Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كتاب الظهار وقال الشافعي: هو إمساكُ المرأةِ على النكاح بعد الظهار، وهو أن/ يسكت عن طلاقها ١٢٣ب عَقِيب الظهارِ مقدار ما يمكنه طلاقها فيه، فإذا أمسكها على النكاح عَقِيب الظهار مقدار ما يمكنه طلاقها فيه، فلم يطلّقها، فقد وجبت عليه الكفارة على وجهٍ لا يحتمل السقوط بعد ذلك، خالفه، وهو قريب من قولهم: ((عاد في هبته)) إذا رجع فيها، ونقضها. وقالت المالكية: هو العزم على الوطء مع نية الإمساك، أو هو الوطء نفسه. ووجهة المالكية: أن العزم قول نفسي، والمظاهر قال قولاً يقتضي التحليل، وهو: النكاح، وقال قولاً يقتضي التحريم، وهو: الظهار، ثم عاد لما قال، وهو قول التحليل، ولا يصح أن يكون ذلك القول عقد النكاح؛ لأنه باقٍ، فلم يبق إلاّ أنه قول عزم، يخالف ما اعتقده، وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله: ((أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أَمِّي)) وإذا كان كذلك كفَّر، وعاد إِلى أهله، ولا يكون ذلك إلاّ بعد بقاء إمساكها. وقالت الحنفية: هو العزم على الوطء فقط. ودليلهم ما تقدم للمالكية، ويؤيد ذلك ما ثبت من حديث أوس بن الصامت: ((دعا امرأته إليه بعد ظهاره منها، فقالت له: والّذي نفس خولةَ بيدِهِ لا تصل إِليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ حتَّى يحكمَ الله ورسولُهُ)). وقالت الحنابلة: هو الوطء نفسه؛ لأن الكفارة في الظهار كفارة يمين؛ فلا تجب بغير الحنث؛ كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العود، وهو فعل ما حلف على تركه، وهو الجماع؛ ولأن الظهار يمين يقتضي ترك الوطء فلا تجب الكفارة إلاّ به، كالإيلاء. وقالت الظاهرية: هو تكرير اللفظ الذي قاله؛ لأنه لا يعقل من اللغة غير هذا، وبهذا جاءت السنة. عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: ((إِنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ امرأة أوس بن الصامت، وكان به لمم، فكان إذا اشتد لممه ظاهر منها، فأنزل الله - عز وجل - فيه آية الظهار)) فهذا يقتضي التكرار ولا بد: وبالنظر في وجهة كلُّ يخبر أن الحقَّ مع من يقول: إن العود هو: العزم على الوطء مع بقاء الإمساك؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - ذكر العود بكلمة ((ثُمَّ)) ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وهي تقتضي التراضي الزماني، والإمساك معقب لا متراخي، الذي قالت به الشافعية، وليس هو الوطء كما قالت الحنابلة - لأن الله - سبحانه وتعالى - قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوْا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ فلو كان العود هو الوطء - لما كان لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ معنى، وأيضاً فإن تَعلق الحكم بالموصول دليل، على عليَّة ما في حيِّزٌ الصلة، وما في حيّز الصلة هو الظهار والعود، فلو كان المراد من العود الوطء - لما كان لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ موقع؛ لأن الوطء محرّم قبل التكفير؛ فلا يصح أن يراد من العود، وإلاَّ كان مأموراً به قبل التكفير مَنْهِيًّا عنه قبله، وهو باطل؛ كما لا يصح أن يراد منه العزم فقط؛ إذ لو كان هو العود - لما سقطت الكفارة بعد الطلاق بعد العزم على الوطء؛ كما لا يصح أن يراد به إعادة اللفظ؛ لأن العود يقتضي أمرين. أمراً يعود إليه، وأمراً يعود عنه، ولا بد منهما؛ فالذي يعود عنه يتضمن نقضه وإبطاله، والذي يعود إليه يتضمن إيثاره وإرادته، فعود المظاهر يقتضي نقض الظهار وإبطاله، كما يقتضي رجوعه إلى الحالة التي كان عليها قبل الظهار، وهي: حِلُّ الاسْتِمْتَاعِ. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف، وينظر المحلى ٤٩/١٠، حاشية الدسوقي ٢/ ٣٩٧، المغني ٨/ ٥٧٣. ٢٢ کتاب الظهار سواء غابَت، أو ماتت، وإذا غاب فسواء طلقها أو لم يطلقها، راجعها أو لم يراجعها، ولو طلقها عَقِيب الظهار بلا فصل يبطل الظهار، فلا تجب الكفارة لعدم إمساك المرأة عَقِيب الظهار . وقال أصحابنا: العودُ: هو العزمُ على وطئها عزماً مؤكداً، حتى لو عزم ثم بَدَا له في أن لا يطأها لا كفارة عليه؛ لعدم العزم المؤكد، لا أنه وجبت الكفارة بنفس العزم ثم سقطت؛ كما قال بعضهم؛ لأن الكفارة بعد سقوطها لا تعود إلا بسبب جديد. وجه قول أصحاب الظَّواهِر : التمسكُ بظاهر لفظه العود؛ لأن العود في القول عبارةٌ عن تكراره؛ قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] فكان معنى قوله: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي: يرجعون إلى القول الأول فیکررونه. وجه قول الشافعي: أن قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلٍ ... ﴾ [المجادلة: ٣] يقتضي وُجُوبَ الكفارة بعد العود؛ وذلك فيما قلنا لا فيما قلتم؛ لأن عندكم لا تجب الكفارة، وإنما يحرم الوطء إلى أن يؤدي الكفارة فترتفع الحرمة، وهذا خلافُ النصِّ. ولنا: أَنَّ قول القائل: قال فلان كذا، ثم عاد [لما](١) قال في اللغة: يحتملُ أنْ يكونَ معناهُ: عاد إلى ما قال، وفيما قال، أي كرره، ويحتمل أن يكون معناه: عاد لنقض ما قال؛ فإنه حُكِيَ أَنَّ أعرابياً تكلم بين يدي الأصمعي بأنه كان يبني بناء ثم يعود له، فقال له الأصمعي: ما أردتَ بقولك: أعود له؟ فقال: أنقضه. ولا يمكن حمله على الأول وهو التكرار؛ لأنَّ القول لا يحتمل التكرار؛ لأن التكرار إعادة عين الأول، ولا يتصور ذلك في الأعراض لكونها مستحيلة البقاء، فلا يتصور إعادتها؛ وكذا النبيُّ - وََّ - لما أمر أويساً بالكفارة لم يسألهُ أنه هل كرر الظهار أم لا، ولو كان ذلك شرطاً لسأله؛ إذ الموضع موضع الإشكال، وكذا الظّهار الذي كان متعارفاً بين أهل الجاهلية؛ لم يكن فيه تكرار القول، وإذا تعذر حمله على الوجه الأول، يحمل على الثاني، وهو العود لنقض ما قالوا وفسخه، فكان معناه ثم يرجعون عما (٢) قالوا؛ وذلك بالعزم على الوطء، لأن ما قاله المظاهر هو تحريم الوطء، فكان العود لنقضه وفسخه استباحةً الوطء، وبهذا تبين فساد تأويل الشافعي للعود بإمساك المرأة واستبقاء النكاح؛ لأَن إمساك المرأة لا يعرف عوداً في اللغة، ولا إمساك شيء من الأشياء يتكلم فيه بالعود؛ ولأنَّ الظهارُ ليس برفع النكاح حتى يكون العود لما قال استبقاء للنكاح، فبطل تأويلُ العود بالإمساك على النكاح. (١) سقط من ط . (٢) في أ: لما. ٢٣ كتاب الظهار والدليلُ على بطلان هذا التأويل أَنَّ الله - تعالى - قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، وَثُمَّ للتراخي، فمن جعل العود عبارة عن استبقاء النكاح وإمساك المرأة عليه، فقد جعله عائداً عَقِيب القول بَلا تراخي، وهذا خلافُ النصّ. أما قوله: أَنَّ النص يقتضي وجوب الكفارة، وعندكم لا تجب الكفارة، فليس كذلك؛ بل عندنا تجب الكفارة إذا عزم على الوطء؛ كأنه قال - تعالى - إذا عزمت على الوطء فكفّر قبله، كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [وُجُوهَكُمْ](١) ... ) [المائدة: ٦] وقوله - سبحانه -: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدْمُوا ... ﴾ [المجادلة: ١٢] ونحو ذلك. واخْتُلِفَ أيضاً في سبب وجوب هذه الكفارة، قال بعضُهم: إنها تجب بالظهار والعود جميعاً؛ لأن الله - تعالى - علقها بهما بقوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]. وقال بعضُهم: سبب الوجوب هو الظهار، والعود شرط؛ لأَن الظهار ذنب؛ ألا ترى أن الله - تعالى - جعله منكراً من القول وزوراً، والحاجة إلى رفع الذنب والزجر عنه في المستقبل ثابتةٌ، فتجب الكفارة لأنها رافعةٌ للذنب وزاجرةٌ عنه. والدليل عليه أنه تضاف الكفارة إلى الظهار لا إلى العود؛ يقال: كفارة الظهار، والأَصل أنّ الأَحكام تضاف إلى أسبابها لا إلى شروطها. وَقَال بَعْضُهم: سببُ الوجوب هو العود، والظهار شرطً؛ لأن الكفارة عبادة، وللظهار محظورٌ محض، فلا يصلح سبباً لوجوب العبادة. وَقَالَ بَعْضُهم: كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا شَرْطٌ وَسَبَبُ الوُجُوبِ أَمْرٌ ثَالِثٌ وهو كون الكفارة طريقاً متعيناً لإيفاء الواجب، وكونه قادراً على الإيفاء، لأنَ إيفاء حقها في الوطء واجب، ويجب عليه في الحكم إن كانت بكراً أو ثيباً ولم يطأها مرةً، وإن كانت ثيباً وقد وطئها مرة لا يجب فيما بينه وبين الله - تعالى - اتصال ذلك أيضاً لإيفاء حقها. وَعِنْدَ بَعْضٍ أَصْحَابِنَا: يجب/ في الحكم أيضاً حَتَّى يجبر عَلَيْه، ولا يمكنه إيفاء الواجب ١٢٤ إلا برفع الحرمة، ولا ترتفع الحرمة إلا بالكفارة؛ فتلزمه الكفارةُ ضرورةً إيفاء الواجب على الأَصل المعهود أن إيجابَ الشيء إيجابٌ له، ولما لا يتوصل إليه إلا به؛ كالأمر بإقامة الصلاة يكون أمراً بالطهارة؛ ونحو ذلك، والله أعلم. (١) سقط من ط .. ٢٤ كتاب الظهار وأما شرطُ وجوبها: فالقدرةُ على أدائها؛ لاستحالة وجوب الفعل بدون القدرة عليه، فلا يجب على غير القادر؛ وكذا العود أو الظهار، أو كلاهما على حسب اختلافِ المشايخ فيه على ما مر. وأما شرط جوازها: فلجواز هذه الكفارة من الأنواع الثلاثة، أعني: الإعتاق(١) والصيام(٢) والإطعام(٣) شرائط، نذكرها في ((كتاب الكفارات)) إن شاء الله تعالى، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. (١) أوجب الله - سبحانه وتعالى - في كفارة الظهار تحرير الرقبة وجعله أول ما يفعله المظاهر في كفارته، ولكنه لم يقيد الرقبة بالإيمان؛ كما قيدها به في كفارة القتل؛ فكان ذلك منشأ لاختلاف الفقهاء في أن وصف الإيمان معتبر في عتق الرقبة، أو غير معتبر فيها. (٢) هذا هو النوع الثاني من أنواع الكفارة في الظهار، ولا ينتقل المكفر إليه إلا بعد عدم وجود رقبة صالحة للعتق، أو بعد العجز عن ثمنها - إن وجدها - وهذا محل اتفاق بين العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعِينٍ﴾ . (٣) النوع الثالث من أنواع كفارة الظهار إطعام ستين مسكيناً، ولا ينتقل المظاهر إلى هذا النوع إلا بعد عجزه عن صيام شهرين متتابعين، لِقَولِهِ تَعَالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً﴾ والناظر في الآية الكريمة يجد أن الله تعالى ذكر بجانب تحرير الرقبة، والصيام للشهرين قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ ولم يذكر ذلك بجانب إطعام الستين مسكيناً؛ فهل ذلك: لأن إطعام الستين مسكيناً لا يشترط فيه أن يقع قبل التماس، أم ذلك لأنه - سبحانه وتعالى - اكتفى بذكره في النوعين الأولين عن ذكره في النوع الثالث؛ فيكون عدم التماس شرطاً في الجميع. ينظر: الكفارات لشيخنا حسن علي حسنين الكاشف. كِتَابُ اللَّعَانِ(١) الكلامَ في اللعان یَقَعُ في مواضع: في بيان صورة اللعان وكيفيته، وفي بيان صفة اللعان، وفي بيان سبب وجوبه، وفي بيان شرائط الوجوب والجواز، وفي بيان ما يظهر به سبب الوجوب عند القاضي، وفي بيان معنى اللعان وماهيته شرعاً، وفي بيان حكم اللعان، وفي بيان ما يسقط اللعان بعد وجوبه، وفي بيان حكمه إذا سَقَطَ أو لم يجب أصلاً مع وجود القذف. أَمَّا صورة اللعان وكيفيته: فالقذف لا يخلو إما أن يكون بالزنا أو بنفي الولد، فإن كان بالزنا فينبغي للقاضي أن يقيمهما بين يديه متماثلين، فيأمر الزوج أَوَّلاً أن يقول أربع مرات: أَشْهَدُ بالله أَني لمن الصادقين فيما رَمَيْتُهَا به من الزنا، ويقول في [المرة](٢) الخامسة: لعنة الله (١) اللعان لغة مصدر لاعن لعاناً: إذا فعل ما ذكر، أو لعن كل واحد من الاثنين الآخر. قال الأزهري: وأصل اللعن: الطرد، والإبعاد. يقال: لعنه الله، أي: باعده. انظر: لسان العرب ٤٠٤٤/٥، المصباح المنير ٧٦١/٢. واصطلاحاً : عرفه الحنفية بأنه: شهادات مؤكدات بالإيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها . عرفه الشافعية بأنه: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه والحق العارية أو إلى نفي ولد. وسميت هذه الكلمات لعاناً لقول الرجل: ((عَلَيْهِ لَعْنَةُ الله إنْ كَانَ مِنَ الكاذبين)) وإطلاقه في جانب المرأة من مجاز التغليب واختير لفظه دون لفظ الغضب وإن كانا موجودين في اللعان لكون اللعنة مقدمة في الآية، ولأن لعانه قد ينفك عن لعانها ولا ينعكس. عرفه المالكية بأنه: حلف زوج مسلم مكلف على زنا زوجته أو نفي حملها وحلفها على تكذيبه أربعاً. عرفه الحنابلة بأنه: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين مقرونة باللعن والغضب قائمة مقام حد. قذف أو تعذيب أو حد زنا في جانبها . انظر: تبيين الحقائق ١٤/٣، حاشية ابن عابدين ٥٨٥/٢، مغني المحتاج ٣٦٧/٣، الشرح الصغير ٢/ ٢٩٩ والكافي ٦٠٩/٢، كشاف القناع ٣٩٠/٥ والإشراف ١٦٧/٢. (٢) سقط من ط . ٢٥ ٢٦ کتاب اللعان عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، ثم يأمر المرأة أن تقول أَزْبَعَ مرات: أَشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا؛ وتقول في [المرة](١) الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا؛ هكذا ذكر في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يحتاج إلى لفظ المواجهة، فيقول الزوجُ: فيما رميتُكِ به من الزنا، وتقولُ المرأةُ: فيما رَمَيْتَنِي به من الزنا، وهو قولُ زُفَر، ووجهه: أن خطاب المعاينة في احتمال، لأنه يحتملها ويحتمل غيرها، ولا احتمال في خطاب المواجهة، فالإتيان بلفظ لا احتمال فيه أولى. والجواب أنه وقال: أَشْهَدُ بالله إِني لمن الصادقين فيما رميتُها به من الزنا، وأشار إليها فقد زال الاحتمال؛ لتعيينها بالإشارة، فكان لفظ المواجهة والمعاينة فيه سواءً، وإن كان اللعان بنفي الولد، فقد ذكر الكرخي أن الزوج يقولُ في كلِّ مرةٍ: فيما رمَيتُكِ به من نفي ولدك، وتقولُ المرأةُ: فيما رميتني به من نفي ولدي. وَذَكَرِ الطَّحَاوِي أَنَّ الزوجَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرةٍ: فيما رميتها به من الزنا في نفي ولدها، وتقول المرأة: فيما رماني به من الزنا في نفي ولده. وروى هشام عن محمدٍ أنه قال: إذا لاعن الرجلِ بولد، فقال في اللعان: أَشْهَدُ بالله أَني لمن الصادقين فيما رميتُها به من الزنا في نفي ولدها. بأَنَّ هذا الولد ليس مني، وتقول المرأة: أَشْهَدُ إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به من الزنا بأن هذا الولد ليس منك. وَذَكَرِ ابْنُ سَمَاعة عن محمدٍ في نوادِرِهِ أنه قال: إذا نفي الولد يَشْهَدُ بالله الذي لا إله إلا هو إنه لصادق فيما رماها به من الزنا ونفي هذا الولد، قال القدوري: وهذا ليس باختلاف رواية؛ وإنما هو اختلاف حال القذف؛ فإن كان القذف من الزوج بقوله: هذا الولدُ ليس مني، يكتفي في اللعان أن يقول: فيما رميتُكِ به من نفي الولد؛ لأنه ما قذفها إلا بنفي الولد، وإن كان القذف بالزنا ونفي الولد، لا بد من ذكر الأمرين؛ لأنه قذفها بالأمرين جميعاً؛ وإنما بدىء بالرجل لقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ ... ﴾ [النور: ٦] ((والفاء)) للتعقيب، فيقتضي أن يكون لعان الزوج عَقِيب القذف؛ فَيَقَعُ لعان المرأة بعد لعانه. وكذا روي أنه لمَّا نزِلتْ آيَةُ اللعانٍ، وأراد رسولُ اللهِ وَِّ أن يجري اللعان على ذينِكَ الزوجين بَدَأَ بلعانِ الرجلِ وهو قدوةً؛ لأَن لعان الزوج وجب حقّاً لها؛ لأَن الزوج أَلْحَقَ بها (١) سقط من ط . ٢٧ كتاب اللعان العار بالقذفِ، فهي بمطالبتها إياه باللعان تدفع العار عن نَفْسِهَا، ودفعُ العار عن نفسها حَقُّها، وصاحب الحق إذا طالب من عليه الحق بإيفاء حقه لا يجوز له التأخير كمن عليه الدين، فإن أخطأ الحاكم فبدأ بالمرأة ثم بالرجل يَنْبَغِي له أن يعيد اللعان على المرأة؛ لأَن اللعان شهادةٌ، والمرأة بشهادتها تقدحُ في شهادة الزوج، فلا يصحُ قبل وجود شهادته؛ ولهذا في باب الدعاوى يبدأ بشهادة المدعي ثم بشهادة المدعى عليه بطريق الدفع/ له؛ كذا ههنا. ١٢٤ ب فإن لم يعد لعانها حتى فرق بينهما نفذت الفرقة؛ لأن تفريقه صادف محل الاجتهاد؛ لأنه يزعم أن اللعان ليس بشهادة بل هو يمينٌ، ويجوز تقديم إحدى اليمينين على الأخرى؛ كتحالف المتداعيين أنه لا يلزم مراعاة الترتيب فيه، بل يجوز تقديم أحدهما أيهما كان، فكان تفريقه في موضع الاجتهاد فنفذ. والقيامُ ليس بشرط؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لا يضُره قائماً لاعن أو قاعداً؛ لأن اللِّعان إما أن يعتبر فيه معنى الشهادة، وإما أن يعتبر فيه معنى اليمين، أو يعتبر فيه المعنيان جميعاً، والقيامُ ليس بلازم فيهما إلا أنه يندب إليه؛ لأن رَسُولَ اللهِ وَ لّ ندب عاصماً وامرأته إليه، فقال: ((يَا عَاصِمُ، ثُمْ فَاشْهَدْ بَالِه))، وقال لامرأته: ((قُومِي فَاشْهَدِي باللِ))(١)؛ ولأن اللعان من جانبه قائمٌ مقامَ حَدَّ القذف، ومن جانبها قائم مقام حد الزنا، والسَّنةُ في الحدود إقامتُها على الإشهاد والإعلان، والقيامُ أقرب إلى ذلك، والله الموفق. فصل في صفة اللعان وأما صفة اللعان فَلهُ صفاتٌ: منها: أنه واجبٌ عندنا، وقال الشافعي: ليس بواجبٍ؛ إنما الواجبُ على الزوج بقذفها هو الحدُّ إلاَّ أنَّ له أن يخلص نفسه عنه بالبينة أو باللعان، والواجبُ على المرأة إذا لاعن الزوج هو حَدُّ الزنا، ولها أن تخلص نفسها عنه باللعان؛ حتى أن للمرأة أن تخاصمه إلى الحاكم وتطالبه باللعان عندنا، وإذا طالبته يجبره عليه، ولوِ امتنع يُخْبَسُ (١) أخرجه مالك (٥٦٦/٢ - ٥٦٧) كتاب الطلاق: باب ما جاء في اللعان حديث (٣٤) والبخاري (٩/ ٣٦١) كتاب الطلاق: باب من جوز الطلاق الثلاث حديث (٥٢٥٩) ومسلم (١١٢٩/٢ - ١١٣٠) كتاب اللعان حديث (١ / ١٤٩٢) وأبو داود (٦٧٩/٢ - ٦٨٢) كتاب الطلاق: باب في اللعان حديث (٢٢٤٥) والنسائي (١٧٠/٦ - ١٧١) كتاب الطلاق باب بدء اللعان، وابن ماجه (١/ ٦٦٧) كتاب الطلاق: باب اللعان حديث (٢٠٦٦) وأحمد (٣٣٦/٥ - ٣٣٧) والدارمي (١٥٠/٢) كتاب النكاح: باب في اللعان وابن الجارود في (المنتقى)) رقم (٧٥٦) وابن حبان (٤٢٧١ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٢/٣) والبيهقي (٣٩٨/٧ - ٣٩٩) كتاب اللعان: باب سنة اللعان، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٨١/٥ . بتحقيقنا) من طريق الزهري عن سهل بن سعد به. ٢٨ كتاب اللعان لامتناعه عن الواجب عليه؛ كالممتنع من قضاء الدين فيحبس حتى يُلاَعن أو يكذب نفسه؛ وعنده ليس لها ولاية المطالبة باللعان، ولا يجبر عليه ولا يحبس إذا امتنع، بل يقام عليه الحدُّ؛ وكذا إذا التعن الرجلُ تجبر المرأة على اللعان، ولوِ امتنعت تُحبَسُ حتى تلاعن أو تقر بالزنا عندنا، وعنده لا تجبر ولا تحبس، بل يُقام عليها الحدُّ. احتج الشافعي بقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُخْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَأَجلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ... ﴾ [النور: ٤] أوجب - سبحانه وتعالى - الجلد(١) على القاذف من غير فصلٍ بين الزوج وغيره، إلاَّ أن القاذف إذا كان زوجاً له أن يدفع الحد عن نفسه بالبينة إن كانت له بينةٌ، وإن لم تكن له بينة يدفعه باللعان، فكان اللعان مخلّصاً له عن الحدِ. وقوله - تعالى -: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ أنْ تَشْهَد أَرْبَعَ شَهَاداتٍ باللهِ ... ﴾ [النور: ٨] جعل - سبحانه وتعالى - لعانُها دفعاً لحدٌ الزنا عنها؛ إذ الدرءُ هو الدفع لغةً، فدلَّ أن الحدَّ وجب عليها بلعانه ثم تدفعه بلعانها؛ ولأن بلعانه يظهر صدقه في القذف؛ ولأن الظاهر أنه لا يلاعن إلا وأن يكون صادقاً في قذفه، فيجبُ عليها الحدُّ، إلا أن لها أن تخلص نفسها عنه باللعان؛ لأَنها إذا لاعنت وقع التعارض، فلا يظهر صدق الزوج في القذف، فلا يُقام عليها الحدُّ. ولنا: قولهُ - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ أَزْوَاجُهْمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتِ بِاللهِ﴾ [النور: ٦] أي: فليشهد أحدُهم أربعَ شهادات بالله، جعل - سبحانه وتعالى - موجب قذف الزوجات اللعان، فمن أوجب الحد فقد خالف النصّ، ولأَن الحد إنما يجب لظهور كذبه في القذف وبالامتناع من اللعان لا يظهر كذبه؛ إذ ليس كلُّ مَنِ امتنع من الشهادة أو اليمين يظهر كذبُهُ فيه؛ بل يحتمل أنه امتنع منه صوناً لنفسه عن اللعن والغضب؛ [والحدُّ لا يجب](٢) مع الشبهة فكيف يجب مع الاحتمال؛ ولأن الاحتمال من اليمين بدل وإباحة، والإباحة لا تجرى في الحدود، فإنَّ مَنْ أباح للحاكم أن يقيم عليه الحدَّ لا يجوز له أن یقیم . وأما آيةُ القذفِ: فقد قيل أن موجب القذف في الابتداء كان هو الحدُّ في الأجنبيات والزوجات جميعاً، ثم نسخ في الزوجات وجعل موجب قذفهن اللعان بآيةِ اللعان. والدليلُ عليه ما رُوِيَ عَنْ عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: كُنَّا جُلُوساً في المَسْجِدِ ليلةً الجمعةِ، فجاء رجلٌ من الأنصارِ، فقال: يَا رَسُولَ الله، أرأيتُمُ الرجلَ يَجِدُ مع امرأتِهِ رجلاً؛ فإن قَتَلَهُ قتلتموه، وإن تَكَلَّم به جلد تموه، وإنْ أَمْسَكَ أمسك على غَيْظِ، ثم جعل يقولُ: اللَّهُمَّ (١) في أ: الحد. (٢) في أ: والحدود لا تجب. ٢٩ كتاب اللعان افتح، فنزلتْ آيةُ اللعان(١)، دَلَّ قولهُ: ((وإنْ تكلّم به جلدتموه)) على أن موجب قذف الزوجة كان الحدّ قبل نزولٍ آيةِ اللعان، ثم نُسخ في الزوجات بآيةِ اللعان، فينسخ الخاص للتأخر العام المتقدم بقدره؛ هكذا هو مذهبُ عَامَّةِ مشايخنا، وعند الشافعي يُبنى العام على الخاص، ويتبين أن المراد من العام ما وراء قدر الخاص، سواء كان الخاص سابقاً أو لاحقاً، وسواء علم التاريخ وبينهما زمانٌ يصلُحُ للنسخ أو لا يصلح، أو جهل التاريخ بينهما، فلم تكن الزوجات داخلاتٌ تحت آيةِ القذفِ على قولِهِ، فكيف يصحُ احتجاجُهُ بها. وأما قوله - تعالى -: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ﴾ [النور: ٨] فلا حجة له فيه؛ لأن دفع العذاب يقتضي توجه العذاب لا وجوبه؛ لأنه حينئذٍ يكون رفعاً لا دفعاً، على أنه يحتمل/ أن يكون ١٢٥أ المراد من العذاب هو الحبس؛ إذِ الحبسُ يُسَمَّى عذاباً؛ قال الله - تعالى - في قصةِ الهُذْهُدِ : ﴿لِأَعَذْبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [النمل: ٢١] قيل في التفسير: لأحبِسَنَّهُ، وهذا لأن العذاب ينبىء عن معنى المنع في اللغة، يقال: أعذبُ، أي: منع، وأعذب، أي امتنع، يستعملُ لازماً ومتعدياً، ومعنى المنع يُوجَدُ في الحبسٍ، وهذا هو مذهبنا أنها إذا امتنعت من اللعان، تُحبس حتى تلاعن أو تُقِرَّ بالزنا، فيدرأ عنها العذاب وهو الحبس باللعان، فإذن قلنا بموجب الآية الكريمة. ومنها: أنه لا يحتمل العفو والإبراء والصلح؛ لأنه في جانب الزوج قائمٌ مقَامَ حد القذف، وفي جانبها قائمٌ مقامَ حدِّ الزنا، وكلُّ واحدٍ منهما لا يحتمل العفو والإبراء والصلح؛ لما نذكر، إن شاء الله - تعالى - في الحدود. وكذا لو عَفَتْ عنه قبل المرافعةِ أو صالحته على مالٍ، لم يَصِحَّ، وعليها رَدُّ بدل الصلح، ولها أن تطالبه باللعان بعد ذلك؛ كما في قذف الأجنبي. ومنها: أن لا تجري فيه النيابة حتى لو وَكَّلَ أحدُ الزوجين باللعان لا يصحُّ التوكيلُ؛ لما ذكرنا أنه بمنزلة الحدِّ، فلا يحتمل النيابة كسائر الحدود؛ ولأنه شهادةٌ أو يمينٌ، وكلُّ واحدٍ منهما لا يحتمل النيابة، فأما التوكيل بإثبات القذف بالبينة فجائزٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وعند أبي يوسف: لا يجوز، ونذكر المسألةَ في ((كتاب الوكالة))، إن شاء الله - تعالى -. (١) أخرجه مسلم (١١٣٣/٢) كتاب اللعان حديث (١٤٩٥/١٠) وأبو داود (٦٨٥/٢ - ٦٨٦) كتاب الطلاق: باب في اللعان حديث (٢٢٥٣) وابن ماجه (٦٦٩/١) كتاب الطلاق باب اللعان حديث (٢٠٦٨) وأحمد (٤٢١/١ - ٤٢٢) والبيهقي (٤٠٥/٧) كتاب اللعان: باب اللعان على الحمل، من طريق علقمة عن ابن مسعود به . ولهذا الحديث شاهد من حديث أنس. أخرجه مسلم (١١٣٤/٢) كتاب اللعان حديث (١٤٩٦/١١) والنسائي (١٧١/٦ - ١٧٢) كتاب الطلاق: باب اللعان في قذف الرجل زوجته برجل بعينه، وأحمد (١٤٢/٣) من حديث أنس. ٣٠ كتاب اللعان فصل في سبب وجوب اللعان وأما بيانُ سبب وجوب اللعان، فسبب وجوبه: القذفُ بالزنا؛ وأنه نوعان: أحدهما: بغير نفي الولد. والثاني: بنفي الولد، أما الذي بغير نفي الولد، فهو أن يقولَ لامرأتِهِ: يا زانية، أو زَنَّيْتٍ، أو رأيتُكِ تزنين(١)، ولو قال لها: جُومِعْتِ جماعاً حراماً، أو: وُطِئْتِ وَطْئاً حرام، فلا لعان ولا حد؛ لعدم القذف بالزنا، ولو قذفها بعمل قوم لوط فلا لعان ولا حد [في قوّل](٢) أبي حنيفة . وعند أبي يوسف ومحمد يَجِبُ اللعان، بناء على أن هذا الفعل ليس بزنا عنده فلم يوجد القذف بالزنا، وعندهما هو زناً، والمسألةُ تأتي في ((كتاب الحدود)»، إن شاء الله - تعالى -. ولو كان له أربع نسوة، فقذفهن جميعاً بالزنا في كلام واحدٍ، أو قذف كُلَّ واحدةٍ بالزنا بكلام على حِدَةٍّ؛ فإن كان الزوجَ وَهُنَّ من أهل اللعان يلاعنّ في كلٌّ قذف مع كلٌ واحدةٍ على (١) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ عامٌ في كل رَمْي، سواء قال: زنيتٍ أو يا زانية أو رأيتها تزني، أو هذا الولد ليس مني؛ فإن الآية مشتملة عليه. ويجب اللّعان إن لم يأت بأربعة شهداء؛ وهذا قول جمهور العلماء وعامة الفقهاء وجماعة أهل الحديث. وقد روي عن مالك مثل ذلك. وكان مالك يقول: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني؛ أو ينفي حملاً أو ولداً منها. وقول أبي الزناد ويحيى بن سعيد والبَتِّي مثلُ قول مالك: إن الملاعنة لا تجب بالقذف وإنما تجب بالرؤية أو نفي الحمل مع دعوى الاستبراء؛ هذا هو المشهور عند مالك، وقاله ابن القاسم. والصحيح الأول؛ لعموم قوله: ﴿والذِينَ يَرْمُونَ أزواجَهم﴾. قال ابن العربيّ: وظاهر القرآن يكفي لإيجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية؛ فلْتَعَوِّلوا عليه، لا سيما وفي الحديث الصحيح: أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً؟ فقال النبيّ وَلقر: ((فاذهب فأت بها)) ولم يكلفه ذكر الرؤية. وأجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف امرأته. ولو كانت الرؤية من شرط اللعان ما لا عن الأعمى؛ قاله ابن عمر رضي الله عنهما. وقد ذكر ابن القصّار، عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول: لمست فرجة في فرجها. والحجة لمالك ومن اتبعه ما رواه أبو داود عن ابن عباس - رضي الله عنهما . قال: جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تِيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يَهِجْه حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله وَّر فقال: يا رسول الله وَّه إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندهم رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني؛ فكره رسول الله وَلتر ما جاء به واشتدّ عليه؛ فنزلت ﴿والذين يَرْمُونَ أزواجَهم ولم يكن لهم شُهَدَاء إلا أنْفُسُهُمْ﴾ الآية؛ وذكر الحديث. وهو نص على أن الملاعنة التي قضى فيها رسول الله وَّ إنما كانت في الرؤية، فلا يجب أن يُتعدَّى ذلك. ومن قذف امرأته ولم يذكر رؤية حدّ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والذي يَرْمُون المُخْصَناتِ﴾. ينظر: تفسير القرطبي (١٢٤/١٢٣/١٢). (٢) في أ: عند. ٣١ كتاب اللعان حدةٍ؛ لوجود سبب وجوب اللعان في حقٌّ كُلِّ واحدةٍ منهنَّ، وهو القذفُ بالزنا، وإن لم يكن الزوج من أهل اللعان يُحَدَّ حَدَّ القذف، ويكتفي بحد واحدٍ عن الكلِّ؛ لأن حد القذف يتداخل . ولو كان الزوج من أهل اللعان والبعض منهنَّ ليس من أهل اللعان يلاعن منهن من كانت من أهل اللعان لا غير. ولو قال لامرأته: يا زانيةٍ بِنْت الزانيةِ، وجب عليه اللعانُ والحدُّ(١)؛ لأنه قذف زوجته وقذف أمَّها، وَقَذْفُ الزوجةِ يوجب اللعان وقذْفُ الأجنبية يوجب الحدَّ، ثم إنهما إذا اجتمعا على مطالبة الحدِّ بُدِىء بالحدِّ؛ لأجل الأمّ؛ لأن في البداية إسقاط اللعان؛ لأنه يصير محدوداً في القذف، فلم يبقى من أهل الشهادة واللعان شهادة، والأصل أن الحدين إذا اجتمعا - وفي البداية بأحدهما إسقاط الآخر - بدىء بما فيه إسقاط الآخر؛ لقوله وَلَور: ((إدرؤوا الحُدُود مَا اسْتَطَعْتُمْ)) (٢) وقد استطعنا دَرْءَ الحدِّ بهذا الطريق، وإن لم تطالبه الأمُّ وطالبته المرأة، يلاعن بينهما، ويقامُ حَدُّ القذف للأم بعد ذلك إن طالبته به؛ كذا ذكر في ظاهر الرواية. (١) قال ابن العربي: من غريب أمر هذا الرجل أنه قال إذا قذف زوجته وأمّها بالزنى: إنه إن حدّ للأم سقط حدّ البنت، وإن لاعن للبنت لم يسقط حدّ الأم؛ وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم فيه شيئاً يُحكى، وهذا باطل جدًّا؛ فإنه خصّ عموم الآية في البنت، وهي زوجة بحد الأم من غير أثر، ولا أصل قاسه عليه. ينظر: تفسير القرطبي (١٢٦/١٢). (٢) ورد هذا الحديث بلفظ ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)) وقد أخرجه بهذا اللفظ أبو محمد البخاري في ((مسند أبي حنيفة)) كما في ((جامع المسانيد)) (١٨٣/٢) للخوارزمي، عن أبي سعيد بن جعفر عن يحيى بن فروخ عن محمد بن بشر عن الإمام أبي حنيفة عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله يوليو: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)». وأبو سعيد بن جعفر: هو أباء بن جعفر. قال الذهبي في ((المغني)) (٦/١) رقم (٤): أبان بن جعفر عن محمد بن إسماعيل الصائغ كذاب. كذا قال أبان والصواب أباء كما في ((اللسان)) كما سيأتي. قال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان» (٢١/١): روى محمد بن إسماعيل الصائغ، أورده الذهبي في ذيل الضعفاء فقال كذاب كذا أورده تبعاً للبناني في ((الحافل ذيل الكامل)) فإنه أورده ونقل عن ابن حبان أنه قال: رأيته وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث مما لم يحدث به أبو حنيفة قط. قلت - أي الحافظ - كذا سماه ابن حبان وصحفه وإنما هو أباء بهمزة لا بنون. اهـ. قلت: ويبدو أن للحديث طريق آخر عن ابن عباس فقد رأيت الحافظ السيوطي ذكره في ((الجامع الصغير)) رقم (٣١٤) بلفظ: ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى. وعزاه لابن عدي في ((جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة)) عن ابن عباس قال الحافظ ابن حجر في (تخريج أحاديث المختصر)) (١/ ٤٤٧): وقد وجدت خبر ابن عباس في موضع آخر ذكره شيخنا الحافظ أبو الفضل - هو العراقي - رحمه الله في شرح الترمذي قال: وأما حديث ابن عباس فرواه أبو أحمد بن = ٣٢ كتاب اللعان عدي في جزء خرجه من حديث أهل مصر والجزيرة من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن عكرمة = عن ابن عباس عن النبي ◌َ لو قال: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد)). وهذا الإسناد إن كان من بين ابن عدي وابن لهيعة مقبولين فهو حسن ا هـ والحديث بهذا اللفظ له شاهد موقوف وآخر مرسل. - أما الشاهد الموقوف فهو عن عبد الله بن مسعود أخرجه مسدد في مسنده كما في «المطالب العالية)) (١٨٠٦) و((تخريج المختصر)) (٤٤٣/١) كلاهما لابن حجر . .. قال مسدد: ثنا يحيى القطان عن شعبة عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: ادرؤوا الحد بالشبهة . قال الحافظ في ((تخريج المختصر)) (٤٤٣/١): وهذا موقوف حسن الإسناد قال المناوي في ((فيض القدير)) (٢٢٨/١): وبه يرد قول السخاوي طرقه كلها ضعيفة، نعم أطلق الذهبي على الحديث الضعف ولعل مراده المرفوع ١ هـ. - أما الشاهد المرسل فهو لعمر بن عبد العزيز أخرجه أبو مسلم الكجي وابن السمعاني في ((ذيل تاريخ بغداد)) كما في ((الجامع الصغير)) (٣١٤) و((المقاصد الحسنة)) (٤٦) من طريق أبي منصور محمد بن أحمد بن الحسين بن النديم الفارسي ثنا جناح بن نذير ثنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن النديم الفارسي ثنا جناح بن نذير ثنا أبو عبد الله بن بطة العكبري ثنا أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الصمد ثنا محمد بن أبي بكر المقدسي ثنا محمد بن علي الشامي ثنا أبو عمران الجوني عن عمر بن عبد العزيز فذكر قصة طويلة فيها: قصة شيخ وجدوه سكران فأقام عمر عليه الحد ثمانين فلما فرغ قال: يا عمر ظلمتني فإنني عبد فاغتم عمر ثم قال: إذا رأيتم مثل هذا في هيئته وسمته وأدبه فاحملوه على الشبهة فإن رسول الله اله قال: ادرؤوا الحدود بالشبهة . قال السخاوي: قال شيخنا - أي ابن حجر - وفي سنده من لم يعرف ا هـ والحديث ذكره الزيلعي في (نصب الراية)) (٣٣٣/٣) وقال: غريب بهذا اللفظ وذكر أنه في ((الخلافيات)) للبيهقي عن علي وفي ((مسند أبي حنيفة)) عن ابن عباس ا هـ. وقد حسن السيوطي في ((الجامع الصغير)) رقم (٣١٤) حديث ابن عباس وموقوف ابن مسعود ومرسل عمر بن عبد العزيز بمجموعها . وفي الباب عن عائشة وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة. - حديث عائشة أخرجه الترمذي (٣٣/٤) كتاب الحدود: باب ما جاء في ((درء الحدود)) حديث (١٤٢٤) والدار قطني (٣/ ٨٤) كتاب الحدود والديات حديث (٨) والحاكم (٣٨٤/٤) كتاب الحدود، والبيهقي (٢٣٨/٨) كتاب الحدود باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٣١/٥) كلهم من طريق يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله وَطور: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)). = ٣٣ كتاب اللعان وذكر الطحاوي أنه لا يُقام الحدُّ للأم بعد اللعان، وهذا غير سديدٍ؛ لأن المانع من إقامة اللعان في المسألة الأولى هو خروج الزرج من أهلية اللعان لصيرورته محدوداً في القذف، ولم يوجد ههنا. وكذلك لو كانت أُمُها ميتةً، فقال لها: يا زانية بنت الزانية، كان لها المطالبة والخصومة في القذفين؛ لوجوب اللعان والحد، ثم إن خاصمته في القذفين جميعاً، يُبْدَأُ بالحد، فيحد للأم حَدَّ القذف؛ لما فيه من إسقاط اللعان، وإن لم تخاصم في قذف أمها ولكنها خاصمت في قذف نفسها، يلاعن بينهما ويُحَدُّ للأم لما ذكرنا؛ وكذلك الرجل إذا قذف أجنبية بالزنا، ثم تزوجها وقذفها بالزنا بعد التزوج، وَجَبَ عليه الحد واللعان، لوجود سبب وجوب كلِّ واحدٍ منهما، ثم إن خاصمته في القذفين جميعاً يبدأ بحد القذف حتى يسقط اللعان، ولو لم تخاصم وقال الترمذي: ((هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي = عن الزهري ويزيد بن زياد ضعيف في الحديث ورواه وكيع عن يزيد بن زياد ولم يرفعه وهو أصح ... )) ١ هـ. وقال في ((العلل الكبير)) (ص ـ ٢٢٨) رقم (٤٠٩، ٤١٠): سألت محمداً عن هذا الحديث؟فقال: يزيد بن زياد الدمشقي منكر الحديث ذاهب ا. هـ أما الحاكم فقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فرده الذهبي بقوله: قال النسائي يزيد بن زياد شامي متروك. وقال البيهقي: تفرد به يزيد بن زياد الشامي عن الزهري وفيه ضعف ورواه رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهري مرفوعاً ورشدين ضعيف أ هـ. - حديث علي أخرجه الدارقطني (٨٤/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٩) والبيهقي (٢٣٨/٨) كتاب الحدود: باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات، كلاهما من طريق مختار التمار عن أبي مطر عن علي قال: سمعت رسول اللّه ◌َل يقول: ادرؤوا الحدود. قال البيهقي: في هذا الإسناد ضعف. مختار التمار ضعيف ينظر نصب الراية (٣٠٩/٣). وأبو مطر مجهول لا يعرف قاله أبو حاتم ينظر الجرح والتعديل (٤٤٥/٩). ٢ - حديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٥٠) كتاب الحدود: باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات حديث (٢٥٤٥) وأبو يعلى (٤٩٤/١١) رقم (٦٦١٨) كلاهما من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َّ: ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً. ولفظ أبي يعلى: ادرؤوا الحدود ما استطعتم. قال البوصيري في الزوائد (٣٠٣/٢): هذا إسناد ضعيف إبراهيم بن الفضل المخزومي ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي والأزدي والدارقطني ا هـ. وقال الحافظ في ((تخريج المختصر)) (٤٤٣/١): غريب وإبراهيم بن الفضل مدني ضعيف. بدائع الصنائع ج٥ - م٣ ٣٤ كتاب اللعان في حد القذف وخاصمت في اللعان يلاعن بينهما، ثم إذا خاصمت في الحد يحد؛ لما قلنا، والله أعلم. وأما الذي ينفي الولد فهو (١) أن يقولَ لامرأتِهِ: هذا الولد مِنَ الزنا، أو يقول: هذا الوَلَدُ ليس منّي، فإن قيل قوله: هذا الولد ليس مني، لا يكون قذفاً لها بالزنا؛ لجواز ألا يكون ابنه، ١٢٥ ب بل يكون ابن غيره ولا تكون هي زانية؛ بأن كانت/ وطئت بشبهة، فالجواب: نعم، هذا الاحتمال ثابتٌ لكنه ساقطُ الاعتبار بالإجماع؛ لأنَّ الأُمَّةَ أجمعت على أنه إن نفاه عن الأبِ المشهور، بأن قال له: لستُ بأبيك، يكون قاذفاً لأمّه حتى يلزمه حَدُّ القذف مع وجودٍ هذا الاحتمال . ولو جاءت زوجتُهُ بولدٍ فقال لها: لم تلديه، لم يجب اللعان لعدم القذف؛ لأنه أنكر الولادة، وإنكارُ الولادة لا يكون قذفاً؛ فإن أقَّر بالولادةٍ، أو شهدتِ القَابِلَةُ على الولادة، ثم قال بعد ذلك: ليس بابني، وجب اللعان لوجودِ القذفٍ، ولو قال لامراته وهي حامل: ليس هذا الحملُ منِّي، لم يجبِ اللعانُ في قولٍ أبي حنيفة؛ لعدم القذف بنفي الولد. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إنْ جاءت بولد لأَفَّلْ من ستة أشهر من وقت القذف وجب اللعان، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهرٍ - لم يجب. وجه قولهما: أنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت القذف فقد تيقنا بوجوده في البطن وقت القذف؛ ولهذا لو أوصى لحمل امرأتِهِ فجاءت به لأَقل من ستة أشهر، استحقَّ الوصيةَ، وإذا تَيَقَّنَا بوجوده وقتَ النفي، كان محتملاً للنفي؛ إذ الحمل تتعلق به الأحكام، فإنَّ الجاريةَ تُرَدُّ على بائعها، ويجب للمعتدة النفقة لأجل حملها، فإذا نفاه يلاعن، فإذا جاءت به لأكثر من ستة أشهر فلم تتيقن بوجوده عند القذف لاحتمال أنه [حمل](٢) حادث؛ ولهذا لا تستحق الوصية . ولأبي حنيفة: أن القذف الحمل لو صحَّ إما أن يصح باعتبار الحال أو باعتبار الثاني، لا وجه للأول؛ لأنه لا يعلم وجوده للحال؛ لجواز أنه ريح لا حمل ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه يصير في معنى التعليق بالشرط؛ كأنه قال: إنْ كنتِ حاملاً فأنتِ زانيةٌ، والقذفُ لا يحتملُ التعليقَ بالشرطِ، بخلاف الردّ بعيب الحبلِ؛ لأنه يمكن القول بالردّ على اعتبار الحال لوجود العيب ظاهراً، أو احتمالُ الريح خلاف الظاهر، فلا يورث إلا شبهة، والردُّ بالعيب لا يمتنع بالشبهات بخلاف القذف، والنفقة لا يختص وجوبها بالحمل عندنا، فإنها تجب لغير الحامل (١) في أ: نحو. (٢) سقط من ط . ٣٥ كتاب اللعان ولا يقطع نسب (١) الحمل قبل الولادة بلا خلاف بَيْنَ أصحابِنًا (٢). وأما عند أبي حنيفة فظاهرٌ؛ لأنه لا يلاعن وقطع النسب من أحكام اللعان، وأمَّا عندهما فلأن الأحكام إنما تثبت للولد لا للحمل؛ وإنما يُستحقُّ اسمَ الولدِ بالانفصال، ولهذا لا يستحق الميراث والوصية إلا بعد الانفصالَ. وعند الشافعي: يلاعن ويقطع نسب الحمل. واحتج بما رُوِي أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ، لاَعَنَ بَيْنَ هلال بن أمية وبين امرأته وهي حاملٌ، وأَلْحَقَ الولد بها(٣)، فدَّل أَنَّ القذفَ بالحمل يوجب اللعان وقطع نسب الحمل، ولا حجة له فيه؛ لأَنَّ هلالاً لم يقذفْها بالحملِ، بل بصريح الزنا وذكر الحمل، وبه نقولُ إن من قال لزوجته: زنيت وأنت حاملٌ، يلاعن؛ لأنه لم يعلق القذف بالشرط. وأما قطع النسب فلأن رسولَ الله وَّ علم عن طريق الوحي أن هناك ولداً؛ أَلاَ تَرَى أنه قال وَالر، إن جاءت به على صفةٍ كذا فهو لكذا، وإن جاءت به على صفة كذا فهو لكذا(٤)، ولا يعلم ذلك إلا بالوحي، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك، فلا ينفى الولد، والله الموفق. (١) في أ: لا تنقطع بسبب. (٢) قال القرطبي إذا نفي الحمل فإنه يلتعن؛ لأنه أقوى من الرؤية، ولا بدّ من ذكر عدم الوطء والاستبراء بعده. واختلف علماؤنا في الاستبراء؛ فقال المغيرة ومالك في أحد قوليهما: يجزي في ذلك خَيْضة. وقال مالك أيضاً: لا ينفيه إلا بثلاث حِيّض. والصحيح الأوّل؛ لأن براءة الرحم من الشَّغل يقع بها كما في استبراء الأمة، وإنما راعَيْنا الثلاث حِيض في العدد، لحكم آخر يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى. وحكى اللَّخْمِيّ، عن مالك أنه قال مرة: لا يُنْفَى الولد بالاستبراء؛ لأن الحيض يأتي على الحمل، وبه قال أشهب في كتاب ابن الموّاز. ينظر: تفسير القرطبي (١٢/ ١٢٤). (٣) أخرجه أبو داود (٦٨٨/٢) كتاب الطلاق: باب في اللعان حديث (٢٢٥٦) وأحمد (٢٣٨/١ - ٢٣٩) والطيالسي (٣١٩/١ - منحة) رقم (١٦٢٠) والطبري في ((تفسيره)) (٦٥/١٨ - ٦٦) والبيهقي (٣٩٤/٧) كتاب اللعان، باب الزوج يقذف امرأته، كلهم من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس وفيه فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ◌َّي ما جاء به واشتد عليه فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾. والحديث ذكره السيوطي: في ((الدر المنثور)) (٤٣/٥) وعزاه إلى أحمد وعبد الرزاق والطيالسي وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس. (٤) ينظر الحديث السابق. ٣٦ كتاب اللعان فصل في شرائط الوجوب والجواز وأما شرائط وجوب اللعان وجوازه فأنواع، بعضُها يرجع إلى القاذف خَاصَّة، وبعضُها يرجع إلى المقذوف خاصة، وبعضها يرجع إليهما جميعاً، وبعضُها يرجع إلى المقذوف به، وبعضُها يرجع إلى المقذوف فيه، وبعضُها يرجع إلى نفس القذف. أما الذي يرجعُ إلى القاذف خاصَّةً فواحد: وهو عدمُ إقامة البينة؛ لأنَّ الله - تعالى - شرط ذلك في آية اللعان بقولِهِ - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله ... ﴾ [النور: ٦] الآية حتى لو أقام أربعة من الشهود على المرأةِ بالزنا، لا يثبت اللعان ويقامُ عليها حد الزنا؛ لأنه قد ظهر زناها بشهادةِ الشهود، ولو شهد أربعة أحدهم الزوج - فإن لم يكن من الزوج قذفٌ قبل ذلك - تُقبل شهادتهم، ويقام عليها الحدُّ عندنا. وعند الشافعي لا تُقبل شهادة الزوجِ عليها(١). وجهُ قولِ الشافعي: أنَّ الزوج مُتَّهَمٌ في شهادته، لاحتمال أنه حمله الغيظُ على ذلك، ولا شهادة للمتهم على لسانِ رسولِ الله ◌ِّ﴾(٢)؛ ولأنه يدفع المغرم عن نفسه وهو اللعان، ولا شهادة الدافع المغرم على لسانِ رسولِ الله وَ﴾(٣). ولنا: أَنَّ شهادته بالقبول أَولَى من شهادة الأجنبي؛ لأنها أبعد من التهمة؛ إذ العادة أَنَّ الرجلَ يَسْتُرُ على امرأتِهِ ما يلحقُهُ به شينٌ، فلم يكن متهماً في شهادته فتقبل؛ كشهادة الوالد على ولده. وقوله: أن يدفع المغرم عن نفسه بهذه الشهادة ممنوع؛ فإنه لم يسبق من قذفٌ يوجب اللعان، فإنه لم يسبق هذه الشهادة قذف ليدفع اللعان بها، فصار كشهادة الأجنبي، فإنها تقبل ١٢٦ أ ولا تجعل/ دافعاً للحد عن نفسه؛ كذا هذا. (١) إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى أحدهم زوجها - فإن الزوج يلاعن، وتُحَذ الشهود الثلاثة؛ وهو أحد قولي الشافعيّ. والقول الثاني: أنهم لا يحذّون. وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج والثلاثة ابتداءً - قبلت شهادتهم، وحُدّت المرأة، ودليلنا قوله - تعالى: ﴿والذِينَ يَزْمُون المحصنات) الآية. فأخبر أن من قذف محصناً، ولم يأت بأربعة شهداء - حُدْ؛ فظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سوى الرامي، والزوج رامٍ لزوجته؛ فخرج عن أن يكون أحد الشهود. ينظر: تفسير القرطبي (١٢٦/١٢). (٢) سيأتي في الشهادات. (٣) سيأتي في الشهادات. ٣٧ كتاب اللعان وإن كان الزوج قذفها أولاً ثم جاء بثلاثة سواه، فَشَهِدُوا، فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّون، وعلى الزوج اللعان؛ لأنه لما سبق منه القذف فقد وجب عليه اللعان، فهو بشهادته (جعل)(١) دافعاً للضرر عن نفسه، فلا تُقبل شهادتُهُ، والزنا لا يثبت بشهادة ثلاثة فصاروا قَذَفَةً فَيَحُدُّون حَدَّ القذف، ويلاعن الزوج لقذف زوجته؛ فإن جاء هو وثلاثة شَهِدُوا أَنها قد زنت فلم يعدلوا فلا حد عليها؛ لأنَّ زناها لم يثبت إلا بشهادة الفساق ولا حد عليهم؛ لأن الفاسق من أهل الشهادة. ألا ترى أن الله - تعالى - أمر بالتوقيف في بيانه، فقد وجد إتيان أربعة شهداء، فكيف يجب عليهم الحد ولا لعان على الزوج؛ لأنه شاهدٌ وليسٍ بقاذف، فإن شهدوا معه ثلاثة عُمِيٍّ، ◌ُدَّ وحُدُّوا، أي: يلاعن الزوج ويحدُّون حد القذف؛ لأن العميان لا شهادة لهم قطعاً، فلم يكن قولهم حجة أصلاً، فكانوا قَذَفَةً فيحدُّون حَدَّ القذف، ويلاعن الزوج؛ لأن قذف الزوج يوجب اللعان إذا لم يأت بأربعة شهداء، ولم يأت بهم. وأما الذي يَرْجِعُ إلى المقذوف خاصة فشيئان. أحدهما: إنكارها وجود الزنا منها حتى لو أقرت بذلك لا يجب اللعان ويلزمها حد الزنا، وهو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجمُ إن كانت محصنة؛ لظهورِ زناها بإقرارها. والثاني: عقَّتُهَا عن الزنا، فإن لم تكن عفيفةً لا يجب اللعان بقذفها؛ كما لا يجبُ الحدّ في قذف الأجنبية إذا لم تَكُنْ عفيفةً؛ لأنه إذا لم تكن عفيفة فقد صدقته بفعلها فصار كما لوصدقته بقولها، ولما نذكر في ((كتاب الحدود))، ونذكر تفسير العفة(٢) عن الزنا فيه، إن شاء الله - تعالى -. (١) في أ: حصل. (٢) قَالَ صَاحِبُ «لِسَانِ الْعَرَبِ)»: العفة: الكف عما لا يحل ويجمل: عف عن المحارم والأطماع الدَّنِيَّةِ يعف عنةً، وعفًّا، وعفافاً، وعفافةً، فهو عفيف وَعَفَّ أي: كف، وتعفف، واستعفف وأعفه الله، وفي التنزيل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُوَن نِكَاحاً﴾ فَسَّرَهُ ثعلب فقال: ليضبط نفسه بمثل الصوم، وفي الحديث ((مَنْ يَسْتَعْفِفْ يَعِفُّهُ الله)) أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها. وقيل: الاستعفاف الصبر، والنزاهة عن الشيء ومنه الحديث «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعِفَّة وَالْغِنَى الخ ... )). وعرف علماء الأخلاق فضيلة العفة بتعاريف متعددة مختلفة أهما ما يأتي : أولاً - عرفها حجة الإسلام الغزالي فقال: هي تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع. ثانياً - عرفها محيي الدين بن العربي: بأنها ضَبْطُ النَّفْسِ عن الشهوات وفسرها على الاكتفاء بما يقيم الجسد، ويحفظ صحته. وَالَّذِي أجمع على هذين التعريفين قَصَرَ العفة على شهوات البدن فقط، مع أنها تتناول ملاذ الروح أيضاً . = ٣٨ كتاب اللعان . تقدم أنَّ العِفَّةَ لغة. كَفِّ النّفْسِ عن القبيح، وتسمى ضبط النفس أيضاً، وأنها في عرف أهل الْفَنُّ تنحصر في خضوع الشهوة مطلقاً، والغضب إلى حد ما للعقل، فهي وسط بين رذيلتين هما الشَّرَهُ، والجمود. فأما الشره، فهو الاندفاع في اللذات، والخروج فيها عما ينبغي وأما الجمود: فهو ركود النفس وسكونها عن تطلب جميل اللذات التي يحتاج إليها البدن في صلاح حاله، وضرورات بقائه، فكل من الشره والجمود رذيلة، لأن كلا منهما طرف للوسط (العفة) وكل منهما مذموم؛ لأنه خروج بالإنسان من طبعه إلى حيث يهيم على وجهه في كل سبيل، ويركب رأسه إلى كل لذة، ولا يقف في طريقه قانون، ولا یزجره عقل ولا یعصمه دين. أو يقف مكتوف أمام كل لذة يرضاها العقل، ويقرها الدين؛ فيقطع بذلك سلسلة الحياة التي وصلت إليه حلقاتها بمن قبله، لأن خلقه أصبحت عقيمة بتراء لا تتصل بشيء بعدها، وإن اتصلت بمن قبلها، ففي كل من الشره والجمود قضاء على الفرد والمجتمع. وفي التوسط والاعتدال سعادتهما وصلاحهما. فلا يعتبر الشخص عفيفاً، ولا معتدلاً إذا حملة شهوة بطنه على الإكثار من الأطعمة والتفنن في ألوان المائدة، حتى يفقد ثروته، ثم يمد يده إلى الاستدانة، وسؤال الناس أعطوه أو منعوه، وما كان أغناه عن ذلك لو اعتدل في طعامه، وعف في أكله، بل يعتبر مثل هذا شَرَهاً سَاقِطاً بالرذيلة فيجب أن يعتدل الإنسان، حتى في مواطن الخبر المحضة، ليبقى حافظاً للكرامة مستبقياً ماء وَجْههِ مؤدّياً كل ما يلزمه من الواجبات. وعلى كل فإن مجاوزة الخير الوسط، ولو في مباح اللذات هَادِمٍ للفضيلة التي هي العفة، مسقط في الرذيلة، سواء أكانت مجاوزة الحد إلى الزيادة، والإفراط، أم نزولاً عنه إلى النقص والتفريط. فالعفة هي: دواء النفوس الذي لا يغني عنه سواه، فإذا تعهد الإنسان نفسه بهذا الأدب وألزمها السير عليه فقد سعد السعادة العظمى، وبلغ منتهى الكمال، وأما إذا غلبته شهواته فقد شقي شقة الأبد، وهلك مع الهالكين، لأن العفة تستوجب أن يكون المرء أمير نفسه يتحكم فيها بعقله، ويلزمها أمر ربه، فيتصرف في ميوله، وشهواته تصرف القائد المطاع بجنده، والراعي بماشيته لا تعصي له أمراً، ولا تستخف له رأياً . فإن تَمَّ له ذلك فهو عفيف، ومعتدل، وإلاَّ فهو عديم الاعتدال، سَاقِط بالرذيلة. فقد شبه العلماء ضابط نفسه بالماء والنار خلقهما الله؛ لانتفاعنا، وقضاء حوائجنا، وحفظ حياتنا، فمن ألقي بنفسه في الماء غرق، أو في النَّار حُرِقَ، فالشهوة كالماء، والنار كالغضب. إذا لم يستعملا بالحكمة، ولم يوقفا عند المصلحة - كانا وسيلتي شرِّ، والتي تدمیر. فامتلاك زمام الشهوة، والغضب سبيل السعادة، وملاك مكارم الأخلاق، وأساس الحياة الأدبية. فليست العفة فضيلة واحدة، ولكنها الفضائل مجتمعة والآداب متآلفة. قال بعض الحكماء: العفة والأمانة قبل كل شيء أساس الحياة الأدبية وشرط وجودها. وقال آخر: إن النجاح في العمل، وفي الحياة يتوقف على العِفَّةِ، وتهذيب النفس، والحلم. فَإِنَّهُنَّ الصفات تكسب صاحبها السيادة على نفسه وعلى غيره؛ لأنها تمهد له سبل الحياة، وتفتح له الأبواب المُؤْصَدَة وأما العفة في الإسلام. فالباحث في دين الإسلام - يرى أنه إذا دعا إلى فضيلة، أو ندب إلى خير - شرع له من الأحكام ما يضمن نفاذه، وهيأ له من النظم ما يشبه أن يكون سياجاً، بغية عبث العابثين، وحاطه بأمور تجعله ميسور التنفيذ، مقدور العمل منساقاً إليه بدافع وقوة حتى كأنه اضطراري، لا اختياري، فهو في كل غرض من أغراضه . = ٣٩ كتاب اللعان ١ وكل حكم من أحكامه يشبه أن يقول للناس: كونوا كما أريد؛ فيكونون كذلك ويتتبع آي الكتاب العزيز = - نجده تارة يذكر العفة باسمها، وتارة بمسماها، وآونة يحارب الرَّذائل المتولدة عن أطرافها وأحياناً يحرم أسباب الرذائل ووسائلها . (الأبضاع وأحكامها) - آي القرآن الكريم - سورة النساء: قال الله تعالى: ﴿وَالَّلاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَّ يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ . يحكم الله - تعالى - على المرأة إذا أتت جريمة الزنا، وثبت ذلك عليها أن تحبس في البيت إلى الموت، أو إلى أن يبين لها حكماً آخر، وكان التشريع هكذا في بدىء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وأصل الفاحشة كل ما فحش، ولكن الشريعة خصتها بجرائم الفرج خاصة؛ كالزنا واللواط؛ لأنها غاية في القبح، ونهاية في الشناعة، وقد بين الله - تعالى - حكم الرجال في الآية بعدها؛ قال - تعالى - في سورة النساء: ﴿وَاللَّذَانِ يأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَأَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . لما كان الرجال لا بد لهم من العمل، ولا سبيل لحبسهم - أوجب إيذاءهم إذا أتوا هذه الفاحشة بما يراه الإمام رادعاً لهم. وكأن هذا كسابقه، ونسخ بعد ذلك، واستقر أخيراً. الجلد للبكر، والرجم للثيب. سورة الأعراف: قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بهِ سُلْطَّاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْمَلُونَ﴾. انظر كيف بدأ بتحريم الفاحشة بهذا الأسلوب الشديد، وعمم فيها ما ظهر، وما بطن، وقرنها بكبائر الذنوب، كالشرك الذي يغفر الله كل ذنب دونه، والبغي، وافتراء عليه سبحانه. سورة الأعراف: قال الله تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةٌ مِنْ دُوَنِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . تلك مواعظ نبي الله لوط لقومه التي وعظهم بها؛ فلم يتعظوا؛ فأخذهم العذاب، وقد سبقت هذه الحادثة في مواضع، من الكتاب العزيز؛ ذكرى لمن يأتي بمثل ما أتوا من إتيان الذكور دون النساء خصوصاً إذا تبين أن قوم لوط استأصلهم العذاب الذي لا يبعد عن أمثالهم. سورة هود: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةٌ مِنْ سّجِّيلِ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةٌ عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدِ﴾ . جعل عالي قراهم سافلها، وأمطرهم حجارة أهلكتهم، وهن الحجارة قريبة الوقوع بكل ظالم لنفسه، عدوٍ لها يقضي عليها بالفاحشة، ويدنسها بالفجور ... سورة النور: قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِيِنِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. بين حكم كل من الزاني والزانية وهو الجلد مائة، مع بيان أن الرأفة في تنفيذه تنافي الإيمان الصحيح؛ فلا ج ٤٠ كتاب اللعان ينبغي أن تكون. وأمر آخر فيه تغليظ للعقوبة، وهي: أن يكون الجلد علناً على رؤوس الأشهاد، وربما = كانت هذه أشد على كثير من الناس من العقوبة نفسها . سورة النور: قال الله تعالى : ﴿الزَّانِي لَ يَنْكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكْ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾ . وتلك عقوبة أخرى أنكى في الردع وأقسى في الزجر، وهي: ألا يتزوج الزانية مؤمن، ولا الزاني مؤمنة. سورة النور: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بَأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلُدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةٌ أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . هذا حكم القذف، أي: الرمي بالزنا، فمن رمى به غيره، ولم يقم على دعواه بينة - جلد ثمانين جلدة؛ ليعف الناس بألسنتهم عن ذكر الفاحشة؛ فلا يذكرها، ولا يفكر فيها أحد. سورة النور: قال الله تعالى : ﴿وَلْيَسْتَغْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾. سورة النور أيضاً: قال الله تعالى : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّلاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرْجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . أمر في الأولى القادرين على مضاجعة النساء العاجزين عن تكاليف الزوجية أن يعفوا عن الفحشاء إلى أن ييسر الله لهم الغنى. ورخص في الثانية للنساء القواعد اللاتي ضعفن، لكبرهن عن العمل أن يطرحن في بيوتهن زائد الشباب، كالبرقع والملاءة مثلاً، أما ما عدا ذلك فلا وإطراح الزائد مشروط بإقامتهن في البيوت، مع عدم إظهار الزينة بذلك، ثم تصح - تعالى - لهن بالتزام العفة، لأنها خير وكمال. السنة. والآثار: روى البخاري ومسلم أن النبي وَلي قال: ((لَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنُ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمَّرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)). وروى أبو داود، عن النبي ◌َالغر: (إِذَا زَنَا الرَّجُلُ - خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ؛ فَكَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَةِ فَإِذَا أَقْلَعَ - رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ)). وفي هذا تصريح بأن عودة الإيمان بالتوبة. وفي الحديث أيضاً: (لاَّ أَحَدَ أَغْيَرُ من الله مِنَ أَجْلٍ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)). والغيرة على الحريم في الرجال كمال المروءة، وعنوان الشهامة، وبرهان الشرف. ومن فقد غيرته - فقد مروءته وشرفه وعرضه ودينه، بل فقد رجوليته، وإنسانيته. وليس كل غيرة تحمد، بل منها ما يحمد، ومنها ما يذم. قال رسول الله وَلخر: ((إِنَّ مِنَ الْغِيرةِ مَا يُحِبُّهَا الله وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهَا الله فالَّتِي يَبْغَضُهَا: الْغَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ)). =