Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كِتَابِ الإِجَارَةِ تقديراً عَقِيب العقد تصحيحاً له؛ إذ لا بد وأن يكون محل حكم العقد موجوداً ليمكن إثبات حكمه فيه، فَجَعلت المنافع موجودة حكماً؛ كأنها أعيان قائمة بنفسها، وإضافة البيع إِلى عين ستوجد، لا تصح؛ كما في بيع الأعيان حقيقة. وأما عندنا فالعقدُ ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المعقود عليه شيئاً فشيئاً وهو المنفعة، فكان العقد مضافاً إلى حين وجود المنفعة من طريق الدلالة، فالتنصيص على الإضافة يكون مقرراً مقتضى العقد؛ إِلاَّ أنا جوزنا الإضافة في الإِجارة دون البيع للضرورة؛ لأن المنفعة حال وجودها لا يمكن انتفاء العقد عليها، فدعت الضرورة إِلى الإضافة؛ ولا ضرورة في بيع العين لإِمكان إيقاع العقد عليها بعد وجودها؛ لكونها محتملة للبقاء فلا ضرورة إلى الإِضافة؛ وطريقنا أولَى لأن جعل المعدوم موجوداً تقدير للمحال، وتقدير المحال محال، ولا إِحالة في الإِضافة إِلى زمان في المستقبل، فإن كثير من التصرفات تصح مضافة إِلى المستقبل كالطلاق والعتاق ونحوهما، فكان الصحيح ما لنا. والله الموفق. وأما الأحكام التي هي من التوابع فكثيرة؛ بعضُها يرجع إِلى الآجر والمستأجر مما عليهما ولهما، وبعضها يرجع إلى صفة المستأجر والمستأجر فيه. أما الأول: فجملة الكلام فيه أن عقد الإجارة لا يخلو إما إِن شرط فيه تعجيل البدل أو تأجيله؛ وإما إِن كان مطلقاً عن شرط التعجيل والتأجيل، فإن شرط فيه تعجيل البدل فعلى المستأجر تعجيلها والابتداء بتسليمها، سواء كان ما وقع عليه الإِجارة شيئاً ينتفع بعينه كالدار والدابة وعبد الخدمة، أو كان صانعاً أو عاملاً ينتفع بصنعته أو عمله؛ كالخياط والقصار والصباغ والإِسكاف؛ لأنهما لما شرطا تعجيل البدل لزم اعتبار شرطهما؛ لقوله وقلت: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ))، وملك الآجر البدل حتى تجوز له هبته والتصدق به والإِبراء عنه والشراء والرهن والكفالة، وكُلُّ تصرف يملك البائع في الثمن في باب البيع، وللمؤاجر أن يمتنع عن تسليم المستأجر في الأشياء المنتفع بأعيانها حتى يستوفي الأجرة؛ وكذا للأجير الواحد أن يمتنع عن تسليم النفس، للأجير المشترك أن يمتنع عن إيفاء العمل قبل استيفاء الأجرة [لأن الأجرة في الإجارات](١) كالثمن في البياعات، وللبائع حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن إذا لم يكن مؤجلاً؛ كذا ههنا. وإن شرط فيه تأجيل الأجرة يبتدأ بتسليم المستأجر وإيفاء العمل، وإنما يجب بتسليم البدل عند انقضاء الأجل؛ لأن الأصل في الشروط اعتبارها للحديث الذي روينا؛ وإن كان العقد مطلقاً عن شرط / التعجيل والتأجيل يبتدأ بتسليم ما وقع عليه العقد في نوعي الإجارة، ٢٣٥/٢ بـ (١) في ط: في الأجارة. ٤٢ كِتَابِ الإِجَارَةِ فيجب على المؤاجر تسليم المستأجر، وعلى الأجير تسليم النفس أو إيفاء العمل أولاً عندنا؛ خلافاً للشافعي؛ لأن الأجرة لا تجب عندنا بالعقد المطلق وعنده تجب، والمسألة قد مَرَّتْ، غير أن في النوع الأول وهو الإِجارة على الأشياء المنتفع بأعيانها إذا سلم المستأجر لا يجب على المستأجر تسليم البدل كله للحال، بل على حسب استيفاء المنفعة شيئاً فشيئاً، حقيقة أو تقديراً، بالتمكن من الاستيفاء في قول أبي حنيفة الآخر، وللمؤاجر أن يطالبه بالأجرة بمقدار ذلك يوماً فيوماً في الإِجارة على العقار ونحوه، ومرحلة مرحلة في الإجارة على المسافة؛ ولكن يجبر(١) المكاري على الحمل إلى المكان المشروط؛ إذ لو لم يجبر لتضرر المستأجر. وفي قوله الأول وهو قول أبي يوسف ومحمد لا يجب تسليم شيء من البدل إلا عند انتهاء المدة أو قطع المسافة كلها في الإِجارة على قطع المسافة، وقد ذكرنا وجه القولين فيما تقدم. وأما في النوع الآخر هو استئجار الصناع والعمال(٢) فلا يجب تسليم شيء من البدل إلا بعد الفراغ(٣) من العمل بلا خلاف، حتى قالوا في الحمال ما لم يحط المتاع من رأسه لا يجب الأجر؛ لأن الحط من تمام العمل؛ وهكذا قال أبو يوسف في الحمال يطلب الأجرة بعد ما بلغ المنزل قبل أن يضعه أنه ليس له ذلك؛ لأن الوضع من تمام العمل. والفرقُ أن كل جزء من العمل في هذا النوع غير مقصود؛ لأنه لا ينتفع بعضه دون بعض، فكان الكل كشيء واحد، فما لم يوجد لا يقابله البدل بلا خلاف، بخلاف النوع الأول على قول أبي حنيفة الآخر، لأن كل جزء من السكنى وقطع المسافة مقصود فيقابل بالأجرة ثم في النوع الآخر إذا أراد الأجير حبس العين بعد الفراغ من العمل لاستيفاء الأجرة، هل له ذلك؟ ينظر: إن كان لعمله أثر ظاهر في العين كالخياط والقصار والصباغ والإِسكاف له ذلك؛ لأن ذلك الأثر هو المعقود عليه وهو صيرورة الثوب مخيطاً مقصوراً، وإنما العمل يحصل ذلك الأثر عادة، والبدل يقابل ذلك الأثر، فكان كالمبيع، فكان له أن يحبسه لاستيفاء الأجرة كالبيع قبل القبض أنه يحبس لاستيفاء الثمن إذا لم يكن الثمن مؤجلاً . ولو هلك قبل التسليم تسقط الأجرة؛ لأنه مبيع هلك قبل القبض، وهل يجب الضمان؟ فعند أبي حنيفة لا يجب، وعندهما يجب؛ لأنه يجب قبل الحبس عندهما فبعد الحبس أولى، والمسألة تأتي في موضعها، إن شاء الله تعالى. (١) في ط: يخير. (٢) في ط: العمل. (٣) في ط: إلا عند انتهاء المدة أو قطع المسافة بعد الفراغ. ٤٣ كِتَابِ الإِجَارَةِ وإِن لم يكن لعمله أثر ظاهر في العين كالحمال والملاح والمكاري، ليس له أن يحبس العين؛ لأن ما لا أثر له في العين فالبدل إِنما يقابل نفس العمل إلا أن العمل كله كشيء واحد، إذ لا ينتفع ببعضه دون بعض، فكما فرغ حصل في يد المستأجر فلا يملك حبسه عنه بعد طلبه كاليد المودعة؛ ولهذا لا يجوز حبس الوديعة بالدين، ولو حبسه فهلك قبل التسليم لا تسقط الأجرة؛ لما ذكرنا أنه كما وقع في العمل حصل مسلماً إِلى المستأجر؛ لحصوله في يده فتقررت عليه الأجرة، فلا تحتمل السقوط بالهلاك، ويضمن لأنه حبسه بغير حقِّ، فصار غاصباً بالحبس، ونَصَّ محمدٌ على الغصب فال: فإِن حبس الحمال المتاع في يده فهو غاصبٌ. ووجهه ما ذكرنا أن العين كانت أمانة في يده؛ فإذا حبسها بدينه فقد صار غاصباً؛ كما لو حبس المودع الوديعة بالدين، هذا الذي ذكرنا أن العمل لا يصير مسلماً إلى المستأجر إلا بعد الفراغ منه، حتى لا يملك الأجير المطالبة بالأجرة قبل الفراغ إذا كان المعمول فيه في يد الأجير، فإن كان في يد المستأجر، فقدر ما أوقعه من العمل فيه يصير مسلماً إلى المستأجر قبل الفراغ منه حتى يملك المطالبة بقدره من المدة، بأن استأجر رجلاً ليبني له بناء في ملكه، أو فيما في يده. بأن استأجر ليبني له بناء في داره أو يعمل له ساباطاً أو جناحاً أو يحفر له بئراً أو قناةً أو نهراً؛ أو ما أشبه ذلك في ملكه أو فيما في يده، فعمل بعضه، فله أن يطالبه بقدره من الأجرة؛ لكنه يجبر على الباقي؛ حتى لو انهدم البناء أو انهارت البئر أو وقع فيها الماء والتراب وسواها مع الأرض أو سقط الساباط(١)، فله أجر ما عمله بحصته؛ لأنه إذا كان في ملك المستأجر أو في يده فكما عمل شيئاً حصل في يده قبل هلاكه وصار مسلماً إليه، فلا يَسْقُطُ بَدَلُهُ بالهلاك. ولو كان ذلك(٢) في غير ملكه ويده، ليس له أن يطلب شيئاً من الأجرة / قبل الفراغ من ٢٣٥/٢ ب عمله وتسليمه إليه، حتى لو هلك قبل التسليم لا يجب شيء من الأجرة، لأنه إذا لم يكن في ملكه ولا في يده توقف وجوب الأجرة فيه على الفراغ والتمام. وقال الحسنُ بن زيادٍ: إِذا أراه موضعاً من الصحراء يحفر فيه بئراً، فهو بمنزلة ما هو في ملكه ويده، وقال في آخر الكلام، وهذا قياس قول أبي حنيفة، وقال محمد: لاَ يَكُونُ قابضاً إلا بالتخلية وإن أراه الموضع، وهو الصحيح؛ لأن ذلك الموضع بالتعيين لم يصر في يده، فلا يصير عمل الأجير فيه مسلماً له، وإن كان ذلك في غير ملك المستأجر ويده، فعمل الأجير بعضه والمستأجر قريب من العامل فخلى الأجير بينه وبينه؛ فقال المستأجر: لا أقبضه منك (١) السَّابَاطُ: سقيفة بين حائطين تحتها ممر نافذ. المعجم الوسيط (سبط). (٢) في ط: غير ذلك. ٤٤ كِتَابِ الإِجَارَةِ حتى تفرغ، فله ذلك؛ لأن قدر ما عمل لم يصر مسلماً إذا لم يكن في ملك المستأجر ولا في يده؛ لأنه لا ينتفع ببعض عمله دون بعض، فكان للمستأجر أن يمتنع من التسليم حتى يتمه. ولو استأجر لباناً ليضرب له لبناً في ملكه أو فيما في يده، لا يستحق الأجرة حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد: حتى تجف أو ينصبه ويشرجه، ولا خلاف فى أنه إذا ضربه ولم يقمه أنه لا يستحق الأجرة؛ لأنه ما لم يقلبه عن مكانه فهو أرض، فلا يتناوله اسم اللبن، والخلاف بينهم يرجع إلى أنه هل يصير قابضاً له بالإِقامة أو لا يصير إلا بالتشريج، فعلى قول أبي حنيفة يصير قابضاً له بنفس الإقامة؛ لأن نفس الإقامة من تمام هذا العمل، فيصير اللبن مسلماً إليه بهما. وعلى قولهما لا يصير قابضاً ما لم يشرج؛ لأن تمام العمل به حتى [أنه] (١) لو هلك قبل النصب في قول أبي حنيفة وقبل التشريج، في قولهما، فلا أجر له؛ لأنه هلك قبل تمام العمل على اختلاف الأصلين، ولو هلك بعده فله الأجر؛ لأن العمل قد تم فصار مسلماً إليه؛ لكونه في ملكه أو في يده، فهلاكه بعد ذلك لا يسقط البدل. وجه قولهما: أن الأمن عن الفساد يقع بالتشريج، ولهذا جرت العادة بين الناس أن اللبان هو الذي يشرح ليؤمن عليه الفساد، فكان ذلك من تمام العمل كإخراج الخبز من التنور. ولأبي حنيفة أن المستأجر له ضرب اللبن، ولما جف ونصبه فقد وجد ما ينطلق عليه اسم اللبن وهو في يده أو في ملكه، فصار قابضاً له، فأما التشريج فعمل زائدٌ لم يلزمه العامل بمنزلة النقل من مكان إلى مكان، فلا يلزمه ذلك، وإن كان ذلك في غير ملكه ويده، لم يستحق الأجرة حتى يسلمه؛ وهو أن يخلي الأجير بين اللبن وبين المستأجر، لكن ذلك بعد ما نصبه عند أبي حنيفة، وعندهما بعد ما شرجه. وروى ابن سماعة عن محمد في رجل استأجر خبازاً ليخبز له قفيزاً من دقيق بدرهم، فخبز فاحترق الخبز في التنور قبل أن يخرجه، أو ألزقه في التنور ثم أخذه ليخرجه فوقع من يده في التنور فاحترق؛ فلا أجرة له لأنه هلك قبل تمام العمل؛ لأن عمل الخبز لا يتم إلا بالإِخراج من التنور، فلم يكن قبل الإِخراج خبز، فصار كهلاك اللبن قبل أن يتمه قال: ولو أخرجه من التنور ووضعه وهو يخبز في منزل المستأجر فاحترق من غير جنايته، فله الأجر، ولا ضمان عليه في قول أبي حنيفة، أما استحقاق الأجر فلأنه فرغ من العمل بإخراج الخبز من التنور وحصل مسلماً إلى المستأجر لكونه في ملك المستأجر. (١) سقط في ط. ٤٥ كِتَابِ الإِجَارَةِ وأما عدم وجوب الضمان، فلأن الهلاك من غير صنع الأجير المشترك لا يتعلق به الضمان عنده . وأما على قول من يضمن الأجير المشترك فإنه ضامن له دقيقاً مثل الدقيق الذي دفعه إليه ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمة الخبز مخبوزاً وأعطاه الأجر؛ لأن قبض الأجير قبض مضمون عندهما، فلا يبرأ عن الضمان بوضعه في منزل مالكه، وإنما يبرأ بالتسليم كالغاصب إذا وجب الضمان عليه عندهما، فصاحب الدقيق بالخيار إن شاء ضمنه دقيقاً وأسقط الأجر، لأنه لم يسلم إليه العمل، وإن شاء ضمنه خبزاً فصار العمل مسلماً إليه، فوجب الأجر عليه. قال: ولا أضمنه القصب ولا الملح، لأن ذلك صار مستهلكاً قبل وجوب الضمان عليه. وحين وجب الضمان عليه لا قيمة له؛ لأن القصب صار رماداً والملح صار ماء. وكذلك الخياط الذي يخبط له في منزله قميصاً، فإن خاط له بعضه لم يكن له أجرته؛ لأن هذا العمل لا ينتفع ببعضه دون بعضه، فلا تلزم الأجرة إِلا بتمامه، فإِذا فرغ منه ثم هلك فله الأجرة في قول أبي حنيفة؛ لأن العمل حصل مسلماً إليه لحصوله في ملكه. وأما على قولهما: فالعين مضمونة، فلا يبرأ / عن ضمانها إلا بتسليمها إلى مالكها، فإن ٣٢٦/٢ ١ هلك الثوب فإن شاء ضمنه قيمته صحيحاً ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته مخيطاً وله الأجر لما بينا. ولو استأجر حمالاً ليحمل له دنا من السوق إلى منزله، فحمله حتى إذا بلغ باب درب الذي استأجره كسره إنسان، فلا ضمان على الحامل في قول أبي حنيفة، وله الأجر، وهو على ما ذكرنا أن العمل إذا لم يكن له أثر ظاهر في العين كما وقع يحصل مسلماً إلى المستأجر. وذكر ابن سماعة عن محمد في رجل دفع ثوباً إلى خياط يخيطه بدرهم، فمضى فخاطه ثم جاء رجل ففتقه قبل أن يقبضه رَبُّ الثوب، فلا أجر للخياط؛ لأن المنافع هلكت قبل التسليم، فسقط بدلها، قال: ولا أجبر الخياط على أن يعيد العمل؛ لأنه لما فرغ من العمل فقد انتهى العقد فلا يلزمه العمل ثانياً، وإن كان الخياط هو الذي فتق الثوب عليه أن يعيده؛ لأنه لما فتقه فقد فسخ المنافع التي عملها؛ فكأنه لم يعمل رأساً، وإذا فتقه الأجنبي فقد أتلف المنافع بدليل أنه يجب عليه الضمان. وقال في الملاح: إذا حمل الطعام إلى موضع فرد السفينة إنسان، فلا أجر للملاح، وليس عليه أن يعيد السفينة؛ فإن كان الملاح هو الذي رَدَّها، لزمه إعادة الحمل إلى الموضع الذي شرط عليه لما قلنا، وإن كان الموضع الذي رجعت إليه السفينة لا يقدر رب الطعام على قبضه، فعلى الملاح أن يسلمه في موضع يقدر رب الطعام على قبضه ويكون له أجر مثله فيما ٤٦ كِتَابِ الإِجَارَةِ سار في هذا المسير؛ لأنا لو جوزنا للملاح تسليمه في مكان لا ينتفع به لتلف المال على صاحبه، ولو كلفناه حمله بالأجر إلى أقرب المواضع التي يمكن القبض فيها، فقد راعينا الحقين. وقالوا: ولو اكترى(١) بغلاً إلى موضع يركبه، فلما سار إلى بعض الطريق جمح به فرده إلى موضعه الذي خَرَجَ منه، فعليه الكري بقدر ما سار؛ لأنه استوفى ذلك القدر من المنافع، فلا يسقط عنه الضمان. وقال في ((الجامع الصغير)) عن أبي حنيفة في رجلٍ استأجر رجلاً يذهب إلى البصرة فيجيء بعياله، فذهب فوجد فلاناً [من العيال](٢) قد مات، فجاء بمن بقي، قال: له من الأجر بحسابه . وعن أبي حنيفة في رجلٍ استأجر رجلاً يذهب بكتابةٍ إلى البصرة إلى فلان ويجيء بجوابه، فذهب فوجد فلاناً قد مات، فرد الكتاب، فلا أجر له، وهو قول أبي يوسف، وقال محمد: له الأجر في الذهاب، أما في المسألة الأولى فلأن مقصوده حمل العيال؛ فإذا حمل بعضهم دون بعضٍ كان له من الأجر بحساب ما حمل. وأما في الثانية: فوجه قول محمد: أن الأجر مقابل بقطع المسافة لا يحمل الكتاب؛ لأنه لا حمل له ولا مؤنة، وقطع المسافة في الذهاب وقع على الوجه المأمور به، فيستحق حصته من الأجر، وفي العود لم يقع على الوجه المأمور به فلا يجب به شيء. ولهما: أن المقصود من حمل الكتاب إِيصاله إلى فلان ولم يوجد، فلا يجب شيء؛ على أن المقصود وإن كان نقل الكتاب لكنه إذا رده فقد نقص تلك المنافع، فبطل الأجر كما لو استأجره ليحمل طعاماً [له] (٣) إلى البصرة إلى فلان، فحمله فوجده قد مات فرده؛ أنه لا أجر له لما قلنا؛ كذا هذا. وللمستأجر في إجارة الدار وغيرها من العقار أن ينتفع بها كيف شاء بالسكنى ووضع المتاع، وأن يسكن بنفسه وبغيره، وأن يسكن غيره بالإِجارة والإِعارة إِلا أنه ليس له أن يجعل فيها حداداً ولا قصاراً [ولا طحاناً](٤) ونحو ذلك مما يوهن البناء؛ لما بينا(٥) فيما تقدم. ولو أجرها المستأجر بأكثر من الأجرة الأولى؛ فإن كانت الثانية من خلاف جنس الأولى (١) في ط: اكتراه. (٣) سقط في ط . (٥) في أ: لما قلنا. (٢) سقط في ط . (٤) سقط في ط. ٤٧ كِتَابِ الإِجَارَةِ طابت له الزيادة؛ وإن كانت من جنس الأولى لا تطيب له حتى يزيد في الدار زيادةً من بناءٍ أو حفرٍ أو تطيين أو تخصيص، فإن لم يزد فيه شيئاً فلا خير في الفضل، ويتصدق به، لكن تجوز الإجارة. أما جواز الإِجارة فلا شك فيه؛ لأن الزيادة في عقد لا يعتبر فيه المساواة بين البدل والمبدل لا تمنع صحة العقد؛ وههنا كذلك، فيصح العقد. وأما التَّصْدِيقُ بالفضل إذا كانت الأجرة الثانية من جنس الأولى فلأن الفضل ربح ما لم يضمن؛ لأن المنافع لا تدخل في ضمان المستأجر، بدليل أنه لو هلك المستأجر فصار بحيث لا يمكن الانتفاع به، كان الهلاك على المؤاجر - وكذا لو غصبه غاصب فكانت الزيادة ربح ما لم يضمن، وقد نهى رسولُ اللهِ وَ ◌ّر عن ذلك؛ فإِن كان هناك زيادة كان الربح في مقابلة الزيادة، فيخرج من أن يكون / ربحاً، ولو كنس البيت فلا يعتبر ذلك؛ لأنه ليس بزيادةٍ فلا ٢٣٦/٢ ب تطيب به زيادة الأجر. وكذا في إجارة الدابة إذا زاد في الدابة جوالق أو لجاماً أو ما أشبه ذلك؛ يطيب له الفضل لما بينا؛ فإن علفها لا يطيب له؛ لأن الأجرة لا يصير (١) شيء منها مقابلاً بالعلف، فلا يطيب له الفضل . ولو استأجر دابة ليركبها ليس له أن يركب غيره، وإن فعل ضمن؛ وكذا إذا استأجر ثوباً ليلبسه ليس له أن يلبسه غيره؛ وإن فعل ضمن لأن الناس متفاوتون في الركوب واللبس، فإن أعطاه غيره فلبسه ذلك اليوم ضمنه إن أصابه شيء؛ لأنه غاصب في الباسه غيره؛ وإن لم يصبه شيء فلا أجر له؛ لأن المعقود عليه ما يصير مستوفياً بلبسه، فما يكون مستوفي بلبس غيره لا يكون معقوداً عليه، واستيفاء غير المعقود عليه لا يوجب اليد. ألا يرى أنه لو استأجر ثوباً بعينه ثم غصب منه ثوباً آخر فلبسه، لم يلزمه الأجر؛ فكذلك إِذا ألبس ذلك الثوب غيره، لأن تعيين اللابس كتعيين الملبوس، فإِن قيل هو قد تمكن من استيفاء المعقود عليه، وذلك لا يكفي لوجوب الأجر عليه؛ كما لو وضعه في بيته ولم يلبسه، قلنا تمكنه من الاستيفاء باعتبار يده؛ فإِذا وضعه في بيته فيده عليه معتبرة؛ ولهذا لو هلك لم يضمن؛ فأما إِذا ألبسه غيره، فيده عليه معتبرة حكماً. ألا ترى أنه ضامن وَإِن هلك من غير اللبس، فإِن يد اللابس عليه معتبرة حتى يكون لصاحبه أن يضمن غير اللابس، ولا يكون إلا بطريق تفويت يده حكماً، فلهذا لا يلزمه (١) في أ: يعتبر. ٤٨ كِتَابِ الإِجَارَةِ الأجرة، وإن سلم، وإن كان استأجره ليلبس يوماً إلى الليل ولم يسم من يلبسه، فالعقد فاسد لجهالة المعقول عليه؛ فإن اللبس يختلف باختلاف اللابس وباختلاف الملبوس؛ وكما أن ترك التعيين في الملبوس عند العقد يفسد العقد، فكذلك ترك تعيين اللابس، وهذه جهالة تفضي إلى المنازعة؛ لأن صاحب الثوب يطالبه بالباس أرفق الناس في اللبس وصيانة الملبوس وهو يأبى أن يلبس إلا أحسن الناس في ذلك، ويحتج كل واحد منهما بمطلق التسمية، ولا تصح التسمية مع فساد العقد، وإن اختصما فيه قبل اللبس فسدت الإِجارة، وإن لبسه هو وأعطاه غيره فلبسه إلى الليل، فهو جائز، وعليه الأجر استحساناً، والقياس عليه أجر المثل. وكذلك لو استأجر دابة للركوب ولم يبين من يركبها، أو للعمل ولم يسم من يعمل عليها، فعمل عليها إلى الليل، فعليه المسمى استحساناً، وفي القياس عليه أجر المثل؛ لأنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد ووجوب المسمى باعتبار صحة التسمية، ولا تصح التسمية مع فساد العقد . وجه الاستحسان: أن المفسد وهو الجهالة التي تفضي إلى المنازعة قد زال، وبانعدام العلة المفسدة ينعدم الفساد؛ وهذا لأن الجهالة في المعقود عليه وعقد الإِجارة في حق المعقود عليه كالمضاف، وإنما يتجدد انعقادها عند الاستيفاء ولا جهالة عند ذلك، ووجوب الأجر عند ذلك أيضاً، فلهذا أوجبنا المسمى وجعلنا التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء، ولا ضمان عليه إن ضاع منه؛ لأنه غير مخالفٍ، سواء لبس بنفسه أو ألبس غيره، بخلاف الأول فقد عين هناك لبسه عند العقد فيصير مخالفاً بالباس غيره. وإذا استأجر قميصاً ليلبسه يوماً إلى الليل، فوضعه في منزله حتى جاء الليل، فعليه الأجر كاملاً؛ لأن صاحبه مكنه من استيفاء المعقود عليه بتسليم الثوب إليه، وما زاد على ذلك ليس في وسعه وليس له أن يلبسه بعد ذلك؛ لأن العقد انتهى بمضي المدة، والإِذن في اللبس كان بحكم العقد . ولو استأجر دابَّةً ليركبها أو ثوباً ليلبسه، لا يجوز له أن يؤاجر غيره للركوب واللبس لما قلنا، ولو باع المؤاجر الدار المستأجرة بعدما أجرها من غير عذر، ذكر في الأصل أن البيع لا يجوز. وذكر في بعض المواضع: أن البيع موقوف، وذكر في بعضها: أن البيع باطل، والتوفيق ممكنَّ؛ لأن معنى(١) قوله: ((لا يجوز))، أي: لا ينفذ؛ وهذا لا يمنع التوقف؛ وقوله: ((باطل))، أي: ليس له حكم ظاهر للحال، وهو تفسير التوقف. (١) في ط: لأن في معنى. ٤٩ كِتَاب الإِجَارَةِ والصحيح أنه جائز في حق البائع والمشتري، موقوف في حق المستأجر، حتى إذا انقضت المدة يلزم المشتري البيع، وليس له أن يمتنع من الأخذ وليس للبائع أن يأخذ المبيع من يد المستأجر من غير إِجازة البيع؛ فإن أجاز جاز، وإِن أبى فللمشتري أن يفسخ البيع، ومتى فسخ لا يعود جائزاً بعد انقضاء مدة الإِجارة، وهل يملك المستأجر فسخ هذا البيع؟ ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يملك الفسخ حتى لو فسخ لا ينفسخ، حتى إذا مضت مدة الإِجارة، كان للمشتري أن يأخذ الدار. وروى الطحاوي عن أبي حنيفة ومحمدٍ أن له أن ينقض البيع، وإذا نقضه لا يعود جائزاً، وروي عن أبي يوسف أنه ليس للمستأجر نقض البيع والإِجارة كالعيب، فإن كان المشتري عالماً بها وقت الشراء، وَقَعَتِ الإِجارة لازمة، وإِن لم يكن عالماً بها وقت الشراء فهو بالخيار، إن شاء نقض البيع لأجل العيب وهو الإِجارة، وإن شاء أمضاه، وهذا كله مذهب أصحابنا، وقال الشافعي: البيع نافذ من غير إجازة المستأجر. وجه قوله: أَنَّ البيع صادف محله؛ لأَن الرقبة ملك المؤاجر، وإنما حق المستأجر في المنفعة، ومحل البيع العين، ولا حق للمستأجر فيها. ولنا: أن البائع غير قادر على تسليمه؛ لتعلق حق المستأجر به، وحق الإنسان يجب صيانته عن الإِبطال ما أمكن، وأمكن ههنا بالتوقف في حقه، فقلنا بالجواز في حق المشتري وبالتوقف في حق المستأجر، صيانةً للحقين، ومراعاةً للجانبين. وعلى هذا إذا أجر داره ثم أقر بها لإنسان أن إقراره ينفذ في حق نفسه ولا ينفذ في حق المستأجر، بل يتوقف إلى أن تمضي مدة الإِجارة، فإذا مضت نفذ الإقرار في حقه أيضاً، فيقضي بالدار للمقر له؛ وهذا بخلاف ما إذا أجر داره من إنسان ثم أجرها من غيره أن الإِجارة الثانية تكون موقوفة على إجازة المستأجر الأول، فإن أجازها جازت وإن أبطلها بطلت، وههنا ليس للمستأجر أن يبطل البيع. ووجه الفرق: أن عقد الإِجارة يَقَعُ على المنفعة إذ هو تمليك المنفعة، والمنافع ملك المستأجر الأول، فتجوز بإجازته وتبطل بإبطاله، فأما الإقرار فإنما يقع على العين، والعين ملك المؤاجر، لكن للمستأجر فيها حق، فإذا زال حقه بتقديم المستأجر الأول إذا أجاز الإِجازة الثانية حتى نفذت كانت الأجرة له لا لصاحب الدار، وفي البيع يكون الثمن لصاحب الملك. ووجه الفرق على نحو ما ذكرنا لأن الإِجارة وردت(١) على المنفعة وإنها ملك المستأجر (١) في أ: وقعت. بدائع الصنائع ج٦ - م٤ ٥٠ كِتَابِ الإِجَارَةِ الأول، فإذا أجاز كان بدلها له، فأما الثمن فإنه بدل العين، والعين ملك المؤاجر، فكان بدلها له، وبالإِجارة لا ينفسخ عقد المستأجر الأول ما لم تمض مدة الإِجارة الثانية، فإذا مضت فإن كانت مدتهما واحدة تنقضي المدتان جميعاً، وإن كانت مدة الثانية أقل، فللأول أن يسكن حتى تتم المدة. وكذلك لو رهنها المؤاجر قبل انقضاء مدة الإِجارة أن العقد جائز فيما بينه وبين المرتهن، موقوق في حق المستأجر؛ لتعلق حقه بالمستأجر، وله أن يحبس حتى تنقضي مدته. وعلى هذا بيع المرهون من الراهن أنه جائز بين البائع والمشتري، موقوف في حق المرتهن، وله أن يحبسه حتى يستوفي ماله، فإذا افتكها الراهن يجب عليه تسليم الدار إلى المشتري؛ كما في الإِجارة، إِلاَّ أن ههنا إذا أجاز المرتهن البيع حتى جاء وسلم الدار إلى المشتري، فالثمن يكون(١) / رهناً عند المرتهن قائماً مقام الدار؛ لأن حق حبس العين كان ثابتاً له ما دامت في يده وبدل العين قائم مقام العين فثبت له حق حبسه. ١٢٣٧/٢ وفرق القدوري بين الرهن والإِجارة، فقال في الرهن للمرتهن أن يبطل البيع وليس للمستأجر ذلك، لأن حق المستأجر في المنفعة لا في العين، فكان الفسخ منه تصرفاً في محل حق الغير، فلا يملكه، وأما في حق المرتهن فتعلق بغير المرهون. ألا ترى أنه يصير به مستوفياً للدين، فكان الفسخ منه تصرفاً في محل حقه فيملك، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم، وللأجير(٢) أن يعمل بنفسه وأجرائه إذا لم يشترط عليه في العقد أن يعمل بيده؛ لأن العقد وقع على العمل، والإنسان قد يعمل بنفسه وقد يعمل بغيره، ولأن عمل أجرائه يقع له، فيصير كأنه عمل بنفسه إلا إذا شرط عليه عمله بنفسه؛ لأن العقد وقع على عملٍ من شخص معين، والتعيين مفيد؛ لأن العمال متفاوتون في العمل فيتعين، فلا يجوز تسليمها من شخص آخر من غير رضا المستأجر؛ كمن استأجر جملاً بعينه للحمل لا يجبر على أخذ غيره. ولو استأجر على الحمل ولم يعين جملاً كان للمكاري أن يسلم إليه أيَّ جملٍ شاء؛ كذا ههنا، وتطيين الدار وإصلاح ميزابها وما هي من بنائها على رب الدار دون المستأجر؛ لأن الدار ملكه وإصلاح الملك على المالك، لكن لا يجبر على ذلك؛ لأن المالك لا يجبر على إصلاح ملكه؛ وللمستأجر أن يخرج إن لم يعمل المؤاجر ذلك لأنه عيب بالمعقود عليه، والمالك لا يجبر على إزالة العيب عن ملكه، لكن للمستأجر أن لا يرضى بالعيب حتى لو كان استأجر وهي كذلك ورآها فلا خيار له، لأنه رضي بالمبيع المعيب، وإصلاح دلو (٣) الماء والبالوعة (١) في أ: کله. (٣) في أ: بئر. (٢) في أ: وللآخر. ٥١ كِتَابِ الإِجَارَةِ والمخرج على رب الدار، ولا يجبر على ذلك، وإن كان امتلأ من فعل المستأجر لما قلنا. وقالوا في المستأجر إذا انقضت مدة الإِجارة وفي الدار تراب من كنسه، فعليه أن يرفعه؛ لأنه حدث بفعله، فصار كتراب وضعه فيها، وإن امتلأ خلاها ومجراها من فعله، فالقياس أن يكون عليه نقله؛ لأنه حدث بفعله فيلزمه نقله كالكناسة والرماد، إلا أنهم استحسنوا وجعلوا نقل ذلك على صاحب الدار؛ للمعرف والعادة إذ العادة بين الناس أن ما كان مغيباً في الأرض فنقله على صاحب الدار، فحملوا ذلك على العادة؛ فإن أصلح المستأجر شيئاً من ذلك لم يحتسب له بما أنفق؛ لأنه أصلح(١) ملك غيره بغير أمره ولا ولاية عليه، فكان متبرعاً، وقبض المستأجر على المؤاجر حتى لو استأجر دابة ليركبها في حوائجه في المصر وقتاً معلوماً فمضى الوقت، فليس عليه تسليمها إلى صاحبها بأن يمضي بها إليه. وعلى الذي أجرها أن يقبض من منزل المستأجر، لأن المستأجر وإن انتفع بالمستأجر، لكن هذه المنفعة إنما حصلت له بعوض حصل للمؤجر، فبقيت العين أمانة في يده كالوديعة، ولهذا لا يلزمه نفقتها، فلم يكن عليه ردها كالوديعة حتى لو أمسكها أياماً فهلكت في يده، لم يضمن شيئاً، سواء طلب منه المؤاجر أم لم يطلب؛ لأنه لم يلزمه الرد إلى بيته بعد الطلب، فلم يكن متعدياً في الإمساك فلا يضمن؛ كالمودع إذا امتنع عن رد الوديعة إلى بيت المودع حتى هلكت، وهذا بخلاف المستعار إن رده على المستعير؛ لأن نفعه له على الخلوص، فكان رده عليه لقول رسول الله وَلّ: ((الخَرَاجِ بِالضَّمَانِ)) (٢) ولهذا كانت نفقته عليه؛ فكذا مؤنة الرد. (١) في أ: أنفق. (٢) أخرجه الشافعي (١٤٣/٢ - ١٤٤) كتاب البيوع: باب فيما نهى عنه من البيوع، الحديث (٤٧٩)، والطيالسي (ص: ٢٠٦)، الحديث (١٤٦٤)، وأحمد (٤٩/٦، ١٦١، ٢٠٨، ٢٣٧)، وأبو داود (٣/ ٧٧٧ - ٧٧٩) كتاب البيوع والإجارات باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم يجد به عيباً، الحديث (١٢٨٥)، والنسائي (٢٥٤/٧ - ٢٥٥) كتاب البيوع: باب الخراج بالضمان، وابن ماجه (٧٥٤/٢) كتاب التجارات، باب الخراج بالضمان، الحديث (٢٢٤٢)، وابن الجارود (ص: ٢١٢ - ٢١٣) أبواب القضاء في البيوع، الحديث (٦٢٧)، والدارقطني (٥٣/٣) كتاب البيوع: الحديث (٢١٤)، والحاكم (١٥/٢): كتاب البيوع: باب الخراج بالضمان، والبيهقي (٣٢١/٥): كتاب البيوع: باب المشتري يجد بما اشتراه عيباً، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٢٣١/٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٢١/٤ - بتحقيقنا)، من رواية ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف الغفاري عن عروة، عن عائشة، عن النبي اَلر - به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وقد توبع مخلد بن خفاف تابع هشام بن عروة. أخرجه أحمد (٦/ ٨٠، ١١٦)، وأبو داود (٣/ ٧٨٠): كتاب البيوع والإجارات باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم وجد به عيباً، الحديث (٣٥١٠)، وابن ماجه (٧٥٤/٢): كتاب التجارات: باب الخراج بالضمان، لحديث (٢٢٤٣)، وابن الجارود في المنتقى (ص: ٢١٢): أبواب القضاء في البيوع، الحديث = ٥٢ كِتَابِ الإِجَارَةِ فإِن كان استأجرها من موضع مسمى في المصر ذاهباً وجائياً. فإن على المستأجر أن يأتي بها إلى ذلك الموضع الذي قبضها فيه، لا لأن الرد واجب عليه، بل لأجل المسافة التي تناولها العقد؛ لأن عقد الإجارة لا ينتهي إلا برده إلى ذلك الموضع، فإن حملها إلى منزله، فأمسكها حتى عطبت، ضمن قيمتها؛ لأنه تعدى في حملها إلى غير موضع العقد . فإن قال المستأجر: اركبها من هذا الموضع إلى موضع كذا وارجع إلى منزلي، فليس على المستأجر ردها إلى منزل المؤاجر؛ لأنه لما عاد إلى منزله فقد انقضت مدة الإِجارة، فبقيت أمانة في يده، ولم يتبرع المالك بالانتفاع بها، فلا يلزم ردها؛ كالوديعة، وليس للظئر أن تأخذ صبيًّا آخر فترضعه مع الأول، فإن أخذت صبيًّا آخر فأرضعته مع الأول، فقد أساءت وأثمت إن كانت قد أضرت بالصبي، ولها الأجر على الأول والآخر. ٢٣٧/١ ب أما الإِثم، فلأنه قد استحق عليها كمال الرضاع، ولما أرضعت صبيين / فقد أضرت بأحدهما لنقصان اللبن. وأما استحقاق الأجرة، فلأن الداخل تحت العقد الإرضاع مطلقاً، وقد وجد، وللمسترضع أن يستأجر ظئراً آخرٍ،؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا أَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] نفى الجناح عن المسترضع مطلقاً، فإن أرضعته الأخرى فلها الأجر أيضاً، فإن استأجرت الظئر ظئراً أخرى فأرضعته، أو دفعت الصبي إلى جاريتها فأرضعته، فلها الأجر استحساناً، والقياس أن لا يكون لها الأجر. وجه القياس: أن العقد وَقَعَ على عملها، فلا تستحق الأجر بعمل غيرها، كمن استأجر أجيراً ليعمل بنفسه، فأمر غيره فعمل، لم يستحق الأجرة، فكذا هذا. وجه الاستحسان: أن إِرضاعها قد يكون بنفسها وقد يكون بغيرها؛ لأن الإِنسان تارة يعمل بنفسه وتارة بغيره، ولأن الثانية لما علمت بأمر الأُولى وقع عملها للأولى، فصار كأنها (٦٢٦)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٢٣١/٤) وأبو يعلى (٨٢/٨ - ٨٣) رقم (٤٦١٤)، وابن حبان (١١٢٦ = - موارد)، والدارقطني (٥٣/٣): كتاب البيوع، الحديث (٢١٣)، والحاكم (١٥/٢): كتاب البيوع: باب الخراج بالضمان، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٢٠/٤ - بتحقيقنا)، من طريق مسلم بن مخلد الزنجي، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: ((أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي - وَّلــ، وبه عيب لم يعلم به، فاستغسله، ثم علم العيب فرده، فخاصمه إلى النبي - ◌َ طير - فقال: يا رسول الله إنه استغسله منذ زمن. فقال رسول الله - ◌َ ﴿ - الخراج بالضمان، وقال بعضهم: ((الغلة بالضمان))، قال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، ومسلم بن خالد الزنجي فيه ضعف لكنه توبع تابعه خالد بن مهران. وأخرجه الخطيب (٢٩٧/٨ - ٢٩٨)، وتابعه أيضاً عمر بن علي. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٠٢/٥) والبيهقي (٣٢٢/٥). ٥٣ كِتَابِ الإِجَارَةِ عملت بنفسها؛ هذا إذا أطلق فأما إذا قيد ذلك بنفسها ليس لها أن تسترضع أخرى؛ لأن العقد أوجب الإِرضاع بنفسها . فإن استأجرت أخرى فأرضعته، لا تستحق الأجر كما قلنا في الإِجارة على الأعمال؛ وليس للمسترضع أن يحبس الظئر في منزله إذا لم يشترط ذلك عليها، ولها أن تأخذ الصبي إلى منزلها؛ لأن المكان لم يدخل تحت العقد، وليس على الظئر طعام الصبي ودواؤه، لأن ذلك لم يدخل في العقد؛ وما ذكره في الأصل أن على الظئر ما يعالج به الصبيان من الريحان والدهن، فذلك محمولٌ على العادة. وقد قالوا: في توابع العقود التي لا ذكر لها في العقود أنها تحمل على عادة كل بلدٍ، حتى قالوا فيمن استأجر رجلاً يضرب له لَبِناً أن الزنبيل والمتبن على صاحب اللبن، وهذا على عادتهم . وقالوا: فيمن استأجر على حفرٍ قبرٍ أَن حثي التراب عليه إن كان أهل تلك البلاد يتعاملون به، وتشريج اللبن على اللبان، وإخراج الخبز من التنور على الخباز؛ لأن ذلك من تمام العمل. وقالوا في الخياط أن السلوك عليه؛ لأن عادتهم جرت بذلك؛ وقالوا في الدقيق الذي يصلح به الحائك الثوب أنه على صاحب الثوب؛ فإِن كان أهل بلد تعاملوا [على خلاف](١) ذلك، فهو على ما يتعاملون. وقالوا في الطباخ: إذا استأجر في عرس أن إخراج المرق عليه؛ ولو طبخ قدراً خاصة ففرغ منها، فله الأجر، وليس عليه من إِخراج المرق شيء وهو مبني على العادة يختلف باختلاف العادة. وقالوا: فيمن تكارى دابة يحمل عليها حنطة إلى منزله، فلما انتهى إليه أراد صاحب الحنطة أن يحمل المكاري ذلك فيدخله منزله، وأبى المكاري، قالوا: قال أبو حنيفة: عليه ما يفعله الناس ويتعاملون عليه، وإن أراد أن يصعد بها إلى السطح والغرفة، فليس عليه ذلك إلا أن يكون اشترطه، ولو كان حمالاً على ظهره، فعليه إِدخال ذلك، وليس عليه أن يصعد به إلى علو البيت، إلا أن يشترطه، وإذا تكارى دابة فالأكاف على صاحب الدابة، فأما الحبال والجوالق فعلى ما تعارفه أهل الصنعة، وكذلك اللجام، وأما السرج فعلى رب الدابة، إلا أن تكون سنة البلد بخلاف ذلك، فيكون على سنتهم، وعلى هذا مسائل : (١) في ط: بخلاف. ٥٤ كِتَابِ الإِجَارَةِ ولو التقط رجلٌ لقيطاً فاستأجر له ظئراً، فالأجرة عليه، وهو متطوع في ذلك، أما لزوم الأجرة إياه فلأنه التزم ذلك فيلزمه، وأما كونه متطوعاً فيه فلأنه لا ولاية له على اللقيط، فلا يملك إيجاب الدين في ذمته ورضاعه على بيت المال؛ لأن ميراثه لبيت المال. وأما الثاني: وهو الذي يرجع إلى صفة المستأجر والمستأجر فيه، فالكلام فيه في موضعين : أحدهما: في بيان صفة المستأجر والمستأجر فيه . والثاني: في بيان ما يغير تلك الصفة. أما الأول: فنقول وبالله التوفيق: لا خلاف في أن المستأجر أمانة في يد المستأجر؛ كالدار والدابة وعبد الخدمة ونحو ذلك، حتى لو هَلَكَ في يده بغير صنعه لا ضمان عليه؛ لأن قبض الإِجارة قبض مأذون فيه فلا يكون مضموناً كقبض الوديعة والعارية، وسواءً كانت الإِجارة صحيحة أو فاسدة لما قلنا. وأما المستأجر فيه كثوب القصارة، والصباغة، والخياطة، والمتاع المحمول في السفينة، أو على الدابة، أو على الجمال؛ ونحو ذلك ــ فالأجير لا يخلو إما إن كان مشتركاً أو خاصًّا، وهو المسمى أجيراً لواحد، فإن كان مشتركاً فهو أمانة في قول أبي حنيفة / وزفر الحسن بن زياد، وهو أحد قولي الشافعي. [حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ صَنْعَةٍ لا يضْمن؛ سَوَاءٌ هَلَكَ قَبْلَ العَمَلِ، أَوْ بَعدَهُ؛ وهو القِيَاسُ](١) . ٢٣٨/٢ ١ وقال أبو يوسف ومحمد هو مضمون عليه إِلاَّ حرق غالب أو غرق غالب أو لصوص مكابرين؛ ولو احترق بيت الأجير المشترك بسراج يضمن الأجير؛ كَذَا روي عن محمد لأن هذا ليس بحريق غالب، وهو الذي يقدر على استدراكه لو علم به؛ لأنه لو علم به لاطفأه، فلم يكن موضع العذر، وهو استحسان، ثم إِن هلك قبل العمل يضمن قيمته غير معمولاً، ولا أجر له، وإن هناك بعد العمل فصاحبُهُ بالخيار: إِن شاء ضمنه قيمته معمولاً، وأعطاه الأجر بحسابه، وإن شاء ضمنه قيمته غير معمولٍ ولا أجر له .. واحتجا بما روي عن رسول الله وَّهِ: أنه قال: ((عَلَى الَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ))(٢). وَقَدْ (١) سقط في ط. (٢) أخرجه أبو داود (٢٩٦/٣) كتاب البيوع باب في تضمين العارية حديث (٣٥٦١) والترمذي (٥٦٦/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في أن العارية مؤداه حديث (١٢٦٦) وابن ماجه (٢/ ٨٠٢) كتاب الصدقات: باب العارية حديث (٢٤٠٠) وأحمد (٨/٥) والدارمي (٢٦٤/٢) كتاب البيوع: باب في العارية مؤداه، والحاكم (٤٧/٢) وابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٢٤) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦/ ٩٠) كلهم من طريق الحسن عن سمرة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي قلت: في سماع الحسن من سمرة كلام طويل قدمنا ذكره. ٥٥ كِتَابِ الإِجَارَةِ عجز عن رَدِّ عينه بالهلاك، فيجب رد قيمته قائماً مقامه، وروي أن عمر - رضي الله عنه - كان يضمن الأجير المشترك احتياطاً لأموال الناس، وهو المعنى في المسألة، وهو أن هؤلاء الأجراء الذين يسلم المال إليهم من غير شهود تخاف الخيانة منهم، فلو علموا أنَّهم لا يضمنون لهلكت أموال الناس؛ لأنهم لا يعجزون عن دعوى الهلاك، وهذا المعنى لا يوجد في الحرق الغالب والغرق الغالب والسرق الغالب. ولأَبي حنيفة أن الأصل أن لا يجب الضمان إلا على المتعدي، لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلاَ عُذْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] ولم يوجد التعدي من الأجير؛ لأنه مأذون في القبض والهلاك ليس من صنعه، فلا يجب الضمان عليه، ولهذا لا يجب الضمان على المودع، والحديث لا يتناول الإِجارة، لأن الرد في باب الإِجارة لا يجب على المستأجر، فكان المراد منه الإعارة والغصب، وفعل عمر - رضي الله عنه - يحتمل أنه كان في بعض الأجراء؛ وهو المتهم بالخيانة، وبه نقول؛ ثم عندهما إنما يجب الضمان على الأجير إذا هلك في يده؛ لأن العين إنما تدخل في الضمان عندهما بالقبض كالعين المغصوبة، فما لم يوجد القبض لا يجب الضمان، حتى لو كان صاحب المتاع معه راكباً في السفينة أو راكباً على الدابة التي عليها الحمل، فعطب الحمل من غير صنع الأجير، لا ضمان عليه؛ لأن المتاع في يد صاحبه. وكَذَلِكَ إِذا كان صاحب المتاع والمكاري راكبين على الدابة أو سائقين أو قائدين لأن المتاع في أيديهما، فلم ينفرد الأجير باليد، فلا يلزمه ضمان اليد. وروى بشر عن أبي يوسف أنه إن سرق المتاع من رأس الحمال وصاحب المتاع يمشي معه، لا ضمان عليه؛ لأن المتاع لم يصر في يده، حيث لم يخل صاحب المتاع بينه وبين المتاع، وقالوا في الطعام: إذا كان في سفينتين وصاحبه في إحداهما وهما مقرونتان أو غير مقرونتين إلا أن سيرهما جميعاً وحبسهما جميعاً، فلا ضمان على الملاح فيما هلك من يده؛ لأنه هلك في يد صاحبه، وكذلك القطار إذا كان عليه حمولة ورب الحمولة على بعير، فلا ضمان على الحمال؛ لأَن المتاع في يد صاحبه لأنه هو الحافظ له. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في رجلٍ استأجر حمالاً ليحمل عليه زقًّا من سمنٍ، فحمله صاحب الزق والحمال جميعاً ليضعاه على رأس الحمال، فانخرق الزق وذهب ما فيه. قال أبو يوسف: لا يضمن الحمال؛ لأنه لم يسلم إِلى الحمال، بل هو في يده. قال: وإن حمله إلى بيت صاحبه ثم أنزله الحمال من رأسه وصاحب الزق، فوقع من أيديهما، فالحمال ضامن، وهو قول محمد الأول، ثم رجع وقال: لا ضمان عليه. لأبي يوسف أن المحمول داخل في ضمان الحمالة بثبوت يده عليه، فلا يبرأ إلا بالتسليم إلى صاحبه، فإذا أخطأ جميعاً فيد الحمال لم تزل فلا يزول الضمان. ٥٦ كِتَاب الإِجَارَةِ ولمحمد أن الشيء قد وصل إلى صاحبه بأنزاله، فخرج من أن يكون مضموناً كما لو حملاه ابتداءً إلى رأس الحمال فهلك. وروى هشام عن محمد فيمن دفع إلى رجلٍ مصحفاً يعمل فيه ودفع الغلاف معه أو دفع سيفاً إلى صَيْقلٍ يصقله بأجرٍ، ودفع الجفن معه فضًاعاً، قال محمد: يضمن المصحف والغلاف والسيف والجفّن؛ لأن المصحف لا يستغني عن الغلاف، والسيف لا يستغني عن الجفن، فصارا كشيءٍ واحدٍ، قال: فإن أعطاه مصحفاً يعمل له غلافاً أو سكيناً يعمل له نصالاً، فضاع المصحف أو ضاع السكين، لم يضمن لأنه لم يستأجره على أن يعمل فيهما، بل في غيرهما. ولو اختلف الأَجير وصاحب الثوب فقال الأجير: رددت، وأنكر صاحبه فالقولُ قولُ ٢٣٨/٢ ب الأجير في قول / أبي حنيفة؛ لأنه أمين عنده في القبض، والقول قول الأمين مع اليمين، ولكن لا يصدق في دعوى الأجر، وعندهما القولُ قولُ صاحب الثوب، لأن الثوبَ قَدْ دَخَلَ في ضمانه عندهما، فلا يصدق على الرد إِلا ببينة، وإن كان الأجير خاصًّا فما في يده يكون أمانة في قولهم جميعاً، حتى لو هلك في يده بغير صنعه لا يضمن، أما على أصل أبي حنيفة فلأنه لم يوجد منه صنع يصلح سبباً لوجوب الضمان؛ لأن القبض حصل بإذن المالك. وأما على أصلهما، فلأن وجوب الضمان، فلأن وجوب الضمان في الأجير المشترك ثبت استحساناً؛ صيانةً لأموال الناس، ولا حاجة إلى ذلك في الأجير الخاص؛ لأن الغالب أنه يسلم نفسه ولا يتسلم المال، فلا يمكنه الخيانة، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وأما الثاني: وهو بيان ما يغيره من صفة الأمانة إلى الضمان، فالمغير له أشياء، منها: ترك الحفظ لأن الأجير لما قبض المستأجر فيه فقد التزم حفظه وترك الحفظ الملتزم سبب لوجوب الضمان؛ كالمودع إذا ترك حفظ الوديعة حتى ضاعت على، ما نذكره في ((كتاب الوديعة))، إن شاء الله تعالى. ومنها: الإتلاف والإفساد إذا كان الأجير متعدياً فيه؛ بأن تعمد ذلك أو عنف في الدق، سواء كان مشتركاً أو خاصًّا، وإن لم يكن متعدياً في الإفساد بأن أفسد الثوب خطأ بعمله من غير قصده، فإن كان الأجير خاصًّا لم يضمن بالإِجماع، وإن كان مشتركاً كالقصار إذا دق الثوب فتخرق أو ألقاه في النور فاحترق، أو الملاح غرقت السفينة من عمله، ونحو ذلك؛ فإِنه يضمن في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: لا يضمن، وهو أحد قولي الشافعي. وجه قول زفر: أن الفساد حصل بعمل مأذون فيه، فلا يجب الضمان كالأجير الخاص والمعين، والدليل على أنه حصل بعمل مأذون فيه أنه حصل بالدق، والدقُّ مأذون فيه، ولئن لم يكن مأذوناً فيه لكن لا يمكنه التحرز عن هذا النوع من الفساد؛ لأنه ليس في وسعه الدق ٥٧ كِتَابِ الإِجَارَةِ المصلح، فأشبه الحجام والبزاغ، ولئن كان ذلك في وسعه لكنه لا يمكنه تحصيله إلا بحرج، والحرجُ منفيٍّ، فكان ملحقاً بما ليس في الوسع. ولنا أن المأذون فيه الدق المصلح لا المفسد؛ لأن العاقل لا يرضى بإفساد ماله ولا يلتزم الأجرة بمقابلة ذلك، فيتقيد الأمر بالمصلح دلالة، وقوله: لا يمكنه التحرز عن الفساد، ممنوع؛ بل في وسعه ذلك بالاجتهاد في ذلك، وهو بذل المجهود في النظر في آلة الدق ومحله وإرسال المدقة على المحل على قدر ما يحتمله مع الحذاقة في العمل والمهارة في الصنعة، وعند مراعاة هذه الشرائط لا يحصل الفساد، فلما حصل دل أنه قصر كما نقول في الاجتهاد في أمور الدين إلا أن الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر حتى يؤاخذ الخاطىء والناسي بالضمان . وقوله: لا يمكنه التحرز عن الفساد إلا بحرج مسلم لكن الحرج إِنما يؤثر في حقوق الله - عزَّ وجلَّ - بالإِسقاط لا في حقوق العباد؛ وبهذا فارق الحجام والبزاغ؛ لأن السلامة والسراية هناك مبنية على قوة الطبيعة وضعفها، ولا يوقف على ذلك بالاجتهاد، فلم يكن في وسعه الاحتراز عن السراية، فلا يتقيد العقد بشرط السلامة. وأما الأجير الخاص، فهناك وإن وقع عمله إفساداً حقيقة إلاَّ أن عمله يلتحق بالعدم شرعاً؛ لأنه لا يستحق الأجرة بعمله بل بتسليم نفسه إليه في المدة فكأنه لم يعمل. وعلى هذا الخلاف الحمال إذا زلقت رجله في الطريق أو عثر فسقط وفسد حمله؛ ولو زحمه الناس حتى فسد، لم يضمن بالإِجماع؛ لأنه لا يمكنه حفظ نفسه عن ذلك، فكان بمعنى الحرق الغالب والغرق الغالب، ولو كان الحمال هو الذي زاحم الناس حتى انكسر، يضمن عند أصحابنا الثلاثة . . وكذلك الراعي المشترك إذا ساق الدواب على السرعة، فازدحمن على القنطرة أو على الشط، فدفع بعضُها بعضاً؛ فسقط في الماء فعطب؛ فعلى هذا الخلاف. ولو تلفت دابة بسوقه أو ضربه إياها، فإن ساق سوقاً معتاداً، أو ضرب ضرباً معتاداً فعطبت، فهو على الاختلاف، وإن ساق أو ضرب سوقاً وضرباً بخلاف العادة، يضمن بلا خلافٍ؛ لأن ذلك إتلاف على طريق التعدي، ثم إذا تخرق الثوب من عمل الأجير حتى ضمن لا يستحق الأجرة، لأنه ما أوفى المنفعة، بل المضرة، لأن إِيفاء المنفعة بالعمل المصلح دون المفسد، وفي الحمال إذا وجب ضمان المتاع المحمول فصاحبه بالخيار: إِن شاء ضمنه قيمته في الموضع الذي سلمه إليه، وإن شاء في الموضع الذي فسد أو هلك وأعطاه الأجر إِلى ذلك / الموضع. ٢٣٩/٢ أ ٥٨ كِتَابِ الإِجَارَةِ وروي عن أبي حنيفة أنه لا خيار له، بل يضمنه قيمته محمولاً في الموضع الذي فسد أو هلك، أما التخيير على أصل أبي يوسف ومحمد فظاهر؛ لأنه وجد جهتا الضمان القبض والإِتلاف، فكان له أن يضمنه بالقبض يوم القبض، وله أن يضمنه بالإِتلاف يوم الإِتلاف. أما على أصل أبي حنيفة ففيه إشكال؛ لأن عنده الضمان يجب بالإِتلاف لا بالقبض، فكان لوجوب الضمان سبب واحد وهو الإِتلاف، فيجب أن تعتبر قيمته(١) يوم الإِتلاف، ولا خیار له فیما یروی عنه. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه وجد ههنا سببان لوجوب الضمان أحدهما الإتلاف، والثاني: العقد؛ لأن الأجير بالعقد السابق التزم الوفاء بالمعقود عليه، وذلك بالعمل المصلح وقد خالف، والخلاف من أسباب وجوب الضمان، فثبت له الخيار إِن شاء ضمنه بالعقد، وإن شاء بالإِتلاف. والثاني: أنه لما لم يوجد منه إيفاء المنفعة في القدر التالف، فقد تفرقت عليه الصفقة في المنافع، فيثبت له الخيار إن شاء رضي بتفريقها، وإن شاء فسخ العقد، ولا يكون ذلك إلا بالتخيير، ولو كان المستأجر على حمله عبيداً صغاراً أو كباراً، فلا ضمان على المكاري فيما عطب من سوقه. ولا قوده، ولا يضمن بنو آدم من وجه الإِجارة، ولا يشبه هذا المتاع؛ لأن ضمان بني آدم ضمان جناية، وضمان الجناية لا يجب بالعقد، دلت هذه المسألة على أن ما يضمنه الأجير المشترك يضمنه بالعقد، لا بالإفساد والإتلاف؛ لأن ذلك يستوي فيه المتاع والآدمي، وإن وجب الضمان فيه بالخلاف لا بالإتلاف. وذكر بشر في نوادره عن أبي يوسف في القصار إذا استعان بصاحب الثوب ليدق معه فتخرق ولا يدري من أيِّ الدق تخرق، وقد كان صحيحاً قبل أن يدقاه، قال: على القصار نصف القيمة . وقال ابن سماعة عن محمد: أَنَّ الضمان كلُّه على القصار؛ حتى يعلم أنه تخرق من دق صاحبه أو من دقهما، فمحمد مر على أصلهما أن الثوب دخل في ضمان القصار بالقبض بيقين، فلا يخرج عن ضمانه إلا بيقين مثله، وهو أن يعلم أن التخرق حصل بفعل غيره. ولأبي يوسف أن الفساد احتمل أن يكون من فعل القصار، واحتمل أنه من فعل صاحب الثوب، فيجب الضمان على القصار في حالٍ ولا يجب في حالٍ، فلزم اعتبار الأحوال فيه، فيجب نصف القيمة. (١) في ط: قيمة. ٥٩ كِتَاب الإِجَارَةِ وقالوا: في تلميذ الأجير المشترك إذا وطىء ثوباً من القصارة فخرقه يضمن؛ لأن وطء الثوب غير مأذونٍ فيه، ولو وقع من يد سراج فأحرق ثوباً من القصارة، فالضمان على الأستاذ، ولا ضمان على التلميذ؛ لأن الذهاب والمجيء بالسراج عمل مأذون فيه، فينتقل عمله إلى الأستاذ كأنه فعله(١) بنفسه، فيجب الضمان عليه. ولو دق الغلام، فانقلب الكودين من غير يده فحرق ثوباً من القصارة، فالضمان على الأُستاذ، لأن هذا من عمل القصارة، فكان مضافاً إلى الأستاذ، فإن كان ثوباً وديعة عند الأستاذ، فالضمان على الغلام؛ لأن عمله إنما يضاف إلى الأستاذ فيما يملك تسليطه عليه واستعماله فيه، وهو إنما يملك ذلك في ثياب القصارة، لا في ثوب الوديعة، فبقي مضافاً إليه، فيجب عليه الضمان كالأجنبي، وكذلك لو وقع من يده سراج على ثوب الوديعة، فأحرقه، فالضمان على الغلام لما قلنا. وذكر في الأصل لو أن رجلاً دعى قوماً إلى منزله فمشوا على بساطه فتخرق لم يضمنوا، وكذلك لو جلسوا على وسادته(٢)؛ لأنه مأذون في المشي على البساط والجلوس على الوسادة، فالمتولد منه لا يكون مضموناً. ولو وطئوا آنيةً من الأواني ضمنوا؛ لأَن هذا مما لا يؤذن في وطئه وكذلك إِذا وطئوا ثوباً لا يبسط مثله، ولو قلبوا إناء بأيديهم فانكسر لم يضمنوا؛ لأَن ذلك عمل مأذون فيه، ولو كان رجل منهم مقلداً سيفاً فخرق السيف الوسادة لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه الجلوس على هذه الصفة، ولو جفف القصار ثوباً على حبل في الطريق فمرت عليه حمولة فخرقته، فلا ضمان على القصار، والضمان على سائق الحمولة؛ لأن الجناية من السائق؛ لأَن المشي في الطريق مقيد بالسلامة، فكان التلف مضافاً إليه، فكان الضمان عليه. ولو تكارى رجل دابة ليركبها فضربها فعطبت، أو كبحها باللجام فعطبها ذلك؛ فإنه ضامن إلا أن يأذن له صاحب الدابة في ذلك عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: نستحسن أن لا نضمنه إذا لم يتعد في الضرب المعتاد والكبح المعتاد. وجه قولهما: إن / ضرب الدابة وكبحها معتادٌ متعارفٌ، والمعتاد(٣) كالمشروط، ولو ٢٣٩/٢ ب شرط ذلك لا يضمن؛ كذا هذا. ولأَبي حنيفة أن كل واحد منهما من الضرب والكبح [غير] (٤) مأذون فيه؛ لأَن العقد لا يوجب الاذن بذلك؛ لإمكان استيفاء المنافع بدونه، فصار كما لو كان ذلك من أجنبي؛ على أنا (١) في أ: عمله. (٣) في أ: والمعروف. (٤) سقط في ط. (٢) في ط: وسادة. ٦٠ كِتَابِ الإِجَارَةِ إن سلمنا(١) أنه مأذون فيه لكنه مقيد بشرط السلامة؛ لأنه يفعله لمنفعة نفسه مع كونه مخيراً فيه، فأشبه ضربه لزوجته، ودعوى العرف في غير الدابة المملوكة ممنوعة، على أن كونه مأذوناً فيه لا يمنع وجوب الضمان إذا كان [مقيداً](٢) بشرط السلامة على ما ذكرنا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ومنها: الخلاف وهو سبب لوجوب الضمان إذا وقع غصباً؛ لأن الغصب سبب لوجوب الضمان، وجملة الكلام فيه أن الخلاف قد يكون في الجنس، وقد يكون في القدر، وقد يكون في الصفة، وقد يكون في المكان، وقد يكون في الزمان، والخلاف من هذه الوجوه قد يكون في استئجار الدواب، وقد يكون في استئجار الصناع كالحائك والصباغ والخياط، خلا المكان. أما استئجار الدواب، فالمعتبر في الخلاف فيه في الجنس والقدر والصفة في استئجار الدواب ضرر الدابة، فإن كان الخلاف فيه في الجنس، ينظر إن كان ضرر الدابة فيه بالخفة والثقل، يعتبر الخلاف فيه من جهة الخفة والثقل، فإن كان الضرر في الثاني أكثر، يضمن كل القيمة إذا عطبت الدابة؛ لأنه يصير غاصباً لكلها، وإن كان الضرر في الثاني مثل الضرر في الأول أو أقل، لا يضمن عندنا؛ لأن الإذن بالشيء إذن بما هو مثله أو دونه، فكان مأذوناً بالانتفاع به من هذه الجهة دلالة فلا يضمن، وإن كان ضرر الدابة فيه لا من حيث الخفة والثقل، بل من وجه آخر لا يعتبر فيه الخلاف، من حيث الخفة والثقل، وإنما يعتبر من ذلك الوجه لأن ضرر الدابة من ذلك الوجه، وإن كان الخلاف في القدر والضرر فيه من حيث الخفة والثقل يعتبر الخلاف في ذلك القدرة، ويجب الضمان بقدرة؛ لأن الغصب يتحقق بذلك القدر، وإن كان الضرر فيه من جهة أخرى تعتبر تلك الجهة في الضمان لا الخفة والثقل، وإن كان الخلاف في الصفة وضرر الدابة ينشأ منها، يعتبر الخلاف فيها ويبني الضمان عليها . وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا استأجر دابةً ليحمل عليها عشرة مخاتيم شعير، فحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فعطبت، يضمن قيمتها؛ لأن الحنطة أثقل من الشعير وليست(٣) من جنسه، فلم يكن مأذوناً فيه أصلاً، فصار غاصباً كل الدابة متعدياً عليها فيضمن كل قيمتها ولا أجر عليه، لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان؛ لأن وجوب الضمان لصيرورته غاصباً، ولا أجرة على الغاصب على أصلنا؛ ولأن المضمونات(٤) تملك على أصل أصحابنا، وذا يمنع وجوب الأجرة عليه، ولو استأجرها ليحمل عليها حنطة فحمل عليها مكيلاً آخر ثقله كثقل الحنطة وضرره كضررها فعطبت ـ لا يضمن. (١) في أ: قلنا. (٢) سقط في ط. (٣) في ط: وليس. (٤) في أ: المغصوبات.