Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ کتاب الاستیلاد هذا إذا كان العلوق في ملك المدعيين، فإن لم يَكُنْ بأنِ اشترياها وهي حامل، فجاءت بولد فادعاه أحدهما أو كلاهما، فهو من مسائل الدعوة، نذكره هناك، إن شاء الله - تعالى -. وكذا إذا ولدت الجارية المشتركة بين اثنين ولدين، فادعى كل واحد منهما ولداً ولدتهما في بطن أو بطنين، والدعوتان خرجتا معاً أو على التعاقب، وكذا إذا ولدت جارية لإنسان ثلاثة أولاد، فادعى أحدهم، وهم ولدوا في بطن واحد أو في بطون مختلفة، وادعى المولى أحدهم بعينه أو بغير عينه، فحكم هذه الجملة في ((كتاب الدعوى))؛ وكذا دعوة الأب نسب ولد جارية ابنه مع فروعها ودعوة اللقيط(١) مع فصولها تذكر ثمة، إن شاء الله - تعالى -. أمة بين رجلين أقرَّ أحدُهما أنها أم ولد لصاحبه، وأنكر ذلك صاحبه، قال أبو حنيفة يبطل حق الشاهد في رقبتها، موسراً كان المشهود عليه أو معسراً، وتخدم المشهود عليه يوماً ويرفع عنها يوماً، فإن مات المشهود عليه سعت لورثته، وكانت في حال السعاية كالمكاتبة، فَإِنْ أدت عتقت وكان نصف ولائها للمشهود عليه والنصف لبيت المال، وهو قول أبي يوسف الآخر. وقال محمدٌ: يسعى الساعة في نصف قيمتها للمشهود عليه، فإذا أدت فهي حُرَّةٌ، ولا سبیل لأحدٍ عليها. وجه قولِهِ إن المقر قد أفسد على شريكه ملكه بإقراره؛ لأنه لما لم يصدقه الشريك انقلب إقراره على نفسه، فمن اشترى عبداً ثم أقر أن البائع كان قد أعتقه، وأنكر البائع، أنه ينقلب إقراره عليه ويجعل معتقاً؛ كذا ههنا؛ وإذا انقلب إقراره على نفسه صار مقرّاً بالاستيلاد في نصيبه، ومتى ثبت في نصيبه ثبت في نصيب صاحبه؛ لأنه لم يتجزأ، فقد أفسد نصيب صاحبه، لكن لا سبيل إلى تضمينه لأن شريكه قد كذبه في إقراره، فكان لشريكه السعاية؛ كما لو أعتق المقر نصيبه وهو معسر، وإذا سعت في نصيبه وعتق نصيبه، يعتق الكل لعدم تجزىء العتق عنده . ولهما: أن المقر بهذا الإقرار يدعي الضمان على المنكر بسبب تملك الجارية؛ لأن الاستيلاد لا يتجزأ فيما يحتمل النقل والملك، ويجب الضمان فيه على الشريك في حالة اليسار والإعسار، ودعوى الضمان توجب براءة الأمة عن السعاية، فبطل حقه في رقبتها وبقي حق المنكر(٢) في نصيبه كما كان؛ ولأن المقَّر لا يخلو إما أن كان صادقاً في الإقرار، وإما أن كان فيه كذباً، فإن كان صادقاً كانت الجارية كلها أم ولد لصاحبه، فيسلم له كمال الاستخدام، وَإن كان كاذباً كانت الجارية بينهما على ما كانت قبل الإقرار، فنصف الخدمة ثابتة للمنكر بيقين، (١) في أ: الأب. (٢) في أ: الشريك. بدائع الصنائع ج٥ - م٢٦ ٤٠٢ كتاب الاستيلاد واعتبار هذا المعنى يوجب أن لا سعاية عليها أيضاً، فأما المقر فقد أسقط حق نفسه عن الخدمة لزعمه أن كل الخدمة لشريكه، إلا أنَّ شريكه لما رد عليه بطلت خدمة اليوم وبيع هذه الجارية متعذرً؛ لأن الشاهد أقرَّ أنها أم ولد، وحين ما أقر كان له ملك فيها في الظاهر، فينفذ إقراره في ١٩٤/٢ ب حقه، وإذا مات المشهود عليه فإنها تسعى في نصف/ قيمتها لورثته؛ لأن في زعم الشاهد أنها عُتقت بموت صاحبه لزعمه أنها أم ولد صاحبه، والأمة المشتركة بين اثنين إذا أقر أحدهما على شريكه بالعتق، كان له عليها السعاية، وإن كذبه صاحبه في الإقرار؛ كذلك ههنا. ونصف الولاء للمشهود عليه؛ لأنها عتقت على ملكه ووقف النصف الآخر، لأن المقر أقر أنه للمشهود عليه، والمشهود عليه رد عليه قراره، فلا يعرف لهذا النصف مستحقٌ معلومٌ، فيكون لبيت المال. فإن جاءت بولد فقال أحدُهما: هو ابن الشريك، وأنكر الشريك، فالجواب في الأم كذلك، وأما الولد فيعتق ويسعى في نصف قيمته للمشهود عليه؛ لأن الشريك المقر أقر بحرية الولد من جهة شريكه، وأحد الشريكين إذا شهد على الآخر بالعتق وأنكر الآخر، يسعى العبد للمشهود عليه، وفي مسألتنا لا يسعى للشاهد؛ لأنه أقر أنه حُرُّ الأصل، وأنه لا سعاية عليه. ونظير هذه المسألة ما روى بشر عن أبي يوسف في جاريةٍ بين شريكين ادَّعى أحدُهما أن شريكه دَبَّرَهَا، وأنكر الشريك، فإن أبا حنيفة قال: الشاهد بالخيار إن شاء دبر فخدمته يوماً، والآخر يوماً وإن شاء أمسك ولم يدبر فخدمته يوماً والآخر يوماً، وإن شاء استسعاها في نصف قيمتها، فسعت له يوماً وخدمتِ الآخر يوماً، فإذا أدت فعتقت سعت للآخر، وكان قول أبي يوسف في ذلك أنها كأم الولد، ثم رجع وقال توقف كما قال أبو حنيفة إلا في تبعيض التدبير وقال محمدٌ تسعى الساعة. وَجْهُ قَوْلٍ مُحَمَّدٍ على نحو ما ذكرنا في الاستيلاد، وهو أن الشريك لما لم يصدقه في إقراره انقلب عليه إقراره، وثبت التدبير في نصيبه، وأنه يتعدى إلى نصيب المنكر لعدم تجزىء التدبير عنده، فقد أفسد نصيب المنكر وتعذر إيجاب الضمان عليه للمنكر لتكذيبه إياه، فتسعى الجارية له، كما لو أنشأ التدبير في نصيبه، ومن أصل أبي حنيفة أن التدبير يتجزأ، فلا يصير نصيبه بإقراره بالتدبير على صاحبه مدبراً، كما لو دبر أحد الشريكين نصيبه أنه يبقى نصيب الآخر على حاله وله التدبير والاستسعاء والترك على حاله، إلاَّ أن ههنا لو اختار السعاية فإنما يستسعاها يوماً ويتركها يوماً، لأنه لا يملك جميع منافعها، فلا يملك أن يستسعي إلاَّ على مقدار حقُّه، فإذا أدت عتق نصيبه، ويسعى للمنكر في نصيبه؛ لأنه فسد نصيبه وتعذر تضمين المقر، فكان له أن يستسعي. وأبو يوسف وافق أبا حنيفة إلا أنه يقول إن التدبير يتجزأ، فهو بدعوى التدبير على ٤٠٣ کتاب الاستبلاد شريكه يدعي الضمان عليه، موسراً كان أو معسراً، فكان مبرئاً للأمة عن السعاية، فلم يبق له حق الاستسعاء ولا حق الاستخدام فيوقف نصيبه، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه إذا شهد كل واحد منهما بالتدبير على صاحبه، أو شهد كل واحد منهما على صاحبه بالاستيلاد، فلا سبيل لواحد منهما على صاحبه ولا على الأمة، موسرين كانا أو معسرين؛ لأن كل واحد منهما يدعي حق الحرية من جهته والإبراء للأمة من السعاية ويدعي الضمان على شریکه. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ فأما محمد فوافق أبا حنيفة في هذا الفصل لأن كل واحد من الشريكين ههنا أبرأ الأمة من السعاية، وادعى الضمان على شريكه. وروى المعلى عن أبي يوسف في عبدٍ بين شريكين قال أحدهما للآخر: هذا ابني وابنك، أو ابنك وابني، فقال الآخرُ: صدقت، فهو ابن المقر خاصَّةً دون المصدق؛ وكذلك قال محمدٌ في الزيادات في صبي لا يعقل في يد رجلين قال أحدُهما للآخر: هو ابني وابنك، وصدقه صاحبه . وإنما كذلك لأنه قال ((هو ابني)) فكما قال ذلك (١) ثبت نسبه منه لوجود الإقرار منه بالنسب في ملكه، فلا يحتمل الثبوت من غيره بعد ذلك، قال محمد لو قال هذا ابنك وَسَكَتَ فلم يصدقه صاحبه حتى قال هو ابني معك، فهو موقوف، فإن قال صاحبه هو ابني دونك، فهو كما قال؛ لأنه أقر له بالنسب ابتداءً وسكت، فقد استقر إقراره ووقف على التصديق، فقوله بعد ذلك هو ابني يتضمن إبطال الإقرار، فلا يسمع، فإذا وجد التصديق من المقر له ثبت النسب منه، قال: فإن قال المقرَّ له: ليس بابني ولكنه ابنك، أو قال: ليس بابني ولا ابنك، أو قال ليس بابني وسكت، فليس بابنٍ / لواحدٍ منهما في قياس قول أبي حنيفة. ١١٩٥/٢ وقال محمد إن صدقه فهو ابن المقر له، وإن كذبه فهو ابن المقر. فهذا فرعُ اختلافهم فيمن أقر بعبدٍ أنه ابن فلان وكذبه المُقَرُّ له وادعاه المولى، أنه لم تصح دعوته في قول أبي حنيفة، وفي قولهما تصح. وجه قولهما إنه لما كذبه المقر له فقد بطل إقراره كما في الإقرار بالمال، وإذا بطل إقراره التحق بالعدم، فجاز أن يدعيه لنفسه، ولأبي حنيفة أنه لما أقر بالنسب لغيره فقد زعم أنه ثابت النسب منه، فتكذيبه ينفي ثبوت النسب منه في حقه لا في حق المقر (٢)، بل بقي ثابت النسب (١) في أ: هذه المقالة. (٢) في ط: الشريك. ٤٠٤ كتاب الاستيلاد منه في حقه، فإذا ادعى ولداً هو ثابت النسب من الغير في حقه فلا تسمع دعواه، ولو قال هو ابني وابنك فهو من(١) الثاني؛ لأنَّهُ لما قال: «هو ابني))، فقد صدقه، فقد ثبت نسبه منه، فإقراره بعد ذلك بقوله: ((ابنك)) لم يصح، قال محمد فإن كان هذا الغلام يعقل، فالمرجع إلى تصديقه؛ لأنه إذا كان عاقلاً كان في يد نفسه، فلا تقبل دعوى النسب عليه من غير تصديقه. قال: وإن كان الولد من(٢) أمة ولدته في ملكهما، فالجواب كالأول في النسب أن على قول أبي حنيفة لا يثبت من المقر بعد اعترافه لشريكه، وعلى قولهما يثبت، قال والأمة أم ولد لمن ثبت النسب منه، لأن الاستيلاد يتبع النسب. ومن هذا النوع: ما إذا اشترى رجلان جارية فجاءت بولدٍ في ملكهما لستة أشهر فصاعداً، وادعى أحدهما أن الولد ابنه، وادعى الآخر أن الجارية بنته، وخرجت الدعوتان معاً، فالدعوة دعوة مَنْ يَدَّعِي الولد، ودعوة مدعي الأم باطلةٌ؛ لأنَّ مدعي الولد دعوته دعوة الاستيلاد، والاستيلاد يستند إلى وقت العلوق، ومدعي الأم دعوة تحرير، والتحرير يثبت في الحال ولا يستند، فكانت دعوة مدعي الولد سابقة، فثبت نسب الولد منه، ويصير نصيبه من الجارية أم ولد له، وينتقل نصيب شريكه منها إليه، فكان دعوى الشريك دعوى فيما لا يملك، فلا يسمع، وهل يضمن مدعي الولد بنصف قيمة الأم ونصف عقرها، قال محمدٌ: يضمن. وَذكر في الجامع الكبير: أنَّ هذا قياس قول أبي حنيفة وهي رواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه لا شيء على مدعي الولد مِنْ قيمةِ الأم ولا من العقر، ولا شيء له أيضاً على مدعي الأم، فإن أكذب مدعي الأم نفسه، فله نصف قيمة الأم، ونصف عقرها على مدعي الولد، وذكر الكرخي أن هذا قول أقيس. وَوَجْهُهُ أنَّ مدَّعِي الأم أقر أنها حُرَّهُ الأصل، فكان منكراً ضمان القيمة، فلا يثبت له حق التضمین، فإن رجع عن دعواه وأكذب نفسه، ثبت له حق الضمان الذي اعترف به له شریکه. وجه قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف أنه لما ثبت نسب الولد من المدعي، فقد صار نصيبه من الجارية أم ولد له، فكذا نصيب شريكه لعدم تجزىء الجارية في حق الاستيلاد فيما يحتمل النقل، فصار متلفاً نصيب شريكه عليه، ولا يجوز تملك مال الغير إلا بعوض، فيضمن لشريكه نصف قيمة الأم، ويضمن له نصف عقر الجارية أيضاً، لأن الوطء لاقاها ونصفها مملوك للشريك، فما صادف ملك غيره يجب به العقر. وأما قوله: إن مدعي الأم أقر أنها حرة الأصل، فالجواب من وجهين: (١) في أ: ابن. (٢) في أ: ابن. ٤٠٥ كتاب الاستيلاد أحدهما: أنه لما قضى بكونها أم ولد للمدعي فقد صار مكذباً شرعاً، فبطل؛ كما لو ادعى المشتري أنه اشترى الدار بألف، وادعى البائع البيع بألفين، وأقام البائع البينة، وقضى القاضي بألفين على المدعى عليه - أن الشفيع يأخذها بالألفين من المشتري، وإن سبق من المشتري الإقرار بالشراء بألفٍ لما أنه كذبه شرعاً؛ كذا هذا. والثاني: إنَّ إِقراره بحريتها وجد بعد ما حكم بزوالها عن ملكه؛ لأنها جعلت زائلة عنه من وقت العلوق، فلم يصح إقراره، فلم يصر إقراره إبراء إياه عن الضمان كما في مسألة الشفيع . ومن مسائل دعوى الولد: إذا كاتب الرجل أمته فجاءت بولدٍ ليس له نسب معروف، فادعاه المولى ثبت نسبه منه، صدقته أم كذبته، وسواء جاءت بالولد لستة أشهر، أو لأكثر أو الأقل، فإنَّ نسب الولد يثبت على كل حال إذا دعاه، لأن المكاتبة باقية على ملك المولى، فكان ولدها مملوكاً له، ودعوة المولى ولد أمته لا تقف صحتها على التصديق، وعَتق الولد؛ لأن نسبه ثبت من/ المولى ولا ضمان عليه فيه؛ لأن غرض المكاتبة من الكتابة عتقها وعتق ١٩٥/٢ب أولادها، وقد حصل لها هذا الغرض، فلا يضمن لها شيئاً، ثم إن جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر فعليه العقر؛ لأنه تبين أن الوطء حصل في حال الكتابة . وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ كاتبها فلا عقر عليه؛ لأنه علم أنه وطئها قبل الكتابة، والمكاتبة بالخيار إن شاءت مضت على كتابتها، وإن شاءت عجزت [نفسها](١)، لأن الحرية توجهت إليها من جهتين، ولها في كل واحدة منهما غرض صحيح، لأن بالكتابة تتعجل لها الحرية وبالاستيلاد تسقط عنها السعاية، فكان التخيير مفيداً، فكان لها أن تختار أيهما شاءت . وإن ادعى المولى ولد جارية المكاتب له، وقد علقت به في ملك المكاتب، فإنه يرجع إلى تصديق المكاتب، فإن كذب المولى - لم يثبت نسب الولد، ولا تصير الجارية أم ولد له، وكانت الجارية وولدها مملوكين، وإن صدقه كان الولد ابن المولى وعليه قيمته يوم ولد . وذكر محمد في ((الزيادات)) ولم يحك خلافاً؛ وكذا ذكر في الدعاوى إلا أنه قال أسْتَخسِنُ ذلك إذا كان الحبل في ملك المكاتب، وهذا يشير إلى أن القياس أن لا يعتق الولد، وإن صدقه المكاتب، وهو رواية عن أبي يوسف، وروى ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف أن المولى يصدق بغير تصديق المكاتب، وجه القياس أنه لما لم يقبل قوله بغير تصديق، فكذا (١) سقط من ط . ٤٠٦ كتاب الاستيلاد مع التصديق، لأن المكاتب لا يملك التحرير بنفسه، فلا يملك التصديق بالحرية أيضاً، وجه الرواية الأخرى لأبي يوسف أنَّ حَقَّ الرجل في مال مكاتبه أقوى من حقه في مال ولده، فلما ثبت النسب في جارية الابن من غير تصديق، فههنا أولى. وجه ظاهر الرواية: أن حق المكاتب في كسبه أقوى من حق المولى، بدليل أنه لا يملك النزع من يده، فكان المولى في حق ملك التصرف في مال المكاتب بمنزلة الأجنبي، فتقف صحة دعوته على تصديق المكاتب، فإن صدقه كان الولد ابن المولى وعليه قيمته يوم ولد؛ لأنه يشبه ولد المغرور لثبوت الملك في الأم من وجه دون وجه، لأن ملك الذات في المكاتب للمولى، وملك التصرفات للمكاتب؛ كالمغرور أنه يثبت له الملك في الأم ظاهراً وللمستحق حقيقة وولد المغرور حر بالقيمة. قال محمد في ((الزيادات)) إذا اشترى المكاتب أمة حاملاً فادعى مولاها ولدها، أو اشترى عبداً صغيراً فادعاه، لم يجز دعوته إلا بالتصديق؛ كما في المسألة الأولى، إلا أن هناك إذا صدقه يثبت النسب ويعتق، وههنا إن صدقه المكاتب ثبت نسبه ولا يعتق؛ لأن تلك الدعوة دعوة استيلاد [وهذه الدعوى ليست دعوى استيلاد](١) لعدم العلوق في الملك، فكانت دعوة تحرير، والمولى لا يملك تحريره؛ ألا ترى أنه لو أعتقه لا تصح إلا أن النسب يثبت، وليس من ضرورة ثبوت النسب ثبوت العتق، ألا ترى أنَّ مَنِ ادعى ولد أمة أجنبي فصدقه مولاها (٢)، يثبت النسب ولا يعتق في الحال؛ كذا ههنا. فصل في صفة الاستيلاد وأما صفة الاستيلاد، فالاستيلاد لا يتجزأ عند أبي يوسف ومحمد كالتدبير، وعند أبي حنيفة هو متجزىء، إلا إنه قد يتكامل عند وجود سبب التكامل وشرطه وهو إمكان التكامل، وقيل إنه لا يتجزأ عنده أيضاً، لكن فيما يحتمل نقل الملك فيه، وأما فيما لا يحتمل فهو متجزىء عنده . وَبَيّانُ هَذَا ما ذكرنا فيما تقدم في الأمة القنة بين اثنين جاءت بولدٍ فادعاه أحدُهما - أن كلها صارت أم ولد له، وإنِ ادعياه جميعاً، صارت أم ولد لهما جميعها، ثم أم الولد الخالصة إذا أعتق المولى نصفها، عتق كلها بالإجماع. وَكَذَا إذا كانت بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، عتق جميعها بلا خلافٍ، لكن عندهما (١) سقط من ط. (٢) في ط: مولاه. ٤٠٧ کتاب الاستیلاد لعدم تجزىء الإعتاق، وعنده لعدم الفائدة في بقاء حكم الاستيلاد في الباقي، لا بإعتاقه كما في الطلاق والعفو عن القصاص؛ على ما بينا في ((كتاب العتاق))، ولا ضمان على الشريك المعتق ولا سعاية عليها في قول أبي حنيفة، وَسَتَأْتِي المسألة في موضعها، والفرق بين المدبر وأم الولد في هذا الحكم، إن شاء الله - تعالى -. وَلَوْ كانت مدبرة، صار نصيب المدعي أم ولد له، ونصيب الآخر بقي مدبراً على حاله، وإن كانت مكاتبة بين اثنين صار نصيب المدعي أم ولد عند أبي حنيفة وتبقى الكتابة، وعندهما يصير الكل أم ولد للمدعي، وتفسخ الكتابة في النصف وهي من / مسائل كتاب المكاتب. ١١٩٦/٢ فصل في حكم الاستيلاد وأما حكم الاستيلاد: فنوعان أيضاً كحكم التدبير: أحَدُهُمَا: يتعلق بحال حياة المستولد. والثاني: يتعلق بما بعد موته. أمَّا الأول فما ذكرنا في التدبير وهو ثبوت حق الحرية عند عامة العلماء. وقال بشر بن غياث المريسي، وداود بن علي الأصفهاني إمام أصحاب الظاهر: لا حكم له في الحال، وعلى هذا تبتني جملة من الأحكام، فلا يجوز بيع أم الولد عند العامة، وعندهما يجوز(١). (١) وجملةُ ذلك أنَّ الأَمَةَ إذا حَمَلَت من سَيِّدِها، ووَلَدَتْ منه، ثَبَتَ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، وحُكْمُها حكمُ الإماءِ، في حِلٌ وَطْئِها لسَيِّدِها، واسْتِخْدَامِها، ومِلْكِ كَسْبِها، وتَزْوِيجِها، وإجارَتِها، وعِثْقِها، وتَكْليفِها، وَحَدِها، وعَوْرَتِها. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم. وحُكِيَ عن مالِكِ، أَنَّه لا يَمْلِكُ إجارَتَها وتَزْوِيجَها، لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيْعَها، فلا يَمْلِكُ تَزْوِيجَها وَإِجارتَهَا، كالحُرَّةِ. وَلَنا، أنَّها مَمْلوكَةٌ يُنْتَفَعُ بها، فَيَمْلِكُ سيِّدُها تَزْوِيجَها، وإجارَتَها، كالمُدَبَّرةِ، ولأنَّها مَمْلُوكَةٌ تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِها، فأشْبَهَتِ المُدَبَّرِةَ، وإنَّما مُنِعَ بَيْعُها، لأنَّها اسْتَحَقَّتْ أنْ تَعْتِقَ بِمَوْتِه، وبَيْعُها يَمْنَعُ ذلك، بخلافٍ التَّزْويجِ والإِجارَةِ. ويبْطُلُ دليلُهم بالمَوْقُوفَةِ والمُدَبَّرَةِ عندَ مَنْ مَنَّعَ بَيْعَها. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّها تُخالِفُ الأمَّةَ القِنَّ،َ في أنَّها تَعْتِقُ بِمَوْتِ سيِّدها مِن رأسٍ المالِ، ولا يجوزُ بَيْعُها، ولا التَّصَرُّفُ فيها بما يَنْقُلُ المِلْكَ، من الهِبَةِ الوَقْفِ، ولا ما يُرادُ للبَيْعِ، وهو الرَّهْنُ، ولا تُورَثُ، لأنّها تَعْتِقُ بمَوْتِ السَّيِّدِ، ويزولُ الملْكُ عنها. رُوِيّ هذا في عمر، وعَثمانَ، وعائشةَ، وعامَّةِ الفُقهاءِ. وروي عن عليّ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرٍ، إِياحَةُ بَيْعِهِنَّ. وإليه ذَهَبَ داودُ. قال سعيدٌ: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عمروٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، في أَمِّ الولدِ، قال: بِعْهَا، كما تَبِيعُ شاتَكَ، أو بَعِيرَك. قال: وحَدَّثَنا أبو عَوَانَةَ، عن مُغِيرةَ، وعَن الشَّعْبِيِّ، عن عَبِيدَةَ، قال: خطَّبَ عَلِيِّ النَّاسَ، فقال: شَاوَرَنِي عمرُ في أُمَّهاتِ الأولادِ، فَرَأَيْتُ أنا وعمرُ أنَّ أَعْتِقَهُنَّ، فقَضَى به عمرُ حَياتَه، وعثمانُ = ٤٠٨ كتاب الاستبلاد وَاخْتَجًّا بما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: كُنَّا نبيع أمهات الأولاد على عهد حياتَه، فلمَّا وَلِيتُ، رأيت أنْ أُرِقَّهُنَّ. قال عَبِيدَةُ: فرَأْيُ عمرَ وعليٍّ في الجماعَةِ، أَحَبُ إلينا مِن رَأْىٍ عَلِيّ = وَحْدَه. وقد رَوَى صالِحُ بنُ أحمدَ، قال: قُلْتُ لأَبي: إلى أيّ شيءٍ تَذْهَبُ في بَيْعِ أُمَّهاتِ الأَوْلادِ؟ قال: أُكْرَهُه، وقد باعَ عليّ بنُ أبي طالِبٍ، - رضي الله عنه - وقال، في رِوَايةِ إسحاقَ بَنِ منصورٍ: لا يُعْجِبُنِي بَيْعُهُنَّ. قال أبو الخَطَّاب: فظاهِرُ هذا أنَّه يَصِحُ بَيْعُهُنَّ معَ الكَراهَةِ. فجعلَ هذا رِوايةً ثانيةً عن أحمدَ، الخَطَّاب: فظاهِرُ هذا أنَّهُ يَصِحُ بَيْعُهُنَّ معَ الكَراهَةِ. فجعلَ هذا روايةً ثانيةً عن أحمدَ، - رضي الله عنه . والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس برِوَايةٍ مُخالِفَةٍ لقولِه: إنَّهُنَّ لا يُبَعْنَ، لأنَّ السَّلَفَ رَحْمَةُ الله عليهم كانُوا يُطْلِقُون الكَراهَةَ على التَّخريم كثيراً، ومتى كان التَّخريمُ والمَنْعُ مُصرَّحاً به في سائِرِ الرِّواياتِ عنه، وَجَبَ حَمْلُ هذا اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ، على المُصَرَّح به، ولا يُجْعَلُ ذلك اخْتِلافاً. ولمن أجازَ بَيْعَهُنَّ أنْ يَحْتَجّ بما رَوَى جابرٌ، قال: بِعْنَا أَمَّهاتِ الأَوْلادِ، عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ وََّ، وأبي بكرٍ، فلمَّا كان عمرُ - رضي الله عنه - نَهانَا، فَانْتَهَيْنا. رواه أبو داودَ. وما كان جائزاً في عَهْدِ رسولِ اللهِ وَ لوأبي بكرٍ، لم يجُزْ نَسْخُه بقولِ عمرٌ ولا غيرِهِ، ولأَنَّ نَسْخَ الأحكامِ إِنَّما يجوزُ في عصرِ رسولِ اللهِوََّ، لأنَّ النَّصَّ إِنَّمَا يُنْسَخُ بَنَصِّ. وأمَّا قولُ الصَّحَابِيِّ، فلا يَتْسَخُ، ولا يُتْسَخُ به، فإنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ وَّهَ كانُوا يتركون أقْوالَهم لقولِ رسولِ الله ◌ََِّ، ولا يَتْرُكُونها بأقْوالِهم، وإنَّما تُحْمَلُ مُخالفَةُ عمرَ لهذا النَّصْ، على أنَّه لم يَبْلُغْه، ولو بَلَغَه لم يَعْدُه إلى غيرِهِ، ولأنَّها مَمْلوكَةٌ، لم يَعْتِقْها سَيِّدُها، ولا شيئاً منها، ولا قرابَةً بينَه وبينَها، فلم تَعْتِقْ، كما لو وَلَدَتْ من أبيه في نكاحِ أو غيرِهِ، ولأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، ولم يَرِذْ بَزوالِه نَصِّ ولا إجماعٌ، ولا ما في مَعْنَى ذلك، فوجَبَ البقاءُ عليه، ولأنَّ وِلادَتَها لو كانتْ مُوجِبَةً لِعِثْقِها، لَثَبَتَ العِثْقُ بها حينَ وُجودِها، كسائِرِ أسْبابِهِ. ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُجْعَلُ في سَهْم ولدها؛ لِتَعْتِقَ عليه. وقال سعيدٌ: حَدَّثَنَا سُفيانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مات رَجَلٌ مِنَّا، وتَرَكَ أُمَّ وَلَدٍ، فأرادَ الوليدُ بن عُقْبَةَ أنْ يَبِيعَها في دَيْنِه، فَأَتَيْنَا عبدَ الله بنَ مَسَعُودٍ، فذَكَرْنا ذلك له، فقال: إنْ كان ولا بُدَّ، فاجْعَلُوها مِن نَصِيبٍ أولادِها. ولَنا، ما رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: «أَيُّمَا أُمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهاَ، فَهِيَ حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ)) وقال ابنُ عبَّاسٍ: ذُكِرَتْ أُمُ إبراهيمَ عندَ رسولِ اللهِ وََّ، فقال: ((أَعْتَقَهَا وَلَدُها)) رِوَاهما ابنُ ماجَه. وذكَر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، في ((مسائله))، عن ابنِ عمرَ، عن النّبِيِّ وََّ، أَنَّه نَّهَى عن بَيْعِ أُمَّهات الأولادِ، ولا يُبَعْنَ، ولا يُرْهَنَّ، ولا يَرِثْنَ، ويَسْتَمْتِعُ بها سَيِّدُها ما بَدَاله، فإنْ ماتَ، فهي حُرَّةٌ. وهذا فيما أظُنُّ عن عمرَ، ولا يصِحُّ عِنِ النَّبِيِّ وََّ، ولأنّه إجماعُ الصَّحِابَةِ - رضي الله عنهم - بدلیلِ قَوْلٍ عليٍّ - كرم الله وجهه -: كان رَأْيِي ورَأْيُ عمرَ، أنْ لا تُباعَ أُمَّهاتُ الأَوْلادِ. وقوله: فَقَضَى به عمرُ حياته وعثمانُ حياته. وقولٍ عَبِيدَةَ: رَأْيُ عليٍّ وعمرَ عن الجماعَةِ، أَحَبُّ إلينا من رَأْيِهِ وَخْده. ورَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال عمرُ - رضي الله عنه -: ما مِنْ رَجُلٍ كان يُقِرُّ بأَنَّه يَطَأَ جارِيَتَه، ثم يموتُ، إلاَّ أعْتَقَهاَ وَلَدُها إذا وَلَدَتْ، وإنْ كان سَقْطَاً. فإن قيل: فكيف تَصِحُّ دَعْوَى الإجماع، مع مُخالَفَةٍ عليٍّ وابنٍ عَبَّاسٍ وابنِ الزّبَيْر، - رَضِيَ الله عنهم -؟ قُلْنا: قد رُوِيَ عنهم الرَّجوعُ عن المُخالَفَةِ، فَرَوَى عَبِيدَةُ، قالٍ: بَعَثَ إليَّ عَليٍّ وإلى شُرَيْحِ، أن اقْضُوا كما كُنْتُم تَقْضُونَ، فإِنِّي أَبغِضُ الاختلافَ. وابنُ عبّاسٍ قَال: ولدُ أُمّ الولدِ بِمَنْزِلَيّها. وهو الرَّاوِي لحديثِ عِثْقِهِنَّ، عن النّبِيِّ وَِّ، وعن عمرَ، فَيَدُلُّ على مُوافَقَتَّه لهم. ثم قد ثَبَتَ الإِجْماعُ باتِّفاقِهم قبلَ المُخالفَةِ، واتَّفَاقُهم مَعْصومٌ عن الخطَأِ، فإنَّ الأُمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على ضَلالَةٍ، ولا يجوزُ أَنْ يَخْلُوَ زمنٌ عن قائِم لله بحُجَّتِه، ولو جازَ ذلك في بعضِ العَصْرِ، لَجازَ في جَميعِهِ، ورأيُ المُوافِقِ فِي زَمَنِ الاتّفاقِ، خيرٌّ من رَأْيِه في الخلافِ بَعْدَه، فيكونُ الاتّفاقُ حُجَّةً على المُخالِفِ له منهم، = ٤٠٩ کتاب الاستیلاد رسول الله ﴾، ولأنها مملوكة له بدليل أنه يحل له وطؤها، ولا يحل الوطء إلا في الملك؛ وكذا تصح إجارتها وكتابتها، فدل أنها مملوكة له، فيجوز بيعها كبيع القنة. ولنا ما روي عن رسول الله وَي﴿ أنه قال: ((أُمُّ الوَلَدِ لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ))(١) وَهِيَ حُرَّةٌ من جميع المال، وهذا نص في الباب، وروي عن ابن عباس، عن رسول الله وَّر أنه قال في أم إبراهيم - عليها السلام -: ((أعْتَقَهَا وَلَدُهَا)) فظاهره يقتضي ثبوت حقيقة الحرية للحال أو الحرية من كل وجه، إلا أنه تأخر ذلك إلى ما بعد الموت بالإجماع، فلا أقل من انعقاد سبب الحرية، أو الحرية من وجه، وكل ذلك عدم يمنع جواز البيع. وروي أنَّ سَعِيدَ بْنَ المسيب سُئل عن بيع أمهات الأولاد، فقال: إن الناس يقولون إن أول مَنْ أمر بعتق أمهات الأولاد عمر بن الخطاب، وليس كذلك، لكن رسول الله وَ ◌ّ أول مَنْ أعتقهن، ولا يجعلن في الثلث ولا يستسعين في دين (٢). وَعَنْ سعيد بن المسيب أن رسول الله وَ له أمر بعتق أمهات الأولاد، وألا يُبعن في الدين، وَلاَ يجعلن في الثلث؛ وكذا إجماع(٣) التابعين على أنه لا يجوز بيع أم الولد، فكان قول بشر وأصحاب الظواهر مخالفاً للإجماع، فيكون باطلاً، ومن مشايخنا من قال عليه إجماع الصحابة أيضاً؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه سُئل عَنْ بيع أمهات الأولاد، فقال: كما هو حجَّةٌ على غيرِهِ. فإن قيلَ: لو كانَ الاتّفاقُ في بعضِ العَصْرِ إجماعاً، حَرُمَتْ مُخالفَتُه، فكيف خالَفَه هؤلاء الأَئِمَّةُ، الذين لا تجوزُ نِسْبَتُهم إلى ارتكابِ الَحَرامِ؟ قُلْنا: الإِجْماعُ يَنْقَسِم إلى مَقْطوع به ومَظْنونٍ، وهذا من المَظْنُونِ، فيُمْكِنُ وُقوعُ المُخالَفَةِ منهم له، مع كَوْنِه حُجَّةً، كما وَقَعَ منهم مُخَلَفَةُ النُّصُوص الظّنّيَّةِ، ولم تخْرِجْ بمُخالَفَتِهم عن كونِها حُجَّةً، كذا هُهُنا. فأمَّا قولُ جابِرٍ: بِعْنا أَمَّهاتِ الأولادِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِنَّهَ وأبي بكر. فليس فيه تصْرِيحٌ بأنَّه كان بِعِلْم رسولِ اللهِ وَّل، ولا عِلْم أبي بكر، فيكونُ ذلك واقِعاً مِن فِعْلِهم على انْفِرادِهم، فلا يكونُ فيه حُجَّةٌ، وَيَتعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ على هَذَا، لأنَّه لو كانَ هذا واقِعاً بعِلْم رسولِ اللهِ وَّه وأبي بكرٍ، وأقَرًّا عليه، لم تَجُزْ مُخالفَتُه، ولم يُجْمِعِ الصَّحابَةُ بعدَهُما على مُخالَفَتِهما، ولو فعلُوا ذلك، لم يَخْلُ مِن مُنْكِرٍ يُنْكِرُ عليهم، ويَقولُ: كيفَ يُخالِفُون فِعْلَ رسولِ اللهِ وَل﴿، وفعلَ صاحِبِه؟ وكيف يَتْرُكُونَ سُنَّتَهما، ويُحَرِّمُونَ ما أَحَلاًّ؟ ولأنّه لو كان ذلك واقِعاً بعِلْمِهما، لاختَجِّ به عليٍّ حينَ رَأَى بَيْعَهنَّ، واخْتَجَّ به كُلُّ مَنْ وافَقَه على بَيْعهِنَّ، ولم يَجْرِ شيءٌ من هذا، فوجَبَ أنْ يُحْمَلَ الأَمْرُ على ما حَمَلْناه عليه، فلا يكونُ فيه إذاً حجَّةٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم باعُوا أُمَّهاتِ الأَوْلادِ في النكاحِ، لا في المِلْكِ. ينظر: المغني (٥٨٤/١٤ - ٥٨٨). (١) ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (٤٠٢/٤) وعزاه للدارقطني بمعناه. (٢) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٨٨/٣) وقال غريب. وقال الحافظ ابن حجر: لم أجده وللحديث شواهد عند الدارقطني (١٣٤/٤ - ١٣٥). (٣) في ط: جميع. ٤١٠ كتاب الاستيلاد كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن، فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك(١)، وفي رواية أخرى عن علي - رضي الله عنه - اجْتَمَعَ رأيي ورأي عمر في ناس من أصحاب رسول الله وَّر على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن في الدين، فقال عبيدة: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك في الفرقة، فقول عبيدة في الجماعة إشارة إلى سبق الإجماع في الصحابة - رضي الله عنهم - ثم بدا لعليٍّ - رضي الله عنه - فيحمل خلافه على أنه كان لا يرى استقرار الإجماع ما لم ينقرض العصر (٢). (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) كما في ((نصب الراية)) (٢٩٠/٣). (٢) اختلف العلماء في انقراض عصر المجمعين على حكم، أي: موتهم عليه هل هو شرط في انعقاد إجماعهم، وكونه حجة، أولاً: فالمحققون من الشافعية، والحنفية، على أنه لا يشترط مطلقاً، فإذا اتفقوا - ولو لحظة - كان حجة في الحال، فيمتنع رجوع أحد من المجمعين على ذلك الحكم عنه، كما يمتنع مخالفة من حدث من المجتهدين بعد انعقاده. وقال أحمد، وأبو الحسن الأشعري، وابن فورك: يشترط مطلقاً، وقيل: إنه شرط في إجماع الصحابة فقط، واختار الآمدي اشتراطه في السكوتي دون غيره، وقال إمام الحرمين: إن كان مستنده قياساً اشترط وإلا فلا، كذا ذكره في المختصر. والصحيح عنه، أنه لا يعتبر الانقراض البتة، بل يفرق بين المستند إلى قاطع، فلا يشترط فيه تمادي الزمن، وينهض حجة في الحال، والمستند إلى ظني فيشترط فيه تمادي الزمن، حتى لو خر على المجتمعين سقف عقب الاتفاق، أوعمهم الهلاك بوجه من الوجوه، فلا يكون إجماعاً مع وجود الانقراض وعلى اشتراط الانقراض لا يكون حجة في الحال، فيجوز الرجوع، ويعتبر المجتهد اللاحق عند الأكثر، وعند الأقل فائدة الاشتراط، هي التمكن من الرجوع دون اعتبار اللاحق، فعلى الأول أهل الإجماع، هم السابقون، واللاحقون جميعاً لكن إنما يشترط انقراض السابقين فقط، وعلى الثاني - هم السابقون فقط فالشرط انقراضهم استدل المحققون بدليلين: الأول: أنه لو كان انقراض العصر شرطاً، لأوجبته الأدلة الدالة على حجية الإجماع، والتالي باطل، وبيان اللزوم أنه لا بد للاشتراط من دليل والفرض ألا دليل غير الأدلة الدالة على الحجية، وبيان بطلان التالي، إن الأدلة مطلقة تتناول ما انقرض عصره، وما لا ينقرض، والأصل عدم التقييد. الثاني: أنه لو شرط انقراض العصر لما تحقق إجماع والتالي باطل، بيان اللزوم أنه لو توقف الإجماع على الانقراض، ووجد مجتهد وجب دخوله ثم يجب انقراضه، فيوجد آخر، فيجب دخوله قبل انقراض الأول، وهكذا يتتابع المجتهدون في الانقراض، واحداً بعد واحد، فلا يتحقق الإجماع، وقد عين صاحب المسلم عن هذا الدليل بقوله: استدل وهذه عادته إذا كان الدليل ضعيفاً، ولكن هذا الدليل قوي، وما أجيب به عنه فسندفعه الجواب الأول عنه أن تتابع المجتهدين، ولحوق بعضهم بعضاً، ليس بواجب، بل غايته أن يكون جائزاً، فلا يلزم حينئذ أن لا يتحقق الإجماع، فإن الجواز لا يستلزم الوقوع بالفعل ودفعه، إن المراد لو شرط الانقراض، لزم عدم تحقق الإجماع في زمان تحقق فيه مسلم بيننا وبينكم وهو زمان الصحابة، والتابعين، وحينئذ، فلا يمنع التتابع واللحوق لأن معلوم الوقوع في ذلك الزمان. الجواب الثاني عن الدليل أن اللاحقين إما أن يقال لهم مدخل في الإجماع، ويقال لا مدخل لهم فإن قلنا لهم مدخل، فلا نريد انقراض المجمعين مطلقاً، بل انقراض المجمعين الأولين، وإن قلنا لا مدخل لهم فالأمر ظاهر، لأن المجمعين هم الأولون، فالشرط انقراض عصرهم وحاصل دفعه كما يؤخذ من شارح المسلم، إن الانقراض لو كان شرطاً لكان لاحتمال قيام دليل على خلاف ما اجمعوا عليه، وهذا الاحتمال = ٤١١ كتاب الاستيلاد وَمنهم مَنْ قال: كانت المسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - فكان علي وجابر - رضي الله عنهما - يَرَيَان بيع أم الولد، لكِنَّ التابعين أجمعوا على أنه لا يجوز، والإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عند أصحابنا، لما عرف في أصول الفقه، ولأن أم الولد تعتق عند موت السيد بالإجماع، ولا سبب سوى الاستيلاد السابق، فعلم أنه انعقد سبباً للحال لثبوت الحرية بعد الموت، وأنه يمنع جواز البيع لما بينا في التدبير. وَأمَّا حَدِيثُ جَابر - رضي الله عنه - فيحتمل أنه أراد بالبيع الإجارة؛ لأنها تسمى بيعاً في قائم في كل من له دخل في الإجماع، فالمجتهد اللاحق إن كان الإجماع بدون رأيه غير معتبر، فلا بد من = انقراض عصره، لقيام هذا الاحتمال، وإن لم يكن له دخل في الإجماع، بل تم الجماع بدونه، فذلك باطل لأنا إذا شرطنا الانقراض، فقبله لا حجية، فجاز مخالفة اللاحق بالرأي. ويكون قوله معتبراً فوقت الحجية، وهي وقت الانقراض لم يوجد قول كل الأمة. فانتفى الإجماع فقد تم الدليل واندفع الجواب الثاني بشقيه كما اندفع الجواب الأول قال الشارطون: أولاً، لو لم يشترط الانقراض، للزم منع المجتهد عن الرجوع عن مذهبه، عند ظهور موجب الرجوع خبراً كان الموجب أو غيره، واللازم باطل، لأنه يستلزم عدم العمل بالخبر الصحيح بعد الإطلاع عليه، إذا كان الموجب خبراً، والحجر على المجتهد في الرجوع عن اجتهاده بعد تغيره، إذا كان الموجب غيره، وكلاهما باطلاً. والجواب أولاً أنه منقوض بما يعد الانقراض، فدليلكم بعينه جار فيه، وثانياً لا نسلم بطلان التالي على الإطلاق، بل عند عدم الإجماع، وإما معه، فيجب منعه عن الرجوع تقديماً للقاطع، وهو الإجماع على ما ليس بقاطع، ألا ترى أن علياً لما خطب على منبر الكوفة وقال: اجتمع رأيي، ورأي أمير المؤمنين عمر، إن لا تباع أمهات الأولاد، وأما الآن فأرى بيعهن. قال له عبيدة: رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك، فاطرق علي - رضي الله عنه - ثم قال: اقضوا ما أنتم قاضون فأنا أكره أن أخالف أصحابي فقد ظهر من هذا، إن الرجوع غير صحيح عند وقوع الإجماع مرة، وإلا لما أنكر عبيدة على أمير المؤمنين علي، وتوقف علي عن الرجوع، كذا قالوا. وفيه خفاء، وإلا فأين هذا الإجماع الذي رجع عنه علي وقول عبيدة لا يدل عليه، لأن الجماعة تقع على ما فوق الاثنين، وأما رجوع علي فلعله لرجوع رأيه إلى ما كان، أو لم يرجع لكن أمرهم بالثبات على ما كانوا عليه كراهية، أن ينتقلوا عن رأي مجتهد التزموه على أنفسهم، فالحق أن مقصود من روى هذه الحادثة في هذا السياق هو الاستناد، أي: الاستئناس وقيل: أن تكون سند المنع بطلان التالي، والقدر الثابت فيها كاف، لأنه لما أنكر الرجوع عن موافقة البعض، أو الأكثر لكونهم في طبقة عليا، فأي: استبعاد في حرمة مخالفة الإجماع، والرجوع بعده اهـ. من شارح المسلم بتصرف. وقالوا ثانياً: لو لم يعتبر قول الراجع من المجمعين بعد انعقاد الإجماع، لأن الأول اتفاق الأمة، لا يجوز خرقه لوجب عدم اعتبار قول من مات من المخالفين، لأن الباقي كل الأمة، فيكون اتفاقهم حجة، لكن . الثاني باطل فإنكم تقولون باعتباره فلا إجماع اهـ منه. أو الجواب أنا نمنع بطلان اللازم، ويلتزم عدم اعتبار قول من مات، لأن قول الميت كالميت، فلا يعتبر وقد تمنع الملازمة وعليه الأكثر، لأن قوله حي بدليله، فهو كبقائه حين الانعقاد، فلم يحصل اتفاق الكل وأما فيما نحن فيه فقد وجد اتفاق الكل ولمعة وهو كاف في تحقق الإجماع. ينظر الإجماع لشيخنا أحمد عبد الغني. ٤١٢ کتاب الاستیلاد لغة أهل المدينة، ولأنها بيع في الحقيقة لكونها مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب، ويحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حينما كان بيع الحر مشروعاً ثم انتسخ بانتساخه، فلا يكون حجةً مع الاحتمالِ . وأما قوله إنها مملوكة للمستولد، فنعم، لكن هذا لا يمنع انعقاد سبب الحرية من غير حرية أصلاً ورأساً، وهذا القدر يكفي المنع من جواز البيع؛ لما ذكرنا في ((كتاب التدبير))، وسواء كان المستولد مسلماً أو كافراً، مرتداً أو ذميّاً أو مستأمناً، خرج إلى ديارنا ومعه أم ولده لا يجوز له بيعُها؛ لأنها أم ولد؛ لأنَّ أمية الولد تتبع ثبات النسب، والكفر لا يمنع ثبوت النسب، ولما دخل المستأمن من دار الإسلام بأمان، فقد رضي بحكم الإسلام، ومن حكم الإسلام أن لا يجوز بيع أم الولد؛ وكذلك كل تصرف يُوجب بطلان حق الحرية الثابتة لها بالاستيلاد، لا يجوز كالهبة والصدقة والوصية والرهن؛ لأنَّ هذه التصرفات توجب زوال ملك العين(١)، فيُوجب بطلان هذا الحق، وما لا يوجب بطلان هذا الحق فهو جائزٌ؛ كالإجارة والاستخدام والاستسعاء والاستغلال والاستمتاع والوطء؛ لأنها تصرف في المنفعة لا في ١٩٦/٢ ب العين، والمنافع/ مملوكة له، والأجرة والكسب والغلة والعقر والمهر للمولى؛ لأنها بدل المنفعة، والمنافع على ملكه. وكذا ملك العين قائم، لأن العارض وهو التدبير لم يؤثر إلا في ثبوت حق الحرية من غير حرية، فكان ملك اليمين قائماً، وإنَّما الممنوع منه تصرف يبطل هذا الحق، وهذه التصرفات لا تبطله؛ وَكَذَا الأرش له [لأنه](٢) بدل جزء هو ملكه وله أن يزوجها، لأن التزويج تمليك المنفعة؛ ولا يَنْبَغِي أن يزوجها حتى يستبرئها بحيضة؛ لاحتمال أنها حملت منه، فيكون النكاح فاسداً ويصير الزوج بالوطء ساقياً ماءه، زرع غيره فكان التزويج تعريضاً للفساد فينبغي أن يتحرز من ذلك بالاستبراء لكن هذا الاستبراء ليس بواجب، بل هو مستحبٌّ كاستبراء البائع. ولو زوجها فولدت لأقل من ستة أشهر، فهو من المولى، والنكاحُ فاسدٌ؛ لأنه تبين أنه زوجها وفي بطنها ولد ثابت النسب منه . وَإِنْ ولدت لأكثر من ستة أشهر فهو ولد الزوج؛ لأن الزوج له فراش، والولد للفراش على لسان رسول الله وَله ولا فراش للمولى؛ لزوال فراشه بالنكاح، فإن ادعاه المولى وقال: هذا ابني، لا يثبت نسبه منه لسبق ثبوته من غيره، وهو الزوج، فلا يتصور ثبوته [منه](٣) فلا تصح دعوته؛ لكنه يعتق عليه؛ لأنه في ملكه وقد أقر بحريته فيعتق عليه، وإن لم يثبت نسبه (١) في أ: اليمين. (٣) سقط من ط . (٢) سقط من ط . ٤١٣ کتاب الاستیلاد منه؛ كما إذا قال لعبده: هذا ابني، وهو معروف النسب من الغير، ونسب ولد أم الولد يثبت من المولى من غير دعوة عند عدم الحرية، إلا إذا حرمت عليه حرمة مؤبدة، فجاءت بولد لستة أشهر من وقت الحرمة، أو زوجها فجاءت بولد لستة أشهر من وقت التزويج، فلا يثبت نسبه إلا بالدعوة، وإنما قلنا إنه يثبت نسب ولدها من المولى من غير دعوة عند عدم الحرمة المؤبدة والنكاح؛ لأنها صارت فراشاً بثبوت نسب ولدها، والولد المولود على الفراش يثبت نسبه من غير دعوة. قال النبي وَّر: ((الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» بخلاف الأمة القنة أو المدبرة؛ لأنه لا يثبت نسب ولدها، وإن حصنها المولى وطلب ولدها بدون الدعوة عندنا، فلا تصير فَراشاً بدون الدعوة، ثم إنما يثبت نسب ولد أم الولد بدون الدعوة دون ولد القنة والمدبرة؛ لأنَّ الظاهر أن ولد أم الولد من المولى؛ لأنه لا يتحرز عن الأعلاق؛ إذِ التحرز لخوف فوات ماليتها وقد حصل ذلك منه، فالظاهر أن لا يعزل عنها، بل يعلقها فكان الولد منه من حيث الظاهر، فلا تقع الحاجة إلى الدعوة، بخلاف القنة والمدبرة، فإن هناك الظاهر أنه لا يعلقها، بل يعزل عنها تحرزاً عن إتلاف المالية، فلا يعلم أنه منه إلا بالدعوة فلا يثبت النسب إلا بالدعوة، فهو الفرق، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. فَإِنْ صَارَتْ أم الولد محرمة على المولى على التأبيد؛ بأن وطئها ابن المولى أو أبوه أو وطىء المولى أمها أو بنتها، فجاءت بولدٍ لأكثر من ستة أشهر، لم يثبت نسب الولد الذي أتت به بعد التحريم من غير دعوة؛ لأن الظاهر أنه ما وطئها بعد الحرمة، فكان حرمة الوطء كالنفي دلالةً؛ وإن ادعى يثبت النسب، لأن الحرمة لا تزيل الملك. وذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) أصلاً فقال: إذا حرمت أم الولد بما يقطع نكاح الحرة ويزيل فراشها مثل المسائل التي ذكرنا، لا يثبت نسب ولدها من مولاها إلاَّ أن يدعيه، لأن فراش الزوجة أقوى من فراش أم الولد، وهذه المعاني تقطع فراش الزوجة، فلأن تقطع فراش أم الولد أولى. وكذلك إذا زوجها فجاءت بولدٍ لأكثر من ستة أشهر؛ لأنها صارت فراشاً للزوج، فيستحيل أن تصير فراشاً لغيره إلاَّ أنه إذا ادعى يعتق عليه؛ كما إذا قال لعبده وهو معروف النسب من الغير: هذا ابني، وإن حرمت عليه بما لا يقطع نكاح الحرة لا يزيل فراشها؛ مثل: الحيض، والنفاس، والإحرام، والصوم، يثبت نسب ولدها منه؛ لأنه تحريم عارض لا يغير حكم الفراش [ثم](١)، وللمولى أن ينفي ولد أم الولد من غير لعان. (١) سقط من ط . ٤١٤ کتاب الاستبلاد أما النفي؛ فلأنه يملك العزل عنها بغير رضاها، فإذا أخبر عن ذلك فقد أجبر عما يملك، فكان مصدقاً. وَأمَّا النفي من غير لعان؛ فلأن فراش أم الولد أضعف من فراش الحرة، وهذا أصل يذكر في ((كتاب الدعوى))؛ أن الفرش ثلاثة: قوي، وضعيف، ووسط. فالقوي هو: فراش النكاح حتى يثبت النسب فيه من غير دعوةٍ ولا ينتفي إلا باللعان. والضعيف: فراش الأمة حتى لا يثبت النسب فيه من غير دعوة. والوسط: فراش أم الولد حتى يثبت النسب فيه من غير دعوة، وينتفي من غير لعان؛ لأنه يحتمل الانتقال بالتزويج فيحتمل الانتفاء بالنفي بخلافِ فراش الزوجِ. ١١٩٧/٢ ثم إنما ينتفي بالنفي إذا لم يقض به/ القاضي أو لم تتطاول المدة، فأما إذا قضى القاضي به أو تطاولت المدة، فلا ينتفي [به] (١)؛ لأنه يتأكد بقضاء القاضي، فلا يحتمل النفي بعد ذلك؛ وَكَذَا تَطَاوَلَ المدة من غير ظهور النفي إقرار منه دلالة، والنسب المقر به لا ينتفي بالنفي، ولم يقدر أبو حنيفة لتطاول المدة تقديراً، وأبو يوسف ومحمد قَدَّرَاه بمدة النفاس أربعين يوماً، وقد ذكرناه في ((كتاب اللعان))، وولد أم الولد من غير مولاها بمنزلة الأم؛ بأن زوج أم ولده فولدت ولداً لستة أشهر فصاعداً، من وقت التزويج؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، وقد ثبت حق الحرية في الأم فيسري إلى الولد، فكان حكمه حكم الأم في جميع الأحكام. هَذَا إذا استولد جارية في ملكه، فإن كان استولدها في ملك غير بنكاح حتى يثبت نسب ولدها منه، ثم ملكها ولها ولدٌ من زوج آخر؛ بأن استولدها ثم فارقها، فَزُوَّجَها المولى من آخر، فجاءت بولدٍ، ثم ملكها يوماً من الدهر وولدها، صارت الجارية أم ولده عند أصحابنا، وَلاَ يَصِيرُ وَلَدُهَا وَلَدَ أم ولد حتى يجوز بيعه في قول أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: إذا مَلَكَ مَنْ ولدته بعد ثبوت نسب ولدها منه، فهو ولد أم ولده يثبت فيه حکم الأم. وجه قوله إن الاستيلاد وإن كان في ملك الغير، لكنه لما ملكها فقد صارت أم ولد عند أصحابنا، وإنما صارت أم ولد بالعلوق السابق، والولد حدث بعد ذلك، فيحدث على وصف الأم، فإذا ملكه يثبت فيه الحكم الذي يثبت في الأم. (١) سقط من ط . ٤١٥ كتاب الاستيلاد وَلَنَا أنَّ الاستيلاد في الأم وهو أمية الولد شرعاً إنما تثبت وقت ملك الأم، والولد منفصل في ذلك الوقت، والسراية لا تثبت في الولد المنفصل، ويتعلق الدين بكسبها لا برقبتها؛ لأنها لا تقبل البيع لما ذكرنا، وتسعى في ديونها، بالغةً ما بلغت؛ لأن الدين عليها لا في رقبتها، وأرْشُ جنايتها على المولى وهو الأقل من قيمتها، ومن الأرش وليس على المولى إلاَّ قدر قيمتها، وإن كثرت الجنايات كالمدبر؛ ويجوزُ إعتاقها لما فيه من استعجال مقصودها وهو الحرية . وَلَوْ أعْتَقَ المولى نصفها يعتق كلها، وكذا إذا كانت مشتركة بين اثنين فأعتق أحدُهما نصيبهُ عتق جميعها لما ذكرنا، ولا ضمان على المعتق ولا سعاية عليها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: إن كان المعتق موسراً ضمن لشريكه، وإن كان معسراً سعت في نصف قيمتها للشريك الذي لم يعتق. ولو مات عن أم ولد بينه وبين شريكه عتق جميعها، ولا ضمان عليه بالإجماع؛ لأنه لا صنع له في الموت، ويقع الاختلاف في السعاية؛ عند أبي حنيفة لا سعاية عليها، وعندهما عليها السعاية . وعلى هذا الخلاف الغصب والقبض في البيع الفاسد أنها لا تضمن في قول أبي حنيفة، وعندهما تضمن، ولا خلاف في المدبرة أنها تضمن بهذه الأسباب، ولقب المسألة أنَّ أم الولد هل هي متقومة من حيث إنها مال أم غير متقومة عنده غير متقومة من هذه الجهة، وعندهما متقومة . وأجمعوا على أنها متقومة من حيث إنها نفس، ولا خلاف في أن المدبر متقوم من حيث إنه مال، وربما تلقب المسألة بأن رق أم الولد هل له قيمة أم لا، ذكر محمد في الإملاء أنها تضمن في الغصب، عند أبي حنيفة كما يضمن الصبي الحر إذا غصب، يعني: إذا مات عن سبب حادث بأن عقره سبعّ أو نهشته حية؛ أو نحو ذلك. وجه قولهما: أنَّ أمَّ الولد مملوكة للمولى ولا شك، ولهذا يحل له وطؤها وإجارتها واستخدامها وكتابتها وملكه فيها معصوم؛ لأن الاستيلاد له لم يوجب زوال العصمة، فكانت مضمونة بالغصب والإعتاق والقبض في البيع الفاسد كالمدبر. والدليل على أن رقها متقومٌ: أنَّ أمَّ ولد النصراني إذا أسلمت تخرج إلى العتاق بالسعاية، فلولا أن ماليتها متقومة لعتقت مجاناً، ولم يكن للمولى أخذ السعاية بدلاً عن ماليتها؛ وكذا يجوز للمولى أن يكاتبها والاعتياض إنما يجوز عن مال متقوم، والدليل عليه أنها تضمن بالقتل بالإجماع. ٤١٦ کتاب الاستبلاد ولأبي حنيفة قول النبي ◌َّ لماريةً لما ولدت إبراهيم - عليه السلام -: ((أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا)). فظاهر الحديث يقتضي ثبوت العتق في الحال في حق جميع الأحكام، إلاَّ أنه خص منه الاستمتاع والاستخدام بالإجماع، ولا إجماع في التقويم، فكانت حُرَّةٌ في حق التقويم بظاهر الحديث، وكذا سبب العتق للحال موجود وهو ثبوت نسب الولد؛ لأن ذلك يوجب الاتحاد ١٩٧/٢ ب بين الواطىء/ والموطوءة، ويجعلهما نفساً واحدةً، فقضيته ثبوت العتق للحال في جميع الأحكام إلا إنه لم يظهر في سائر الأحكام بالإجماع، فيظهر في حق في سقوط التقويم بخلاف المدبر؛ لأن هناك السبب وهو التدبير أضيف إلى ما بعد الموت؛ لأن التدبير إثبات العتق عن دبر، إلاَّ أنه جعل سبباً للحال؛ لضرورة ذكرناها في بيع المدبر، والثابت بالضرورة يتقيد بقدر الضرورة، والضرورة في حرمة البيع لا في سقوط التقويم، وههنا الأمر على القلب من ذلك، لأن السبب يقتضي الحكم للحال، والتأخر على خلاف الأصل، والدليل على أنها غير متقومة من حيث إنها مال؛ لأنها لا تسعى لغريم ولا لوارث، ولو كانت متقومة من حيث إنها مال، لثبت للغريم حق فيها، وللوارث في ثلثيها، فيجب أن يسعى في ذلك كالمدبر، والسعاية مبنية على هذا الأصل؛ لأن استسعاء العبد يكون بقيمته، ولا قيمة لأم الولد فلا سعاية عليها، وأما قوله إنَّ ملك المولى فيها قائمٌ بعد الاستيلاد، والعصمة قائمة - فمسلّم، لكن قيام الملك والعصمة لا يقتضي التقوم كملك القصاص وملك النكاح وملك الخمر وجلد الميتة، وأما أم ولد النصراني إذا أسلمت فالجواب من وجهين: أحدهما: أنها متقومة في زعمهم واعتقادهم، ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون، فإذا دَانُوا تقويمها يتركون وذلك؛ ولذلك جعلت خمورهم متقومة؛ كذا هذا. والثاني: أنَّ أمّ ولد النصراني إذا أسلمت تجعل مكاتبة للضرورة؛ إذ لا يمكن القول بعتقها؛ لأنَّ مِلْكَ الذمي ملك محترم، فلا يجوز إبطاله عليه، ولا سبيل إلى إبقائها على ملكه يستمتع بها ويستخدمها، لما فيه من الاستدلال بالمسلمة، ولا وجه إلى دفع المذلة عنها بالبيع من المسلم؛ لخروجها بالاستيلاد عن محلية البيع، فتجعل مكاتبة، وضمان الكتابة ضمان شرط، ولأنه لا يوقف على كون ما يقابله مالاً متقوماً كما في النكاح والخلع، ثم إذا سعت تسعى وهي رقيقة عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: تسعى وهي حُرَّةٌ. وجه قوله: إن الاستسعاء استذلالٌ بها، وهذا لا يجوز. ولنا ما ذكرنا أن في الحكم بعتقها إبطال ملك الذمي عليه، وتتعلق ديونه بذمة المفلس، وملكه معصوم، والاستذلال في الاستمتاع والاستخدام لا في نفس الملك؛ ألا ترى أن أمة النصراني إذا أسلمت فَكَاتَبَها المَوْلَى لا تُجبر على البيع، وقد خرج الجواب عن الكتابة، وإنما ضمنت بالقتل؛ لأن ضمان القتل ضمان الدم والنفس، وإنها متقومةٌ من هذه الجهة، وما ذكر ٤١٧ كتاب الاستيلاد محمد في الإملاء عن أبي حنيفة فذلك ضمان القتل؛ لأنه إذا لم يحفظها حَتَّى هَلَكَتْ بسبب حادث فقد تسبب لقتلها، وتجوز كتابتها كما يجوز إعتاقها لما فيه من تعجيل العتق إليها، ولا تشكل الكتابة على أصل أبي حنيفة أنها معاوضة، ورق أم الولد لا قيمة له، فلا يجوز أن يستحق المولى عليه عوضاً؛ لأن صحة المعاوضة لا تقف على كون المعوض مالاً أصلاً، فضلاً عن كونه متقوماً كما في النكاح والخلع . فإنْ مَاتَ المَوْلَى قبل أن تؤدي بدل الكتابة عتقت، ولا شيء عليها، أما العتق فلأنها كانت أم ولد وقد مات مولاها، وأما العتق بغير شيء فلأن الكتابة قد بطلت؛ لأن الحرية توجهت إليها من وجهين؛ الاستيلاد والكتابة، فإذا ثبت العتق بأحدهما بطل حكم الآخر؛ وكذا يجوز إعتاقها على مال وبيعها نفسها حتى إذا قبلت عتقت والمال دين عليها؛ لأن الإعتاق على مال من باب تعجيل الحرية، وأما الذي يتعلق بما بعد موت المولى، فمنها عتقها لأن عتقها كان معلقاً شرعاً بموت المولى؛ لما روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيَّمَا رَجُل وَلَدَتْ أَمَتُهُ مِنْهُ، فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُيُرٍ مِنْهُ))(١). وقد روينا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله وَ لّ قال حين ولدت أمّ إبراهيم - عليه السلام -: ((أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا)). ومعلومٌ أنه لا يثبت حقيقة العتق في حال الحياة، فَلَوْ لم يثبت بعد الموت لتعطل الحديث؛ ولأن سبب ثبوت العتق قد وجد وهو ثبوت نسب الولد ولم يعمل في حال الحياة، قلو لم يعمل بعد الموت لبطل السبب، ويستوي فيه الموت الحقيقي والحكمي بالردة واللحوق بدار الحرب؛ لما ذكرنا في ((كتاب التدبير)). وكذا الحربي المستأمن إذا اشترى جارية في دار الإسلام واستولدها، ثم يرجع إلى دار (١) أخرجه أحمد (٣١٧/١) وابن ماجه (٢/ ٨٤١) كتاب العتق: باب أمهات الأولاد حديث (٢٥/٥) والدارقطني (١٣٠/٤ - ١٣١) كتاب المكاتب حديث (١٧، ١٨، ١٩، ٢٠) والحاكم (١٩/٢) كتاب البيوع: باب بيع أمهات الأولاد، والبيهقي (٣٤٦/١٠) كتاب عتق أمهات الأولاد: باب الرجل يطأ أمته بالملك، كلهم من طريق حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس به وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بأن حسين متروك. قال البوصيري في ((الزوائد)» (٢٩١/٢): هذا إسناد ضعيف حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله الهاشمي تركه علي بن المديني وأحمد بن حنبل والنسائي وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة وقال البخاري: يقال إنه کان یتهم بالزندقة. بدائع الصنائع ج٥ - م٢٧ ٤١٨ كتاب الاستيلاد الحرب، فاسترق(١) الحربي، عتقت الجارية لما ذكرنا في المدبر؛ وكذا يعتق ولدها الذي ١٩٨/٢ أ ليس/ من مولاها إذا سرت(٢) أمية الولد إليها على ما بينا؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية . ومنها: أنها تعتق من جميع المال، ولا تسعى للوارث ولا للغريم؛ بخلافِ المدبرة؛ لما روينا عن رسولِ اللَّهِ وَ له أنه قال: (أُمُّ الوَلَدِ لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ)) وهي حُرَّةٌ في جميع المال، وهذا نَصِّ. وروينا عن سعيد بن المسيب أنه قال: أمر رسولُ اللهِ وَلَ بعتق أمهاتِ الأولادِ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ، ولا يُبَعْنَ فَي دَيْنٍ، ولا يُجعلن في الثلثِ. وفي بعض الروايات: ولا يُجعلن في الثلث ولا يُستسعين في دينٍ. وفي بعضها أمر رسولُ اللهِ وَّر بعتق أمهات الأولادِ من غيرِ الثلثِ، ولا يُبعن في دين. ولأن سبب ثبوت حرية أم الولد هو ثبوت نسب الولد، [وحرية](٣) النسب لا تجامعها السعاية؛ كذا حرية الاستيلاد، ومنها: أن ولاءها للمولى لأن الإعتاق منه لما بينا. فصل فيما يظهر به الاستيلاد وأما بيان ما يظهر به الاستيلاد، فظهوره بإقرار المولى، ثم إن أقر به في حال الصحة أن هذه الجارية قَدْ ولدت منه، فقد صارت أم ولده، سواء كان معها ولدٌ أو لم يكن؛ لأن الإقرار في حالِ الصحةِ لا تهمة فيه؛ فيصح؛ ولهذا لو أعتقها في الصحة يعتبر من جميع المال. وإنْ كَانَ الإقرار به في مرض موته، فإن كان معها ولد، صارت أم ولده أيضاً، وتعتق من جميع المال إذا مات المولى؛ لأن كون الولد معها دليل الاستيلاد، فكان الظاهر شاهداً له فيصح إقراره؛ ولأن النسب (٤) من الحوائج الأصلية، وتَصرف المريض في مرض الموت فيما يحتاج إليه حاجةٌ أصلية نافذ؛ كشراء الطعام والكسوة ونحو ذلك. وإن لم يكن معها ولد عُتقت من الثلث؛ لأنه متهم في إقراره في حق سائر الورثة، ولم يوجد ما ينفي التهمة وهو الولد؛ وكذا إذا لم يكن معها ولدٌ لا تحتاج إلى النسب(6)، فيصير قوله: هذه أم ولدي؛ كقوله: هذه حرة بعد موتي، فتعتق بعد موته من الثلث. (١) في ط: فاشترى. (٣) سقط من ط. (٥) في ط: التسبب. (٢) في ط: مرت. (٤) في ط: التسبب. كِتَابُ المُكَاتَبٍ(١) الكلامُ في هذا الكتاب يَقَعُ في مواضع: في بيان جواز المكاتبة، وفي بيان ركن المكاتبة، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يملكه المكاتب من التصرفات وما لا يملكه، وفي بيان ما يملكه المولى من التصرف في المكاتب وما لا يملكه، وفي بيان صفة المكاتبة، وفي بيان حكم المكاتبة، وفي بيان ما تنفسخ به المكاتبة . أمَّا الأول: فالقياس ألا تجوز المكاتَبَةُ؛ لما فيها من إيجاب الدَّين للمولى على عبده، وليس يجب للمولى على عبده دينٌ، وفي الاستحسان جائزٌ بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أمَّا الكتاب، فقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] وأدنى درجات الأمر الندب، فكانت الكتابة مندوباً إليها، فضلاً عن الجواز(٢)، وقوله - عزَّ وجلَّ -: (١) الكِتَابَةُ لغة: الضم والجمع، ومنها الكَّتِيبَةُ: وهي الطائفة من الجيش العظيم. والكتبُ لجمع الحروف في الخط . ومعنى المكاتبة في الشرع: هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤدّيه مُنَجَّماً عليه، فإذا أدّاه فهو حر. ولها حالتان: الأولى: أن يطلبها العبد ويُجِيبه السيد. الثانية: أن يطلبها العبد ويأباها السيد، وفيها قولان: الأول: لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك بن مُزاحم وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد. وقال علماء الأمصار: لا يجب ذلك. وتعلق من أوجبها بمطلق الأمر، وافعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبري. وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك بإجماع، فكذلك الكتابة؛ لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراضٍ. وقولهم: مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح، لكن إذا عَرِي عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه؛ فعلق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية وإذا قال العبد: كاتبني؛ وقال السيد: لم أعلم فيك خيراً، وهو أمر باطن، فيرجع فيه إليه ويعول عليه. وهذا قوي في بابه. ينظر المغرب ٢٠٦/٢ ومعجم مقاييس اللغة ١٥٨/٥، والقرطبي ١٢/ ١٦٢. (٢) قال الشافعي - رحمه الله - يجب على المولى إيتاء المكاتب وهو أن يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: إنه مندوب إليه لكنه غير واجب، حجة = ٤١٩ ٤٢٠ كتاب المكاتب ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣]، أي: رغبة في إقامة الفرائض، وقيل: وفاء لأمانة الكتابة، وقيل حرفة . وروي هذا عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال في [تفسير] (١) قوله - عزَّ وجلَّ - ﴿خيراً﴾، أي: حرفة، ولا ترسلوهم كلاباً على الناس. وأما السُّنَّة: فما رَوَى محمد بن الحسن بإسناده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله وَ لّ أنه قال: ((أَيُّمَا عَبْدِ كُوتِبَ عَلَى مِائَةٍ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا كُلَّهَا إِلَّ عَشْرَ أَوَاقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ))(٢) الشافعي - رحمه الله - ظاهر قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ والأمر للوجوب فقيل عليه إن = قوله: ﴿فكاتبوهم﴾ وقوله: ﴿وآتوهم﴾ أمران وردا في صورة واحدة فلم جعلت الأولى ندباً والثاني إيجاباً؟ وأيضاً فقد ثبت أن قوله ﴿وآتوهم﴾ ليس خطاباً مع الموالي بل مع عامة المسلمين وحجة أبي حنيفة - رحمه الله - من حيث السنة والقياس، أما السنة فما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد)) فلو كان الحط واجباً لسقط عنه بقدره، وعن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت ((جاءتني بريرة فقالت: يا عائشة، إني قد كاتبت أهلي عل تسع أواق في كل عام أوقية فأعيتني ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً فقالت: عائشة - رضي الله عنها - ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فعلت، فأبوا فذكرت ذلك للنبي ◌َّي هو فقال: لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق وجه الاستدلال أنها ما قضت من كتابتها شيئاً وأرادت عائشة أن تؤدي عنها كتابتها بالكلية وذكرته لرسول الله ◌َّ﴾ وترك رسول الله النكر عليها، ولم يقل إنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها فثبت قولنا. وأما القياس فمن وجهين الأول: لو كان الإيتاء واجباً لكان وجوبه متعلقاً بالعقد فيكون العقد موجباً له ومسقطاً له وذلك محال لتنافي الإسقاط والإيجاب. الثاني: لو كان الحط واجباً لما احتاج إلى أن يضع عنه بل كان يسقط القدر المستحق كمن له على إنسان دين ثم حصل لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير قصاصاً، ولو كان كذلك لكان قدر الإيتاء إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً فإن كان معلوماً وجب أن تكون الكتابة بألفين فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف والكتابة أربعة آلاف. وذلك باطل لأن أداء جميعها مشروط فلا يعتق بأداء بعضها، ولأن عليه السلام قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) وإن كان مجهولاً صارت الكتابة مجهولة لأن الباقي بعد الحط مجهول فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيئاً وذلك غير جائز. ينظر: التفسير الكبير ١٩١/٢٣. (١) سقط من ط . (٢) أخرجه أبو داود (٢٤٤/٤) كتاب العتق: باب في المكاتب يؤدي بعض مكاتبته حديث (٣٩٢٧) والترمذي (٥٦٠/٣) كتاب البيوع: باب المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي حديث (١٢٦٠) والنسائي في ((الكبرى)) (١٩٧/٣) وابن ماجه (٨٤٢/٢) كتاب العتق: باب المكاتب حديث (٢٥١٩) والدارقطني (١٢١/٤) كتاب المكاتبة حديث (١) والحاكم (٢١٨/٢) كتاب المكاتب والبيهقي (٣٢٣/١٠ - ٣٢٤) كتاب المكاتب: باب المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.