Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كتاب النفقة حرفة له، ولو كان صحيحاً مكلفاً، ولو من غير الوالدين، فإن كانت له حرفة، لم تجب نفقته، وإن لم تكف أكلمت. = وفي رواية أن من لم تكن له حرفة من غير الوالدين، وكان قادراً على الكسب أجبر عليه، ولم تجب نفقته حينئذ. جـ ـ والحنفية قالوا: يشترط إعسار من تجب له النفقة، وعجزه عن الكسب بأن يكون صغيراً، أو زِمْناً، أو مقعداً، أو مفلوجاً، أو مشلولاً، أو به غير ذلك من العوارض التي تمنع الإنسان من الاكتساب، وقد نصوا على أن الأنوثة عجز، فلا تكلف الأنثى الكسب، لكنها لو اكتسبت بالفعل ما يكفيها لا تجب لها النفقة، وعلى أنَّ من لا يحسن الكسب لحزقه، أي: لعدم معرفته عمل اليد، ومن يكون من أبناء الكرام، لا يجد من يستأجره، أو يكون ممن يلحقه العار بالتكسب، أو يكون طالب علم، وبه رشد. كل هؤلاء تجب لهم النفقة لعجزهم عن الكسب حكماً. ومن كان صحيحاً غير عاجز عن الكسب لا تجب له النفقة على غيره. وإن كان معسراً إلا الأب خاصة، والجد عند عدمه، لأن الشرع، نهى الولد عن إلحاق أدنى الأذى بالوالدين، وهو التأفيف. ومعنى الأذى في إلزام الأب الكسب مغ غنى الولد أكثر، فكان أولى بالنهي، ولم يوجد ذلك في الابن. د - والمالكية قالوا: يشترط فيمن تجب نفقته من الأولاد الفقر مع العجز عن الكسب بصنعة لا تزرى بهم. وأما الوالدان فيشترط فقرهما، وفي اشتراط عجزهما عن الكسب خلاف. قال الباجي: ((لاَ يُشْتَرَطُ فِيهُمَا ذَلكَ، فتجب نفقتهما ما لم يكتسبا بالفعل)). وقال اللخمي: ((يشترط قياساً على الولد، فلا تجب نفقتهما إن قدرا على الكسب، ولو بصنعة تزري بالولد: لا تصافهما بها قبل وجود الولد غالباً». وقول اللخمي هو المعتمد. ثم إن نفقة الابن، تجب حتَّى يطرأ له مالٌ، أو يبلغ عاقلاً، قادراً على الكسب فإن طرأ له مالُ انقطعت، فإن ذهب قبل البلوغ عادت، وإن بلغ عاقلاً قادراً على الكسب انقطعت، ولم تعد بطرفة جنونه، أو عجزه، وإن بلغ مجنوناً، أو عاجزاً بزمانه أو عَمَى مثلاً استمرت؛ فإن طرأ له مال في هذه الحالة، انقطعت، فإن ذهب مع بقاء الجنون أو الزمانة، عادت. ونفقة البنت تجب حتى يدخل بها زوج، وإن لم يكن بالغاً، ولم تكن مطبقة، أو يدعي للدخول. وهو بالغ، وهي مطبقة، ففي هاتين الصورتين تنقطع ولا تعود بتأيمها إلا في ثلاث صور: الأولى: أن تَتَأَیّم وهي بِكْرُ. الثانية: أن تتأيم، وهي صغيرة ثيب. الثالث: أن يدخل بها الزوج زمنة، ثم تتأيم منه، وهي ثيب بالغ زمنه. فإن تأيَّمَتْ، وهي ثيب بالغ صحيحة لم تعد نفقتها، وكذا لو تأيمت، وهي ثيب بالغ زمنة، وكان زوجها قد دخل بها صحيحة . هـ ـ وابن حزم ذَهَبَ إلى أن من قدر على معاش وتكسب، وإن كان خسيساً، لم تجب نفقته، إلا الأصول من آباء وأمهات، وأجداد وجدات، فإن الولد يكلف أن يصونهم عن خَسِيسٍ الكسب إن قدر. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، المهذب ١٧٨/٢، التحفة ٣٤٧/٨، النهاية ٢٦٦/٦، كشاف القناع ٣١٦/٣. ١٨٢ كتاب النفقة غنيّاً لا يكون هو بإيجاب النفقة له على غيره أولى من الإيجاب لغيره عليه، فيقع التعارض، فيمتنع الوجوب، بل إذا كان مستغنى بماله، كان إيجاب النفقة في ماله أولى من إيجابها في مال غيره؛ بخلاف نفقة الزوجات أنها تجب للزوجة الموسرة؛ لأن وجوب تلك النفقة لا يتبع الحاجة، بل لها شبه بالإعواض، فيستوي فيها المعسرة والموسرة؛ كثمن البيع والمهر. واختلف في حد المعسر الذي يستحق النفقة، قيل: هو الذي يحل له أخذ الصدقة ولا تجب عليه الزكاة، وقيل: هو المحتاج، ولو كان له منزل وخادم هل يستحق النفقة على قريبه الموسر، فيه اختلاف الرواية : في رواية لا يستحق حتى لو كان أختاً لا يؤمر الأخ بالإنفاق عليها، وكذلك إذا كانت بنتاً له أو أماً في رواية يستحق. وجه الرواية الأولى: أن النفقة لا تجب لغير المحتاج، وهؤلاء غير محتاجين؛ لأنه يمكن ١٤٧ أ الاكتفاء بالأدنى بأن يبيع / بعض المنزل أو كله ويكتري منزلاً فيسكن بالكراء، أو يبيع الخادم. وجه الرواية الأخرى: أن بيع المنزل لا يقع إلاَّ نادراً؛ وكذا لا يمكن لكل أحد السكنى بالكراء أو بالمنزل المشترك، وهذا هو الصواب أن لا يؤمر أحد ببيع الدار، بل يؤمر القريب بالإنفاق عليه . ألا ترى أنه تحل الصدقة لهؤلاء، ولا يؤمرون ببيع المنزل - ثم الولد الصغير إذا كان له مالٌ حتى كانت نفقته في ماله لا على الأب، وإن كان الأب موسراً، فإن كان المال حاضراً في يد الأبٍ، أنفق منه عليه، وينبغي أن يُشهد على ذلك؛ إذ لو لم يشهد، فمن الجائز أن ينكر الصبي إذا بلغ فيقول للأب إنك أنفقت من مال نفسك لا من مالي فيصدقه القاضي؛ لأن الظاهر أن الرجل الموسر ينفق على ولده من مال نفسه، وإن كان لولده مال، فكان الظاهر شاهداً للولد، فيبطل حق الأب، وإن كان المال غائباً، ينفق من مال نفسه بأمر القاضي إياه بالإنفاق ليرجعَ أو يَشْهَدَ على أنه ينفق من مال نفسه؛ ليرجع به في مال ولده؛ ليمكنه الرجوع؛ لما ذكرنا أن الظاهر أن الإنسان يتبرع بالإنفاق من مال نفسه على ولده، فإذا أمره القاضي بالإنفاق من ماله ليرجع أو أشهد على أنه ينفق ليرجع، فقد بطل الظاهر، وتبين أنه إنما أنفق من ماله على طريق القرض، وهو يملك إقراض ماله من الصبي فيمكنه الرجوع، وهذا في القضاء، فأما فيما بينه وبين الله - تعالى - فيسعه أن يرجع من غير أمر القاضي والإشهاد بعد أن نوى بقلبه أنه ينفق ليرجع؛ لأنه إذا نوى صار ذلك دَيْنَاً على الصغير، وهو يملك إثبات الدين عليه، لأنه يملك إقراض ماله منه، والله - عزَّ وجلَّ - عالم بنيته، فجاز له الرجوع فيما بينه وبين الله - تعالى -، والله - تعالى - أعلم. ١٨٣ كتاب النفقة والثاني: عجزه عن الكسب بأن كان به زمانة، أو قعد، أو فلج، أو عمى، أو جنون، أو كان مقطوع اليدين أو أشلهما، أو مقطوع الرجلين، أو مفقود العينين؛ أو غير ذلك من العوارض التي تمنع الإنسان من الاكتساب حتى لو كان صحيحاً مكتسباً لا يقضي له بالنفقة على غيره. وإن كان معسراً إلا للأب خاصَّة والجد عند عدمه، فإنه يقضي بنفقة الأب، وإن كان قادراً على الكسب بعد أن كان معسراً على ولده الموسر؛ وكذا نفقة الجد على ولد ولده إذا كان موسراً؛ وإنما كان كذلك لأن المنفق عليه إذا كان قادراً على الكسب، كان مستغنياً بكسبه، فكان غناه بكسبه كغناه بماله، فلا تجب نفقته على غيره إلا الولد، لأن الشرع نهى الولدَ عن إلحاق أدنى الأذى بالوالدين وهو التأفيف؛ بقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أَفُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ومعنى الأذى في إلزام الأب الكسب مع غنى الولد أكثر، فكان أولى بالنهي، ولم يوجد ذلك في الابن، ولهذا لا يحبس الرجل بدين ابنه، ويحبس بدين أبيه، ولأن الشرع أضاف مال الابن إلى الأب بلام الملك، فكان ماله كماله؛ وكذا هو كسب كسبه، فكان ككسبه، فكانت نفقته فيه. والثالث: أن الطلب والخصومة بين يدي القاضي في أحد نوعي النفقة، وهي نفقة غير الولاد، فلا تجب بدونه؛ لأنها لا تجب بدون قضاء القاضي، والقضاء لا بد له من الطلب والخصومة. ، وأما الذي يرجع إلى المنفق خاصة، فيساره في قرابة غير الولاد من الرحم المحرم(١)، (١) هذا الشرط متفق عليه في نفقة القريب بخلاف نفقة الزوجة، فقد مر اختلاف الفقهاء في وجوبها على المعسر . والفرق بين نفقة الزوجة، ونفقة القريب، أن الأولى معاوضة، والثانية مواساة. ثم في تفصيل هذا الشرط خلاف. أ - فالشافعية: ذهبوا إلى أنه يشترط في المنفق - سواء كان أصلاً أم فرعاً - أن يكون موسراً بفاضل عن مؤنته، ومؤنة عياله في يومه وليلة، والمراد بالعيال زوجته وخادمها، وأم ولده، فإن لم يفضل شيء فلا وجوب؛ لخبر مسلم: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك» ١ هـ. وإنما قدمت نفقة الزوجة ومن في حكمها؛ لأنها لحاجة الإنسان نفسه، وحاجته مقدمة على حاجة أقاربه. وإذا لم يكن له مال، لكن يمكن أن يكتسب ما يفضل عن ذلك لزمه الاكتساب لقريبة إن كان حلالاً لائقاً به قياساً على نفقة نفسه ولخبر: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)) رواه النسائي، ولأن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال في تحريم الزكاة وغيره. وقيل: لا يلزم الكسوب كسب النفقة كما لا يلزمه ذلك لوفاء الدين الذي لم يعص به. ورد بأن الدين المذكور على التراخي، ويختلف قلة وكثرة، والنفقة فورية ويسيرة. ب - والحنابلة: ذهبوا إلى أنه يشترط في المنفق، أن يكون له ما ينفق منه على أصله، أو فرعه، أو موردته = ١٨٤ كتاب النفقة فاضلاً عن نفقة نفسه وزوجته، ورقيقة يومه وليلة، أما من ماله، وله ما من كسبه، فأما من لا يفضل عنه = شيء، فليس عليه شيء؛ لما روى جابر أن رسول الله وَ لقر قال: ((إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن فضل فعلى عياله، فإن فضل فعلى قرابته)). ولما روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي صلفيه: فقال: يا رسول الله، عندي دینا الخ)) رواه أبو داود. ولأنها مواساة فلا تجب على المحتاج كالزكاة. جـ ـ والمالكية: اشترطوا اليسار بما فضل عنه وعن زوجاته ولو أربعاً بخلاف الخادم والدابة، فإن نفقة القريب تقدم عليهما ما لم يحتج إليهما. وقالوا: لا يجب على الأب أو الابن أن يتكسب بصنعة أو غيرها، لينفق على ولده أو أبيه المعسر، ولو کان له صنعة . د - الحنفية: قالوا: يشترط في إنفاق ذي الرحم المحرم من غير الأصول والفروع يسار المنفق، فلا نفقة على غير موسر، وإن كان قادراً على الكسب، لأن وجوبها من طريق الصلة، والصلات تجب على الأغنياء، لا الفقراء. وأما إنفاق الأب على ولده فلا يشترط فيه اليسار على التعيين، بل يكفي قدرته على الكسب بما فيه فضل، لأن الإنفاق عليهم: حياذهم وأحياؤهم إحياء نفسه، لقيام الجزئية والعصبية، وإحياء نفسه واجب. وأما إنفاق الابن على أبيه؛ فإن كان الأب قادراً على الكسب اشترط يسار الابن، وإن كان الأب عاجزاً عن الكسب لم يشترط يسار الابن، بل يكفي أن يكون قادراً على الكسب، فإن كان لكسبه فضل أجبر على الإنفاق، لأنه قادر على أحيائه من غير خلل يرجع إليه. وإن لم يكن له فضل، فإن كان الابن وحده أمر بالانفاق ديانة، ولم يجبر لأنه يؤدي إلى ضعف الابن وعجزه عن الكسب. وفيه هلاكهما جميعاً، فإن كان له عيال أجبر على ضم الأب إليهم، لأنَّ إدخال الواحد على الجماعة لا يخل بطعامهم خللا بيناً، وقد علم سابقاً أن الأنوثة عجز حكماً، ومنه يؤخذ أن إنفاق البنت على أبويها شرطه يسارها، فلا يكفي قدرتها على الكسب، وإنفاق الابن على أمه، وإن قدرت على الكسب، لا يشترط فيه يساره، بل متى كان قادراً على الكسب وجب عليه الإنفاق عليها. هذا وقد اختلفوا في حد اليسار على أقوال : - أوجهها - عند المتأخرين، أنه يقدر بما يفضل عن نفقة الإنسان وعياله شهراً، إن كان من أهل الغلة، وما يفضل عن نفقهم كل يوم، إن كان من أهل الحرف. هـ ـ وابن حزم: شرط في المنفق أن يفضل منه بعد مؤنته شيء قل أو كثر، فيجبر حينئذ على الإنفاق على أصوله، وفروعه، وإخوته وأخواته، وزوجاته. كل هؤلاء يتساوون فيما فضل، فإن فضل عنهم شيء أجبر على النفقة على ذوي رحمه المحرمة، وموروثیه . واستدل على التسوية بين هؤلاء بقوله: ((روينا من طريق أبي داود، أنبأنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله وس* بالصدقة: فقال رجل يا رسول الله، عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر؛ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر؛ قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر؛ قال: تصدق به على خادمك؛ قال: عندي آخر؛ قال: أنت أعلم وروينا هذا الخبر من طريق أحمد بن شعيب، أخبرنا عمر بن علي، أنبأنا محمد بن المثنى، قالا جميعاً: أنبأنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن عجلان؛ قال: أنبأنا= ١٨٥ كتاب النفقة .. سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: تصدقوا: فقال رجل: يا رسول الله = عندي دينار؛ قال: تصدق به على نفسك؛ قال: عندي آخر؛ قال: تصدق به على زوجتك؛ قال: عندي آخر؛ قال: تصدق به على ولدك؛ قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر؛ قال: أنت أبصر)). قال أبو محمد: فاختلف سفيان ويحيى، فقدم سفيان الولد على الزوجة، وقدم القطان الزوجة على الولد، وكلاهما ثقة؛ فالواجب ألا يقدم الولد على الزوجة، ولا الزوجة على الولد، بل يكونا سواء؛ لأنه قد صح أن رسول الله ◌َّي كان يكرر كلامه ثلاث مرات، فممكن أن يكرر فتياه عليه الصلاة والسلام - ههنا كذلك، فمرة قدم الولد، ومرة قدم الزوجة فصارا سواء مع قوله - عليه الصلاة والسلام - لهند بنت عتبة، إذا سألت إباحة مال أبي سفيان زوجها بغير علمه: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)» فقرن بينها وبين الولد سواء، ثم وجدنا ما رويناه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، أنبأنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد أنبأنا أبو صخرة جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال: ((دخلت المدينة، فإذا رسول الله ◌َ و قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: ((أيها الناس يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك». هذه أخبار صحاح من رواية الثقات، فأخبر - عليه الصلاة والسلام - آمراً بأن يبدأ بمن يعول، وهم الأبوان، والأخوة، فصح يقيناً أن هؤلاء مبدوء بهم مع الولد والزوجة، وقد بينا قبل أن كل جدة أم، وكل جد أب، وكل ابن ابنة، وابن ابن، وابنة ابن، وابنة ابنة كل ابن وابنة فصح نصاً ما قلنا)) اهـ. ولم أجد في كلامه إشارة إلى من قدر على الكسب، ولم يكتسب بالفعل، أيكلف الكسب للإنفاق على هؤلاء أم لا؟ والذي يظهر للناظر في هذه المذاهب وجوب الإنفاق على من أيسر بفاضل مؤنته، ومؤنة زوجته، أو زوجاته، سواء أكان يساره بالمال، أم بالقدرة على الكسب الحلال اللائق به، وكالزوجة من يحتاج إليه من خادم أو بهيمة . ولا يعتبر اليسار بما فضل عن نفقة يوم وليلة، إذ من الجائز أن يملك الإنسان خمسة دنانير في أول الشهر أجرة عن عمله في الشهر الماضي، ولن يظفر بعدها إلا بخمسة أخرى أول الشهر الذي يليه، فلو أوجبنا عليه في أول الشهر، أن ينفق ما فضل عن مؤنته ومؤنة زوجته يومه وليلة لأنفق ذلك، وصار في بقية الشهر فقيراً، وهذا إجحاف به. ولا يعتبر بما فضل عن نفقة شهر، ولا يملك نصاب، ولا بنحو ذلك؛ لأنه قد يكتسب كل يوم ما يزيد عن حاجة، فترك الإنفاق حينئذ شهراً، أو أكثر فيه إحجاف بقريبه. فالظاهر أن يعتبر بما فضل عن نفقته، بحيث لو أخذ منه لم يصر فقيراً وهذا يختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم من يعتبر يساره بما فضل عن نفقة يوم، ومنهم غير ذلك. ولا يعتبر اليسار بما فضل عن خادم الزوجة والرقيق ولو أم ولد خلافاً للشافعية والحنابلة؛ فإن الأقارب أفضل منهم، اللهم إلا إذا كان في حاجة إليهم، فإنهم يقدمون حينئذ، كما يقول المالكية؛ فإن حاجة النفس مقدمة على حاجة الأقارب. ولا يجوز له ترك الكسب الحلال اللائق به - عند حاجتهم - مع القدرة عليه خلافاً للمالكية، حيث جوزوا = ١٨٦ كتاب النفقة فلا تجب على غير الموسر في هذه القرابة نفقةٌ، وإن كان قادراً على الكسب؛ لأن [وجوب هذه النفقة من طريق] الصلة، والصلات تجب على الأغنياء لا على الفقراء، وإذا كان يسار المنفق شرط وجوب النفقة عليه في قرابة ذي الرحم، فلا بد من معرفة حد اليسار الذي يتعلق به وجوب هذه النفقة، روي عن أبي يوسف فيه أنه اعتبر [فيه] نصاب الزكاة. فإن ابن سماعة، قال في نوادره: سمعتُ أبا يوسف قال: ((لاَ أخْبِرُ على نفقة ذي الرحم المحرم مَنْ لم يكن معه ما تجبُ فيه الزكاة)) ولو كان معه مائتا درهم إلا درهماً، وليس له عيالَ وله أخت محتاجة، لم أجبره على نفقتها، وإن كان يعمل بيده ويكتسب في الشهر خمسين درهماً. وروى هشام عن محمدٍ أنه قال: إذا كان له نفقة شهرٍ وعنده فضل عن نفقة شهر له ولعياله، وأجبره على نفقة ذي الرحم المحرم، قال محمد: وأما مَنْ لا شيء له وهو يكتسبُ كُلَّ يوم درهماً يكتفي منه بأربعة دوانيقّ؛ فإنه يرفع لنفسه ولعياله ما يتسع به، وينفقُ فضله على من يجبر على نفقته، وجه رواية هشام عن محمد أن من كان عنده كفاية شهر فما زاد عليها فهو غنى عنه في الحال، والشهر يتسع للاكتساب، فكان عليه صرف الزيادة إلى أَقاربه . ذلك مطلقاً، وللحنفية، حيث جوزوه في بعض الصور، وإنما لم يجز مطلقاً: لأن فيه تضيع من يعول، = وهو إثم بنص الحديث، ولا يسوي في النفقة بين الزوجة وغيرها، خلافاً لابن حزم؛ فإن نفقة الزوجة إنما هي لحاجة النفس، وحاجة النفس مقدمة على حاجة الغير؛ ولقوله وَ الفقر: «فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك». وما استدل به ابن حزم على التسوية بين الزوجة والأصول، والفروع، والأخوة، والأخوات. (يرد عليه) أن الحديثين اللذين ذكرهما أولاً ينقضان ما ذهب إليه؛ فإن مقتضى التسوية ألا يقدم الولد على الزوجة تارة، ويؤخر عنها تارة أخرى، وألا يجعل الخادم بعدهما مباشرة، واستنتاجه التسوية من اختلاف الحديثين من التعسف بمكان، كما يظهر بأدنى تأمل، والظاهر أن أحد الراويين مخطىء؛ وهو من قدم الولد على الزوجة؛ لما تقرر من أن نفقة الزوجة من تمام حاجة النفس، وهي مقدمة على حاجة الغير. وأما الحديث الثالث - وهو حديث هند، فلا تسوية فيه عند ضيق النفقة عن حاجة الزوجة والولد؛ لأنه ظاهر سؤالها، أن مال أبي سفيان متسع لنفقتهما جميعاً، فلا دلالة فيه. وأما الحديث الرابع - وهو حديث ((وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك)) فلا دلالة فيه على مساواة هؤلاء للزوجة؛ لأنه لم يذكر فيه النفس، والنفس مقدمة إجماعاً، فليس المراد بالبدء فيه البدء الحقيقي، فيحتمل أن الزوجة مقدمة، لأنها من حاجات النفس. وبهذا لم يتم لابن حزم دليل على مساواة الأقارب الذين ذكرهم للزوجة في الانفاق. وتلخص ما قدمته من أنه يشترط اليسار بمال، أو كسب بما فضل عن مؤنة النفس والزوجة، وبما يحتاج إليه من خادم وبهيمة، وأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في يسارهم ... ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد النهاية ٢٦٥/٦، المبسوط: ٢٢٤/٥، المحلى ١٠٦/١٠. ١٨٧ كتاب النفقة وجه قول أبي يوسف: أن نفقة ذي الرحم صلة، والصلات إنما/ تجب على الأغنياء ١٤٧ب كالصدقة، وحد الغنى في الشريعة ما تجب في الزكاة، وما قاله محمد أوفق وهو أنه إذا كان له كسب دائم وهو غير محتاج إلى جمعه(١) فما زاد على كفايته يجب صرفه إلى أقاربه؛ كفضل ماله إذا كان له مال، ولا يعتبر النصاب؛ لأن النصاب إنما يعتبر في وجوب حقوق الله - تعالى - المالية، والنفقة حَقُّ العبد، فلا معنى للاعتبار بالنصاب فيها؛ وإنما يعتبر فيها إمكان الأداء. ولو طلب الفقير العاجز عن الكسب من ذي الرحم المحرم منه نفقة فقال: أنا فقير وَادَّعَى هو أنه غني [قادر](٢) فالقولُ قولُ المطلوب؛ لأنَّ الأصل هو الفقر، والغنا عارِضٌ، فكان الظاهر شاهداً له، فمحمد يحتاج إلى الفرق بينه وبين نفقة الزوجات والفرق له أن الإقدام على النكاح دليلُ القدرة، فبطلت شهادة الظاهر. وأما [في](٣) قرابة الولاد، فينظر: إن كان المنفق هو الأب، فلا يشترط يساره لوجوب النفقة عليه، بل قدرته على الكسب كافيةٌ حتى تجب عليه النفقة على أولاده الصغار والكبار، الذكور الزمنى الفقراء، والإناث الفقيرات، وإن كن صحيحات، وإن كان معسراً بعد أن كان قادراً على الكَسْبِ؛ لأن الإنفاق عليهم عند حاجتهم وعجزهم عن الكسب إحياؤهم، وإحياؤهم إحياءُ نفسه، لقيام الجزئية والعصبية(٤)، وإحياءُ نفسه واجبٌ، ولو كان لهم جدّ موسرٌ، لم تفرض النفقة على الجد، ولكن يؤمر الجد بالإنفاق عليهم عند حاجتهم، ثم يرجع به على ابنه، لأن النفقة لا تجب على الجد مع وجود الأب إذا كان الأب قادراً على الكسب؛ ألاَ تَرَى أنه لا يجب عليه نفقة ابنه فنفقة أولاده أولى. وإن لم يكن الأب قادراً على الكسب بأن كَانَ زَمِناً، قضي بنفقتهم على الجدّ؛ لأن عليه نفقة أبيهم؛ فكذا نفقتهم. وروي عن أبي يوسف أنه قال في صغير له والدٌ محتاجٌ وهو زَمِنْ، فرضت نفقته على قرابته من قبل أبيه دون قرابته من قبل أمه، كلُّ من أجبرته على نفقة الأب أجبرته على نفقة الغلام إذا كان [الأب](٥) زمناً؛ لأن الأب إذا كان زمناً كانت نفقته على قرابته؛ فكذا نفقة ولده لأنه جزؤه، قال: فإن لم يَكُنْ له قرابةٌ من قبل أبيه، قضيتُ بنفقته على ابنه، وأمرت الخالَ أن ينفق عليه، ويكون ذلك دَيْنَاً على الأب. (١) في ط: جميعه. (٢) سقط من ط. (٣) سقط من ط . (٤) في أ: البعضية. (٥) سقط من ط. ١٨٨ كتاب النفقة ووجه الفرق بين قرابة الأب وقرابة الأم إن قرابة الأب تجب عليهم نفقة الأب إذا كان زمناً، فكذا نفقة ولده الصغير، فأما قرابة الأم فلا يجب عليهم نفقة الأب ولا نفقة الولد؛ لأن الأب لا يشاركه أحدٌ في نفقة ولده. وإن كان المنفق هو الابنُ وهو معسر مكتسب يُنظر في كسبه، فإن كان فيه فضل عن قوته يجبر على الإنفاق على الأب من الفضل، لأنه قادرٌ على إحيائه من غير خللٍ يرجع إليه، وإن كان لا يفضل من كسبه شيء يؤمر فيما بينه وبين الله - عزَّ وجلَّ - أن يواسيّ أباه إذ لا يحسن أن يترك أباه ضائعاً جائعاً يتكفف الناس وله كسبٌ، وهل يجبر على أن ينفق عليه وتفرض عليه النفقة إذا طلب الأب الفرض، أو يدخل عليه في النفقة إذا طلب الأب ذلك؟ قال عامةُ الفقهاء: إنه لا يجبر على ذلك. وقال بعضهم: يجبر عليه، واحتجُوا بما رُوِيَ عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لَوْ أصَابَتِ(١) النَّاسَ السَّنَةُ، لأدخلت على أهلٍ كل بيت مثلهم، فإن الناس لم يهلكوا على أنصاف بطونهم . وقال النبيُّ نَّهِ: (طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفَي الاثْنَيْنِ))(٢). وجه قول العامة أن الجبر على الإنفاق والإشراك في نفقة الولد المعسر يؤدي إلى إعجازه عن الكسب، لأن الكسب لا يقوم إلا بكمال القوة، وكمال القوة بكمال الغذاء، فلو جعلناه نصفين لم يقدر على الكسب وفيه خوف هلاكهما جميعاً. (١) في ط: أصاب. (٢) أخرجه مسلم (١٦٣٠/٣) كتاب الأشربة: باب فضيلة المواساة في الطعام القليل، حديث (٢٠٥٨/١٨١) والترمذي (٢٣٦/٤) كتاب الأطعمة: باب ما جاء في طعام الواحد يكفي لاثنين حديث (١٨٢١) وأحمد (٣١٥/٣) وأبو يعلى (٤١٦/٣) رقم (١٩٠٢) كلهم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. وأخرجه مسلم (١٦٣٠/٣) كتاب الأشربة: باب فضيلة المواساة في الطعام القليل، حديث (١٧٩/ ٢٠٥٩) وابن ماجه (١٠٨٤/٢) كتاب الأطعمة: باب طعام الواحد يكفي الاثنين حديث (٣٢٥٤) والدارمي (٢/ ١٠٠) كتاب الأطعمة: باب طعام الواحد يكفي الاثنين. وأحمد (٣٨٢/٣) والبغوي في (شرح السنة)) (٩٣/٦ - بتحقيقنا) كلهم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وأخرجه مسلم (٢٠٥٩) وأحمد (٣٠١/٣) من طريق الأعمش عن أبي الزبير عن جابر. أما حديث عمر أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٠٨٤) كتاب الأطعمة: باب طعام الواحد يكفي الاثنين حديث (٣٢٥٥) من طريق قهرمان آل الزبير قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله وَّلير: إن طعام الواحد يكفي الاثنين وإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة وإن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة . قال البوصيري في الزوائد - (٧١/٣): هذا إسناد ضعيف لضعف قهرمان آل الزبير عمرو بن دينار فقد ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والفلاس والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم. ١٨٩ كتاب النفقة وذكر في الكتاب: أرأيت لو كان الابن يأكلُ من طعام رجلٍ غني يعطيه كلَّ يوم رغيفاً أو رغيفين، أيؤمر الابن أن يعطي أحدهما أباه؟ قال: لا يؤمر به، ولو قال الأب للقاضي إن ابني هذا يقدر على أن يكتسب ما يفضل عن كسبه مما ينفق عليّ لكنه يدع الكسب عمداً يقصد بذلك عقوقي، ينظر القاضي في ذلك فإن كان الأب صادقاً في مقالته، أمر الابن بأن يكتسب فينفق على أبيه، وإن لم يكن صادقاً بأن علم أنه غيرُ قادرٍ على اكتساب زيادة، تركه، هذا إذا كان الولد واحداً، فإن كان له أولاد صغار وزوجة ولا يفضل من كسبه شيءٌ ينفق على أبيه، فطلب الأب من القاضي أن يدخله في النفقة على عياله، يدخله القاضي ههنا؛ لأن إدخال الواحد على الجماعة لا يخل بطعامهم خللاً بيناً؛ بخلاف إدخال الواحد على الواحد، هذا إذا لم يكن الأب عاجزاً عن / الكسب، فأما إذا كان عاجزاً عنه بأن كان زمناً يشاركُ الابن في قوتِهِ ١١٤٨ ويدخل عليه فيأكل معه، وإن لم يكن له عيال؛ لأنه ليس في المشاركة خوفُ الهلاك، وفي ترك المشاركة خوف هلاك الأب، فتجب المشاركة . وكذلك الأم إذا كانت فقيرة، تدخل على ابنها فتأكل معه، لكن لا يفرض لهما عليه نفقة على حدة، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وأما الذي يرجع إليهما جميعاً فنوعان: أحدهما: اتحاد الدين في غير قرابة الولادٍ منَ الرحم المحرم، فلا تجري النفقة بين المسلم والكافر في هذه القرابة(١)، فأما في قرابة الولاد، فاتحاد الدين فيها ليس بشرط، فيجب (١) نفقة الأصول والفروع: قال الجمهور: لا يشترط فيها اتحاد الدين، وللحنابلة فيها ثلاث روايات: إحداها: يشترط مطلقاً وهي المشهورة. الثانية: لا يشترط مطلقاً. الثالثة: يشترط إلا في إلحاق القافة. وجه قول الجمهور أن نفقة الأصول والفروع، إنما وجبت للبعضية، وهي لا تختلف باختلاف الدين، وقد قال الله تعالى، في حق الوالدين الكافرين: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾. ووجه القول بالاشتراط مطلقاً، أن هذه النفقة وجبت للمواساة ولا مواساة مع اختلاف الدين، ووجبت للإرث، ولا إرث مع اختلاف الدين. ويرد عليه أن مواساة الوالدين مع اختلاف الدين واجبة: الآية السابقة، ويلحق بهما الأولاد بجامع البعضية، والإرث لم يعتبر في نفقة الأصول والفروع، بدليل أن الحنابلة أنفسهم . على القول الراجح عندهم - لا يشترطون في نفقة الأصول والفروع الإرث. نفقة ذوي الأرحام المحارم غير الأصول والفروع: قال بها الحنفية، وابن حزم الظاهري كما سبق، وقد اشترط الحنفية فيها اتفاق الدين، ولم يشترطه ابن حزم . = ١٩٠ كتاب النفقة على المسلم نفقة آبائه وأمهاته من أهل الذمة، ويجب على الذمي نفقة أولاده الصغار الذين أعطى لهم حكم الإسلام بإسلام أمّهم ونفقة أولاده الكبار المسلمين الذين هم من أهل استحقاق النفقة على ما نذكر. ووجه الفرق من وجهين أحدهما: أن وجوب هذه النفقة على طريق الصلة، ولا تجب صلة رحم غير الوالدين عند اختلاف الدين، وتجب صلةُ رحم الوالدين مع اختلاف الدين، بدليل أنه يجوز للمسلم أن يبتدىءَ بقتل أخيه الحربي، ولا يجوز له أن يبتدىء بقتل أبيه الحربي، وقد قال - سبحانه - في الوالدين الكافرين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥] ولم يرد مثله في غير الوالدين. والثاني: أن وجوب النفقة في قرابة الولاد بحقِّ الولادة، لما ذكرنا أن الولادة توجب الجزئية والبعضية بين الوالد والولد، وذا لا يختلف باختلاف الدين، فلا يختلف الحكم المتعلق به والوجوب في غيرها من الرحم المحرم بحقّ الوراثة، ولا وراثة عند اختلاف الدين، فلا نفقة. ولو كان للمسلم ابنان؛ أحدُهما مسلمٌ والآخر ذميٍّ، فنفقته عليهما على السواء؛ لما ذكرنا أن نفقة الولادة لا تختلف باختلاف الدِّين. والثاني: اتحاد الدار في غير قرابة الولادة من الرحم المحرم، فلا تجرى النفقة بين الذمي الذي في دار الإسلام وبين الحربي في دارِ الحربِ؛ لاختلاف الدَّارَيْنِ(١)، ولا بين الذمي وجه قول الحنفية: أن نفقة ذوي الأرحام المحارم من غير الأصول والفروع، إنما وجبت للصلة، وصلة = غير الأصول والفروع لا تجب مع اختلاف الدين. وجه قول ابن حزم: إطلاق النصوص، حيث لم تفرق بين مسلم وكافر. أقول: مستند الحنفية في وجوب الإنفاق على ذي الرحم المحرم قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ حيث قالوا: المراد به ذو الرحم المحرم الذي فيه أهلية الإرث فاشتراط اتحاد الدين عندهم ظاهر؛ لأن المخالف في الدين، ليس فيه أهلية الإرث. ومستند ابن حزم في وجوب الإنفاق على ذي الرحم المحرم آية: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾، وأحاديث الإنفاق على الأخت والأخ والقريب، فعدم اشتراط اتحاد الدين عنده بناء على هذا ظاهر أيضاً. وقد قررت فيما مضى أن الاستناد إلى كل من هذه الأسانيد في إيجاب نفقة ذي الرحم المحرم، ولو لم یکن موروثاً، غير ظاهر، فتدبر. نفقة الموروث من غير الأصول والفروع: قال بها الحنابلة، وابن حزم: واشترطوا فيها اتحاد الدين؛ لأنه لا إرث مع اختلافه، وهذا ظاهر. وفي رواية عند الحنابلة استثناء المولى، وهو العتيق بناء على أن المعتق يرث عتيقه مع اختلاف الدين. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، زاد المعاد ٣٥٨/٢، كشاف القناع ٣١٤/٣. (١) اشترط الحنفية في الإنفاق على ذي الرحم المحرم من غير الأصول والفروع. اتحاد الدارين، إن كان = ١٩١ كتاب النفقة و[الحربي](١) المستأمن في دار الإسلام؛ لأن الحربي وإن كان مستأمناً في دار الإسلام فهو من أهل الحرب، وإنما دخل دار الإسلام لحوائج يقضيها ثم يعود؛ ألا ترى أن الإمام يُمَكِّنُهُ من الرجوع إلى دار الحرب ولا يمكنه من إطالة الإقامة في دار الإسلام فاختلفت(٢) الداران؛ وكذا لا نفقة بين المسلم المتوطن في دار الإسلام وبين الحربي الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا؛ لاختلاف الدارين، وهذا ليس بشرط في قرابة الولاد. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما أنَّ وجوبَ هذه النفقة في هذه القرابة بطريق الصلة(٣)، ولا تجب هذه الصلة عند اختلاف الدارين، وتجب في قرابة الولاد. والثاني: أن الوجوب ههنا بحق الوراثة ولا وراثة عند اختلاف الدارين، والوجوب هناك بحق الولادة وإنه لا يختلف. وأما الذي يرجع إلى غيرهما فقضاء القاضي في أحد نوعي النفقة، وهي نفقة غير الولاد من الرحم المحرم، فَلاَ تَجِبُ هذه النفقة من غير قضاء القاضي، ولا يشترط ذلك في نفقة الولاد حتى تجبَمن غير قضاءٍ؛ كما تجب نفقة الزَّوْجَات. ووجه الفرق أن نفقة الولاد تجب بطريق الإحياء؛ لما فيها من دفع الهلاك لتحقق معنى الجزئية والبعضية بين المنفق والمنفق عليه، ويجب على الإنسان إحياء نفسه بدفع الهلاك عن نفسه، ولا يقف وجوبه على قضاء القاضي(٤)، فأما نفقة سائر ذي الرحم المحرم، فليس المنفق والمنفق عليه كافرين؛ فلا تجب النفقة بين الذمي الذي في دار الإسلام. وبين الحربي في دار = الحرب، لاختلاف الدارين، ولا بين الذمي والحربي المستأمن في دار الإسلام؛ لأن الحربي وإن كان مستأمناً في دار الإسلام فهو من أهل الحرب، وإنما دخل دار الإسلام لحوائج يقضيها ثم يعود. وهذا ليس بشرط في قرابة الأصول والفروع، والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن وجوب هذه النفقة في هذه القرابة بطريق الصلة، ولا تجب هذه الصلة عند اختلاف الدارين، وتجب في قرابة الولاد. والثاني: أن الوجوب هنا بحق الوراثة، ولا وراثة عند اختلاف الدارين، والوجوب هناك بحق الولادة، وإنه لا يختلف. أقول: مقتضى كلام ابن حزم في الشرط السابق أنه لا يشترط عنده اتحاد الدار؛ لأنه لم يشترط أهلية الإرث في ذوي الأرحام المحارم، حيث لم يستند في وجوب نفقتهم إلى قوله - عز وجل -: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد. (١) سقط في أ. (٢) في ط: فاختلف. (٣) في أ: بحق الصلة. (٤) قال ابن عابدين - بعد نقل الشرط المذكور - ما نصه: واعترض: بأن القاضي، غير مشرع، بل الوجوب = ١٩٢ كتاب النفقة وجوبها من طريق الإحياء؛ لانعدام معنى الجزئية، وإنما تجب صلة محضة، فجاز أن يقف وجوبها على قضاء القاضي، وبخلاف نفقة الزوجات؛ لأن لها شبهاً بالأعواض، فمن حيث هي صلة لم تصر ديناً من غير قضاء ورضاً، ومن حيث هي عوض تجب من غير قضاء؛ عملاً بالشبھین. وعلى هذا يخرج ما إذا كان الرجل غائباً وله مال حاضر؛ أن القاضي لا يأمر أحداً بالنفقة من ماله إلا الأبوين الفقيرين وأولاده الفقراء الصغار، الذكور والإناث، والكبار الذكور الفقراء العجزة عن الكسب والإناث الفقيرات والزوجة؛ لأنه لا حق لأحد في ماله إلاَّ لهؤلاء. ألا ترى أنه ليس لغيرهم أن يمد يده إلى ماله فيأخذه، وإن كان فقيراً محتاجاً، ولهم ذلك؛ فكان الأمرُ من القاضي بالإنفاق من ماله لغيرهم قضاءً على الغائب من خصم غير حاضر، ولا يكون لهم قضاء بل يكون إعانةً، ثم إن كل المال حاضراً عند هؤلاء وكان النسب ٢/ ١٤٩ أ معروفاً، أو علم القاضي بذلك - أمرهم بالنفقة منه؛ لأن نفقتهم واجبة من غير قضاء/ القاضي، فكان الأمر من القاضي بالإنفاق إعانة لا قضاءً، وإن لم يعلم بالنسب فطلب بعضهم أن يثبت ذلك عند القاضي بالبينة، لا تسمع منه البيّنة؛ لأنه يكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر. وكذلك إن كان له (١) وديعة عند إنسان وهو مقر بها، أمرهم القاضي بالإنفاق منها؛ وكذا إذا كان له دَيْنٌ على إنسان وهو مقرِّ به لما قلنا. ولو دفع صاحب اليد أو المديون إليهم بغير إذن القاضي يضمن، وإذا دفع (٢) بإذنه لا ثابت بقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾. وأجيب: بأن نفقة القريب المحرم فيها اختلاف = المجتهدين بخلاف الزوجة والولاد. واعترض: بأن الخلافيات يعمل فيها بدون القضاء، وأجيب: بأنه إذا قوى قول المخالف. روى خلافه، واستعين بالحكم كالرجوع في الهبة، وخيار البلوغ، وأجيب أيضاً: بأن الوجوب ثابت قبل الحكم، وإنما يتوقف عليه وجوب الأداء، فقد يجيب الشيء، ولا يجب أداؤه، كدين على معسر، واعترض: بأنه لو ثبت الوجوب لجاز أخذ القريب بما ظفر جنس حقه، وأجيب: يمنع اللزوم، لوقوع الشبهة بالاختلاف في باب الحرمة، فنزلت منزلة اليقين خصوصاً في الأموال، وبالقضاء ترفع الشبهة. وله نظائر كثيرة ١ هـ. أقول: إن كانت الآية دالة على الوجوب ظناً، لم يتوقف الوجوب، ولا وجوب الأداء، على حكم القاضي. وإن لم تدل عليه ظناً، فالقضاء بها باطل؛ فلا يقلب غير الواجب واجباً. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد. (١) في ط: ماله. (٢) في ط: وقع. ١٩٣ كتاب النفقة يضمن، واستوثق القاضي منهم كفيلاً إن شاء؛ وكذا لا يأمر الجد وولد الولد حال وجود الأب والولد؛ لأنهما حال(١) وجودهما بمنزلة ذوي الأرحام، ويأمرهما حال عدمهما؛ لأن الجد يقوم مقام الأب حال عدمه، وولد الولد يقوم مقام الولد (حال) عدمه، وإن كان صاحب اليد أو المديون منكراً، فأرادوا أن يقيموا البينة - لم يلتفت القاضي إلى ذلك لما ذكرنا، فإن أنفق الأب من مال ابنه ثم حضر الابن فقال الأب: كنت موسراً، وقال الأب: كنت معسراً، يُنظر إلى حال الأب وقت الخصومة، فإن كان معسراً، فالقولُ قولهُ، وإن كان موسراً، فالقولُ قولُ الابن؛ لأن الظاهر استمرار حال اليسار والإعسار، والتغير خلاف الظاهر [فيحكم الحال](٢) وصار هذا كالآجر مع المستأجر إذا اختلفا في جريانِ الماء وانقطاعه، أنه بحكم الحال؛ لما قلنا كذا هذا. فإن أقاما البينة، فالبينةُ بينةُ الابن؛ لأنها تثبت أمراً زائداً وهو الغنا، هذا إذا كان المال من جنس النفقة من الدراهم والدنانير والطعام والكسوة(٣)، فإن كان من غير جنسها، فالقاضي لا يبيع على الغائب العقارِ لأجل القضاء بالإنفاق؛ وكذا الأب إلا إذا كان الولد صغيراً فليبع العقار. وأما العروض فهل يبيعها القاضي؟ فالأمر فيه على ما ذكرنا من الاتفاق والاختلاف، وهل يبيعها الأب؟ قال أبو حنيفة: يبيع مقدار ما يحتاج إليه لا الزيادة على ذلك، وهو استحسان، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبيع ولا خلاف أن الأم تبيع مال ولدها الصغير والكبير، وكذا الأولاد لا يبيعون مال الأبوين. وجه قولهما وهو القياس: أن لا ولاية للأب على الولد الكبير، فكان هو وغيره من الأقارب سواء، ولهذا لا يبيع العقار؛ وكذا العروض. ولأبي حنيفة أن في بيع العروض نظراً للولد الغائب؛ لأن العروض مما يخاف عليه الهلاك، فكان بيعها من باب الحفظ، والأب يملك النظر لولده بحفظ ماله وغير ذلك، بخلاف العقار فإنه محفوظ بنفسه، فلا حاجة إلى حفظه بالبيع، فيبقى بيعه تصرفاً على الولد الكبير، فلا يملكه، ولأن الشرع أضاف مال الولد إلى الوالد وسماه كسباً له، فإن لم يظهر ذلك في حقيقة الملك، فلا أقل من أن يظهر في ولاية بيع عرضه عند الحاجة. (١) في أ: عند. (٢) في أ: فيجعل حكماً فيحكم فصار. (٣) في أ: ونحوها. بدائع الصنائع ج٥ - م١٣ ١٩٤ كتاب النفقة فصل في مقدار الواجب من هذه النفقة وأما بيان مقدار الواجب من هذه النفقة، فنفقة الأقارب مقدرةٌ بالكفاية بلا خلافٍ؛ لأنها تجب للحاجة فتتقدر بقدر الحاجة، وكلُّ مَنْ وجبت عليه نفقة غيره يجب عليه له المأكل والمشرب والملبس والسكنى والرضاع إن كان رضيعاً، لأن وجوبها للكفاية، والكفايةُ تتعلق بهذه الأشياء، فإن كان للمنفق عليه خادم يحتاج إلى خدمته تفرض له أيضاً؛ لأن ذلك من جملة الكفاية . فصل في كيفية الوجوب وأما بيان كيفية وجوبها، فهذه النفقة تجب على وجه لا تصير ديناً في الذمة أصلاً، سواء فرضها القاضي أو لا، بخلاف نفقة الزوجات، فإنها تصير دَيْناً في الذمة بفرض القاضي أو بالتراضي، حتى ولو فرض القاضي للقريب نفقة شهر فمضي الشهر ولم يأخذ، ليس له أن يطالبه بها، بل تسقط، وفي نفقة الزوجات للمرأة ولاية المطالبة بما مضى من النفقة في مدة الفرض، وقد ذكرنا وجه الفرق بينهما في نفقة الزوجات (١)، فيقع الفرق بين النفقتين في أشياء: (١) من تصفح كتب الفقه على المذاهب الأربعة، وجدها متفقة على أن نفقة القريب، لا تصير ديناً بمضي الزمان إلا في صور. بيد أن في تفصيل هذه الصور خلافاً، وهاك البيان: أ - قال الشافعية: تسقط نفقة القريب، إذا لم يصرفها إليه من وجبت عليه، فلا تصير ديناً بفواتها بمضي الزمان؛ وإن كان متعدياً بالامتناع؛ لأنها وجبت لدفع الحاجة الناجزة مواساة وقد زالت، بخلاف نفقة الزوجة، فإنها معاوضة، ويستثنى من ذلك ست صور. الأولى: أن يأذن لإنسان فيصرفها لقريبه المحتاج، فبالصرف تصير ديناً عليه، فإن من أدى ما لزم غيره بإذنه كان مقرضاً له ما أداه، فصار ديناً في ذمته. الثانية: أن يفرضها عليه قاض عند غيبته، أو امتناعه بعد ثبوت غناه، وحاجة طالب النفقة، ويأذن لإنسان، فيصرفها له فيصير بالصرف مقرضاً لمن وجبت عليه؛ لأن للقاضي ولاية عامة، فإذنه بالإنفاق كإذن من وجب عليه الإنفاق. الثالثة: أن يقرضها عليه القاضي أو مأذونه عند غيبته أو امتناعه، ولو كان المأذون هو المستحق للنفقة، فإذا حصل الاقتراض صارت ديناً عليه؛ لأن المقترض حينئذ نائب عنه. الرابعة: أن يقترضها عليه المحتاج، ويشهد على ذلك عند فقد القاضي، أو توقف إذنه، أو اقتراضه على دفع مال إليه، وكاقتراض المحتاج، ما لو اقترضت الأم لطفلها على أبيه، وأشهدت أو أنفقت من مالها مع قصد الرجوع، وأشهدت؛ وذلك أن الاقتراض، أو الأقراض بنية الرجوع مع الإشهاد، يقوم مقام إذن القاضي عند فقده، أو طلبه المال، وقال ابن الرفعة: ((يكفي قصد الرجوع مع الإشهاد، ولو مع وجود القاضي)»، وتبعه البلقيني وغيره، وضعفه ابن حجر. الخامسة: أن تنفق الأم مثلاً على الولد المنفي: باللعان، ثم يستحقه أبوه، فيصير ما أنفقته دينا، ترجع به عليه؛ لأن مزيد تقصيره بالنفي الذي بان بطلانه برجوعه عنه، أوجب عقوبته بإيجاب ما فوته به. = ١٩٥ كتاب النفقة السادسة: نفقة الحمل في البائن، ونحوها، إذا جرينا على القول بأن النفقة للحمل، وهو قول ضعيف كما = تقدم تصير ديناً، ولا تسقط بمضي الزمان؛ لأن الحامل، هي التي تنتفع بها فتلحق بنفقة الزوجة. وأما إذا جرينا على الراجح من كون النفقة للحامل، فإن عدم سقوطها بمضي الزمان؛ لكونها معارضة عن الحبس؛ لاشتغال الرحم كنفقة الزوجة . هذا ملخص ما في التحفة والنهاية، وغيرهما. وظاهر كلام الشيخين أن فرض القاضي، يكفي في جعلها ديناً، ورد ذلك جمع من المتأخرين، عقلاً، ونقلاً، وتأوله بعضهم بأن المراد به تقدير القاضي مع إذنه لشخص في الإنفاق، ثم ينفق فلا تصير ديناً، بمجرد الفرض، ولا الأذن، بل بحصول الإنفاق وهي الصورة الثانية التي ذكرتها آنفاً . والفرق بينها، وبين ما بعدها، أن إحداهما إذن بالإقراض والأخرى اقتراض، أو إذن بالاقتراض. ب - وقال الحنابلة: من ترك الإنفاق الواجب مدة لم يلزمه عوضه إلا في أربع صور: الأولى: أن يقرضها الحاكم؛ لأنها تتأكد بفرضه كنفقة الزوجة وهذه الصورة نفاها بعضهم؛ فقال: إن الفرض لا يؤثر. والثانية: أن يستدين المحتاج عليه بإذن الحاكم. الثالثة: أن يغيب زوجها فتسدين لها، ولأولادها الصغار أو المجانين، أو العاجزين عن الكسب، فترجع بما استدانت. الرابعة: أن يمتنع من وجبت عليه النفقة من الإنفاق بعد طلبه، فينفق غيره بنية الرجوع؛ لأنه قام عنه بواجب کقضاء دينه . جــ وقال الحنفية: إذا لم يقض بنفقة القريب، لم تصر ديناً إلا إذا أمره من وجبت عليه بالاستدانة عليه، فاستدان، فإنها حينئذ تصير ديناً، فلا تسقط إلا بالأداء، أو الإبراء. وإذا قضى بها لم تصر ديناً، بل تسقط بمضي الزمان إلا في صور: الأولى: أن يمضي على القضاء بها أقل من شهر، فلا تسقط؛ لأنها لو لم تصر ديناً في هذه المدة القصيرة، لم يكن للأمر بالقضاء، بالنفقة فائدة، ولو كان كل ما مضى سقط لم يمكن استيفاء شيء. الثانية: أن يستدين من تجب له النفقة بإذن القاضي، فلا يسقط ما استدانه، ولو بمضي زمن طويل. الثالثة: أن يأمر القاضي الأم مثلاً بالإنفاق على الولد لغيبة أبيه، أو بالاقتراض عليه، فإذا أمرها بالإنفاق، فاقترضت صار المقترض ديناً في ذمتها هي؛ لعدم أمر القاضي به، فإذا انفقته بعد ذلك على الولد صار ديناً في ذمة الأب؛ لأمر القاضي به، كما لو انفقت من مالها بلا اقتراض، فترجع عليه، وإذا أمرها بالاقتراض فانفقت من مالها، لم تصر ديناً؛ لأنها لم تفعل ما أمرها به، فصارت متبرعة. الرابعة: أن تكون النفقة المقضي بها نفقة صغير، فلا تسقط بمضي الزمان، وفي هذه الأخيرة نزاع. ء - وقال المالكية: تسقط نفقة القرابة عند عدم الأداء بمضي الزمان إلا في مسألتين: الأولى: أن تجب نفقة القريب ولداً، أو أباً، أو أماً، لقضية بأن يقول الحاكم: فرضت، أو قدرت. فإن فرضه إياها كالحكم بها فتصير به كالدين، فلا تسقط. الثانية: أن ينفق على الولد خاصة شخص غير متبرع، فتصير ديناً على أبيه الموسر، فيرجع عليه، وإن لم يعلم بوجوده، ولا بيساره، بشرط أن يحلف أنه أنفق ليرجع. = ٠ ١٩٦ كتاب النفقة والفرق بين نفقة الولد، ونفقة الوالدين، أن نفقتهما كانت ساقطة، وطرأت، بخلاف نفقة الولد، فإنها = لازمة من الأصل، كذا يؤخذ من العددي. ولا شك أن نفقة الأقارب، وجبت لسد الحاجة، ودفع الخلة فإذا مضى عليها زمان من غير تأديتها، سقطت. هذا هو الأصل فيها، ولم أر أحداً خالف فيه، بل حكى ابن القسم الإجماع عليه. فيما عدا نفقة الصغير، فإن بعض الشافعية، قال بعدم سقوطها. ولم أر ذلك فيما راجعة من كتب الشافعية، وإنما قال به، بعض الحنفية، بشرط قضاء القاضي، كما تقدم. وقد استثنى أهل كل مذهب صوراً لا تسقط فيها نفقة القريب، ومن تأملها تبين له وجه استثنائها إلا ما يأتي : (أ) - ما قاله بعض الشافعية، والحنابلة، والمالكية: من أن قضاء القاضي بنفقة القريب، وإن لم يأذن بإدانة، أو استدانة يصيرها ديناً ثابتاً. وما قاله بعض الحنفية: من أنه يصير نفقة الصغير دون غيره ديناً ثابتاً . وما قاله بعض الحنفية وارتضوه: من أن يصير نفقة القريب مطلقاً ديناً موقتاً يسقط بمضي شهر ولا يسقط قبله . فهذه الأقوال كلها فيها نظر. قال ابن القيم ما خلاصة: إن القاضي الذي يقضي بالنفقة إما أن يعتقد سقوطها بمضي الزمان، أو ثبوتها . فإن كان يعتقد سقوطها لم يسغ له الحكم بخلافه، وإلزام ما يعتقد أنه غير لازم. وإن كان يعتقد ثبوتها، مع أنه خلاف الإجماع، ولا يعرف به قائل، فإما أن يعني بالفرض الإيجاب، أو إثبات، الواجب، أو تقديره أو أمراً رابعاً. فإن أراد به الإيجاب، فهو تحصيل الحاصل، ولا أثر لفرضه. وكذا إن أراد به إثبات الواجب، ففرضه وعدمه سيان، وإن أراد به تقديره فالتقدير، إنما يؤثر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان لا في سقوطه، ولا ثبوته، فلا أثر لفرضه في الواجب البتة، وإن أراد أمراً رابعاً، فلا بد من بيانه لينظر فيه. فإن قيل: بقي قسم ثالث - هو أن يعتقد الحاكم السقوط بمضي الزمان، ما لم يفرض، فإن فرضت استقرت، فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض، لا بنفس مضي الزمان. قيل: هذا لا يجدي شيئاً، فإنه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان، وأن هذا هو الحق والشرع، لم يجز له أن يلزم بما يعتقد سقوط، وعدم ثبوته. وبهذا ظهر أنه لا وجه لكون القضاء يصيِّر النفقة ديناً ثابتاً، أو مؤقتاً، سواء أكان من تجب له النفقة صغيراً، أم كبيراً. ب - ما قاله الشافعية: من أن الاقتراض، أو الإقراض على الممتنع، أو الغائب لا يكفي وحده؛ بل إن وجه القاضي، وكان لا يطلب مالاً، فلا بد من إذنه. وإن فقد، أو كان يطلب مالاً، فلا بد من الإشهاد - ففيه نظر. فإن النفقة تجب للقريب يوماً بيوم، فإذا امتنع أو غاب، فاقترض المحتاج أو وليه ناوياً الرجوع، أو أقرض إنسان ناوياً الرجوع، كان ذلك أداء لما وجب على الغير، مع تقصيره بالامتناع أو الغيبة، فكان ينبغي أن يكون ذلك كافياً في صيرورتها ديناً عليه، فيما بينه وبين الله تعالى. ١٩٧ كتاب النفقة ومنها: ما وصفناه آنفاً أن نفقة الزوجة (١) تصير دَيْناً بالقضاء أو بالرضا، ونفقة الأقارب لا تصير ديناً أصلاً ورأساً. ومنها: أن نفقة الأقارب أو كسوتهم لا تجب لغير المعسر، ونفقة الزوجات أو كسوتهن تجب للمعسرة والموسرة . ومنها: أن نفقة الأقارب أو كسوتهم إذا هلكت قبل مضي مدة الفرض تجب نفقة أخرى وكسوة أخرى، وفي نفقة الزوجات لا تجب. ومنها: أن نفقة الأقارب أو كسوتهم إذا تعينت بعد مضي المدة لا تجب أخرى، وفي نفقة الزوجات تجب، وقد مَرَّ الفرق بين هذه الجملة في فصل ((نفقة الزوجات)). ومنها: أنه إذا عجل نفقة مدة في الأقارب فمات المنفق عليه قبل تمام المدة لا يسترد شيئاً منها بلا خلافٍ، وفي / نفقة الزوجات خلاف محمد، ويحبس في نفقة الأقارب كما ١٤٩/٢ ب لكن القاضي لا يقضي بها إلا بالبينة، لجواز أن تكون الكفاية حصلت بصدقه أو سؤال، أو يكون من = وجبت عليه حاضراً، غير ممتنع، فالنية، وإذن القاضي، لا دخل لهما في صيرورتها ديناً في الذمة باطناً، ولذا أطلق الحنابلة أن استدانة الأم لأولادها عند غيبة زوجها يكفي في الدينية، وكذا إنفاق شخص على المحتاج بنية الرجوع على الممتنع، ولم يقيدوا المسألتين بإشهاد ولا إذن قاضي. ولعل ابن الرفعة - حينما أطلق أن الإقراض، والاقتراض بنية الرجوع مع الإشهاد. يكفيان، ولو مع وجود القاضي - إنما أراد أن يكون الإشهاد شرطاً لقضاء القاضي بالدينية، لا لأجل الدينية، وكذا ما قاله المالكية، من أن اتفاق شخص على الولد بنية الرجوع على أبيه، يكفي إذا حلف. فتقييدهم بالحلف يظهر أنه لحكم القاضي بها، لا لأصل الدَّيْنِيَّةَ؛ فإن الأب إذا صدَّق المنفق فأيُّ حاجةَ إلى الخلف؟ حـ ـ تفصيل المالكية بين الولد والوالدين؛ حيث قالوا: من أنفق على الولد؛ بقصد الرجوع على أبيه - صارت دَيْناً عليه، ومن أنفق على الأب أو الأم؛ بقصد الرجوع على الولد - لم تَصِرْ دَيْناً عليه؛ ففيه نظر؛ إذ لا دليل عليه، وتوجيهه بأن نفقة الوالدين طارئة، ونفقة الولد أصلية؛ توجيه ضعيف؛ فإن الولد قد يولد غنيًّا أوصى له به، ويكون الوالدان فقيرين من حين ولادته، وأضاً الطرؤ، والأصالة، لا دخل لهما في الدينية؛ كما لا يخفى. وبهذا أظهر أنها لا تصير ديناً ثابتاً، لا يسقط بالأداء، أو الإبراء، إلا في صورة واحدة؛ وهي: إدانة المحتاج، أو وليه، أو استدانتهما بنية الرجوع، على من وجبت عليه عند إذنه، أو تقصيره بامتناع، أو غيبة، أو ينفي الولد، سواء أكانت تلك الإدانة، أو الاستدانة بإذن القاضي، أم لا، وسواء أكانت بإشهاد، أم لا . لكن لا يقضي القاضي بها إلا إذا ثبت له بالبينة، أو تصديق المدعى عليه أن الأخذ يستحق النفقة عليه؛ لتوفر شرط الاستحقاق، وثبت له حصول الإدانة، أو الاستدانة، وكونهما بنية الرجوع. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، مغني المحتاج ٤٤٩/٣، التحفة ٣٤٩/٨. (١) في ط: المرأة. ١٩٨ كتاب النفقة ولا يحبس في سائر ديونه؛ لأن إيذاء الأب حرامٌ في الأصل، وفي الحبس إيذاؤه إلاَّ أن في النفقة ضرورة وهي ضرورة دفع الهلاك عن الولد، إذ لو لم ينفق عليه لهلك، فكان هو بالامتناع من الإنفاق عليه كالقاصد إهلاكه، فدفع قصده بالحبس، ويحمل هذا القدر من الأذى لهذه الضرورة، وهذا المعنى لم يوجد في سائر الديون، ولأن ههنا ضرورة أخرى وهي ضرورة استدراك هذا الحق، أعني: النفقة؛ لأنها تسقط بمعنى الزمان فتقع الحاجة إلى الاستدراك بالحبس؛ لأن الحبس يحمله على الأداء فيحصل الاستدراك، ولو لم يحبس يفوت حقه رأساً، . فشرع الحبس في حقه لضرورة استدراك الحق؛ صيانةً له عن الفوات، وهذا المعنى لا يوجد في سائر الديون؛ لأنها لا تفوت بمضي الزمان، فلا ضرورة إلى الاستدراك بالحبس؛ ولهذا قال أصحابنا: أن الممتنع من النفقة يضرب ولا يحبس، بخلاف الممتنع من سائر الحقوق؛ لأنه لا يمكن استدراك هذا الحق بالحبس، لأنه يفوت بمضي الزمان فيستدرك بالضرب، بخلاف سائر الحقوق؛ وكذلك الجد أب الأب وإن علا؛ لأنه يقوم مقام الأب عند عدمه. فصل في المسقط لها بعد الوجوب وأما بيان المسقط لها بعد الوجوب، فالمسقط لها بعد الوجوب هو مضي الزمان من غيرِ قبض ولا استدانةٍ حتى لو فرض القاضي نفقة شهر للقريب، فلم يقبض ولا استدان عليه حتى مضت المدة، سقطت النفقة لما ذكرنا أن هذه النفقة تجب صلةً محضةً، فلا يتأكد وجوبها إلا بالقبض أو ما يقوم مقامه، والله أعلم. فصل في نفقة الرقيق وأما نفقة الرقيق فالكلام في هذا الفصل في مواضع: في بيان وجوب هذه النفقة، وفي بيان سبب وجوبها، وفي بيان شرط الوجوب، وفي بيان مقدار الواجب، وفي بيان كيفية الوجوب . أما الأول فوجوبها ثابتٌ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب فقولهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] معطوفاً على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنَ إِحْسَاناً﴾ [النساء: ٣٦] أمر بالإحسان إلى المماليك، ومطلق الأمر يحمل على الوجوب، والإنفاق عليهم إحسان بهم، فكان واجباً، ويحتمل أن يكون أمراً بالإحسان إلى المماليك أمراً بتوسيع النفقة عليهم؛ لأن المرء لا يترك أصل النفقة على مملوكه إشفاقاً على ملكه، وقد يقتر في الإنفاق عليه لكونه مملوكاً في يده، فَأَمَرَ الله - عزَّ وجلَّ - السادات بتوسيع النفقة على مماليكهم شكراً لما أنعم عليهم؛ حيث جعل من هو من جوهرهم وأمثالهم في ١٩٩ كتاب النفقة الخلقة خدماً وخولاً، أذلاء تحت أيديهم، يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم. وأما السنة فما رُوِيَ أنَّ رسول الله ◌َِّ كان يوصي بالمملوك خيراً، ويقول: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا لاَ يُطِيقُونَ) (١) فإن الله - تعالى - يقول: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان آخر وصيةِ رسولِ اللهِ وَلَّ حين حضرته الوفاة: ((الصَّلاَةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))(٢) وجعل ◌َّ يغرغر بها في صدره وما يقبض بها لسانه، وعليه إجماع الأمة أن نفقة المملوك واجبة . وأما المعقول فهو عبد مملوك لا يقدر على شيء، فلو لم تجعل نفقته على مولاه لهلك. فصل في سبب وجوبها وأما سبب وجوبها فالملك؛ لأنه يوجب الاختصاص بالمملوك انتفاعاً وتصرفاً وهو نفس الملك، فإذا كانت منفعته للمالك كانت مؤنته عليه؛ إذ الخراج بالضمان، وعلى هذا يبنى أنه لا يجب على العبد نفقة ولده لعدم الملك؛ لأن أمَّهُ إن كانت حرةً، فهو حُرٍّ، وإن كانت مملوكة(٣) فهو ملك مولاها، فكانت نفقته على المولى، ولأن العبد لا مال له، بل هو وما في يده لمولاه، والمولى أجنبي عن هذا الولد، فكيف تجب النفقة في مال الغير لملك الغير. وكذا لا يجب على الحر نفقة ولده المملوك؛ بأن تزوَّج حُرَّ أمةً غَيْرِهِ فولدت ولداً؛ لأنه ملك غيره، فلا تجب عليه نفقة مملوك غيره، ولو أعتق عبده بطلت النفقة؛ لبطلان سبب الوجوب وهو الملك، ثم إن كان بالغاً صحيحاً فنفقته في كسبه، وإن كان صغيراً أو زَمِناً، قالوا: إن نفقته في بيت المال؛ لأنه واحدٌ من المسلمين، حُرِّ عَاجِزٌ لا يعرف له قريب، وبيت المال مال المسلمين، فكانت نفقته فيه؛ وكذا اللقيط إذا لم يكن معه مال، فنفقته في بيت المال لما قلنا . وقالوا في الصغير في يد رجلٍ قال لرجل: هذا عبدك أودعتنيه فجحد، قال محمد/ ٢/ ١١٥٠ استحلفه بالله - عزَّ وجلَّ - ما أودعته، فإن حلف قضيت بنفقته على الذي هو في يده، لأنه أقر برقُه، ثم أقر به لغيره، وقد رد الغير إقراره فبقي في يده، واليد دليل الملك فيلزمه نفقته. (١) أخرجه مسلم (٩/ ٣٦٠ - نووي) كتاب الزهد: باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر حديث (٧٤ . ٣٠٠٦) والبخاري في ((الأدب المفرد)» (١٣٨). (٢) تقدم تخريجه في كتاب الصلاة. (٣) في أ: أمة . ٢٠٠ كتاب النفقة قال محمد: ولو كان كبيراً لم استحلف المدعى عليه، لأنه إذا كان كبيراً كان في يد نفسه، وكان دعواه هدراً، فيقف الأمر على دعوى الكبير، فَكُلُّ من ادعى عليه أنه عبده وصدقه فعليه نفقته. ولو كان العبد(١) بين شريكين فنفقته عليهما على قدر ملكيهما؛ وكذلك لو كان في أيديهما كل واحد منهما يدعي أنَّهُ لَهُ، ولا بينة لهما، فنفقته عليهما، وقالوا في الجارية المشتركة بين اثنين أتت بولدٍ فادَّعاه الموليان - أن نفقة هذا الولد عليهما، وعلى الولد إذا كبر نفقة كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما أبٌ كامل في حقه، والله أعلم. فصل في شرط وجوبها كاسبه كالحر، فكانت نفقته في كسبه كالحر. وكذا معتق البعض؛ لأنه بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة، وعندهما حر عليه دَيْنٌ، والعبد الموصي برقبته لإنسان وبخدمته لآخر، نفقته على صاحب الخدمة لا على صاحب الرقبة، لأن منفعته لصاحب الخدمة، ونفقته عبد الرهن على الراهن؛ لأن ملك الذات والمنفعة له، ونفقة عبد الوديعة على المودع لما قلنا، ونفقة عبد العارية على المستعير؛ لأن ملك المنفعة في زمن العارية له؛ إذ الإعارة تمليك المنفعة، ونفقة عبد الغصب قبل الرد على الغاصب؛ لأن منافعه تحدث على ملكه(٢) على بعض طرق أصحابنا، حتى لو لم تكن مضمونة على الغاصب، فكانت نفقته عليه، ولأن رد المغصوب على الغاصب ومؤنة الرد عليه؛ لكونها من ضرورات الرد، والنفقةُ من ضرورات الرد؛ لأنه لا يمكنه إلا باستبقائه، ولا يبقى عادة إلا بالنفقة، فكانت النفقة من مؤنات الرد؛ لكونها من ضروراته، فكانت على الغاصب، والله أعلم. فصل في مقدار الواجب منها وأما مقدار الواجب منها، فمقدار الكفاية؛ لأن وجوبها للكفاية، فتقدر بقدر الكفاية كنفقة الأقارب. فصل في كيفية وجوبها وأما كيفية وجوبها، فإنها تجب على وجه يجبر عليها عند الطلب والخصومة في الجملة، (١) في أ: المملوك. (٢) في أ: ملك العاصب.