Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب التدبير
فلما دبره الآخر فقد صح تدبيره، لأنه دبر ملك نفسه فصح، وصار ميراثاً للمعتق عن الضمان؛
لأنه قد ثبت له بإعتاق الشريك خيارات، منها: التضمين، ومنها: التدبير؛ فإذا دبره فقد
استوفى حقه، فبرىء المعتق عن الضمان، ولأنه إنما يثبت له ولاية التضمين بشرط نقل نصيبه
إلى المعتق بالضمان، وقد خرج الجواب عن احتمال النقل بالتدبير، فسقط الضمان، والمدبر
بالخيار إِن شاء أعتق نصيبه الذي صار مدبراً، وإِن شاء كاتبه، وإن شاء استسعى العبد، وليس
له أن يتركه على حاله؛ لأنَه قد عتق بعضه فوجب تخريجه إلى العتق بالطرق التي بينا، وإذا
مات المدبر عتق نصيبه الذي صار مدبراً من الثلث، والولاء بينهما لأن كله عتق بإعتاقهما،
النصف بالإعتاق الباتٌ، والنصف بالتدبير فعتق نصيب كل واحد منهما على ملكه/ وإن كان ٢/ ١٩١٩٠
التدبير سابقاً بأن دبره أحدهما أولاً، ثم أعتق الآخر، فعلى قولهما كما دبره أحدهما صار كله
مدبراً له، لأن التدبير عندهما لا يتجزأ. كالإعتاق البات، ويضمن المدبر نصيب شريكه قنا،
سواء كان موسراً أو معسراً، لما بينا.
وأما على قول أبي حنيفة فلم يصر كله مدبراً، بل نصيبه خاصة، لتجزىء التدبير عنده،
فصح إعتاق الشريك فعتق نصفه، وللمدبر أن يرجع على المعتق بنصف قيمة العبد مدبراً إن كان
المعتق موسراً، لما ذكرنا فيما تقدم، وإن شاء أعتق نصيبه الذي هو مدبر، وإن شاء استسعى
العبد، وليس له أن يتركه على حاله؛ لأنه معتق البعض، وإن خرج الكلامان معاً لا يرجع أحدهما
على صاحبه بضمان، لأن الضمان إنما يجب بإتلاف مال الغير، فإذا خرج الكلامان معاً كان كل
واحد منهما متصرفاً في ملك نفسه لا متلفاً ملك غيره، فلا يجب عليه الضمان.
ومنهم من قال هذا على قياس قول أبي حنيفة، لأن الإعتاق والتدبير كل واحد منهما
يتجزأ عنده، فصح التدبير في النصف والإعتاق في النصف.
فأما على قياس قولهما ينفذ الإعتاق ويبطل التدبير، لأن الإعتاق والتدبير لا يتجزآن،
والإعتاق أقوی فیدفع الأدنى.
وَإِنْ كَانَ أحدهما سابقاً لكن لا نعلم السابق منهما من اللاحق، ذكر في الأصل أن المعتق
يضمن ربع قيمة العبد للمدبر ويستسعي العبد له في الربع الآخر، وهذا استحسان، ولم يذكر
الخلاف، ومنهم من قال هذا قول أبي حنيفة، فأما عندهما فالجواب فيه وفيما إذا خرج
الكلامان معاً - سواء.
وجه قولهما: إن كل أمرين حادثين لا يعلم تاريخهما يحكم بوقوعهما معاً في أصول
الشرع؛ كالغرقى والحرقى والهدمى، ولهذا قال بعض أهل الأصول في النص العام والخاص
إذا تعارضا وجهل التاريخ، أنه يجعل كأنهما وردا معاً ويبنى العام على الخاص على طريق
البيان، ويكون المراد من النص العام ما وراء القدر المخصوص.

٣٨٢
کتاب التدبير
وجه قياس قول أبي حنيفة أنه وقع الشك في وجوب الضمان على المعتق لوقوع الشك
في سبب وجوبه، لأن التدبير إن كان لاحقاً كان المدبر بالتدبير مبرئاً(١) للمعتق من الضمان لما
مر، وإن كان سابقاً يجب الضمان على المعتق، فوقع الشك في الوجوب، والوجوب لم يكن
ثابتاً، فلا يثبت مع الشك.
وجه الاستحسان له اعتبار الأحوال، وهو أن الإعتاق إذا كان متقدماً على التدبير فقد أبرأ
المدبر المعتق عن الضمان، وإن كان متأخراً فالمعتق ضامن، وقد سقط ضمان التدبير بالإعتاق
بعده فإذن لا ضمان على المدبر في الحالين جميعاً، والمعتق يضمن في حال ولا يضمن في
حال، والمضمون هو النصف، فيتنصف فيعتق ربع القيمة ويسعى العبد للمدبر في الربع
الآخر، لأنه لما تعذر التضمين فيه ووجب تخريجه إلى العتاق أخرج بالسعاية، كما لو كان
المعتق موسراً، والله - عزَّ وجلّ - أعلم.
مدبرة بين رجلين جاءت بولد، ولم يدع أحدهما، فهو مدبر بينهما كأمه؛ لأن ولد
المدبرة مدبر، لما نذكر في بيان حكم التدبير، إن شاء الله تعالى.
فإن ادعاه أحدُهما، فالقياس أن لا يثبت نسبه معه، وهو قول زفر، وإليه مال الطحاوي
من أصحابنا، وفي الاستحسان يثبت ..
وجه القياس: أنهما لما دبراه فقد ثبت حق الولاء لهما جميعاً؛ لأنه ولد مدبرتهما
جميعاً، وفي إثبات النسب من المدعي إبطال هذا الحق عليه، والولاء لا يلحقه الفسخ، وجه
الاستحسان أن النسب قد ثبت في نصيب المدعي لوجود سبب الثبوت، وهو الوطء في
الملك، وإذا ثبت في نصيبه يثبت في نصيب شريكه، لأن النسب لا يتجزأ.
وأما قوله: حَقُّ الوَلاءِ لا يَحْتَمِلُ الفَسْخَ، فنقولُ نحنُ: يُثبِتُ النَّسَبَ، ولا يسقط حق
الولاء، لأنه لا تنافي بينهما، فيثبت النسب من الشريك المدعي ويبقى نصف الولاء للشريك
الآخر، وصار نصف الجارية أم ولد له، ونصفها مدبرة على حالها للشريك.
فإن قيل: الاستيلاد لا يتجزأ، وهو قول بالتجزئة، فالجواب ما ذكرنا في كتاب العتاق أنه
متجزىء في نفسه عند أبي حنيفة كالإعتاق إلا أنه يتكامل في بعض المواضع لوجود سبب
التكامل، على أن نقول الاستيلاد لا يتجزأ فيما يحتمل نقل الملك فيه، فأما ما لا يحتمل فهو
متجزء، وههنا لا يحتمل لما نذكر، ويغرم المدعي نصف العقر لشريكه ونصف قيمة الولد
مدبراً، ولا يضمن نصف قيمة الأم، أما وجوب نصف العقر فلأن أقرَّ بالوطء في ملك الغير.
(١) في ط: جبرياً.

٣٨٣
کتاب التدبير
لإقراره بوطء مدبرة مشتركة بينهما، وأنه حرامٌ إِلاَّ أنَّ الحد لا يجب للشبهة، لأن نصف الجارية
ملكه فيجب العقر ويغرم نصف قيمة الولد مدبراً، لأنه بالدعوى أتلف على شريكه ملكه الثابت
ظاهراً، لأنه حصل في محلٌ هو ملكهما؛ فإذا ادعاه فقد أتلف على شريكه ملكه الثابت من
حيث الظاهر بإخراجه من أن يكون منتفعاً به منفعة الكسب والخدمة، فيضمن نصف قيمته
مدبراً؛ لأنه أتلف على شريكه نصف المدبر، ولا يغرم/ نصف قيمة الجارية، لأن نصيب ٢/ ١٩٠ب
الشريك قد بقي على ملكه، ولم تصر الجارية كلها أم ولد له، لأن استيلاد نصيب شريكه
يعتمد بملك نصيبه، ونصيبه لا يحتمل التملك، لكونه مدبراً، بخلاف الأمة القنة بين رجلين
جاءت بولد فادعاه أحدهما، أنه يثبت النسب ويغرم نصف عقر الجارية لشريكه، وتصير الجارية
كلها أمَّ ولدٍ له، ولا يغرم من قيمة الولد شيئاً؛ لأن هناك نصيب الشريك محتمل النقل، فأمكن
القول بتملك نصيبه ببدل ضرورة صحة الاستيلاد، والتملك يستند إلى وقت العلوق، فتبين أن
الولد حدث على ملكه، فلا يكون مضموناً عليه، وههنا نصيب الشريك لا يحتمل النقل،
فيقتصر الاستيلاد على نصيب المدعي، وينفرد الولد بالضمان لانفراده بسبب وجوب الضمان.
فإن مات المدعي أولاً عتق نصيبه بغير شيء، لأن نصيبه أم ولد له، فلا تسعى في
نصيبه، ولا يضمن للشريك الساكت شيئاً؛ لحصول العتق من غير صنعه وهو الموت، ويسعى
في نصيب الآخر في قولهم جميعاً، لأن نصيبه مدبر، فإن مات الآخر قبل أن يأخذ السعاية عتق
كلها إن خرجت من ثلث ماله، وبطلت السعاية عنها في قياس قول أبي حنيفة.
وعلى قياس قولهما لا تبطل بناء على أن الإعتاق يتجزأ عنده، وعندهما لا يتجزأ، وقد
ذكرنا وجه البناء فيما تقدم.
وإن مات الذي لم يدع أولاً عتق نصيبه من الثلث؛ لأن نصيبه مدبر له ولا يسعى في
نصيب الآخر في وقول أبي حنيفة، لأن نصيبه أم ولد له، ورقُّ أم الولد ليس بمتقوم عنده،
وفي قولهما يسعى لأن رقه متقوم، فإن لم يمت واحد منهما حتى ولدت ولداً آخر، فادعاه،
فهو ضامن لنصف العقر، لأنه أقر بوطء مدبرة مشتركة بينهما، وأيُّهما مات يعتق كل الجارية،
لأن نصيب كل واحد منهما أم ولد، وأم الولد إذا عتق بعضها عتق كلها، ولا سعاية عليها،
وإن جاءت بولد وادعياه جميعاً معاً، ثبت نسبه منهما جميعاً، وصارت الجارية أم ولد لهما
جميعاً، ويبطل التدبير إلى خلف هو خير وهو الاستيلاد، لأن عتق الاستيلاد ينفذ من جميع
المال، فكان خيراً لها من التدبير، وحكم الضمان في القن ما هو الحكم في الجارية القنة،
وسنذكره في ((كتاب الاستيلاد))، إن شاء الله - تعالى.
ولو دبر عبده ثم كاتبه، جازت الكتابة لما ذكرنا، فإن أدى الكتابة قبل موت المولى عتق
لوجود شرط العتق بسبب الكتابة، وهو أداء بدل الكتابة، وإن لم يؤد حتى مات المولى عتق

٣٨٤
کتاب التدبير
أيضاً، إن كان يخرج كله من ثلث مال المولى لوجود شرط العتق بسبب التدبير، وهو موت
المولى، وخروج المدبر من ثلث ماله ولا سعاية عليه، لأن عتق المدبر وصية، والوصية في
الثلث نافذة، فإذا خرج كله من الثلث عتق كله من غير سعاية، وإن لم يكن له مال آخر سواه،
فله الخيار: إن شاء استسعى في جميع الكتابة، وإن شاء سعى في ثلثي قيمته، فإن اختار الكتابة
سعى على النجوم، وإن اختار السعاية في ثلثي قيمته يسعى حالاً، وهذا قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: يسعى في الأقلُّ مِنْ جَمِيع الكتابة ومن ثلثي القيمة، وقال محمد يسعى
في الأقل من ثلثي الكتابة ومن ثلثي القيمة، والخلاف في هذه المسألة يقع في فصلين:
أحدهما: في الخيار.
الثاني: في المقدار.
والخلاف في الخيار بين أبي حنيفة وصاحبيه، وفي المقدار بين أبي حنيفة وأبي يوسف
وبين محمد، أما فصل الخيار فالخلاف فيه مبني على أن العتق يتجزأ عند أبي حنيفة، وعندهما
لا يتجزأ.
ووجه البناء على هذا الأصل أن العتق لما كان متجزئاً عنده لم يعتق بموت المولى إلا
ثلث العبد وبقي الثلثان منه رقيقاً، وقد تَوَجَّه إلى الثلثين العتق من جهتين :
إحداهما: الكتابة بأداء بدل مؤجل.
والثانية: التدبير بسعاية ثلثي القيمة معجلاً، فيخير إن شاء مال إلى هذا، وإن شاء مال
إلى ذاك، ولما لم يكن العتق متجزئاً عندهما فإذا عتق ثلثه بالموت فقد عتق كله، وبطل
التأجيل في بدل الكتابة، فصار المالان جميعاً حالاً، وعليه أخذ المالين، إما الكتابة، وإما
السعاية، وأحدهما أقل، والآخر أكثر، فلا فائدة في التخيير، لأنه يختار الأقل لا محالة، ولأن
الواجب عليه إذا كان أحد المالين وأحدهما أكثر من الآخر أو أقل، كان الأقل متيقناً به، فيلزمه
ذلك.
وأما فصل المقدار، فوجه قول محمد أن بدل الكتابة كله قوبل بكل الرقبة، لأن العقد قد
انعقد عليه حيث قال: كاتبتك على كذا، وقد عتق ثلث الرقبة فيسقط عنه ما كان بمقابلته، وهو
ثلث البدل، فيبقى الثلثان، ولأن ثلث مال المولى لو كان مثل كل قيمة العبد لسقط عنه كل
١٩١/٢ أبدل الكتابة، فإذا كان مثل ثلث قيمته/ يجب أن يسقط ثلث بدل الكتابة فيبقى الثلثان، فيسعى
في الأقل من ثلثي الكتابة، ومن ثلثي القيمة لما قلنا .
ولهما أنَّ العبد كان استحق ثلث رقبته بالتدبير السابق قبل عقد الكتابة، فإِنه يسلم له ذلك

٣٨٥
كتاب التدبير
كائناً ما كان، فإذا كاتبه بعد ذلك، فالبدل لا يقابل القدر المستحق وهو الثلث، وإنما يقابل الثلثين،
فإذا قال: كاتبتك على كذا، فقد جعل المال بمقابلة وما لا يصح المقابلة به، وهو الثلث، وبمقابلة
ما يصح المقابلة به، وهو الثلثان، فيصرف كل البدل إلى ما يصح المقابلة به، وهو الثلثان؛ كمن
طلق امرأته الحرة تطليقتين، ثم طلقها ثلاثاً على ألف درهم لزمها كل الألف لما قلنا.
وكذا إذا جمع بين من يحل نكاحُها وبين من لا يحل نكاحها، فتزوجهما بألف درهم،
وجبت الألف كلها بمقالة نكاح من يحل له نكاحها عند أبي حنيفة، وإذا كان الأمر على ما
وصفنا، فالثلث وإن عتق عند الموت لكن لا بدل بمقابلته، وإنما البدل كله بمقابلة الثلثين، فلم
يسقط من البدل شيء، بخلاف ما إذا خرج العبد كله من الثلث؛ لأن هناك يسلم له جميع رقبته،
فلزم القول بالبراءة، هذا إذا دبر عبده ثم كاتبه، فإن كاتبه ثم دبره ثم مات المولى، فعلى قول أبي
حنيفة: إن شاء سعى في ثلثي القيمة، وإن شاء سعى في ثلثي الكتابة، وعندهما يسعى في الأقل
من ثلثي القيمة ومن ثلثي الكتابة، فقد اتفقوا على المقدار ههنا، حيث قالوا مقدار بدل الكتابة
ثلثان، وإنما كان كذلك لأن هناك كاتبه والعبد لم يكن استحق شيئاً من رقبته، فكان جميع البدل
بمقابلة جميع الرقبة، وقد عتق عند الموت بسبب التدبير ثلثه، فيسقط ما كان بإزائه من البدل فبقي
الثلثان بلا خلاف، وإنما اختلفوا في الخيار، فعند أبي حنيفة: يخير بين الثلثين من بدل الكتابة
مؤجلاً وبين ثلثي القيمة معجلاً، وعندهما: يجب عليه الأقل منهما بناءً على تجزىء الإِعتاق
وعدم تجزيه، على ما بينا في الفصل الأول، والله - عزَّ وجلّ - أعلم.
فصل في حكم التدبير
وأما حكم التدبير فنوعان: نوع يرجع إلى حياة المدبر، ونوع يرجع إلى ما بعد موته، أما
الذي يرجع إلى حال حياة المدبر فهو ثبوت حق الحرية للمدبر إذا كان التدبير مطلقاً، وهذا عندنا.
وعند الشافعي: لا حكم له في حال حياة المدبر رأساً، فلا يثبت حقيقة الحرية ولا
حقها، بل حكمه ثبوت حقيقة الحرية بعد الموت مقصوراً عليه .
وعَلَى هذا يبنى بيع المدبر المطلق أنه لا يجوز عندنا، وعنده جائز(١) ويجوز بيع المدبر
المقيد بالإجماع.
(١) ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أنا أرَى بَيْعَ المُدَبَّرِ في الدَّيْنِ، وإذا كان فَقِيراً لاَ يَمْلِكُ شيئاً، رأيتُ أن أَبِيعَه؛
لأنَّ النَّبِيِّ وََّ، قد باعَ المُدَبَّرَ، لَمَّا عَلِمَ أنَّ صاحِبَه لا يَمْلِكُ شيئاً غيرَه، باعَه النَّبِيُّ ونَ﴿ لمَّا عَلِمَ حاجَتَه.
وهذا قولُ إسْحاقَ، وأبي أيُّوبَ، وأبي خَيْئمةَ، وقالا: إن باعَهُ من غيرِ حاجةٍ، أجَزْناه. ونَقَلَ جَماعةٌ عن
أحمدَ، جوازَ بَيْعِ المُدَبَّرِ مُطْلَقاً؛ في الدَّيْنِ وغيرِهِ، مع الحاجةِ وعَدَمِها. قال إسماعيلُ بن سعيدٍ: سألتُ =
بدائع الصنائع ج٥ - ٢٥٣

٣٨٦
کتاب التدبير
احتج الشافعي بما روي عن عطاء أنه قال: دبر رجُلٌ عبده فاحتاج فباعه رسول الله وَّل
بثمانمائة درهم (١)، وأدنى درجات فعل رسول الله وَير الجواز، ولأن التدبير تعليق العتق
بالشرط، وأنه لا يمنع جواز البيع كالتعليق بسائر الشروط من دخول الدار وكلام زيد، وغير
ذلك وكالتدبير المقيد، ولأن فيه معنى الوصية، وذلك لا يمنع جواز البيع، كما إذا أوصى بعتق
عبده ثم باعه.
ولنا ما روي، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله وَلي أنه قال:
(المُدبرُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ)) وهو حُرٍّ من ثلث المال(٢) وهذا نص في الباب.
أحمدَ عن بَيْعِ المُدَبَِّ، إذا كان بالرَّجُلِ حاجةٌ إلى ثَمَنِهِ، قال: له أن يَبِيعَه، مُخْتاجاً كان إلى ذلك أو غيرَ
=
محتاج. وهذا هو الصَّحِيحُ. ورُوِيَ مَثَلُ هذا عن عائشةَ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ. وهو
قولُ الشافعيِّ. وكَرِهَ بَيْعَه ابنُ عمرَ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيُّ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ،
والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والحسنُ بن صالح، وأصحابُ الرَّأْىِ، ومالكٌ، لأنَّ ابنَ عمرَ، رَضِيَ الله عنهما،
رَوَى أَنَّ النَِّيَّ نَِّ، قال: ((لاَ يُبَاعُ المُدَبَّرُ،َ ولاَ يُشْتَرَى)). ولَأَنّه اسْتَحَقَّ العِثْقَ بِمَوْتِ سَيِّدِه، أَشْبَهِ أُمَّ الوَلَدِ.
ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، رَضِيَ الله عنه، أن رَجُلاً أعْتَقَ مَمْلُوكاً له عن دُبُرٍ، فاحتاجَ، فقال رسولُ الله ◌ِلقوله:
((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟)). فباعَه من نُعَيْم بن عبدِ اللهِ بِثَمانِمائةِ دِرْهَم، فدَفَعَها إليه، وقال: ((أنْتَ أخْوَجُ مِنْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه. قال جابرٌ: عَبْدٌ قِبْطيٍّ، ماتِ عامَ أَوّلَ، في إمارةِ ابنِ الزُّبَيْرِ. وقال أبو إسْحاقَ الجُوزَجانيُّ:
صَحَّتْ أحادِيثُ بَيْعِ المُدَبَّرِ، باسْتِقامةِ الطّرُقِ، والخَبَرُ إذا ثَبَتَ اسْتُغْنِيَ بَه عن غيرِهِ مِن رأيِ الناسِ. ولأنَّه
عِثْقٌ بصِفَةٍ، ثَبَتَ بَقولِ المُعْتِقِ، فلم يَمْنَعِ البَيْعَ، كما لو قال: إن دخَلْتَ الدَّارَ، فأنتَ خَّرٌّ. ولَأَنَّه تَبَرُّعُ
بمالٍ بعدَ الموتِ، فلم يَمْنَعِ البَيْعَ في الحيَاةِ، كالوَصِيَّةِ. قال أحمدُ: هم يقولون: مَنْ قال: غُلاَمِي حُرٍّ،
رأسَ الشَّهْرِ. فَله بَيْعُه قبل رأسِ الشهرِ. وإن قال: غداً. فله بَيْعُه اليومَ. وإن قال: إذا مِتُّ. قال: لا
يَبِيعُه، فالموتُ أكثرُ من الأجَلِ، ليس هذا قِياساً، إن جازَ أنْ يَبِيعَه قبلَ رأسِ الشهرِ، فله أن يَبِيعَه قبلَ
مَجِيءِ المَوْتِ، وهم يقولون في من قال: إن مِتُّ من مَرَضِي هذا، فَعَبْدِي حُرِّ. ثم لم يَمُتْ من مَرَضِه
ذلك، فليس بشيءٍ. وإن قال: إن مِتْ، فهو حُرٍّ. لا يُباعُ. وهذا مُتناقِضٌ، إنَّما أصْلُه الوَصِيَّةُ من الثُّلثِ،
فله أن يُغَيِّرَ وَصِيَّتَه ما دامٍ حَيًّا. فَأَمَّا خَبَرُهُم، فلم يَصِحَّ عن النَّبِيِّ وَّلَهَ إنَّما هو من قولِ ابنِ عمرَ. قال
الطّحَاوِيُّ: هو عن ابنِ عمرَ، وليس بمُسْتَدٍ عن النَّبِيِّ وَِّ. ويَخْتَمِلُ أنَّه أراد بعدَ الموتِ، أو على
الاسْتِخْبَابِ. أمَّا أُمُ الْوَلَدِ، فإنَّ عِتْقَها يَثْبُتُ بغيرِ اخْتِيارِ سَيِّدِها، وليس بِتَبَرُّعٍ، ويكونُ مِن جميعِ المالِ، ولا
يُمْكِنُ إِنْطَالُه بحالٍ، والتَّذْبِيرُ بخلافِهِ.
ينظر: المغني (٤١٩/١٤ - ٤٢١).
(١) أخرجه الدارقطني (١٣٧/٤) كتاب المكاتب حديث (٤٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٤٠) كتاب العتق: باب المدبر حديث (٢٥١٤) والدارقطني (١٣٨/٤) كتاب
المكاتب حديث (٤٩) وابن عدي في (الكامل)) (١٨٨/٥) والبيهقي (٣١٤/١٠) كتاب المدير: باب
المدبر من الثلث، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٤٤/١١) كلهم من طريق علي بن ظبيان عن
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلخر ((المدبر من الثلث)).
=
قال ابن ماجه: سمعت عثمان يعني ابن أبي شيبة يقول هذا خطأ وقال ابن ماجه: ليس له أصل.

٣٨٧
كتاب التدبير
وعن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول الله وَّرَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ
المدبرِ))(١) ومطلق النهي يحمل على التحريم.
وروي عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - مثلُ مذهبنا، وهو قول جماعة من التابعين مثل: شریح،
ومسروق، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبي جعفر محمد بن علي، ومحمد بن
سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وسعيد بن جبير،
وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد، وقتادة، حتى قال أبو حنيفة لولا قول هؤلاء الأجلَّةِ
لقلتُ بجواز بيع المدبر لما دل عليه من النظر.
ولنا لإثبات حق الحرية ضرورة الإجماع، ودلالة غرض المدبر، أما ضرورة الإجماع
وقال ابن عدي في ترجمة علي بن ظبيان: الضعف على حديثه بين والحديث ذكره ابن أبي حاتم في
=
((العلل)) (٤٣٢/٢) رقم (٢٨٠٣) وقال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه علي بن ظبيان عن عبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ◌َ *: ((المدبر من الثلث)) فقال أبو زرعة: هذا حديث
باطل وامتنع من قراءته قلت: يروي خالد بن إلياس عن نافع عن ابن عمر قال المدبر من الثلث قول ابن
عمراهـ.
وروى الخطيب في ((تاريخه)) (٤٤٤/١١) عن علي بن المديني قال: كان علي بن ظبيان حدثنا بثلاثة
أحاديث مناكير كلها عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً ((المدبر من الثلث)) ... اهـ.
والحديث ذكره الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٢٨٩/٢) وقال: هذا إسناد ضعيف علي بن ظبيان ضعفه
ابن معين وأبو حاتم والبخاري والنسائي وأبو زرعة وابن حبان وغيرهم ... قال المزي: رواه الشافعي عن
ابن عمر موقوفاً ا هـ.
أما الموقوف
فأخرجه الشافعي ومن طريقه ابن عدي في ((الكامل)) (١٨٧/٥) من طريق علي بن ظبيان عن عبيد الله إن
عمر عن نافع عن ابن عمر قال: المدبر من الثلث.
قال الشافعي: قال لي علي بن ظبيان: قد كنت أرفعه فقال لي بعض أصحابي: لا ترفعه وكان يحدث به
مرفوعاً.
وللحديث طريق آخر عن ابن عمر مرفوعاً.
أخرجه الدار قطني (١٣٨/٤) كتاب المكاتب حديث (٥٠) من طريق عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع
عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلتر: المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من ثلث المال.
قال الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة بن حسان وإنما هو ضعيف وإنما هو عن ابن عمر قوله.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٨٥/٣) وقال ابن القطان في ((كتابه)): عبيدة هذا قال فيه أبو حاتم: منكر
الحديث وأبو معاوية عمرو بن عبد الجبار الجزري راويه عنه مجهول الحال وقد رواه حماد بن زيد عن
أيوب عن نافع عن ابن عمر من قوله وهو الصحيح لثقة حماد وضعف عبيدة.
(١) الثابت عن النبي ◌َّلي أنه باع مدبراً وقد روى ذلك جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقد تقدم تخريجه.

٣٨٨
کتاب التدبير
فهي أن الحرية تثبت بعد الموت بالإجماع، والحرية لا بد لها من سبب، ولا سبب ههنا سوى
الكلام السابق، فلا يخلو إما أن يجعل سبباً للحال، وإما أن يجعل سبباً بعد الشرط، ولا سبيل
إلى الثاني، لأنه ليس من أهل مباشرة السبب، فتعين أن يكون سبباً عند وجوده، فكان الكلام
السابق سبباً في الحال لثبوت الحرية بعد الموت، ولسنا فعنى ثبوت حق الحرية للمدبر إلا
هذا، وهذا يمنع جواز البيع، لأن البيع إبطال السببية إذ لا تثبت الحرية عند الموت بعد البيع.
وأما دلالة الغرض فهو أن غرض المدبر من التدبير أن تسلم الحرية للمدبر عند الموت، إما
تقرباً إلى الله - عزَّ وجلَّ - بالإعتاق لإعتاق رقبته من النار. كما نطق به الحديث، وإما حقًّا
١٩١/٢ ب لخدمته/ القديمة مع بقاء منافعه على مليكه في حياته، لحاجته إليها، ولا طريق لتحصيل الغرضين
إلا يجعل التدبير سبعاً في الحال لثبوت الحرية بعد الموت؛ إذ لو ثبتت الحرية في الحال لفات
غرضه في الانتفاع به، ولو لم ينعقد شيئاً رأساً لفات غرضه في العتق، لجواز أن يبيعه لشدة
غضب أو غير ذلك، فكان انعقاده سبباً فى الحال، وتأخر الحرية إلى ما بعد الموت طريق إحراز
الغرضين، فثبت ذلك بدلالة الحال، فيتقيد الكلام به، إذ الكلام يتقيد بدلالة الغرض.
فإن قيل: هذا مناقض لأصلكم، لأن التدبير تعليق العتق بالشرط، ومن أصلكم أن
التعليقات ليست أسباباً للحال، وإنما تصير أسباباً عند وجود شروطها؛ وعلى هذا بينتم تعليق
الطلاق والعتاق بالملك وسببه، وههنا جعلتم التدبير سبباً لثبوت الحرية للحال، وهذا مناقضة
في الأصل، والتناقض في الأصل دليل فساد الفرع.
فالجواب: أن هذا أصلنا فيما يمكن اعتباره سبباً عند وجود الشرط وفيما لم يرد المتكلم
جعله سبباً في الحال، وفي التعليق بسائر الشروط، وأمكن اعتباره سبباً عند وجود الشرط،
وههنا لا يمكن لما بينا، وكذا في التعليق بسائر الشروط أراد المتكلم كونه سبباً عند الشرط،
وههنا أراد كونه سبباً في الحال لما قلنا، فتعين سبباً للحال لثبوت الحرية في الثاني.
وأما حديث عطاء فيحتمل أن ذلك كان تدبيراً مقيداً، وقوله: ((باع)) حكاية فعل فلا عموم
له، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((باع)) أي: آجر؛ إذا الإجارة تسمى بيعاً بلغة أهل المدينة،
وهكذا روى محمد [بن الحسن](١) بإسناده أن النبيَّ بَّر باع خدمة مدبر ولم يَبِغْ رقبته(٢)
(١) سقط من ط .
(٢) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٨٦/٣) قال عبد الحق في ((أحكامه)): أخرجه ابن عدي عن أبي مريم
عبد الغفار بن القاسم الكوفي عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله في قصة هذا المدبر. وفيه: إنما أذن
النبي ◌َّير في بيع خدمته، قال عبد الحق: وعبد الغفار هذا يرمى بالكذب، وكان غالياً في التشيع. انتهى.
وقال ابن القطان في ((كتابه)): هو مرسل صحيح، لأنه من رواية عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، =

٣٨٩
کتاب التدبير
ويحتمل أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام حين كان بيع الحر مشروعاً، على ما روي أن
رسول الله رَّ بَاعَ رَجُلاً بدينة(١) يقال له سرق ثم صار منسوخاً بنسخ بيع الحر لثبوت حق
الحرية في المدبر، إلحاقاً للحق بالحقيقة في باب الحرمات.
وأما المدبر المقيد: فهناك لا يمكن أن يجعل الكلام سبباً للحال، لأن الأمر متردد بين
أن يموت من ذلك المرض وفي ذلك السفر أو لا يموت، فكان الشرط محتمل الوجود
والعدم، فلم يكن التعليق سبباً للحال كالتعليق بسائر الشروط، وكذا لما علق العتق بأمر يحتمل
الوجود والعدم، دل أنه ليس غرضه من هذا الكلام التقرب إلى الله - عزَّ وجلَّ - بإعتاق هذا
العبد ولا قضاء حق الخدمة القديمة، إذ لو كان ذلك غرضه لعلقه بشرط كائن لا محالة.
وأما قوله: أن في التدبير معنى الوصية، فنعم(٢)، لكن هذه وصية لازمة لثبوتها في ضمن
أمر لازم، وهو اليمين، فلا يحتمل الفسخ، ولهذا لا يحتمل الرجوع بخلاف الوصية بالإعتاق.
فإن قيل: هذا يشكل بالتدبير المقيد، فإنه يتضمن معنى الوصية اللازمة، ومع هذا يجوز
بيعه، قيل معنى الوصية للحال متردد لتردد موته على تلك الصفة، فلا يصير العبد موصى له
قبل الموت بتلك الصفة، وههنا بخلافه، وإذا ثبت حق الحرية للمدبر المطلق في الحال، فكلُّ
تصرف فيه يبطل هذا الحق لا يجوز، وما لا يبطله يجوز.
وعلى هذا تخريج المسائل لا يجوز بيعه وهبته والتصدق به والوصاية به، لأن تصرف
تمليك الرقبة، فيبطل حق الحرية ولا يجوز رهنه، لأن الرهن والارتهان من باب إيفاء الدين
واستيفائه عندنا، فكان من باب تمليك العين وتملكها، ويجوز إجارته لأنها لا تبطل هذا الحق؛
لأنها تصرف في المنفعة بالتمليك لا في العين والمنافع على ملك المدبر.
وقد روينا عن رسول الله وَّر أنه بَاعَ خدمةَ المُدَبَّرِ، ولم يبع رقبَتُه وبيع خدمة المدبر بيع
منفعته، وهو معنى الإجارة، ويجوز الاستخدام، وكذا الوطء والاستمتاع في الأمة، لأنها
استيفاء المنافع، ويجوز تزويجها لأن التزويج تمليك المنافع.
وعن عبد الله بن عمر أنه كان يطأ مدبرته(٣)، ولأن الاستيلاد آكد من التدبير لأنه يوجب
وهو ثقة عن أبي جعفر، وهو ثقة، انتهى. وقال صاحب ((التنقيح)): وعبد الغفار من غلاة الشيعة، وقد
=
روی عنه شعبة، قال ابن عدي: ومع ضعفه یکتب حديثه. انتهى.
(١) يحمل معنى هذا الحديث على بيع الخدمة لا على بيع الرقبة.
وينظر نصب الراية (٢٨٦/٣).
(٢) في أ: فمسلم.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٩/ ١٤٧) كتاب المدبر باب الرجل يطأ مدبر ته حديث (١٦٦٩٦، ١٦٦٩٧، ١٦٦٩٨).

٣٩٠
کتاب التدبير
الحرمة(١) من جميع المال والتدبير من الثلث، ثم الاستيلاد لا يمنع من الإجارة والاستخدام،
ولا يمنع من الاستمتاع والوطء، والتزويج في الأمة، فالتدبير أولى والأجرة والمهر والعقر
والكسب والغلة للمولى؛ لأنها بدل المنافع، والمنافع ملكه، والأرش له لأنه بدل جزء فات
على ملكه، ولا يتعلق الدين برقبته، لأن رقبته لا تحتمل البيع لما بينا، ويتعلق بكسبه ويسعى
في ديونه، بالغة ما بلغت، وجنايته على المولى وهو الأقل من قيمته ومن أرش الجناية، ولا
يضمن المولى أكثر من قيمة واحدة، وإن كثرت الجنايات لما نذكر في ((كتاب الجنايات))، إن
شاء الله تعالى، ويجوز إعتاقه، لأنه إيصاله إلى حقيقة الحرية معجلاً، ولأن المنع من البيع
١٩٢/٢أ ونحوه لما فيه من منعه من وصوله إلى هذا المقصود، فمن المحال أن يمنع من إيصاله/ إليه،
ولهذا جاز إعتاقه أم الولد؛ كذا المدبر، ويجوز مكاتبته لأنه يريد تعجيل الحرية إليه، والمولى
يملك ذلك كما يملك مكاتبة أم الولد، وولد المدبرة من غير سيدها بمنزلتها لإجماع الصحابة
- رضي الله عنهم - على ذلك، فإنه روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ولد
المدبرة بمنزلتها، يعتق بعتقها، ويرق برقها، وروي أن عثمان - رضي الله عنه - خوصم إليه في
أولاد مدبرة فقضى أن ما ولدته قبل التدبير عبد، وما ولدته بعد التدبير مدبر، وكان ذلك
بمحضر من الصحابة. ولم ينكر عليه أحد منهم، فيكون إجماعاً، وهو قول: شريح،
ومسروق، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة - رضي الله عنهم؛
ولا يعرف في السلف خلاف ذلك، وإنما قال به بعض أصحاب الشافعي فلا يعقد بقوله
لمخالفته الإجماع؛ ولأن حق الحرية يسري إلى الولد كولد أم الولد وما ولدته قبل التدبير فهو
من أقضية عثمان - رضي الله عنه - بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - ولأن حق الحرية لم
يكن ثابتاً في الأم وقت الولادة حتى يسري إلى الولد.
ولو اختلف المولى والمدبرة في ولدها، فقال المولى ولدتيه قبل التدبير، فهو رقيق،
وقالت هي: ولدتُهُ بعد التدبير فهو مدبر، فالقولُ قولُ المولى مع يمينه على علمه، والبينة بينة
المدبرة؛ لأن المدبرة تدعي سراية التدبير إلى الولد، والمولى ينكر، فكان القول قولَهُ مع
اليمين، ويحلف على علمه، لأن الولادة ليست فعله، والبينة بينة المدبرة، لأن فيها إثبات
التدبير.
ولو كان مكان التدبير عتق فقال المولى للمعتقة: ولدتيه قبل العتق وهو رقيق، وقالت:
بل ولدته بعد العتق وهو حر، يحكم فيه الحال إن كان الولد في يدها، فالقول قولها، وإن كان
في يد المولى، فالقول قوله، لأنه إذا كان في يدها كان الظاهر شاهداً لها، وإذا كان في يده
(١) في أ: الحرية.

٣٩١
کتاب التدبير
كان الظاهر شاهداً له، بخلاف المدبرة، لأنها في يد المولى؛ فكذا ولدها، فكان الظاهر شاهداً
له على كل حال، وكان القولُ قولَهُ.
ولو قال لأمة لا يملكها إن ملكتك فأنت مدبرة، وإن اشتريتك فأنت مدبرة، فولدت ولداً
ثم اشتراهما جميعاً، فالأم مدبرة والولد رقيق، لأن الأم إنما صارت مدبرة بالشرط ولم يوجد
الشرط في حق الولد، وأنه منفصل فلا يسري إليه تدبير الأم، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
وأما الذي يرجع إلى ما بعد موت المدبر، فمنها عتق المدبر؛ لأن عتقه كان معلقاً بموت
المولى، والمعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط، ويستوي فيه المدبر المطلق والمقيد، لأن
عتق كل واحد منهما معلق بالشرط إلا أن الشرط في المقيد الموت الموصوف بصفة، فإذا وجد
ذلك فقد وجد الشرط، فينزل المعلق، وسواء كان الموت حقيقة أو حكماً بالردة بأن ارتد
المولى عن الإسلام - والعياذ بالله - ولحق بدار الحرب، لأن الردة مع اللحاق بدار الحرب
تجري مجرى الموت في زوال الأملاك، وكذا المستأمن إذا اشترى عبداً في دار الإسلام فدبره
ولحق بدار الحرب فاسترق الحربي، عتق مدبره، لأن الاسترقاق أوجب زوال ملكه عن أمواله
حكماً، فكان بمنزلة الموت.
وكذا ولد المدبرة الذي ليس من مولاها، لأنه تبعها في حق الحرية، فكذا في حقيقة
الحرية، ويستوي فيه المطلق والمقيد، لأن معنى التبعية لا يوجب الفصل.
ومنها أن عتقه يحسب من ثلث مال المولى، وهذا قول عامة العلماء وعامة الصحابة
- رضي الله عنهم -، وهو قول سعيد بن جبير، وشريح، والحسن وابن سيرين - رضي الله
(١)
عنهم. (١).
وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن عتقه من جميع المال، وهو قول
.إبراهيم النخعي، وحماد، وجعلوه كأم الولد.
ولنا ما روينا عن رسول الله وَ لَوَ أنه قال: ((المُدَبَّرُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ)) وهو حر من
الثلث، ولأن التدبير وصية، والوصية تعتبر من ثلث المال كسائر الوصايا، وسواء كان التدبير
في المرض أو في الصحة؛ لأنه وصية في الحالين، وسواء كان التدبير مطلقاً أو مقيداً لعموم
الحديث إلا أنه خص منه المقيد في حق البيع والهبة، فيعمل بعمومه في حق الاعتبار من
الثلث، ولأن معنى الوصية توجد في النوعين، وأن يقتضي اعتباره من الثلث ويعتبر ثلث المال
يوم موت المولى، لأن في الوصايا هكذا يعتبر، وإذا كان اعتبار عتقه من ثلث مال المولى(٢)
(١) ينظر ((مصنف عبد الرزاق)) (١٤٤/٩ - ١٤٧).
(٢) في ط: المال.

٣٩٢
کتاب التدبير
فإن كان كله يخرج من ثلث مال المولى بأن كان له مال آخر سواه، يعتق كله ولا سعاية عليه،
وإن لم يكن له مال آخر غيره، عتق ثلثه ويسعى في الثلثين للورثة.
هذا إذا لم يكمن على المولى دين، فإن كان عليه دين يسعى في جميع قيمته في قضاء
ديون المولى، لأن الدين مقدم على الوصية.
ومنها: أن ولاء المدبر للمدبر، لأن المعتق، وقد قال النبي ◌َّهُ: ((الَوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))(١)
١٩٢/٢ ب ولا ينتقل هذا الولاء عن المدبر، وإن عتق/ المدبر من جهة غيره، كمدبرة بين اثنين جاءت
بولد فادَّعَاه أحدُهما، ثبت نسبه منه، وعتق عليه، وغرم نصيب شريكه من الولد، والولاء
بينهما، لأن حق الحرية ثابتٌ فى الحال عندنا، وأنه يثبت حق الولاء وهو لا يحتمل الفسخ.
وكذا المدبر بين شريكين أعتقه أحدهما وهو موسر فضمن، عتق بالضمان، ولم يتغير
الولاء عن الشركة في قول أبي حنيفة، لما ذكرنا فيما تقدم، وعلى قول أبي يوسف ومحمد إذا
أعتق أحدهما نصيبه عتق جميعه والولاء بينهما.
فصل في بيان ما يظهر به التدبير
وأما بيان ما يظهر به التدبير، فالتدبير يظهر بما يظهر به الإعتاق الباتُّ، وهو الإقرار
والبينة، لأنه إثبات حق الحرية في الحال، فيعتبر الحق بالحقيقة، وهو إثبات حقيقة الحرية بعد
الموت، فيعتبر بالإثبات في الحال، وذا يظهر بأحد هذين [الأمرين](٢) فكذا هذا، إذا عرف
هذا فنقول: إذا ادعى المملوك التدبير وأنكر المولى فأقام البينة، قبلت بينته بلا خلاف؛ فإن لم
يدع وأنكر التدبير مع المولى، لا يقبل البينة على التدبير من غير دعوى العبد في قول أبي
حنيفة، وعندهم يقبل والحجج على نحو ما ذكرنا في الإعتاق البات إلاَّ أن الشهادة على عتق
الأمة تُقبل من غير دعواه بالإجماع، والشهادة على تدبير الأمة على الاختلاف، لأن تدبير الأمة
لا يوجب تحريم الفرج، فلم تكن الشهادة قائمة على حق الله تعالى.
ولو شهدا أنه دبر أحد عبديه بغير عينه في الصحة، فالشهادة باطلة في قول أبي حنيفة،
لأن المدعي مجهول وعندهما يقبل، ولو شهدا أن ذلك كان في المرض يقبل عنده استحساناً،
والقياس أن لا يقبل، وقد ذكرنا وجه القياس والاستحسان في كتاب العتاق، ولو شهدا أنه
قال: هذا حر وهذا مدبر بعد موتي، فقد صار مدبراً، لم تجز شهادتهما في قول أبي حنيفة
لجهالة المدعي.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) سقط من ط .

٣٩٣
کتاب التدبير
ولو شهدا أنه قال: هذا حر بعد موتي، لا بل هذا كانا جميعاً مدبرين ويعتقان بعد موته
من ثلثه (١)، لأنه لما قال هذا حر بعد موتي فقد صار مدبراً، فلما قال: لا بل هذا فقد رجع
عن الأول وتدارك بالثاني، ورجوعه لا يصح وتداركه صحيح، كما إذا قال لإحدى امرأتيه:
هذه طالقٌ، لا بل هذه.
ولو شهدا أنه قال: هذا حر البتة، لا بل هذا مدبر، جازت الشهادة لهما؛ لأنه أعتق
الأول ثم رجع وتدارك بالثاني، فالرجوع لا يصح، ويصح التدارك، فصار الأول حرًّا والثاني
مدبراً.
ولو شهد أحدهما أنه دبره وشهد الآخر أنه أعتقه البتة، فالشهادة باطلةٌ، لأن كل واحد
منهما شهد بغير ما شهد به الآخر لفظاً ومعنى، أما اللفظ فلا شك فيه، وأما المعنى فلأن
الإعتاق الباتَّ إثبات العتق [إثبات العتق في الحال والتدبير بإثبات العتق] (٢) بعد موت المولى،
وهما متغايران وليس على كل واحد منهما إلا شاهد واحد؛ وكذلك لو شهدا بالتدبير واختلفا
في شرطه؛ لأنهما شهدا على شيئين مختلفين كما في الإعتاق البات، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم،
وهو الموفق.
(١) ويَعْتِقُ المُدَبَّرُ بعدَ الموتِ من ثُلِث المالِ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلم، يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ عمر. وبه
قال شُرَيْحْ، وابنُ سِيرِينَ، والحسنُ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزيز، ومَكْحولٌ، والزُّهْرِيُّ،
وقَتادةُ، وحَمَّادٌ، وماَلَكٌ، وأهلُ المدينةِ، والثَّوْرِيّ، وَأهلُ العراقِ، والشَّافعيُّ، وإِسْحاقُ، وأبو ثَّوْرٍ،
وأصحابُ الرَّأْيِ. ورُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ، ومَسْرُوقٍ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدٍ بن جُبَيْرٍ، أَنَّه يَعْتِقُ من
رأس المالِ، لأَنَّه ◌ِثْقٌ فينْفُذُ مِن رأسِ المالِ، كالعِثْقِ في الصِّحَّةِ، وعِثْقِ أَمِّ الوَلَدِ. ولَنا، أنَّه تَبَرُّعُ بعدَ
الموتِ، فكان من الثُّلثِ، كالوَصِيَّةِ، ويُفارِقُ العِثْقَ في الصِّحَّةِ، فإنَّه لم يتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِ المُعْتِقِ، فَنْفُذُ
في الجميع، كالهَِّةِ المُنْجَزَةِ. وقد نَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أَنَّه يَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ. وليس عليها عَمَلٌ، قال
أبو بكرٍ: هَذا قولٌ قديمٌ، رَجَعَ عنه أحمدُ إلى ما نَقَلَه الجماعةُ.
ينظر: المغني ٤١٣/١٤.
(٢) سقط من ط .

كتاب الاستيلاد
الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في تفسير الاستيلاد لغةً وعرفاً، وفي بيان شرطه،
وفي بيان صفته، وفي بيان حكمه، وفي بيان ما يظهر به.
أما تفسيره لغةً، فالاستيلاد في اللغة: هو طلب الولد؛ كالاستيهاب والاستئناس أنه طلب
الهبة والأنس.
وفي العرف:
هو تصير الجارية أم ولد، يُقال فلان استولد جاريته إن صيرها أم ولده(١).
وعَلَى هذا قلنا إنه يستوي في صيرورة الجارية أم ولد، الولد الحي والميت؛ لأنَّ المبتَ
(١) أُمُ الوَلَدِ: هي التي وَلَدَت مِن سَيِّدِها في مِلْكِه. ولا خِلافَ في إباحةِ التَّسَرِّي ووَطْءِ الإِماءِ؛ لقولِ الله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوِجِهِمْ حَافِظُونَ، إلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فإنَّهُمِ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ .
وقد كانت مارِبَةُ القِبْطِيَّةُ أُمَّ وَلَّدٍ لِلنَّبِيِّ وََّ، وهي أمُّ إبراهيمَ ابنِ النّبِيِّ نَّه التي قال: ((أَعْتَقَها وَلَدُها)).
وكانتْ هاجَرُ أُمُّ إِسماعيلَ عليه السلام، سُرِّيَّةً لإبراهيمَ خَلِيلِ الرحمْنِ عليه السَّلام. وكان لعمرَ بنِ
الخَطَّاب، رَضِيَ الله عنه، أَمَّهاتُ أوْلادٍ وَصَّى لكُلُّ واحِدَةٍ مَنْهِنَّ بأرْبَعِمائةٍ أُرَبعِمائةٍ. وكان لعَلِيٍّ،
رَضِيَ الله عنه، أَمَّهاتُ أوْلادٍ. ولكثير من الصحابَةِ. وكان عليُّ بنُ الحسينِ، والقاسِمُ بنُ محمد،
وسالِمُ بن عبد الله، من أُمَّهاتِ أولادٍ. ويُزْوَى أنَّ النَّاسَ لم يكونُوا يَرْغَبُون في أُمَّهاتِ الأوْلادِ، حتى وُلِدَ
هؤلاء الثَّلاثةُ من أُمَّهاتِ الأَوْلادِ، فرَغِبَ الناسِ فِيهِنَّ. ورُوِيَ عن سالِم بنِ عبد الله، قال: كان لابْنِ
رَوَاِحَّةَ جارِيَةٌ، وكان يُرِيدُ الخَلْوَةَ بها، وكانت امْرَأَتُهِ تَرْصُدُه، فخعلاَ البيتُ، فَوَقَعَ عليها، فَنَذِرَتْ به
امْرَأَتُه، وقالتْ: أَفَعَلْتَها؟ قال: ما فَعَلْتُ. قالتْ: فاقْرَأْ إذاً. فقال:
شَهِدْتُ بأنَّ وَغْدَ الله حَقِّ وأنَّ النَّارَ مَثْوَى الكافِرِينَا
وأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ وَفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَا
وتَخْمِلُه مَلائِكَةٌ شِدادٌ مَلائِكَةُ الإِلهِ مُسَومِينَا
فقالتْ: أمَّا إذا قَرَأْتَ فَاذْهَبْ إذاً. فَأَتَى النَّبِيِّ وََّ، فأخْبَرَه، قال: فلقد رَأيْتُه يَضْحَكُ حتى تَبْدُوَ نَواجِذُه،
ويقول: ((هِيهِ، كَيْفَ قُلْتَ؟)). فأَكَرِّرُه عليه، فَيَضْحَكُ.
ينظر: المغني (١٤/ ٥٨٠، ٥٨١).
٣٩٤

٣٩٥
کتاب الاستيلاد
وَلَدْ بدليل أنه يتعلق به أحكام الولادة حتى تنقضي به العدة وتصير المرأة به نفساء، وكذا لو
أسقطت سقطاً قد استبان خلقه أو بعض خلقه، وأقر به، فهو بمنزلة الولد الحي الكامل الخلق
في تصيير الجارية أم ولد؛ لأن أحكام الولادة تتعلق بمثل هذا السقط، وهو ما ذكرنا.
وإن لم يكن استبان شيء من خلقه، فألقت مضغة أو علقة أو نطفة، فادعاه المولى،
فإنها لا تصير أم ولد؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة، لأنه ما لم يستبن خلقه لا يسمى ولداً،
وصيرورة الجارية أم ولد بدون الولد محالٌ، ولأنه يحتمل أن يكون ولداً، ويحتمل أن يكون
دماً جامداً أو لحماً، فلا يثبت به الاستيلاد مع الشك، وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا.
وللشافعي فيه قولان: في قولٍ قال: يصب عليه الماء الحار، فإن ذاب فهو دم، وإن لم
يذب فهو ولد، وفي قولٍ قال: يرجع فيه إلى قول النساء.
والقولان فاسدان لما ذكرنا في ((كتاب الطلاق)).
ولو أقر المولى فقال لجاريته حمل هذه الجارية مني، صارت أم ولد له، لأن الإقرار
بالحمل إقرار بالولد؛ إذ الحمل عبارة عن الولد.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال: حمل هذه الجارية منيٍّ، أو قال: هي حبلى
مني، أو قال: ما في بطنها من ولد فهو مني، ثم قال بعد/ ذلك: لم تكن حاملاً، وإنما كان ٢/ ١٩٣أ
ريحاً، وصدقته الأمة، فإنهما لا يصدقان وهي أم ولد، لأنه أقر بحملها، والحملُ عبارة عن
الولد، وذلك يثبت لها حرية الاستيلاد، فإذا رجع لم يصح رجوعُهُ ولا يلتفت إلى تصديقها؛
لأن في الحرية حق الله - تعالى -؛ فلا يحتمل السقوط بإسقاط العبد، ولو قال: ما في بطنها
مني، ولم يقل من حمل أو ولدٍ، ثم قال بعد ذلك: كان ريحاً، وصدقته، لم تصر أم ولد،
لأن قوله ((ما في بطنها)) يحتمل الولد والريح، فقد تصادقا على اللفظ المحتمل، فلم يثبت
الاستیلاد.
ولو قال المولى: إن كانت هذه الجاريةُ حبلى فهو مني، فأسقطت سقطاً قد استبان خلقه
أو بعض خلقه، صارت أم ولد لما بينا، فإن ولدت ولداً لأقل من ستة أشهر، صارت أم ولد
له، ولأن الطريق إلى ثبوت نسب الحمل منه هذا؛ لأن معنى قوله: ((إن كانت حبلى فهو
مني))؛ أي: إني وطئتها فإن حبلت من وطءٍ فهو مني، فإذا أتت بعد هذه المقالة بولدٍ لأقل من
ستة أشهر تَيَقَّنًا أنها كانت حاملاً حينئذٍ، فثبت النسب والاستیلاد.
فإن أنكر المولى الولادة فشهدت عليها امرأةٌ، لزمه النسب؛ لأن الزوج إذا كان أقر
بالحمل تقبل شهادة امرأتِهِ على الولادةِ على ما ذكرنا في ((كتاب الطلاق))؛ فإن جاءت لستة
أشهر فصاعداً، لم يلزمه ولم تصر الجارية أم ولد؛ لأنا نعلم وجود هذا الحمل في ذلك
الوقت؛ لجواز أنها حملت بعد ذلك، فلا يثبت النسب والاستيلاد بالشك.

٣٩٦
کتاب الاستیلاد
فصل في سبب الاستيلاد
وأما سبب الاستيلاد وهو صيرورة الجارية أم ولد له (١)، فقد اختلف فيه، قال أصحابنا:
سببه هو ثبوت نسب الولد.
(١) ذكر الخرقي من الحنابلة لمَصِيرِها أُمَّ ولَدٍ شُروطاً ثلاثَةٍ؛ أحدُها، أنْ تَعْلَقَ منه بحُرِّ. فأمَّا إنْ عِلِقَتْ منه
بِمَمْلُوكٍ، ويُتَصَوَّرُ ذلك في المِلْكِ في مَوْضِعَين؛ أحدُهما، في العبدِ إذا مَلَّكَه سَيِّدُه، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ.
فإنَّه إذا وَطِىءَ أمَتَه واسْتَوْلَدَها، فوَلَدُه مَمْلوكٌ، ولا تَصِيرُ الأمَةُ أَمَّ وَلَدِ يثْبُتُ لها حكمُ الاسْتيلادِ بذلك،
وسَواءٌ أذِنَّ لِه سَيِّدُه في النَّسَرِّي بها أو لم يَأْذَنْ له. والثانِي، إذا اسْتَوْلَدَ المُكاتَبُ أَمَتَه، فإنَّ ولدَه مَمْلوكٌ
له، وأمَّا الأَمَةُ، فإنَّه لا تَثْبُتُ لها أحكامُ أمّ الولدِ في العِثْقِ بمَوْتِه في الحالَيْنِ؛ لأنَّ المُکاتَبَ لیس بِحُرِّ،
وولده منها ليس بحر فأوْلَى أنْ لا تَتَحَرَّرَ هي. ومتى عجَزّ المُكاتَبُ، وعادَ إلى الرِّقُ، أو ماتَ قبلَ أداءٍ
كِتابَتِه، فهي أمّةٌ قِرٍّ، كأَمَةِ العبدِ القِنَّ. وهل يَمْلِكُ المُكاتَبُ بَيْعَها، والتَّصَرُّفَ فيها؟ فيه اخْتلافٌ، ذكرَ
القاضي في مَوْضِع، أنَّه لا يثْبُتُ فيها شيءٌ من أحكام الاسْتِيلادِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ بحالٍ. وهذا أحدُ قَوْلَي
الشافِعِيِّ، لأنَّها عَلِقَت بمَمْلوكٍ في مِلْكِ غيرِ تامٌ، فَلم يثبتْ لها شيءٌ من أحكام الاسْتِيلادِ، كَأَمَةِ العبدِ
القِنِّ. وظاهِرُ المذهبِ أنَّها مَوْقُوفَةٌ، لا يَمْلِكُ بَيْعَها، ولا نَقْلَ المِلْكِ فيها، فإنْ عَتَّقَ، صارَتْ له أُمّ ولدٍ،
تَعْتِقُ بمَوْتِه، فيثْبُتُ لها من حُرْمَةِ الاسْتِيلادِ، ما يثبُتُ لوَلَدِها من حُزْمَةِ الحُرِّيَّةِ. وقد نَصَّ أحمدُ
- رضي الله عنه - على مَنْعِ بَيْعِها، ومَفْهومَ كَلامِ الْخَرَقِيِ، يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْن جميعاً. الشرطُ الثانِي - أن
تَعْلَقَ منه في مِلْكِهِ، سَواءٌ كَان من وَطْءٍ مُباح أم مُحرَّم، مثل الوَطْءِ في الحَيْضِ، أو النّفاسِ، أو الصَّوْم،
أو الإِخرام، أو الظُّهارِ، أو غيرِهِ. فأمَّا إنْ عَلَقَتْ منه في غيرِ مِلْكِه، لم تصِرْ بَذلك أُمَّ ولدٍ، سَواءٌ عَلِقَتْ
منه بَمَمْلُوَكِ، أو غر من أمَةٍ، وتَزَوَّجَها على أنَّها حُرَّةٌ فَاسْتَوْلَدَها، أو اشْتَرَى جارِيَةً فَاسْتَوْلَدَها، فبانَتْ
مُسْتَحَقّةَ، فإنَّ الولدَ حُرٍّ، ولا تَصِيرُ الأَمَّةُ أُمَّ وَلَدٍ في هذه المواضِع بحالٍ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّه إنْ مَلَكَها
بعدَ ذلك، صارَتْ أُمَّ ولدٍ. وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك، في المسألةِ التي قبلَ هذه. والمقصودُ بذكْرٍ هذه
الشّروطِ ههُنا، ثُبُوتُ الحُكْم عندَ اجْتِماعِها، وأمَّا انْتِفاؤُه عندَ انْتِفائِها، فيُذْكَرُ في مسائِلَ مُفْرَدَةٍ لها. الشرطُ
الثالِثُ - أنْ تَضَعَ ما يَتَبَيَّنُ فِيه شيءٌ من خلْقِ الإِنْسانِ؛ من رَأْسٍ، أو يَدٍ، أو رِجْلٍ، أو تَخْطِيطِ، سَواءٌ
وضَعَتْه حَيًّا أو مَيّاً، وسَواءٌ أَسْقَطَتْه، أو كان تامًّا. قال عمرُ بنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - إذا وَلَدَتِ الأَمَّةُ
من سَيِّدِها، فقد عَتَقَتْ وإنْ كانِ سَقْطاً، وروَى الأثْرَمُ، بإسنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: أعْتَقَها ولدُها، وإنْ
كان سَقْطَاً. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأَبِي عبدِ الله: أُمُ الولِد، إذا أسْقَطَتْ، لا تَعْتِقُ؟ فقال: إذا تَبَيَّنَ فيه يَدّ، أو
رِجْلٌ، أو شيءٌ من خَلْقِهِ، فقد عَتَّقَتْ. وهذا قولُ الحسنِ، والشافِعِيِّ. وقال الشَّعْبِيُّ: إذا تَلَبَّثَ في الخَلْقِ
الرَّابع، فكان مُخَالَّقاً، انْقَضَتْ بِهِ عِدَّةُ الحُرَّةِ، وأُعْتِقَثَ به الأَمَةُ. ولا أعْلَمُ في هذا خِلافً بِينَ مَنْ قال
بُثُبُوتِ حكم الاسْتِلادِ. فأمَّا إِنْ أَلْقَتْ نُطْفَةً، أو عَلَقَةٌ، لم يثْبُتْ به شيءٌ من أحْكام الولادَةِ؛ لأَنَّ ذلك ليس
بولدٍ. وَرَوىّ يُوسفُ بنُ موسى، أنَّ أبا عبد الله قيل له: ما تقولُ في الأَمَّةِ إذا أَلْقَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً؟ قال:
تَعْتِقُ. وهذا قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ: وإنْ وَضَعَت مُضْغَةً لم يظْهَرْ فيها شيءٌ من خَلِقْ الآدَمِيِّ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ
مِن القَوائِلِ، أنَّ فيها صُورَةً خَفِيَّةٍ، تعَلَّقَتْ بها الأحكامُ، لأَنَّهُنَّ اطَّلَعْنَ على الصّورَةِ التي خَفِيَتْ على
غَيْرِهِنَّ. وَإِنْ لم يَشْهَذْن بذلك، لكِنْ عُلِمَ أنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، إمّا بشَهادَتِهِنَّ، أو غيرِ ذلك، ففيه
رِوايَتان، إحداهما، لا تَصِيرُ به الأمَةُ أُمَّ ولدٍ، ولا تَنْقَضِي به عِدَّةُ الحُرَّةِ، ولا يجِبُ على الضَّارِبِ المُتْلِفِ
له الغُرَّةُ، ولا الكفَّارَةُ. وهذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ، والشافِعِيِّ، وظاهِر ما نَقَلَه الأَثْرَمُ عن أحمدَ - رضي الله =

٣٩٧
کتاب الاستيلاد
وقال الشافعي: سببه علوقُ الولد حُرّاً على الإطلاق، بعد اتفاقهم على أن حكم
الاستيلاد في الحال هو ثبوت حق الحرية وثبوت حقيقة الحرية بعد موت المولى.
والأصل فيه قول النبي وَ ل # في جاريته مارية القبطية(١) لمَّا ولدت إبراهيم ابن النبيِّ - عليه
الصلاة والسلام -: ((أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا)) والمراد منه التسبيب، أي: ولدها سبب عتقها، غير أنهم
اختلفوا في جهة التسبيب، فقال أصحابنا هي ثبوت نسب الولد، وقال الشافعي: هي علوق
الولد حرّاً مطلقاً.
وجه قوله إن الولد حر بلا شك، وأنه جزء الأم، وحرية الجزء تقتضي حرية الكل؛ إذ لا
يحتمل أن يكون الكل رقيقاً والجزء حرّاً، كان ينبغي أن تعتق الأم للحال إلا أنه إنما لا تعتق؛
لأن الولد انفصل منها وحريته على اعتبار الانفصال لا توجب حرية الأم كما لو أعتق الجنين،
فقلنا بثبوت حق الحرية في الحال وتأخر الحقيقة إلى بعد الموت؛ عملاً بالشبهين.
ولنا: أن الوطء المعلق أوجب الجزئية بين المولى والجارية بواسطة الولد لاختلاط
الماءين وصيرورتهما شيئاً واحداً وانخلاق الولد منه، فكان الولد جزءاً لهما، وبعد الانفصال
عنها إن لم يبق جزءاً لها على الحقيقة، فقد بقي حكماً لثبوت النسب، ولهذا تنسب كل الأم.
إليه بواسطة الولد، يقال أم ولده، فلو بقيت حقيقة الحرية لثبتت حقيقة الحرية للحال، فَإِذَا
بقيتْ حكماً ثبت الحق على ما عليه [وضع مَأْخَذ الحجج](٢) في ترتيب الأحكام على قدر
قوتها وضعفها، وإلى هذا المعنى أشار عمر - رضي الله عنه - فقال: أَبعْدَ ما اختلطتْ لحومكُم
بلحومهنَّ، ودماؤكم بدمائهنَّ، تُرِيدُونَ بَيْعَهُنَّ.
عنه - وظاهِرُ قَوْلِ الحسنِ، والشّغْبِيِّ، وسائِرٍ مَنْ اشْتَرطَ أنْ يَتَبَيَّنِ شيءٌ فيه من خَلْقِ الآدَمِيِّ، لأنَّه لِم يَبِنْ
فيه شيءٌ من خَلْقِ الآدَمِيِّ، أشْبَهَ النُّطْفَةَ والَعَلَقَةَ. والثانِيَةُ - تَتَعَلَّقُ به الأحكامُ الأَزَبعةُ، لَأَنَّه مُبْتَدَأُ خَلَّقِ
آدَمِيِّ، أَشْبَهَ إذا تَبَيِّنَ. وخرَّجَ أبو عبدِ الله بن حامدٍ رِوايَةٍ ثالِثَةٍ، وهو أنَّ الأمَة تصيرُ بذلك أمَّ ولدٍ، ولا
تنْقَضي به عِدَّةُ الحُرَّةِ، لأَنَّهَ رُوِيَ عن أحمدَ - رضي الله عنه - في الأَمَةِ إذا وِضَعَت، فمَسَّتْه القَوابِلُ،
فَعَلِمْنَ أَنَّه لحمِّ، ولم يَتَبَيِّنْ لحمهُ: تَحْتاطُ في العِدَّةِ بِأَخْرَى، ويَخْتَاطُ بِعِثْقِ الأَمَةِ. وظاهِرُ هذا، أنَّه حَكْمٌ
بِعِثْقِ الأَمَةِ، ولم يحْكُمْ بانْقِضاء العِدّةِ؛ لأنَّ عتقْ الأَمَةِ يحصُلُ للحُرِّيَّةِ، فاخْتِيطَ بَتَخْصِيلِها، والعِدَّةُ يَتَعَلَّقُ
بها تَخرِبِمُ التِّزْوِيجِ وحُرْمَةُ الفَرْجِ، فاخْتِيطَ بإنقائِها. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ بالعَكْسِ. لا تَجبُ العِدَّةُ، ولا
تصيرُ الأَمَّةُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ كُلِّ واحِدٍ منهما، فيَبقَى على أصْلِهِ. ولا يَصِحُ، لأنَّ العِدَّةَ كانتْ
ثابتّةٍ، والأَصْلُ بقاؤها على ما كانت عليه، والأَضْلُ في الآدَمِيِّ الحُرْيَّةُ، فَتُغَلِّبُ ما يُفْضِي إليها.
ينظر: المغني (٥٩٥/١٢ - ٥٩٧).
(١) ينظر ترجمتها في الأصابة (٣١٠/٨ - ٣١١) وأسد الغابة ت (٧٢٧٦) والاستيعاب ت (٣٥٤٣).
(٢) في أ: وضع قاعدة الشرع.

٣٩٨
کتاب الاستيلاد
ثم اختلف أصحابنا في كيفية هذا السبب، فقال علماؤنا الثلاثة: السبب هو ثبوت النسب
شرعاً.
وقال زفر: هو ثبوت النسب مطلقاً، سواء ثبت شرعاً أو حقيقةً.
وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا تزوج جارية إنسان فاستولدها ثم ملكها، صارت أم
ولد له عند أصحابنا؛ لأن سبب الاستيلاد هو ثبوت النسب، (وقد ثبت فتحقق السبب](١) إلاّ
أنه توقف الحكم على وجود الملك، فتعذر إثبات حكمه وهو حق الحرية في غير الملك؛ كما
يتعذر إثبات الحقيقة في غيره، فتأخر الحكم إلى وقت الملك، وَعِنْدَ الشافعي لا تصير أم ولد
له، وهو قول إبراهيم النخعي؛ لأن السبب عنده علوق الولد حرّاً على الإطلاق ولم يوجد،
لأن الولد رقيق في حق مولاه، وإذا ملك ولده الذي استولده عتق عليه بالإجماع.
أما عندنا فلأنه ملك ذا رحم محرم منه فيعتق، وأما عنده فلأنه ملك ولداً ثابت النسب
منه شرعاً.
وكذلك إذا ثبت النسب من غير مالك الجارية بوطءٍ بشبهةٍ ثم ملكها، فقد صارت أم ولد
له حين ملكها؛ عندنا لوجود السبب، وعنده لا لانعدام السبب، ولو ملك الولد عتق لما قلنا .
ولو زنى بجارية فاستولدها بأنْ قال: زنيتُ بها، أو فَجَرْتُ بها، أو قال: هو ابني من زناً
١٩٣/٢ ب أو فجور/، وصدقته وصدقه مولاها، فولدت ثم ملكها، لم تصر أم ولد له؛ عند أصحابنا
الثلاثة، وهو استحسانٌ.
والقياس: أن تصير أم ولد له، وهو قول زفر؛ بناءً على أن السبب عنده ثبوت النسب
مطلقاً، وقد ثبت النسب حقيقة بدليل أنه لو تملك الولد عتق عليه بلا خلافٍ بين أصحابنا،
والسبب عند أصحابنا الثلاثة هو ثبوت نسب الولد شرعاً ولم يثبت.
فصل في شروط الاستيلاد
وأما شرطه، فما هو شرط ثبوت النسب شرعاً: وهو الفراش، ولا فراش إلا بملك
اليمين، أو شبهة، أو تأويل الملك، أو ملك النكاح، أو شبهته، ولا تصير الأمة فراشاً في ملك
اليمين بنفس الوطء، بل الوطء مع قرينة الدعوى عندنا، وهي من مسائل كتاب الدعوة، فلا
يثبت الاستيلاد بدون الدعوة، ويستوي في الاستيلاد ملك القنة والمدبرة لاستوائهما في إثبات
النسب، إلا أن المدبرة إذا صارت أم ولد بطل التدبير؛ لأن أمية الولد أنفع لها.
(١) في أ: وقد تحقق.
/

٣٩٩
كتاب الاستيلاد
ألا ترى أن أم الولد لا تسعى لغريم ولا لوارث والمدبرة تسعى، ويستوي في ثبات
النسب ملك كل الجارية وبعضها.
وكذا في الاستيلاد حتى لو أن جارية بين اثنين علقت في ملكهما فجاءت بولد فادعاه
أحدهما، يثبت نسبه منه، وصارت الجارية كلها أم ولد له بالضمان، وهو نصف قيمة الجارية،
ويستوي في هذا الضمان اليسار والإعسار، ويغرم نصف العقر لشريكه، ولا يضمن من قيمة
الولد شيئاً.
أما ثبوت النسب فلحصول الوطء في محل له فيه ملك؛ لأن ذلك القدر من الملك
أوجب ثبوت النسب بقدره، والنسب لا يتجزأ، وإذا ثبت في بعضه ثبت في كله ضرورة عدم
التجزىء، ولأن النسب ثبت بشبهة الملك؛ فلأن يثبت بحقيقة الملك أوْلَئ.
وَأَمَّا صيرورةَ الجارية كلها أم ولد له فالنصف قضية للنسب(١)؛ لأن نصف الجارية
مملوك له، والنصف الآخر إما باعتبار أن الاستيلاد لا يتجزأ فيما يمكن نقل الملك فيه، فإذا
ثبت في البعض يثبت في الكل لضرورة عدم التجزي، وإما باعتبار أنه وجد سبب التكامل،
وهو النسب على كونه متجزئاً في نفسه؛ لأن سبب الاستيلاد هو ثبوت النسب، والنسب لا
يتجزأ، والحكم على وفق العلة فثبت الاستيلاد وفي نصيبه قضية للسبب، ثم يتكامل في الباقي
بسبب النسب، وإما اعتبار سبب آخر أوجب التكامل على ما عرف في الخلافيات، ثم لا سبيل
إلى التكامل بدون ملك نصيب شريكه، فَيَصِيرُ متملكاً نصيب شريكه؛ ضرورة صحة الاستيلاد
في ذلك النصيب، ولا سبيل إلى ما تملك مال الغير من غير بدل فيتملكه بالبدل، وهو نصف
قيمتها، وإنما استوى في هذا الضمان حالة اليسار والإعسار؛ لأنه ضمان ملك كضمان المبيع.
وأما وجوب نصف العقر فلوجود الإقرار منه بوطء ملك الغير، وإنه حرام إلاَّ أن الحد لم
يجب لمكان شبهة لحصول الوطء في ملكه وملك شريكه، فلا بد من وجوب العقر، ولا
يدخل العقر في ضمان القيمة؛ لأن ضمان نصف القيمة ضمان الجزء، وضمان البضع ضمان
الجزء، ولأن منافع البضع لها حكم الأجزاء، وضمان الجزء لا يدخل في مثله.
وأما عدم وجوب نصف قيمة الولد؛ فلأنه يملك نصيب شريكه بالعلوق السابق، فصار
الولد جارياً على ملكه، فلا يكون مضموناً عليه، ولأن الولد في حال العلوق لا قيمة له، فلا
يقابل بالضمان، ولأنه كان بمنزلة الأوصاف فلا يفرد بالضمان، ويستوي في ثبوت النسب
وصيرورة الجارية أم ولد ملك الذات وملك اليد؛ كالمكاتب إذا استولد جارية من إكسابه على
(١) في ط: للتسبب.

٤٠٠
كتاب الاستيلاد
ما نذكر في ((كتاب الدعوى)) إن شاء الله - تعالى -، ويستوي في دعوى(١) النسب حالة الصحة
والمرض، لأن النسب من الحوائج الأصلية.
وكذلك إذا دعاه أحدهما وأعتقه الآخر وخرج القول منهما معاً، فعتقه باطلٌ، ودعوة
صاحبه أولى؛ لأن الدعوى استندت إلى حالة متقدمة وهي العلوق، والعتق وقع في الحال،
فصارت الدعوة أسبق من الإعتاق، فكانت أولى، وإن ادعياه جميعاً فهو ابنهما والجارية أم ولد
لهما، تخدم لهذا يوماً ولذاك يوماً، ولا يضمن واحدٌ منهما من قيمة الأم لصاحبه شيئاً،
ويضمن كل واحد منهما نصف العقر فيكون قصاصاً.
أما ثبوت النسب منهما فمذهبنا، عند الشافعي يثبت من أحدهما، ويتعين بقول القافة،
وهي من مسائل ((كتاب الدعوى)).
وأما صيرورة نصيب كل واحد منهما من الجارية أم ولد [له](٢)، فلثبوت نسب ولدها
١٩٤/٢أ منه، فصار كأنه/ انفرد بالدعوة، وإنما لا يضمن أحدهما للآخر شيئاً من قيمة الأم، لأن نصيب
كل واحد منهما لم ينتقل إلى شريكه، وإنما ضمن كل واحد منهما لصاحبه نصف العقر لوجود
سبب وجوب الضمان، وهو الإقرار بالوطء في ملك الغير، فيصير أحدهما قصاصاً للآخر لعدم
الفائدة في الاستيفاء.
وكذلك لَوْ كَانَتِ الجارية بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فادعوه جميعاً معاً، يثبت نسبه
منهم، وتصير الجارية أم ولد لهم في قول أبا حنيفة، وعند أبي يوسف لا يثبت النسب من أكثر
من اثنين، وعند محمد من أكثر من ثلاثة، ونذكر الحجج في ((كتاب الدعوى)) إن شاء الله
- تعالى -.
وإن كانت الأنصباء مختلفة بأن كان لأحدهم السدس والآخر الربع والآخر الثلث،
ولآخر ما بقي يثبت نسبة منهم، ويصير نصيب كُلِّ واحدٍ منهم من الجارية أم ولد له لا يتعدى
إلى نصيب صاحبه، حتى لا تكون الخدمة والكسب والغلة بينهم على قدر أنصبائهم؛ لأن كل
واحد منهم ثبت الاستيلاد منه في نصيبه، فلا يجوز أن يثبت فيه استيلاد غيره.
ولو كانت الأمة بين الأب والابن، فجاءت بولدٍ فادعياه جميعاً معاً، أو كانت بين حر
وعبد فادعياه، أو بين حُرِّ وَمُكَاتَبٍ، أو بين مكاتب وعبد، أو بين مسلم وذمي، أو بين كتابي
ومجوسي، أو بين عبد مسلم أو مكاتب مسلم وبين حُرِّ كافرٍ، أو بين ذمي ومرتد، فحكمه
یذکر في «کتاب الدعوى)).
(١) في ط: دعوة.
(٢) سقط من ط.