله: ((كانوا)) كناية عن الصحابة
(رضي الله عنهم) ومثلُه لا يكذب.
ولأن المشركين كانوا يستقبلون بذبائحهم إلى الأوثان، فتستحب مخالفتهم في ذلك
باستقبال القبلة التي هي جهة الرغبة إلى طاعة الله (عزَّ شأنه).
ويكره أن يقولَ عند الذبح: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فلان، وإنما يقول ذلك بعد الفراغ من الذبح،
أو قبل الاشتغال بالذبح؛ هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة (رحمهما الله)، عن حماد، عن
إبراهيم؛ وكذلك قال أبو يوسف: ادع بالتقبل قبل الذبح، إن شئت، أو بعده.
وقد روينا عَنْ رسولِ اللهِ وَ ﴿ أنه قال: ((مَوْطِنَانِ لاَ أُذْكَرُ فِيهِمَا: عِنْدَ العِطَاسِ، وَعِنْدَ
الذَّبْحِ)) وروينا عن ابن مسعود (رضي الله عنهما) أنه قال: جَرِّدُوا التسميةَ عند الذبح، ولو قال
ذلكَ لا تحرم الذبيحة؛ لأنه ما ذكر اسم غير الله (عزَّ شأنه) على سبيل الإشراك، لكنه يكره
لتركه التجريد من حيث الصورة.
فإن قيل: أليسَ أنه روي أَنَّ رسول الله وَ ﴿وَ ضَخَّى بكبشين أملحين؛ أحدهما عن نفسه،
والآخر عن أمته .
فالجواب: أنه ليس فيه أنه ذكر مع اسم الله (تعالى وجلّ شأنه) نفسه (عليه الصلاة
والسلام) أو أمته، فيحتمل أنه ضحى أحدهما وذكر اسم الله (تعالى) ونوى بقلبه أَنْ يَكُونَ عنه،
وضحى الآخر وذكر اسم الله (تعالى) ونوى بقلبه أن يكون عن أُمَّتِهِ، وهذا لا يوجب الكراهة.
ويكره له بعد الذبح قبل أن تبرد أن ينخعها أيضاً، وهو أن ينحرها حتى يبلغ النخاع، وأن
يسلخها قبل أن تبرد؛ لأن فيه زيادة إِيلام لا حاجة إليها، فإِن نخع أو سلخ قبل أن تبرد، فلا
بأس بأكلها لوجود الذبح بشرائطه .
ويكره جرها برجلها إِلى المذبح، لأنه إلحاق زيادة ألم بها من غير حاجةٍ إليها في
الذكاة .
(١) سقط من ط .
(٢) وورد أيضاً جواز أكل ذبيحة لمن ذبح لغير القبلة. وينظر ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٨٩/٤ - ٤٩٠).

٢٧٢
کتاب الذبائح والصبود
وروي عن ابن سيرين عن سيدنا عمر (رضي الله عنهما) أنه رأى رجلاً يسوق شاةً له
ليذبحها سوقاً عنيفاً، فضربه بالدرة؛ ثم قال له: ((سُقْهَا إِلى الموت سوقاً جميلاً لاَ أُمَّ لَكَ))(١).
ويكره أن يضجعها ويحد الشفرة بين يديها؛ لما روي أن رسول الله وَل﴿ رَأَى رَجُلاً
أضجع شاةً وهو يحد الشفرة وهي تلاحظه، فقال (عليه الصلاة والسلام): ((أَوَدَدْتَ أَنْ تُمِيتَهَا
مَوْتَاتٍ، أَلاَ حَدَدْتَ الشَّفْرَةَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا))(٢) وروي عن سيدنا عمر (رضي الله عنه) أنه رأى
رجلاً وقد أضجع شاةً، ووضع رجله على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة، فضربه بالدرة،
فهرب الرجل وشردت الشاة؛ ولأن البهيمة تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك فتتحرز
عنها، فإِذا أحد الشفرة وقد أضجعها يزدادُ ألمُهَا .
وهذا كلُّه لا تحرم به الذبيحة لأنَّ النهي عن ذلك ليس لمعنى في المنهي، بل لما يلحق
الحيوان من زيادة ألم لا حاجة إليه، فكان النهي عنه لمعنى في غير المنهي، وأنه لا يوجب
الفساد؛ كالذبح بسكين مغصوب والاصطياد بقوس مغصوب؛ ونحو ذلك.
فصل فيما يحرم أكله من أجزاء الحيوان
وأما بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول. فالذي يحرم أكله منه سبعةٌ: الدم
المسفوح، والذَّكَر، والأنثيان، والقُبل، والغدة، والمثانة، والمرارة؛ لقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَيُحِلَّ
لَهُمُ الطَّيِّبَاتُ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهذه الأشياء السبعة مما تستخبئه الطباعُ
السليمة، فكانت محرمةً.
وما روي عن مجاهد (٣) (رضي الله عنه) أنه قال: كَرِهَ رسولُ اللهِ وَّهِ مِنَ الشاة: الذَّكَرَ،
والأُنْثيين، والقُبلَ، والغدةَ، والمرارة، والمثانة، والدم، فالمراد منه كراهة التحريم؛ بدليل أنه
جمع بين الأشياء الستة وبين الدم في الكراهة، والدم المسفوح محرمٌ، والمروي عن أبي حنيفة
(رحمه الله) أنه قال: الدمُ حرامٌ، وأكره الستة، أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح، وسمى
ما سواه مكروهاً، لأن الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به، وحرمة الدم المسفوح
قد ثبتت بدليل مقطوع به، وهو النصُّ المفسر من الكتاب العزيز، قال الله (تعالى عزَّ شأنه):
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٣/٤) رقم (٨٦٠٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٣/٤) رقم (٨٦٠٨) عن عكرمة مرسلاً. وقد أخرجه الحاكم (٢٣٢/٢) من
حديث عبد الله بن عباس.
(٣) مجاهد هو ابن جبر أبو الحجاج المخزومي ثقة إمام في التفسير والعلم. مات سنة إحدى أو اثنتين أو
ثلاث أو أربع ومئة ينظر: التقريب (ت ٦٥٢٣) والحديث مرسل.

٢٧٣
كتاب الذبائح والصيود
﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ..
.﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى قوله (عزَّ شأنه): ﴿أَوْ دَماً
مَسْفُوحاً أَوْ لَحْم خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وانعقاد الإِجماع أيضاً على حرمته، فأما حرمة ما سواه
من الأشياء الستة فما ثبتت بدليل مقطوع به، بل بالاجتهاد أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل
للتأويل، أو الحديث؛ لذلك فصل بينهما في الاسم، فسمى ذلك حراماً وذا مكروهاً، والله (عزَّ
اسمُه) أعلم.
بدائع الصنائع ج٦ - ١٨٢

كِتَابُ الاصْطِیَادِ
قَدْ بينا في ((كتاب الذبائح)) و((الصيود)) ما يؤكل من الحيوانات وما يحرم أكله منها، وما
٢٨٩ أ يكره، والآن نبين في ((كتاب الاصطياد)) ما يباح اصطياده وما لا يباح، ومن يباح له الاصطياد /
، ومن لا يباح له فقط .
أما الأول: فيباحُ اصطيادُ ما في البحر والبرِّ مما يحل أكلُه، وما لا يحل أكله، غير أن ما
يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بلحمه، وما لا يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بجلده
وشعره وعظمه، أو لدفع أذيته، إِلاَّ صيد الحرم، فإنه لا يباح اصطياده إِلاّ المؤذي منه، لقوله
(عزَّ شأنه): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقول النبي (عليه الصلاة والسلام)
في صيد الحرم في حديث فيه طول: ((وَلاَ يُنْفُر صَيْدُهُ)) وخص منه المؤذيات بقوله (عليه الصلاة
والسلام): ((خَمْسٌ مِنْ الفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ والحَرَمِ)).
وأما الثاني: فيباح اصطياد ما في البحر للحلالِ والمُحَرم، ولا يباح اصطياد ما في البر
.. ﴾ [المائدة: ٩٦] إلى قوله
للمحرم خاصَّةٌ، لقوله (تعالى): ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَخْرِ ..
(تعالى): ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرْ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً﴾ [المائدة: ٩٦] والفصلُ بين صيد البر والبحر
وغير ذلك من المسائل بيناه في ((كتاب الحج))، والله (عزَّ شأنه) الموفق.
٢٧٤

كِتَابُ التَّضْحِيَةِ(١)
يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صفة التضحية وأنها واجبة أو لا، وإلى بيان
شرائط الوجوب لو كانت واجبة، وإلى بيان وقت الوجوب، وإلى بيان كيفية الوجوب، وإلى
بيان محل إقامة الواجب، وإلى بيان شرائط جواز إقامة الواجب، وإلى بيان ما يستحب أَنْ يفعل
قبل التضحية وعندها وبعدها، وما يكره كراهة تحريم أو تنزيه.
أما صفة التضحية: فالتضحية نوعان: واجبٌ، وتطوعٌ، والواجب منها أنواع:
منها: ما يجب على الغني والفقير.
ومنها: ما يجب على الفقير دون الغني.
ومنها: ما يجب على الغني دون الفقير.
أما الذي يجب على الغني والفقير: فالمنذور به، بأن قال لله عَلَيَّ أنَّ أضحى
شاة أو بدنة، أو هذه الشاة أو هذه البدنة، أو قال: جعلتُ هذه الشاة ضحيةً أو أُضحية، وهو
غني أو فقير، لأن هذه قربةٌ لله (تعالى عزَّ شأنه)، من جنسها إيجاب وهو هدي المتعة،
والقران، والإِحصار، وفداء إسماعيل (عليه الصلاة والسلام)، وقيل هذه القربة تلزم بالنذر
كسائر القرب التي الله (تعالى عزَّ شأنه)، من جنسها إِيجاب من الصلاة والصوم ونحوهما،
والوجوب بسبب النذر يستوي فيه الفقير والغني، وإِن كان الواجب يتعلق بالمال؛ كالنذر بالحج
أنه يصح من الغني والفقير جميعاً.
وأما الذي يجب على الفقير دون الغني: فالمشتري للأضحية إذا كان المشتري فقيراً؛ بأن
اشترى فقير شاة ينوي أن يضحي بها، وقال الشافعي (رحمه الله): لا تجب، وهو قول
الزعفراني من أصحابنا، وإن كان غنيًّا لا يجب عليه بالشراء شيءٌ بالاتفاق.
(١) (الأُضْحِيَّةُ) قال الجوهري، قال الأصمعي فيها أربعُ لُغَات: أُضْحِيَّةٌ وَإِضْحِيَّة بضمّ الهمزة وكسرها،
والجمع أَضَاحيّ؛ وضَحِيَّة، والجمع ضَحَايا؛ وأَضْحَاةٌ، والجمع أَضْحَىّ كَأَزْطأة وأَرْطَىَ، وبها سُمِّي يومُ
الأَضْحى. ينظر: تحرير التنبيه ص ١٨٢. وهذا وفي أ: الأضحية.
٢٧٥

٢٧٦
كتاب التضحية
وجه قول الشافعي (رحمه الله): أن الإيجاب من العبد يستدعي لفظاً يدل على الوجوب،
والشراء بنية الأضحية لا يدل على الوجوب، فلا يكون إيجاباً، ولهذا لم يكن إيجاباً من الغني.
ولنا أَن الشراء للأضحية ممن لا أضحية عليه يجري مجرى الإِيجاب، وهو النذر
بالتضحية عرفاً؛ لأنه إذا اشترى للأضحية مع فقره، فالظاهر أنه يضحي فيصير كأنه قال جعلت
هذه الشاة أضحية بخلاف الغني؛ لأن الأضحية واجبة عليه بإيجاب الشرع ابتداءً، فلا يكون
شراؤه للأضحية إيجاباً، بل يكون قصد إلى تفريغ ما في ذمته، ولو كان في ملك إِنسان شاة
فنوى أن يضحي بها أو اشترى شاة، ولم ينو الأضحية وقت الشراء، ثم نوى بعد ذلك أن
يضحي بها، لا يجب عليه، سواء كان غنيًّا أو فقيراً؛ لأنَّ النيةَ لم تقارن الشراء، فلا تعتبر.
وأما الذي يجب على الغني دون الفقير، فما يجب من غير نذر ولا شراء للأصحية، بل
شكراً لنعمة الحياة وإِحياء لميراث الخليل (عليه الصلاة والسلام) حين(١) أمره الله (تعالى عزّ
اسمه) بذبح الكبش في هذه الأيام، فداءً عن ولده، ومطيةً على الصراط، ومغفرة للذنوب،
وتكفيراً للخطايا على ما نطقت بذلك الأحاديث وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وزفر،
والحسن بن زياد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف (رحمهم الله).
وروي عن أبي يوسف (رحمه الله) أنها لا تجب(٢)، وبه أخذ الشافعي (رحمه الله)
وحجة هذه الرواية ما روي عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال: ((ثَلاَثْ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ:
(١) في أ: حيث.
(٢) أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي
مسعود البدري، رضي الله عنهم. وبه قال سويد بن غفلة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود،
وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي،
والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة؛ لما روى أبو هريرة، أن رسول الله وَّ قال: ((مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ
يُضَحّ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنً)). وعن مخنف بن سليم، أن النبي ◌َّه قال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ
بَيْتٍ، فِي كُلِّ عَام، أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً)). ولنا، ما روى الدارقطني، بإسناده عن ابن عباس، عن النبي ◌َّل
قال: (ثَلاثُ كُتِبَتْ عَلَيَّ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعْ)). وفي روايةٍ: ((الْوِتْرُ، وَالنَّخْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ)). ولأن
النبي ◌َِّ، قال: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلاَ يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلاَ بَشَرَيِّهِ شَيْئاً». رواه مسلم.
علقه على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة، ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة،
كالعقيقة، فأما حديثهم فقد ضعفه أصحاب الحديث، ثم نحمله على تأكيد الاستحباب، كما قال: ((غُسْلُ
الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ)). وقال: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنً)). وقد روي
عن أحمد، في اليتيم: يُضَحِّيّ عنه وليه إذا كان موسراً. وهذا على سبيل التوسعة في يوم العيد، لا على
سبيل الإيجاب. ينظر: المغني (٣٦٠/١٣ - ٣٦١).

٢٧٧
كتاب التضحية
الوِتْرُ والضُّحَى والأَضْحَى)) (١) وَرُوِيَ: ((ثَلاَثْ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ))، وذكر (عليه الصلاة
والسلام) الأضحية، والسنةُ غير الواجب في العرف.
وروي أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر (رضي الله عنهما) كانا لا يضحيان السنة والسنتين.
وروي عن أبي مسعود الأنصاري (رضي الله عنه) أنه قال: قد يروح على ألف شاةٍ ولا
أضحي بواحدةٍ، مخافة أن يعتقد جاري أنها واجبة، ولأنها لو كانت واجبة لكان لا فرق فيها
بين المقيم والمسافر، لأنهما لا يفترقان في الحقوق المتعلقة بالمال كالزكاة وصدقة الفطر، ثم
لا تجب على المسافر، فلا تجب على المقيم.
ولنا قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَصَلٌ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قيل في التفسير: صل صلاة العيد
وانحر البدن بعدها، وقيل: صل الصبح بجمع وانحر بمنى، ومطلق الأمر للوجوب في حق
العمل، ومتى وجب على النبي (عليه الصلاة والسلام) يجب على الأمة؛ لأنه قدوة للأمة.
فإن قيل: قد قيل في بعض وجوه التأويل، لقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: ضع
يديك / على نحرك في الصلاة، وقيل استقبل القبلة بنحرك في الصلاة.
٢٨٩/١ ب
فالجواب: أن الحمل على الأول أولى؛ لأنه حمل اللفظ على فائدة جديدة، والحملُ
على الثاني حَمْلٌ على التكرار؛ لأن وضع اليد على النحر من أفعال الصلاة عندكم يتعلق به
كمال الصلاة، واستقبال القبلة من شرائط الصلاة، لا وجود للصلاة شرعاً بدونه، فيدخل تحت
الأمر بالصلاة، فكان الأمر بالصلاة أمراً به، فحَمْلُ قوله (عزَّ شأنه): ﴿وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] عليه
يكون تكراراً، والحمل على ما قلناه يكون حملاً على فائدة جديدة، فكان أولى.
وروي عن النبي ◌َّرَ: أنه قال: ((ضَحُوا فَإِنَّهَا سُنَّهُ أَبِيِكُمْ إِبْرَاهِيمَ)) عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أمر
(عليه الصلاة والسلام) بالتضحية، والأمر المطلق عن القرينة يقتضي الوجوب(٢) في حق
العملَ .
(١) أخرجه أحمد (٢٣١/١) والدارقطني (٢١/٢) والحاكم (٣٠٠/١) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢/
٤٦٨) من طريق أبي جناب الكلبي عن عكرمة عن ابن عباس. وأبو جناب الكلبي ضعيف مدلس.
والحديث ضعفه أحمد والبيهقي وابن الصلاح وابن الجوزي والنووي وغيرهم. وينظر: ((التلخيص)) (٢/
٣٨).
(٢) اتسعت دائرة الاختلاف بين العلماء، والأصوليين فيما يدل عليه الأمر حقيقة؛ حيث إن دوران الأمر على
أوجه كثيرة لا يدل على أنه حقيقة في كل منها.
فإذا ورد أمر من الأوامر في القرآن الكريم، أو في السنة النبوية، فهل يعتبر هذا الأمر دالاً على الوجوب؟
أم الندب؟ أم الإباحة؟ أم لمعنى آخر؟
=

٢٧٨
كتاب التضحية
إن خصوصية التعجيز، والتحقير، والتسخير .... وغير هذه المعاني غير مستفاد من مجرد صيغة الأمر،
=
بل إنما تفهم هذه المعاني من القرائن، وعليه فلا خلاف في أن صيغة الأمر ليست حقيقة في جميع
الوجوه .
وللعلماء آراء متعددة في دلالة الصيغة على الوجوب، أو على الندب، أو على غيرهما، فقد اتفق العلماء
على أن صيغة الأمر لا تدل على أي معنى من المعاني المتقدمة إلا بقرينة، كما قلنا سابقاً.
وقد اختلفوا فيما إذا تجردت هذه الصيغة عن القرينة، فهل تدل على الوجوب؟ أم على الندب؟ أم على
الإباحة.
المذهب الأول: وهو لجمهور العلماء، حيث ذهبوا إلى أن صيغة ((افعل)) تدل على الوجوب حقيقة،
مجازاً فيما سواه، أي: في الندب والإباحة، وسائر المعاني المستعملة فيها الصيغة، وهذا مذهب
الشافعي، واختاره ابن الحاجب في ((المختصر))، والبيضاوي في ((المنهاج)).
المذهب الثاني: ويعزى لأبي هاشم الجبائي، وهو وجه عند الشافعية؛ حيث ذهبوا إلى أن صيغة الأمر
حقيقة في الندب، مجاز فيما سواه.
المذهب الثالث: يرى أن صيغة الأمر حقيقة في الإباحة، وهو التخيير بين الفعل والترك، فهي لا تدل إلا
على الجواز حقيقة؛ لأنه هو المتيقن، فعند خلوه عن القرينة يكون حقيقة في الإباحة، مجازاً فيما سواها.
المذهب الرابع: ويعزى للماتريدي؛ حيث يرى أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب
والندب، وهو الطلب؛ لأن كلا من الوجوب والندب طلب، ويزاد قيد الجزم في جانب الوجوب؛ لأنه
الطلب الجازم، والندب غير جازم.
المذهب الخامس: وفيه تكون صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والندب اشتراكاً لفظياً.
المذهب السادس: يرى أن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والندب، والإباحة.
المذهب السابع: يرى أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين هذه الأنواع الثلاثة، وهو الإذن. نص
عليه أبو عمرو بن الحاجب.
المذهب الثامن: وإليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والآمدي؛ حيث كانوا يتوقفون عن
القول بأن الصيغة تدل على الوجوب، أو على الندب؛ لأن الصيغة استعملت في الوجوب تارة، وفي
الندب أخرى، فقالوا بالتوقف.
قال الآمدي: ومنهم من توقف، وهو مذهب الأشعري - رحمه الله تعالى - ومن تبعه من أصحابه؛
كالقاضي أبي بكر، والغزالي، وغيرهما، وهو الأصح.
المذهب التاسع: يرى أن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد.
وقيل: صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة؛ فهي مشتركة بين
الأحكام الخمسة، ووجهة دلالة الصيغة على التحريم والكراهة؛ فإنها تستعمل في التهديد، وهو يستلزم
ترك الفعل المهدد عليه، وهو إما محرم، أو مكروه.
أما دلالة الصيغة على الخمسة التي هي: الإيجاب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد - فواضح؛
لأنها مستعملة في جميع هذه المعاني.
وقال أبو بكر الأبهري - من المالكية -: إن أمر الله تعالى للوجوب، وأمر رسول الله وَّر المستقل غير
المبين والمؤكد لأمر الله تعالى فهو للندب.
=

٢٧٩
كتاب التضحية
وَرُوِيَ عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: ((عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٌ
وَعَتِيرَةً))(١) و((على)): كلمة إِيجاب، ثم نسخت العتيرة، فثبتت(٢) الأضحاة.
وروي (عنه عليه السلام) أنه قال: ((مَنْ لَمْ يُضَحَّ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَنً))(٣) وهذا خَرَجَ
مَخْرَجَ الوعيد على ترك الأضحية، ولا وعيد إِلا بترك الواحب.
وما ذهب إليه الجمهور من العلماء هو الراجح، وهو الذي نختاره، ويلزم أن يكون قاعدة ننطلق منها في
=
فهم الأوامر الواردة في كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - لو فرض أن الأوامر
فيهما وردت خالية عن القرائن التي تبين المراد منها؛ لأن من يتتبع الأدلة يدرك أن وضع الأمر في اللغة
إنما هو لطلب الإتيان بالمأمور به على وجه الحتم واللزوم، فإذا كان الطالب أعلى منزلة وسيادة على من
توجه إليه الأمر، وأتى بالمأمور به كان مستحقاً للجزاء الحسن، وإن لم يأت بما أمر به كان مستحقاً للذم
والعقاب، وهذا هو معنى الوجوب في اصطلاح العلماء. ينظر: نهاية السول (١٩/٢)، جمع الجوامع
(٣٧٥/١)، الأحكام (١٠/٢)، المستصفى (١٦٥/١)، والتيسير شرح التحرير (٤٩/٢) ومسلم الثبوت
(٣٧٢/١).
(١) أخرجه أبو داود (٩٣/٣) كتاب الضحايا حديث (٢٧٨٨) والترمذي (٩٩/٤) كتاب الأضاحي حديث
(١٥١٨) والنسائي (١٦٧/٧) كتاب الفرع والعتيرة حديث (٤٢٢٤) وابن ماجه (١٠٤٥/٢) كتاب
الأضاحي: باب الأضحية واجبة أم لا. حديث (٣١٢٥) كلهم من طريق ابن عون عن أبي رملة عن
مخنف بن سليم به مرفوعاً.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢١١/٤): قال عبد الحق: إسناده ضعيف، قال ابن القطان وعلته الجهل
بحال أبي رملة واسمه عامر فإنه لا يعرف إلا بهذا يرويه عنه ابن عون وقد رواه عنه أيضاً ابنه حبيب بن
مخنف وهو مجهول أيضاً کأبيه.
(٢) في أ: فبقيت.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٠٤٤/٢) كتاب الأضاحي باب الأضاحي واجبة أم لا. حديث (٣١٢٣) وأحمد (٢/
٣٢١) والحاكم (٣٨٩/٢، ٢٣١/٤ - ٢٣٢) والبيهقي (٢٦٠/٩) من طريق عبد الله بن عياش عن
عبد الرحمن بن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً وقال البوصيري في ((الزوائد» (٥٠/٣): هذا إسناد فيه
مقال عبد الله بن عياش وإن روى له مسلم فإنما روى له في المتابعات والشواهد فقد ضعفه أبو داود
والنسائي، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين وقال ابن يونس منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات.
هـ.
قال الزيلعي في نصب الراية (٤ /٢٠٧).
أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) عن زيد بن الحباب عن عبد الله بن عياش عن عبد الرحمن بن الأعرج عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من كان له سعة، ولم يضح. فلا يقربن مصلانا))، انتهى. ورواه
أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في ((مسانيدهم)) والدارقطني في
(سننه)). والحاكم في ((المستدرك - في تفسير سورة الحج))، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه؛
وأخرجه في ((الضحايا)) عن عبد الله بن يزيد المقرىء ثنا عبد الله بن عياش به مرفوعاً؛ وقال: صحيح
الإسناد، ولم يخرجاه ثم رواه من حديث ابن وهب أخبرني عبد الله بن عياش، فذكره موقوفاً، قال : =

٢٨٠
كتاب التضحية
وقال (عليه الصلاة والسلام): ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةَ فَلْيُعِذْ أُضْحِيَتَهُ، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَح
بِسْم اللَّهِ))(١) أمَرَ (عليه الصلاة والسلام) بذبح الأضحية وإِعادتها إِذا ذبحت قبل الصلاة، وكلّ
ذلكَ دليل الوجوب، ولأن إِراقة الدم قربة، والوجوب هو العزيمة(٢) في القربات.
وأما الحديث فنقول: بموجبه أن الأضحية ليست بمكتوبة علينا، ولكنها واجبة، وفرق ما
بين الواجب والفرض؛ كفرق ما بين السماء والأرض على ما عرف في أصول الفقه.
وقوله: ((هي لكم سنة)): إِن ثبت لا ينفي الوجوب، إذ السنة تنبىء عن الطريقة أو
السيرة، وكل ذلك لا ينفي الوجوب.
وأما حديث سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر (رضي الله عنهما) فيحتمل أنهما كانا لا يضحيان
السنة والسنتين لعدم غناهما؛ لما كان لا يفضل [من] رزقهما الذي كان في بيت المال عن
كفايتهما، والغِنَى شرط الوجوب في هذا النوع، وقول أبي مسعود (رضي الله عنه) لا يصلح
معارضاً للكتاب الكريم والسنة؛ مع ما أنه يحتمل أنه كان عليه دين، فخاف على جاره لو
ضحى أن يعتقد وجوب الأضحية مع قيام الدين، ويحتمل أنه أراد بالوجوب الفرض؛ إذ هو
هكذا وقفه ابن وهب. والزيادة من الثقة مقبولة، وعبد الله بن يزيد المقرىء فوق الثقة. انتهى. قال في
=
((التنقيح)): حديث ابن ماجه رجاله كلهم رجال - الصحيحين - إلا عبد الله بن عياش القتبائي، فإنه من
أفراد مسلم، قال: وكذلك رواه حيوة بن شريح، وغيره عن عبد الله بن عياش به مرفوعاً، ورواه ابن
وهب عن عبد الله بن عباس به موقوفاً، وكذلك رواه جعفر بن ربيعة، وعبيد الله بن أبي جعفر عن
الأعرج عن أبي هريرة موقوفاً، وهو أشبه بالصواب، انتهى. وذهل شيخنا علاء الدين مقلداً لغيره، فعزا
هذا الحديث للدار قطني فقط، قال ابن الجوزي في ((التحقيق)): وهذا الحديث لا يدل على الوجوب، كما
في حديث من: أكل الثوم، فلا يقربن مصلانا.
(١) أخرجه البخاري (١٢/١٠) كتاب الأضاحي، باب قول النبي ◌ّل﴿ لأبي بردة ضح بالجذع، حديث
(٥٥٥٦) ومسلم (١٥٥٢/٣) كتاب الأضاحي، باب وقتها، حديث (١٩٦١/٤).
والترمذي (١٥٠٨/٤) كتاب الأضاحي: باب ما جاء في الذبح بعد الصلاة حديث (١٥٠٨) والنسائي (٧)
٢٢٢) كتاب الأضاحي: باب ذبح الضحية قبل الإمام وأحمد (٢٩٧/٤) والطيالسي (٢٣٠/١ - منحة) رقم
(٢٠١٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٧٢/٤) والبيهقي (٢٦٩/٩) كتاب الضحايا: باب لا
يجزي الجذع إلا من الضأن وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣٧).
من حديث البراء بن عازب قال: ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة فقال له رسول الله وَالثور:
((شاتك شاة لحم، فقال: يا رسول الله إن عندي داجناً جذعة من المعز قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك،
ثم قال: من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة
المسلمين)) وله ألفاظ وقد خرجه جماعة.
(٢) في ط: القربة.