Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقوله: يمكنه ألا يتملك فلا يلزمه شيء. قلنا: وقد يملك من غير تملك بالإرث، فلا یمکنه الامتناع عنه . ولو قال: إن قريتك فعلي صوم شهر كذا، فإن كان ذلك الشهر يمضي قبل مضي الأربعة الأشهر - لم يكن مولياً؛ لأنه إذا مضى يمكنه الوطء في المدة من غير شيء يلزمه، وإن كان لا يمضي قبل مضي الأربعة الأشهر - فهو مول؛ لأنه لا يمكنه وطؤها في المدة إلا بصيام يلزمه . ولو قال: إن قربتك فعلي أن أصلي ركعتين، أو علي أن أغزو - لم يكن مولياً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: يكون مولياً؛ كذا ذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي))، وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) الخلاف بين أبي يوسف ومحمد، ولم يذكر قول أبي حنيفة . وجه قول محمد(١) أن الصلاة مما يصح إيجابها بالنذر؛ كالصوم والحج فيصير مولياً؛ كما لو قال: علي صوم أوحج. وجه قولهما: أن هذا لا يصلح مالياً؛ لأنه لا يثقل على الطبع بل يسهل، ولا بعد مانعاً في العرف أيضاً؛ ألا ترى أن الناس لم يتعارفوا الحلف بالصلاة والغزو، بخلاف الحج والصوم؛ فلا يصير(٢) مولياً، كما لو قال: لله علي صلاة الجنازة، أو سجدة التلاوة، وكذا لا مدخل للصلاة في الكفارة، ولا تعلق لها بالمال، بخلاف الصوم والحج، ولو قال: إن قربتك فعلي كفارة أو قال: فعلي يمين - فهو مول؛ لأن قوله: فعلي كفارة التزام الكفارة نصاً، وقوله: علي يمين أي(٣) موجب اليمين، وهو الكفارة؛ فكان بمنزلة قوله: فعلي كفارة. وقالوا فيمن قال: إن قربتك فعلي نحر ولدي؛ أنه مول عند أصحابنا الثلاثة، خلافاً الزفر، بناء على أن النذر بنحر الولد - يصح، ويجب ذبح شاة عندنا، وعقد زفر: هو باطل لا يوجب شيئاً، ولو قال: إن قربتك، فأنت علي مثل امرأة فلان، وفلان كان آلى من امرأته، فإن نوى الإيلاء كان مولياً، لأنه شبهها بامرأة آلى منها زوجها، لإتيانه بلفظ موضوع التشبيه، فإذا نوى به الإيلاء انصرف التشبيه إليه، وإن لم ينو التحريم، ولا اليمين - لم يكن مولياً؛ لأن التشبيه لا يقتضي المساواة في جميع الصفات. وقالوا فيمن قال لامرأته: أنا منك مول؛ أنه إن عنى به الخبر بالكذب - يصدق فيما بينه وبين الله، ولا يكون مولياً؛ لأن لفظه لفظ الخبر، وخبر غير المعصوم يحتمل الكذب، ولا (١) في أ: أبي يوسف. (٢) في أ: يكون. (٣) سقط في ط. ٣٦٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ يصدق في القضاء؛ لأن خبره يحمل على الصدق، ولا يكون صادقاً إلا بثبوت المخبر به، وإن عنى به الإيجاب - كان مولياً في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الإيجاب في العرف، ولو آلى من امرأته، ثم قال لامرأة له أخرى: قد أشركتك في إيلائها - كان باطلاً؛ لأن الشركة في الإيلاء لو صحت لثبتت الشركة في المدة، فيصير لكل واحدة منهما أقل من أربعة أشهر، وهذا يمنع صحة الإيلاء؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى. ولو قال: إن قربتك فإنت علي حرام، فإن نوى الطلاق فهو مول عندهم جميعاً؛ لأنه إذا نوى به الطلاق، فقد جعل الطلاق جزاء مانعاً من القربان، فيصير كأنه قال: إن قربتك فأنت طالق، ولو قال ذلك لصار مولياً؛ كذا هذا، وإن نوى اليمين فهو مول للحال عند أبي حنيفة، ٨٨أ وعند/ أبي يوسف ومحمد: لا يكون مولياً ما لم يقربها. وجه قولهما: أن قوله: أنت علي حرام إذا نوى به اليمين، أو لا نية له - يكون إيلاء بلا خلاف بين أصحابنا؛ كأنه قال: والله لا أقربك، فصار الإيلاء معلقاً بالقربان؛ كأنه قال: إن قربتك فوالله لا أقربك، ولو قال ذلك لا يكون مولياً حتى يقربها؛ كذا هذا. ولأبي حنيفة: أنه منع نفسه من قربان امرأته في المدة بما لا يصلح مانعاً وهو التحريم، وهو حد المولى فيصير مولياً؛ كما لو قال: إن قربتك، فإنت علي كظهر أمي، ثم لا بد من معرفة مسألة الحرام، أعني: قوله لامرأته: أنت علي حرام من غير التعليق بشرط القربان أن حكمها ما هو. وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو؛ إما أن أضاف التحريم إلى شيء خاص؛ نحو امرأته، أو الطعام، أو الشراب، أو اللباس، وإما أن أضافه إلى كل حلال على العموم، فإن أضافه إلى امرأته؛ بأن قال: أنت علي حرام، أو قد حرمتك علي، أو أنا عليك حرام، أو قد حرمت نفسي عليك، أو أنت محرمة علي، فإن أراد به طلاقاً فهو طلاق؛ لأنه يحتمل الطلاق وغيره. فإذا نوى به الطلاق انصرف إليه، وإن نوى ثلاثاً يكون ثلاثاً، وإن نوى واحدة يكون واحدة بائنة، وإن نوى اثنتين يكون واحدة بائنة عندنا خلافاً لزفر؛ لأنه من جملة كنايات الطلاق، وإن لم ينو الطلاق، ونوى التحريم، أو لم يكن له نية فهو يمين عندنا، ويصير مولياً، حتى أو تركها أربعة أشهر بانت بتطليقة؛ لأن الأصل فى تحريم الحلال أن يكون يميناً لما تبين. وإن قال: أردت به الكذب - يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يكون شيئاً، ولا يصدق في لفي اليمين في القضاء. وقد اختلف السلف - رضي الله تعالى عنهم - في هذه المسألة روي عن أبي بكر، ٣٦٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ وعمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: الحَرَامُ يَمِينٌ، حتى روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -؛ أنه قال: إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها؛ أما كان لكم في رسول الله أسوة حسنة؟! وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: إِنْ نَوىُ طَلَاقاً فَطَلاقٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاَقاً فَيَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه - أنه قال: فِيهِ كَفَّارَةً يَميِنٍ، ومنهم من جعله طلاقاً ثلاثاً، وهو قول علي - رضي الله تعالى عنه - ومنهم من جعله طلاقاً رجعياً. وعن مسروق؛ أنه قال: ليس ذلك بشيء ما أبالي حرمتها، أو قصعة من ثريد، وقال الشافعي: ليس بيمين، وفيه كفارة يمين بنفس اللفظ، ولقب المسألة أن تحريم الحلال هل هو یمین؟ وعندہ لیس بیمین. وجه قوله أن تحريم الحلال تغيير الشرع، والعبد لا يملك تغيير الشرع؛ ولهذا خرج قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهَ لَكَ﴾ [التحريم: ١] مخرج العتاب لرسول الله اَلر - فدل؛ أنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله - سبحانه وتعالى -؛ وبه تبين أن اليمين لا يحرم المحلوف عليه على الحالف، وإنما يمنعه منه بكونه(١) حلالاً. ولنا الكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب فقوله عز وجل ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ يُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ نَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] قيل: نزلت الآية في تحريم جاريته مارية القبطية، لما قال ◌َّ هي علي حرام، وسمى الله تعالى ذلك يميناً بقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، أي: وسع الله عليكم، أو أباح لكم أن تحلوا من أيمانكم بالكفارة، وفي بعض القرآآت: ((قد فرض الله لكم كفارة أيمانك، والخطاب عام يتناول رسول الله وَله وأمته. وأما السنة: فما روي عن ابن عباس عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله تعالى عنهما - أَنَّ النَّبِيُّ ◌ََّ جَعَلَ الحَرَامَ يَمِيناً، وأما الإجماع: فما رويَ (٢) عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أن النبي وَّر جعل الحرام يميناً، وبعضهم نص على وجوب كفارة اليمين فيه، وكفارة اليمين، ولا يمين لا تتصور؛ فدل على أنه يمين، وقول من جعله طلاقاً ثلاثاً محمول على ما إذا نوى الثلاث؛ لأن الحرمة نوعان: غليظة، وخفيفة، فكانت فيه الثلاث تعيين بعض ما يحتمله اللفظ؛ فيصح، وإذا نوى واحدة كانت واحدة بائنة، لأن اللفظ ينبىء عن الحرمة، والطلاق الرجعي لا يوجب الحرمة للحال، وإثبات حكم اللفظ على الوجه الذي ينبىء عنه (١) في أ: مع كونه. (٢) في أ: روينا. ٣٦٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ اللفظ - أولى؛ ولأن المخالف يوجب فيه كفارة يمين، (١) وكفارة اليمين تستدعي وجود اليمين، فدل أن هذا اللفظ يمين في الشرع، فإذا نوى به الكذب - لا يصدق في إبطال اليمين في القضاء؛ لعدوله عن الظاهر. وأما قوله: إن تحريم الحلال تغيير للشرع، فالجواب عنه من وجهين. ٨٨ ب (أحدهما): أن هذا ليس بتحريم/ الحلال من الحالف حقيقة، بل من الله - سبحانه وتعالى - لأن التحريم إثبات الحرمة كالتحليل إثبات الحل، والعبد لا يملك ذلك، بل الحرمة والحل، وسائر الحكومات الشرعية ثبتت إثبات الله تعالى، لا صنع للعبد فيها أصلاً، إنما من العبد مباشرة سبب الثبوت. هذا هو المذهب عند أهل السنة والجماعة، فلم يكن هذا من الزوج تحريم ما أحله الله تعالى، بل مباشرة سبب ثبوت الحرمة، أو منع النفس عن الانتفاع بالحلال؛ لأن التحريم في اللغة عبارة عن المنع، وقد يمنع المرء من تناول الحلال لغرض له في ذلك، ويسمى ذلك تحريماً، قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] والمراد منه امتناع سيدنا موسى - عليه السلام - عن الارتضاع من غير ثدي أمه، لا التحريم الشرعي، وعلى أحد هذين الوجهين يحمل التحريم المضاف إلى رسول الله اله . فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتم لم يكن ذلك منه تحريم الحلال حقيقة، فما معنى إلحاق العتاب به - فالجواب عنه من وجهين : (أحدهما): أن ظاهر الكلام إن كان يوهم العتاب، فليس بعتاب في الحقيقة، بل هو تخفيف المؤنة عليه وَّير في حسن العشرة والصحبة مع أزواجه؛ لأنه كان مندوباً إلى حسن العشرة معهن، والشفقة عليهن والرحمة بهن، فبلغ به (٢) من حسن العشرة والصحبة مبلغاً امتنع عن الامتناع بما أحل الله له، يبتغي به حسن العشرة، فخرج ذلك مخرج تخفيف المؤتة في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي والعتاب، وإن كان صيغته صيغة النهي والعتاب، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]. (والثاني): إن كان ذلك الخطاب عتاباً؛ فيحتمل أنه إنما عوتب؛ لأنه فعل بلا إذن سبق من الله - عز وجلّ -، وإن كان ما فعل مباحاً في نفسه، وهو منع النفس عن تناول الحلال، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يعاتبون على أدنى شيء منهم يوجد، مما لو كان ذلك من غيرهم لعد من أفضل شمائله، كما قال تعالى: ﴿عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] (١) في أ: اليمين. (٢) سقط في ط. ٣٦٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] ونحو ذلك، والثاني إن كان هذا تحريم الحلال، لكن لم قلت: إن كل تحريم حلال من العبد تغيير للشرع، بل ذلك نوعان: تحريم ما أحله الله تعالى مطلقاً، وذلك تغيير، بل اعتقاده كفر، وتحريم ما أحله الله مؤقتاً إلى غاية وهنا (١) لا يكون تغييراً، بل يكون بيان نهاية الحلال(٢)؛ ألا ترى أن الطلاق مشروع، وإن كان تحريم الحلال، لكن(٣) لما كان الحل مؤقتاً إلى غاية وجود الطلاق - لم يكن التطليق من الزوج تغييراً للشرع، بل كان بيان انتهاء الحل. وعلى هذا سائر الأحكام التي تحتمل الارتفاع والسقوط، وعلى هذا سبيل النسخ فيما يحتمل التناسخ(٤)، فكذا قوله لامرأته: أنت علي حرام، وإن نوى بقوله: أنت علي حرام الظهار - كان ظهاراً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يكون ظهاراً. وجه قوله: أن الظهار تشبيه الحلال بالحرام، والتشبيه لا بد له من حرف التشبيه، ولم يوجد؛ فلا يكون ظهاراً. ولهما: أنه وصفها بكونها محرمة، والمرأة تارة تكون محرمة بالطلاق، وتارة تكون محرمة بالظهار، فأي ذلك نوی فقد نوی ما يحتمله كلامه؛ فیصدق فيه. هذا إذا أضاف التحريم إلى المرأة. فأما إذا أضافه إلى الطعام أو الشراب أو اللباس، بأن قال: هذا الطعام علي حرام، أو هذا الشراب، أو هذا اللباس - فهو يمين عندنا وعليه الكفارة إذا فعل، وقال الشافعي: إذا قال(٥) ذلك في غير الزوجة والجارية - لا يجب شيء، وهي مسألة تحريم الحلال؛ أنه يمين أم لا . وجه قول الشافعي في المسألة الأولى ما ذكرنا في المسألة الأولى. ولنا قوله - عز وجلّ -: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾ [التحريم: ١] قيل نزلت الآية في تحريم العسل، وقد سماه الله تعالى يميناً بقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ نِحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فدل أن تحريم غير الزوجة والجارية يمين موجب للكفارة؛ لأن تحلة اليمين هي الكفارة. فإن قيل: فقد روي أنها نزلت في تحريم جاريته مارية - فالجواب أنه لا يمتنع أن تكون الآية الكريمة نزلت فيهما؛ لعدم التنافي؛ ولأنه لو أضاف التحريم إلى الزوجة والجارية - لكان(٦) (١) سقط في ط. (٢) في أ: الحل. (٣) في أ: بل. (٤) في أ: الإنفساخ. (٥) في أ: كان. (٦) في أ: يكون. ٣٦٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ يميناً، فكذا إذا أضيف إلى غيرهما - كان يميناً؛ كلفظ القسم إذا أضيف إلى الزوجة والجارية . كان يميناً، وإذا أضيف إلى غيرهما كان يميناً أيضاً؛ كذا هذا. فإن فعل كان يميناً مما حرمه، قليلاً أو كثيراً - حنث، وانحلت اليمين؛ لأن التحريم المضاف إلى المعين (١) يوجب تحريم كل جزء ١٨٩ من أجزاء المعين؛ كتحريم الخمر، والخنزير، والميتة، والدم، فإذا تناول شيئاً منه فقد فعل المحلوف عليه؛ فيحنث وتنحل اليمين، بخلاف ما إذا حلف لا يأكل هذا الطعام، فأكل بعضه أنه لا يحنث؛ لأن الحنث هناك معلق(٢) بالشرط، وهو أكل كل الطعام، والمعلق بشرط لا ينزل عند وجود بعض الشرط . ولو قال: نسائي عليّ حرام، ولم ينو الطلاق، فقرب إحداهن - كفّر، وسقطت اليمين فيهن جميعاً؛ لأنه أضاف التحريم إلى جمع، فيوجب تحريم كل فرد من أفراد الجمع، فصار كل فرد من أفراد الجمع محرماً على الانفراد، فإذا قرب واحدة منهن، فقد فعل ما حرمه على نفسه فيحنث، وتلزمه الكفارة وتنحل اليمين، وإن لم يقرب واحدة منهن حتى مضت أربعة أشهر بِنَّ جميعاً؛ لأن حكم الإيلاء. لا يثبت في حق كل واحدة منهن على انفرادها، والإيلاء يوجب البينونة بمضي المدة من غير فيء، هذا إذا أضاف التحريم إلى نوع خاص، فأما إذا أضافه إلى الأنواع كلها؛ بأن قال: كل حلال علي حرام، فإن لم تكن له نية - فهو على الطعام والشراب خاصة استحساناً، والقياس أن يحنث عقيب كلامه، وهو قول زفر. وجه القياس: أن اللفظ خرج مخرج العموم، فيتناول كل حلال، وكما فرغ عن يمينه لا يخلو عن نوع حلال يوجد منه؛ فيحنث. وجه الاستحسان: أن هذا عام لا يمكن العمل بعمومه؛ لأنه لا يمكن حمله على كل مباح؛ من فتح عينه، وغض بصره، وتنفسه، وغيرها، من حركاته وسكناته المباحة، لأنه لا يمكنه الامتناع عنه، والعاقل لا يقصد بيمينه منع نفسه عما لا يمكنه الامتناع عنه، فلم يمكن العمل بعموم هذا اللفظ، فيحمل على الخصوص وهو الطعام والشراب، باعتبار العرف والعادة؛ لأن هذا اللفظ مستعمل(٣) فيهما في العرف. ونظيره قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] أنه لما لم يمكن العمل بعمومة،؛ لثبوت المساواة بين المسلم والكافر في أشياء كثيرة - حمل على الخصوص، وهو نفي المساواة بينهما في العمل في الدنيا، أو في الجزاء في الآخرة؛ كذا هذا. (١) في أ: العين. (٢) في أ: تعلق. (٣) في أ: يستعمل. ٣٦٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ فإن نوى مع ذلك اللباس أو امرأته - فالتحريم واقع على جميع ذلك، (١) وأي شيء من ذلك فعل وحده - لزمته الكفارة؛ لأن اللفظ صالح لتناول كل المباحات، وإنما حملناه على الطعام والشراب بدليل العرف، فإذا نوى عيناً زائداً على المتعارف فقد نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد على نفسه فيقبل قوله، فإذا نوى شيئاً بعينه دون غيره؛ بأن نوى الطعام خاصة، أو الشراب خاصة، أو اللباس خاصة، أو امرأته خاصة - فهو على ما نوى فيما بينه وبين الله تعالى، وفي القضاء لما ذكرنا أن هذا اللفظ متروك العمل بظاهر عمومه، ومثله يحمل على الخصوص . فإذا قال: أردت واحداً بعينه ودون غيره - فقد ترك ظاهر لفظ هو متروك الظاهر، فلم يوجد منه العدول عن الظاهر(٢) فيصدق، وإن قال: كل حل(٣) علي حرام، ونوى امرأته كان عليها وعلي الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب دخلا تحت ظاهر هذا اللفظ، ولم ينفهما بنيته، فبقيا داخلين تحت اللفظ، بخلاف الفصل الأول؛ لأنه هناك نوى امرأته خاصة، ونفى الطعام والشراب بنيته، فلم يدخلا، وههنا لم ينف الطعام والشراب بنيته، وقد دخلا تحت اللفظ، فبقيا كذلك ينفيا بالنية، وإن نوى في امرأته الطلاق لزمه الطلاق(٤) فيها، فإن أكل أو شرب لم تلزمه الكفارة؛ لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله على الطلاق، واليمين؛ لاختلاف معنييهما، واللفظ الواحد لا يحتمل(٥) معنيين مختلفين. فإذا أراد به في الزوجة الطلاق الذي هو أشد الأمرين وأغلظهما - لا يبقى الآخر مراداً، وكذا روي عن أبي يوسف ومحمد في رجل قال لامرأتين له: أنتما علي حرام يعني في إحداهما الطلاق وفي الأخرى الإيلاء - فهما طالقان جميعاً؛ لما ذكرنا أن اللفظ الواحد لا يحتمل(٦) معنيين مختلفين، فإذا أرادهما بلفظ واحد . يحمل على أغلظهما، ويقع الطلاق عليهما. ولو قال: هذه علي حرام ينوي الطلاق، وهذه علي حرام، ينوي الإيلاء - كان كما نوى؛ لأنهما لفظان، فيجوز أن يراد بأحدهما خلاف ما يراد بالآخر. وعن أبي يوسف فيمن قال لامرأتيه: أنتما علي حرام، ينوي في إحداهما ثلاثاً، وفي الأخرى واحدة؛ أنهما جميعاً طالقان ثلاثاً؛ لأن حكم الواحدة البائنة خلاف حكم الثلاث؛ لأن الثلاث يوجب الحرمة الغليظة، واللفظ الواحد لا يتناول معنيين مختلفين في حالة واحدة، فإذا نواهما يحمل على أغلظهما وأشدهما. (١) في أ: ذلك أجمع. (٢) سقط في ط. (٣) في أ: حلال. (٤) في ط: الطعام. (٥) في ط: لا يشتمل على. (٦) في أ: ينتظم. ٣٦٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقال ابن سماعة في («نوادره)): سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال: ما أحل الله علي ٨٩ ب حرام من مال/ وأهل، ونوى الطلاق في أهله، قال: ولا نية له في الطعام، فإن أكل، لم يحنث لما قلنا. قال: وكذلك لو قال: هذا الطعام علي حرام، وهذه ينوي الطلاق؛ لأن اللفظة واحدة، وقد تناولت الطلاق؛ فلا تتناول تحريم الطعام. وقالوا فيمن قال لامرأته: أنت علي؛ كالدم، أو الميتة، أو لحم الخنزير، أو كالخمر؛ أنه يسأل عن نيته، فإن نوى كذباً فهو كذب؛ لأن هذا اللفظ ليس صريحاً في التحريم، ليجعل يميناً، فيصدق أنه أراد به الكذب، بخلاف قوله: أنت علي حرام؛ فإنه صريح في التحريم فكان يميناً، وإن نوى التحريم فهو إيلاء؛ لأنه كما (١) شبهها بما هو محرم، فكأنه قال: أنت حرام، وإن نوى الطلاق - فالقول فيه كالقول فيمن قال لامرأته: أنت علي حرام، ينوي الطلاق . وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: إن فعلت كذا، فأنت أمي، يريد التحريم - قال هو باطل؛ لأنه لم يجعلها مثل أمه، ليكون تحريماً، وإنما جعلها أمه؛ فيكون كذباً . قال محمد رحمه الله: ولو ثبت التحريم بهذا لثبت إذا قال: أنت حواء، وهذا لا يصح. وقال ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: أنت معي حرام فهو مثل قوله: أنت علي حرام؛ لأن هذه الحروف يقام بعضها مقام بعض، والله تعالى أعلم. فضل في ركن الإيلاء وأما شرائط ركن الإيلاء فنوعان. نوع هو شرط صحته في حق حكم الحنث. ونوع هو شرط صحته في حق حكم البر، وهو الطلاق. أما الأول: فموضع بيانه كتاب الأيمان؛ لأن الإيلاء يساوي سائر الأيمان في حق أحد الحكمين، وهو حكم الحنث، وإنما يخالفها في حق الحكم الآخر، وهو حكم البر؛ لأنه لا حكم لسائر الأيمان عند تحقق البر فيها، وللإيلاء عند تحقق البر حكم، وهو وقوع الطلاق؛ إذ هو تعليق الطلاق البائن شرعاً بشرط البر؛ كأنه قال: إذا مضت أربعة أشهر، ولم أقربك فيها، فأنت طالق: بائن، فنذكر الشرائط المختصة به في حق هذا الحكم، وهو الطلاق، فنقول: (١) سقط في ط. ٣٦٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ الركن: الإيلاء في حق هذا الحكم شرائط، بعضها يعم كل يمين بالطلاق، وبعضها يخص الإيلاء، أما الذي يعم فما ذكرنا من الشرائط فيما تقدم من العقل والبلوغ، وقيام ملك النكاح، والإضافة(١) إلى الملك حتى لا يصلح(٢) إيلاء الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل الطلاق. وكذا لو آلى من أمته، أو مدبرته، أو أم ولده - لم يصح إيلاؤه في حق هذا الحكم؛ لأن الله تعالى خص الإيلاء بملك النكاح، وشرع الإيلاء في حق هذا الحكم ثبت بخلاف القياس بهذه الآية الشريفة، وأنها وردت في الأزواج، فتختص بهم، ولأن اعتبار الإيلاء في حق هذا الحكم لدفع الظلم عنها من قبل الزوج؛ لمنعه حقها في الجماع منعاً مؤكداً باليمين، ولا حق للأمة قبل مولاها في الجماع، فلم يتحقق الظلم، فلا تقع الحاجة إلى الدفع لوقوع الطلاق؛ ولأن الفرقة الحاصلة بمضي المدة من غير فيء فرقه بطلاق، ولا طلاق بدون النكاح، ولو آلى منها وهي مطلقة، فإن كان الطلاق رجعياً فهو مول؛ لقيام الملك من كل وجه؛ ولهذا صح طلاقه وظهاره، ويتوارثان، وإن كان بائناً أو ثلاثاً لم يكن مولياً؛ لزوال الملك والمحل(٣) بالإبانة والثلاث، والإيلاء لا ينعقد في غير الملك ابتداء، وإن كان يبقى بدون الملك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يخرج ما إذا قال لأجنبية: والله لا أقربك، ثم تزوجها؛ أنه لا يصير مولياً في حق حكم البر، حق لو مضت أربعة أشهر فصاعداً بعد التزوج، ولم يفئ إليها(٤) - لا يقع عليها شيء؛ لانعدام الملك، والإضافة إلى الملك، ولو قربها بعد التزوج أو قبله - تلزمه الكفارة؛ لانعقاد اليمين في حق الحنث. ولو قال لها: إن تزوجتك، فوالله لا أقربك، فتزوجها - صار مولياً عندنا؛ لوجود الملك عند المتزوج، واليمين بالطلاق يصح في الملك، أو مضافاً إلى الملك، وههنا وجدت الإضافة إلى الملك، فيصير مولياً، بخلاف الفصل الأول، وكذا جميع ما ذكرنا من شرائط صحة التطليق، فهو من شرط صحة الإيلاء في حق الطلاق، وأما الذي يخص الإيلاء فشيئان: أحدهما: المدة، وهي أن يحلف على أربعة أشهر فصاعداً في الحرة أو يحلف مطلقاً أو مؤبداً، حتى لو حلف على أقل من أربعة أشهر - لم يكن مولياً في حق الطلاق، وهذا قول عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم .. وقال بعض أهل العلم: إن مدة الإيلاء غير مقدرة يستوي فيها القليل والكثير، حتى لو حلف لا يقربها يوماً أو ساعة - كان مولياً، حتى لو تركها أربعة أشهر - بانت، وكذا روي عن (١) في أ: أو الإضافة. (٢) في أ: يصح. (٣) في ط: المحل. (٤) بدل ما بين المعكوفين في أ: يقربها. بدائع الصنائع ج٤ - م٢٤ ٣٧٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: إِنَّ إِلا يلاَءَ عَلَى الأَبَدِ، وقال الشافعي: لا يكون مولياً حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر. وجه قول الأولين ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿َ آَلَىْ مِنْ نِسَائِهِ شَهْراً، فَلَمَّا كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْماً تَرَكَ إِلاَءَهُنَّ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ ١٩٠ أَلَيْتَ شَهْراً يَا رَسُولَ الله/، فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْماً، ولأن الله تعالى لم يذكر في كتابه الكريم للإيلاء مدة، بل أطلقه إطلاقاً؛ بقوله - عز وجلّ -: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فيجري على إطلاقه، وإنما ذكر المدة لثبوت البينونة، حتى تبين بمضي المدة من غير فيء، لا ليصير التصرف(١) إيلاء شرعاً ونحن به نقول. ولنا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ذكر للإيلاء في حكم الطلاق مدة مقدرة، فلا يكون الحلف على ما دونها إيلاء في حق هذا الحكم؛ وهذا لأن الإيلاء ليس بطلاق حقيقة، وإنما جعل طلاقاً معلقاً بشرط البر شرعاً بوصف كونه مانعاً من الجماع أربعة أشهر فصاعداً، فلا يجعل طلاقاً بدونه؛ ولأن الإيلاء يرتفع بمضي الوقت المذكور من اليوم والشهر إذ لم يبق الإيلاء لا يبقى حكمه ولأن الإيلاء(٢) هو اليمين التي تمنع الجماع خوفاً من لزوم الحنث، وبعد مضي يوم أو شهر يمكنه أن يطأها، من غير حنث يلزمه، فلا يكون هذا إيلاء. وأما قولهم: إن المدة ذكرت لثبوت حكم الإيلاء لا للإيلاء، فنقول: ذكر المدة في حكم الإيلاء لا يكون ذكراً في الإيلاء؛ لأن الحكم ثبت بالإيلاء، إذ به يتأكد المنع المحقق للظلم . وأما الحديث فالمروي أن النبي وَّرِ أَلَى أَلاَّ يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْراً، وعندنا من حلف لا يدخل على امرأته يوماً أو شهراً أو سنة - لا يكون مولياً في حق حكم الطلاق؛ لأن الإيلاء يمين يمنع الجماع، وهذا لا يمنع الجماع، وقول عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - الإيلاء على الأبد محتمل يحتمل أن يكون معناه: أن الإيلاء إذا ذكر مطلقاً عن الوقت يقع على الأبد، وإن لم یذکر الأبد؛ ونحن نقول به. ويحتمل أنه أراد به أن ذكر الأبد شرط صحة الإيلاء في حق حكم الطلاق، فيحمل على الأول توفيقاً بين الأقاويل. (١) سقط في ط. (٢) سقط في ط. ٣٧١ كِتَابُ الطَّلاَقِ والدليل عليه ما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما _؛ أنه قَالَ: كَانَ إِيلاَءُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةً والسَّنَتَيْنِ، وأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَوقْتَهُ الله أَزْبَعَةً أَشْهُرٍ، فَمَنْ كَانَ إِيلاَؤُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيلاَءٍ ولأنه ليس في النص شرط الأبد، فيلزمه إثبات حكم الإيلاء في حق الطلاق عند تربص (١) أربعة أشهر، فلا تجوز الزيادة إلا بدليل. وأما الكلام مع الشافعي فمبني على حكم الإيلاء في حق الطلاق، فعندنا إذا مضت أربعة أشهر تبين منه، وعنه لا تبين، بل توقف بعد مضي هذه المدة، ويخير بين الفيء والتطليق، فلا بد وأن تزيد المدة على أربعة أشهر ونذكر المسألة في بيان حكم الإيلاء إن شاء الله تعالى، وسواء كان الإيلاء في حال الرضا أو الغضب، أو أراد به إصلاح ولده في الرضاع، أو الإضرار بالمرأة عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، وهو الصحيح؛ لأن نص الإيلاء لا يفصل بين حال وحال، ولأن الإيلاء يمين، فلا يختلف حكمه بالرضا والغضب، وإرادة الإصلاح(٢) والإضرار كسائر الأيمان. وأما مدة إيلاء الأمة المنكوحة فشهران فصاعداً عندنا، وعند الشافعي مدة إيلاء الأمة كمدة إيلاء الحرة. واحتج بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر﴾ [البقرة: ٢٢٦] من غير فصل بين الحرة والأمة، والكلام من حيث المعنى مبني على اختلاف، أصل نذكره في حكم الإيلاء، وهو أن مدة الإيلاء ضربت أجلاً للبينونة عندنا، فأشبه مدة العدة، فيتنصف بالرق، كمدة العدة، وعنده ضربت، لإظهار ظلم الزوج بمنع حقها عن الجماع في المدة، وهذا يوجب التسوية بين الأمة والحرة في المدة؛ كأجل العنين، ولا حجة له في الآية (٣)، لأنها تناولت الحرائر لا الإماء، لأنه سبحانه وتعالى ذكر عزم الطلاق، ثم عقبه بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثلاثة قُرُون، وهي عدة الحرائر، وسواء كان زوجها عبداً أو حراً، فالعبرة لرق المرأة وحريتها لا لرق الرجل وحريته،؛ لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين طلاق، فيعتبر فيه جانب النساء. ولو اعترض العتق على الرق؛ بأن كانت مملوكة وقت الإيلاء، ثم اعتقت تحولت مدتها مدة الحرائر، بخلاف العدة، فإنها إذا طلقت طلاقاً بائناً، ثم أعتقت. لا تنقلب عدتها عدة الحرائر، وفي الطلاق الرجعي تنقلب، والفرق بين هذه الجملة يعرف في موضعه إن شاء الله تعالی . (١) في أ: مضى. (٣) في أ: إيلائه. (٢) في أ: إصلاح ولده. ٣٧٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته الحرة: والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوماً - لا يكون مولياً؛ لنقصان المدة، ولو قال لها: والله لا أقربك شهرين، وشهرين بعد هذين الشهرين - فهو مولٍ، لأنه جمع بين شهرين وشهرين بحرف الجمع، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ ٩٠ ب الجمع/ فصار كأنه قال: والله لا أقربك أربعة أشهر. ولو قال لها: والله لا أقربك شهرين، فمكث يوماً، ثم قال: والله لا أقربك شهرين بعد هذين الشهرين الأولين - لم يكن مولياً؛ لأنه إذا سكت يوماً فقد مضى يوم من غير حكم الإيلاء، لأن الشهرين ليسا بمدة الإيلاء في حق الحرة، فإذا قال: وشهرين بعد هذين الشهرين - فقد جمع الشهرين الآخرين إلى الأوليين بعدما مضى يوم من غير حكم الإيلاء؛ فصار كأنه قال: والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوماً، ولو قال ذلك لم يكن مولياً؛ لنقصان المدة؛ كذا هذا. ولو قال: والله لا أقربك سنة إلا يوماً - لم يكن مولياً للحال في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يكون مولياً للحال، حتى لو مضت السنة، ولم يقربها فيها لا تبين، ولو قربها يوماً لا كفارة عليه عندنا، وعنده إذا مضت أربعة أشهر منذ قال هذه المقالة، ولم يقربها فيها - تبين، ولو قربها تلزمه الكفارة. وجه قوله: أن اليوم المستثنى ينصرف إلى آخر السنة؛ كما في الإجارة، فإنه لو قال: أجرتك هذه الدار سنة إلا يوما - انصرف اليوم إلى آخر السنة حتى صحت الإجارة؛ كذا ههنا، وإذا انصرف إلى آخر السنة كانت مدة الإيلاء أربعة أشهر وزيادة، فيصير مولياً، ولأنه إذا انصرف إلى آخر السنة، فلا يمكنه قربان امرأته في الأربعة أشهر من غير حنث يلزمه، وهذا حد المولى. ولنا: أن المستثنى يوم منكر، فتعيين اليوم الآخر تغيير الحقيقة؛ لا يجوز تغيير الحقيقة من غير ضرورة، فبقي المستثنى يوماً شائعاً في السنة، فكان له أن يجعل ذلك اليوم أي يوم شاء؛ فلا تكمل المدة؛ ولأنه إذا استثنى يوماً شائعاً في الجملة، فلم يمنع نفسه عن قربان امرأته بما يصلح مانعاً من القربان في المدة؛ لأن له أن يعين يوماً للقربان، أي يوم كان، فيقربها فيه من غير حنث يلزمه؛ فلم يكن مولياً، وفي باب الإجارة مست الضرورة إلى تعيين الحقيقة؛ لتصحيح الإجارة إذ لا صحة لها بدونه؛ لأن كون المدة معلومة في الإجارة شرط صحة الإجارة، ولا تصير معلومة إلا بانصراف الاستثناء إلى اليوم الأخير، وههنا لا ضرورة؛ لأن جهالة المدة لا تبطل اليمين، فإن قال ذلك، ثم قربها يوماً ينظر إن كان قد بقي من السنة أربعة أشهر فصاعداً - صار مولياً؛ لوجود قال المدة (١) ولوجود حد المولى، وإن بقي أقل من ذلك لم يصل مولياً لنقصان المدة، ولانعدام حد الإيلاء. (١) في أ: مدة الإيلاء. ٣٧٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ وعلى هذا الخلاف إذا قال: والله لا أقربك سنة إلا مرة، غير أن في قوله: إلا يوماً إذا قربها، وقد بقي من السنة أربعة أشهر فصاعداً - لا يصير مولياً ما لم تغرب الشمس من ذلك اليوم، يعتبر ابتداء المدة من وقت غروب الشمس من ذلك اليوم؛ لأن اليوم اسم لجميع هذا الوقت من أوله إلى آخره، فلا ينتهي إلا بغروب الشمس. وفي قوله: إلا مرة يصير مولياً عقيب القربان بلا فصل، ويعتبر ابتداء المدة من وقت فراغه من القربان مرة، لأن المستثنى ههنا هو القربان مرة لا اليوم، والمستثنى هناك هو اليوم لا المرة؛ لذلك افترقا، ثم مدة أشهر الإيلاء تعتبر بالأهلة أم بالأيام، فنقول: لا خلاف أن الإيلاء إذا وقع في غرة الشهر تعتبر المدة بالأهلة، وإذا وقع في بعض الشهر لم يذكر عن أبي حنيفة نص رواية . وقال أبو يوسف: تعتبر بالأيام، وذلك مائة وعشرون يوماً، وروي عن زفر أنه يعتبر بقية الشهر بالأيام، والشهر الثاني والثالث بالأهلة، وتكمل أيام الشهر الأول بالأيام من أول الشهر الرابع، ويحتمل أن يكون هذا على اختلافهم في عدة الطلاق والوفاة، على ما نذكره هناك إن شاء الله تعالى. والثاني: ترك الفيء في المدة؛ لأن الله تعالى جعل عزم الطلاق شرط وقوعه بقوله ﴿فَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وكلمة (إن) للشرط، وعزم الطلاق ترك الفيء في المدة. والكلام في الفيء يقع في مواضع: في تفسير الفيء المذكور في الآية الكريمة أنه ما هو، وفي بيان شرط صحة الفيء، وفي بيان وقت الفيء أنه [قبل انقضاء المدة] (١) أو بعد انقضائها، أما الأول فالفيء عندنا على ضربین : أحدهما: بالفعل وهو الجماع في الفرج، حتى لو جامعها فيما دون الفرج، أو قبلها بشهوة، أو لمسها لشهوة (٢)، أو نظر إلى فرجها [عن شهوة] (٣) - لا يكون ذلك فيئاً؛ لأن حقها في الجماع في الفرج، فصار ظالماً بمنعه، فلا يندفع الظلم إلا به؛ فلا يحصل الفيء وهو الرجوع عما عزم عليه عند القدرة إلا به، بخلاف الرجعة أنها تثبت بالجماع فيما دون الفرج، (١) في ط: أنه في المدة أو بعد انقضائها. (٢) في أ: بشهوة. (٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: بشهوة. ٣٧٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ وبالمس عن شهوة، والنظر إلى الفرج عن شهوة؛ لأن البينونة هناك بعد انقضاء العدة تثبت من ١٩١ وقت وجود الطلاق من وجه، فلو لم تثبت/ الرجعة به - لصار مرتكباً للحرام، فجعل الإقدام عليه دلالة الرجعة (١) تحرزاً عن الحرام، وهذا المعنى لم يوجد لههنا؛ لأن البينونة بعد انقضاء المدة ثبتت مقصورة على الحال، فلو لم يجعل منه فيئاً - لم يصر مرتكباً للحرام؛ لذلك فافترقا . والثاني: بالقول، والكلام فيه يقع في موضعين: أحدهما: في صورة الفيء بالقول. والثاني: في بيان شرط صحته. أما صورته فهي أن يقول لها فئت إليك، أو راجعتك، وما أشبه ذلك. وذكر الحسن عن أبي حنيفة في صفة الفيء، أن يقول الزوج: اشهدوا أني قد فئت إلى امرأتي، وأبطلت الإيلاء(٢)، وليس هذا من أبي حنيفة شرط الشهادة على الفيء؛ فإنه يصح بدون الشهادة، وإنما ذكر الشهادة احتياطاً لباب الفروج؛ لاحتمال أن يدعي الزوج الفيء إليها بعد مضي المدة، فتكذبه المرأة، فيحتاج إلى إقامة البينة عليه، إلا أن تكون الشهادة شرطاً لصحة الفيء. وقد قال أصحابنا إنه إذا اختلف الزوج والمرأة في الفيء مع بقاء المدة، والزوج ادعى الفيء، وأنكرت المرأة - فالقول قول الزوج؛ لأن المدة إذا كانت باقية، فالزوج يملك الفيء فيها، وقد ادعى الفيء في وقت يملك إنشاءه فيه، فكان الظاهر شاهداً له؛ فكان القول قوله، وإن اختلفا بعد مضي المدة - فالقول قول المرأة؛ لأن الزوج يدعي الفيء في وقت لا يملك إنشاء الفيء فيه، فكان الظاهر شاهداً عليه للمرأة؛ فكان القول قولها. وأما شرط صحته؛ فلصحة الفيء بالقول شرائط ثلاثة : أحدها: العجز عن الجماع، فلا يصح مع القدرة على الجماع؛ لأن الأصل هو الفيء بالجماع؛ لأن الظلم به يندفع حقيقة، وإنما الفيء بالقول خلف عنه، ولا عبرة بالخلف مع القدرة على الأصل؛ كالتيمم مع الوضوء، ونحو ذلك، ثم الشرط هو العجز عن الجماع حقيقة، أو مطلق العجز؛ إما حقيقة وإما حكماً. فجملة الكلام فيه أن العجز نوعان: حقيقي، وحكمي، أما الحقيقي: فنحو: أن يكون (١) في أ: الرجوع. (٢) في أ: إيلائها. ٣٧٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ أحد الزوجين مريضاً مرضاً يتعذر معه الجماع، أو كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها، أو رتقاء، أو يكون الزوج مجبوباً، أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الإيلاء، أو تكون ناشزة محتجبة في مكان لا يعرفه، أو يكون محبوساً لا يقدر أن يدخلها، وفيؤه في هذا كله بالقول؛ كذا ذكره القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)). وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)): أنه لو آلى من امرأته، وهي محبوسة أو هو محبوس، أو كان بينه وبين امرأته مسافة أقل من أربعة أشهر، إلا أن العدو أو السلطان منعه عن ذلك، فإن فيئه(١) لا يكون إلا بالفعل. ويمكن أن يوفق بين القولين في الحبس؛ بأن يحمل ما ذكره القاضي على أن يقدر أحدهما على أن يصل إلى صاحبه في السجن(٢)، والوجه في المنع من العدو أو السلطان؛ أن ذلك نادر، وعلى شرف الزوال، فكان ملحقاً بالعدم والله أعلم . وأما الحكمي فمثل أن يكون محرماً وقت الإيلاء، وبينه وبين الحج أربعة أشهر. وإذا عرف هذا فنقول: لا خلاف في أنه إذا كان عاجزاً عن الجماع حقيقة؛ أنه ينتقل الفيء بالجماع إلى الفيء بالقول، واختلف أصحابنا فيما إذا كان قادراً على الجماع حقيقة، وعاجزاً عنه حكماً؛ أنه هل يصح الفيء بالقول. قال أصحابنا الثلاثة: لا يصح، ولا يكون فيؤه إلا بالجماع، وقال زفر: يصح. وجه قوله: أن العجز حكماً كالعجز حقيقة في أصول الشريعة؛ كما في الخلوة؛ فإنه يستوي المانع الحقيقي والشرعي في المنع من صحة الخلوة؛ كذا هذا. ولنا: أنه قادر على الجماع حقيقة، فيصير ظالماً بالمنع، فلا يندفع الظلم عنها إلا بإيفائها(٣) حقها بالجماع، وحق العبد لا يسقط لأجل حق الله تعالى في الجملة؛ لغنا الله - عز وجل، وحاجة العبد. والثاني: دوام العجز عن الجماع إلى أن تمضي المدة، حتى لو قدر على الجماع في المدة - بطل الفيء بالقول، وانتقل إلى الفيء بالجماع(٤)، حتى لو تركها ولم يقربها في المدة حتى مضت - تبين؛ لما ذكرنا أن الفيء باللسان يدل عن الفيء بالجماع، ومن قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل - بطل حكم البدل؛ كالمقيم إذا قدر على الماء في الصلاة. (١) في أ: كان فيؤه. (٢) في أ: الحبس. (٣) في أ: بإيفاء. (٤) في أ: الفيء إلى الجماع. ٣٧٦ كِتَابُ الطَّلاقِ وكذا إذا آلى وهو صحيح ثم مرض، فإن كان قدر مدة صحته ما يمكن فيه الجماع - ففيؤه بالجماع؛ لأنه كان قادراً على الجماع في مدة الصحة، فإذا لم يجامعها مع القدرة عليه - فقد فرط في إيفاء حقها؛ فلا يعذر بالمرض الحادث، وإن كان لا يمكنه فيؤه بالجماع لقصره - ففيؤه بالقول؛ لأنه إذا لم يقدر على الجماع فيه لم يكن مفرطاً في ترك الجماع، فكان معذوراً، ولو آلى وهو مريض، فلم یفیء باللسان إليها حتى مضت المدة، فبانت، ثم صح، ثم مرض، فتزوجها وهو مريض، ففاء إليها باللسان - صح فيؤه في قول أبي يوسف، حتى لو تمت أربعة أشهر من وقت التزوج لا تبين، وقال محمد: لا يصح. وجه قوله: إذا صح في المدة الثانية، فقد قدر على الجماع حقيقة، فسقط اعتبار الفيء باللسان في تلك المدة، وإن كان لا يقدر على جماعها إلا بمعصية؛ كما إذا كان محرماً ففاء بلسانه؛ أنه لم يصح فيؤه باللسان؛ لكونه قادراً على الجماع حقيقة، وإن كان لا يقدر عليه إلا بمعصية؛ كذا هذا. ولأبي يوسف (١) أن الصحة إنما تمنع الفيء باللسان للقدرة على إيفائها(٢) حقها في الجماع، ولا حق لها في حالة البينونة، فلا تعتبر الصحة مانعة منه. والثالث: قيام ملك النكاح وقت الفيء بالقول، وهو أن تكون المرأة في حال ما يفىء إليها زوجته غير بائنة منه، فإن كانت بائنة منه ففاء بلسانه - لم يكن ذلك فيئاً ويبقى الإيلاء؛ لأن الفيء بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع الإيلاء في حق حكم الطلاق؛ لحصول إيفاء حقها به، ولا حق لها حالة البينونة على ما نذكره، ولا يعتبر الفيء، وصار وجودها والعدم بمنزلة؛ فيبقى الإيلاء، فإذا تزوجها ومضت المدة - تبين منه بخلاف الفيء بالفعل وهو الجماع؛ أنه يصح بعد زوال الملك؛ وثبوت البينونة حتى لا يبقى الإيلاء؛ بل يبطل؛ لأنه حنث بالوطء، فانحلت اليمين وبطلت، ولم يوجد الحنث لههنا، فلا تنحل اليمين، فلا يرتفع الإيلاء، ثم الفيء بالقول عندنا؛ إنما يصح في حق حكم الطلاق، حتى لا يقع الطلاق بمضي المدة إلا في حق الحنث(٣)؛ لأن اليمين في حق حكم الحنث باقية؛ لأنها لا تنحل إلا بالحنث، والحنث إنما يحصل بفعل المحلوف عليه، والقول ليس محلوفاً عليه؛ فلا تنحل به اليمين، هذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا. وقال الشافعي: لا فيء إلا بالجماع، وإليه مال الطحاوي. ووجه أن الفيء بالحنث، ولا حنث باللسان؛ فلا يحصل الفيء به؛ وهذا لأن الحنث هو فعل المحلوف عليه، والمحلوف عليه هو القربان، فلا يحصل الفيء إلا به. (١) في أ: ولأبي حنيفة. (٣) في أ: إلا في حق الحنث. (٢) في أ: إيفاء. ٣٧٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولنا إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فإنه روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - وابن مسعود، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: ((الْفَيْءُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْقَوْلِ)) وكذا روي عن جماعة من التابعين؛ مثل مسروق، والشعبي، وابراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ولأن الفيء في اللغة هو الرجوع(١)، يقال: فاء الظل، أي: رجع، ومعنى الرجوع في الإيلاء هو أنه بالإيلاء عزم على منع حقها في الجماع، وأكد العزم باليمين، فبالفيء رجع عما عزم، والرجوع كما يكون بالفعل يكون بالقول؛ وهذا لأن وقوع الطلاق لصيرورته ظالماً بمنع حقها، والظلم عند القدرة على الجماع بمنع حقها في الجماع، فيكون إزالة الظلم بإيفاء حقها في الجماع، فيكون إزالة هذا الظلم بذكر إيفاء حقها في الجماع أيضاً، وعند العجز عن الجماع يكون بإيذائه إياها [بذكر](٢) منع حقها في الجماع؛ ليكون (٣) إزالة هذا الظلم(٤) بقدر الظلم، فيثبت الحكم على وفق العلة. والله أعلم. وأما وقت الفيء: فالفيء عندنا في المدة، وعند الشافعي بعد مضي المدة، ونذكر المسألة في بيان حكم الإيلاء إن شاء الله تعالى. وأما حرية المولى: فليس بشرط لصحة إيلائه بالله تعالى، ومما لا يتعلق بالمال، حتى لو قال العبد لامرأته: والله لا أقربك، أو قال: إن قربتك فعلي صوم أو حج أو عمرة، أو امرأتي طالق - يصح إيلاؤه، حتى لو لم يقربها تبين منه في المدة، ولو قربها ففي اليمين بالله تعالى تلزمه الكفارة بالصوم، وفي غيرها يلزمه الجزاء المذكور، ولأن العبد أهل لذلك، وإن كان يحلف بما يتعلق بالمال؛ بأن قال: إن قربتك فعلي عتق رقبة، أو علي أن أتصدق بكذا ـ لا يصح؛ لأنه ليس من أهل ملك المال. وأما إسلام المولى: فهل هو شرط لصحة الإيلاء، فنقول: لا خلاف في أن الذي إذا آلى من امرأته بالطلاق أو العتاق؛ أنه يصح إيلاؤه؛ لأن الكافر من أهل الطلاق والعتاق، ولا خلاف أيضاً في أنه إذا آلى بشيء من القرب؛ كالصوم والصدقة، والحج والعمرة؛ بأن قال لامرأته: إن قربتك فعلي صوم أو صدقة، أو حجة أو عمرة،. أو غير ذلك من القرب - لا يكون مولياً؛ لأنه ليس من أهل القربة، فيمكنه قربان امرأته من غير شيء يلزمه؛ فلم يكن مولياً. (١) في أ: عبارة عن الرجوع. (٢) سقط في ط . (٣) في أ: فيكون. (٤) زاد في أ: بذكر أيفاء حقها في الجماع أيضاً لتكون إزال الظلم. ٣٧٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ وكذا إذا قال لامرأته: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي، أو فلانة علي كظهر أمي - لم يكن مولياً؛ لأن الكفر يمنع صحة الظهار عندنا؛ وإذا لم يصح يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه فلا يكون مولياً. واختلف فيما إذا آلى بالله تعالى، فقال: والله لا أقربك ـ تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث قال أبو حنيفة (١) - رحمه الله - يكون مولياً، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون مولياً. ١٩٢ وجه وقولهما: أن اليمين بالله تعالى/ لا تنعقد من الذمي؛ كما في غير الإيلاء، والجامع بينهما أن اليمين بالله تعالى تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث، والكافر ليس من أهل الكفارة. ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، من غير تخصيص المسلم(٢)، ولأن الإيلاء بالله يمين يمنع القربان؛ خوفاً من هتك حرمة اسم الله - عز وجل -، والذمي يعتقد حرمة اسم الله تعالى؛ ولهذا يستحلف على(٣) الدعاوى كالمسلم، ويتعلق حل الذبيحة بتسميته؛ كما يتعلق بتسمية المسلم، فإنه إذا ذكر اسم الله عليها - أكلت وإن ترك التسمية: لم تؤكل، فيصح إيلاؤه؛ كما يصح إيلاء المسلم. وإذا صح إيلاؤه بالله تعالى تثبت أحكام الإيلاء في حقه؛ كما تثبت في حق المسلم، إلا أنه لا يظهر في حق حكم الحنث، وهو الكفارة؛ لأن الكفارة عبادة، وهو ليس من أهل العبادة، فيظهر في حق حكم البر وهو الطلاق؛ لأنه من أهله، ولو آلى مسلم، أو ظاهر من امرأته، ثم ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب، ثم رجع مسلماً وتزوجها ۔ فھو مول، ومظاهر في قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف: يسقط عنه الإيلاء والظهار. وجه قوله: أن الكفر يمنع صحة الإيلاء، والظهار ابتداء، فيمنع بقاءهما على الصحة؛ لأن حكم الإيلاء وجوب الكفارة على تقدير الحنث، وحكم الظهار حرمة مؤقتة إلى غاية التكفير، والكافر ليس من أهل وجوب الكفارة . ولأبي حنيفة (٤): أن الكفر لما لم يمنع انعقاد الإيلاء لما بينا؛ فلئلا لا يمنع بقاءه أولى؛ لأن البقاء أسهل، ولأن الإيلاء قد انعقد لوجوده من المسلم، والعارض هو الردة، وأثرها في (١) في ط: عند أبي حنيفة. (٢) في أ: تخصيص المسلم والكافر ليس من أهل الكفارة ولأبي حنيفة أن الإيلاء يمين بالله. (٣) في أ: في. (٤) في أ: وجه قول أبي حنيفة. ٣٧٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ زوال ملك النكاح، وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين؛ فتبقى اليمين، فإذا عاد يعود حكم الإيلاء؛ ولأن كل عارض على أصل يلتحق بالعدم من الأصل إذا ارتفع، ويجعل كأن لم يكن(١)؛ ولأن الإيلاء انعقد بيقين، والعارض وهو الردة يحتمل الزوال. والتصرف الشرعي إذا انعقد بيقين؛ لاحتمال الفائدة في البقاء، واحتمال الفائدة لههنا ثابت؛ لأن رجاء الإسلام قائم، والظهار قد انعقد موجباً حكمه، وهو الحرمة المؤقتة؛ لصدوره من المسلم، وبالردة زالت صفة الحكم، وبقي الأصل وهو الحرمة؛ إذ الكافر من أهل ثبوت الحرمة، وبقائها في حقه؛ لأن حكم الحرمة وجوب الامتناع، وهو قادر على الامتناع، بخلاف القربة؛ ولهذا خوطب (٢) بالحرمات دون القربات والطاعات، على ما عرف في أصول الفقه، والله الموفق. فضل في حكم الإيلاء وأما حكم الإيلاء فنقول: وبالله التوفيق: إنه يتعلق بالإيلاء حكمان: أحدهما: حکم الحنث. والآخر: حکم البر. أما حكم الحنث فيختلف باختلاف المحلوف به، فإن كان الحلف بالله تعالى فهو وجوب كفارة اليمين كسائر الأيمان بالله، وإن كان الحلف بالشرط والجزاء، فلزوم المحلوف به كسائر الأيمان بالشروط والأجزية، أو لزوم حكمه على تقدير وجوده على ما بينا. وأما حكم البر: فالكلام فيه في مواضع: في بيان أصل الحكم، وفي بيان وصفه، وفي بيان وقته، وفي بيان قدره، أما أصل الحكم فهو وقوع الطلاق بعد مضي المدة من غير فيء؛ لأنه بالإيلاء عزم على منع نفسه من إيفاء حقها في الجماع في المدة، وأكد العزم باليمين، فإذا مضت المدة ولم يفىء إليها مع القدرة على الفيء - فقد حقق العزم المؤكد باليمين بالفعل، فتأكد الظلم في حقها؛ فتبين منه عقوبة عليه؛ جزاء على ظلمه، ورحمة عليها، ونظراً لها بتخليصها عن حباله(٣)؛ لتتوصل إلى إيفاء حقها من زوج آخر، وهذا عندنا. وقال الشافعي: حكم الإيلاء في حق البر هو الوقف، وهو أن يوقف الزوج بعد مضي (١) في أ: كالعدم من الأصل. (٢) في أ: خوطبوا. (٣) في أ: من حبالته. ٣٨٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ المدة، فيخير بين الفيء إليها بالجماع، وبين تطليقها، فإن أبى أجبره الحاكم(١) على أحدهما، فإن لم يفعل طلق عليه القاضي، فاشتملت معرفة هذا الحكم على معرفة مسألتين مختلفتين: إحداهما: أنه لا يوقف المولى بعد انقضاء المدة عندنا، بل يقع الطلاق عقب انقضائها بلا فصل، وعنده يوقف، ويخير بين الفيء والتطليق على ما بينا. والثانية: أن الفيء يجب أن يكون في المدة عندنا، وعنده بعد مضي المدة والمسألتان مختلفتان بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم. احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وللذِّينَ يَؤُلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبَّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ قَالُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ﴾ [البقرة: ٢٢٦ -٢٢٧] خير - سبحانه وتعالى - المولى بين الفيء، وبين العزم على الطلاق بعد أربعة أشهر، فدل أن حكم الإيلاء في حق البر، هو تخيير الزوج بين الفيء وللطّلاق بعد المدة لا وقوع الطلاق عند مضى المدة. وإن وقت الفيء بعد ٩٢ ب المدة لا في المدة، ولأنه/ قال عز وجل: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا للطّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، أي: سميع للطلاق، فلا بد وأن يكون الطلاق مسموعاً، وذلك بوجود صوت الطلاق؛ إذ غير الصوت لا يحتمل السماع. ولو وقع الطلاق بنفس مضي المدة من غير قول وجد من الزوج، أو من القاضي - لم يتحقق صوت الطلاق؛ فلا ينعقد (٢) سماعه؛ ولأن الإيلاء يمين يمنع من الجماع أربعة أشهر؛ لأن اللفظ يدل عليه فقط لا على الطلاق - فالقول بوقوع الطلاق بمضي المدة قول بالوقوع من غير إيقاع، وهذا لا يجوز. ولنا أن الله تعالى جعل مدة التربص أربعة أشهر، والوقف يوجب الزيادة على المدة المنصوص عليها، وهي مدة اختيار الفيء، أو الطلاق من يوم أو ساعة، فلا تجوز الزيادة إلا بدليل؛ ولهذا لما جعل الشرع لسائر المدة التي بين الزوجين مقداراً معلوماً من المدة، ومدة العنين لم تحتل الزيادة على ذلك القدر، فكذا مدة الطلاق؛ ولأن الفيء نقض اليمين ونقضها حرام في الأصل، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١]، إلا أنه ثبت الإطلاق في المدة بقراءة عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب - رضي الله تعالى عنهما - فإن فاءوا فيهن، فبقي النقض حراماً فيما وراءها، فلا يحل الفيء فيما وراءها، فلزم القول بالفيء في المدة، وبوقوع الطلاق بعد مضيها، ولأن الإيلاء كان طلاقاً معجلاً في الجاهلية، فجعله الشرع طلاقاً مؤجلاً، والطلاق المؤجل يقع بنفس انقضاء الأجل من غير إيقاع أحد بعده؛ كما إذا قال لها: أنت طالق رأس الشهر. (١) في أ: القاض. (٢) في أ: يتعذر.