Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقال البزار: لا نعلم رواه عن عطاء إلا طلحة بن عمرو وهو وإن روى عنه جماعة فليس بالقوي. = قال البوصيري في الزوائد (٣٦٦/٢): هذا إسناد ضعيف طلحة بن عمرو الحضر من المكي ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري وأبو داود والنسائي والبزار والعجلي والدارقطني وأبو أحمد الحاکم وغيرهم أ هـ. وفي الباب عن أبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأبي بكر الصديق وخالد بن عبيد. - حديث أبي الدرداء أخرجه أحمد (٦ /٤٤١) والبزار (٢/ ١٣٩ - كشف) رقم (١٣٨٢) وأبو نعيم في «الحلية)) (١٠٤/٦) كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ قال: إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم. قال البزار: وقد روي هذا الحديث من غير وجه وأعلى من رواه أبو الدرداء ولا نعلم له عنه طريقاً غير هذه الطريق وأبو بكر بن أبي مريم وضمرة معروفان وقد احتمل حديثهما وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢١٥/٤) وقال: رواه أحمد البزار والطبراني وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط. ۔ حديث معاذ. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد)) (٢١٥/٤) والدارقطني (١٥٠/٤) كتاب الوصايا حديث (٣) كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش ثنا عتبة بن حميد الضبي عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل أن النبي وَّ قال: إن الله عز وجل تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم. والحديث ضعفه الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)) (٩١/٣) فقال: وفيه إسماعيل بن عياش عن عتبة بن حميد وهما ضعيفان أ هـ. أما عتبة بن حميد فمختلف فيه فقد وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٥/٤): رواه الطبراني وفيه عقبة بن حميد الضبي - كذا في المجمع والصواب عتبة - وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أحمد)) أهـ. أما إسماعيل بن عياش فهو ليس بضعيف مطلقاً بل في روايته عن غير أهل بلده وشيخه في هذا الحديث ليس من أهل بلده. وهذا الحديث قد رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٠٠/١١) رقم (١٠٩٦٤) ثنا عبد الأعلى عن برد عن مكحول عن معاذ بن جبل موقوفاً عليه. حديث أبي بكر الصديق. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٨٦/٢) والعقيلي في ((الضعفاء)) عن مكحول عن الصنابحي أنه سمع أبا بكر الصديق يقول: سمعت رسول الله وَلوهو يقول: إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم رحمة لكم وزيادة في أعمالك وحسناتكم. وأسند ابن عدي عن النسائي قوله: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة وأخاف أن يكون ضعيفاً كما ذكره النسائي. ٥٠٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ أموالكم زيادة على أعمالكم، أخبر عن منة الله تعالى على عباده، أنه استبقى لهم الملك في ثلث أموالهم؛ ليكون وسيلة إلى الزيادة في أعمالهم (١) بالصرف إلى وجوه الخير؛ لأن مثل هذا الكلام يخرج مخرج الإخبار عن المنة، وآخر أعمارهم مرض الموت، فدل على زوال ملكهم عن الثلثين؛ إذ لو لم يزل لم يكن ليمن عليهم بالتصدق بالثلث بل بالثلثين؛ إذ الحكيم في موضع بيان المنة، لا يترك أعلى المنتين ويذكر أدناهما، وإذا زال ملكه عن الثلثين يؤول(٢) إلى ورثته؛ لأنهم أقرب الناس إليه، فيرضى بالزوال إليهم لرجوع معنى الملك إليه بالدعاء والصدقة، أنواع الخير بخلاف الأحاديث(٣). وأما إجماع الصحابة : - رضي الله تعالى عنهم - فإنه روي عن أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في مرض موته لعائشة - رضي الله تعالى عنها -: ((إِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جِدَادَ عِشْرِينَ وسقاً مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ، وَإِنَّكِ لَمْ تَكُونِي حُزْتِبِهِ وَلاَ قَبَضْتِيهِ، وَإِنَّمَا هُو الْيَوْمَ مَالُ الوَارِثِ)). ولم تدع عائشة - رضي الله تعالى عنها - ولا أنكر عليه أحد، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فيكون إجماعاً منهم على أن مال المريض في مرض موته يصير ملك الوارث من کل وجه أو من وجه. وأما دلالة الإجماع فهو أنه لا ينفذ تبرعه فيما زاد على الثلث في حق الأجانب وفي حق الورثة لا ينفذ بشيء أصلاً ورأساً، حتى كان للورثة أن يأخذوا الموهوب من يد الموهوب له من غير رضاه إذا لم يدفع القيمة، ولو نفذ لما كان لهم الأخذ من غير رضاه، فدل عدم النفاذ على زوال الملك، وإذا زال يزول إلى الورثة لما بينا. وفي ((نصب الراية)) (٤٠٠/٤) وقال العقيلي: يحدث بالأباطيل أ. هـ وقد أورد له العقيلي أحاديث ثم قال = عقبها: هذه كلها بواطيل لا يتابع عليها وحفص بن عمر هذا حديث عن شعبة ومالك بن مغول والأئمة بالبواطيل . حدیث خالد بن عبيد. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((نصب الراية)) (٤٠٠/٤) قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ثنا أبي ثنا إسماعيل بن عياش عن عقيل بن مدرك عن الحارث بن خالد بن عبيد السلمي عن أبيه خالد بن عبيد السلمي أن رسول الله وَلوقال: إن الله عز وجل أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)). والحارث بن خالد بن عبيد مجهول. وفيه رد على الحافظ الهيثمي إذ قال في ((المجمع)) (٢٥١/٤): رواه الطبراني وإسناده حسن. أ.هـ. والحديث ذكره ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير» (٢/ ١٤٠) وقال: رواه ابن ماجه والبيهقي من رواية أبي هريرة والدارقطني في رواية معاذ بن جبل أحمد في رواية أبي الدرداء وابن قانع من رواية خالد بن عبد الله السلمي والعقيلي من رواية أبي بكر وأسانيده كلها ضعيفة. (١) في أ: أعمالكم. (٣) في أ: الأجانب. (٢) في أ: يزول. ٥٠٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ وأما المعقول: فهو أن المال الفاضل عن حاجة الميت يصرف إلى الورثة بلا خلاف؛ والكلام فيما إذا فضل ووقع من وقت المرض الفراغ عن حوائج الميت، فهذه الدلائل تدل على ثبوت الملك من كل وجه للوارث، في المال الفاضل عن حوائج الميت، فيدل على ثبوت الملك من وجه لا محالة، وأما على التفسير الثالث، وهو ثبوت حق الإرث من غير ثبوت(١) الملك رأساً؛ فلدلالة الإجماع والمعقول. أما دلالة الإجماع: فهو أن ينقض تبرعه بعد الموت، ولولا تعلق حق الوارث(٢) بماله في مرض موته - لكان التبرع تصرفاً من أهل في محل مملوك له لا حق للغير فيه، فينبغي ألا ينقض، فدل حق النقض على تعلق الحق. وأما المعقول: فهو أن النكاح حال مرض الموت صار وسيلة إلى الإرث عند الموت، ووسيلة حق الإنسان حقه؛ لأنه ينتفع به، والطلاق البائن والثلاث إبطال لهذه الوسيلة، فيكون إبطالاً لحقها، وذلك إضرار بها، فيرد عليه، ويلحق بالعدم في حق إبطال الإرث في الحال؛ عملاً بقول النبي وَليتر: (لاَ ضَرَرَ وَلاَ إِضْرَارَ فِي الإِسْلاَم))(٣)، فلم يعمل الطلاق في الحال في إبطال سببية النكاح؛ لاستحقاق الإرث، وكونه وسيلة إليه؛ دفعاً للضرر عنها، وتأخر عمله فيه إلى ما بعد انقضاء العدة. (١) سقط في أ. (٢) في أ: الورثة. (٣) ورد هذا الحديث من حديث عبادة بن الصامت وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعائشة وأبي سعيد الخدري وجابر وعمرو بن عوف وأبي لبابة . - حديث عبادة بن الصامت. أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤) كتاب الأحكام: باب من بنى في حقه ما يضر بجاره حديث (٢٣٤٠) وأحمد (٥/ ٣٢٦-٣٢٧) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٣٤٤/١) والبيهقي (١٣٣/١٠) كتاب آداب القاضي: باب ما لا يحتمل القسمة كلهم من طريق موسى بن عقبة ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن عقبة ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت أو رسول الله ﴿ قضى أن لا ضرر ولا ضرار. قال الزيلعي في ((نصب الراية)» (٣٨٤/٤): قال ابن عساكر في أطرافه: وأظن إسحاق لم يدرك جده. وقال العلاني في ((جامع التحصيل)) (ص - ١٤٤): إسحاق بن يحيى بن الوليد بن الصامت عن جد أبيه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال الترمذي: لم يدركه أ . هـ. والحديث ذكره البوصيري في ((زوائد ابن ماجه (٢٢١/٢) وقال: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع أ.هـ. قلت: وهذا فيه نظر فإن إسحاق بن يحيى قد ذكره ابن عدي في ((الكامل)) (٣٣٣/١) وقال: عامة. أحاديثه غير محفوظة. وقد حكى البوصيري نفسه تضعيفه في ((الزوائد» (١٧٩/٢) فقال عن إسناد فيه إسحاق هذا: هذا إسناد ضعيف لضعف إسحاق بن يحيى بن الوليد وأيضاً لم يدرك عبادة بن الصامت قاله البخاري والترمذي وابن حبان وابن عدي. = ٥٠٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ والحديث ذكره الحافظ أيضاً في ((الدراية)) (٢/ ٢٨٢) وقال: وفهي انقطاع. = ۔ حدیث ابن عباس. أخرجه أحمد (٣١٣/١) وابن ماجه (٧٨٤/٢) كتاب الأحكام: باب من بنى في حقه ما يضر بجاره حديث (٢٣٤١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ێ: ((لا ضرر ولا ضرار)». قال البوصيري في ((الزوائد» (٢٢٢/٢): هذا إسناد فيه جابر وقد اتهم. أ.هـ. لکنه توبع تابعه داود بن الحصین - أخرجه الدارقطني (٢٢٨/٤) كتاب الأقضية حديث (٨٤) من طريق إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصین عن عكرمة عن ابن عباس به. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٨٥/٤) قال عبد الحق في أحكامه وإبراهيم بن إسماعيل هذا هو ابن أبي حبيبة وفيه مقال فوثقه أحمد وضعفه أبو حاتم وقال: هو منكر الحديث لا يحتج به أ .هـ. قلت وضعفه أيضاً البخاري فقال منكر الحديث. التاريخ الكبير» (١/ ٨٧٣). وقال الترمذي في ((سننه)) (١٤٦٢): يضعف في الحديث وقال النسائي فقال في ((الضعفاء)) رقم (٢): ضعيف وقال الدارقطني: متروك ينظر سؤالات البرقاني (٢٢) والضعفاء له (٣٢). وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ينظر العلل (١٥٧٥) وقال الحافظ في ((التقريب)) (٣١/١) رقم (١٦٨): ضعيف . - حديث أبي هريرة. أخرجه الدارقطني (٢٢٨/٤) كتاب الأقضية حديث (٨٦) من طريق أبي بكر بن عياش قال: أراه عن ابن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي وَل # قال: لا ضرر ولا ضرورة ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٨٥/٤): وأبو بكر بن عياش مختلف فيه أ .هـ. وللحديث علة أخرى وهي ابن عطاء واسمه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح. قال أحمد: منكر الحديث وقال مرة أخرى: ضعيف وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالمتین یکتب حديثه. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة وهو ممن يكتب حديثه وعنده غرائب. ينظر التهذيب (٣٦٣/١١). وقد لخص الحافظ هذه الأقوال فقال في ((التقريب)) (٣٧٦/٢) رقم (٣٨٦): ضعيف. - حديث عائشة. وله طريقان. الأول: أخرجه الدارقطني (٢٢٧/٤) كتاب الأقضية حديث (٨٣) من طريق الواقدي ثنا خارجة بن عبد الله بن سلمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة عن النبي ◌َّ قال: لا ضرر ولا ضرار. والواقدي محمد بن عمر متروك. = كِتَابُ الطَّلاَقِ ٥٠٥ الطريق الثاني. = أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (٣٨٦/٤) حدثنا أحمد بن رشدين ثنا روح بن صلاح ثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي سهيل عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله وَ له قال: لا ضرر ولا إضرار. والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد)» (١١٣/٤) وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين قال ابن عدي: كذبوه أ .هـ. وللحديث طريق آخر أيضاً. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (٣٨٦/٤) حدثنا أحمد بن داود المكي ثنا عمرو بن مالك الراسبي ثنا محمد بن سليمان بن مسمول عن أبي بكر بن أبي سبرة عن نافع بن مالك عن القاسم بن محمد عن عائشة أن النبي ريّ ير قال: لا ضرر ولا ضرار. قال الطبراني: لم يروه عن القاسم إلا نافع بن مالك. قلت: وهذا الطريق لم يذكره الهيثمي في ((المجمع)) مع أنه على شرطه. وأبو بكر بن أبي سبرة. قال البخاري: منكر الحديث ((التاريخ الصغير)) (١٨٤/٢). وقال مرة: ضعيف ((الضعفاء الصغير)) (٤١٦). وقال النسائي: متروك الحديث ((الضعفاء والمتروكين)) (٦٩٧). وقال الدارقطني : متروك. ((الضعفاء والمتروكين)) (٦١٢). وقال البزار: لين الحديث ((كشف الأستار)) (١١٢٩). وذكره أبو زرعة الرازي في «أسامي الضعفاء)) (٣٨٠). - حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الدارقطني (٢٢٨/٤) كتاب الأقضية حديث (٨٦) والحاكم (٢/ ٥٧) كتاب البيوع: باب النهي عن المحاقلة ... والبيهقي (٦/ ٩٦-٧٠) كتاب الصلح: باب لا ضرر ولا ضرار، كلهم من طريق الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي وَّ قال: لا ضرر ولا ضرار قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال البيهقي: تفرد به عثمان بن محمد - عن الدراوردي - قلت: وفي كلام الثلاثة نظر. أما صحته على شرط مسلم فعثمان بن محمد لم يخرج له مسلم شيئاً ومع ذلك فهو ضعيف ضعفه الدراقطني . ينظر لسان الميزان (٤ /١٧٥). وأما قول البيهقي: تفرد به عثمان بن محمد ففيه نظر أيضاً فقد تابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي به كما في ((نصب الراية)) (٣٨٥/٤) قال ابن القطان في ((كتابه)) وعبد الملك هذا لا يعرف له حال. أ .هـ. وأخرجه مالك (٧٤٥/٢) كتاب الأقضية: باب القضاء في ((المرفق حديث (٣١) عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله وَلير قال: ((لا ضرر ولا ضرار)» هكذا مرسلاً. = ٥٠٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ وكذلك إذا أبانها بغير طلاق بخيار البلوغ؛ بأن اختار نفسه، وتقبيل ابنتها أو أمها، وردته أن ذلك إن كان في الصحة لا ترث هي منه، ولا هو منها بالإجماع، كما لو أبانها بالطلاق؛ لانعدام سبب الاستحقاق في وقت الاستحقاق وهو مرض الموت، إلا في الردة بأن ارتد الزوج في حال صحته، فمات على الردة أو قتل، أو لحق بدار الحرب وهي في العدة؛ فإنها ترث منه؛ لأن الردة من الزوج في معنى مرض الموت(١) لما تذكر إن شاء الله تعالى. وإن كانت هذه الأسباب في حال المرض، فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الطلاق؛ أنها ترث منه عندنا خلافاً للشافعي، ولا يرث هو منها بالإجماع. ولو جامعها ابنه مكرهة أو مطاوعة - لا ترث، أما إذا كانت مطاوعة فلأنها رضيت بإبطال حقها، وإن كانت مكرهة فلم يوجد من الزوج إبطال حقها المتعلق بالإرث؛ لوقوع الفرقة بفعل غيره . ١١٥ ب وإن كانت البينونة من قبل المرأة؛ كما إذا قبلت ابن زوجها أو أباه بشهوة، طائعة/ أو مكرهة، أو اختارت نفسها في خيار الإدراك، أو العتاق، أو عدم الكفاءة؛ فإن كان ذلك في حال الصحة؛ فإنهما لا يتوارثان بالإجماع؛ كما إذا كانت البينونة من قبل الزوج، وكذا إذا ارتدت، بخلاف ردة الزوج في حال صحته. ووجه الفرق أن ردة الزوج في معنى مرض موته؛ لأنها تفضي إلى الموت، إلا أن احتمال الصحة باحتمال الإسلام - قائم، فإذا قتل على الردة أو مات عليها - فقد زال ۔ حدیث جابر = أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (٣٨٦/٤) ثنا محمد بن عبدوس بن كامل ثنا حبان بن بشر القاضي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)). وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١١٣/٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس)) أ.هـ وهذا الحديث رواه عبد الرحمن بن مغراء ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان مرسلاً أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (ص - ٢٩٤) رقم (٤٠٧). - حديث عمرو بن عوف. ذكره الحافظ في ((التهذيب)) (٨/ ٤٢١ - ٤٢٢) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه. - حديث أبي لبابة. أخرجه أبو داود في (المراسيل)) (ص - ٢٩٤) رقم (٤٠٧). (١) في أ: موته. ٥٠٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ الاحتمال، وكذا إذا لحق بدار الحرب؛ لأن الظاهر؛ أنه لا يعود، فتقرر المرض، فتبين أن سبب الاستحقاق كان ثابتاً في وقت الاستحقاق، وهو مرض الموت، وأن سبب الفرقة وجد في مرضى الموت، فترث منه؛ كما لو كان مريضاً حقيقة. فأما ردتها: فليست في معنى مرض موتها؛ ليقال: ينبغي أن يرث الزوج منها، وإن كانت هي لا ترث منه؛ لأنها لا تفضي إلى الموت؛ لأنها لا تقتل عندنا، فلم يكن النكاح القائم حال ردتها سبباً لاستحقاق الإرث في حقه؛ لانعدامه وقت الاستحقاق وهو مرض الموت؛ لذلك افترقا، والله - عز وجلّ - أعلم. وإن كان في حال المرض؛ فإن كان في حال مرض الزوج - لا ترث منه، وإن كانت في العدة، لعدم شرط الإرث، وهو عدم رضاها بسبب الفرقة، ولحصول الفرقة بفعل غير الزوج، ويرث الزوج منها إن كان سبب الفرقة منها في مرضها، وماتت قبل انقضاء عدتها؛ لوجود (١) سبب الاستحقاق في حقه، وهو النكاح في وقت الاستحقاق، وهو مرض موتها، ولوجود سبب إبطال حقه منها في حال المرض. والقياس فيما إذا ارتدت في مرضها، ثم ماتت في العدة؛ ألا يرثها زوجها، وإنما يرثها استحساناً. وجه القياس: أن الفرقة لم تقع بفعلها؛ لأن فعلها الردة والفرقة لا تقع بها، وإنما تقع باختلاف الدينين، ولا صنيع لها في ذلك، فلم يوجد منها في مرضها إبطال حق الزوج ليرد عليها؛ فلا يرث منها. وجه الاستحسان ما ذكرنا، ولسنا نسلم أن الفرقة لم تقع بفعلها؛ فإن الردة من أسباب الفرقة، وقد حصلت منها في حال تعلق حقه بالإرث، وهو مرض موتها؛ فيرث منها، والله - عز وجلّ - أعلم. وأما شرائط الاستحقاق فنوعان: نوع يعم أسباب الإرث كلها؛ ونوع يخص النكاح، أما الذي يعم الأسباب كلها، فمنها شرط الأهلية، وهو ألا يكون الوارث مملوكاً، ولا مرتداً، ولا قاتلاً، فلا يرث المملوك ولا المرتد من أحد، ولا يرث القاتل من المقتول. ودلائل هذه الجملة تذكر في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى، ويعتبر وجود الأهلية منها(٢) وقت الطلاق، ودوامها إلى وقت الموت، حتى لو كانت مملوكة أو كتابية وقت (١) في ط: لوجوب. (٢) في أ: هاهنا. ٥٠٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ الطلاق - لا ترث، وإن أعتقت أو أسلمت في العدة؛ لأن السبب لا ينعقد مفيداً للحكم بدون شرطه، فإذا لم يكن وقت صيرورة النكاح سبباً للاستحقاق، وهو مرض الموت من أهل الميراث - لم ينعقد سبباً، فلا يعتبر حدوث الأهلية بعد ذلك، ولو كانت مسلمة وقت الطلاق، ثم ارتدت في عدتها، ثم أسلمت - فلا ميراث لها، وإن كانت من أهل الميراث وقت الطلاق. وأما على طريق الاستناد؛ فلأن الحكم من وجه يثبت عند الموت، فلا بد من قيام السبب من وجه عنده ليثبت ثم يستند، وقد بطل السبب بالردة رأساً فتعين الاستناد، وكذا من يقول بثبوت الحل في المرض دون الملك - يعتبر قيام النكاح في حق الإرث عند الموت، ولم يبق لبطلانه بالردة. وأما على طريق الظهور المحض، فيشكل تخريج هذه المسألة؛ لأنه تبين أن الملك من كل وجه كان ثابتاً للوارث وقت المرض، والنكاح كان قائماً من كل وجه في ذلك الوقت، والأهلية كانت موجودة، وبقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم، وكذا الأهلية شرط الثبوت لا شرط البقاء، وهذا بخلاف ما إذا طلقها في مرضه، ثم قبلت ابن زوجها أو أباه بشهوة في عدتها ترث؛ لأنها بالتقبيل لم تخرج عن أهلية الإرث؛ إذ ليس تحت التقبيل إلا التحريم، والتحريم لا يبطل أهلية الإرث، بخلاف الردة؛ فإنها مبطلة للأهلية، ومنها شرط المحلية وهو أن يكون المتروك مالاً فاضلاً فارغاً عن حوائج الميت حاجة أصلية، فلا يثبت الإرث في المال المشغول بحاجته الأصلية، ومنها اتحاد الدين، ومنها اتحاد الدار؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى في كتاب الفرائض. وأما الذي يخص النكاح فشرطان. أحدهما: قيام العدة، حتى لو مات الزوج بعد انقضاء عدتها - لا ترث، وهذا قول عامة العلماء، وقال ابن أبي ليلى: هذا ليس بشرط، وترث بعد انقضاء العدة ما لم تتزوج، ١١٦أ والصحيح قول العامة/ لأن جريان الإرث بعد الإبانة والثلاث - ثبت، بخلاف القياس بإجماع الصحابة، وهم شرطوا قيام العدة على ما روينا عنهم، فصار شرطاً بالإجماع غير معقول، فيتبع معقد الإجماع؛ ولأن العدة إذا كانت قائمة كان بعض أحكام النكاح قائماً من وجوب النفقة، والسكنى، والفراش، وغير ذلك، فأمكن إبقاؤه في حق حكم الإرث، فالتوريث يكون موافقاً للأصول، وإذا انقضت العدة لم يبق شيء من علائق النكاح، فكان القول بالتوريث نصب شرع بالرأي، وهذا لا يجوز. وقالوا فيمن طلق زوجته في مرضه، ودام به المرض أكثر من سنتين فمات، ثم جاءت بولد بعد موته بشهر؛ أنه لا ميراث لها في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لها الميراث؛ بناء على انقضاء عدتها بالأقراء، وبوضع الحمل عندهما بالأقراء، وعنده بوضع الحمل. ٥٠٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجه قول أبي يوسف: أن الحمل حادث؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، فيحمل على أنها وطئت بشبهة، فلا يحكم بانقضاء عدتها إلا بوضع الحمل، فلم تكن مقضية (١) العدة عند موت الزوج، فترث، وهما يقولان: لا شك أن الولد حصل بوطء حادث بعد الطلاق، فلا يخلو؛ إما أن يحمل على أن الزوج وطئها أو غيره، لا سبيل إلى الأول؛ لأن وطأه إياها حرام، والظاهر من حاله أنه لا يرتكب الحرام، ولا وجه للثاني؛ لأن غير الزوج؛ إما أن وطئها بنكاح أو بشبهة، والوطء بشبهة حرام أيضاً، فتعين حمل أمرها على النكاح الصحيح، وهو أن عدتها انقضت قبل التزوج بستة أشهر، ثم تزوجت، فكانت عدتها منقضية قبل موت الزوج؛ فلا ترث؛ ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد: إنها ترد نفقة ستة أشهر. وقال أبو يوسف: لا ترد، والله - عز وجلّ - أعلم. (والثاني): عدم الرضا منها؛ بسبب الفرقة وشرطها، فإن رضيت بذلك لا ترث؛ لأنها رضيت ببطلان حقها، والتوريث ثبت نظراً لها لصيانة حقها، فإذا رضيت بإسقاط حقها - لم تبق مستحقة للنظر. وعلى هذا تخريج ما إذا قال لها في مرضه أمرك بيدك، أو اختاري، فاختارت نفسها، أو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً ففعلت، أو قالت لزوجها: طلقني ثلاثاً ففعل، أو اختلعت من زوجها، ثم مات الزوج وهي في العدة؛ أنها لا ترث(٢)؛ لأنها رضيت بسبب البطلان أو بشرطه. أما إذا اختارت نفسها فلا شك فيه؛ لأنها باشرت سبب البطلان بنفسها، وكذا إذا أمرها بالطلاق فطلقت، وكذا إذا سألته الطلاق فطلقها، لأنها رضيت بمباشرة السبب من الزوج، وفي الخلع باشرت الشرط بنفسها؛ فكل ذلك دليل الرضا. ولو قالت لزوجها: طلقني للرجعة، فطلقها ثلاثاً - ورثت؛ لأن ما رضيت به، وهو الطلاق الرجعي ليس بسبب لبطلان الإرث، وما هو سبب البطلان، وهو ما أتى به الزوج ما رضيت به؛ فترث. وعلى هذا يخرج ما إذا علق الطلاق(٣) في مرضه أو صحته بشرط وكان الشرط في المرض، وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو؛ إما أن كان التعليق ووجود الشرط جميعاً في الصحة، وإما أن كانا جميعاً في المرض، وإما أن كان أحدهما في الصحة والآخر في المرض، ولا يخلو إما أن علق بفعل نفسه أو بفعلها، أو بفعل أجنبي، أو بأمر سماوي، فإن كان (١) في أ: منقضية. (٢) في أ: لا ترثه. (٣) في أ: طلاق امرأته. ٥١٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ التعليق، ووجود الشرط جميعاً في الصحة لا شك أنها لا ترث أي شيء كان المعلق به؛ لانعدام سبب استحقاق الإرث في وقت الاستحقاق، وهو وقت مرض الموت، وإن كانا جميعاً في المرض؛ فإنها ترث أي شيء كان المعلق به؛ لوجود سبب الاستحقاق في وقته، وانعدام الرضا منها ببطلان حقها إلا إذا كان التعليق بفعلها الذي لها منه بد؛ فإنها لا ترث؛ لوجود الرضا منها بالشرط؛ لأنها فعلت عن اختيار(١)، ولو أجل العنين وهو مريض، ومضى الأجل وهو مريض، وخيرت المرأة، فاختارت نفسها - فلا ميراث لها؛ لأن الفرقة وقعت باختيارها؛ لأنها تقدر أن تصير عليه، فإذا لم تصبر واختارت نفسها، وقد باشرت سبب بطلان حقها باختيارها ورضاها، فلا ترث. ولو آلى منها وهو مريض، وبانت بالإيلاء وهو مريض - ورثت ما دامت في العدة؛ لوجود سبب الاستحقاق في وقته مع شرائطه، ولو كان صحيحاً وقت الإيلاء، وانقضت مدة الإيلاء وهو مريض - لم ترث؛ لعدم سبب الاستحقاق في وقته؛ لأنه باشر الطلاق في صحته(٢)، ولم يصنع في المرض شيئاً، ولو قذف امرأته في المرض، أو لاعنها في المرض . ورثت في قولهم جميعاً؛ لأن سبب الفرقة وجد في وقت تعلق حقها بالإرث، ولم يوجد منها دليل الرضا ببطلان حقها؛ لكونها مضطرة إلى المطالبة باللعان؛ لدفع الشين عن نفسها، ١١٦ ب والزوج هو الذي اضطرها بقذفه، فيضاف فعلها إليه؛ كأنه أكرهها/ عليه، وإن كان القذف في الصحة واللعان في المرض - ورثت في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا ترث. ١ وجه قوله أن سبب الفرقة وجد من الزوج في حال لم يتعلق حقها بالإرث، وهو حال الصحة، والمرأة، والمرأة مختارة في اللعان؛ فلا يضاف إلى الزوج، ولهما أن فعل المرأة يضاف إلى الزوج؛ لأنها مضطرة في المطالبة باللعان؛ لاضطرارها إلى دفع العار عن نفسها، والزوج هو الذي ألجأها إلى هذا، فيضاف فعلها إليه؛ كأنه أوقع الفرقة في المرض، والله - عز وجلّ - أعلم. وإن كان أحدهما في الصحة والآخر في المرض؛ فإن كان التعليق في الصحة، والشرط في المرض، فإن كان التعليق بأمر سماوي؛ بأن قال لها إذا جاء رأس شهر كذا فأنت طالق، فجاء وهو مريض، ثم مات، وهي في العدة - لا ترث عند(٣) أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ترث . (١) في ط: من. (٢) في أ: الصحة. (٣) في قول. ٥١١ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجه قوله: أن المعلق بالشرط كالمنجز عند الشرط، فيصير قائلاً عند الشرط: أنت طالق ثلاثاً وهو مريض. ولنا: أن الزوج لم يصنع في مرض موته شيئاً، لا السبب ولا الشرط؛ ليرد عليه فعله، فلم يصر فاراً؛ وقوله: المعلق بالشرط يجعل منجزاً عند الشرط، - ممنوع، بل يقع الطلاق بالكلام السابق، من غير أن يقدر باقياً إلى وقت وجود الشرط على ما عرف في مسائل الخلاف. وكذا إن كان بفعل أجنبي، سواء كان منه بد كقدوم زيد أو لا بد منه كالصلاة المفروضة، والصوم المفروض، ونحوهما؛ لما قلنا: إنه لم يوجد من الزوج صنع في المرض، لا بمباشرة السبب ولا بمباشرة الشرط، وإن كان بفعل نفسه ترث، سواء كان فعلاً له منه بد؛ كما إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو لا بد منه؛ كما إذا قال: إن صليت أنا الظهر فأنت طالق؛ لأنه باشر شرط بطلان حقها، فصار متعدياً عليها، مضراً بها لمباشرة الشرط، فيرد عليه؛ رفعاً للضرر عنها، لأن العذر لا تعتبر في موضع التعدي والضرر؛ كمن أتلف مال غيره نائماً أو خاطئاً، أو أصابته مخمصة بأكل طعام غيره، حتى يجب عليه الضمان، ولم يجعل معذوراً في مباشرة الفعل الذي لا بد له منه لما قلنا؛ كذا هذا. وإن كان بفعل المرأة، فإن كان فعلاً لها منه بد؛ كدخول الدار، وكلام زيد ونحو ذلك - لا ترث؛ لأنها رضيت ببطلان حقها، حيث باشرت شرط البطلان من غير ضرورة، وإن كان فعلاً لا بد لها منه، كالأكل والشرب والصلاة المفروضة والصوم المفروض، وحجة الإسلام، وكلام أبويها، واقتضاء الديون من غريمها، فإنه ترث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا ترث، وكذا إذا علق بدخول دار لا غنى لها عن دخولها - فهو على هذا الخلاف؛ کذا روي عن أبي يوسف. وجه قول محمد: إنه لم يوجد من الزوج مباشرة بطلان حقها، ولا شرط البطلان؛ فلا يصير فار؛ كما لو علق بأمر سماوي، أو بفعل أجنبي، أو بفعلها الذي لها منه بد. وجه قولهما أن المرأة فيما فعلت من الشرط عاملة للزوج من وجه؛ لأن منفعة عملها عائدة عليه، لأنه منعها عما لو امتنعت عنه لحق الزوج مأثم، فإذا لم تمتنع وفعلت - لم يلحقه مأثم، فكانت منفعة فعلها عائدة عليه، فجعل ذلك فعلاً له(١) من وجه، فوجب إبطال فعله صيانة لحقها، ومن الوجه الذي بقي مقصوراً عليها ليس بدليل الرضا؛ لأنها فعلته مضطرة لدفع العقوبة عن نفسها في الآخرة لا برضاها. (١) في أ: للزوج. ٥١٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقالوا فیمن فرض طلاق. امرأته إلى الأجنبي في الصحة، فطلقها في المرض: إن التفويض إن كان على وجه لا يملك عزله عنه؛ بأن ملكه الطلاق لا ترث؛ لأن لما لم يقدر (١) على نسخه بعد مرضه - صار الإيقاع في المرض كالإيقاع في الصحة، وإن كان التفويض على وجه يمكنه العزل عنه، فطلق في المرض ورثت، لأنه لما أمكنه عزله بعد مرضه، فلم يفعل، وصار كأنه أنشأ التوكيل في المرض؛ لأن الأصل في كل تصرف غير لازم أن يكون لبقائه حكم الابتداء، والله أعلم. وعلى هذا إذا قال في صحته لامرأته: إن لم آت البصرة فأنت طالق ثلاثاً، فلم يأتها حتى مات - ورثته (٢)؛ لأنه علق طلاقها بعدم إتيانه البصرة، فلما بلغ إلى حالة وقع اليأس له عن إتيانه البصرة، فقد تحقق العدم، وهو مريض في ذلك الوقت - فقد باشر شرط بطلان حقها في الميراث، فصار فاراً - فيرثه، وإن ماتت هي وبقي الزوج - ورثها؛ لأنها ماتت وهي زوجته، لأن الطلاق لم يقع لعدم شرط الوقوع، وهو عدم إتيانه البصرة؛ لجواز أن يأتيها بعد موتها، ١١٧أ فلم يقع الطلاق، فماتت وهي/ زوجته فيرثها . ولو قال لها: إن لم تأت البصرة فأنت طالق ثلاثاً، فلم تأتها حتى مات الزوج - ورثته؛ لأنه مات وهو زوجها لعدم وقوع الطلاق؛ لانعدام شرط وقوعه لأنها ما دامت حية يرجى منها الإتيان، وإن ماتت هي وبقي الزوج - لم يرثها؛ لأنه لم يوجد منها سبب الفرقة في مرضها، لم تصر فارةً؛ فلا يرثها . ولو قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثاً، فلم يطلقها حتى مات - ورثته؛ لأنه علق طلاقها بشرط عدم التطليق منه، وقد تحقق العدم إذا صار إلى حالة لا يتأتي منه التطليق، وهو مريض في تلك الحالة، فيصير فاراً بمباشرة شرط بطلان حقها؛ فترثه، ولو ماتت هي وبقي الزوج - لم يرثها؛ لأنها لم تصر فارة؛ لانعدام سبب الفرقة منها في مرضها؛ فلا يرثها . وكذلك لو قال لها: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ثلاثاً، فلم يفعل حتى مات - ورثته؛ وإن ماتت هي وبقي الزوج - لم يرثها؛ لما ذكرنا في الحلف بالطلاق؛ ولو قال لامرأتين له في صحته: إحداكما طالق، ثم مرض، فعين الطلاق في إحداهما، ثم مات - ورثته المطلقة؛ لأن وقوع الطلاق المضاف إلى المبهم - معلق بشرط البيان هو الصحيح؛ لما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: لإنها لم تقدر. (٢) في أ: روئت. ٥١٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ والصحيح إذا علق طلاق امرأته بفعل، ففعل في مرضه؛ فإنها ترثه، والله أعلم. وقالوا فيمن قال في صحته لأمتين تحته: إحداكما طالق ثنتين فأعتقتا، ثم اختار الزوج أن يوقع على إحداهما في مرضه، فلا ميراث للمطلقة، ولا يملك الزوج الرجعة، وهو الجواب عن قول من يقول: إن الطلاق واقع في المعين، والبيان تعيين من وقع عليه الطلاق، لا شرط وقوع الطلاق، ويقال: إنه قول محمد، لأن الإيقاع، والوقوع حصلا في حال لا حق لواحدة منهما، وهي حالة الصحة فلا ترث، ولا يملك الزوج الرجعة؛ لأن الإيقاع صادفها وهي أمة، وطلاق الأمة ثنتان على لسان رسول الله وَلو فتثبت الحرمة الغليظة؛ فلا يملك الرجعة. وأما على قول من يقول: الطلاق غير واقع الحال، بل معلق وقوعه بالاختيار، وهو تفسير الإيقاع في الذمة، ويقال: إنه قول أبي يوسف: فينبغي أن ترث ويملك الرجعة، لأن وقوع الطلاق تعلق بشرط اختياره. والصحيح إذا علق طلاق امرأته بفعله، ففعل وهو مريض، ثم مات فهي(١) في العدة ترثه، سواء كان فعلا له منه بد، أو لا بد له منه؛ كما إذا قال هو صحيح: إن دخلت أنا الدار فأنت طالق، فدخلها وهو مريض - يملك الرجعة؛ لأن الطلاق واقع عليها وهي حرة، فلا تحرم حرمة غليظة، فيملك مراجعتها، ولو كانت إحداهما حرة، فقال في صحته: إحداكما طالق ثنتين فأعتقت الأمة، ثم مرض الزوج فبين الطلاق في الأمة - فالطلاق رجعي، وللمطلقة الميراث في قول أبي يوسف الأول، وهو قول محمد، ثم رجع أبو يوسف وقال: إذا اختار أن يوقع على التي كانت أمة؛ فإنها لا تحل له إلا بعد زوج. وذكر هذه المسألة في الزيادات، وقال في جوابها: إنها لا تحل له إلا بعد زوج، ولها الميراث، ولم يذكر خلافا، واختلاف الجواب بناء على اختلاف الطريقين(٢)، فمن جعل الطلاق واقعا في الجملة(٣) وجعل البيان تعيين من وقع عليه الطلاق يقول: لا يملك الرجعة؛ لأنه وقع الطلاق عليها وهي أمة؛ فحرمت حرمة غليظة، وكان ينبغي ألا ترث؛ لأن الإيقاع والوقوع كل ذلك وجد في حال الصحة؛ لأنه إنما قال بالتوريث؛ لكون الزوج منهما في البيان؛ لجواز أنه كان في قلبه الأخرى وقت الطلاق، فبين في هذه فكان متهما في البيان، فترث . فأما من لا يرى الطلاق واقعا قبل الاختيار -، بقول: يملك الرجعة؛ لأن الطلاقين وقعا وهي حرة، فلا تحرم حرمة غليظة وترث؛ لأن الطلاق رجعي، وإن كان التعليق في المرض، (١) في ط: وهو. (٣) في أ: المجهولة. (٢) في ط: الطريق. بدائع الصنائع ج٤ - م٣٣ ٥١٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ والشرط في الصحة؛ بأن طلقها ثلاثاً أو بائناً وهو مريض، ثم صح، ثم مات - لم ترث؛ لأن لما صح تبين أن ذلك المرض لم يكن مرض الموت، فلم يوجد الإيقاع ولا الشرط في المرض، فكان هذا والإيقاع في حال الصحة سواء، ولهذا كان هذا المرض والصحة سواء في جميع الأحكام. وأما وقت الاستحقاق فهو وقت مرض الموت عندنا؛ لما ذكرنا فيما تقدم، فلا بد من معرفة مرض الموت؛ لتفريق الأحكام المتعلقة به، فنقول ـ وبالله التوفيق: ذكر الكرخي أن المريض مرض الموت هو الذي أضناه المرض وصار صاحب فراش، فأما إذا كان يذهب ويجيء، وهو مع ذلك يحم/ فهو بمنزلة الصحيح. وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة المريض الذي إذا طلق امرأته - كان فاراً وهو أن يكون مضني لا يقوم إلا بشدة، وهو في حال يعذر في الصلاة جالساً، والحاصل أن مرض الموت هو الذي يخاف منه الموت غالباً، ويدخل في هذه العبارة ما ذكره الحسن عن أبي حنيفة، وما ذكره الكرخي؛ لأنه إذا كان مضني لا يقدر على القيام إلا بشدة يخشى عليه الموت غالباً، وكذا إذا كان صاحب فراش، وكذا إذا كان يذهب ويجيء، ولا يخشى عليه الموت غالبا، وإن كان يحم؛ فلا يكون ذلك مرض الموت. وكذلك صاحب الفالج(١)، والسل(٢)، والنقرس(٣)، ونحوها إذا طال به ذلك - فهو في حكم الصحيح؛ لأن ذلك إذا طال لا يخاف منه الموت غالبا فلم يكن مرض الموت، إلا إذا تغير حاله من ذلك، ومات من ذلك التغير، فيكون حال التغير مرض الموت؛ لأنه إذا تغير يخشى منه الموت غالباً، فيكون مرض الموت، وكذا الزمن والمقعد ويابس الشق. وعلى هذا قالوا في المحصور والواقف في صف القتال، ومن وجب عليه القتل في حد أو قصاص فحبس ليقتل؛ إنه كالصحيح؛ لأنه ليس الغالب من هذه الأحوال الموت، فإن الإنسان يتخلص منها غالباً؛ لكثرة أسباب الخلاص. ولو قدم ليقتل أو بارز قرنه وخرج من الصف - فهو كالمريض؛ إذ الغالب هذه الحالة (٤) (١) الفالج: مرض يحدث في أحد شقي البدن طولاً فيبطل إحساسه وحركته، وربما كان في الشقين. ينظر المصباح المنير (فلج) ص ٤٨٠. (٢) السِّل: مرض يصيب الرئة، يهزل صاحبه، ويضنيه، ويقتله. المصحح الوسيط (سلل) (٤٤٥/١). (٣) النِّقْرِس: مرض مؤلم يحدث في مفاصل القدم، وفي إبهامها أكثر، وهو ما كان يسمى داء الملوك. المصحح الوسيط ((نقرس)) (٢ / ٩٤٦). (٤) في أ: الأحوال. ١١٧ ب ٥١٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ الهلاك فترتب عليه أحكام المريض إذا مات في ذلك الوجه، ولو كان في السفينة فهو كالصحيح، إلا إذا هاجت الأمواج، فيصير في حكم المريض في تلك الحالة؛ لأنه يخشى عليه منها الموت غالباً، ولو أعيد المخرج إلى القتل أو إلى الحبس، أو رجع المبارز بعد المبارزة إلى الصف، أو سكن الموج - صار في حكم الصحيح كالمريض إذا برأ من مرضه، والمرأة إذا ما أخذها الطلق فهي في حكم المريض إذا ماتت من ذلك؛ لأن الغالب منه خوف الهلاك، وإذا سلمت من ذلك فهي في حكم الصحيح، كما إذا كانت مريضة ثم صحت؛ ولو طلقها وهو مريض، ثم صح وقام من مرضه، وكان يذهب ويجيء، ويقوى على الصلاة قائماً ثم نكس فعاد إلى حالته التي كان عليها، ثم مات - لم ترثه في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر: ترثه. وجه قوله أن وقت الطلاق وقت(١) تعلق الحق(٢) بالإرث، ووقت الموت وقت ثبوت الإرث، والمرض قد أحاط بالوقتين جميعاً فانقطاعه فيما بين ذلك لا يعتبر؛ لأنه ليس وقت التعليق، ولا وقت الإرث. ولنا أنه لما صح بعد المرض تبين أن ذلك لم يكن مرض الموت، فلم يوجد الطلاق في حال المرض، فلا ترث، والله - عز وجلّ - أعلم. وأما الذي يخص الطلاق المبهم: فهو أن يكون لفظ الطلاق مضافاً إلى مجهولة فجملة الكلام فيه أن الجهالة إما أن كانت أصلية، وإما أن كانت طارئة، أما الجهالة الأصلية فهي أن يكون لفظ الطلاق من الابتداء مضافاً إلى المجهول، وجهالة المضاف إليه يكون لمزاحمة غيره إياه في الاسم، والمزاحم إياه في الاسم لا يخلو؛ إما أن يكون محتملاً للطلاق. وإما ألا يكون محتملاً له، والمحتمل للطلاق لا يخلو؛ إما أن يكون ممن يملك الزوج طلاقه، أو لا يملك طلاقه؛ فإن كان ممن يملك طلاقه صحت الإضافة بالإجماع؛ نحو أن يقول لنسائه الأربع: إحداكن طالق ثلاثاً، أو يقول لأمرأتين له: إحداكما طالق ثلاثاً. والكلام فيه يقع في موضعين: (أحدهما): في بيان كيفية هذا التصرف، أعني: قوله لامرأتين: إحداكما طالق. (والثاني): في بيان الأحكام المتعلقة به. أما الأول فقد اختلف مشايخنا في كيفية هذا التصرف، قال بعضهم: هو إيقاع الطلاق في غير المعين، على معنى أنه يقع الطلاق للحال في واحدة منهما غير عين، واختيار الطلاق في إحداهما، وبيان الطلاق فيها تعيين لمن وقع عليها الطلاق، ويقال: إن هذا قول محمد. (١) سقط في ط. (٢) في أ: حقها. ٥١٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقال بعضهم: هو إيقاع الطلاق معلقاً بشرط البيان معنى، ومعناه أن قوله: إحداكما طالق ينعقد سبباً للحال لوقوع الطلاق عند البيان، والاختيار لا للحال بمنزلة تعليق الطلاق بسائر الشروط من دخول الدار، وغيره، غير أن هناك الشرط يدخل على السبب والحكم جميعاً، وههنا يدخل على الحكم لا على السبب؛ كما في البيع، بشرط الخيار، فإذا اختار طلاق إحداهما فقد وجد شرط وقوع الطلاق في حقها، فيقع الطلاق عليها بالكلام السابق عند وجود شرط الوقوع وهو الاختيار كأنه علقه به نصاً. فقال: إن اخترت طلاق إحداكما فهي ١١٨أ طالق، ويقال: إن هذا قول أبي يوسف. والمسائل متعارضة في الظاهر؛ بعضها يؤيد القول/ الأول، وبعضها ينصر القول الثاني، ونحن نشير إلى ذلك ههنا، ونذكر وجه كل واحد من القولين، وترجيح أحدهما على الآخر، وتخريج المسائل عليه في كتاب العتاق، إن شاء الله تعالى. قال بعضهم: البيان إظهار من وجه، إنشاء من وجه؛ وزعموا أن المسائل تخرج عليه، وأنه كلام لا يعقل بل هو محال، والبناء على المحال محال. وأما الأحكام المتعلقة به فنوعان: نوع يتعلق به في حال حياة الزوج، ونوع يتعلق به بعد مماته . أما النوع الأول: فنقول: إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق ثلاثاً - فله خيار التعيين يختار أيهما شاء للطلاق؛ لأنه إذا ملك الإبهام ملك التعيين، ولو خاصمتاه واستعدتا عليه للقاضي حتى يتبين اعدى عليه وكفله البيان، ولو امتنع أجبره عليه بالحبس؛ لأن لكل واحدة منهما حقاً. أما استيفاء حقوق النكاح منه. وأما التوصل إلى زوج آخر، وحق الإنسان يجب إيفاؤه عند طلبه، وإذا امتنع من عليه الحق يجبره القاضي على الإيفاء، وذلك بالبيان ههنا، فكان البيان حقها؛ لكونه وسيلة إلى حقها، ووسيلة حق الإنسان حقه، والجبر على البيان يؤيد القول الأول؛ لأن الوقوع لو كان معلقاً بشرط البيان لما أجبر؛ إذ الحالف لا يجبر على تحصيل الشرط؛ ولأن البيان إظهار الثابت، وإظهار الثابت ولا ثابت محال، ثم البيان نوعان نص ودلالة. أما النص فنحو أن يقول: إياها عنيت، أو نويت أو أردت، أو ما يجري مجرى هذا، ولو قال: إحداكما طالق ثلاثاً، ثم طلق إحداهما عيناً؛ بأن قال لها: أنت طالق، وقال: إردت به بيان الطلاق الذي لزمني لا طلاقاً مستقبلاً - كان القول قوله؛ لأن البيان واجب عليه، وقوله: أنت طالق يحتمل البيان، لأنه إن جعل إنشاء في الشرع، لكنه يحتمل الإخبار، فيحتمل البيان، إذ هو إخبار عن كائن، وهذا أيضاً ينصر القول الأول؛ لأن الطلاق لو لم يكن واقعاً . لم يصدق في إرادة البيان للواقع. ٥١٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ وأما الدلالة فنحو أن يفعل أو يقول ما يدل على البيان؛ (١) نحو أن يطأ إحداهما، أو يقبلها، أو يطلقها، أو يحلف بطلاقها، أو يظاهر منها؛ لأن ذلك كله لا يجوز إلا في المنكوحة، فكان الإقدام عليه تعيينا لهذه بالنكاح(٢)، وإذا تعينت هي للنكاح تعينت الأخرى للطلاق ضرورة انتفاء المزاحم، وإذا كن أربعاً أو ثلاثاً - تعينت الباقيات لبيان الطلاق في واحدة منهن نصاً أو دلالة بالفعل أو بالقول؛ بأن يطأ الثانية والثالثة فتتعين الرابعة للطلاق، أو يقول: هذه منكوحة، وهذه الرابعة إن كن أربعاً، وإن كن ثلاثاً تتعين الثالثة للطلاق بوطء الثانية، أو بقوله: الثانية هذه منكوحة. وكذلك إذا مات إحداهما قبل البيان - طلقت الباقية؛ لأن التي ماتت خرجت عن احتمال البيان فيها؛ لأن الطلاق يقع عند البيان، وقد خرجت عن احتمال الطلاق، فخرجت عن احتمال البيان، وقد خرجت عن احتمال الطلاق، فخرجت عن احتمال البيان فتعينت الباقية للطلاق، وهذا يؤيد القول الثاني؛ لأن الطلاق لو كان وقع في غير المعين - لما افترقت الحال في البيان بين الحياة والموت؛ إذ هو إظهار ما كان، فرق بين هذا وبين ما إذا باع أحد عبديه، على أن المشتري بالخيار، يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر، فمات أحدهما قبل البيان؛ أنه لا يتعين الباقي منهما للبيع، ويصير المشتري مختاراً للبيع في الميت قبل الموت، ويجب عليه رد الباقي إلى البائع. ووجه الفرق أن هناك وجد المبطل للخيار قبيل الموت، وهو حدوث عيب لم يكن وقت الشراء، وهو المرض، إذ لا يخلو الإنسان عن مرض قبيل الموت عادة، وحدوث العيب في المبيع الذي فيه خيار مبطل للخيار فبطل الخيار قبيل الموت، ودخل العبد في ملك المشتري فتعين الآخر للرد ضرورة، وهذا المعنى لم يوجد في الطلاق؛ لأن حدوث العيب في المطلقة لا يوجب بطلان الخيار. ولو ماتت إحداهما قبل البيان، فقال الزوج: إياها عنيت ـ لم يرثها، وطلقت الباقية؛ لأنها كما ماتت تعينت الباقية للطلاق، فإذا قال: عنيت الأخرى، فقد أراد صرف الطلاق عن الباقية؛ فلا يصدق فيه، ويصدق في إبطال الإرث؛ لأن ذلك حقه، والإنسان في إقراره بإبطال حق نفسه مصدق لانتفاء التهمة . وكذلك إذا ماتتا جميعاً أو إحداهما بعد الأخرى، ثم قال: عنيت التي ماتت أولاً - لم يرث منهما، أما من الثانية فلتعينها للطلاق بموت الأولى، وأما من الأولى؛ فلإقراره أنه لا حق له في ميراثها، وهو مصدق على نفسه، ولو ماتتا جميعاً بأن سقط عليهما حائط أو غرقتا - (١) في أ: لجواز. (٢) في أ: للنكاح. ٥١٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ ١١٨ ب يرث من كل واحد منهما نصف ميراثها؛ لأنه لا يستحق ميراث كل واحدة منهما في حال/، ولا يستحقه في حال فينتصف، كما هو أصلنا في اعتبار الأحوال. وكذلك إذا ماتتا جميعاً، أو إحداهما بعد الأخرى، لكن لا يعرف التقدم والتأخر، فهذا بمنزلة موتهما معاً، ولو ماتتا معاً، ثم عين إحداهما بعد موتهما، وقال: إياها عنيت - لا يرث منها، ويرث من الأخرى نصف ميراث زوج؛ لأنهما لما ماتتا فقد استحق من كل واحدة منهما نصف ميراث لما بينا، فإذا أراد إحداهما عينا فقد أسقط حقه من ميراثها وهو النصف، فيرث من الأخرى النصف، ولو ارتدتا جميعاً قبل البيان فانقضت عدتهما، وبانتا - لم يكن له أن يبين الطلاق الثلاث في إحداهما، أما البينونة؛ فلأن الملك قد زال من كل وجه بالردة وانقضاء العدة، وإذا زال الملك لا يملك البيان، وهذا يدل على أن الطلاق لم يقع قبل البيان؛ إذ لو وقع لصح البيان بعد البينونة، لأن البيان حينئذ يكون تعيين من وقع عليه الطلاق، فلا تفتقر صحته إلى قيام الملك، ولو كانتا رضيعتين، فجاءت امرأة فأرضعتهما قبيل البيان بانتا، وهذا دليل ظاهر على صحة القول الثاني؛ لأنه لو وقع الطلاق على إحداهما - لصارت أجنبية فلا يتحقق الجمع بين الأختين بالرضاع نكاحاً، فينبغي ألا تبينا وقد بانتا، وإذا بانتا بالرضاع لم يكن له أن يبين الطلاق في إحداهما لما قلنا، وهو دليل على ما قلنا. ولو بين الطلاق في إحداهما تجب عليها العدة من وقت البيان؛ كذا روي عن أبي يوسف، حتى لو راجعها بعد ذلك - صحت رجعته، وكذا إذا بين الطلاق في إحداهما، وقد كانت حاضت قبل البيان ثلاث حيض لا تعتد بما حاضت قبله، وتستأنف العدة من وقت البيان، وهذا يدل على أن الطلاق لم يكن واقعاً قبل البيان. وروي عن محمد أنه تجب العدة من وقت الإرسال وتنقضي إذا حاضت ثلاث حيض من ذلك الوقت ولا تصح الرجعة بعد ذلك، وهذا يدل على أن الطلاق نازل في غير المعين، ومن هذا حقق القدوري الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في كيفية هذا التصرف على ما ذكرنا من القولين، واستدل على الخلاف بمسألة العدة. ولو قال لامرأتين له إحداكما طالق واحدة، والأخرى طالق ثلاثاً، فحاضت إحداهما ثلاث حيض - بانت بواحدة، والأخرى طالق ثلاثاً؛ لأن كل واحدة منهما مطلقة، إلا أن إحداهما بواحدة والأخرى بثلاث، فإذا حاضت إحداهما ثلاث حيض، فقد زال ملكه عنها بيقين فخرجت عن احتمال بيان الثلاث فيها، فتعينت الأخرى للثلاث ضرورة، ولو كان تحته أربع نسوة لم يدخل بهن، فقال: إحداكن طالق ثلاثاً، ثم تزوج أخرى - جاز له، وإن كان مدخولاً بهن، فتزوج أخرى لم يجز، وهذا حجة القول الأول؛ لأن الطلاق لو لم يكن واقعاً في إحداهن لما جاز نكاح امرأة أخرى في الفصل الأول؛ لأن يكون نكاح الخامسة، ولجاز في ٥١٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ الفصل الثاني؛ لأنه يكون نكاح الرابعة، ولما كان الأمر على القلب، من ذلك دل أن الطلاق لم يكن واقعاً قبل البيان. ولو قال لامرأتين له في الصحة: إحداكما طالق، ثم بين في إحداهما في مرضه يصير فارًّا، وترثه المطلقة مع المنكوحة، ويكون الميراث بينهما نصفين، وهذا حجة القول الثاني؛ لأن الطلاق لو كان واقعاً في إحداهما غير عين - لكان وقوع الطلاق في الصحة؛ فينبغي ألا يصير فاراً؛ كما إذا طلق واحدة منهما عيناً، والله أعلم. وأما الذي يتعلق بما بعد موت الزوج: فأنواع ثلاثة : . حكم المهر، وحكم الميراث، وحكم العدة، إذا مات قبل البيان، أما حكم المهر: فإن كانتا مدخولاً بهما - فلكل واحدة منهما جميعاً المهر؛ لأن كل واحدة منهما تستحق جميع المهر، منكوحة كانت أو مطلقة، أما المنكوحة فلا شك فيها. وأما المطلقة؛ فلأنها مطلقة بعد الدخول، وإن كانتا غير مدخول بهما - فلهما مهر ونصف مهر بينهما، لكل واحدة منهما ثلاثة أرباع المهر؛ لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون منكوحة، ويحتمل أن تكون مطلقة، فإن كانت منكوحة تستحق جميع المهر؛ لأن الموت بمنزلة الدخول، وإن كانت مطلقة تستحق النصف؛ لأن النصف قد سقط بالطلاق قبل الدخول، فلكل واحدة منهما كل المهر في حال، والنصف في حال، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، فيتنصف؛ فيكون لكل واحدة ثلاثة أرباع مهر. هذا إذا كان قد سمى لهما مهراً فإنه كان لم يسم لهما مهراً - فلهما مهر ومتعة بينهما؛ لأن كل واحدة منهما إن كانت منكوحة فلها كمال مهر المثل، وإن كانت مطلقة - فلها كمال المتعة، فكل واحدة منهما تستحق كمال مهر المثل في حال ولا تستحق شيئاً من مهر المثل في حال، وكذا المتعة، فنتنصف كل واحدة منهما، فيكون لهما/ مهر ومتعة بينهما لكل واحدة ١١٩أ منهما نصف مهر المثل ونصف متعة. وإن كان سمى لإحداهما مهراً، ولم يسم للأخرى - فللمسمى لها ثلاثة أرباع المهر، وللتي لم يسم لها مهراً نصف مهر المثل؛ لأن المسمى لها إذا كانت منكوحة فلها جميع المسمى، وإن كانت مطلقة فلها النصف، فيتنصف كل ذلك، فيكون لها ثلاثة أرباع المهر المسمى. والتي لم يسم لها إن كانت منكوحة - فلها جميع مهر المثل، وإن كانت مطلقة فليس لها من مثر المثل شيء، فاستحقت في حال، ولم تستحق شيئاً منه في حال؛ فيكون لها نصف مهر المثل، والقياس أن يكون لها نصف المتعة أيضاً وهو قول زفر، وفي الاستحسان ليس لها إلا نصف مهر المثل. ٥٢٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجه القياس أنها إن كانت منكوحة - فلها كمال مهر المثل، وإن كانت مطلقة فلها كمال المتعة، فكان لها كمال مهر المثل في حال، وكمال المتعة حال؛ فينتصف كل واحدة منهما، فيكون لها نصف مهر مثلها وصنف متعتها . وجه الاستحسان أن نصف مهر المثل إذا وجب لها - امتنع وجوب المتعة؛ لأن المتعة بدل عن نصف مهر المثل، والبدل والمبدل لا يجتمعان. هذا إذا كانت المسمى لها مهر المثل معلومة، فإن لم تكن معلومة فلها مهر وربع مهر إذا كان مهر مثلها سواء، ويكون بينهما؛ لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المسمى لها المهر، فيكون لها ثلاث أرباع المهر لما ذكرنا، ويحتمل أن تكون غير المسمى لها المهر، فيكون لها نصف مهر المثل، ففي حال يجب ثلاثة أرباع المهر، وفي حال يجب نصف المهر، فيتنصف كل ذلك، فيكون لهما مهر وربع مهر بينهما، لكل واحدة منهما نصف مهر وثمن مهر، نصف مهر المسمى، وثمن مهر المثل ولا تجب المتعة استحساناً. والقياس أن يجب نصف المتعة أيضاً ويكون بينهما، وهو قول زفر، وجه القياس والاستحسان على نحو ما ذكرنا، والله - عز وجلّ - أعلم. وهذه المسائل تدل على أن الطلاق قد وقع في إحداهما غير عين وقت الإرسال، حيث شاع فيهما بعد الموت؛ إذا الواقع يشيع، والله - عز وجلّ - الموفق. وأما حكم الميراث فهو أنهما يرثان منه ميراث امرأة واحدة، ويكون بينهما نصفين في الأحوال كلها؛ لأن إحداهما منكوحة بيقين، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، فيكون قدر ميراث امرأة واحدة بينهما، فإن كان للزوج امرأة أخرى سواهما، لم يدخلها في الطلاق - فلها نصف ميراث النساء، ولهما للنصف؛ لأنه لا يزاحمها إلا واحدة منهما؛ لأن المنكوحة واحدة منهما، والأخرى مطلقة؛ فكان لها النصف، ثم النصف الثاني يكون بين الآخريين نصفين؛ إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى. وأما حكم العدة فعلى كل واحدة منهما عدة الوفاة وعدة الطلاق؛ لأن إحداهما منكوحة، والأخرى مطلقة، وعلى المنكوحة عدة الوفاة لا عدة الطلاق؛ وعلى المطلقة عدة الطلاق لا عدة الوفاة، فدارت كل واحدة من العدتين في حق كل واحدة من المرأتين بين الوجوب وعدم الوجوب، والعدة يحتاط في إيجابها، ومن الاحتياط القول بوجوبها على كل واحدة منهما، والله تعالى الموفق. وإن كان ممن لا يملك طلاقها لا تصح الإضافة بالإجماع؛ بأن جمع بين امرأة وبين أجنبية، فقال: إحداكما طالق حتى لا تطلق زوجته؛ لأن هذا الكلام يستعمل للإنشاء ويستعمل