Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب الذبائح والصيود
فلا يقبل في إبطال حرمة ثبتت بالكتاب، على أن المذكور فيها من جملة المستثنى الميتة، فما
الدليل على أن متروك التسمية عمداً ليس بميتة، بل هو ميتة عندنا، مع أنه لا يجد فيما أوحي
إليه محرماً سوى المذكور، ونحن لا نطلق اسم المحرم على متروك التسمية؛ إذ المحرم
المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به، ولم يوجد ذلك في محل الاجتهاد إِذا كان الاختلاف
بين أهل الديانة، وإِنما نسميه مكروهاً أو محرماً في حق الاعتقاد قطعاً على طريق التعيين، بل
على الإبهام أن ما أراد الله (عزَّ وجلّ) من هذا النهي فهو حق، لكنا نمتنع عن أكله احتياطاً،
وهو تفسير الحرمة في حق العمل.
وأما الكلام مع مالك (رحمه الله): فهو احتج بعموم قوله (تبارك وتعالى): ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا
مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] من غير فصل بين العمد والسهو؛ ولأن التسمية لما
كانت واجبة حالة العمد، فكذا حالة النسيان، لأن النسيان لا يمنع الوجوب، والحظر كالخطأ
حتى كان الناسي والخاطىء جائز المؤاخذة عقلاً؛ ولهذا استوى العمد والسهو في ترك تكبيرة
الافتتاح والطهارة وغيرها من الشرائط، والكلام في الصلاة عمداً أو سهواً عندكم؛ كذا ههنا.
ولنا ما رُوِي عن راشد بن سعد (١) عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: «ذَبِيحَةُ
تشييع الملائكة لها رواه جمع من المحدثين إلا أن منهم من روى أن المشيعين سبعون ألفاً ومنهم من روى
=
أنهم كانوا أقل ومنهم من روى أنهم كانوا أكثر. وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال: قال
رسول الله وَله: ((من صلى الفجر بجماعة وقعد في مصلاه، وقرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام
وكل الله تعالى به سبعين ملكاً يسبحون الله تعالى ويستغفرون له إلى يوم القيامة)).
وأخرج أبو الشيخ عن حبيب بن محمد العابد قال: من قرأ ثلاث آيات من أول الأنعام إلى قوله تعالى
﴿تكسبون﴾ بعث الله تعالى له سبعين ألف ملك يدعون له إلى يوم القيامة وله مثل أعمالهم فإذا كان يوم
القيامة ادخله الجنة وسقاه من السلسبيل وغسله من الكوثر وقال: أنا ربك حقاً وأنت عبدي إلى غير ذلك
من الأخبار، وغالبها في هذا المطلب ضعيف وبعضها موضوع كما لا يخفى على من نقر عنها. ولعل
الأخبار بنزول هذه السورة جملة أيضاً كذلك. وحكى الإمام اتفاق الناس على القول بنزولها جملة ثم
استشكل ذلك بأنه كيف يمكن أن يقال حينئذٍ في كل واحد من آياتها إن سبب نزولها الأمر الفلاني مع
أنهم يقولونه. والقول بأن مراد القائل بذلك عدم تخلل نزول شيء من آيات سورة أخرى بين أوقات نزول
آياتها مما لا تساعده الظواهر بل في الأخبار ما هو صريح فيما يأباه. والقول بأنها نزلت مرتين دفعة
وتدريجاً خلاف الظاهر ولا دليل عليه.
ويؤيد ما أشرنا إليه من ضعف الأخبار بالنزول جملة ما قاله ابن الصلاح في فتاويه الحديث الوارد في أنها
نزلت جملة رويناه من طريق أبي بن كعب ولم نر له سنداً صحيحاً، وقد روي ما يخالفه انتهى. ومن هذا
يعلم ما في دعوى الإمام اتفاق الناس على القول بنزولها جملة فتدبر. ينظر: روح المعاني (٤/ ٧٥ - ٧٦).
(١) راشد بن سعد المقرائي ويقال الحبراني الحمصي قال العجلي تابعي ثقة. وقال الدارقطني حمصي لا بأس
به ويعتبر به إذا لم يحدث عنه متروك. ينظر: ((الثقات)) للعجلي (٣٦٣). وسؤالات البرقاني (١٥٨).
بدائع الصنائع ج٦ - م١٦

٢٤٢
كتاب الذبائح والصيود
المُسْلِمِ حَلاَلٌ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ))(١). وهذا نص في الباب.
وأما الآية فلا تتناول متروك التسمية [سهواً] (٢) لوجهين:
أحدهما: أنه قال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، أي: ترك التسمية عند الذبح فسق، وترك
التسمية سهواً لا يكون فسقاً، وكذا كل متروك التسمية سهواً لا يلحقه سمة الفسق؛ لأن المسألة
اجتهادية، وفيها اختلاف الصحابة، فَدَلَّ أن المراد من الآية الكريمة متروك التسمية عمداً لا
سهواً.
والثاني: أن الناسي لم يترك التسمية، بل ذكر اسم الله (عزَّ وجلَّ)، إذ(٣) الذِّكْر قد يكون
باللسان وقد يكون بالقلب، قال الله (تعالى): ﴿وَلاَ تُطِعِ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]
والناسي ذاكر بقلبه، لما روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه سُئل عن رجل ذبح ونَسَي
أن يذكر اسم الله عليه؟ فقال (رضي الله عنه): اسم الله (عزَّ وجلَّ) في قلب كِلٌ مسلمٍ،
فليأكل .
وعنه [في] (٤) رواية أخرى قال: ((إِنَّ المسلم ذكر الله في قلبه))، وقال: ((كما لا ينفعُ
الاسمُ في الشرك لا يضر النسيان في الإِسلام)» (٥)، وعنه (رضي الله عنه) في رواية أخرى قال:
في المسلم اسم الله (تعالى)؛ فإذا ذبح ونسي أن يسمي فكل؛ وإِذا ذبح المجوسي وذكر
اسم الله تعالى فلا تطعمه .
وعن سيدنا علي (رضي الله عنه) سُئل عن هذا فقال: إنما هي علة المسألة فثبت أن
الناسي ذاكر، فكانت ذبيحته مذكور التسمية فلا تتناولها الآية الكريمة، وأما قوله: إِن النسيان لا
يدفع التكليف ولا يدفع الحظر حتى لم يجعل عذراً في بعض المواضع على ما ضرب من
الأمثلة، فنقول النسيان جعل عذراً مانعاً من التكليف؛ والمؤاخذة فيما يغلب وجوده، ولم
يجعل عذراً فيما لا يغلب وجوده؛ لأنه لو لم يجعل عذراً فيما يغلب وجوده لوقع الناس في
١٢٨٢/١ الحرج، والحرج مدفوع /، والأصل فيه أن من لم يعود نفسه فعلاً يعذر في تركه واشتغاله
(١) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (ص ٢٧٨) رقم (٣٧٨) من طريق ثور بن يزيد عن الصلت مرسلاً.
وأخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٩/٩) من حديث ابن عباس مرفوعاً وسنده ضعيف.
وأخرجه الدارقطني (٢٩٥/٤ رقم (٩٤) من حديث أبي هريرة. وفيه مروان بن سالم وهو ضعيف.
وينظر: ((التلخيص)) (٢٤٨/٤).
(٢) سقط في ط.
(٣) في ط: و.
(٤) سقط في ط .
(٥) في أ: الملة.

٢٤٣
كتاب الذبائح والصيود
بضده سهواً؛ لأن حفظ النفس عن العادة التي هي طبيعة خامسة، خطب صعب وأمرٌ أمر،
فيكون النسيان فيه غالب الوجود، فلو لم يعذر للحقه الحرج، وليس كذلك إذا لم يعود نفسه.
مثاله أن الأكل والشرب من الصائم سهواً جعل عذراً في الشرع حتى لا يفسد صومه؛
لأنه عود نفسه ذلك ولم يعودها ضده، وهو الكف عن الأكل والشرب، ولم يجعل ذلك عذراً
في المصلي؛ لأنه لم يعود نفسه ذلك في كل زمان، بل في وقت معهود وهو الغداة والعشي،
خصوصاً في حالِ الصلاة التي تخالف أوقات الأكل والشرب، فكان الأكل والشرب فيها في
غاية الندرة، فلم يجعل عذراً.
والكلام في الصلاة من هذا القبيل، لأن حالة الصلاة تمنع من ذلك عادة، فكان النسيان
فيها نادراً فلم يجعل عذراً؛ وكذلك ترك تكبيرة الافتتاح سهواً لأن الشروع في الصلاة يكون
بها، وتركها سهواً عند تصميم العزم على الشروع فيها مما يندر، فلم يعذر.
وكذا ترك الطهارة عند حضور وقت الصلاة سهواً؛ لأن المسلم على استعداد الصلاة عند
هجوم وقتها عادة، فالشروع في الصلاة من غير طهارة سهواً يكون نادراً، فلا يعذر ويلحق
بالعدم، فأما ذكر اسم الله (تعالى) فأمر لم يعوّده الذابح نفسه؛ لأن الذبح على مجرى العادة
يكون من القصابين ومن الصبيان الذين لم يعودوا أنفسهم ذِكرَ [اسم] (١) اللَّهِ (عزَّ وجلَّ)، فترك
التسمية منهم سهواً لا يندر وجوده، بل يغلب، فجعل عذراً، دفعاً للحرج فهو الفرق بين هذه
الجملة، والله (سبحانه وتعالى) هو الموفق.
وإذا ثبت أن التسمية حالة الذكر من شرائط الحل عندنا، فبعد ذلك يقع الكلام في بيان
ركن التسمية، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان وقت التسمية.
أما ركنها فذكر اسم [من أسماء](٢) الله (عزَّ وجلَّ) أيّ اسم كان لقوله (تبارك وتعالى):
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُوْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ﴾
[الأنعام: ١١٨ - ١١٩] من غير فصل بين اسم واسم، وقوله (عزَّ شأنه): ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ
اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] لأَنّه إذا ذكر اسماً من أسماء الله (تبارك وتعالى) لم يكن المأكول
مما لم يذكر اسم الله عليه، فلم يكن محرماً، وسواء قرن بالاسم الصفة بأن قال الله أكبر الله
أَجَلُّ، الله أعظم، الله الرحمن، الله الرحيم، ونحو ذلك، أو لم يقرن بأن قال الله أو الرحمن
أو الرحيم أو غير ذلك؛ لأنه المشروط بالآية (عزَّ شأنه) وقد وجد، وكذا في حديث عدي بن
حاتم (رضي الله عنهما): ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مِنْ غَيرِ فصلٍ
بين اسم واسم)).
(١) سقط من ط.
(٢) سقط من ط.

٢٤٤
كتاب الذبائح والصيود
وكذا التهليل والتحميد والتسبيح، سواء كان جاهلاً بالتسمية المعهودة أو عالماً بها لما
قلنا، وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد (رضي الله عنهما) في تكبيرة الافتتاح؛ أنه يصير
شارعاً في الصلاة بلا إله إلا الله، أو (١) الحمد لله، أو سبحان الله، فههنا أولى.
وأما على أصل أبي يوسف (رحمه الله) فلا يصير شرعاً بهذه الألفاظ وتصح [التسمية] (٢)
بها عنده، فيحتاج هو إِلى الفرق، والفرق له أَن الشرعَ ما ورد هناك إِلا بلفظ التكبير، وههنا
ورد بذكر اسم الله (تعالى)، وسواء كانت التسمية بالعربية أو بالفارسية أو أيِّ لسانٍ كان، وهو
لا يحسن العربية أو يحسنها؛ كذا روى بشر عن أبي يوسف (رحمهما الله) لو أن رجلاً سمى
على الذبيحة بالرومية أو بالفارسية وهو يحسن العربية أو لا يحسنها أجزأه ذلك عن التسمية؛
لأن الشرط في الكتاب العزيز والسنة ذكر اسم الله (تعالى) مطلقاً عن العربية والفارسية، وهذا
ظاهر على أصل أبي حنيفة (رحمه الله) في اعتباره - والمعنى دون اللفظ في تكبيرة الافتتاح،
فيستوي في الذبح التكبيرة العربية والعجمية من طريق الأولى.
فأما على أصلهما فهما يحتاجان إلى الفرق بين التكبير والتسمية؛ حيث قالا في التسمية
أنها جائزة بالعجمية، سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن، وفي التكبير لا يجوز بالعجمية إِلاَّ
إذا كان لا يحسن العربية؛ لأن المشروط ههنا ذكر اسم الله (تعالى)، وأنه يوجد بكل لسان،
والشرط هناك لفظة التكبير؛ لقوله (عليه الصلاة والسلام): (([لاَ تُقْبَلُ](٣) صَلاَةُ امْرِىءٍ حَتَّى
يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، وَيْسَتَقْبِلَ القِبْلَة، وَيَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَزْ)) نفى (عليه الصلاة والسلام) القبولَ
بدون لفظ التكبير، ولا يوجد ذلك بغير لفظ العربية.
وأما شرائط الركن، فمنها: أن تكون التسمية من الذابح، حتى لو سمى غيره والذابح
ساكت وهو ذاكر غير ناس لا يحل؛ لأن المراد من قوله (تبارك وتعالى): ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: لم يذكر اسم الله عليه من الذابح، فكانت [التسمية](٤)
مشروطة فيه .
ومنها: أن يريد بها التسمية على الذبيحة، فإِنَّ مَنْ أراد بها التسمية لافتتاح العمل لا
يحل، لأَن الله (سبحانه وتعالى) أمر بذكر اسم الله (تعالى) عليه في الآيات الكريمة، ولا يكون
ذكر اسم الله عليه، إلا وأن يراد بها التسمية على الذبيحة.
وعلى هذا / إذا قال: الحمدُ لله، ولم يرد به [التسمية، بل أراد به](٥) الحمد على سبيل
٢٨٢/١ ب
(١) في أ: و.
(٣) في أ: لا يقبل الله.
(٥) سقط من ط.
(٢) سقط من ط .
(٤) سقط من ط .

٢٤٥
كتاب الذبائح والصيود
الشكر لا يحل؛ وكذا لو سبح أو هلل أو كبر ولم يرد به التسمية على الذبيحة، وَإِنما أراد به
وصفه بالوحدانية والتنزه عن صفات الحدوث لا غير، لا يحل لما قلنا.
ومنها: تجريد اسم الله (سبحانه وتعالى) عن اسم غيره، وَإِن كان اسم النبي ◌َّ حتى لو
قال: بسم الله واسم الرسول، لا يحل؛ لقوله (تعالى): ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣].
وقول النبي ◌َّهِ: (مَوْطِنَانِ لاَ أُذْكَرُ فِيهِمَا عِنْدَ العطَاسِ وَعِنْدَ الذَّبْح)) وقول عبد الله بن
مسعود (رضي الله عنهما): جرِّدُوا التسمية عند الذبح؛ ولأن المشركين يذكرون مع الله
(سبحانه وتعالى) غيره، فتجب مخالفتهم بالتجريد، ولو قال: بسم الله ومحمد رسول الله، فإن
قال: ومحمد بالجر، لا يحل؛ لأنه أشرك في اسم الله (عز شأنه) اسم غيره [حيث عطف](١)
وإِن قال: محمد بالرفع، يحل لأنه لم يعطفه، بل استأنف فلم يوجد الإِشراك، إلا أنه يكره
لوجود الوصل من حيث الصورة، فيتصور بصورة الحرام فيكره.
وإِنْ قال: ومحمداً بالنصب، اختلف المشايخ فيه.
قال بعضُهم: يحل؛ لأنه ما عطف، بل استأنف إلا أنه أخطأ في الإِعراب.
وقال بعضُهم: لا يحل؛ لأَن انتصابه بنزع الحرف الخافض؛ كأنه قال: ومحمدٌ، فيتحقق
الإشراك، فلا يحل، هذا إذا ذكر الواو، فإن لم يذكر بأن قال: بسم الله محمد رسول الله، فإنه
يحل كيفما كان؛ لعدم الشركة.
ومنها: أن يقصد بذكر اسم الله (تعالى) تعظيمُه على الخلوص، ولا يشوبه معنى الدعاء
حتى لو قال: اللَّهُمَّ اغفر لي، لم يكن ذلك تسمية؛ لأنه دعاء، والدعاء لا يقصد به التعظيم
المحض، فلا يكون تسمية؛ كما لا يكون تكبيراً، وفي قوله: ((اللَّهُمَّ)) اختلف المشايخ كما في
التكبير .
أما وقت التسمية: فوقُتُها في الذكاة الاختيارية وقت الذبح، لا يجوز تقديمها عليه إلا
بزمان قليل لا يمكن التحرز عنه، لقوله (تبارك وتعالى): ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] والذبحُ مضمر فيه معناه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله (تعالى) عليه من
الذبائح، ولا يتحقق ذكر اسم الله (تعالى) على الذبيحة إلا وقت(٢) الذبح؛ وكذا قيل في تأويل
الآيتين الأخريين أن الذبح مضمر فيهما، أي: فكلُوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه، وما لكم ألا
تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله تعالى عليه، فكان وقت التسمية الاختيارية وقت الذبح.
(١) سقط من ط.
(٢) في أ: عند.

٢٤٦
كتاب الذبائح والصيود
وأما [في] (١) الذكاة الاضطرارية، فوقتُها وقت الرمي والإرسال، لا وقت الإصابة؛ لقول
النبيِّ ◌َّهَ لعدي بن حاتم (رضي الله عنه) حين سأله عن صيد المعراض والكلب: ((إِذَا رَمَيْتَ
بِالْمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَإِنْ أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ الَلَّهِ عَلَيْهِ
◌َكُلْ)).
وقوله: ((عليه)) أي: على المعراض والكلب، ولا تقع التسمية على السَّهْم والكلب إِلاَّ
عند الرمي والإِرسال، فكان وقت التسمية فيها وقت الرمي والإِرسال، والمعنى هكذا يقتضي
وهو أن التسمية شرط، والشرائط يعتبر وجودها حال وجود الركن؛ لأن عند وجودها يصير
الركن علة كما في سائر الأركان مع شرائطها هو المذهب الصحيح على ما عرف في أصول
الفقه، والركن في الذكاة الاختيارية هو الذبح، وفي الاضطرارية هو الجرح، وذلك مضاف إلى
الرامي والمرسل، وإِنما السهم والكلب آلةُ الجرح، والفعلُ يضاف إلى مستعمل الآلة [لا إلى
الآلة] (٢) لذلك اعتبر وجود التسمية وقت الذبح والجرح وهو وقت الرمي والإرسال، ولا يعتبر
وقت الإصابة في الذكاة الاضطرارية؛ لأن الإصابة ليست من صنع العبد، لا مباشرةً ولا تسبباً،
بل [هو](٣) محض صنع الله (عزَّ وجلَّ) يعني به مصنوعه هو مذهب أهل السنة والجماعة؛
وهي المسألة المعروفة بالمتولدات، وهذا لأن فعل العبد لا بد وأن يكون مقدور العبد،
ومقدور العبد ما يقوم بمحل قدرته وهو نفسه، وذلك هو الرمي السابق والإِرسال السابق،
فتعتبر التسمية عندهما على أن الإصابة قَدْ تكون وقد لا تكون، فلا يمكن إيقاع التسمية عليها.
وعلى هذا يخرج ما روى بشر عن أبي يوسف (رحمهما الله تعالى) أنه قال لو أن رجلاً
اضجع شاة ليذبحها وسمى، ثم بدا له فأرسلها؛ وأضجع أخرى فذبحها بتلك التسمية، لم
يجزه ذلك، ولا تؤكل لعدم التسمية على الذبيحة عند الذبح، ولو رمى صيداً فسمى فأخطأ،
وأصاب آخر فقتله، فلا بأس بأكله؛ وكذلك إذا أرسل كلباً على صيد فأخطأ، فأخذ غير الذي
أرسله عليه، فقتله [حل](٤)؛ لوجود التسمية على السهم والكلب عند الرمي والإِرسال.
وذكر في الأصل: أرأيتَ الذابحَ يذبح الشاتين والثلاثة فيسمي على الأولى ويدع
٢٨٣/١ ١ التسمية / على غير ذلك عمداً؟ قال: يأكل الشاة التي سمى عليها ولا يأكل ما سوى ذلك لما
بینا.
ولو اضجع شاة ليذبحها وسمى عليها، ثم ألقى السكين وأخذ سكيناً آخر، فذبح به،
يؤكل؛ لأن التسمية في الذكاة الاختيارية تقع على المذبوح لا على الآلة، والمذبوح واحد، فلا
(١) سقط من ط .
(٢) سقط من ط .
(٣) سقط من ط.
(٤) سقط من ط.

٢٤٧
كتاب الذبائح والصيود
يعتبر اختلاف الآلة؛ بخلاف ما إذا سمى على سهم ثم رمى بغيره أنه لا يؤكل، لأن التسمية في
الذكاة الاضطرارية تقع على السهم لا على المرمي إليه.
وقد اختلف السهم فالتسمية على أحدهما لا تكون تسمية على الآخر، ولو أضجع شاة
ليذبحها وسمى عليها، فكلمه إِنسان فأجابه، أو استسقى ماء فشرب، أو أخذ السكين(١)، فإِن
كان قليلاً ولم يكثر ذلك منه ثم ذبح على تلك التسمية تؤكل، وإن تحدث وأطال الحديث أو
أخذ في عمل آخر، أو حد شفرته، أو كانت الشاة قائمةً فصرعها ثم ذبح - لا تؤكل، لأَن زمان
ما بين التسمية والذبح إِذا كان يسيراً لا يعتد به؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه، فليحق بالعدم
ويجعل كأنه سمى مع الذبح، وإذا كان طويلاً يَقَعُ فاصلاً بين التسمية والذبح، فيصير كأنه سمى
في يوم وذبح في يوم آخر، فلم توجد التسمية عند الذبح متصلة به؛ ولو سمى ثم انقلبت الشاة
وقامت من مضجعها، ثم أعادها إلى مضجعها، فقد انقطعت التسمية.
وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيداً ولم يسم متعمداً، ثم سمى بعد ذلك أو أرسل كلباً
وترك التسمية متعمداً، فلما مضى الكلب في تبع الصيد سمى - أنه لا يؤكل؛ لأن التسمية لم
توجد وقت الرمي والإِرسال، وكذا لو مضى الكلب إلى الصيد فزجره وسمى، وانزجر بزجره،
أنه لا يؤكل أيضاً، وفرق بين هذا وبين ما إذا تبع الكلب الصيد بنفسه من غير أن يُرْسِلَهُ أحدٌ ثم
زجره مسلم، أنه إن انزجر بزجره، فأخذ الصيد فقتله، يؤكل، وإِن لم ينزجر لا يؤكل.
ووجه الفرق نذكره بعد هذا، إن شاء الله تعالى، ولو رَمَى، أو أرسل وهو مسلم ثم
ارتد، أو كان حلالاً فأحرم قبل الإصابة، وأخذ الصيد، يحل، ولو كان مرتداً ثم أسلم وسمى
لا يحل، لأن المعتبر وقت الرمي والإِرسال كما بينا فتراعي الأهلية عند ذلك.
وعلى هذا الأصل يَنْبَنِي شرط تعيين المحل بالتسمية في الذكاة الاختيارية، وهو بيان
القسم الثاني من الشرائط التي تخص أحد النوعين دون الآخر، وهي أنواع يرجع بعضها إلى
المذكي، وبعضها يرجع إلى محل الذكاة، وبعضها يرجع إلى آلة الذكاة.
أما الذي يرجع إلى المذكي فهو أن يكون حلالاً، وهذا في الذكاة الاضطرارية دون
الاختيارية، حتى أن المحرم، إذا قتل صيد البر وسمى لا يؤكل، لأنه ممنوع من قتل الصيد
لحق الإِحرام؛ لقوله (تبارك وتعالى): ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
[المائدة: ٩٥] أي: وأنتم محرمون، وقوله (جلَّ شأنه) ﴿أُحِلَّت لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّ مَا يُتْلَّى
عَلَيْكُمْ غَيْرُ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ معناه - والله سبحانه وتعالى أعلم - أحلتَ لكم بهيمة
الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير، إِلى آخره ﴿غَيْرُ مُحِلِّي الصَّيْدَ
(١) في ط: السكن.

٢٤٨
كتاب الذبائح والصيود
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] لأنه استثنى (سبحانه وتعالى) الصيد بقوله (تبارك وتعالى): ﴿غَيْرَ
مُحِلِي الصَّيْد﴾ [المائدة: ٩٥] وإنما يستثنى الشيء (١) من الجملة المذكورة، فجعل مذكوراً بطريق
الإِضمار، والاستثناء من الإِباحة تحريمٌ، فكان اصطياد المحرم محرماً، فكان صيده ميتة كصيد
المجوسي، سواء اصطاد بنفسه أو اصطيد له بأمره؛ لأَن ما صيد له بأمره فهو صيدُه معنى،
وتحلُّ ذبيحة المستأنس؛ لأن التحريم خص بالصيد فبقي غيره على عموم الإِباحة، ويحل له
صيد البحر؛ لقوله (تبارك وتعالى): ﴿أَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وقد مر ذلك.
وأما الذي يرجع إلى محل الذكاة فمنها تعيين المحل بالتسمية في الذكاة الاختيارية، ولا
يشترط ذلك في الذكاة الاضطرارية، وهي الرمي والإِرسال إلى الصيد؛ لأن الشرط في الذكاة
الاختيارية ذكر اسم الله (تبارك وتعالى) على الذبيح؛ لما تلونا من الآيات، ولا يتحقق ذلك إلا
بتعيين الذبيح بالتسمية؛ ولأن ذكر الله (تبارك وتعالى) لما كان واجباً فلا بد وأن يكون مقدوراً،
والتعيين في الصيد ليس بمقدور؛ لأن الصائد قد يرمي ويرسل على قطيع من الصيد، وقد يرمي
ويرسل على حسن الصيد، فلا يكون التعيين واجباً والمستأنس مقدور فيكون واجباً؛ وعلى هذا
يخرج ما إذا ذبح شاة وسمى، ثم ذبح شاة أخرى يَظُنُّ أن التسمية الأُولى تجزي عنهما - لم
تؤكل، ولا بد من أن يجدد لكلِّ ذبيحة تسميةً على حدة، ولو رمى سهماً فقتل به من الصيد
اثنین، لا بأس بذلك.
وكذلك لو أرسل كلباً أو بازيًّا وسمى فقتل من الصيد اثنين، فلا بأس بذلك؛ لأن التسمية
تجب عند الفعل وهو الذبح، فإذا تجدد الفعل تجدد التسمية، فأما الرمي والإِرسال فهو فعل
(٢)
واحد، وإن كان يتعدى إلى مفعولين فتجزي في تسمية واحدة، ووزان الصيد من المستأنس"
٢٨٣/١ ب ما لو أضجع شاتين وأمر السكين عليهما معاً أنه تجزىء/ في ذلك تسمية واحدة كما في
الصيد .
فإن قيل: هَلاَّ جعل ظنه أن التسمية على الشاة الأولى تجزىء عن الثانية عذراً كنسيان
التسمية!
فالجواب: أن هذا ليس من باب النسيان، بل من [باب](٣) الجهل بحكم الشرع،
والجهلُ بحكم الشرع ليس بعذرٍ، والنسيان عذرٌ.
ألا ترى أن من ظن أن الأكل لا يفطر الصائم فأكل، بطل صومه، ولو أكل ناسياً لا
(١) في أ: الصيد.
(٢) في أ: المستأمن.
(٣) سقط من ط.

٢٤٩
كتاب الذبائح والصيود
يبطل، فإن نظر إلى جماعة من الصيد فرمى بسهم وسمى وتعمدها ولم يتعمد واحداً بعينه،
فأصاب منها صيداً فقتله، لا بأس بأكله؛ وكذلك الكلب والبازي.
وَلَو أَنَّ رَجُلاً نظر إلى غنمه، فقال: بسم الله، ثم أخذ واحدة فأضجعها وذبحها، وترك
التسمية عامداً وظن أن تلك التسمية تجزيه، لا تؤكل؛ لأنه لم يسم عند الذبح، والشرط هو
التسمية على الذبيحة، وذلك بالتسمية عند الذبح نفسه لا عند النظر، وتعيين الذبيحة مقدورٌ،
فيمكن أن يجعل شرطاً، وتعيينُ الصيد بالرمي والإِرسال متعذرٌ لما بينا، فلم يمكن أن يجعل
شرطاً .
ولو رمى صيداً بعينه أو أَرْسَلَ الكلب أو البازي على صيد بعينه فأخطأ. فأصاب غيره،
يؤكل؛ وكذا لو رمى ظبياً فأصاب طيراً، أو أرسل على ظبي فأخذ طيراً؛ لأن التعيين في الصيد
ليس بشرط.
ومنها: قيام أصل الحياة في المستأنس (١) وقت الذبح، قلّت أو كثرت، في قول أبي
حنيفة (رحمه الله): وعند أبي يوسف ومحمد (رحمهما الله) لا يكتفي بقيام أصلِ الحياة، بل
تعتبر حياة مقدرة(٢) كالشاة المريضة والوقيذة والنطيحة وجريحة السبع، إذا لم يبق فيها إِلاَّ حياة
قليلة، عرف ذلك بالصياح أو بتحريك الذنب أو طرف العين أو التنفس.
وأما خروج الدم فلا يدلُّ على الحياة إِلاَّ إِذَا كَانَ يخرج كما يخرج من الحي المطلق،
فإِذا ذَبَحَها وفيها قليل حياة على الوجه الذي ذكرنا، تؤكل عند أبي حنيفة (رضي الله عنه)،
وعن أبي يوسف روايتان: في ظاهرِ الرواية عنه أنه إِن كان يعلم أنها لا تعيش مع ذلك فذبحها،
لا تؤكل، وإِن كان يعلم أنها تعيش مع ذلك فذبحها تؤكل، وفي روايةٍ قال: إِن كان لها من
الحياة مقدار ما تعيش به أكثر من نصف يوم فذبحها، تؤكل، وإلا فلا.
وقال محمد (رحمه الله): إِن كان لم يبق من حياتها إِلا قدر حياة المذبوح بعد الذبح أو
أقل فذبحها، لا تؤكل، وإِن كان أكثر من ذلك تؤكل، وذكر الطحاوي قول محمد مفسراً،
فقال: إِن على قول محمد إِن لم يبق معها إِلَّ الاضطراب للموت فذبحها [هكذا](٣)، فإِنها لا
تحل، وَإِن كانت تعيش مدة كاليوم أو كنصفه، حلت.
وجه قولهما أنه إذا لَمْ يَكُنْ لها حياة مستقرة على الوجه الذي ذكرنا، كانت ميتة معنى،
فلا تلحقها الذكاة كالميتة حقيقة .
(١) في ط: المستأمن.
(٢) في ط: مقدورة.
(٣) سقط من ط .

٢٥٠
كتاب الذبائح والصيود
ولأبي حنيفة (رضي الله عنه) قوله (تعالى): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلى قوله
(تعالى): ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ المُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّ مَا ذَكْيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]
استثنى (سبحانه وتعالى) المذكى من الجملة المحرمة، والاستثناء من التحريم إباحة، وهذه
مذكاة لوجود فري الأوداج مع قيام الحياة، فدخلت تحت النص.
وأما الصید إذا جرحه السهم أو الكلب فأدرکه صاحبه حيًّا، فإِن ذكاه یؤکل بلا خلافٍ
بين أصحابنا، كيف ما كان، سواء كانت فيه حياة مستقرة أو لم تكن، وخرج الجرح من أن
يكون ذكاة في حقه، وصار ذكاته الذبح في الحياة المستقرة ذكاة مطلقة، فيدخل تحت النص،
وإِن لم يكن فيه حياة مستقرة فعلى أصل أبي حنيفة (رحمه الله) ذكاته الذبح، وقد وجد لوجود
أصل الحياة، فصار مذكى(١).
وعلى أصلهما لا حاجة إلى الذبح؛ لأنه صار مذكى بالجرح، فالذبح بعد ذلك لا يضر
إِن كان لا ينفع، وإِن لم يذكه وهو قادرٌ على ذبحه فتركه حتى مات؛ فإِن كانت فيه حياة
مستقرة لا يؤكل؛ لأن ذكاته تحولت من الجرح إِلى الذبح، فإِذا لم يذبح كان ميتة، وإن كانت
حياته غير مستقرة يُؤكل عند أبي حنيفة (رضي الله عنه)؛ وإن قلت من غير ذكاة بخلاف
المستأنس عنده.
والفرق له أن الرمي والإرسال إذا اتصل به الجرح كان ذكاة في الصيد، فلا تعتبر هذه
الحياة بعد وجود الذكاة، ولم تتقوم ذكاة في المستأمن، فلا بد من اعتبار هذا القدر من الحياة
لتحقق الذكاة.
وأما عندهما فكذلك لكن على اختلافِ تفسيرهما للحياة المستقرة [وغير المستقرة](٢)
على ما ذكرنا في المستأنس (٣)؛ هكذا ذكر عامة المشايخ (رحمهم الله)، وذكر الجصاص
(رحمه الله) وقال: يجب أن يكون قول أبي حنيفة (رحمه الله) في الصيد مثل قوله في
المستأنس؛ على أن قوله يجب الذبح في جميع الأحوال لا يحل بدونه، سواء كانت الحياة
مستقرة أو غير مستقرة، وقد ذكرنا وجه الفرق له على قول عامة المشايخ (رحمهم الله).
وإِن مات قبل أن يقدر على ذبحه لضيق الوقت، أو لعدم آلة الذكاة، ذكر القدوري (عليه
٢٨٤/١ أ الرحمة) / أنه لا يؤكل عندنا، وعند محمد بن شجاع البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي
(رحمهما الله) يُؤكل استحساناً، أشار إِلى أَن القول بالحرمة قياس، ومن مشايخنا (رحمهم الله)
مَنْ جَعَلَ جواب الاستحسان مذهبنا أيضاً، وتركوا القياس.
(١) في أ: مدركاً.
(٢) سقط من ا.

٢٥١
كتاب الذبائح والصيود
وجه القياس: أنه لما ثبتت يده عليه فقد خرج من أن يكون صيد الزوال معنى الصيد،
وهو التوحش والامتناع، فيزول الحكم المختص بالصيد وهو اعتبار الجرح ذكاة، وصار كالشاةِ
إذا مرضت وماتت في وقت لا يتسع لذبحها؛ أنها لا تؤكل؛ كذا هذا.
وجه الاستحسان أن الذبح هو الأصل في الذكاة، وإِنما يقام الجرح مقامه خلفاً عنه، وقد
وجد شرط بخلافه، وهو العجز عن الأصل، فيقام الخلف مقامه كما في سائر الاخلاف مع
أصولها .
وقال أصحابنا (رحمهم الله): لو جرحه السهم أو الكلب، فأدركه لكن لم يأخذه حتى
مات، فإن كان في وقت لو أخذه يمكنه ذبحه، فلم يأخذه حتى مات، لم يؤكل؛ لأن الذَّبْحَ
صَارَ مقدوراً عليه فخرج الجرح من أن يكون ذكاة، وإِن كان لا يمكنه ذبحه أكل؛ لأنه إذا لم
يأخذه ولا يتمكن من ذبحه لو أخذه بقي ذكاته الجرح السابق، ودنت هذه المسألة على أن
جواب الاستحسان في المسألة المتقدمة مذهبُ أصحابنا جميعاً؛ لأنه لا فرق بين المسألتين
سوى أن هناك أخذ وههنا لم يأخذ، وما يصنع بالأخذ إِذا لم يقدر على ذكاته.
وجواب القياس عن هذا: أن حقيقة القدرة والتمكن لا عبرة بها؛ لأن الناس مختلفون في
ذلك، فإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يتمكن من الذبح في زمان قليل لهدايته في ذلك، ومنهم مَنْ لاَ يَتَمَكَّن إِلا
في زمان طويل لقله هدايته فيه، فلا يمكن بناء الحكم على حقيقة القدرة والتمكن، فيقام
السبب الظاهر، وهو ثبوت اليد مقامها كما في السفر مع المشقة؛ وغير ذلك.
وذكر ابن سماعة في نوادره (رحمه الله) عَنْ أبي يوسف: لو أَنَّ رجلاً قطع شاة نصفين،
ثم إِن رجلاً فرى أوداجها والرأس يتحرك، أو شق بطنها فأخرج ما في جوفها، وفرى رجلٌ
آخر الأوداج، فإن هذا لا يؤكل؛ لأن الأول قاتل.
وذكر القدوري (رحمه الله) أن هذا على وجهين إِن كانت الضربة مما يلي العجز لم تؤكل
الشاة، وإن كانت مما يلي الرأس أكلت؛ لأن العروق المشروطة في الذبح متصلة من القلب
إلى الدماغ، فإن كانت الضربة مما يلي الرأس فقد قطعها فحلت، وإِذ كانت مما يلي العجز
فلم يقطعها فلم تحل.
وأما خروج الدم بعد الذبح فيما لا يحل إلا بالذبح، فهل هو من شرائط الحل فلا رواية
فيه، واختلف المشايخ على ما ذكرنا فيما تقدم؛ وكذا التحرك بعد الذبح هل هو شرط ثبوت
الحل، فلا رواية فيه أيضاً عن أصحابنا.
وذكر في بعض الفتاوى أَنَّه لاَ بُدَّ مِنْ أَحَدِ شيئين، إِما التحرك وإِما خروج الدم، فإِن لَمْ
يُوجد لا يحل؛ كأنه جَعَلَ وجود أحدهما بعد الذبح علامة الحياة وقت الذبح، فإذا لَمْ يُوجد لم

٢٥٢
كتاب الذبائح والصيود
تعلم حياته، وقت الذبح، فلا يحل، وقال بعضُهم: إِن علم حياته وقت الذبح بغير التحرك
يحل، وإِن لم يتحرك بعد الذبح ولا خرج منه الدم، والله أعلم.
ومنها: ما يخص الذكاة الاضطرارية، وهو أن لا يكون صيد الحرم، فإن كان لا يؤكل
ويكون ميتة، سواء كان المذكي محرماً أو حلالاً، لأن التعرض لصيد الحرم بالقتل والدلالة
والإشارة محرم حقًّا لله (تعالى)، قال الله (تعالى) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقال النبي (عليه الصلاة والسلام) في صفة الحرم: ((وَلاَ يَنْفُرُ صَيْدُهُ))(١). والفعل في
المحرم شرعاً لا يكون ذكاة، وسواء كان مولده الحرم أو دخل من الحل إِليه؛ لأنه يضاف إلى
الحرم في الحالين، فيكون صيد الحرم.
وأما الذي يرجع إلى آلة الذكاة، فمنها: أَنْ يَكُونَ مَا يُصطاد به من الجوارح من
الحيوانات من ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير معلماً، لقوله (تعالى): ﴿وَمَا
عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] معطوفاً على قوله (سبحانه وتعالى): ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلِّ لَهُمْ
قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطََّتُ﴾ [المائدة: ٤] أي: أحل لكم الطيبات، وأحل لكم ما علمتم من الجوارح،
أي: الاصطياد بما علمتم من الجوارح؛ كأنهم سألوا النبي (عليه الصلاة والسلام) عما يحل
لهم الاصطياد به من الجوارح أيضاً مع ما ذكر في بعض القصة أن النبيَّ (عليه الصلاة والسلام)
لما أمر بقتل الكلام أتاه ناسٌ، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أَمَرْتَ بقتلها؟ فنزل قولُه
(تعالى): ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ [المائدة: ٤] الآية ففي الآية الكريمة اعتبار الشرطين، وهما الجرح
والتعليم؛ حيث قال (عزَّ شأنه) ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] لأن الجوارح هي التي
تجرح مأخوذ من الجرح.
وقيل الجوارح الكواسب، قال الله (عزَّ شأنه): ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]
أي: كسبتم، والحمل على الأول أولى؛ لأنه حمل على المعنيين؛ لأنها بالجراحة تكسب،
وقوله (تعالى): ﴿مُكَلْبِينَ﴾ قُرىء بالخفض والنصب(٢)، وقيل بالخفض صاحب الكلب، يقال:
(١) تقدم تخريجه في كتاب الحج.
(٢) ومكلبين حال من فاعل ((علمتم)) ومعنى ((مكلُبين)) مؤدبين ومُضْرين ومُعَوِّدين.
قال أبو حيان: ((وفائدة هذه الحال - وإن كانت مؤكدة لقوله: ((عَلَّمتم))، فكان يَسْتغني عنها - أن يكون
المعلم ماهراً بالتعليم حاذقاً فيه موصوفاً به)). انتهى، وفي جعله هذه الحال مؤكدة نظر، بل هي مؤسسة.
واشتقت هذه الحال من لفظ ((الكَلْب)) هذا الحيوان المعروف وإن كانت الجوارحُ يندرج فيها غيرهُ حتى
سباعُ الطيور تغليباً له، لأن الصيد أكثر ما يكون به عند العرب. أو اشتقت من ((الكلب)) وهو الضراوة،
يقال: هو كلب بكذا أي: حريص، وبه كلب أي: حرص، وكأنه أيضاً مشتق من الكلب هذا الحيوان =

٢٥٣
كتاب الذبائح والصيود
كلاب ومكلب، وبالنصب: الكلب المعلم، وقيل المكلبين بالخفض: الكلاب التي تكالب(١)
الصيد /، أي: تأخذه(٢) عن شدة، فالكلب هو الأخذ عن شدة، ومنه الكلوب للآلة التي ٢٨٤/١ ب
يؤخذ بها الحدید .
وقوله (جلَّت عظمته): ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ أي: تعلمونهن ليمسكن الصيد لكم، ولا يأكلن
منه، وهذا حد التعليم في الكلب عندنا على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فدلت الآية الكريمة
على أن كون الكلب معلماً شرطٌ لإباحة أكل صيده، فلا يباح أكل صيد غير المعلم.
وإذا ثبت هذا الشرط في الكلب بالنص، ثبت في كل ما هو في معناه من كل ذي ناب
من السباع؛ كالفهد وغيره مما يحتمل التعلم بدلالة النص؛ لأن فعل الكلب إنما يضاف إلى
المرسل بالتعليم؛ إذ المعلم هو الذي يعمل لصاحبه، فيأخذ لصاحبه ويمسك على صاحبه،
فكان فعله مضافاً إلى صاحبه، فأما غير المعلم فإِنَّما يعمل لنفسه لا لصاحبه، فكان فعله مضافاً
إِليه لا إلى المرسل؛ لذلك شرط كونه مُعَلَّماً، ثم لا بد من معرفة حد التعليم في الجوارح من
ذي الناب کالكلب ونحوه، وذي المخلب کالبازي ونحوه.
أما تعليم الكلب: فهو أنه إذا أرسل اتبع الصيد، وإذا أخذه أمسكه على صاحبه، ولا
يأكل منه شيئاً، وهذا قول عامة العلماء(٣).
لحرصه، أو اشتقت من الكلب، والكلب يطلق على السبع أيضاً، ومنه الحديث: ((اللهم سَلِّط عليه كَلْباً
=
من کلابك)) فأكله الأسد.
قال أبو حيان: وهذا الاشتقاقُ لا يصح لأن كون الأسد كلباً هو وصف فيه، والتكليبُ من صفة المعلّم،
والجوارح هي سباعٌ بنفسها وكلاب بنفسِها لا بجعل المُعَلِّم)) ولا طائل تحت هذا الرد. وقرىء ((مُكْلِبِين))
بتخفيف اللام، وفعل وأفعل قد يشتركان في معنى واحد، إلا أن ((كَلَّب)) بالتشديد معناه عَلَّمها وضراها،
و((أكلب)) معناه صار ذا كلاب، على أن الزجاج قال: رجل مُكَلِّب ـ يعني بالتشديد - ومُكْلِب يعني من
أكلب، وكُلأَّب يعني بتضعيف اللام أي: ((صاحب كلاب)). وجاءت جملةُ الجوابِ هنا فعليةٌ وجملةُ
السؤال اسمية وهي: ماذا أَحِل؟ فهي جوابٌ لها من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ؛ إذ لم يتطابقا في
الجنس. ينظر: الدر المصون (٤٨٩/٢).
(١) في ط: يكالبن.
(٢) في ط: يأخذنه.
(٣) لا خلاف في اعتبار أن يكون الجارح معلماً وذهب الشافعية إلى أنه يعتبر في تعليم الجارح من السباع،
أربعة أمور:
أحدها: أن ينزجر بزجر صاحبه.
والثاني: أن يهيج إذا أغري.
والثالث: أن يمسك الصيد فيحبسه على صاحب ولا يخليه.
والرابع: ألا يأكل منه.

٢٥٤
كتاب الذبائح والصيود
وقال مالكٌ (رحمه الله): تعليمه أن يتبع الصيد إذا أرسل ويجيب إذ دعي، وهو أحد قول
الشافعي (رحمه الله)، حتى لو أخذ صيداً فأكل منه لا يؤكل عندنا، وعنده يؤكل(١).
وفي المذهب قول أنه لا يضر الأكل، وليس بشيء.
=
أما جوارح الطير، فيشترط فيها هذه الشروط، إلا انزجارها بزجر صاحبها على الصحيح لإطباق أهل
الصيد على استحالة ذلك منه، وسيأتي خلاف الفقهاء في ((اشتراط عدم الأكل فيهما)). إن شاء الله وهذه
الأمور المشترطة في التعلم يشترط تكررها، ليغلب على الظن تأدب الجارحة ومصيرها معلمة.
ولم يقدر أصحاب الشافعي ذلك بعدد.
(١) اختلف الفقهاء فيما إذا أكل الكلب ونحوه من الصيد: فذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم ذلك الصيد.
وحكى عن ربيعة، ومالك. القول بحله.
واستدل الإمام مالك - رحمه الله - بما روي عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي وَلّ قال: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ
المُعَلّمَ وَذَكَرْتَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ فُكُل وَإِنْ أَكَلَ)) ذكره الإمام أحمد ورواه أبو داود، واحتج الجمهور بالكتاب
والسنة والمعقول.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكِنَّ عَلَيْكُمْ﴾ .
وقد تبين حين أكله منه أنه أمسك على نفسه لا على صاحبه أو شككنا في ذلك، فلا نعلم أنه أمسك
علينا .
أما السنة: فما روي عن عدي بن حاتم أن النبي ◌َّه قال: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَنْ عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ مِنْهَا فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا
أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِه)) .
وهذا الحديث أولى بالتقديم من حديث أبي ثعلبة؛ لأنه متفق عليه؛ ولأنه متضمن للزيادة، وهو ذكر
الحكم معللاً بتعليل مناسب للتحريم وهو خوف الإمساك على نفسه، متأيدة بأن الأصل في الميتة
التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل، ومتأيدة أيضاً بظاهر القرآن الكريم ﴿فَكُلُوا مِمَّا
أَمْسَكنَ عَلَيْكُمْ﴾. ولو كان مجرد الإمساك كافياً لما احتيج إلى زيادة ﴿عَلَيْكُمْ﴾.
أما المعقول: فلأن العادة في المعلّم ترك الأكل، فاعتبر شرطاً كالانزجار، إذا زجر.
هذا في جوارح السباع.
أما جوارح الطير: إذا أكلت مما صادته، فالأصح عند الأصحاب والراجح من قولي الشافعي: تحريمه.
ولم يوافقنا عليه أحد فيما نعلم. وجمهور الفقهاء على القول بإباحته.
وبهذا قال ابن عباس، وإليه ذهب النخعي، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، وأحمد،
والمزني، وغيرهم.
واستدل الشافعية: بما روي عن عدي بن حاتم عن النبي ◌َّ أنه قال: ((فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ وَالْبَازِي فَلاَ تَأْكُلْ))
واستدلوا أيضاً: بالقياس على سباع البهائم، حيث لا فارق بينهما.
واحتج الجمهور بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - على ذلك روى الخلال بإسناده قال: ((إذا أكل
الكلب فلا تأكل من الصيد وإذا أكل الصقر، فكل، لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن
تضرب الصقر)).
وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب، وخالفهم ابن عباس فيه، ووافقهم في الصقر،
ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلاف لهم. ولأن جوارح الطير تعلم بالأكل، ويتعذر تعليمها بترك =

٢٥٥
كتاب الذبائح والصيود
وجه قوله أن كونه معلَّماً إِنما شرط للاصطياد فيعتبر حالة الاصطياد، وهي حالة الاتباع،
فأما الإمساك على صاحبه وترك الأكل يكون بعد الفراغ عن الاصطياد، فلا يعتبر في الحد.
ولنا [إشارة] (١) الكتاب والسنة والمعقول:
أما الكتابُ: فقولُه (عزَّ وجلّ): ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾
[المائدة: ٤] في الآية الكريم إِشارةٌ إلى أن حد تعليم الكلب، وما هو في معناه ما قلنا وهو
الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه، لأنه شرط التعليم، ثم أباح أكل ما أمسك علينا، فكان
هذا إِشارة إلى أن التعليم هو أن يمسك علينا الصيد ولا يأكل منه.
يقرره أن الله (تعالى) إِنما أباح أكل صيد المعلم من الجوارح الممسك على صاحبه، ولو
لم يكن ترك الأكل من حد التعليم، وكان ما أكل منه حلالاً، لاستوى فيه المعلم وغير المعلم
والممسك على صاحبه وعلى نفسه، لأن كل كلب يطلب الصيد ويمسكه لنفسه حتى يموت إِن
أرسلت عليه وأغريته إِلا المعلم.
وأما السنة فما روي عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنا قومٌ
نتصيد بهذه الكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ فقال (عليه الصلاة والسلام): ((يَحِلُّ لَكُمْ مَا
عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكُنَ عَلَيْكُمْ﴾، مما
علمتموهن: من كلب أو باز وذكرتم اسم الله عليه(٢)، قلت فإِن قتل؛ قال (عليه الصلاة
والسلام): ((إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ(٣) عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ
الأكل، فلم يقرح في تعليمها بخلاف الكلب والفهد. أما الخبر الذي استدل به الشافعية، فلا يصح: يرويه
=
مجالد وهو ضعيف، والروايات الصحيحة تخالفه.
ولا يصح قياسهم الطير على: سباع البهائم، لما بينهما من الفرق، فإن جثة الكلب تحتمل الضرب،
فيمكن أن يضرب، ليدع الأكل وجثة البازي لا تحتمل الضرب، والتكليف بحسب الوسع. ومن هنا يعلم
رجحان مذهب الجمهور. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة.
(١) سقط من ط.
(٢) أخرجه الترمذي (٦٦/٤) كتاب الصيد، باب ما جاء في صيد البزاة حديث (١٤٦٧) وأحمد (٤/ ٢٥٧)
وأبو داود (٢٧١/٣) كتاب الصيد، باب في الصيد، حديث (٢٨٥١) والبيهقي (٢٣٨/٩) كتاب الصيد
والذبائح، باب البزاة المعلمة إذا أكلت. من طريق مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قلت:
يا رسول الله، إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها؟ قال: ((يحل لكم ما علمتم من
الجوارح مكلبين تعلمونهُنَّ مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه. فما علمت
من كلب أو باز ثم أرسلت وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك)). قلت: وإن قتل. قال: ((وإن
قتل، ولم يأكل منه شيئاً فإنما أمسك عليك)).
(٣) في أ: فقد.

٢٥٦
كتاب الذبائح والصيود
عَلَى نَفْسِهِ)). فقلت: يا رسولُ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ خَالط (١) كلابنا كلابٌ أخرى؟ قال (عليه الصلاة
والسلام): ((إِنْ خَالَطَتْ كِلاَبَكَ كِلاَبٌ أُخْرَى فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ (تَعَالَى) عَلَى
كَلْبِكَ وَلَمْ تَذَكُرْهُ عَلَى كَلْبٍ غَيْرِكَ)(٢).
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد فليس بمعلَّم،
وعنه أيضاً أنه قال: إذَا أَكَلَ الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فَكُلْ لأن الكلب يستطيع أن
تضربه، والصقر لا، وعن ابن سيدنا عمر (رضي الله عنهما) أنه قال: إِذا أكل الكلب من الصيد
فلا تأكلْ واضْرِبْهُ.
وأما المعقول فمن وجهين :
أحدهما: أن أخذ الصيد وقتله مضافٌ إِلى المرسل، وَإِنَّما الكلب آلة الأخذ والقتل،
وإِنما يكون مضافاً إليه إذا أمسك لصاحبه لا لنفسه، لأنَّ العامل لنفسه يكون عمله مضافاً إليه لا
إِلى غيره، والإِمساك على صاحبه أَن يترك الأكل منه، وَهُوَ حَدُّ التعليم.
والثاني: أن تعليم الكلب ونحوه هو تبديل طبعه وفطامه عن العادة المألوفة، ولا يتحقق
ذلك إِلاَّ بإمساك الصيد لصاحبه وترك الأكل منه؛ لأن الكلب ونحوه من السباع من طباعهم
أنهم إذا أخذوا الصيد، فإنما يأخذونه لأنفسهم ولا يصبرون على أن لا يتناولوا منه، فإذا أخذ
واحد منهم الصيد ولم يتناول منه، دَلَّ أنه ترك عادته حيث أمسك لصاحبه، ولم يأكل منه، فإذا
أكل منه دل أنه على عادته، سواء اتبع الصيد إذا أغرى واستجاب إذا دعى أو لا؛ لأنه ألوف في
الأصل يجيب إِذا دعى ويتبع إِذا أغرى، فلا يصلح ذلك دليلاً على تعلمه، فثبت أن معنى
التعليم لا يتحقق إِلاَّ بما قلنا، وهو أن يمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه، ثم في ظاهر
الرواية عن أبي حنيفة (رضي الله عنه) لا توقيت في تعليمه أنه إذا أخذ صيداً ولم يأكل منه هل
يصير معلماً أم يحتاج فيه إِلى التكرار؟ وكان يقولُ إِذا كان معلَّماً فَكُلْ؛ كذا ذكر في الأصل،
وهكذا روى بشر بن الوليد (رحمه الله) عن أبي يوسف قال: سألتُ أبا حنيفة (رحمه الله) ما
٢٨٥/١ أ حَدَّ تعليم الكلب؟ قال: أنْ يقولَ أهل العلم / بذلك أنهُ مُعَلَّمٌ.
وذكر الحسن بن زياد في المجرد عن أبي حنيفة (رحمه الله) أنه قال: [لا تأكل أول ما
يصيد ولا الثاني وكل](٣) الثالث وما بعده، وأبو يوسف ومحمد (رحمهما الله) قَدَّرَاهُ بالثلاث،
فقالا إِذا أخذ صيداً فلم يأكل [ثم صاد ثانياً](٤) فلم يأكل، ثم صاد ثالثاً فلم يأكل، فهذا معلّمْ،
(١) في أ: خالطت.
(٢) ينظر الحديث السابق.
(٣) في ط: لا يأكل ما يصيد أولاً ولا الثاني ولو أكل الثالث.
(٤) في أ: وأخذ آخر.

٢٥٧
كتاب الذبائح والصيود
فأبو حنيفة (رضي الله عنه) على الرواية المشهورة عنه إِنما رجع في ذلك إلى أهل الصناعة ولم
يقدر فيه تقديراً، لأن حال الكلب في الإمساك وترك الأكل يختلف فقد يمسك للتعليم وقد
يمسك للشبع، ففوض ذلك إِلى أهل العلم بذلك.
وعلى الرواية الأخرى جعل أصل التكرار دلالة التعلم، لأَن الشبع لا يتفق في كل مرة،
فَدَلَّ تكرار الترك على التعليم، وأبو يوسف ومحمد (رحمهما الله) قَدَّرَا التكرار بثلاث مرات؛
لما أَنَّ الثلاث موضوعة لإبداء الإِعذار، أصله قصة(١) سيدنا موسى (عليه وعلى نبينا أفضل
الصلاة والسلام) مع العبد الصالح حيث قال له في المرة الثالثة: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا
فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف: ٧٦].
وروي عن سيدنا عمر (رضي الله عنه) أنه قال: مَنِ اتَّجَرَ في شيءٍ ثلاث مرات فلم يربح
فلينتقل إلى غيره(٢)، ثم إِذا صار معلَّما في الظاهر على اختلاف الأقاويل وصاد به صاحبه، ثم
أكل بعد ذلك، فما صاد قبل ذلك لا يؤكل شيءٌ منه إِن كان باقياً، في قول أبي حنيفة
(رحمه الله)، وعند أبي يوسف ومحمد (رحمهما الله): يؤكل كله.
وجه قولهما: أن أكل الكلب يحتمل أن يكون لعدم التعلم، ويحتمل أن يكون مع التعلم
لفرط الجوع، ويحتمل أن يكون للنسيان، لأن المعلّم قد ينسى، فلا يحرم ما تقدم من الصيود
بالشك والاحتمال.
ولأَبي حنيفة (رحمه الله) أَن علامة التعلم لما كانت ترك الأكل، فإذا أكل بعد ذلك علم
أنه لم يكن معلماً، وأَنَّ إِمساكه لم يكن لصيرورته معلماً، بل لشبعه في الحال، إذ غير المعلم
قد يمسكه بشبعه للحال إِلى وقت الحاجة، فاستدللنا بأكله بعد ذلك على أن إمساكه في الوقت
الذي قبله كَانَ على غير حقيقة التعليم، أو يحتمل ذلك فلا تحل مع الاحتمال احتياطاً.
ومن المشايخ من حمل جواب أبي حنيفة (رحمه الله) على ما إِذا كان زمان الأَكل قريباً
من زمان التعليم؛ لأنه إذا كان كذلك، فالأكل يدل على عدم التعلم، وأنه إنما ترك الأكل فيما
تقدم للشبع لا للتعليم؛ لأن المدة القصيرة لا تتحمل النسيان في مثلها، فإِذا طالت المدة فيجوز
أنْ يُقال أنه يؤكل ما بقي من الصيود المتقدمة، لأنه يحتمل أن يكون الأكل للنسيان لا لعدم
التعلم؛ لوجود مدة لا يندر النسيان في مثلها إِلاَّ أن ظاهر الرواية عنه مطلق عن هذا التفصيل،
وإطلاق الرواية يقتضي أنه لا يؤكل على كل حالٍ، والوجه ما ذكرنا.
(١) في ط: قضية.
(٢) ذكره الهندي في ((كنز العمال)) (١٢٥/٤) رقم (٩٨٦٥) عن الحسن قال: قال عمر فذكره. وهو منقطع
الحسن لم يدرك عمر. وعزاه الهندي إلى ابن أبي شيبة والدينوري في المجالسة.
بدائع الصنائع ج٦ - م١٧

٢٥٨
كتاب الذبائح والصيود
وأما قولهم أن النسيان لا يندر عند طول المدة، فنقول مَنْ تَعَلَّمَ حرفة بتمامها وكمالها،
فالظاهر أنه لا ينساها بالكلية، وإِن طالت مدة عدم الاستعمال، لكن ربما يدخلها خلل، كصنعة
الكتابة والخياطة والرمي، إِذا تركها صاحبها مدة طويلة، فلما أكل وحرفته ترك الأكل، دَلَّ أنه
لم يكن تعلم الحرمة من الأصل، وأنه إنما لم يأكل قبل ذلك لا للتعلم، بل لشبعه في الحال،
فلا تحل صيوده المتقدمة.
وأما في المستقبل فَلاَ يحل صيده إِلاَّ بتعليم مستأنف بلا خلاف، فأما على قول أبي
حنيفة (رضي الله عنه) فلأنه تبين بالأكل أنه لَمْ يَكُنْ مُعَلَّماً، وَإِن ترك الأكل لم يكن للتعلم، بل
لشبعه للحال.
وأما على قولهما فلأنه يحتمل أن يكون لم يتعلم؛ كما قال أبو حنيفة (رحمه الله)،
ويحتمل أنه نسيَ، وكَيْفَ ما كان لا يحل صيده في المستقبل إلا بتعليم مبتدأ، وتعليمه في
الثاني بما به تعليمه في الأول، وقد ذكرنا الاختلاف فيه.
ولو جرح الكلبُ الصيدَ وولغ في دمه يؤكل، لأَنَّه قد أمسك الصيد على صاحبه [وإنما
ولغ فيما لو أمسك على صاحبه](١) لكان لا يأكله صاحبه، وذلك من غاية تعلمه؛ حيث تناول
الخبيث وأمسك الطيب على صاحبه.
وذكر في الأصل في رجل أرسل كلبه على صيد وهو معلمٌ، فأخذ صيداً فقتله وأكل منه،
ثم اتبع آخر فقتله ولم يأكل منه؟ قال: لا يؤكل واحد منهما، لأنه لما أكل دل على عدم
التعلم، أو على النسيان، فلا يحل صيده بعد ذلك، فإن أخذ الكلب المعلم صيداً فأخذه منه
صاحبه، وأخذ صاحب الكلب من الصيد قطعة فألقاها إِلى الكلب فأكلها الكلبُ، فهو على
تعلمه، لأن ترك الأكل إِنَّما يعتبر حال أخذه الصيد، فأكله بإطعام صاحبه بعد الأخذ لا يقدح
في التعلم، مع ما أن من عادة الصائد بالكلب أنه إذا أخذ الكلب الصيد أن يطعمه من لحمه،
ترغيباً له على الصيد، فلا يكون أكله بإطعامه دليلاً على عدم التعلم.
وكذلك لو كان صاحب الكلب أخذ الصيد من الكلب، ثم وثب الكلب على الصيد فأخذ
٢٨٥/١ ب منه قطعةً فأكلها، وهو في يد صاحبه، فإِنه على/ تعلمه؛ لأن الأكل بعد ثبوت يد الآدمي عليه
بمنزلة الأَكل من غيره، فلا يقدح في التعليم.
وكذلك قالوا لو سرق الكلب من الصيد بعد دفعه إلى صاحبه؛ لأنه إنما يفعل ذلك
للجوع؛ لأن هذا الأكل لم يدخل في التعليم، وإِن أرسل الكلب المعلم على صيد فتبعه،
(١) سقط من ط .

٢٥٩
کتاب الذبائح والصیود
فنهشه فقطع منه قطعةً فأكلها، ثم أخذ الصيد بعد ذلك فقتله، ولم يأكل منه شيئاً، لا يؤكل؛
لأن الأكل منه في حال الاصطياد دليلٌ على عدم التعلم، فإِن نهشه فألقى منه بضعة والصيد
حَيٍّ، ثم اتبع الصيد بعد ذلك فأخذه فقتله ولم يأكل منه شيئاً، يؤكل؛ لأنه لم يوجد منه ما يَدُلَّ
عَلَى عدم التعليم؛ لأنه إنما قطع منه قطعة ليثخنه فيتوصل به إلى أخذه، فكان بمنزلة الجرح،
وَإِن أخذ صاحب الكلب الصيدِ من الكلب بعد ما قطعه (١)، ثم رجع الكلب بعد ذلك فمر بتلك
القطعة فأكلها يؤكل صيده؛ لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لا يضر، فإذا أكل مما
بان منه أولى، وإِن اتبع الصيد فنهشه فأخذ منه بضعةً فأكلها وهو حَيٍّ، فأنفلت الصيد منه، ثم
أخذ الكلب صيداً آخر في فوره فقتله، ولم يأكل منه، ذكر في الأصل، وقال: أكره أكله، لأَنّ
الأكل في حالة الاصطياد يدل على عدم التعليم، فلا يؤكل ما اصطاده بعده، والله تعالى (عزَّ
شأنه) أعلم.
وأما تعليم ذي المخلب كالبازي أو نحو فهو أن يجيب صاحبه إذا دعاه ولا يشترط فيه
الإِمساك على صاحبه حتى لو أخذ الصيد فأكل منه؛ فلا بأس بأكل صيده بخلافِ الكلب
ونحوه.
والفرق من وجوه :
أحدها: أن التعلم بترك العادة والطبع، والبازي من عادته التوحش من الناس والتنفر منهم
بطبعه، فألفه بالناس وإِجابته صاحبه إذا دعاه يكفي دليلاً على تعلمه بخلاف الكلب، فإِنه ألوف
بطبعه يألف بالناس ولا يتوحش منهم، فلا يكفي هذا القدر دليل التعلم في حقه، فلا بد من
زيادة أمر وهو ترك الأكل.
والثاني: أن البازي إِنما يعلم بالأكل، فلا يحتمل أن يخرج بالأكل عن حد التعليم
بخلاف الكلب.
والثالث: أن الكلب يمكن تعليمه بترك الأكل بالضرب؛ لأن جثته تتحمل الضرب،
والبازي لا؛ لأَن جثته لا تتحمل.
وقد روي عن سيدنا علي وابن عباس وسلمان الفارسي (رضي الله عنهم) أنهم قالوا: إِذا
أكل الصقر فَكُلْ، وإِن أكل الكلب فلا تأكل؛ ومنها الإرسال أو الزجر عند عدمه على وجه
ينزجر بالزجر فيما يحتمل ذلك، وهو الكلب وما في معناه، حتى لو ترسل(٢) بنفسه ولم يزجره
صاحبه فيما ينزجر بالزجر، لا يحل صيده الذي قتله؛ لأن الإِرسال في صيد الجوارح أصلٌ
(١) في أ: قتله.
(٢) في أ: لم يرسله.

٢٦٠
كتاب الذبائح والصيود
ليكون القتل والجرح مضافاً إِلى المرسل، إِلاَّ أَنَّ عند عدمه يقام الزجر مقام الانزجار فيما
يحتمل قيام ذلك مقامه، فإذا لم يوجد فلا تثبت الإضافة، فلا يحل.
ولو أرسل مسلم كلبه وسمى، فزجره مجوسيٍّ فانزجر، يؤكل صيده، ولو أرسل مجوسيٍّ
كلبه، فزجره مسلمٌ فانزجر، لا يؤكل صيده، وكذلك لو أرسل مسلم كلبه وترك التسمية عمداً،
فاتبع الصيد ثم زجره فانزجر، لا يؤكل صيده؛ ولو لم يرسله أحدٌ، وانبعث بنفسه فاتبع الصيد
فزجره مسلمٌ وسمى، فانزجر، يؤكل صيدُه؛ وإن لم ينزجر لا يؤكل، وإِنما كان كذلك؛ لأَن
الإِرسال هو الأصل، والزجر كالخلف عنه والخلف يعتبر حال عدم الأصل لا حال وجوده،
ففي المسائل الثلاث وجد الأصل فلا يعتبر الخلف، إلا أن في المسألة الأولى المرسل من أهل
الإِرسال فيؤكل صيده، وفي المسألة الثانية لا فلا يؤكل، وفي المسألة الرابعة لم يوجد الأصل
فيعتبر الخلف، فيؤكل صيده إِن انزجر، وإِن لم ينزجر لا يؤكل؛ لأن الزجر بدون الانزجار لا
يصلح خلفاً عن الإِرسال، فكان ملحقاً بالعدم، فيصير كأنه يرسل بنفسه من غير إِرسال ولا
زجر.
ولو أَرْسَلَهُ مسلم وسمى، وزجره رجل ولم يسم على زجره، فأخذ الصيد وقتله، يؤكل،
لما ذكرنا أن العبرة للإرسال، فيعتبر وجود التسمية عنده.
والأصل الآخر(١) لتخريج هذه المسائل ما ذكره بعض مشايخنا أَنَّ الدلالة لا تعتبر إِذا
وجد الصريح [بخلافه] (٢) وإذا لم يوجد تعتبر ففي المسائل الثلاث وجد من الكلب صريح
الطاعة بالإِرسال؛ حيث عدا بإرساله وانزجاره طاعة للزاجر بطريق الدلالة، فلا يعتبر في مقابلة
الصريح، وفي المسألة الرابعة لم يوجد الصريح فاعتبرت الدلالة.
وعلى هذا يخرج بقية المسائلة؛ ومنها بقاء الإِرسال، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أخذ الكلب أو
٢٨٦/١ أ البازي الصيد في حال فور / الإِرسال، لا في حال انقطاعه، حتى لو أرسل الكلب أو البازي
على صيد وسمى، فأخذ صيداً وقتله، ثم أخذ آخر على فوره ذلك وقتله، ثم وثم، يؤكل ذلك
كله؛ لأن الإِرسال لم ينقطع، فكان الثاني كالأول مع ما بينا أن التعيين ليس بشرط في الصيد؛
لأنه لا يمكن، فكان أخذ الكلب أو البازي الصيدين(٣) في فور الإِرسال كوقوع السهم
بصيدين، فإن أخذ صيداً وجثم عليه طويلاً، ثم مر به آخر فأخذه وقتله، لم يؤكل إِلا بإرسال
مستقبل، أو بزجره وتسميته (٤) على وجه ينزجر فيما يحتمل الزجر لبطلان الفور.
(١) في ط: وأصل آخر.
(٢) سقط من ط .
٫٠٠
(٣) في ط: الصيد.
(٤) في ط . وتسمية.