Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كتاب الإعتاق من حيث لا يراك وقلة إن هذه اللطمة حصلت من غير فاعل، فإنه لا يصدقك بل في فطرة البهائم، فإن = الحمار إذا أحس بطرف الخشبة - فزع، لأنه تقرر في طبعه أن حصول صدقها بدونها محال، ومنهم من قرر ((الدليل)» فقال: إن الحادث إذا حدث في وقت معين فالعقل يجوز حصوله قبله، أو بعده، فاختصاصه بالوجود في ذلك الوقف المعين بدلاً عن العدم، وعلى الوجود في غيره - لجائز في العقل؛ فيفتقر إلى مخصص مختار، وإلا كان أحد المتساويين مساوياً لذاته راجحاً لذاته، وهو محال ضرورة؛ فتعين كون الترجيح للوجود بدلاً عن العدم، وللوجود في هذا الوقت بدلاً عن الوجود في غيره من الأوقات بمرجح منفصل على الحادث، وهو الفاعل المختار وهو الله - سبحانه وتعالى -. الدليل الثاني: على إثبات الصانع - جلّ وعلا -: جملة الممكنات الموجودة ممكنة بداهة، وكل ممكن محتاج إلى سبب يعطيه الوجود النتيجة جملة الممكنات محتاجة إلى سبب يعطيها الوجود، ثم ننظر بعد ذلك في هذا السبب، فنقول: ذلك السبب إما أن يكون عين الجملة، وإما أن يكون جزأها، وإما أن يكون خارجاً عنها. لا جائز أن يكون عينها، لأنه يستلزم تقدم الشيء على نفسه، وهو محال بداهة، ولا جائز أن يكون جزأها، لاستلزام أن يكون الشيء سبباً لنفسه، ولما سيق عليه أن لم يكن هو الأول، ولنفسه إن فرض الأول، وهو محال ـ فوجب أن يكون السبب وراء جملة الممكنات، وليس وراء جملة الممكنات إلا المستحيل والواجب، والمستحيل فاقد الوجود، فلا يعطيه لغيره فتعين أن يكون للممكنات الموجودة موجداً هو واجب الوجود، وهو المطلوب. الدليل الثالث من الأدلة العقلية على إثبات الصانع: لو تحقق موجود - لوجد الواجب، لكن الموجود قد تحقق النتيجة: الواجب موجود، وإنما كانت النتيجة ما ذكر، لأن استثناء عين المقدم ينتج عين التالي، ثم إن المحتاج للإثبات في هذا الدليل هو الملازمة، وأما المقدم - فهو ثابت بالمشاهدة. ودليل الملازمة : أن ذلك الموجود إن كان واجباً - فقد تم المطلوب، وإن كان ممكناً - فلا بد له من سبب، وذلك السبب إنت كان واجباً. فقد تم المطلوب، وإن كان ممكناً . فلا يخلو عن واحد من أمور ثلاثة: أما أن ينتهي إلى واجب، وإما أن يدور، أو يتسلسل، وكل من الدور والتسلسل محال؛ فتعين الثالث، وهو: أن السبب واجب، وهو المطلوب. ((الأدلة الكونية)» إذا جال الإنسان بنظره، وفكره الثاقب في هذا العالم، وما فيه من الكائنات، مع ما فيها من لطف التدبير، وصواب التقدير، وإتقان الصنعة، وأدرك شيئاً من خواصها ومزاياها - لا يسعه إلا أن يعتقد أن لها موجداً، حكيماً مختاراً في تصرفه، قديماً، منزهاً عن كل نقص. وفي كل شيء له آية تدل على أنه موجد. ولإيضاح ذلك أسرد لك عدة أمور من الكائنات التي تشاهدها ببصرك مع بيان شيء من منافعها ومزاياها. ((آيات الله في الحيوان)) إذا نظرت إلى العالم الحيواني من مبدأ نشأته، وكيفية تركيبه كفاك في الجزم بأن له صانعاً مختاراً؛ وذلك = ٣٠٢ كتاب الإعتاق أن الحيوان إذا تناول الطعام - سلمه لآلة فمه؛ فسحقته، ومزجته باللعاب الذي يساعد على الهضم، ثم = دفعه إلى معدته التي تشبه القرية، ثم إلى أمعائه بأقسامها، ليتم هضمه بسبب الحرارة، وما يفرزه الكبد والبنكرياس من العصورات المختلفة، فإذا تم الهضم - خلصت منه مادة مغذية، تنتقل إلى الأعضاء بواسطة الدم، فيأخذ كل منها بميزان وقدر معلوم. وبذلك تنتظم الحياة، ويعيش الحيوان بجميع أنواعه في اطمئنان، لا شعور له بما يحصل، ولا إرادة له بما يجري ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ الْعَليم﴾ ومتى توفر الغذاء، وكثرت الحرارة - حصلت له شهوة الجماع التي بها التناسل، وحصل التلقيح بوساطة النطفة التي تخرج خليطاً من كل نوع. ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أَمْشَاج﴾ فإذا مكثت تلك النطفة - تحولت علقة، فمضغة، ثم تتصور وتتشكل بشكل الذي خرجت منه، فإذا ما تكاملت - حلت فيها الحياة؛ فصارت حيواناً ذا سمع، وبصر، وشم، وذوق، ولمس، ثم ينفصل من أصله، ويأخذ في السعي على رزقه، وقد تنمو فيه قوة الإدراك على قدر ما يحتاج إليه في تدبير معيشته، وقد تزيد على ذلك درجات حتى يصير ذلك الحيوان عالماً، حكيماً، مدققاً، يجول فكره في كل شيء. أفرأيت إلى هذا الجنين، وهو في بطن أمه لو لم يجر إليه ذلك الدم، وهو في الرحم . ألم يكن سيزوي ويُجف، كما يجف النبات، إذا فقد الماء ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ـ ألم يكن يبقى في الرحم؛ كالموؤودة في الأرض، ولو لم يوافه اللبن عند الولادة - ألم يكن سيموت جوعاً، أو يغتذ بغذاء لا یناسبه، ولا يصلح علیه بدنه؟ ولا شك أن الناظر إلى ذلك المخلوق الذي شارك النبات في بعض خواصه، كالنمو، والاغتذاء، وقد تولد من ماء وطين، ووصل إلى ذلك الكمال الذي خص به من بين سائر الأجسام، وتباينت أفراده. يجزم بأن له صانعاً مختاراً، حكيماً، ليس من جنس مخلوقاته. كذلك إذا نظرت إلى الحيوانات - تراها قد تنوعت إلى أنواع شتى: فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، ﴿يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير﴾. فإذا نظرت إليه من حيث الضخامة وعدمها - ترى نوعاً قد بلغ من الضخامة مبلغاً عظيماً، كالفيل من الحيوانات البرية وترى نوعاً آخر من الحيوانات قد بلغ من الصغر حدًّا، بحيث لا يرى بالعين المجردة، بل لا بد لرؤيته من المجهر، وذلك كالكرويات، والجراثيم التي ذكر العلماء فيها أقوالاً لا يكاد يصدق بها العقل. فقد قالوا: إن تلك الجراثيم منها ما له خمسون معدة، وله طرق غريبة في كيفية ترتيب معاشه. ومن حيث العمر تتنوع أيضاً؛ فمنها: ما يعيش نحو مائة سنة، كالفيل، ومنها ما يعيش نحو مائة وعشرين سنة، كالسلحفاء ومنها ما يعيش مائتين، كالنسر الذهبي، ومنها ما يعيش ثلاثين كالفرس. وهكذا جعل الله لكل نوع أجلاً مخصوصاً، لا يمكن للعقل أن يقطع بعلة ذلك، لأنه ليس منوطاً بمسكن، ولا بمعيشة، ولا كبر جسم، ولا صغره، بل ذلك تقدير الفاعل المختار. ومن حيث تناول الغذاء - نرى أن نوعاً يتناوله بيده؛ كالإنسان، وآخر بفمه، كالبقر، والغنم، وآخر بخرطومه، كالفيل، وآخر بمنقاره، كالطيور، وآخر بلسانه، كالحرباء. = ٣٠٣ كتاب الإعتاق كذلك تراه مختلفاً من حيث ما يكسو بشرته، فمنها ما يكسوه الريش، وهو على ألوان شتى بديعة، ومنها = ما يكسوه الشعر، أو الوبر، ومنها ما لا يكسوه شيء، كالإنسان، ومنها ما يكسوه العظم، كالسلحفاء. ولا أنبهك على اختلاف الحيوانات في الأصوات؛ فمنها المطرب المشجى، ومنها المنفر المزعج. انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل، وتهيئته البيوت المسدسة، وما يرى في ذلك من دقائق الفطنة، فإنك إذا رأيت العمل - رأيته عجيباً لطيفاً، وإذا نظرت إلى المعمول - وجدته شريفاً عظيماً، وإذا رجعت إلى العامل - وجدته غبيًّا جاهلاً بنفسه. ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس النحل، بل للذي طبعه عليها، وسخره لمصلحة الإنسان. فإذا أحطت بهذه الكائنات، وما فيها من الاختلافات إلى ما فيها من عجيب التركيب، وبديع الاتقان، التي بنيت على الحكمة البالغة - أدركت أن ذلك التخصيص لا يتأتى أن يكون اتفاقيًّا، بل لا بد أن يكون يصنع حکیم مختار. ((آيات الله في الكواكب» الحق أن هذا العالم لم يُخلق عبثاً، وأن له غاية وثمرة قال تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً﴾ فلم يكن إلا البحث عن تلك الغاية، وأن هذا العالم بتدبير الصانع الحكيم. فلننظر أولاً إلى الأجرام العلوية، فنقول: انظر إلى طلوع الشمس وغروبها، لإقامة دولتي النهار والليل، فلولا طلوعها - لبطل أمر العالم كله؛ فكيف كان الناس يسعون في حوائجهم ومعايشهم، وينصرفون في مصالحهم، والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانوا يتهنون بلذة العيش، مع فقدهم لذة النور، فالأرب في طلوعها ظاهر مستغن عن الإطناب فيه، ولكن تأمل المنفعة في غروبها، فإن لولا غروبها - لم يكن للناس هدوء، ولا قرار، مع عظم حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم، وجموم حواسهم، وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، كالذي تصف كتب الطب، ثم كان الحرص سيحملهم على مداومة العمل ومطاولته، فيحصل الضعف في أبدانهم، فإن كثيراً من الناس لولا جئوم الليل بظلمته عليهم - لما هدؤا، ولا قرّوا حرصاً على الكسب، ثم كانت الأرض ستحمي بدوام الشمس حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فصارت بتدبير الصانع الحكيم تطلع وقتاً وتغيب وقتاً. ثم انظر بعد ذلك في تنقل الشمس في هذه البروج، لإقامة فصول السنة الأربعة، وما في ذلك من التدبير والحكمة، ففي فصل الشتاء تفور الحرارة في الشجر والنبات، فتولد فيه مواد الثمار، ويستكثف الهواء، فتنشأ منه السحاب والمطر، وتشتد أبدان الحيوان. وفي الربيع تتحرك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، فيطلع النبات، وينور الشجر، ويهيج الحيوان للسفاد. وفي الصيف يحتدم الهواء، فتنضج الثمار، وتتحلل فضول الأبدان. وفي الخريف يصفو الهواء؛ فترتفع الأمراض، وتصح الأبدان وبالجملة: فهذه الفصول الأربعة مقدار سير الشمس سنة كاملة من الحمل إلى الحمل، فبالسنة وأجزائها يكال الزمان، وتوزن الأوقات من لدن خلق الله - تعالى - العالم إلى كل وقت وعصر، وبها يحسب الناس أعمارهم، وأوقاتهم المؤقتة للديون، والإجارات، والمعاملات. انظر إلى = ٣٠٤ كتاب الإعتاق القمر الذي يستمد نوره من الشمس، ثم يضيء العالم، وفي سيره مصلحة عظيمة للناس، إذ تستعمله في = معرفة الشهور، ولا يقوم عليه حساب السنة، لأن دورته لا تستوي في الأزمنة الأربعة، ولذا تجد شهور القمر وسنوه تختلف عن شهور الشمس وسنيها، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل فيها، فيكون مرة في الشتاء ومرة في الصيف. ثم تأمل بعد ذلك في النجوم - تجدها مرصعة في الخلاء العالي بعضها كبير، وبعضها صغير، بعضها قريب وبعضها بعيد كما أنها تختلف في السير، ففرقة منها لا تديم مركزها من الفلك، ولا تسير إلا سيراً ضعيفاً مجتمعة. وفرقة أخرى مطلقة تنتقل في البروج، وتفترق في سيرها، فكل واحد منها تسير بسيرين مختلفين: أحدهما: عام مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه مع المشرق، وقد شبهوا ذلك بنملة تدب على رحى والرحى تدور ذات اليمين، والنملة تدور ذات الشمال، فإن النملة - في تلك الحال - تتحرك حركتين مختلفين: إحداهما: بنفسها متوجهة أمامها، والأخرى: مستكرهة مع الرحى تجتذبها إلى خلفها. فليسأل الزاعمون أن النجوم صارت على ما هي عليه، مع هذا النظام الخاص من غير صانع، ومن غير تقدير وتدبير ما منعها أن تكون كلها رتبة، أو تكون كلها متنقلة؟ فإن الطبيعة شيء واحد، فكيف صارت بحر کتین مختلفتین علی تقدیر ووزنن؟ فهذا بيان أن سير الفريقين على ما يسيران عليه بتقدير وتدبير، وليس بالطبيعة، كما تزعم المعطلة . فكر بعد ذلك لِمَ صار هذا الفلك بشمسه، وقمره، ونجومه، وبروجه يدور على العالم هذا الدوران الدائم بهذا التقدير والوزن إلا لما في اختلاف الليل والنهار، وهذه الأزمان الأربعة من السنة على الأرض، وما عليها من أصناف الحيوان، والنبات من ضروب المصلحة، كما بينا آنفاً. وهل يخفى على ذي لب أن هذا تقدير مقدر، وتخصيص مخصص لصواب وحكمة من مقدر حكيم؟ فإن قال قائل: هذا شيء أتفق أن يكون هكذا. نقول له: إذا رأيت دولاباً يدور لسقي حديقة - أترى كل جزء من أجزائه ضم بعضه إلى بعض من تلقاء نفسه؟ وبماذا كنت تثبت هذا القول لو قلته؟ وما ترى الناس كانوا قائلين لك لو سمعوه منك، سوى تسفيه رأيك وتضليل عقلك؟ أفتنكر أن تقول: هذا في دولاب خسيس مصنوع بحيلة قصيرة، لمصلحة قطعة صغيرة من الأرض؟ وتقدم على أن تقول: هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة تقصر عنها أذهان البشر، لصلاح جميع الأرض، وما عليها: إنه شيء اتفق أن يكون بلا صنعة وتقدير. وخلاصة القول في هذا الدليل أن تقول: لا شك أن تخصيص كل فرد من أفراد هذه الكواكب بما اختص به مع التساوي في الجسمية، وأمور أخرى دليل قاطع على أنه لا بد لذلك التخصيص من مخصص مختار، عالم بالحكم، والمصالح المترتبة على وجود كل فرد بوصفه الخاص به. ((آيات الله في الأرض والجبال والبحار)) اليابس يبلغ ربع الكرة الأرضية، وثلاثة أرباعها محيطات شاسعة الأطراف، وبحار متلاطمة الأمواج. هذه المحيطات، وهذه البحار قد جعلها الله - سبحانه وتعالى - مسكناً للأمم المائية، ومصدراً للجواهر = ٣٠٥ كتاب الإعتاق البحرية، وتلك الأمم التي تسكنها مختلفة الأجناس والأشكال والطبائع، يسكن كل جنس منها في المكان = الذي يلائمه، وقد اختصت هذه المحيطات، وهذه البحار بخاصية المد والجزر، وبالملوحة الملازمة لمائها؛ لمنافع جليلة وتدبير حكيم، ذلك لأن المد والجزر يظهر الشواطىء مما يرمي عليها من العفونات التي لو بقيت - لأضرت بالكثير من الناس، وغير ذلك من الفوائد. ولولا ملوحة مائها - لأنتن الماء، وأهلك الحرث والنسل، كما سخرت للبشر، فيركب عليها الفلك، لحاجاته التجارية والصناعية، وغير ذلك من الفوائد التي لا يحصيها العد ولا يأتي عليها الحصر. أما القسم اليابس ـ فهو الأرض، وما عليها، من الجبال، والأودية، والسهول، والكهوف، والمعادن، وقد اختص كل نوع من هذه الأنواع بمزايا لا توجد في النوع الآخر، مع أن الكل يابس. انظر إلى الجبال . تجدها قد اختصت بسكنى الوحوش والطيور. ويحفظ الأرض من الاضطراب، بسبب كثرة مياه المحيطات التي سبق أنها ثلاثة أرباع هذا العالم. قال تعالى ﴿وألقى في الأرضٍ رَواسيَ أن تَمِيدَ بكم وأنهاراً وسُبلاً لعلكم تهتدون﴾ وقد جعل الله في بعض الارتفاع العظيم، ليحتبس بخار المحيطات والبحار في أعلاها، فتشققه، فيهطل مطراً غزيراً، يملأ الأنهار التي تجري في الأرض لمنافع الإنسان والحيوان والنبات، ولذلك فقد قرن الله في الآية الكريمة السابقة ذكر الجبال بذكر الأنهار، ولولاه - لمات كل ما على وجه الأرض من الحيوان والنبات. قال تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حيٍّ﴾ ومع ذلك ففيها المناظر الجميلة التي تشعر بعظمة الخالق - سبحانه وتعالى - وقدرته، وفيها ما يصلح مادة لبناء الدور، والحصون. انظر إلى الأودية ففيها من جليل المنافع ما يخيل إليك أنه جنة نعيم، كالبساتين التي جمعت أنواع الفواكه والمشمومات والمناظر التي تأخذ بالألباب. ومنها: قفر، لاحيوان فيه، ولا نبات به، ولا يحل فيه طائر، ولا يقطنه وحش. انظر إلى الكهوف ترى بعضها صالح لإيواء الحيوانات، مثل: الكهوف التي تسخن في الشتاء، فيأوي إليها من الحيوانات ما لا يقوى على برد الشتاء، ومنها: ما لا يصلح لذلك، بل هو موت ذؤام، لا یأوي إليها حيوان إلا مات في الحال. تأمل في السهول - تجدها صالحة للزراعة، وهي بين الصلابة والرخاوة، لأنها لو كانت صلبة - لما صلحت للزراعة، ولو كانت رخوة - لفاضت فيها أقدام الدواب، وهي مع ذلك مختلفة التربة يناسب كل جزء منها نباتاً خاصًّا لا ينبت فيه غيره. فكر في المعادن المتولدة في أحشاء الأرض، الصالحة لمنافع الإنسان؛ فمنها الجامد، ومنها السائل، ومنها قابل الذوبان، وغير قابلة، ومنها ذو اللون الأحمر، والأصفر، والأبيض. ألا ترى أن جعل معظم الكرة الأرضية ماء، والقليل منها يابساً، وتخصيص الماء بتلك الخواص، وتنوع اليابس من الأرض إلى جبال مختلفة الخواص، والمناظر، والمزايا وإلى أودية، بعضها دار نعيم، وبعضها دار جحيم، وإلى كهوف بعضها حصون وبعضها مميت، وإلى سهول تنبت أنواعاً مختلفة متعددة. كذلك إذا نظرت إلى المعادن التي تشتمل عليها بطن الأرض من ذهب، وفضة، ونحاس، ورصاص، وقصدیر، وما خصّ به كل نوع من المزايا، والكل أرض واحدة. يدلنا دلالة واضحة، لا خفاء فيها، ولا التباس أن لها موجداً، مختاراً ليس من جنس المخلوقات. = ((آيات الله في النبات)» بدائع الصنائع ج٥ - م٢٠ ٣٠٦ كتاب الإعتاق إن الأرض إذا شقت، ووضع فيها الحب، وأثرت فيه نداوتها . كبر ونما، وبسبب ذلك ينشق أعلاه = وأسفله، فيخرج من الشق الأعلى السوق والأغصان الصاعدة في الهواء، ويخرج من الشق الأسفل الجذر، والهابطة في أسفل الأرض، وهذا بتدبير صانع حكيم قادر، إذ إن طبيعة كل حبة من تلك الحبوب واحدة، وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد. ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبقتان متضارتان فعلمنا أن ذلك إنما كان بتدبير حكيم، لا بالطبع والخاصية. وأيضاً فإن الحبة الواحدة قد تنبت مائة حبة، أو أكثر، أو أقل، فلو كانت تنبت بالإهمال؛ كما نقول المعطلة - كان النظر العقلي يقتضي أن تنبت حبة واحدة مثلها. إذاً فالحكيم الصانع هو الذي جعلها تنبت تلك الحبات الكثيرة، ليكون في الغلة متسع لما يرد في الأرض من الحب، ولما يقوت الزارع وغيره إلى إدراك زرعه. ألا ترى أن الملك إذا أراد ثمارة بلد من البلدان . كان السبيل إلى ذلك أن يعطي أهله ما يبذرونه في أرضهم، وما يفوتهم إلى إدراك زرعهم. وأيضاً فإن الحبة إذا وقعت في الأرض الرطبة، ووضع عليها الماء والتراب - فالنظر العقلي يقتضي أنها تتعفن، وتفسد، وتنتفخ وتتحلل من جميع الجوانب، ومع ذلك لا تراها تنشق إلا من الأعلى والأسفل. وأيضاً فإن الشجرة النابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشباً، وبعضها نوراً، وبعضها يكون ثمرة، فترى الأغصان في الشجرة تلقاك بالثمر، حتى كأنها تناولكها عن يد، وترى الرياحين تلقاك في أفنانها كأنها تحييك بأنفسها . فلمن هذا التقدير إلا لمقدر حكيم، وما العلة فيه إلا تفكيه الإنسان بهذه الأنواع. أفلا تعجب من أناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها؟! وإذا تأملت في الثمرة الواحدة - تجدها مختلفة التقيم مختلف أجزاؤها في الطبع. انظر إلى الرُّمَانة وما فيها من جمال الصنعة، وكمال التدبير، فإنك ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم، وحب مرصوف، وترى الحب مقسماً أقساماً، كل قسم منها مقسوم بلفائف منسوجة أعجب نسج وألطفه وقشره الخارج يضم ذلك كله، فمن التدبير في الصنعة والحكمة أنه لم يكن حشو الرمانة من الحب الخالص، لأنه لا يمسك بعضه بعضاً، فجعل ذلك الشحم ثم لف الحب في تلك اللفائف، ليضمه ويمسكه، فلا يضطرب، ونحشي ذلك بقشرة مستحصفة، لتصونه وتحفظه من الآفات فسبحان المبدع الذي أحسن كل شيء خلقه. انظر إلى الحبة، أو النواة الواحدة - تجدها تجمع طباعاً مختلفة، فقشرها له طبيعة خاصة، وجرمها له طبيعة خاصة، ويصلح لما لا يصلح له القشر، وكذلك يقال في الأوراق والثمار، والأزهار. انظر إلى أحوال الفواكه، فبعضها يكون اللب في الداخل والقشر في الخارج، وبعضها يكون بالعكس. هذه النباتات في الأنواع والخواص والأثمار، والطباع، مع اتحاد التربة والماء والهواء، والتكوين على خلاف ما تقتضيه الطبيعة، ويقضي به العقل في بادىء النظر، دليل على أن ذلك الحاصل ليس حصوله اتفاقيًّا ولا اقتضته طبيعة، بل هو بفعل فاعل حكيم مختار. قال الله تعالى: ﴿وفي الأرض قِطَعٌ مُتجاورات وجنات من أعناب وَزُرع ونخيل صِنْوان وغير صنوان يُسقى بماءٍ واحد ونفضّلُ بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون﴾ . ينظر صفة الواحدنية لشيخنا عبد الحميد فتح الله. ٣٠٧ كتاب الإعتاق بحيث يتعذر (١) الوصول إليه يكتفي به إذا كان ممكن الحصول في الجملة؛ إذ الدلائل تتفاوت في نفسها في الجلاء والخفاء، والمستدلون أيضاً يتفاوتون/ في الغباوة والذكاء، فالشرع أسقط ١٧٢أ اعتبار هذا التفاوت، فكانت العبرة لأصل الإمكان في هذا الباب، وأما ما كان الدليل في حقه منعدماً، فهو في حق الأحكام ملحق بالعدم. وإذا عرف هذا فنقول: الشهر الذي يموت فلان في آخره، فإن اتصف بالتقدم من وقت وجوده، لكن كان دليل اتصافه منعدماً أصلاً، فلم يكن لهذا الاتصاف عدة، ويبقى ملك النكاح إلى آخر جزء من أجزاء الشهر، فيعلم كونه متقدماً على موته، ومن ضرورة اتصاف هذا الجزء بالتقدم اتصاف جميع الأجزاء المتقدمة عليه إلى تمام الشهر، ولا يظهر أن دليل الاتصاف كان موجوداً في أول الشهر؛ إذ الدليل هو آخر جزء من أجزاء الشهر، ووجود الجزء الأخير من الشهر مقارناً لأول الشهر محالٌ، فلم يكن دليل اتصاف الشهر بكونه متقدماً موجوداً، فلم يعتبر هذا الاتصاف، فبقي ملك النكاح إلى وقت وجود الجزء الأخير، فيحكم في هذا الجزء بكونها طالقاً . وَمِنْ ضرورة كونها طالقاً في هذا الجزء ثبوت الانطلاق من الأصل؛ لأنها تكون طالقاً بذلك الطلاق المضاف إلى أول الشهر الموصوف بالتقدم على الموت، فلأجل هذه الضرورة حُكِمَ بالطلاق من أول الشهر، لكن بعد ما كان النكاح إلى هذا الوقت قائماً لعدم دليل الاتصاف بالتقدم على ما بينا، ثم لما حكم بكونها طالقاً للحال، وثبت الانطلاق فيما مضي من أول الشهر ضرورة جعل، كأن الطلاق يقع للحال، ثم بعد وقوعه يسري إلى أول الشهر، هكذا يوجب ضرورة ما بينا من الدليل، وإذا جعل هكذا يخرج عليه المسائل. أما العدة فإنها تجب في آخر جزء من أجزاء حياة فلان الميت، لأنها مما يحتاط في إيجابها فوجبت للحال، وجعل كأن الطلاق وقع للحال. وَأَمَّا الخلعُ فإنْ كانت العدة باقية وقت الموت لم يصح، وإن كانت منقضية العدة صح؛ لأنها إذا كانت باقية كان النكاح باقياً من وجه ويحكم ببقائه إلى هذه الحالة لضرورة عدم الدليل، ثم يحكم للحال بكونها طالقاً بذلك الطلاق المضاف وسرى واستند إلى أول الشهر، علم أنه خالعها وهي بائنة عنه، فلم يصح الخلع ويؤمر الزوج برد بدل الخلع، وإذا كانت منقضية العدة وقت الموت، فالنكاح الذي كان يبقى إلى آخر جزء من أجزاء حياته لضرورة عدم الدليل لا يبقى لارتفاعه بالخلع، فبقي النكاح إلى وقت الخلع، ولم يظهر أنه كان مرتفعاً عند الخلع، فحكم بصحة الخلع ولا يؤمر الزوج برد بدل الخلع، بخلاف ما إذا قال: إن كان زيد (١) في أ: يندر. ٣٠٨ كتاب الإعتاق في الدار؛ لأن دليل الوقوف على كون زيد في الدار موجود حالة التكلم، فانعقد الطلاق تنجيزاً لو كان هو في الدار؛ لأن التعليق بالموجود تحقق وبخلاف ما إذا قال: إن كان حمل فلانة غلاماً؛ لأن الولد في البطن يمكن الوقوف في الجملة على صفة الذكورة والأنوثة، فإنه ما من ساعة إلا ويجوز أن يسقط الحمل، فانعقد الطلاق تنجيزاً، ثم علمنا بعد ذلك. وبخلاف ما إذا قال: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأة ثم أخرى ثم مات - أنه يقع الطلاق على الثانية من طريق التبيين؛ لأن هناك لما تزوج الثانية اتصفت بكونها آخر الوجود حد الآخر، وهو الفرد اللاحق، وهي فرد وهي لاحقة، ألا ترى أنه يقول: امرأتي الأولى وامرأتي الأخيرة، إلاّ أنه لا يحكم بوقوع الطلاق للحال، لاحتمال أنه يتزوج بثالثة فتسلب صفة الآخرية عن الثانية، فإذا مات قبل أن يتزوج بثالثة تقررت صفة الآخرية للثانية من الأصل، فحكم بوقوع الطلاق من ذلك الوقت، وههنا دليل اتصاف الشهر بالتقدم منعدمٌ في أول الشهر، وما لا دليل عليه يلحق بالعدم، وهو هذا؛ بخلاف ما إذا قال لامرأته: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، ولم يتزوج حتى مات أنه يقع الطلاق على امرأته مقتصراً على الحال؛ لأن هناك علق الطلاق صريحاً بعدم التزوج، والعدم يستوعب العمر. ألاَ ترى أنه لو تزوج في العمر مرةً، لا يوصف بعدم التزوج؛ لأن الوجود قد تحقق، والعدم يقابل الوجود، فلا يتحقق مع الوجود فيتم ثبوته عند الموت، والمعلق بشرط ينزل عند تحقق الشرط بتمامه فوقع مقتصراً على حال وجود الشرط، وأما هذا فليس بتعليق الطلاق بشرط، بل هو إضافة الطلاق إلى وقت موصوف بصفة، فيتحقق الطلاق عند تحقق الصفة بدليله على التقدير الذي ذكرنا، والله - عزَّ وجلَّ - الموفق. ولو قال لامرأته: أنت طالقٌ قبل موتي بشهر، أو قبل موتك بشهر، فمات لتمام الشهر، أو ماتت - لا يقعُ الطلاق عندهما. وعند أبي حنيفة: يقع. فهما فَرَّقًا بين الطلاق والعتاق، فقالا العتاق يقع، والطلاق لا يقع، لأن عندهما هذا ١٧٢ ب تصرف تعليق الطلاق والعتاق بالشرط، والمعلق بالشرط ينزل بعد وجود الشرط، والزوج/ بعد الموت ليس من أهل إيقاع الطلاق ولا المرأة بعد موتها تحل لوقوع الطلاق عليها بخلاف العتق؛ لأنه يقع بعد الموت كما في التدبير، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ولو قال لعبده: أنت حُرِّ قبل موت فلان وفلان بشهر، أو قبل قدوم فلان وفلان بشهر، فإن مات أحدهما أو قدم قبل مضي شهر لا يعتق أبداً؛ لأنه أضاف العتق إلى شهر موصوف بالتقدم على موتيهما أو قدومهما ولم يوجد، ولا يتصور وجوده بعد ذلك؛ لأنه لو تم الشهر ٣٠٩ كتاب الإعتاق بعد موت أحدهما أو قدوم أحدهما، كان موصوفاً بالتقدم على موت أحدهما أو قدوم أحدهما، وهو ما أضاف العتق إلى هذا الشهر، بل إلى شهر موصوف بالتقدم على موتيهما أو قدومهما جميعاً، وهذا غير ذاك. وإن مضي شهر ثم مات أحدهما عتق العبد، وإن لم يمت الآخر بعد، بخلاف ما إذا قال: أنت حُرّ قبل قدوم فلان وفلان بشهر، ثم قدم أحدهما لتمام الشهر - أنه لا يعتق ما لم يقدم الآخر. ووجه الفرق على ما بينا فيما تقدم، وهو أنه إذا مات أحدهما تحقق كون الشهر سابقاً على موتهما، وإذا قدم أحدهما لم يتحقق كون الأول سابقاً على قدومهما، وإنما يتحقق عند وجود قدومهما جميعاً، فكان القياس أن لا يعتق ما لم يموتا جميعاً في لحظة واحدة بعد مضي شهر، فكذا في القدوم، وهو قول على الرازي؛ لأن العتق أضيف إلى شهر موصوف بالتقدم على موتهما أو قدومهما متصل بهما، لأنه أضاف العتق إلى شهر متقدم على موتهما أو قدومهما، ومن ضرورة ذلك وجود موتهما أو قدومهما جميعاً، وعند ثبوت التراخي فيما بين الموتين أو القدومين يكون العتق واقعاً قبل موت أحدهما أو قدوم أحدهما بشهر، وقبل موت الآخر أو قدوم الآخر بشهر، وأنه خلاف ما أضاف فلا يقع، بخلاف ما إذا قال: أنت حر قبل يوم الفطر والأضحى بشهر، حيث يعتق كما أهلّ هلال رمضان؛ لأن وجود وقت متصف بالتقدم عليهما بشهر مستحيل، والعاقل لا يقصد بكلامه المستحيل، فعلم أنه أراد به إضافة العتق إلى وقت موصوف بالتقدم على أحد اليومين بشهر، وعلى الآخر بمدة غير مقدرة، وفيما نحن فيه لا استحالة، فيراعي عين ما أضاف إليه وجوب الاستحالة عن هذا أن الأصل في أحكام الشرع أن المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة، وقدوم شخص في جزء لا يتجزأ من الزمان بحيث لا يتقدم أحدهما على صاحبه مستحيلٌ عادةً؛ وكذا موت شخصين على هذا الوجه، والجواب في المستحيل حقيقة وهو مسألة الفطر والأضحى هكذا؛ فكذا من المستحيل عادة . وكذا لو قال: أنت حر قبل قدوم فلان وموت فلان بشهر، فإن مات أحدهما أو قدم أحدهما قبل مضي الشهر، لا يعتق أبداً لما قلنا، وإن مات أحدهما لتمام الشهر لا يعتق حتى يقدم الآخر، وإن قدم أحدهما بعد مضي الشهر عتق، ولا ينتظر موت الآخر إلاّ أنه لا يستدل(١) لما ذكرنا أن الموت كائن لا محالة، والقدوم موهوم الوجود. وَلَوْ قَالٍ: أنت حُرِّ الساعة إن كان في علم الله - عزَّ وجلَّ - أن فلاناً يقدم إلى شهر، (١) في أ: لا يستند. ٣١٠ كتاب الإعتاق فهذا وقوله قبل قدوم فلان بشهر - سواءٌ؛ لأنه لا يراد بهذا علم الله - تعالى - الأزلي القائم بذاته - عزَّ وجلَّ -، وإنما يراد به ظهور هذا القدوم المعلوم لنا، وقد يظهر لنا وقد لا يظهر، فكان شرطاً فيقتصر العتق على حالة وجود الشرط؛ كما في سائر التعليقات بشروطها والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ولو قال: أنت حر بعد موتي بشهر، فكاتبه في نصف الشهر ثم مات لتمام الشهر، فإن كان استوفى بدل الكتابة ثم مات لتمام الشهر، كان العتق حاصلاً بجهة الكتابة، وإن كان لم يستوف بعد بدل الكتابة عتق بالإعتاق السابق، وسقط اعتبار الكتابة عند أبي حنيفة، وهذا يدلّ على أن العتق يثبت بطريق الاستناد عنده. وقال أبو القاسم الصفار: أنه تبطل الكتابة من الأصل، سواء كان استوفى بدل الكتابة أو لم يستوف، وهو قياس قول من يقول بثبوت العتق من طريق الظهور المحض؛ لأنه تبين أن العتق يثبت من أول الشهر فيتبين أن الكتابة لم تصح، وقد ذكرنا تصحيح ما ذكر في الكتاب، وهو العتق بطريق الاستناد فيما تقدم فلا نعيده. وعندهما إن استوفى بدل الكتابة، فالأمر ماضٍ؛ لأن العتق عندهما يثبت مقتصراً على حال الموت وهو حر في هذه الحالة؛ لوصوله إلى الحرية بسبب الكتابة عند أداء البدل، وإن كان لم يستوف بعد بدل الكتابة، فإن كان العبد يخرج من الثلث عتق من جميع المال، وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه بالتدبير؛ لأنه مدبر مقيد؛ لأن عتقه علق بموت موصوف بصفة قد ١١٧٣ يوجد على/ تلك الصفة وقد لا يوجد، ويسعى في الأقل من ثلثي قيمته، ومن جميع بدل الكتابة عند أبي يوسف، وعند محمد يسعى في الأقل من ثلثي بدل الكتابة ومن ثلثي قيمته. وأصلُ المسألة أن مَنْ دبر عبده ثم كاتبه ثم مات المولى ولا مال له غيره، يعتقُ ثلثه مجاناً بالتدبير، ثم يسعى في الأقل من ثلثي قيمته ومن جميع بدل الكتابة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد في الأقل من ثلثي قيمته، ومن ثلثي بدل الكتابة، فهذا على ذاك إلاَّ أن عند أبي حنيفة يخير [العبد] (١) بين أن يسعى في هذا وبين أن يسعى في ذاك، وعندهما يسعى في الأقل منها بدون التخيير، ثم عند أبي حنيفة في مسألة الكتابة يعتبر صحة المالك ومرضه في أول الشهر؛ هكذا ذكر في النوادر؛ لأنه يصير معتقاً من ذلك الوقت، وقيل هذا هو الحيلة لمن أراد أن يدبر عبده ويعتق من جميع المال. وإن كان لا يخرج من الثلث بأن يقول: أنت حر قبل(٢) موتي بشهر أو بشهرين أو ثلاثة (١) سقط من ط. (٢) في أ: بعد. ٣١١ كتاب الإعتاق أشهر أو ما شاء من المدة؛ ليعتق من ذلك الوقت وهو فيه صحيح، فيعتق في جميع المال، وعندهما كيف ما كان يعتبر عتقه من الثلث؛ لأنه يصير عندهما معتقاً بعد الموت، والله - عزَّ وجلَّ - المستعان. وأما الإضافة إلى وقتين فالأصل فيه أن المضاف إلى وقتين ينزل عند أولهما، والمعلق بشرطين ينزل عند آخرهما، والمضاف إلى أحد الوقتين غير عين فينزل عند أحدهما، والمعلق بأحد شرطين غير عين ينزل عند أولهما، ولو جمع بين فعل ووقت يعتبر فيه الفعل وينزل عند وجوده في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه ينزل عند أولهما أيهما كان. وبيان هذه الجملة إذا قال لعبده: أنت حر اليوم وغداً، يعتق في اليوم؛ لأنه جعل الوقتين جميعاً ظرفاً للعتق، فلو توقف وقوعه على أحدهما لكن الظرف واحداً لوقتين لا كلاهما، وأنه إيقاع تصرف العاقل لا على الوجه الذي أوقعه. ولو قال: أنت حر اليوم غداً أعتق في اليوم؛ لأنه أضاف الإعتاق إلى اليوم، ثم وصف اليوم بأنه غدّ، وأنه محالٌ، ويبطل وصفه وبقيت الإضافة إلى اليوم. ولو قال: أنت حُرِّ غداً اليوم، يعتق في الغد، لأنه أضاف العتق إلى الغد، ووصف الغد باليوم وهو محالٌ، فلم يصح وصفه، وبقيت إضافته العتق إلى الغد، فيعتق في الغد. ولو قال: أنت حر إن قدم فلان وفلان، فما لم يقدما جميعاً لا يعتق، لأنه علق عتقه بشرطين، فلا ينزل إلاَّ عند آخرهما؛ إذ لو نزل عند أولهما لبطل التعليق بهما، ولكان ذلك تعليقاً بأحدهما، وهو علق بهما جميعاً لا بأحدهما. ولو قال: أنت حُرِّ اليوم أو غداً يعتق في الغد، لأنه جعل أحد الوقتين ظرفاً، فلو عتق في اليوم لكان الوقتان جميعاً ظرفاً، وهذا خلاف تصرفه. ولو قال: أنت حر إن قدم فلان أو غداً، فإن قدم فلان قبل مجيء الغد عتق، وإن جاء الغد قبل قدوم فلان لا يعتق، ما لم يقدم في جواب ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف أن أيهما سبق مجيؤه يعتق عند مجيئه، والأصل فيه أنه ذكر شرطاً ووقتاً في تصرف واحد، ولا يمكن الجمع بينهما لما بين التعليق بشرط وبين الإضافة إلى وقت من التنافي، فلا بد من اعتبار أحدهما وترجيحه(١) على الآخر، فأبو يوسف رجح جانب الشرط، لأن الشرط لا يصلح ظرفاً، والظرفُ قد يصلح شرطاً، فكان الرجحان لجانب الشرط (١) في أ: وتصحيحه. ٣١٢ كتاب الإعتاق فاعتبره تعليقاً بأحد الشرطين، فينزل عند وجود أولهما أيهما كان؛ كما إذا نص على ذلك، ونحن رجحنا السابق منهما في اعتبار التعليق والإضافة، فإن كان الفعل هو السابق يعتبر التصرف تعليقاً، واعتباره تعليقاً يقتضي نزول العتق عند أول الشرطين؛ كما إذا علقه بأحد شرطين نَصّاً، وإن كان الوقت هو السابق يعتبر إضافته واعتبارها يقتضي نزول العتق عند آخر الوقتين؛ كما إذا أضاف إلى آخر الوقتين نَصّاً، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وأما الذي يرجع إلى نفس الركن، فهو ما ذكرنا في الطلاق، وهو أن يكون الركن عارياً عن الاستثناء رأساً كيفما كان الاستثناء، وضعيّاً كان أو عرفيّاً، عند عامة العلماء. والكلام في الاستثناء في العتاق، وبيان أنواعه، وماهية كل نوع، وشرائط صحته على نحو الكلام في ((باب الطلاق))، وقد ذكرنا ذلك كله في ((كتاب الطلاق))، ولا يختلفان إلا في شيء واحد، وهو أنه يتصور استثناء بعض العدد في الطلاق، هو ولا يتصور في العتاق؛ لأن الطلاق ذو عدد فيتصور فيه استثناء بعض العدد، والعتق لا عدد له فلا يتصور فيه استثناء بعض العدد، وإنما يتصور استثناء بعض الجملة الملفوظة نحو أن يقول لعبيده: أنتم أحرارٌ إلا سالماً، لأن نص الاستثناء مع نص المستثنى منه تكلم بالباقي. ١٧٣ ب ولو استثنى/ عتق بعض العبد يصح عند أبي حنيفة، ولا يصح عندهما بناء على أن العتق يتجزأ عنده، فيكون استثناء البعض من الكل فيصح، وعندهما لا يتجزأ فيكون استثناء الكلِّ من الکل، فلا يصح. وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد فيمن قال: غلاماي حران سالم وبريع إلاَّ بريعاً - أن استثناه جائز؛ لأنه ذكر جملة ثم فصلها بقوله سالم وبريع، فانصرف الاستثناء إلى الجملة الملفوظ بها، فكان استثناء البعض من الجملة الملفوظة فصح، وليس كذلك ما إذا قال: سالمٌ حُرٍّ وبريع إلاَّ سالماً؛ لأنه لما ذكر كل واحد منهما بانفرادِهِ كان هذا استثناء عن كلِّ واحد منهما، فكان استثناء الكل من الكل فلا يصح، ولو قال: أنت حُرِّ وحر إن شاء الله - تعالى -، بطل الاستثناء في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: الاستثناء جائز. وجه قولهما: إن هذا كلام واحد معطوف بعضه على بعض بحرف العطف، فلا يقع به الفصل بين المستثنى والمستثنى منه؛ كما لو قال: أنت حُرِّ لله إن شاء الله - تعالى -. ولأبي حنيفة أن قوله: حر وحر، لغوّ لثبوت الحرية باللفظ الأول، فكان فاصلاً بمنزلة السكوت، بخلاف قوله: أنت حر لله إن شاء الله - تعالى -؛ لأن قوله: لله - تعالى -، ليس بلغو فلا یکون فاصلاً. وروى ابن سماعة في نوادره عن محمد في رجلٍ له خمسة من الرقيق، فقال: عشرة من ٣١٣ كتاب الإعتاق مماليكي إلا واحداً أحرار، أنه يعتق الخمسة جميعاً؛ لأنه لما قال عشرة من مماليكي أحراراً إلاَّ واحداً، فقد استثنى الواحد من العشرة، والاستثناء تكلم بالباقي، فصار كأنه قال: تسعة من مماليكي أحرارٌ، وله خمسة، ولو قال ذلك عتقوا جميعاً؛ كذا هذا. ولو قال: مماليكي العشرة أحرارٌ إلاَّ واحداً، عتق منهم أربعة؛ لأن هذا رجل ذكر مماليكه وغلط في عددهم بقوله العشرة فيلغو هذا القول، ويبقى قوله مماليكي أحرار إلا واحداً، ولو قال ذلك وله خمسة مماليك يعتق أربعة منهم؛ كذا هذا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. فصل في صفة الإعتاق وأما صفة الإعتاق فهي أن الإعتاق هل يتجزأ أم لا؟ وقد اختلف فيه. وقال أبو حنيفة: يتجزأ سواء، كان المعتق موسراً أو معسراً. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يتجزأ كيفما كان المعتق. وقال الشافعي: إن كان معسراً يتجزأ، وإن كان موسراً لا يتجزأ. والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم -، قال بعضُهم فيمن أعتق نصف عبد بينه وبين غيره أنه يعتق نصفه ويبقي الباقي رقيقاً يجب تخريجه إلى العتاق، وهو مذهب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وقال بعضهم: يعتق كله وليس للشريك إلا الضمان(١). (١) ومن اعْتَقَ عَبْدَه، وهو صَحيحٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ، صَحَّ عِنْقُه بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَه، عَتَقَ كُلُّه. فِي قَوْلِ جُمْهورِ العُلَماءِ. ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِهِ - رضي الله عنهما -، وبه قال الحسنُ، والْحَكَمُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ. قال ابنُ عبدِ البَرّ: عامَّةُ العُلَماءِ بالحجازِ، والعِرَاقِ، قالوا: يَعْتِقُ كُلُّه إذا أُعْتِقَ نِصْفُه. وقال طاوُسٌ: يَعْتِقُ في عِثْقِه، ويَرِقُّ في رِقُه. وقال حمَّادٌ، وأبو حنيفة: يَعْتِقُ منه ما أُعْتِقَ. ويَسْعَى في باقِيه. وخالَفَ أبا حنيفةَ أصْحابُه، فلم يَرَوْا عليه سِعايَةً. ورُوِيَ عن مالِكِ، في رجلٍ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثم غَفَلَ عنه حتى ماتَ، فقال: أَرَى نِصْفَه حُرًّا، ونِصْفَهُ رَقيقاً؛ لأَنَّه تَصَرَّفَ في بعْضِه، فلم يَسْرِ إلى باقِيهِ، كالبَيْعِ، ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ وََّ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكانَ معَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةً الْعَبْدِ، قُوْمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ العَذَّلِ، وعَتَقَ عَلَيْهِ جَميعُ الْعَبْدِ)). وإذا أُعْتِقَ عليه نَصيبُ شَريكِه، كان بينهما على عِثْقِ جميعه إذا كان كُلُّه مِلْكاً له. وقال النَّبِيِّ وَّةِ: ((مَنْ أُعْتَقَ شِقْصا لَهُ مِنْ مَمْلُودٍ، فَهُوَ حُرّ مِنْ مالِهِ)). ولأَنَّهُ إزالَةُ مِلْكِ لبَعْضٍ مَمْلوكِهِ الآدَمِيِّ، فزالَ عن جَميعِه، كالطَّلاقِ، ويُفارِقُ البَيْعَ؛ فإِنَّهُ لا يحتاجُ إلى السِّعايَةِ، ولا يَنْبَنِي على التّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بينَ أنْ يُعْتِقَ جُزْءًا كَبِيراً، كنِصْفِهِ وثُلُثِهِ، أَوْ صَغيراً، كَعُشْرِهِ وعُشْرِ عُشْرِهِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافاً بين القائلينَ بسِرَايَةِ العِثْقِ إِذا كان مَشاعاً. وإن أُعْتَقَ جُزْءاً مُعَيَّناً، كَرَأْسِهِ، أو يَدِهِ، أو أُصْبُعِهِ، عَتَقَ كُلُّهُ أَيضاً. وبهذا قال قَتَادَةُ، والشَّافِعِيُّ، وإِسْحاقُ. وقال أصحابُ الرَّأْيِ: إِنْ أَعْتَقَ رَأْسَهُ، أو ظَهْرَه، أو بَطْنَه، أو جَسَدَه، أو نَفْسَه، أو فَرْجَه، عَتَقَ كُلُّه؛ لأنَّ حيّاتَهَ لا تَبْقَى بِدُونِ ذلك، وإِنْ أَعْتَقَ يَدَه، أَوْ عُضْواً تَبْقَى حَياتُه بِدُونِهِ، لم يَعْتِقْ؛ لأَنَّه يُمْكِنُ إِزالَةُ ذلك مع = ٣١٤ كتاب الإعتاق وقال علي وابن عباس - رضي الله عنهما -: عتق ما عتق ورقَّ ما رق، هما احتجا بالغص والمعقول والأحكام. أما النص فما روي عن رسولِ الله وَّ أنه قال: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقْصاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ عُتِقَ كُلُّهُ لَيْسَ للَّهِ فِيهِ شَرِيكٌ))(١) وهذا نصٍّ على عدم التجزي وفي رواية: ((مَنْ أَعْتَقَ شركاً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَقَدْ عُتِقَ كُلُّهُ لَيْسَ للَّهِ فِيهِ شَرِيكٌ)) . بَقائِهِ، فلم يَعْتِقْ بِإِعْتاقِهِ، كَشَعَرِهِ، أو سِنْه. ولَنا، أَنَّهُ أَعْتَقَ عُضْواً من أَعْضَائِهِ، فَيَعْتِقُ جَميعُهُ، كَرَأْسِهِ، فَأَمَّا = إذا أَعْتَقَ شَعَرَه، أَو ◌ِنَّه، أو ظُفْرَه، لم يَعْتِقْ. وقال قَتَادَةُ، واللَّيْثُ، في الرَّجُلِ يُعْتِقُ ظُفْرَ عَبْدِهِ: يَعتِقُ كُلُّه؛ لأَنَّه جُزْءٌ مِنْ أَجْزائِه أشْبَهَ أُصْبُعَهُ. ولَنا، أنَّ هذه الأَشْيَاءَ تَزُولُ، وَيَخْرُجُ غَيرُها، فَأَشْبَهَتِ الشّعَرِ، والرِّيقَ، وقد ذُكِرَ ذلك في الطَّلاقِ، وما ذُكِرَ في الطَّلاقِ فالعَتاقُ مِثْلُه. ينظر: المغني (٣٦٢/١٤ - ٣٦٣). (١) أخرجه البخاري (١٣٢/٥) كتاب الشركة: باب تقويم الأشياء بين الشركاء حديث (٢٤٩٢)، (١٥٦/٥) كتاب العتق: باب من أعتق نصيباً في عبد حديث (٢٥٢٦) ومسلم (٢/ ١١٤١) كتاب العتق: باب ذكر سعاية العبد حديث (١٥٠٣/٤)، (١٢٨٧/٣) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (١٥٠١/٥٤) وأبو داود (٢٥٥/٤) كتاب العتق: باب ذكر السعاية حديث (٣٩٣٧، ٣٩٣٨) والترمذي (٦٣٠/٣) كتاب الأحكام: باب العبد حديث (٣٩٣٧، ٣٩٣٨) والترمذي (٦٣٠/٣) كتاب الأحكام: باب العبد يكون بين الرجلين حديث (١٣٤٨) والنسائي في ((الكبرى)) (١٨٥/٣) كتاب العتق: باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين خبر أبي هريرة في ذلك والاختلاف على قتادة فيه حديث (٤٩٦٢، ٤٩٦٣، ٤٩٦٤، ٤٩٦٥) وابن ماجه (٢/ ٨٤٤) كتاب العتق: بابا من أعتق شركاً له في عبد حديث (٢٥٢٧) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٧/٣) كتاب العتاق: باب العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما، والدرقطني (١٢٨/٤) كتاب المكاتب حديث (١٢) والبيهقي (١٠/ ٢٨٠ - ٢٨١) كتاب العتق: باب من قال في المعسر يستسعي العبد في نصيب صاحبه، وأحمد (٤٢٦/٢) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٥٧/٥ - بتحقيقنا) من طرق كثيرة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن النبي وَ لّ قال: من أعتق شقصاً له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال البغوي: وروى شعبة وهشام هذا الحديث عن قتادة وهما أثبت من روى عن قتادة ولم يذكرا فيه السعاية ورواه همام عن قتادة وجعل ذكر السعاية من كلام قتادة ولم يجعله من متن الحديث أ هـ. - شرح كلام البغوي والتعقيب عليه بكلام الحافظ ابن حجر - هذا الحديث قد اختلف فيه على قتادة فرواه بعضهم عنه بذكر السعاية وهم سعيد بن أبي عروبة عند البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي في ((الكبرى)). وجرير بن حازم عند البخاري ومسلم. وحجاج بن أرطأة ويحيى بن صبيح عند الطحاوي. وأبان العطار عند أبي داود والطحاوي وحجاج بن حجاج كما في الفتح (١٨٧/٥). وموسى بن خلف عند الخطيب البغدادي في كتاب ((الفصل والوصل للمدرج في النقل)) كما في الفتح أيضاً (٥/ ١٨٧). = ٣١٥ كتاب الإعتاق .. وقد أشار البخاري رحمه الله لمتابعة حجاج وأبان وموسى لسعيد بن أبي عروبة . = فقال في الصحيح (٢٥٢٧): تابعة حجاج بن حجاج وأبان وموسى بن خلف عن قتادة، اختصره شعبة. قال الحافظ في ((الفتح)) (١٨٧/٥): أراد البخاري بهذا الرد على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به ا هـ وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة فخالفا سعيد بن أبي عروبة وأصحابه فذكروا الحديث دون السعاية. أما رواية شعبة فأخرجها مسلم (٢/ ١١٤٠) كتاب العتق: باب سعاية العبد حديث حديث (١٥٠٢/٢) والطيالسي (١/ ٢٤٥ - منحة) رقم (١٢٠٦) وأحمد (٤٦٨/٢) وأبو داود (٢٥٣/٤) كتاب العتق: باب فيمن أعتق نصيباً له في مملوك حديث (٣٩٣٥) والدار قطني (١٢٥/٤) كتاب المكاتب حديث (٩) والبيهقي (٢٧٦/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر، كلهم من طريق شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي وَّلتر قال: من أعتق مملوكاً كان بينه وبين آخر فعليه خلاصه. - أما رواية هشام فأخرجها أحمد (٥٣١/٢) وأبو داود (٢٥٣/٤) كتاب العتق: باب فيمن أعتق نصيباً له في مملوك حديث (٣٩٣٦) والدارقطني (١٢٦/٤) كتاب المكاتب حديث (٩) والبيهقي (٢٧٦/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد، من طريق هشام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن النبي وَ لـ قال: من أعتق نصيباً له في مملوك عتق من ماله إن كان له مال. وقد رواه همام عن قتادة فجعل ذكر السعاية من كلام قتادة. أخرجه الدارقطني (١٢٧/٤) كتاب المكاتب حديث (١٠) والحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص . ٤٠، ٤١) والخطابي في ((معالم السنن)) (٦٩/٤ - ٧٠) والبيهقي (٢٨٢/١٠) كتاب العتق: باب في المعسر يستسعي العبد في نصيب صاحبه كلهم من طريق همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة: أن رجلاً أعتق شقيصاً له من غلام فأجاز النبي وَلّ عتقه وغرمه بقية ثمنه. وقال قتادة: إن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه. وقال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام وضبطه وفصل بين قول النبي ◌َّ وقول قتادة. وقد ذهب إلى ذلك أيضاً ابن المنذر فقال: هذا الكلام من فتيا قتادة وليس من متن الحديث رواه الخطابي في ((معالم السنن)) (٧٠/٤) عنه. ورواية همام ذكرها الحافظ في ((الفتح)) (١٨٨/٥) وزاد نسبتها إلى الإسماعيلي وابن المنذر والخطيب في ((الفصل والوصل)) وقال رحمه الله: هكذا جزم هؤلاء بأنه مدرج وأبى ذلك آخرون منهم صاحبا الصحيح فصححا كون الجميع مرفوعاً وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد وجماعة لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينفيا ما رواه وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه وليس المجلس متحداً حتى يتوقف في زيادة سعيد فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره وهذا كله لو انفرد وسعيد لم ينفرد وقد قال النسائي في حديث قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة: هشام وسعيد أثبت في قتادة عن همام ...... ا هـ. ٣١٦ كتاب الإعتاق وأما المعقول: فهو أن العتق في العرف اسم لقوة حكمية دافعة يد الاستيلاء، والرق اسم لضعف حكمي يصير به الآدمي محلاً للتملك، فيعتبر الحكمي بالحقيقي، وثبوت القوة الحقيقية والضعف الحقيقي في النصف شائعاً مستحيل، فكذا الحكمي؛ ولأن للعتق آثاراً من المالكية والولاية والشهادة والإرث ونحوها، وثبوت هذه الآثار لا يحتمل التجزء، ولهذا لم يتجزأ في حال الثبوت حتى لا يضرب الإمام الرق في انصاف السبايا، ويمن عليهم بالإنصاف؛ كذا في حالة البقاء. وأما الأحكام: فإن إعتاق النصف قد تعدى إلى النصف الباقي في الأحكام، حتى امتنع جواز التصرفات النافلة للملك فيه من البيع والهبة والصدقة والوصية عند أصحابنا؛ وكذا يجب تخريجه إلى عتق الكل بالضمان أو بالسعاية حتى يجبره القاضي على ذلك، وهذا من آثار عدم التجزىء، وكذا الاستيلاد لا يتجزأ حتى لو استولد جارية بينه وبين شريكه وادعاه، تصير كلها أم ولد له بالضمان. ومعلوم أن الاستيلاد يوجب حق الحرية لا حقيقة الحرية، فالحق إذا لم يحتمل التجزؤ(١) فالحقيقة أولى، وكذا لو عتق نصف أم ولد أو أم ولده بينه وبين شريكه عتق كلها، وإذا لم يكن الإعتاق متجزئاً، لم يكن المحل في حق العتق متجزئاً، وإضافة التصرف إلى بعض ما لا يتجزأ في حقه يكون إضافة إلى الكل؛ كالطلاق والعفو عن القصاص، والله أعلم. ولأبي حنيفة النصوص والمعقول والحكم: أما النص فما روي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - عن رسولِ اللهِ وَّ أنه قال: ((مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَاً لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ كُلِّفَ عِثْقَ ١١٧٤ بَقِيَّتِهِ))(٢) وإن لم يكن عنده ما يعتقه فيه جاز ما صنع، وروي/: ((كُلُّفَ عِثْقَ مَا بَقِي))، وروي وجب عليه أن يعتق ما بقي، وذلك كله نص على التجزي؛ لأن تكليف عتق الباقي لا يتصور بعد ثبوت العتق في كله، وقوله بَّ: ((جَازَ مَا صَنَعَ))(٣) إشارة إلى عتق البعض؛ إذ هو الذي صنعه لا غير. وروي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أيضاً عن رَسُولِ اللَّهِ وَوَ أنه قال: ((مَنْ أَعْتَقَ شَركاً لَهُ فَي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوَّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَذْلٍ، وَأَعْطَى شركاءِ (١) في ط: يتجزأ. (٢) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣/ ٩٦٤) من طريق داود بن الزبرقان عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً وأعله بداود بن الزبرقان وضعفه عن ابن معين والنسائي ثم قال: وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم. (٣) تقدم تخريجه . ٣١٧ کتاب الإعتاق حِصَصَهُمْ، وَعُتِقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلاَّ عتق مَا عَنقَ))(١) والحديث يدُلُّ على تعلق عتق الباقي (١) أخرجه مالك (٢/ ٧٧٢) كتاب العتق والولاء: باب من أعتق شركاء له في مملوك حديث (١). ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (٦٦/٢) كتاب العتق: باب ما جاء في العتق وحق المملوك حديث (٢١٧) والبخاري (١٥١/٥) كتاب العتق: باب إذا أعتق عبداً بين اثنين حديث (٢٥٢٢) ومسلم (١١٣٩/٢) كتاب العتق حديث (١٥٠١/١) وأبو داود (٢٥٦/٤) كتاب العتق: باب من روى أنه لا يستسعي حديث (٣٩٤٠) وابن ماجه (٨٤٤/٢) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (٢٥٢٨) وابن الجارود في ((المنتقى)) حديث (٩٧٠) وأبو يعلى (١٧٧/١٠) رقم (٥٨٠٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار) (١٠٦/٣) كتاب العتاق: باب العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما وأحمد (٢/ ١١٢، ١٥٦) والبيهقي (٢٧٤/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً في عبد وهو موسر، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٠/٩) كلهم من طريق نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَّير قال: من أعتق شركاً له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق. وقد اختلف في زيادة فقد عتق منه ما عتق هل هي من قوله ◌َّير أم هي من قول نافع وقد رواه بعضهم عن نافع عن ابن عمر بهذه الزيادة من قول النبي ٣ّ* كمالك وجرير بن حازم وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية . وأما رواية مالك فقد تقدمت وهي الرواية السابقة . أما رواية جرير بن حازم فأخرجها مسلم (١٢٨٦/٣) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (١٥٠١/٤٩) وأحمد (٢/ ١٠٥) والبيهقي (٢٧٩/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً ففي عبد وهو معسر، كلهم من طريق جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر به بلفظ: من أعتق نصيباً له في عبد فكان له من المال قدر ما يبلغ قيمته قوم عليه قيمة عدل وإلا فقد عتق منه ما عتق. - أما رواية عبيد الله بن عمر فأخرجها البخاري (١٥١/٥) كتاب العتق: باب إذا أعتق عبد بين اثنين حديث (٢٥٢٣) ومسلم (٣/ ١٢٨٦) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (١٠٥١/٤٨) وأبو داود (٢٥٧/٤) كتاب العتق: باب من روى أنه لا يستسعي حديث (٣٩٤٣) وأحمد (١٤٢/٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٦/٣) كتاب العتاق: باب العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما، والدراقطني (١٢٣/٤ . ١٢٤) كتاب المكاتب حديث (٧) والبيهقي (١٠/ ٢٨٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد وهو معسر، كلهم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلجر: من أعتق شركاً له في مملوك فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه، فإن لم يكن له مال يُقَوَّم عليه قيمة عدل علی المعتق فأعتق منه ما أعتق. هذا لفظ البخاري. - أما رواية إسماعيل بن أمية فأخرجها الدار قطني (١٢٣/٤ - ١٢٤) كتاب المكاتب حديث (٧) من طريق إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَّير قال: من أعتق شركاً له في عبد أقيم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه وعتق عليه العبد إن كان موسراً وإلا عتق منه ما عتق ورق ما بقي. ٣١٨ كتاب الإعتاق ومن هذه الروايات نجد أنه قد اتفق على رواية هذا الحديث بزيادة وإلا عتق منه ما عتق كل من مالك وجرير بن حازم وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية. وقد رواه بعضهم عن نافع عن ابن عمر بدون هذه الزيادة وهم جويرية بن أسماء ومحمد بن إسحاق والليث بن سعد وموسى بن عقبة وابن أبي ذئب وصخر بن جويرية والزهري وأسامة بن زيد وهشام بن سعد. رواية جويرية بن أسماء أخرجه البخاري (١٣٧/٥) كتاب الشركة: باب الشركة في الرقيق حديث (٢٥٣) وأبو داود (٢٥٧/٤) كتاب العتق: باب من روى أنه لا يستسعي حديث (٣٩٤٥) والبيهقي (٢٧٧/١٠) كتاب العتق: باب يعتق بالقول ويدفع بالقيمة، من طريق جويرية بن أسماء. - رواية محمد بن إسحاق أخرجها الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)» (١٠٥/٣) كتاب العتاق: باب العبد يكون بين رجلين فيعتقه أحدهما، من طريق محمد بن إسحاق. - رواية الليث بن سعد أخرجها مسلم (١٢٨٦/٣) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (١٥٠١/٤٩) وأحمد (١٥٦/٢) والبيهقي (٢٧٥/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر، من طريق الليث بن سعد. - رواية موسى بن عقبة أخرجها البخاري (١٥١/٥) كتاب العتق: باب إذا أعتق عبد بين اثنين حديث (٢٥٢٥) والبيهقي (١٠/ ٢٧٥) كتاب العتق: باب من أعتق شركاء له في عبد وهو موسر، من طريق موسى بن عقبة. - رواية ابن أبي ذئب أخرجها مسلم (١٢٨٦/٣) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٦/٣) كتاب العتاق: باب العبد يكون بين رجلين فيعتقه أحدهما، والبيهقي (١٧٥/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر، كلهم من طريق ابن أبي ذئب. - رواية صخر بن جويرية أخرجها الدارقطني (١٢٩/٤) كتاب المكاتب: الحديث (١٣) والطحاوي (١٠٦/٣) كتاب العتاق: باب العبد يكون بين رجلين فيعتقه أحدهما، من طريق صخر. - رواية الزهري أخرجها الدارقطني (١٢٣/٤) كتاب المكاتب حديث (٦) من طريق الزهري. - رواية أسامة بن زيد أخرجها مسلم (١٢٨٦/٣) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (١٥٠١/٤٩) والبيهقي (٢٧٥/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر، من طريق أسامة بن زيد. - رواية هشام بن سعد أخرجه البيهقي (٢٧٧/١٠) كتاب العتق: باب يعتق بالقول ويدفع بالقيمة من طريق هشام بن سعد، كلهم عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة. = ٣١٩ كتاب الإعتاق ...... وقد رواه أيوب ويحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر وقد شكا في كونها مرفوعة أو هي من قول نافع. = - رواية أيوب أخرجه البخاري (١٥١/٥) كتاب العتق: باب إذا أعتق عبد بين اثنين حديث (٢٥٢٤) ومسلم (١٢٨٦/٣) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (١٥٠١/٤٩) وأحمد (١٥/٢) وعبد الرزاق (٩/ ١٥١) رقم (١٦٧/٥) وأبو داود (٢٥٧/٤) كتاب العتق: باب من روى أنه لا يستسعي حديث (٣٩٤٢) والترمذي (٦٢٩/٤) كتاب الأحكام: باب العبد يكون بين الرجلين حديث (١٣٤٦) والنسائي (٣١٩/٧) كتاب البيوع: باب الشركة في الرقيق والبيهقي (٢٧٦/١٠ - ٢٧٧) كتاب العتق: باب يكون حراً يوم تكلم بالعتق، كلهم من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّه قال: من أعتق نصيباً له في مملوك أو شركاً له في عبد فكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو عتيق، قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق قال أيوب: لا أدري أشيء قاله نافع أو شيء في الحديث. لفظ البخاري وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. - روایة یحی بن سعید أخرجه مسلم (١٢٨٦/٣) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (١٥٠١/٤٩) والبيهقي (١٠/ ٢٧٧) كتاب العتق: باب يعتق بالقول ويدفع بالقيمة، من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر بمثل رواية أيوب. قال يحيى: لا أدري شيئاً من قبله كان يقوله - أي نافع - أم هو شيء في الحديث قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (١٨٤/٥): هذا شك من أيوب في هذه الزيادة المتعلقة بحكم المعسر هل هي موصولة مرفوعة أن منقطعة مقطوعة وقد رواه عبد الوهاب عن أيوب فقال في آخره: وربما قال: وإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق ((وربما لم يقله وأكثر ظني أنه شيء يقوله نافع من قيله، أخرجه النسائي وقد وافق أيوب على الشك في رفع هذه الزيادة يحيى بن سعيد عن نافع أخرجه مسلم والنسائي. ولفظ النسائي: وكان نافع يقول قال يحيى: لا أدري أشيء كان من قبله يقوله أم شيء في الحديث فإن لم يكن عنده فقد جاز ما صنع)) ورواها من وجه آخر عن يحيى فجزم أنها عن نافع وأدرجها في المرفوع من وجه آخر وجزم مسلم بأن أيوب ويحيى قالا: ((لا ندري أهو في الحديث أو شيء قاله نافع من قبله)) ولم يختلف عن مالك في وصلها ولا عن عبيد الله بن عمر لكن اختلف عليه في إثباتها وحذفها كما تقدم والذين أثبتوها حفاظ فإثباتها عن عبيد الله مقدم وأثبتها أيضاً جرير بن حازم كما سيأتي وإسماعيل بن أمية عند الدارقطني وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة مرفوعة قال الشافعي: لا أحسب عالماً بالحديث يشك في أن مالكاً أحفظ لحديث نافع من أيوب لأنه كان ألزم له منه حتى ولو استويا فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه كانت الحجة مع من لم يشك. ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي: قلت لابن معين مالك في نافع أحب إليك أو أيوب؟ قال: مالك ا. هـ وقد توبع نافع على هذا الحديث تابعه سالم بن عبد الله بن عمر. أخرجه البخاري (١٧٩/٥) كتاب العتق: باب إذا أعتق عبداً بين اثنين حديث (٢٥٢١) ومسلم (٣/ ١٢٨٧) كتاب الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد حديث (٥٠، ١٥٠١/٥١) وأبو داود (٢٥٨/٤) كتاب العتق: باب من روى أنه لا يستسعي حديث (٣٩٤٦) والترمذي (٦٢٩/٣) كتاب الأحكام: باب = ٣٢٠ كتاب الإعتاق بالضمان إذا كان المعتق موسراً، وعلى عتق البعض إن كان معسراً، فيدل على التجزء في حالة اليسار والإعسار. وروي عن أبي هريرة عن رسول اللَّهِ وَّر أنه قال: ((مَنْ كَانَ لَهُ شِقْصٌ فِي مَمْلُوكٍ فَأَعْتَقَهُ، فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى العَبْدُ فِي رَقَتِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ))(١) وفي رواية: ((مَنْ أَعْتَقَ شِقْصَاً لَهُ مِنْ مَمْلُوٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)) . وأما المعقول: فهو أن الإعتاق إن كان تصرفاً في الملك والمالية بالإزالة فالملك متجزىء؛ وكذا المالية بلا شك حتى تجري فيه سهامُ الورثةِ، ويكون مشتركاً بين جماعة كثيرة من الغانمين وغيرهم، وَإِنْ كَانَ تَصرفاً في الرق، فالرقُّ متجزىء أيضاً؛ لأن محله متجزىء وهو العبد، وإذا كان محله متجزئاً كان هو متجِّزئاً ضرورة، وأما حكم الاثنين إذا أعتقا عبداً مشتركاً بينهما، كان الولاء بينهما نصفين الولاء من أحكام العتق، فَدل تجزؤه على تجزىء العتق . وأما الحديث: فقد قيل إنه غير مرفوع، بل هو موقوف على عمر - رضي الله عنه -، وقد روي عنه خلافه فإنه روي أنه قال في عبدٍ بين صبيّ وبالغ أعتق البالغ نصيبه، قال: يُنتظر بلوغُ الصبي، فإذا بلغ، إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى، ولئنّ ثبت رفعه فتأويله من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله: ((عتق كله)) أي: استحق عتق كله؛ لأنه يجب تخريج الباقي إلى العتق لا محالة، فيعتق الباقي لا محالة بالاستسعاء أو بالضمان، وما كان مستحق الوجود يسمى باسم الكون والوجود، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ مَيْتْ وَإِنَّهُمْ مَيْتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. والثاني: أنه يحتمل المراد منه عتق كله للحال، ويحتمل أن المراد منه عتق عند الاستسعاء والضمان فنحمله على هذا عملاً بالأحاديث كلها . وأما قولهما إن العتق قوة حكمية، فيعتبر بالقوة الحقيقية وثبوتها في البعض شائعاً - العبد يكون بين الرجلين حديث (١٣٤٧) والنسائي (٣١٩/٧) كتاب البيوع: باب الشركة في الرقيق وأحمد = (٣٤/٢) وعبد الرزاق (١٥٠/٩) رقم (١٦٧١٢) والحميدي (٢٩٥/٢) رقم (٦٧٠) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٦/٣) كتاب العتاق: باب العبد يكون بين الرجلين وابن حبان (٤٣١٢ - الإحسان) والبيهقي (٢٧٥/١٠) كتاب العتق: باب من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر، كلهم من طريق سالم عن أبيه عن النبي ◌َّ لتر قال: من أعتق عبداً بين اثنين فإن كان موسراً قوم عليه ثم يعتق. قال الترمذي: حسن صحيح. (١) تقدم تخريجه.