Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الذبائح والصيود
ولم يجرح ولم يكسر عضواً منه لا يحل في ظاهر الرواية، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف:
أنه یحل.
وجه هذه الرواية: أن الكلب يأخذ الصيد على حسب ما يتفق له، فقد يتفق له الأخذ
بالجرح، وقد يتفق بالخنق والصدم، والحال حال الضرورة فيوسع الأمر فيه، ويجعل الخنق
والصدم كالجرح؛ كما وسع [في الذبح](١).
وجه ظاهر الرواية قوله (تعالى): ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا
عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] [أي: وأحل لكم ما علمتم من الجوارح](٢) وهي من
الجراحة، فيقتضي اعتبار الجرح، ولأن الركن هو إخراج الدم، وذلك بالذبح في حال القدرة،
وفي حال العجز أقيم الجرح مقامه؛ لكونه سبباً في خروج؛ الدم، ولا يوجد ذلك في الخنق.
وقد روي عن رسول الله وَّر في صيد المعراض: ((إِذَا خَرَقَ فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بغْرِضِهِ
فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ))، وروي أنه (عليه الصلاة والسلام) قال: ((مَا أَصَبْتَ بِعِرضِهِ فَلاَ تَأْكُلْ فإنَّهَ(٣)
وَقِيذٌ، وَمَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ))(٤) أراد (عليه الصلاة والسلام) الحل والحرمة على الجرح وعدم
الجرح، وسمى (عليه الصلاة والسلام) غير المجروح وقيذاً، وأنه حرام بقوله (تبارك وتعالى):
﴿وَالمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] ولأنها منخنقة، وأنها محرمة بقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالمُنْخَنِقَةُ﴾
[المائدة: ٣] فإن لم يجرحه ولم يخنقه ولكنه كسر عضواً منه فمات، فقد ذكر الكرخي
(رحمه الله) أنه لم يُخْكَ عَنْ أبي حنيفة (رحمه الله) فيه شيءٌ مصرحْ.
وذكر محمد في الزيادات: وأطلق أنه إِذا لم يجرح لم يؤكل، وهذا الإِطلاق يقتضي أنه
لا يحل بالكسر.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِيْنَ﴾ والجوارح: الكواسب، وتطلق على
=
السباع، والطيور، وعليه جماهير أهل اللغة. قال ابن عباس: يريد الطير الصائدة، والكلاب، والفهود،
وغير ذلك.
أما السنة: فما روي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله وَلجر عن صيد البازي، فقال: ((مَا أُمْسِكَ
عَلَيْكَ فَكُلْ)).
أما القياس: فلأن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من سائر الجوارح، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في
التأثير. وهذا هو القياس في معنى الأصل كقياس السيف على المدية، والأمة على العبد. ينظر: الصيد
والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة.
(١) في أ: فجعل الجرح كالذبح.
(٢) سقط في ط.
(٣) في ط: فهو.
(٤) ينظر تخريج الحديث السابق.

٢٢٢
كتاب الذبائح والصيود
وقال أبو يوسف: إذا جرح بناب أو مخلب أو كسر عضواً فقتله، فلا بأس بأكله، فقد
جعل الكسر [كالجرح، وجه قوله أن الكسر](١) جراحة باطنة، فيلحق بالجراحة الظاهرة في
حكم بني على الضرورة والعذر.
وجه رواية محمد (رحمه الله): وهي الصحيحة أن الأصل هو الذبح وإنما أقيم الجرح
مقامه في كونه سبباً لخروج الدم، وذلك لا يوجد في الكسر، فلا يقام مقامه، ولهذا لم يقم
الخنق مقامه، وقد قالوا إذا أصاب السهم ظلف الصيد، فإِن وصل(٢) إلى اللحم فأدماه خَلَّ،
وإلاَّ فلا، وهذا تفريع على رواية اعتبار الجرح، ولو ذبح شاة ولم يسل منها دم، قيل: وهذا
قد يكون في شاة اعتلفت العناب.
اختلف المشايخ فيه: قال أبو القاسم الصفار (رحمه الله): لا تؤكل؛ لقوله (عليه الصلاة
والسلام): ((مَا فَرَىُ الأَوْدَاجَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ)) يؤكل بشرط إِنهار الدم ولم يوجد، ولأن الذبح
لم يشرط لعينه، بل لإِخراج الدم المحرم وتطييب اللحم، ولم يوجد فلا يحل.
وقال أبو بكر الاسكاف والفقيه أبو جعفر الهندواني (رحمهما الله): يؤكل لوجود الذبح،
وهو فري الأوداج، وأنه سبب لخروج الدم عادةً، لكنه امتنع لعارض بعد وجود السبب، فصار
كالدم الذي احتبس في بعض العروق عن الخروج بعد الذبخ، وذا لا يمنع الحل؛ كذا هذا.
وعلى هذا يخرج ما إذا قطع من إليةِ الشاةِ قطعةً، أو من فَخِذِهَا، أنه لا يحل المبان،
وإِن ذبحت الشاة بعد ذلك؛ لأن حكم الذكاة لم يثبت في الجزء المبان وقت الإبانة لانعدام
ذكاة الشاة؛ لكونها حية وقت الإبانة، وحال فوات الحياة كان الجزء منفصلاً، وحكم الذكاة لا
يظهر في الجزء المنفصل.
وروي أَنَّ أَهْلَ الجاهلية كانوا [يفعلون ذلك، فكانوا](٣) يقطعون قطعة من إِلية الشاةِ ومن
سنام البعير فيأكلونها، فلما بعث النبي المكرم (عليه الصلاة والسلام) نهاهم عن ذلك، فقال
(عليه الصلاة والسلام): ((مَا أُبِينَ مِنَ الحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ))(٤) وروي: ما بان من الحي فهو ميت،
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: دخل.
(٣) سقط في ط.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٨/٥)، والدارمي (٩٣/٢) كتاب الصيد، باب في الصيد يبين منه العضو، وأبو داود (٣/
٢٧٧) صيد قطع منه قطعة، الحديث (٢٨٥٨)، والترمذي (٧٤/٤) كتاب الأطعمة: باب ما قطع من الحي
فهو ميت، الحديث (١٤٨٠)، وابن الجارود (ص - ٢٩٥) كتاب الأطعمة، الحديث (٨٧٦)، والدار قطني
(٤/ ٢٩٢) كتاب الأطعمة، الحديث (٨٣)، الحاكم (٢٣٩/٤) كتاب الذبائح، والبيهقي (٢٤٥/٩) =

٢٢٣
كتاب الذبائح والصيود
وروي: ما بان من حي فهو ميت(١) والجزء المقطوع مبانٌ من حي وبائنٌ منه، فيكون ميتاً،
وكذلك إذا قطع ذلك من صيد لم يؤكل المقطوع، وَإِن مات الصيد بعد ذلك لما قلنا.
وقال الشافعي (رحمه الله): يؤكل إذا مات الصيد بذلك؛ وسنذكر المسألة إن شاء الله
تعالى، وإِن قطع فتغلق العضو بجلده لا يؤكل؛ لأنَّ ذلك القدر من التعلق لا يعتبر، فكان
وجوده والعدم بمنزلة واحدة، وإِن كان متعلقاً باللحم يؤكل الكل، لأن العضو المتعلق باللحم
من جملة الحيوان، وذكاة الحيوان تكون لما اتصل به، ولو ضرب صيداً بسيف فقطعه نصفين
يؤكل النصفان عندنا جميعاً، وهو قول إبراهيم النخعي؛ لأنه وجد قطع الأوداج لكونها متصلة
من القلب بالدماغ، فأشبه الذبح، فيؤكل الكل، وإِن قطع أقل من النصف فمات، فإِن كان مما
يلي العجز لا يؤكل المبان عندنا، وقال الشافعي: يؤكل.
وجه قوله: إِنَّ الجرحَ في الصيد إذا اتصل به الموت فهو ذكاةٌ اضطرارية، وإنها سبب
الحل كالذبح.
ولنا قول النبيِّ ◌ََّ: ((مَا أَبِينَ مِنَ الحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ)) والمقطوع مبانٌ من الحي فيكون ميتاً،
وأما قوله: أن الجرح الذي اتصل به الموت ذكاة في الصيد، فنعم، لكن حال فوات الحياة عن
المحل، وعند الإِبانة المحل كان حياً، فلم يقع الفعل ذكاة له، وعندما صار ذكاة كان الجزء
كتاب الصيد والذبائح: باب ما قطع من الحي فهو ميتة، كلهم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن
=
دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي واقد الليثي قال: قدم رسول الله وَّر المدينة وبها ناس
يعمدون إلى الغنم واسنمة الإبل فيجبونها، فقال رسول الله ◌َّير: ((ما قطع من البهيمة وهي حية فهي
ميتة)). وقال الترمذي: (وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم، والعمل على
هذا عند أهل العلم).
وقال الحاكم: (صحيح على شرط البخاري) ووافقه الذهبي.
وقد اختلف فيه على زيد بن أسلم فرواه سليمان بن بلال عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري أخرجه
الحاكم (٢٣٩/٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
ورواه هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر.
أخرجه ابن ماجه (١٠٧٢/٢) رقم (٣٢١٦) والدار قطني (٢٩٢/٤).
وفي الباب: عن تميم الداري، أخرجه ابن ماجه (١٠٧٣/٢): كتاب الصيد: باب ما قطع من البهيمة
وهي حية، الحديث (٣٢١٧)، ثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا أبو بكر الهذلي، عن
شهر بن حوشب، عن تميم الداري قال: قال رسول الله وَالقر: ((يكون في آخر الزمان قوم يحبون أسنمة
الإبل ويقطعون أذناب الغنم، ألا فما قطع من حي فهو ميت)). قال البوصيري في الزوائد (٦٣/٣) هذا
إسناد ضعيف لضعف أبي بكر الهذلي السُّلمي.
قلت وشهر بن حوشب فيه ضعف.
(١) سقط في ط.

٢٢٤
كتاب الذبائح والصيود
منفصلاً، وحكم الذكاة لا يلحق الجزء المنفصل، وَإِن كان مما يلي الرأس يوكل الكل لوجود
قطع الأوداج، فكان الفعل حال وجوده ذكاة حقيقة، فيحل به الكل، وإِن ضرب رأس صيد
فأبانه نصفين طولاً أو عرضاً يُؤكل كله في قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف
الأول، ثم رجع، وقال: لا يؤكل النصف البائن، ويؤكل ما بقي من الصيد.
والأصلُ فيه ما ذكرنا من الأوداج متصلة بالدماغ، فتصير مقطوعة بقطع الرأس، وكان أبو
يوسف على هذا، ثم ظن أنها لا تكون إلاَّ فيما يلي البدن من الرأس، وإِن كان المبان أكثر من
النصف. فكذلك يؤكل الكل؛ لأنه إذا قطع العروق فلم يكن ذلك ذبحاً، بل كان جرحاً وأنه لا
یبیح المبان لما ذكرنا.
وأما شرائط ركن الذكاة فأنواعٌ: بعضُها يعمُّ نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية،
وبعضها يخص أحدهما دون الآخر.
أما الذي يعمهما، فمنها: أن يكون عاقلاً، فلا تؤكل ذبيحة المجنون والصبي الذي لا
يعقل(١)، والسكران(٢) الذي لا يعقل؛ لما نذكر أن القصد إلى التسمية عند الذبح شرط، ولا
يتحقق القصد الصحيح ممن لا يعقل، فإن كان الصبي يعقل الذبح ويقدُر عليه تؤكل ذبيحته،
وكذا السكران.
ومنها: أن يكون مسلماً أو كتابيًّا، فلا تؤكل ذبيحة أهل الشرك والمجوسي(٣) والوثني
(١) إن كان الصّبي مميزاً حلت ذبيحته على المذهب عند ((الشافعية)) وبه قطع الجمهور. وقد روي عن ((ابن
عباس)) رضي الله عنهما أنه قال: ((من ذبح من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، وذكر اسم الله عليه حل)).
هذا، ونقل ((ابن المنذر)) الإجماع على حل ذكاة المرأة والصبي المميز. أما غير المميز فمثل المجنون
والسكران.
(٢) حكى الشافعية فيهما طريقين:
أحدهما: القطع بالحل.
والثاني: فيه قولان:
أصحهما: الحل.
واختار إمام الحرمين، والغزالي، حرمة تذكيتهما. وبه قال الأئمة الثلاثة، وابن المنذر وداود.
قال الجمهور: إنه لا قصد لكل من المجنون والسكران والصبي غير المميز، فلا تحل تذكيتهم. قياساً
على من كان في يده سكين، وهو نائم فمرت على حلق شاة فذبحتها، فإنها لا تحل.
وقال الشافعية: إن القصد شرط في الجملة، والمجنون ونحوه له نوع قصد فتحل ذبيحته، لذلك.
هذا، ولما كان لا يؤمن أن يخطىء كل من المجنون والسكران المذبح، ويقتل الحيوان، كان الأولى ما
ذهب إليه الجمهور من الفقهاء.
(٣) أكثر أهل العلم على تحريم ذبيحة المجوسي على المسلم. وذهب أبو ثور، وقتادة، وابن حزم، إلى القول
بحلها .
أدلة القائلين بالحل: أولاً: قوله وَّرِ: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)) وجه الدلالة أن المجوس يعاملوا =

٢٢٥
كتاب الذبائح والصيود
وذبيحة المرتد (١)
أما ذبيحة أهل الشرك فلقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] وقوله (عزَّ وجلَّ):
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النَّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] أي: للنصب، وهي الأصنام التي يعبدونها.
معاملة أهل الكتاب فتكون ذبائحهم مثلهم. وذبائح الكتابيين حلال فكذلك المجوسي.
=
ونوقش الحديث: بأن مروي بلفظ ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِجِي نِسَائِهِمْ وَلاَ آكِلِي ذَبَائِجِهمْ)) ومع
هذه الزيادة المفيدة للتحريم لا دلالة للحديث على الحل.
واستدلوا ثانياً: بما روى قتادة عن سعيد بن المسيب سئل عن رجل مريض أمر مجوسياً أن يذبح ويسمي
ففعل ذلك فقال سعيد بن المسيب لا بأس بذلك. وفي رواية أخرى عن سعيد بن المسيب أنه قال إذا كان
المسلم مريضاً وأمر مجوسياً أن يذبح أجزأه وقد أساء.
ونوقش: بأن هذا قول مخالف للإجماع فلا عبرة به. قال إبراهيم الحربي خرق أبو ثور الإجماع. وقال
أحمد ههنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً ما أعجب هذا يُعرِّض بأبي ثور. وقال أحمد ولا أعلم أحداً
قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة.
واستدلوا ثالثاً: بأن المجوس يقرون بالجزية كأهل الكتاب فتكون ذبيحتهم حلالاً مثلهم حيث لا فرق.
ونوقش: بأن الجزية أخذت منهم بالنص حقناً لدمائهم وهي ضرورة. ولا ضرورة في حل ذبائحهم. على
أن النص الوارد بأخذ الجزية منهم وارد بتحريم ذبائحهم.
واحتج الجمهور: أولاً: بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فإن مفهومه تحريم طعام
غيرهم من الكفار لأن المجوسي لا كتاب له فلا تحل أطعمته ولا ذبائحه.
وثانياً: بما رواه الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال: قال رسول الله وَلهو: ((إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ
بِفَارِسٍ مِنَ السَّبَطِ فَإِذَا اشْتَرَيْتُمْ لَحْماً فَإِنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا. وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيْحَةُ مَجُوسِيٍّ فَلاَ
تَأَكُلُّواْ)).
وما روي أن الرسول عليه السلام قال: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِجِي نِسَائِهِمْ وَلاَ آكِلِي ذَبَائِحَهُمْ))
دلت الروايتان على عدم حل ذبيحة المجوس للمسلمين.
واستدلوا ثالثاً: بأن المجوسي ليس بصاحب ملة توحيد فانعدمت منه صفة حل الذبح من الذابح لفقدان
شرط الذبح محرم لذبيحته. ينظر: أثر الاختلاف في الأحكام لشيخنا بدران أبو العنين، وينظر: مغني ابن
قدامة (٤٨/١١)، المحلى لابن حزم (٧/ ٤٥٦)، فتح القدير (٤٥/٨)، تفسير القرطبي (٢٠٦/٢).
(١) لا تباح تذكية المرتد، وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب وبه قال الأئمة.
وقال إسحاق: إن تدين بدين أهل الكتاب حلت ذبيحته ويحكى ذلك عن الأوزاعي.
شبهة المجيزين: قول علي رضي الله عنه: من تولى قوماً فهو منهم.
وقال الجمهور: إنه كافر، لا يقر على دينه، فلم تحل ذبيحته، قياساً على الوثني.
ولأنه لا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم. وأما قول الإمام علي رضي الله عنه: ((من تولى
قوماً فهو منهم)) فلم يرد أنه منهم في جميع الأحكام، بدليل ما ذكرنا. ولأنه ((عليا)) لم يكن يرى حل
ذبائح نصارى بني تغلب ولا نكاح نسائهم مع توليهم للنصارى، ودخولهم في دينهم، ومع إقرارهم على
ما صولحوا عليه، فلا يعتقد ذلك في المرتدين. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة.
بدائع الصنائع ج ٦ - م١٥

٢٢٦
كتاب الذبائح والصيود
وأما ذبيحة المجوس، فلقوله (عليه الصلاة والسلام): ((سنُّوا بِالمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ
الكِتَابِ، غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلاَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ))(١) ولأن ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة من
شرائط الحل عندنا؛ لما نذكر، ولم يوجد [عندهم](٢).
وأما المرتد، فلأنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه، فكان كالوثني الذي لا يقر على
دينه، ولو كان المرتد غلاماً مراهقاً لا تؤكل ذبيحته عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف
تؤكل بناءً على أن ردته صحيحة عندهما، وعنده لا تصح وتؤكل ذبيحة أهل الكتاب، لقوله
(تعالى): ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] والمراد منه ذبائحهم؛ إذ لو لم
يكن المراد ذلك لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى؛ لأن غير الذبائح من أطعمة الكفرة
مأكول، ولأن مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم،
والذبائح مما يتطعم، فيدخل تحت إطلاق اسم الطعام، فيحلُّ لنا أكلها، ويستوي فيه [أهل
(١) أخرجه مالك (٢٧٨/١) كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس حديث (٤٢) والشافعي (٢]
١٣٠) كتاب الجهاد، باب ما جاء في الجزية حديث (٤٣٠) وعبد الرزاق (٦٨/٦ - ٦٩) كتاب أهل
الكتاب، باب أخذ الجزية من المجوس، حديث (١٠٠٢٥) وابن أبي شيبة (٢٤٣/١٢) كتاب الجهاد باب
ما قالوا في المجوس تكون عليهم جزية، حديث (١٢٦٩٦) وأبو عبيد في الأموال ص (٤٠)، حديث
(٧٨) والبيهقي (١٨٩/٩ - ١٩٠) كتاب الجزية، باب المجوس أهل الكتاب والجزية تؤخذ منهم، وأبو
يعلى (١٦٨/٢) رقم (٨٦٢) كلهم من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ذكر
المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد سمعت
رسول الله وَر يقول: (سُنُّوا بهم سُنّة أهل الكتاب)) وفي تنوير الحوالك (٢٠٧/١) قال ابن عبد البر هذا
حديث منقطع فإن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٧٢/٣): وهو منقطع لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن
وقد رواه أبو علي الحنفي عن مالك عن جعفر عن أبيه عن جده قال الخطيب في الرواة عن مالك: تفرد
بقوله - عن جده - أبو علي قلت - أي الحافظ -: وسبقه إلى ذلك الدارقطني في غرائب مالك وهو مع
ذلك منقطع لأن علي بن الحسين لم يلق عمر ولا عبد الرحمن إلا أن يكون الضمير في جده يعود على
محمد فجده محمد سمع منهما لكن في سماع محمد من حسين نظر كبير. اهـ. وللحديث شاهد من
حديث السائب بن يزيد. ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٦/٦) عنه قال: شهدت رسول الله وَليل فيما عهد
إلى العلاء حين وجهه إلى اليمن قال: ولا يحل لأحد جهل الفرض والسنن ويحل له ما سوى ذلك وكتب
للعلاء أن سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم.
لكن لحديث عبد الرحمن طريق آخر ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١٧٢/٣) فقال: ورواه ابن أبي عاصم
في كتاب النكاح بسند حسن قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج ثنا أبو رجاء جار لحماد بن سلمة ثنا الأعمش
عن زيد بن وهب قال: كنت عند عمر بن الخطاب فذكر من عنده المجوس فوثب عبد الرحمن بن عوف
فقال: أشهد بالله على رسول الله مَل لسمعته.
(٢) سقط في ط.

٢٢٧
كتاب الذبائح والصيود
الحرب منهم] (١) وغيرهم؛ لعموم الآية الكريمة.
وكذا يستوي فيه نصارى بني تغلب(٢) وغيرهم؛ لأنهم على دين النصارى إلا أنهم
نصارى العرب؛ فيتناولهم عموم الآية الشريفة.
(١) في أ: أهل الكتاب النصارى.
(٢) بنو تغلب بن وائل بن ربيعة بن نزار، من صميم العرب، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، وكانوا قبيلة
عظيمة لهم شوكة قوية، واستمروا على ذلك حتى جاء الإسلام فصولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم
عوضاً من الجزية، واختلفت الرواية متى صولحوا.
ففي ((سنن أبي داود)) من حديث إبراهيم بن مهاجر عن زياد بن حدير قال: قال علي: ((لئن بقيت النصارى
بني تغلب لأقتلن المقاتلة، ولأسبين الذرية، فإني كتبت الكتاب بينهم وبين النبي وَلّ ألا ينصروا أبناءهم)).
لكن قال أبو داود: ((هذا حديث منكر، بلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان ينكر هذا الحديث إنكاراً
شديداً)). وقال أبو علي اللؤلؤي: ((لم يقرأه أبو داود في العرضة الثانية)) انتهى.
وإبراهيم بن مهاجر ضعفه غير واحد، والمشهور أن عمر هو الذي صالحهم. قال أبو عبيد ((ثنا أبو
معاوية، ثنا أبو إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود بن كُزدوس قال: صالحت عمر بن الخطاب
رضي الله عنه عن بني تغلب - بعدما قطعوا الفرات، وأرادوا أن يلحقوا بالروم - على ألا يصبغوا صبياً ولا
يُكْرهوا على دين غير دينهم، وعلى أن عليهم العشر مضاعفاً من كل عشرين درهماً درهم. فكان داود
يقول: ليس لبني تغلب ذمة، قد صبغوا في دينهم.
قال أبو عبيد: قوله: ((لا يصبغوا في دينهم)) يعني لا ينصروا أولادهم.
قال أبو عبيد: وكان عبد السلام بن حرب المُلائي يزيد في إسناد هذا الحديث - بلغني ذلك عنه - عن
الشيباني عن السفاح عن داود عن عبادة بن النعمان عن عمر. وحدثني سعيد بن سليمان عن هُشيم قال:
ثنا مغيرة عن السفاح بن المثنى عن زرعة بن النعمان - أو النعمان بن زرعة - أنه سأل عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، وكلمه في نصارى بني تغلب، وكان عمر رضي الله عنه قد همّ أن يأخذ منهم الجزية
فتفرقوا في البلاد. فقال النعمان لعمر: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب، يأنفون من الجزية،
وليست لهم أموال، إنما هم أصحاب حروث ومواشٍ، ولهم نكاية في العدو، فلا تعن عدوك عليك بهم.
فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن أضعف عليهم الصدقة، واشترط عليهم ألا ينصروا أولادهم. قال
مغيرة: فحدثت أن علياً قال: لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي: لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين
ذراريهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم.
وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن زياد بن حُدير: أن عمر رضي الله
عنه أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر.
قال أبو عبيد: ((والحديث الأول - حديث داود بن كردوس وزرعة - هو الذي عليه العمل: أن يكون
عليهم الضعف مما على المسلمين، ألا تسمعه يقول: من كل عشرين درهماً درهم، وإنما يؤخذ من
المسلمين إذا مروا بأموالهم على العاشر من كل أربعين درهماً درهم: فذلك ضِعف هذا، وهو المضاعف
الذي اشترط عمر عليهم. وكذلك سائر أموالهم من المواشي والأرضين يكون عليها في تأويل هذا
الحديث: الضعف أيضاً، فيكون في كل خمس من الإبل شاتان، وفي العشر أربع شياه ثم على هذا ما
زادت، وكذلك الغنم والبقر؛ وعلى هذا الحب والثمار: فيكون ما سقته السماء فيه عشران، وفيما سقي =

٢٢٨
كتاب الذبائح والصيود
وقال سيدنا علي (رضي الله عنه): لا تؤكل ذبائح نصارى العرب، لأنهم ليسوا بأهل
الكتاب، وقرأ قوله (عزَّ شأنه): ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].
وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): تؤكل، وقرأ قولَهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾(١) [المائدة: ٥١] والآية الكريمة التي تلاها سيدنا علي (رضي الله عنه) دليلٌ على أنهم
من أهل الكتاب، لأَنّه قال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمِنْهُمْ أُمْيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ﴾ أي: من أهل
الكتاب، وكلمة (من) للتبعيض إلا أنهم [ربما] (٢) يخالفون غيرهم من النصارى في بعض
شرائعهم، وذا [لا](٣) يخرجهم عن كونهم نصارى كسائر النصارى، فإن انتقل الكتابي إلى دين
[غير] (٤) أهل الكتاب من الكفرة لا تؤكل ذبيحته، لأن المسلم لو انتقل إلى ذلك الدين لا تؤكل
ذبيحته، فالكتابي أولى(٥) .
بالغرب عشر. وفي حديث عمر رضي الله عنه وشرطه عليهم: أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم مثل
=
ما على أموال رجالهم. وكذلك يقول أهل الحجاز. انتهى.
فهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه وافقه عليه جميع الصحابة والفقهاء بعدهم. ويروى عن عمر بن
عبد العزيز أنه أبى عليهم إلا الجزية وقال: ((لا والله إلا الجزية! وإلا فقد آذنتم بالحرب)). ولعله رأى أن
شوكتهم ضعفت، ولم يخف منهم ما خاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن عمر رضي الله عنه كان
بعد مشغولاً بقتال الكفار وفتح البلاد، فلم يأمن أن يلحقوا بعدوه فيقوونهم عليه، وعمر أمن ذلك. وأما
علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ((لئن بقيت لهم لأقتلن مقاتلتهم، ولأسبين ذريتهم، فإنهم نقضوا
العهد ونصروا أولادهم)).
وعلى هذا، فلا تجري هذه الأحكام التي ذكرها الفقهاء فيهم، فإنهم ناقضون للعهد، ولكن العمل على
جريانها عليهم، فلعل بعض الأئمة جدد لهم صلحاً: على أن حكم أولادهم. حكمهم، كسائر أهل
الذمة. والله أعلم. ينظر: أحكام أهل الذمة (١/ ٧٥ - ٧٩).
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥١٦/٢) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم.
سقط من ط .
(٢)
سقط من ط .
(٣)
سقط من ط .
(٤)
(٥)
وأما مناكحتهم وحل ذبائحهم ففيها قولان للصحابة، وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما لا تحل،
وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه والشافعي رحمه الله. وطرد الشافعي المنع في ذبائح العرب
من أهل الكتاب كلهم.
واختلف في مأخذ هذا القول فقالت طائفة: لم يتحقق دخولهم في الدين قبل التبديل، فلا يثبت لهم حكم
أهل الكتاب، وهذا المأخذ جارٍ على أصل الشافعي. وقد عرفت ما فيه. وقالت طائفة أخرى: إنهم لم
يدينوا بدين أهل الكتاب، بل انتسبوا إليه ولم يتمسكوا به عملاً. وهذا مأخذ علي بن أبي طالب رضي الله
عنه فإنه قال: إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر. وهذا المأخذ أصح وأفقه.
والقول الثاني: أنه تحل مناكحتهم وذبائحهم. وهذا هو الصحيح عن أحمد، رواه عنه الجماعة، وهو آخر =

٢٢٩
کتاب الذبائح والصيود
ولو انتقل غير الكتابي من الكفرة إلى دين أهل الكتاب، تؤكل ذبيحته.
والأصل [فيه](١) أنه ينظر إلى حاله ودينه فيه، إنه ينظر إلى حاله ودينه وقت ذبحه(٢) دون
ما سواه، وهذا أصل أصحابنا أَنَّ مَنِ انتقل من [ملة الكفر إلى](٣) ملة يقر عليها يجعل؛ كأنه
من أهل تلك الملة من الأصل على ما ذكرنا في ((كتاب النكاح))، والمولود بين كتابي وغير
كتابي تؤكل ذبيحته، أيَّهما كان الكتابي، الأب أو الأم، عندنا.
وقال مالك: يعتبر الأب فإن كان كتابياً تؤكل، وإِلاَّ فلا.
وقال الشافعي: لا تؤكل ذبيحته رأساً.
والصحيحُ قولنا، لأن جعل الولد تبعاً للكتابي منهما أولى، لأنه خيرهما ديناً بالنسبة،
فكان باتباعه إياه أولى .
وأما الصابئون فتؤكل ذبائحهم في قول أبي حنيفة (رضي الله عنه)، وعند أبي يوسف
ومحمد: لا تؤكل.
واختلاف الجواب [لاختلافهم في تفسير](٤) في الصابئين أنَّهم ممَّن هم؟ وقد ذكرنا ذلك
في ((كتاب النكاح)).
ثم إنما تؤكل ذبيحة الكتابي إذا لم يشهد ذبحه ولم يسمع منه شيء أو سمع وشهد منه
تسمية الله (تعالى وحده)؛ لأنه إذا لم يسمع منه شيئاً يحمل على أنه قد سمى الله تبارك وتعالى
وجَرَّدَ التسمية؛ تحسيناً للظن به كما بالمسلم.
ولو سمع منه ذكر اسم الله تعالى لكنه عنى بالله (عزَّ وجلَّ) المسيح (عليه السلام)،
الروايتين عنه. قال إبراهيم بن الحارث: وكان آخر قوله أنه لا يرى بذبائحهم بأساً. وهذا قول ابن عباس
=
رضي الله عنهما. وروي نحو عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال الحسن والنخعي والشعبي
وعطاء الخراساني والحكم وحمّاد وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه.
قال الأثرم: وما علمت أحداً كرهه من أصحاب النبي ◌َّله إلا علياً رضي الله عنه، وذلك لدخولهم في
عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلُّ لَّكُم) وقوله تعالى: ﴿وَالْمُخْصَّنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ولأنهم أهل كتاب يقرون على دينهم ببذل المال، فتحلّ ذبائحهم ونسائهم كبني
إسرائيل. ينظر: أحكام أهل الذمة (١/ ٨٧ - ٨٨).
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: ذبيحته.
(٣) سقط من ط .
(٤) في ط: لاختلاف تفسيرهم.

٢٣٠
كتاب الذبائح والصيود
قالوا: تؤكل لأنه أظهر تسمية هي تسمية المسلمين، إِلا إِذا نص، فقال: بسم الله الذي هو
ثالث ثلاثة، فلا تحل.
وقد روي عن سيدنا علي (رضي الله عنه) أنه سئل عن ذبائح أهل الكتاب وهم يقولون ما
يقولون، فقال (رضي الله عنه): قد أحلَّ الله ذبائحهم وهو يعلم بما(١) يقولون.
فأما إذا سمع منه أنه سمى المسيح (عليه الصلاة والسلام) وَخْدَهُ، أو سمى الله (سبحانه
وتعالى) وسمی المسيح - لا تؤکل ذبيحته.
كذا روى سيدنا علي (رضي الله عنه) ولم يرو عن(٢) غيره خلافة، فيكون إِجماعاً.
ولقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] وهذا أهل لغير الله (عزَّ وجلَّ) به
فلا يؤكل(٣).
(١) في ط: ما.
(٢) في ط: عنه.
(٣) ذكر جميع الفقهاء إجماع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب؛ وقالوا: إن خلاف الشيعة لا يعتد به؛
لأنه لا يعتد بهم في الإجماع، إلا أننا قد رأينا أن نذكر ما استدلوا به على مدعاهم ليتسنى لنا النظر فيه
ونقضه فتبطل بذلك الدعوى ودليلها .
استدل لهم البهائي بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾.
ووجه الدلالة أن أهل الكتاب لا يذكرون اسم الله تعالى على ذبائحهم فتكون ممنوعة بنص الكتاب، ولو
فرض أن النصراني تلفظ باسم الله تعالى عند الذبح فإنا يقصد الإله الذي يقصد أنه ((أبو المسيح)) وكذا
اليهود إنما يقصد الإله الذي ((عزير ابنه)) فوجد هذا اللفظ في الحقيقة كعدمة. وأما تأويل قوله تعالى: ﴿ما
لم يذكر اسم الله عليه﴾ بالميتة فظاهر البعد وأبعد منه تأويله بما ذكر عليه اسم غير الله.
أما السنة فاحتجوا بروايات عن أئمة أهل البيت منها: ما روي عن جعفر الصادق أنه قال: عند جريان ذكر
أهل الكتاب: لا تأكلوا ذبائحهم.
واحتج لهم بإجماع جمهورهم على تحريم ذبيحتهم.
واحتج الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم﴾ ووجه الدلالة أن الطعام يشمل اللحم
وغيره، كذا فسره أهل اللغة كالجوهري وغيره، أما حمله في الآية على الحبوب والفواكه ونحوهما مما لا
يحتاج إلى تذكية فيدفعه الإضافة إلى أهل الكتاب إذ حبوب جميع الكفار، وفواكههم حلال.
ولو حمل على الحبوب ونحوها لخلا تخصيص أهل الكتاب بالذكر في كلام رب العزة عن الفائدة تعانى
عنه علواً كبيراً. فالآية قاطعة بجواز أكل ذبائحهم.
أما ما ذكروه من التنافي بينها وبين قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ فيمكن
دفعه بوجهين الأول: أنه يحمل الموصول على الميتة - كما روي عن ابن عباس - ويدل عليه قوله تعالى =

٢٣١
كتاب الذبائح والصيود
٠٠
في هذه الآية: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ فقد روي في تفسيرها: أن الكفار كانوا
يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله تعالى، فما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم.
ووجه التأييد أنهم أرادوا بما قتل الله ما مات حتف أنفه فينبغي حمل الموصول في صدر الآية على ذلك
أيضاً لتلاؤم أجزاء الكلام وخروجه عن التنافر.
الوجه الثاني: تأويل الصلة بما ذكر اسم غير الله عليه يدل له قوله تعالى: ﴿وإنه لفسق﴾ وقد وصف الله
الفسق بما ذكر اسم غير الله عليه حيث قال: ((قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن
يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)).
فوصف الفسق بما أهل لغير الله به في هذه الآية قرنية ظاهرة على أن المراد به في تلك هذا المعنى لا
غير.
أما السنة فقد روي أن النبي ◌ّر: أكل من الذراع المسمومة الذي أهدته اليهودية له.
وأكله من ذلك يدل على حل ذبيحة اليهود ولا قائل بالفصل بين اليهود والنصارى.
وقد نقل الفقهاء إجماع العلماء على إباحة ذبائحهم مما لا يدع شبهة بعد ذلك للشيعة أو غيرهم.
هذا وعدم الحرج المقرر في الشريعة الإسلامية هادم لرأي الإمامية والله أعلم.
أما حقيقة أهل الكتاب فقد ذهب السادة الشافعية إلى أن أهل الكتاب هم الذين أوتوه لا من دان به بعد
نزول القرآن.
فنصارى العرب وهم: تنوخ، وبهراء، وبنو تغلب. وكذا من شك في وقت دخولهم في دين أهل الكتاب
لم تحل ذبائحهم .
وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب وعطاء وسعيد بن جبير.
وأباح ذبائحهم ابن عباس والنخعي والشعبي والزهري وحماد وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وأبو ثور
وجمهور الفقهاء الحجازيين والعراقيين.
واستدل الجمهور بعموم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾. ولا فرق بين عربي
وعجمي وغير ذلك.
واحتج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ فقال: لو لم تكن بنو تغلب من النصارى
إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم.
استدل الشافعية: بما روي عن عمر رضي الله عنه قال: ((ما نصارى العرب بأهل كتاب، لا تحل لنا
ذبائحهم وما أنا بتاركهم حتى يسلموا أو أضرب أعناقهم)).
وبما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ((لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب فإنهم لم
يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر)).
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في الأم كأنهما ((عمر وعلياً)) ذهبا إلى أنهم لا يضبطون موضع الدين،
فيعقلون كيف الذبائح وذهبا إلى أن أهل الكتاب هم الذين أوتوه، لا من دان به بعد نزول القرآن وبهذا
نقول.
ثم قال الشافعي: وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه أحل ذبائحهم وتأول: ((ومن يتولهم منكم فإنه
منهم)). وهو لو ثبت عن ابن عباس كان المذهب إلى قول عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما أولى.

٢٣٢
كتاب الذبائح والصيود
ومن أكلت ذبيحته ممن ذكرنا أكل صيده الذي صاده بالسهم أو بالجوارح، ومن لا فلا؛
ولأن أهلية المذكي شرط في نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية جميعاً.
ومعه المعقول فأما ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ فمعناها على غير حكمهم. اهـ.
=
وكأن الإمام الشافعي، يريد بالمعقول، أنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل، ولا يعلم هل دخلوا في دين
من بدل منهم أو في دين من لم يبدل، فصاروا كالمجوس: لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تحل
ذبائحهم، والرأي كما قال والله أعلم.
(لو ذبح أهل الكتاب ما حرم الله عليهم)) مثل كل ذي ظفر: قال قتادة: هي الإبل والنعام والبط وما ليس
بمشقوق الأصابع، أو ذبح دابة لها شحم محرم عليه.
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
فالجمهور على الجواز وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وقالت جماعة من أهل العلم: إنما أحل لنا من
ذبائحهم ما أحل لهم. وبه قال الإمام مالك رحمه الله .
واستدل الإمام مالك رحمه الله بالمنقول والمعقول:
أما المنقول: فقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾.
ووجه الدلالة أن الله تعالى أباح لنا طعامهم وهذا ليس من طعامهم.
أما المعقول فلأن الشحم جزء من البهيمة لم يبح لذابحها فلم يبح لغيره قياساً على الدم.
واحتج الجمهور بالمنقول والمعقول:
أما المنقول: فما رواه الصحيحان عن عبد الله بن مغفل قال: ((أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، قال:
فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، قال: فالتفت فإذا رسول الله وَل﴿ مبتسماً)) لفظ مسلم.
ووجه الدلالة: أن تبسمه عليه الصلاة والسلام إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ
الجراب ومن ضعفه به، ولم يأمره عليه الصلاة والسلام بطرحه ولا نهاه.
أما المعقول: فلأنها ذكاة أباحت اللحم والجلد، فأباحت الشحم قياساً على ذكاة المسلم.
هذا. وقد رفع الله سبحانه وتعالى ذلك التحريم بالإسلام واعتقادهم فيه لا يؤثر لأنه اعتقاد فاسد.
ولا حجة لهم في الآية بل هي حجة للجمهور فإن معنى ((طعامهم)) ذبائحهم، لا ما أكلوه؛ لأنهم يأكلون
الخنزير والميتة والدم ولا يحل لنا شيء من ذلك.
كذلك فسره العلماء. وذكر الألوس في تفسير قوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾ ما يؤيد هذا؛ حيث
قال: إن معنى الآية: أن انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم فإن أطعموكموه فكلوه، ولا تنظروا إلى ما
كان محرماً عليهم، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم، ثم نسخ ذلك في شريعتنا فالآية بيان لنا
لا لهم. أي اعلموا أن ما كان محرماً عليهم مما هو حلال لكم قد أحل لكم أيضاً؛ ولذلك لو أطعمونا
خنزيراً أو نحوه وقالوا: هو حلال في شريعتنا، وقد أباح الله لكم طعامنا، كذبناهم وقلنا: إن الطعام الذي
يحل لكم هو الذي يحل لنا لا غيره.
وحاصل المعنى: طعامهم حل لكم إذا كان الطعام الذي أحللته لكم وهذا التفسير هو معنى قول السدّي
وغيره . أهـ.
وبمثل هذا قال الإمام الشافعي رضي الله عنه أما قياسهم فمنتقص بما ذبحه الغاصب. وبهذا يعلم رجحان
مذهب الجمهور والله سبحانه وتعالى أعلم. ينظر: الصيد والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة، وينظر: الأم
(٢٠٦/٢).

٢٣٣
كتاب الذبائح والصيود
ومنها: التسمية حالة الذكر عندنا.
وعند الشافعي ليست بشرط أصلاً.
وقال مالك (رحمه الله): إنها شرطً حالة الذكر والسهو حتى لا يحل متروك التسمية ناسياً
عنده، والمسألة مختلفة بين الصحابة (رضي الله تعالى عنهم)(١).
(١) أجمع الفقهاء على مشروعية التسمية عند الذبح، وعن الإرسال والرمي إلى الصيد. ولكنهم اختلفوا في
كونها شرطاً في حل الأكل.
فمذهب الشافعي وأصحابه إلى أنها سنة، فلو تركها عمداً أو سهواً حل الصيد والذبيحة. وهي رواية عن
مالك وأحمد.
وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وسعيد بن المسيب والحسن، وجابر بن زيد،
وعكرمة، وأبي عياض، وأبي رافع، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقتادة،
وذهب أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - إلى أن التسمية شرط للإباحة مع الذكر دون النسيان، فإن تركها
عمداً فالذبيحة ميتة.
وهو مذهب جماهير العلماء، والصحيح من مذهب مالك رضي الله عنه، والمشهور عن أحمد في
الذبيحة .
وقال أهل الظاهر: إن تركها عمداً أو سهواً لم يحل. وهو الصحيح عن أحمد في الصيد.
وروي عن ابن سيرين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ونافع، وعبد الله بن يزيد الخطمي،
والشعبي، وأبي ثور.
احتج القائلون بالسنية: بالكتاب والسنة والقياس:
أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أَهَلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالمُنْخَيِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَردِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ إِلَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى أباح المذكي، ولم يذكر التسمية، فلو كانت التسمية شرطاً، لما
تركها وأباح المذكاة بدونها. فإن ورد على هذا أن الحيوان لا يكون مذكى إلا بالتسمية. قلنا: الذكاة في
اللغة: الشق، والفتح، وقد وجدا. ومنه قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ أباح الله
سبحانه وتعالى لنا ذبائحهم وهم لا يسمون عليها غالباً .
أما السنة: فمنها ما روي عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أن قوماً جاؤوا إلى
رسول الله وَ﴿ وقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْماً حَدِيثُو عَهْداً بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَا بِلَحْمٍ لاَ نَذْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا. فَتَأَكُلُ مِنْهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((سَمَّوا وَكُلُوا)).
حديث صحيح رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، بأسانيد صحيحة كلها.
وأما دعوى الإرسال، كما قال مالك، والدارقطني، وكثير: فيجاب عنها بوصل البخاري له، وبأن الحكم
للواصل إذا زاد عدد من وصل على من أرسل، واحتف، بقرينة تقوي الوصل كما هنا؛ إذ عروة معروف
بالرواية عن عائشة، ففيه إشعار بحفظ من وصله عن هشام دون من أرسله.
ووجه الدلالة: أن التسمية لو كانت من شرائط الحل، لما أمرهم النبي ◌َّ بالأكل عند وقوع الشك فيها.
كما لو عرض الشك في نفس الذبح، فلم يعلم: هل وقعت الذكاة المعتبرة أو لا؟
=

٢٣٤
كتاب الذبائح والصيود
وقوله وَّ: ((سَمُّوا وَكُلُوا)) المراد بها: التسمية المستحبة عند أكل كل طعام، وشرب كل شراب.
=
وهذه التسمية قد نابت عن التسمية عند الذبح.
فلو كانت التسمية عند الذبح شرطاً، لما نابت هذه التسمية - وهي سنة - عنها.
ومنها: ما روي عن رسول الله وَّ﴿ أنه قال: ((اسْمُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ كُلُّ مُسْلِمٍ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ)». وكون
الذكر في قلبه في حالة العمد أظهر منه في حالة النسيان.
فإن قيل: إن هذا الحديث مخصص بالناسي؛ لما روي أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّلتر وقال: يا رسول الله:
أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ: فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ: ((اسْمُ اللَّهِ عَلَى قَلْبٍ كُلِّ مُسْلِم)).
فأجاب عنه النووي بأن هذا: حديث منكر مجمع على ضعفه. وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة
وقال: ((منکر لا يحتج به)).
أما المعقول :
فلأن التسمية لو كانت شرطاً للعمل لما سقطت بعذر النسيان. نظير هذا إشتراط الطهارة للصلاة، فإنها لما
كانت شرطاً لم تجز صلاة من نسي الطهارة.
ولو سلم القول باشتراطها، فالملة أقيمت مقامها.
وهذا ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن متروك التسمية ناسياً، فقال: ((يحل تسمية ملته)).
وفي إقامة الملة مقام التسمية لا فرق بين العمد والنسيان وأيضاً: لو كانت التسمية من شرائط الحل:
لكانت مأموراً بها. ولا فرق في المأمورات بين العمد والنسيان، كقطع الحلقوم والمريء في الذبح،
وكالتكبير والقراءة في الصلاة وإنما يقع الفرق بينهما في المزجورات: كالأكل والشرب في الصوم؛ لأن
موجب النهي: الانتهاء. والناسي يكون منتهياً اعتقاداً.
فأما موجب الأمر فهو الائتمار، والتارك ناسياً أو عامداً لا يكون مؤتمراً.
وأيضاً: فلأن التسمية هنا؛ لاستصلاح الأكل، فكانت ندباً لا حتماً: كالطبخ والخبز.
ثم فيما هو المقصود - وهو الأكل - التسمية فيه ندب، وليست بحتم. فهذا - وهو طريق إليه - أولى.
استدل الجمهور من الحنفية والمالكية، وغيرهم: بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفَسْقٌ﴾. والاستدلال بالآية من
وجھین :
أحدهما: أن هذا نهي، ومطلق النهي، للتحريم.
والثاني: أنه سمى أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً. بقوله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ولا فسق إلا
بارتكاب المحرم. وقالوا: إن ظاهر الآية، وإن كان يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسياناً إلا أن الشارع
جعل الناسي ذاكراً، لعذر من جهته، وفي ذلك رفع للحرج؛ لأن الإنسان كثير النسيان. ولو أريد بالآية
هذا الظاهر؛ لجرت المحاجة، وظهر الانقياد، وارتفع الخلاف في الصدر الأول؛ لأن ظاهر ما يدل عليه
اللفظ لا يخفى على أهل اللسان، وفي ذلك من الحرج ما لا يخفى، والحرج مدفوع، كما هو مقرر في
الشريعة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
فوجب حمل الآية على حالة العمدة دفعاً للمتّعارض. على أن الناسي ليس بتارك للتسمية، بل هي في قلبه
لما روي عنه وَّ﴿ ((تَسْمِيَةُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِم)) وحينئذٍ يكون متروك التسمية سهواً ليس مما لم يذكر
اسم الله علیه.
=

٢٣٥
كتاب الذبائح والصيود
٠٠
ونوقش هذا الاستدلال: بأن النهي في الآية مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب: يدل على ذلك
=
وجوه:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وهذا على وجه التحقيق والتأكيد، لا يصح في حق أكل ما لم يذكر
اسم الله عليه: عمداً، أو سهواً، إذ لا فسق بفعل ما هو محل الاجتهاد.
وقد أجمع المسلمون على أن لا يفسق آكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ .
وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة؛ لما روي أن قوماً من المشركين قالوا للمسلمين: ((تأكلون ما
تقتلونه، ولا تأكلون ما يقتله الله))؟.
يقصدون بما قتل الله ما مات حتف أنفه. وثالثا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطْعَتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونٍ﴾. معناه
والله أعلم: إنكم لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم الأوثان، فقد رضيتم بألوهيتها، وذلك
يوجب الشرك.
قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: ((فأول الآية وإن كان عاماً بحسب الصيغة، إلا أن آخرها لما
حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم: هو هذا الخصوص)).
قالوا: ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ إذ لا يصح أن يكون معطوفاً على النهي قبله،
لأنه عطف الخير: على الإنشاء ضعيف، إن لم يكن ممنوعاً.
ويكون قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قيداً في النهي، فصار هذا النهي مخصوصاً بما إذا كان الأكل فسقاً.
ثم طلبنا في كتاب الله تعالى: أنه متى يكون الأكل فسقاً؟ فوجدناه مفسراً في آية أخرى ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَ
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، فصار الفسق في هذه الآية مفسراً بما أهل لغير الله به، وإذا كان كذلك كان قوله تعالى:
﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مخصوصاً بما أهل لغير الله به.
وأجاب بعض الشافعية: بحمل النهي على كراهة التنزيه. جمعاً بين الأدلة.
أما السنة :
فمنها ما روي عن عدي بن حاتم أنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرْسِلُ كِلاَبِي الْمُعَلَّمَة، فَيُمْسِكْنَ عَلَي،
وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ. فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ثُمَّ كُلْ)) رواه البخاري ومسلم.
وله روايات أخرى كهذه: كلها تدل على وجوب ذكر اسم الله تعالى عند الرمي والإرسال.
ومنها: ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي ◌َّه قال: ((وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ثُمّ
كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ثُمَّ كُلْ)).
وأجاب الشافعية عن حديثي عدي وأبي ثعلبة: بأن الأمر فيهما محمول على الندب، من أجل أنهما كانا
يصيدان على مذهب الجاهلية، فعلمهما النبي ◌َ لو أمر الصيد: فرضه ومندوبه، لئلا يواقعا شبهة من ذلك
وليأخذا بأكمل الأمور فيما يستقبلان.
وأما الذين سألوا عن الذبح في حديث عائشة رضي الله عنها السابق فإنهم قد سألوا عن أمر وقع، ليس
لهم فيه قدرة على الأخذ بالأكمل، فعرفهم ◌َِّ بأصل الحل فيه، وقال لهم: ((سَمُوا وَكُلُوا)).
أما الإجماع:
فقالوا في تقريره: لا خلاف فيمن كان قبل الشافعي في حرمة متروك التسمية عامداً، وإنما الخلاف بينهم =

٢٣٦
كتاب الذبائح والصيود
أما الكلام مع الشافعي (رحمه الله) فإنه احتج بقوله (تبارك وتعالى): ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا
أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِم يَطْعمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾
[الأنعام: ١٤٥] أمر النبي (عليه الصلاة والسلام) أن يقول: إنه لا يجد فيما أوحي إليه محرماً
سوى الأشياء الثلاثة؛ ومتروك التسمية لم يدخل فيها، فلا يكون محرماً، ولا يقال: يحتمل أنه
لم يكن المحرم وقت نزول الآية الكريمة سوى المذكور فيها، ثم حرم بعد ذلك متروك التسمية
بقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] لأنه قيل إِن سورة
الأنعام نزلت جملة واحدة، ولو كان متروك التسمية محرماً، لكان واجداً له فيجب أن يستثنيه
كما استثنى الأشياء الثلاثة.
ولنا قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلاَ تَأْكُلُوَا مِمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]
والاستدلال بالآية من وجهين:
أحدهما: أن مطلق النهي للتحريم في حق العمل.
والثاني: أَنْه سمى أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً بقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾،
٢٨١/١ أ ولا / فسق إِلا بارتكاب المحرم، ولا تحمل الآية(١) على الميتة وذبائح أهل الشرك بقول
في متروك التسمية ناسياً: فمن مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه: يحرم، ومن مذهب علي وابن
=
عباس - رضي الله عنهم - أنه: يحل. بخلاف متروك التسمية عامداً.
ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ - رحمهم الله -: إن متروك التسمية عامداً لا يسع فيه الاجتهاد، ولو قضى
القاضي بجواز بيعه: لا ينفذ؛ لكونه مخالفاً للإجماع.
قال الألوسي: والحق أن المسألة اجتهاديّة، وثبوت الإجماع غير مسلم، ولو كان ما كان خرقه الإمام
الشافعي رحمه الله تعالى، والاستدلال على مدعاه لا يخلو عن متانة.
استدل لأهل الظاهر بظواهر الأدلة السالفة من الكتاب والسنة. فإن ظاهرهما يدل على حرمة متروك
التسمية عمداً كان أو نسياناً، وقالوا:
في وجهِ الدلالة فيما روي عن رافع بن خديج أنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَداً وَلَيْسَتْ مَعْنَا
مُدَّى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا أَنْهر الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا)).
قالوا: إنه علق الإذن بمجموع الأمرين:
الانهار، والتسمية. والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه إلا باجتماعهما، وينتفي بانتفاء أحدهما.
وأما وجهة الإمام أحمد - رحمه الله - في الفرق بين الذبح والصيد فهي: أن الذبح وقع في محله، فجاز أن
یتسامح فيه، بخلاف الصيد.
وهذا وقد أشاد ابن حزم بمذهب الظاهرية وقال: إن ما سواه باطل لم يقم عليه دليل؛ وادعى أنه لا يعرف
للشافعي دليلاً، وضعف الروايات التي استدل بها الحنفية وقال: لا يصح الاستدلال بها. ينظر: الصيد
والذبائح لشيخنا عبد الله حمزة.
(١) في ط: إلا.

٢٣٧
كتاب الذبائح والصيود
بعض أهل التأويل في سبب نزول الآية الكريمة؛ لأن العام لا يخص بالسبب عندنا، بل يعمل
بعموم اللفظ (١) لما عرف في أصول الفقه، مع ما أن الحمل على ذلك حمل على التكرار؛ لأن
(١) قال عامة الفقهاء: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
وقال أصحاب الشافعي: إنّ العبرة لخصوص السبب ويصير العام خاصاً بالسبب.
وصورة المسألة في موضعين:
أحدهما: أن الحادثة إذا كانت وقعت بواحد من الناس في زمن النبي ◌َّ# ونزل نص في تلك الحادثة
يتناول صاحب الحادثة وغيره.
فإن هذا النص عام في حق صاحب الحادثة وغيره ولا يختص به بسبب وقوع الحادثة له.
وعندهم: يختص بصاحب الحادثة، وأريد باللفظ العام الواحد مجازاً، وإنما يثبت هذا الحكم في حق غير
صاحب الحادثة بنص آخر، أو بالقياس على صاحب الحادثة.
والثاني: إذا خرج كلام الرسول وَّر جواب سؤال السائل هل يختص بالسائل؟؟ فعندهم يختص.
وعندنا: إذا كان الجواب لا يستقل بنفسه بدون السؤال يختص به.
وإن كان يستقل بنفسه ويكون مقيداً للحكم في حق السائل وغيره ولا يختص به بل يعتبر عموم الخطاب
فهم احتجوا بالوجود في الكتاب، والسنة وعرف الناس، ونوع من المعقول.
أما الكتاب:
فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيما أوحي إليّ مُحَرّماً على طَاعِم يَطْعَمُهُ إلا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فيما
أُوحِيَ إِلَيّ مُحَرّماً﴾ عام في جميع المطعومات إلا المستثنى، ثم كثير من الأشياء غير المستثنى منه حرام:
من البغل، والحمار، والضبع، وسائر السباع ونحوها.
ولكن اختص العام بالسبب .
فإن سبب نزول الآية:
أنّ الكفار كانوا يُحرّمون البحيرة، والسائبة، والوصلية، والحامي، ونحو ذلك.
فأنزل الله تعالى الآية وأخبر رسوله - وَله - بأن يقول للكفار: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فيما أُوْحِيَ إِلَيّ محرّماً .... ﴾
الآية - يعني لا أجد في كتاب الله تعالى - مما تحرمونه أنتم - محرّماً إلا هذه الأشياء.
وروي عن النبي - 3 9 - ((لا ربا إلا في النَسِيئة)) والربا: يجري في النقد بإجماع الصحابة، ولكن الحديث
ورد في حادثة خاصة وأختص بها.
فإنه روي أنه سئل رسول الله وَّر عن الربا في مختلفي الجنس قال: ((لا ربا إلا في النسيئة)) كأنه قال: لا
ربا في مختلفي الجنس إلا في النسيئة.
وأما العرفُ:
فإن من قال لآخر: (تعال تغذّ معي) فقال ــ (والله لا أتغدى) يقع على ذلك الغداء، حتى لو تغدى معه بعد
ذلك لا يحنث.
وكذا لو تغدى في ذلك الوقت مع غيره لا يحنث.
فقوله: والله لا أتغدى: عام بنفسه - ثم اختص بذلك الغداء إلا أن السبب الداعي إلى الخلف - هو ذلك
الغداء فاختص بالسبب .
وأما المعقول:
=

٢٣٨
كتاب الذبائح والصيود
فلأن الجواب يختص بالسؤال خصوصاً إذا كان الجواب لا يكون مفيداً بنفسه لمعنى: ذلك المعنى موجود
=
في الفرع:
وهو أنه لو لم يختص بالسؤال لم تكن في ذكر السؤال والجواب فائدة.
فكذا إذا نزلت الآية في حادثة خاصة في حق شخص خاص لو لم يختص بصاحب الحادثة - ولم ينزل
قبل وقوع الحادثة، وقبل سؤال صاحب الحادثة - لم تظهر فائدة نزول الآية.
ولكن عامة الفقهاء احتجوا وقالوا:
بأن عامة النصوص - نحو آية - الظهار، واللعان، والقذف، والزنا، والسرقة. ونحوها نزلت عند وقوع
الحوادث لأشخاص معلومين.
فلو اختصت بالحوادث لم يكن الأحكام كلها ثابتة بالكتاب، والسنة تنصيصاً إلا في حق أقوام
مخصوصين.
وهذا محال عقلاً، ومخالف لإجماع الأمة.
والمعقول: يدل عليه :
وهو أن اللفظ العام: يوجب العمل بعمومه، وإنما يترك بدليل التخصيص إذا كان متصلاً به من حيث
الاستثناء، والصفة، والشرط، والغاية. ويصير خاصاً في المذكور.
فأما التخصيص المنفصل المقارن:
فيجب أن يكون حكمه مخالفاً لحكم العام حتى يصح التخصيص كقوله: ((اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل
الذمة)» فيخص أهل الذمة من اللفظ العام.
وفي مسألتنا صاحب الحادثة غير مذكور متصلاً باللفظ العام، فيحتاج إلى الاضمار: وهو شيء منفصل.
واللفظ العام تناوله وغيره من الناس.
فلا يكون الحكم في حقه خلاف حكم غيره حتى يخص من الجملة؛ فيكون ذكره على الخصوص - بعد
ما صار مذكوراً بطريق العموم - من باب التأكيد.
ألا ترى أن من قال لغيره: (أعتقُ عبيدي) ثم قال - مقارناً للأول (اعتق عبدي سالماً) لا يكون هذا
تخصيصاً بل يكون تأكيداً لما ثبت باللفظ العام؛ لأن سالماً دخل تحت قوله: (اعتق عبيدي).
فقوله (أعتق سالماً) يوجب زيادة تأكید.
لا أن يصير العام خاصاً في حقه.
مع أن فيه جعل الحقيقة مجازاً - وهو إطلاق العام على الخاص فيكون فيما قالوا تغيير من وجوه: وهو:
١ - إثبات ما ليس بمذكور - وهو إضمار صاحب الحادثة.
٢ - وفي تخصيص العام به دون غيره - جعل اللفظ العام مجازاً من غير ضرورة.
ومع ذلك لا يثبت به التخصيص بل يثبت به التأكيد؛ لأن الحكم غير مختلف.
حتى إذا اختلف الحكم يكون تخصيصاً؛ فإن من قال لغيره (أَعتق عبيدي) ثم قال: مقارناً له: (لا تعتق
عبدي سالماً) يصير مخصوصاً من الجملة.
وفيما تعلق به الخصم من الكتاب، والسنة والعرف - قام الدليل على أنه لا يمكن العمل بعمومه.
=
ونحن نسلم: أنه إذا كان لا يمكن العمل بعمومه تَخَصَّصَ بالحادثة ويصير مذكوراً دلالة.

٢٣٩
كتاب الذبائح والصيود
حرمة الميتة وذبائح أهل الشرك ثبتت بنصوص أخر، وهي قولُه (عزَّ وجلَّ): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
المَيَّنَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وقولُه (عزَّ وجلَّ):
فإنه لما لم يكن العمل بالعموم في قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيّ مُحَرماً على طاعم يطعَمُهُ﴾
=
لحرمة كثير مما لم يذكر في النص المستثنى - وجب القول بالزيادة على النص: السبب الوارد - وهو
تحريم الكفار البَحِيَرةَ، والسائبة، والوصيلة، والحامي، ونحوها. فيصير كأنه قال: قل لا أجد فيما أوحي
إلي محرماً مما تحرمون أنتم من البحيرة وغيره، إلا أن يكون ميته .... الآية.
وكذا في الحديث الذي رويتم: لما كان الربا ثابتاً في النقد - وقد ورد الحديث في مختلفي الجنس - زيد
عليه واختص بالحادثة كأنه قال: ((لا رِبَا فِي مُخْتَلِفَي الْجِنْسِ إلَا فِي النَسِيْئَةِ)».
وكذا في مسألة الدعاء إلى الغداء يتقيد اليمين بالغداء المدعو إليه.
وإن كان قوله - (والله لا أتغدى) - عاماً: لأن دلالة الحال تدل على أنه لم يرد به العموم فيتقيد بالسبب
الداعي إلى الحِلْفِ - كأنه قال: والله لا أتغدى هذا الغداء الذي دعوتني إليه .
ومن ادعى - في الفرع أنه لا يمكن العمل بعموم اللفظ حتى يقيد بالسبب وصاحب الحادثة: فعليه الدليل.
قولهم: إنه لو لم يختص بصاحب الحادثة لم يكن في نزول النص العام فائدةٌ - كما في الجواب المبني
على السؤال !!
فنقول: فائدة نزول الآية عقيب الحادثة في حق صاحبها هو ظهور الحكم في حقه والخروج عن عهدة
تلك الحادثة وفي حقه لا فرق بين أن ينزل الحكم خاصاً في حقه أو عاماً، لدخوله في العام.
وهذا لأن النصوص قد تنزل قبل وقوع الحوادث وقد تنزل عندها. ولله تعالى حكمة ومصلحة في ذلك
کله.
وهكذا نقول في جواب السائل إذا كان مفيداً في نفسه أنه لا يختص بالسؤال.
فأما إذا لم يكن مفيداً في نفسه يقتضي إعادة السؤال ويختص به حتى لا يلغو.
ألا ترى أن من سأل رجلاً فقال: (هل جاري محمد في هذه الدار)؟ فقال: (جميع جيرانك في هذه الدار)
فهذا لا يختص بالسؤال ويكون جواباً له؛ لأنه إذا كان جميع جيرانه في الدار فالجار المسؤول عنه: يكون
كذلك فيحصل للسائل الغرض بالجواب؛ وإن كان عاماً لا خاصاً: فكذا ههنا.
وكذا روي عن النبي - وَّ ـ أنه سئل عن ماء البحر فقال: ((الطَّهُورُ مَاؤُهُ والْحِلُّ مِيْتَتُهُ» فالسؤال عن الماء؟
ثم بيّن حكم حل تناول ما في البحر - وهو زيادة على الجواب فيقدر السؤال يكون جواب السائل، وما
زاد عليه يكون لابتداء التعليم. فكذا هذا: يجوز أن يرد لفظ عام فيكون زيادة على الجواب فبقدر السؤال
يكون جواباً، وما زاد عليه يكون لابتداء التعليم: والله أعلم.
ينظر: المعتمد (٣٠٣/١)، اللمع ص (٢١)، التبصرة ص (١٤٥)، وأصول السرخسي (١/ ٢٧٢)،
المستصفى (٦٠/٢)، العدة (٦٠٨/٢)، المنخول ص (١٥١)، والوصول إلى الأصول (٢٢٧/١)،
المحصول (١ - ١٨٨/٣)، الروضة لابن قدامة ص (١٢٢)، الإحكام للآمدي (٨٤/٢)، المختصر لابن
الحاجب ص (١١٠)، المسودة ص (١٣٠)، شرح تنقيح الفصول ص (٢١٦)، جمع الجوامع (٣٨/٢)،
نهاية السول (٤٧٧/٢)، التمهيد للأسنوي (٤١٠ - ٤١١)، القواعد والفوائد الأصولية ص (٢٤٠)، شرح
الكوكب (١٧٧/٣)، تيسير التحرير (٢٦٤/١)، فواتح الرحموت (٢٩٠/١٢)، إرشاد الفحول
ص (١٣٤).

٢٤٠
كتاب الذبائح والصيود
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فالحملُ على [ذلك حمل على التكرار والحمل](١) على ما
قلنا، ويكون حملاً على فائدة جديدة، فكان أولى، وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل، ولو لم يكن شرطاً لما
وجب .
وروى الشعبي عن عدي بن حاتم (رضي الله عنهما) قال: سألتُ رسولَ الله وَ ل عن
صيدِ الكلبِ، فقال: ((مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، فَإِنَّ أَخَذَهُ ذَكَاتُهُ))(٢) فإِنْ وجدت عند
كلبك غيره، فحسبت أن يكون أخذه معه، وقد قتله فلا تأكل؛ لأنك إنما ذكرت اسم الله
(تعالى) على كلبك ولم تذكره على كلب غيرك؛ نهى النبي (عليه الصلاة والسلام) عن الأكل
وعلل بترك التسمية فدل أنها شرط.
وأما الآيةُ الكريمةُ ففيها أَنه [ما] (٣) كان يجد وقت نزول الآية الشريفة محرماً سوى
المذكور فيها، فاحتمل أنه كان كذلك وقت نزول الآية الشريفة [ثم](٤) وجد تحريم متروك
التسمية بعد ذلك لما تلونا؛ كما كان لا يجد تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلبٍ
من الطير، وتحريم الحمار والبغل عند نزولها، ثم وجد بعد ذلك بوحي متلوّ أو غير متلو على
ما ذکرنا.
وأما ما يروى أَنَّ سورةَ الأَنعام نزلت كلها جملةً واحدةً (٥)، فمروى على طريق الآحاد،
(١) في ط: على ما قاله يكون حملاً.
(٢) تقدم تخريجه من حديث عدي بن حاتم.
(٣) سقط من ط .
(٤) سقط من ط .
(٥) أخرج أبو عبيد والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وروى ابن مردويه والطبراني عنه
أنها نزلت بمكة ليلاً جملة واحدة، وروى خبر الجملة أبو الشيخ عن أبي بن كعب مرفوعاً إلى
رسول الله وَّة، وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا ثلاث آيات منها فإنها نزلت بالمدينة
﴿قل تعالوا أقل﴾ إلى تمام الآيات الثلاث. وأخرج ابن راهويه في مسنده وغيره عن شهر بن حوشب أنها
مكية إلا آيتين ﴿قل تعالوا أقل﴾ والتي بعدها. وأخرج أبو الشيخ أيضاً عن الكلبي. وسفيان قالا: نزلت
سورة الأنعام كلها بمكة إلا آيتين نزلتا بالمدينة في رجل من اليهود وهو الذي قال: ((ما أنزل الله على بشر
من شيء)) الآية. وأخرج ابن المنذر عن أبي جحيفة نزلت سورة الأنعام كلها بمكة إلا ﴿ولو أننا نزلنا إليهم
الملائكة﴾ فإنها مدنية، وقال غير واحد: كلها مكية إلا ست آيات ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ إلى تمام
ثلاث آيات ﴿وقل تعالوا أتل﴾ إلى آخر الثلاث. وعدة آياتها عند الكوفيين مائة وخمس وستون، وعند
البصريين والشاميين ست وستون، وعند الحجازيين سبع وستون. وقد كثرت الأخبار بفضلها فقد أخرج
الحاكم وصححه. والبيهقي في الشعب، والإسماعيلي في معجمة عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام
سبح رسول الله وَ﴾ ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق)) وخبر =