Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كِتَابُ الطَّلاَقِ يتصور الطلاق المبطل للحل القائم عند وجود الشرط فتبقى اليمين؛ كما إذا صار الشرط بحال لا يتصور عوده؛ بأن جعل الدار بستاناً أو حماماً. والدليل على أن المعلق طلقات هذا الحل أن المعلق طلاق مانع من تحصيل الشرط؛ لأن الغرض من مثل هذه اليمين التقوى على الامتناع من تحصيل الشرط، والمنع لا يحصل إلا بكونه غالب الوجود عند وجود الشرط، وذلك هو الحل القائم للحال؛ لأنه موجود للحال، فالظاهر بقاؤه فيصلح مانعاً، والذي يحدث بعد إصابة الزوج الثاني عدم للحال فالظاهر بقاؤه على العدم فكان غالب العدم عند وجود الشرط فلا يصلح إطلاقه مانعاً؛ فلا يكون معلقاً بالشرط ما لا يكون معلقاً به. وأما قوله: الحالف أطلق فنعم، لكنه أراد به المقيد، عرفنا ذلك بدلالة الغرض المطلوب من التصرف، وهو التقوى على الامتناع؛ وذلك لا يحصل إلا بتطليقات هذا الحل، فيتقيد بها. وأما مسألة الظهار ففيها اختلافُ الرواية. روى أبو طاهر الدباس عن أصحابنا؛ أنه يبطل بتنجيز الثلاث، فلا يصير مظاهراً عند دُخُولِ الدَّار، ثم ما ذكرنا من اعتبار الملك أو العدة لوقوع الطلاق في الملك بشرط واحد، فإن كان بشرطين، هل يشترط قِيَامُ الملك أو العدة عند وجود الشرطين جميعاً؟. قال أصحابنا الثلاثة: لا يشترط، بل الشرط قيام الملك أو العدة، عند وجود الشرط الأخير. وقال زفر: يشترط قيام الملك عند وجود الشرطين، وصورة المسألة إذا قال لامرأته: إن كلمت زيداً وعمراً فأنت طالق، فطلقها وانقضت عدتها، فكلمت زيداً، ثم تزوجها فكلمت عمراً - طلقت عندنا، وعند زفر: لا تطلق، وإن كان الكلام الأول في الملك، والثاني في غير الملك؛ بأن كلمت زيداً وهي في ملكه، ثم طلقها وانقضت عدتها، ثم كلمت عمراً - لا يقع الطلاق. وجه قول زفر أن الحالف جعل كلام زيد وعمرو جميعاً شرطاً لوقوع الطلاق، ووجود جميع الشرط شرط لنزول الجزاء، ووقت نزول الجزاء هو وقت وجود الشرط؛ ألا ترى أنها إذا كلمت أحدهما دون الآخر - لا يقع الطلاق، فكذا إذا كلمت أحدهما في غير الملك فذلك ملحق بالعدم؛ كما إذا وجد الشرطان جميعاً في غير الملك. ولنا: أن الملك عند وجود الشرط فيشترط لنزول الجزاء، ووقت نزول الجزاء وهو وقت وجود الشرط الأخير؛ فيشترط قيام الملك عنده لا غير؛ وهذا لأن الملك إنما يشترط إما لصحة التعليق أو لثبوت الحكم وهو نزول المعلق، والملك القائم في الوقتين جميعاً، فأما وقت وجود الشرط الأول: فليس وقت التعليق، ولا وقت نزول الجزاء، فلا معنى لاشتراط ٢٨٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ الملك عنده، ونظير هذا الاختلاف في كتاب الزكاة كمال النصاب في طرفي الحول، ونقصانه في أثناء الحول - لا يمنع الوجوب عندنا، وعنده: يشترط الكمال من أول الحول إلى آخره. ولو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، إن كلمت فلاناً - يشترط قيام الملك عند وجود الشرط الأول وهو الدخول؛ لأنه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين؛ كأنه قال لها عند الدخول: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، واليمين لا تنعقد إلا في الملك أو مضافة إلى الملك، فإن كانت في ملكه عند دخول الدار صحت اليمين المتعلقة بالشرط وهو الكلام، فإذا كلمت يقع الطلاق، وإن لم تكن في ملكه عند الدخول؛ بأن طلقها، وانقضت عدتها، ثم دخلت الدار - لم يصح التعليق؛ لعدم الملك والعدة؛ فلا يقع الطلاق وإن كلمت، وإن كان طلقها بعد الدخول بها قبل دخول الدار، ثم دخلت الدار وهي في العدة، ثم كلمت فلاناً وهي في العدة - طلقت؛ لأن المعتدة يلحقها صريح الطلاق تنجيزاً؛ فيصح تعليق طلاقها أيضاً في حال قيام العدة كالزوجة، وإذا صح التعليق، ووجد شرطه في الملك أو في العدة - ينزل المعلق. ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شئت. فهذا وقوله: أنت طالق إن دخلت الدار، أو إن كلمت فلاناً - سواء، من حيث أنه يقف وقوع الطلاق على مشيئتها؛ كما يقف على دخولها وكلامها، إلا أن ذلك تعليق بالشرط، وهذا تمليك؛ كقوله: أمرك بيدك واختاري؛ ولهذا اقتصر على المجلس. ولو حلف لا يحلف لا يحنث؛ لأن الحلف بما سوى الله - عز وجل - شرط وجزاء، ومشيئتها ليست بشرط؛ لأن شرط الطلاق ما جعل علماً على الطلاق، وهو ما يكون دليلاً على الطلاق، من غير أن يكون وجود الطلاق به؛ لأن ذلك يكون علة لا شرطاً، ومشيئتها يتعلق بها وجود الطلاق، بل هي تطليق منها، وكذلك مشيئته؛ بأن قال لها: أنت طالق إن شئت أنا. ألا ترى إذا قال لامرأته: شئت طلاقك طلقت؛ كما إذا قال: طلقت، فإن قيل: أليس أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق إن طلقتك - كان تعليقاً للطلاق بشرط التعليق، حتى لو طلقها يقع المنجز، ثم ينزل المعلق، والتعليق مما يحصل به الطلاق، ومع هذا يصلح شرطاً، فالجواب: أن التنجيز يحصل به الطلاق المنجز لا الطلاق المعلق، بل الطلاق المعلق يحصل بغيره، فكان التنجيز في حق الطلاق المعلق علماً محضاً؛ فكان شرطاً . وكذلك إذا قال لها: أنت طالق إن هويت أو أردت أو أحببت أو رضيت - فهو مثل قوله: إن شئت ويتعلق الطلاق بالخبر عن هذه الأشياء إلا بحقائقها، والأصل أنه متى علق الطلاق بشيء لا يوقف عليه إلا من جهتها يتعلق بإخبارها عنه، ومتى علق بشيء يوقف عليه من جهة غيرها - لا يقبل قولها إلا ببينة، وعلى هذا مسائل، إذا قال لها: إن كنت تحبيني أو تبغضيني فأنت طالق، فقالت: أحب أو أبغض - يقع الطلاق استحساناً، والقياس ألا يقع. ٢٨٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجه القياس أنه علق الطلاق بشرط لا يعلم وجوده، فأشبه التعليق بمشيئة الله تعالى. وجه الاستحسان أنه علقه بأمر لا يوقف عليه إلا من جهتها، فيتعلق بإخبارها عنه؛ كأنه قال لها: إن أخبرتيني عن محبتك أو بغضك إياي ـ فأنت طالق، ولو نص على ذلك لتعلق بنفس الإخبار؛ كذا هذا. وعلى هذا إذا قال لها: إن كنت تحبين أن يعذبك الله بالنار، أو إن كنت تكرهين الجنة - فأنت طالق، فقالت أحب النار، أو أكره الجنة - وقع الطلاق لما قلنا. ولو قال: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالق، فقالت: أحبك بقلبي، وفي قلبها غير ذلك - يقع الطلاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يقع. وجه قوله: أنه لما قيد المحبة بالقلب، فقد علق الطلاق بحقيقة المحبة لا بالمخبر عنها، فإذا لم يكن في قلبها محبة لم يوجد الشرط؛ فلا يقع الطلاق، ولهما أن المحبة والكراهة لما كانتا من الأمور الباطنة، التي لا يوقف عليها إلا من جهتها - تعلق الطلاق بنفس الإخبار عنهما دون الحقيقة، وقد وجد. وعلى هذا إذا قال لها: إن حضت فأنت طالق، فقالت: حضت - طلقت حين رأت الدم واستمر إلى ثلاثة أيام؛ لأن الحيض لا يوقف عليه إلا من قبلها؛ فيقبل قولها في ذلك، وإذا استمر الدم إلى ثلاثة أيام - تبين أن ما رأت كان حيضاً من حين وجوده، فوقه الطلاق من ذلك الوقت . ولو قال لها: إن حضت حيضة فأنت طالق - لا يقع الطلاق ما لم تحضٍ وتطهر؛ لأن الحيضة اسم للكامل؛ ألا ترى إلى قوله وَ﴿ في سبايا أوطاس: ((أَلاَ لاَ تُوطَأُ الْحُبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، وَلاَ الْحَبَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ)) (١)، ويقع على الكامل حتى يقدر الاستبراء به، (١) وزد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري. وابن عباس وأبي هريرة والعرباض ابن سارية. وعلي بن أبي طالب، ورويفع بن ثابت وأبي أمامة وابن عمر ورجل ثقه. حديث أبي سعيد الخدري. أخرجه أحمد (٨٧/٣) وأبو داود (٦١٤/٢) كتاب النكاح باب في وطأ السبايا. حديث (٢١٥٧) والحاكم (٢/ ١٩٥) كتاب النكاح. والبيهقي (١٢٤/٩) كتاب السير - باب المرأة تسبي مع زوجها وفي (٤٤٩/٧) كتاب العدد، باب استبراء من ملك الأمة عنه أن النبي وَّر قال في سبي أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة)). وقا الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وحديث ابن عباس. = ٢٨٤ ◌ِتَابُ الطَّلاَقِ أخرجه ابن الجارود ص (٢٤٤) كتاب النكاح، الحديث (٧٣٢) وأبو يعلى (٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤) رقم = (٢٤٩١) من طريق الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس: ((أن رسول الله وَّل نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وعن كل ذي باب من السباع وأن توطأ السبايا حتى يضعن)). وأخرجه النسائي (٧/ ٣٠١) كتاب البيوع: باب بيع المغانم والدارقطني (٦٩/٣) كتاب البيوع حديث (٢٦٠). وأبو يعلى (٣٠٤/٤) رقم (٢٤١٤) والحاكم (١٣٧/٢) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس به . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وأخرجه الدارقطني (٢٥٧/٣) كتاب النكاح: باب المهر (٥٠) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن مسلم الجندي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله ◌َّير أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض)). وذكره الهيثمي بهذا اللفظ في ((المجمع)) (٧/٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. وذكره الهيثمي أيضاً بلفظ آخر عنه قال: نهى رسول الله وَّه يوم حنين عن بيع الخمس حتى يقسم وعن ان توطأ النساء حتى يضعن ما في بطونهن إن كن حبالی. وقال الهيثمي: رواه («الطبراني في الأوسطونية عصمة بن المتوكل وهو ضعيف. حديث أبي هريرة. أخرجه الطبراني في الصغير (٩٥/١) من طريق بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطأة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي ◌َّير: ((أنه نهى في وقعه أوطاس أن يقع الرجل على حامل حتى تضع)). وقال الهيثمي (٧/٥): رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه بقية والحجاج وكلاهما مدلس. حديث العرباض ابن سارية . أخرجه الترمذي (١٣٣/٤) كتاب السير - باب ما جاء في كراهية وطء الحبالى من السبايا حديث (١٥٦٤) من طريق أبي عاصم النبيل عن وهب بن خالد عن أم حبيبة بنت العرباض ابن سارية أن أباها أخبرها: ((أن رسول الله (وَلقر نهى أن توطأ السبايا حتى يضعن ما في بطونهن)) ثم قال الترمذي: ((غريب)). حديث رويفع بن ثابت. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨ - ١٠٩) وأبو داود (٢ / ٦١٥ - ٦١٦) كتاب النكاح - باب في وطء السبايا الحديث (٢١٥٨) والترمذي (٤٣٧/٣) كتاب النكاح - باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل الحديث (١١٣١) وابن الجارود ص (٢٤٤) كتاب النكاح - الحديث (٧٣١) والبيهقي (١٢٤/٩) كتاب السير - باب المرأة تسبي مع زوجها وفي (٤٤٩/٧) كتاب العدد - باب استبراء من ملك الأمة - عنه قال: سمعت رسول الله قليم يقول يوم حنين: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها)» بلفظ أبي داود. وقال الترمذي: ((حدیث حسن)) وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت. وحديث أبي إمامة . رواه الطبراني كما في المجمع (٣٠٣/٤) عنه قال ((نهى رسول الله ويّله يوم خيبر أن توطأ الحبالى حتى يضعن)) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. = ٢٨٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ وكمالها بانقضائها من ذلك، باتصال جزء من الطهر بها؛ فكان هذا في الحقائق تعليق الطلاق بالطهر . ونظيره إذا قال: إذا صمت يوماً فأنت طالق، وقع على صوم كل اليوم، وذلك بدخول أول جزء من الليل؛ فكأنه علق الطلاق بدخول الليل؛ وكذا هذا، وكذا إذا قال: إن حضت نصف حيضة فأنت طالق - لا تطلق ما لم تحض وتطهر؛ لأن نصف حيضة حيضة كاملة، فكأنه قال: إذا حضت حيضة، وكذا إذا قال: إذا حضت سدس حيضة أو ثلث حيضة؛ لما قلنا. وكذلك إذا قال: إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق، وإذا حضت نصفها الآخر فأنت طالق - لا يقع الطلاق ما لم تحض وتطهر، فإذا حاضت وطهرت يقع تطليقتان؛ لأنه علق طلقة بنصف حيضة، ونصف حيضة كاملة، وعلق طلقة أُخرى بنصف تلك الحيضة بعينها، وهي حيضة كاملة؛ فكان هذا تعليق طلاقين بحيضة واحدة كاملة، وكمالها بانقضائها واتصال الطهر بها، وإذا اتصل بها الطهر طلقت تطليقتين. ولو قال لها: أنت طالق في حيضك، أو مع حيضك - فحين ما رأت الدم تطلق؛ بشرط أن يستمر بها الدم إلى ثلاثة أيام؛ لأن كلمة ((في)) للظرف، والحيض لا يصلح ظرفاً للطلاق، فيجعل شرطاً، فصار كأنه قال: أنت طالق إذا حضت، وكلمة ((مع)) للمقارنة، فيقتضي كون الطلاق مقارناً لحيضها، فإذا رأت الدم ثلاثة أيام تبين أن المرئي كان حيضاً من حين وجوده؛ فيقع الطلاق من ذلك الوقت . ولو قال لها: أنت طالق في حيضك، أو مع حيضتك - فما لم تحض وتطهر لا تطلق؛ لأن الحيضة اسم للكامل، وذلك باتصال الطهر، ولو كانت حائضاً في هذه الفصول كلها لا يقع، ما لم تطهر من هذه الحيضة وتحيض مرة أُخرى؛ لأنه جعل الحيض شرطاً لوقوع الطلاق، والشرط ما يكون معدوماً على خطر الوجود، وهو الحيض الذي يستقبل، لا الموجود في الحال؛ فكان هذا تعليق الطلاق بحيض مبتدأ . = وحديث ابن عمر. رواه الطبراني كما في المجمع (٣٠٣/٤) ولفظه ((كل جارية بها حبل حرام على صاحبها حتى تضع ما في بطنها . وقال الهيثمي: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف. حديث الثقة. أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٧٢/٢) حديث (١٦٨٣) من حديث يحيى بن سعد بن دينار مولى آل الزبير قال: أخبرني الثقة أن رسول الله وَّ نهى يوم خيبر أن يوقع على الحبالى. وقال الهيثمي في المجمع (٣٠٣/٤) رواه أبو يعلى ويحيى لا أعرفه. ٢٨٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال لها: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك، فقالت: حضت، إن صدقها الزوج يقع الطلاق عليهما جميعاً، وإن كذبها يقع الطلاق عليها، ولا يقع على صاحبتها؛ لأنها أمينة في حق نفسها لا في حق غيرها، فثبت حيضها في حقها لا في حق صاحبتها، ويجوز أن يكون الكلام الواحد مقبولاً في حق شخص غير مقبول في حق شخص آخر؛ كما يجوز أن يكون مقبولاً وغير مقبول في حق حكمين مختلفين؛ كشهادة النساء مع الرجال، إذا قامت على السرقة أنها تقبل في حق المال، ولا تقبل في حق القطع، وإذا قال: إذا حضت فامرأتي الأُخرى طالق، وعبدي حر، فقالت: قد حضت - يقع الطلاق والعتاق إذا صدقها الزوج، وإن كذبها لا يقع؛ لما ذكرنا أن إقرارها على غيرها غير مقبول؛ لأنه بمنزلة الشهادة على الغير. ولو قال: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: ولدت - لا يقع الطلاق ما لم يصدقها الزوج، أو يشهد على الولادة رجلان، أو رجل وامرأتان في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يقع الطلاق إذا شهدت القابلة على الولادة. وجه قولهما أن ولادتها قد ثبتت بشهادة القابلة؛ لكون النكاح قائماً، والولادة تثبت بشهادة القابلة حال قيام النكاح في تعيين الولد، وفيما هو من لوازمه وهو النسب لمكان الضرورة، والطلاق ليس من لوازم الولادة، فلا تثبت الولادة في حق الطلاق بهذه الشهادة. ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو إن كلمت فلاناً فأنت طالق، فقالت: دخلت أو كلمت - لا يقع الطلاق ما لم يصدقها الزوج، أو يشهد على ذلك رجلان، أو رجل وامرأتان بالإجماع؛ لأن قولها: دخلت أو كلمت إقرار على الغير وهو الزوج بإبطال حقه، فكان شهادة على الغير؛ فلا تقبل. ولو قال لامرأتيه إذا حضتما حيضة فأنتما طالقان، أو قال: إذا حضتما فأنتما طالقان. الأصل في جنس هذه المسائل؛ أن الزوج متى أضاف الشيء الواحد إلى امرأتين، وجعل وجوده شرطاً لوقوع الطلاق عليهما - ينظر إن كان يستحيل وجود ذلك الشيء منهما كان شرطاً لوقوع الطلاق عليهما وجوده من أحدهما، وإن كان لا يستحيل وجوده منهما جميعاً - كان وجوده منهما شرطاً لوقوع الطلاق عليهما؛ لأن كلام العاقل: يجب تصحيحه ما أمكن، إن أمكن تصحيحه بطريق الحقيقة يصحح بطريق الحقيقة، وإن لم يمكن تصحيحه بطريق الحقيقة يصحح بطريق المجاز. إذا عرف هذا فنقول: إذا قال لامرأتين له: إذا حضتما حيضة فأنتما طالقان، أو إذا ولدتما ولداً فأنتما طالقان، فحاضت إحداهما، أو ولدت إحداهما - يقع الطلاق عليهما؛ لأن حيضة واحدة، وولادة واحدة من امرأتين محال، فلم ينصرف إليه كلام العاقل، فينصرف إلى ٢٨٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجود ذلك من أحدهما؛ لأن إضافة الفعل إلى اثنين على إرادة وجوده من أحدهما متعارف بين أهل اللسان، قال الله - تعالى - في قصة موسى وصاحبه: ﴿فنسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وإنما نسيه صاحبه وهو فتاه، وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من أحدهما وهو البحر المالح دون العذب، وقال النبي ◌َّ لمالك بن الحويرث وعمه: ((إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا))(١)، ومعلوم أن الأمر بالتأذين والإقامة كان لأحدهما، فكان هذا تعليق طلاقهما بحيضة إحداهما وبولادة إحداهما . ولو قالت إحداهما: حضت، إن صدقها الزوج - طلقتا جميعاً؛ لأن حيضتها في حقها ثبت بإخبارها، وفي حق صاحبتها ثبت بتصديق الزوج، وإن كذبها طلقت هي ولا تطلق صاحبتها؛ لأن حيضها ثبت في حقها، ولم يثبت في حق صاحبتها. ولو قالت: كل واحدة منهما قد حضت طلقتا جميعاً، سواء صدقهما الزوج أو كذبهما، أما إذا صدقهما فالأمر ظاهر، لا يثبت حيضة كل واحدة منهما في حق صاحبتها، وأما إذا كذبهما فكذلك؛ لأن التكذيب يمنع ثبوت حيضة كل واحدة منهما في حق صاحبتها لا في حق نفسها، وثبوت حيضتها في حق نفسها يكفي لوقوع الطلاق عليها؛ كما إذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق وهذه معك، فقالت: حضت وكذبها الزوج. ولو قال: إذا حضتما فأنتما طالقان، وإذا ولدتما فأنتما طالقان - لا تطلقان ما لم يوجد الحيض والولادة منهما جميعاً؛ لأنه أضاف الحيض أو الولادة إليهما، ويتصور من كل واحدة منهما الحيض والولادة، فيعلق الطلاق بوجود الحيض، أو الولادة منهما جميعاً عملاً بالحقيقة عند الإمكان . ولو قالت كل واحدة منهما: قد حضت، إن صدقهما الزوج طلقتا؛ لأنه علق طلاقهما بوجود الحيض منهما جميعاً، وقد ثبت ذلك بقولهما مع تصديق الزوج، وإن كذبهما لا تطلق واحدة منهما؛ لأن قول كل واحد منهما مقبول في حق نفسها لا في حق صاحبتها، فيثبت في حق كل واحدة منهما حيضها لا حيض صاحبتها، وحيض كل واحدة منهما بانفراده شطر الشرط، وطلاق كل واحدة منهما، متعلق بوجود حيضهما جميعاً، والمعلق بشرط لا ينزل بوجود بعض الشرط، وإن صدق إحداهما وكذب الأُخرى - تطلق المكذبة، ولا تطلق المصدقة؛ لأن حيض المكذبة ثبت في حقها بإخبارها، وحيض المصدقة ثبت في حق المكذبة أيضاً بتصديق الزوج، فثبت الحيضتان جميعاً في حق المكذبة، فوجد كل الشرط في حقها؛ فيقع الطلاق عليها، ولم يثبت في حق المصدقة إلا حيضها في حق نفسها، ولم يثبت في حقها (١) تقدم تخريجه في كتاب الصلاة. ٢٨٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ حيض المكذبة؛ لتكذيب الزوج المكذبة في ثبوت حيضها عند المصدقة، فكان الموجود في حق المصدقة شطر الشرط، فلا يقع الطلاق. وكذلك إذا قال: إذا حضتما حيضتين، أو إذا ولدتما ولدين فأنتما طالقان، فهذا وقوله: إذا حضتما أو ولدتما سواء، فما لم يحيضا جميعاً أو يلدا جميعاً - لا يقع الطلاق عليهما؛ لأن وجود حيضتين منهما، وولادة ولدين منهما يكون بهذا الطريق، وهو أن تحيض كل واحدة منهما حيضة، وتلد كل واحدة منهما ولداً. وكذا إذا قال: إذا دخلتما هذه الدار، أو كلمتما فلاناً، أو لبستما هذا الثوب، أو ركبتما هذه الدابة، أو أكلتما هذا الطعام، أو شربتما هذا الشراب - فما لم يوجد منهما جميعاً؛ لا يقع الطلاق؛ لأنه يتصور وجوده منهما، فيعمل بحقيقة الكلام، بخلاف قوله: إذا حضتما حيضة، أو ولدتما ولداً؛ لأن ذلك محال، ثم التعليق في الملك كما يصح بشرط الوجود - يصح بشرط العدم؛ لأن الشرط علامة محضة، والعدم يصلح علماً محضاً فيصلح شرطاً، غير أنه إن وقت ينزل المعلق عند انتهاء ذلك الوقت، وإن أطلق لا ينزل إلا في آخر جزء من أجزاء حياته. بيان ذلك إذا قال لامرأته: إن لم أدخل هذه الدار فأنت طالق، أو قال: إن لم آت البصرة فأنت طالق - لا يقع الطلاق إلا في آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأنه علق الطلاق بعدم الدخول والإتيان مطلقاً، ولا يتحقق ذلك إلا في ذلك الوقت. وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقك؛ أنه لا يقع الطلاق عليها ما لم يثبته إلى آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأنه علق الطلاق بشرط عدم التطليق مطلقاً، والعدم المطلق لا يتحقق إلا في ذلك الجزء. ولو قال: أنت طالق إذا لم أطلقك، وإذا ما لم أطلقك؛ فإن أراد بـ((إذا)) (أن) لا يقع الطلاق إلا في آخر جزء من أجزاء حياته بالإجماع، وإن نوى به (متى) يقع الطلاق إذا فرغ من هذا الكلام وسكت، وإن لم يكن له نية، قال أبو حنيفة: هذه بمنزلة قوله: ((إن))، وقال أبو يوسف ومحمد: هي بمعنى ((متى)). وجه قولهما أن (إذا) الوقت، قال الله - تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [التكوير: ١]، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، فكانت في معنى (متى)، ولو قال: متى لم أطلقك يقع الطلاق عقيب الفراغ من هذه اللفظة إذا سكت؛ كذا هذا. والدليل أنه إذا قال لها: أنت طالق إذا شئت لا يقتصر على المجلس؛ كما لو قال: متى شئت، ولو قال: إن شئت يقتصر على المجلس، ولو كانت للشرط لاقتصرت المشيئة على ٢٨٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ المجلس؛ كما في قوله: إن شئت، ولأبي حنيفة أن هذه الكلمة كما تذكر ويراد بها الوقت، تذكر ويراد بها الشرط؛ كما قال الشاعر: [من الكامل] إِسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلٍ(١) ألا ترى أنه جزم ما بعده، فإن قال: أريد بها الوقت يقع الطلاق؛ كما فرغ من هذا الكلام، وسكت كما في قوله: متى، وإن قال: أريد بها الشرط لا يقع إلا في آخر جزء من أجزاء حياته؛ كما في كلمة (إن)، فوقع الشك في وقوع الطلاق عند الفراغ منه، فلا يقع مع الشك، وإنما لا يقتصر على المجلس؛ لأنه حصلت المشيئة في يدها بقوله: أنت طالق إذا شئت، وأنها يستعمل للوقت وللشرط، فإن أريد بها الشرط يبطل بالقيام عن المجلس؛ كما في قوله: إن شئت، وإن أريد بها الوقت لا يبطل؛ كما في قوله: متى شئت فوقع الشك في البطلان بالقيام عن المجلس؛ فلا يبطل مع الشك، فاطرد كلام أبي حنيفة في المعنى بحمد الله سبحانه وتعالى. ولو قال لها: إن لم أدخل هذه الدار سنة فأنت طالق، أو إن لم أكلم فلاناً سنة فأنت طالق، فمضت السنة قبل أن يدخلها، أو يكلمه - يقع الطلاق. وعلى هذا يخرج الإيلاء؛ بأن قال لامرأته الحرة: والله لا أقربك أربعة أشهر، فمضت المدة ولم يقربها؛ أنه يقع طلقة بائنة؛ لأن الإيلاء في الشرع جعل تعليق الطلاق بشرط عدم الفيء إليها في أربعة أشهر، وهو المعنى بالتعليق الحكمي؛ لأن الشرع جعل الإيلاء في حق أحد الحكمين وهو البر تعليق الطلاق بشرط البر في المدة؛ كأنه قال لها: إن لم أقربك أربعة أشهر، فأنت طالق بائن، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، فإذا مضت المدة والمرأة في ملكه أو في العدة يقع وإلا فلا؛ كما في التعليق الحكمي على ما ذكرنا، وله حكم آخر، وهو الحنث عند القربان، وسنذكره بحكمه في موضعه. وأما التَّعْليقُ بالملك؛ فنحو أن يَقُولَ لأجنبية: إن تزوَّجتك فأنت طَالِقٌ، وإنه صحيحٌ عند أصحابنا، حتى لو تزوجها وقع الطلاق، وعند الشافعي: لا يصح ولا يقع الطلاق. واحتج بقول النبي ◌َّرَ: ((لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النَّكَاحِ)) (٢)، والمراد منه التعليق؛ لأن التنجيز مما (١) البيت لعبد قيس بن خفاف في الدرر ١٠٢/٣؛ وشرح اختيارات المفضّل ص ١٥٥٨؛ وشرح شواهد المغني ٢٧١/١؛ ولسان العرب ٧١٢/١ (كرب)؛ والمقاصد النحوية ٢٠٣/٢؛ ولحارثة بن بدر الغداني في أمالي المرتضى ١/ ٣٨٣؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣٣٥/١؛ وشرح الأشموني ٥٨٣/٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٣٧٤؛ ومغني اللبيب ٩٣/١؛ وهمع الهوامع ٢٠٦/١. (٢) تقدم تخريجه. بدائع الصنائع ج٤ - م١٩ ٢٩٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ لا يشكل؛ ولأن قوله: أنت طالق في التعليق بالملك تطليق؛ بدليل أن الطَّلاق عند وجود الشَّرْطِ يقع به إذا لم يوجد كلام آخر سواه، فكان الكلام السابق تطليقاً، إلا أنه لم يثبت الحكم للحال للمانع وهو عدم الشرط، والتصرف لا ينعقد تطليقاً إلا في الملك، ولا ملك لههنا؛ فلا ینعقد . ولنا أن قوله: أنت طالق ليس تطليقاً للحال، بل هو تطليق عند الشرط، على معنى أنه علم على الانطلاق عند الشرط، فيستدعي قيام الملك عنده لا في الحال، والملك موجود عند وجود الشرط؛ لأن الطلاق يقع بعد وجود الشرط. وأما الحديث: فنقول بموجبه أن لا طلاق قبل النكاح، وهذا طلاق بغير النكاح؛ لأن المتصرف جعله طلاقاً بعد النكاح، على معنى أنه جعله علماً على الانطلاق بعد النكاح لا أن يجعل منشئاً للطلاق بعد النكاح، أو يبقى الكلام السابق إلى وقت وجود النكاح؛ لأن الثاني محال. والأول خلاف الحقيقة، وإضافة الطلاق إلى الشرع لا إلى الزوج، وقيل في الجواب عن التعليق بالحدوث: إن هذا ليس بطلاق، بل هو يمين، وتعليق الطلاق بالشرط. وقوله: التنجيز لا يشكل، مسلم بعد ورود الحديث، فأما قبله فقد كان مشكلاً، فإنه روي أن في الجاهلية كان الرجل يطلق أجنبية ويعتقد حرمتها؛ فأبطل الحديث ذلك، والجواب الأول أحق وأدق، والله الموفق. وعلى هذا الخلاف إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة - طلقت عندنا، ولو تزوج تلك المرأة ثانياً لا تطلق، وكذا هذا في قوله: إن تزوجتك؛ لأنه ليس في لفظه ما يوجب التكرار. ولو قال لأجنبية: كلما تزوجتك فأنت طالق طلقت في كل مرة يتزوجها؛ لأن كلمة (كل) دخلت على العين، وكلمة (كلما) دخلت على الفعل، ولو تزوجها ثلاث مرات، وطلقت في .. كل مرة، وتزوجت بزوج آخر وعادت إلى الأول فتزوجها - طلقت، بخلاف ما إذا قال لمنكوحة: كلما دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت ثلاث مرات وطلقت في كل مرة، ثم تزوجت بزوج آخر، ثم عادت إلى الأول فدخلت؛ أنها لا تطلق عندنا خلافاً لزفر؛ لأن المعلق هناك طلقات الملك القائم المبطلة للحال القائم، وقد بطل ذلك بالثلاث، ولم توجد الإضافة إلى سبب ملك حادث، وحل مستأنف؛ فلم يتعلق ما يملك به من الطلقات، ولههنا قد علق الطلاق بسبب الملك، وأنه صحيح عندنا، فيصير عند كل تزوج يوجد منه لامرأة قائلاً لها: أنت طالق، سواء كانت هذه التي تكرر عليها طلاقها، أو غيرها من النساء. وعلى هذا الخلاف الظهار والإيلاء، فإن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت عليّ كظهر أمي، أو قال: والله لا أقربك والله أعلم. ٢٩١ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال لامرأته: أنت طالق إن كانت السماء فوقنا، أو قال: أنت طالق إن كان هذا نهاراً، أو إن كان هذا ليلاً، وهما في الليل أو في النهار - يقع الطلاق للحال؛ لأن هذا تحقيق، وليس بتعليق بشرط؛ إذ الشرط ما يكون معدوماً على خطر الوجود وهذا موجود. ولو قال: إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق - لا يقع الطلاق؛ لأن غرضه منه تحقيق النفي؛ حيث علقه بأمر محال. وأما الإضافة إلى الوقت فالزوج لا يخلو؛ إما أن أضاف الطلاق إلى الزمان الماضي، وإما أن أضافه إلى الزمان المستقبل؛ فإن أضافه إلى الزمان الماضي - ينظر؛ إن لم تكن المرأة في ملكه في ذلك الوقت - لا يقع الطلاق، وإن كانت في ملكه يقع الطلاق للحال، وتلغو الإضافة، بيانه ما إذا قال لامرأته: أنت طالق قبل أن أتزوجك - لا يقع الطلاق؛ لأن تصحيح كلامه بطريق الإخبار ممكن؛ لأن المخبر به على ما أخبر، ولا يمكن تصحيحه بطريق الإنشاء إلا بإبطال الإسناد إلى الماضي؛ فكان التصحيح بطريق الإخبار. ولو قال لها: أنت طالق أمس؛ فإن كان تزوجها اليوم لا يقع لما قلنا، وإن كان تزوجها أول من أمس يقع الساعة؛ لأنه حينئذٍ تعذر تصحيحه بطريق الإخبار، لانعدام المخبر به، فيكون كذباً، فيصحح بطريق الإنشاء، ثم تعذر تصحيحه إنشاء الإضافة، لأن إسناد الطلاق الموجود للحال إلى الزمان الماضي محال، فبطلت الإضافة واقتصر الإنشاء على الحال؛ فيقع الطلاق للحال . ولو قال لأجنبية: أنت طالق إذا تزوجتك قبل أن أتزوجك، ثم تزوجها - وقع الطلاق؛ لأنه أوقع الطلاق بعد التزوج ثم أضاف الواقع إلى ما قبل التزوج؛ فوقع الطلاق ولغت الإضافة . وكذلك إذا قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك، إذا تزوجتك، فتزوجها - يقع الطلاق، ويلغو قوله: قبل أن أتزوجك، ولو قدم ذكر التزويج، فقال: إذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك أو قبل ذلك، ثم تزوجها يقع الطلاق عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يقع. وجه قول محمد؛ أن المعلق بالشرط يصير كالمنجز عند وجود الشرط، فيصير قائلاً عند التزويج: أنت طالق قبل أن أتزوجك، ولو نص على ذلك لا يقع؛ كذا هذا. وجه قول أبي يوسف؛ أنه أوقع الطلاق بعد التزوج، ثم أضاف الواقع إلى زمان ما قبل التزوج؛ فتلغو الإضافة، ويبقى الواقع على حاله، والله - عز وجل - أعلم. ولو أضاف الزوج الطلاق إلى ما يستقبل من الزمان؛ فإن أضافه إلى زمان لا ملك له في ذلك الزمان قطعاً لم يصح؛ كا لو قال لها: أنت طالق بعد موتي، وكذا إذا قال لها: أنت طالق ٢٩٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ مع موتي أو مع موتك؛ لأن معناه بعد موتي أو بعد موتك؛ لأن الطلاق معلق بوجود الموت، فصار الموت شرطاً؛ إذ الجزاء يعقب الشرط، فكان هذا إيقاع الطلاق بعد الموت، ولا ملك بعد الموت؛ فبطل. ولو قال لامرأته وهي أمة: أنت طالق اثنتين مع عتق مولاك، فأعتقها مولاها؛ فإن زوجها يملك الرجعة؛ لأنه تعلق طلاقها بعتق مولاها، فصار عتق مولاها شرطاً لوقع الطلاق، فيقع بعد تمام الشرط وهي حرة في ذلك الوقت. ولو قال لها: إذا جاء غد فأنت حرة، فجاء غد - طلقت اثنتين، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: هذا والأول سواء يملك الرجعة، ولا خلاف في أن عدتها ثلاث حیض. وجه قول محمد: أنه علق الطلاق والعتاق بمجيء الغد، فكان حال وقوع الطلاق والعتاق واحداً، وهو حال مجيء الغد فيقعان معاً، والعتق حال وقوعه يكون واقعاً؛ لأن الشيء حال وجوده يكون موجوداً، والشيء في حال قيامه يكون قائماً، وفي حال سواده يكون أسود، فالطلقتان يصادفانها وهي حرة، فلا تثبت الحرمة الغليظة؛ ولهذا كانت عدتها ثلاث حيض؛ ولهذا لم تثبت الحرمة الغليظة في المسألة الأولى؛ كذا هذا. وجه قولهما: أن الطلاق والعتاق لما علقا بمجيء الغد وقعا معاً، ثم العتق يصادفها وهي أمة؛ وكذا الطلاق فيثبت الحرمة الغليظة بثنتين، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن ثمة تعلق الطلاق بالعتق، فيقع بعد ثبوت العتق ضرورة على ما بينا بخلاف العدة، فإن وجوب العدة يتعقب الطلاق؛ لأن الطلاق يصادفها وهي منكوحة، ولا عدة على المنكوحة؛ فلا يكون وجوبها مقارناً لوقوع الطلاق، فكان عقيب الطلاق ضرورة، وهي حرة في تلك الحالة؛ فكانت عدتها عدة الحرائر، والله - عز وجل - أعلم. فإن قال لامرأته: أنت طالق غداً، أو رأس شهر كذا، أو في غد - صح لوجود الملك وقت الإضافة، والظاهر بقاؤه إلى الوقت المضاف إليه، فصحت الإضافة، ثم إذا جاء غد أو رأس الشهر؛ فإن كانت المرأة في ملكه، أو في العدة، أو في أول جزء من الغد والشهر - يقع الطلاق، وإلا فلا؛ كما في التعليق. وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته: أنت طالق متى لم أطلقك وسكت أنها طلقت؛ لأن ((متى)) للوقت، فقد أضاف الطلاق إلى وقت لا يطلقها فيه، فكما فرغ من هذه الألفاظ وسكت، وجد هذا الوقت؛ فيقع الطلاق، وكذا إذا قال لها: أنت طالق ما لم أطلقك؛ لأن معنى قوله: ما لم أطلقك، أي: في الوقت الذي لا أطلقك، يقال في العرف: ما دمت تفعل ٢٩٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ كذا أفعل كذا، أي: في الوقت الذي تفعل؛ وقال الله تعالى خبراً عن عيسى - عليه الصلاة والسلام -: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣١]، أي: وقت حياتي، فيصير كأنه قال: أنت طالق في الوقت الذي لا أطلقك، فكما فرغ وسكت تحقق ذلك الوقت؛ فيقع الطلاق. ولو قال ذلك: يطلقها موصولاً؛ بأن قال لها: أنت طالق ما لم أطلقك أنت طالق وذكر العبارتين الأخرتين - فهي طالق هذه التطليقة دون التطليقة المضافة إلى زمان، لا يطلقها فيه عند أصحابنا الثلاثة، وكذا لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً ما لم أطلقك أنت طالق - تقع هذه الطلقة لا غير عندنا، وعند زفر: يقع ثلاث تطليقات. وجه قوله: أنه أضاف الطلاق إلى وقت لا طلاق فيه، وكما فرغ من قوله: ما لم أطلقك قبل قوله طالق - وجد ذلك الوقت؛ فيقع المضاف. ولنا أن المضاف إليه وقت خال عن الطلاق، ولما قال: أنت طالق موصولاً بالكلام الأول، فلم يوجد وقت خال عن الطلاق؛ لأن قوله: أنت طالق بجملته طلاق؛ لأنه كلام واحد؛ لكونه مبتدأً وخبراً، فلم يوجد بين الكلامين وقت لا طلاق فيه؛ فلا يقع الطلاق المضاف؛ لانعدام المضاف إليه، والله - عز وجل - أعلم. ولو قال: أنت طالق غداً، وقال: عنيت آخر النهار ــ لم يصدق في القضاء بالإجماع، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قال: أنت طالق في غد، وقال: عنيت في آخر النهار - يصدق في القضاء في قول أبي حنيفة، وقالب أبو يوسف ومحمد: لا يصدق في القضاء، وإنما يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لا غير، وإن لم يكن له نية يقع في أول جزء من الغد بلا خلاف. وجه قولهما: أن الغد اسم زمان، والزمان إذا قرن بالفعل يصير ظرفاً له، سواء قرن به حرف الظرف وهو حرف في أو لم يقرن به، فإن قول القائل: كتبت في يوم الجمعة، ويوم الجمعة سواء، فكان ذكر حرف الظرف والسكوت عنه بمنزلة واحدة، ولو لم يذكر. ولو قال: أنت طالق غداً، وقال: عنيت آخر النهار - لم يصدق في القضاء؛ ولهذا لو لم يكن له نية يقع في أول جزء من الغد. ولأبي حنيفة: أن ما كان من الزمان ظرفاً للفعل حقيقة، وهو أن يكون كله ظرفاً له - يذكر بدون حرف الظرف، وما كان منه ظرفاً له مجازاً، وهو أن يكون بعضه ظرفاً له، والآخر ظرف ظرفه - يذكر مع حروف الظرف، فلما قال: أنت طالق غداً بدون حرف الظرف، فقد جعل الغد كله ظرفاً للطلاق حقيقة، وإنما يكون كله ظرفاً للطلاق حقيقة، إذا وقع الطلاق في أول جزء منه، فإذا وقع في أول جزء منه يبقى حكماً وتقديراً؛ فيكون جميع الغد ظرفاً له، بعضه حقيقة وبعضه تقديراً. ٢٩٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ أما إذا وقع الطلاق في آخر النهار لا يكون كل الغد ظرفاً له، بل يكون ظرف الظرف، فإذا قال: عنيت آخر النهار فقد أراد العدول من الظاهر فيما يتهم فيه بالكذب؛ فلا يصدق في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، ولما قال: أنت طالق في غد، فلم يجعل الغد كلمة ظرف للطلاق حقيقة، بل جعله ظرف الظرف، وبين أن الظرف الحقيقي للطلاق هو جزء من الغد، وذلك غير معين؛ فكان التعيين إليه، فإذا قال: عنيت آخر النهار فقد عين، فيصدق في التعيين؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، ونظيره ما إذا قال: إن صمت في الدهر فعبدي حر، فصام ساعة ۔ یحنث. ولو قال: إن صمت الدهر لا يحنث إلا بصوم الأبد بالإجماع لما قلنا؛ كذا هذا، إلا أنه إذا لم ينو شيئاً يقع الطلاق في أول جزء من الغد؛ لأن الأجزاء قد تعارضت، فترجح الأول منها احتياطاً؛ لثبوت الاستحاق له من وجه الاحتمال؛ أنه ذكر حرف الظرف لتأكيد ظرفية الغد، لا لبيان أنه ظرف الظرف، فترجح الجزء الأول على سائر الأجزاء عند استواء الكل في الجواز بثبوت الاستحقاق من وجه، فيقع في الجزء الأول، وقد خرج الجوابُ عن قولهما: إن دخول حرف الظرف في الغد وعدم الدخول سواء؛ لأنا قد بينا أنهما يستويان، والله - عز وجل - أعلم. ولو قال لامرأته: أنت طالق اليوم وغداً يقع الطلاق في اليوم؛ لأنه جعل الوقتين جميعاً ظرفاً لكونها طالقاً، ولن يكون الوقتان جميعاً ظرفاً إلا عند الوقوع في أولهما؛ لأنه لو تأخر الوقوع إلى الغد لكان الظرف أحدهما. ولو قال: أنت طالق اليوم غداً أو غداً اليوم - يؤخذ بأول الوقتين الذي تفوه به؛ لأنه في الأول أوقع الطلاق في اليوم، ووصف اليوم بأنه غد وهو محال؛ فلغا قوله غداً، وبقي قوله: اليوم، فيقع الطلاق في اليوم، وفي الثاني أضاف الطلاق إلى الغد ووصف الغد بأنه اليوم وهو محال؛ فلغا قوله: اليوم، وبقي قوله: غداً؛ فيقع الطلاق في غد. ولو قال لها: أنت طالق متى شئت أو متى ما شئت، أو إذا شئت أو إذا ما شئت، أو كلما شئت - لا يقع الطلاق ما لم تشأ، فإذا شاءت وقع؛ لأنه أضاف الطلاق إلى وقت مشيئتها، ووقت مشيئتها هو الزمان الذي توجد فيه مشيئتها فإذا شاءت فقد وجد ذلك الزمان فيقع، ولا يقتصر هذا على المجلس، بخلاف قوله: إن شئت وما يجري مجراه؛ لأن هذا إضافة وذا تمليك؛ لما نبين في موضعه. وعلى هذا الأصل يخرج الطلاق في العدة. وجملة الكلام فيه أن المرأة لا تخلو؛ إما أن كانت معتدة من طلاق رجعي أو بائن أو خلع، فإن كانت من رجعي يقع الطلاق عليها، سواء كان صريحاً أو كناية؛ لقيام الملك من كل وجه؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك؛ ولهذا ٢٩٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ يصح ظهاره وإيلاؤه، ويثبت اللعان بينهما، وهذه الأحكام لا تصح إلا في الملك، وإن كانت معتدة من طلاق بائن أو خلع، وهي المبانة أو المختلعة، فيلحقها صريح الطلاق عند أصحابنا، وقال الشافعي: لا يلحقها. وجه قوله: إن الطلاق تصرف في الملك بالإزالة، والملك قد زال بالخلع والإبانة، وإزالة الزائل محال؛ ولهذا لم يصح الخلع والإبانة. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلاَقِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ))، وهذا نص في الباب؛ ولأنها بالخلع والإبانة لم تخرج من أن تكون محلاً للطلاق؛ لأن حكم الطلاق إن كان ما ينبىء عنه اللفظ لغة، وهو الانطلاق والتخلي وزوال القيد؛ فهي محل لذلك؛ لأنها مقيدة في حال العدة؛ لأنها ممنوعة عن الخروج والبروز، والتزوج بزوج آخر، والقيد هو المنع، وإن كان ما لا ينبىء عنه اللفظ لغة، وهو زوال حل المحلية شرعاً، فحل المحلية قائم؛ لأنه لا يزول إلا بالطلقات الثلاث، ولم توجد؛ فكانت المبانة والمختلعة محلين للطلاق، وبه تبين أن قوله: الطلاق تصرف في الملك بالإزالة - غير سديد؛ لأن زوال الملك لا ينبىء عنه اللفظ لغة، ولا يدل عليه شرعاً. ألا ترى أن الطلاق الرجعي واقع، ولا يزول الملك بالإجماع، ولو راجعها لا ينعدم الطلاق، بل يبقى أثره في حق زوال المحلية، وإن انعدم أثره في حق زوال الملك بخلاف الإبانة؛ لأنها إزالة الملك، والملك دليل. وأما الكناية فهل يلحقها، ينظر إن كانت رجعية وهي ألفاظ، وهي قوله: اعتدي، واستبري رحمك، وأنت واحدة - يلحقها في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف؛ أنه لا يلحقها، حتى لو قال لها: اعتدي لا يلحقها شيء وجه هذه الرواية أن هذه كناية، والكناية لا تعمل إلا في حال قيام الملك كسائر الكنايات. وجه ظاهر الرواية: أن الواقع بهذا النوع من الكناية رجعي، فكان في معنى الصريح، فيلحق الخلع والإبانة في العدة كالصريح، وإن كانت بائنة؛ كقوله: أنت بائن، ونحوه، ونوى الطلاق لا يلحقها بلا خلاف؛ لأن الإبانة قطع الوصلة، والوصلة منقطعة، فلا يتصور قطعها ثانياً بخلاف الطلاق؛ لأنه إزالة القيد، وإزالة حل المحلية، وكل ذلك قائم؛ ولأنه يمكن تصحيح هذا الكلام بطريق الإخبار؛ لأن المخبر به على ما أخبر، ولا يمكن تصحيحه بطريق الإفشاء؛ لأن إيانة المبان محال، فيصحح بطريق الإخبار؛ لأنه يكون كذباً، فيصحح بطريق الإنشاء. ولأن الإبانة تحريم شرعاً، وهي محرمة، وتحريم المحرم محال، وسواء نجز الإبانة في حال قيام العدة، أو علقها بشرط؛ بأن قال لها في العدة: إن دخلت هذه الدار فأنت بائن، ٢٩٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ ونوى الطلاق، حتى لو دخلت الدار وهي في العدة - لا يقع الطلاق؛ لأن الإبانة قطع الوصلة، فلا ينعقد إلا في حال قيام الوصلة وهو الملك، ولم يوجد؛ فلا ينعقد. ولو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت بائن، أو حرام، ونحو ذلك، ثم أبانها، أو خالعها، ثم دخلت الدار وهي في العدة - وقعت عليها تطليقة بالشرط فى قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: لا يقع، ويبطل التعليق. وجه قوله: أن التعليق بالشرط يصير تنجيزاً عند الشرط تقديراً، ولو نجز الإبانة عند الشرط لا يقع شيء لعدم الملك. ولنا أن التعليق وقع صحيحاً لقيام الملك عند وجوده من كل وجه، فانعقد موجباً للبينونة، وزوال الملك عند وجود الشرط من كل وجه، إلا أن الإبانة الطارئة أوجبت زوال الملك من وجه للحال، وبقي من وجه حال قيام العدة؛ لقيام بعض آثار الملك؛ فخرج التعليق من أن يكون سبباً لزوال الملك عند الشرط من كل وجه؛ لزوال الملك من وجه للحال بالتنجيز؛ فبقي سبباً لزوال الملك من وجه، وفيه تصحيح التصرفين في حق الحكم بقدر الإمكان، فكان أولى من تصحيح أحدهما وإبطال الآخر، بخلاف تنجيز الإبانة على المعتدة المبانة، وتعليقها؛ أنهما لا يصحان؛ لأن ثمة الملك وقت التنجيز، والتعليق قائم من وجه دون وجه، فقيامه من وجه لقيام العدة يوجب الصحة، وزواله من وجه يمنع الصحة، وما لم تعرف صحته إذا وقع الشك في صحته - لا يصح بالشك، بخلاف التعليق في مسألتنا؛ لأنه وقع صحيحاً بيقين لقيام الملك من وكل وجه، فتنجيز الإبانة المعترضة يقع الشك في بطلانه، فلا يبطل مع الشك، فهو الفرق بين الفصلين، والله - عز وجل - أعلم. ولو آلى منها لم يصح إيلاؤه في حكم البر؛ لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين وهو البر تعليق الإبانة شرعاً، وشرط البر وهو عدم القربان في المدة، وقيام الملك شرط صحة الإبانة، تنجيزاً كان أو تعليقاً؛ كما في التعليق الحقيقي على ما مر؛ لأن الطلاق في الإيلاء إنما يقع عند مضي المدة من غير قربانها، ويصير فيه ظالماً. يمنع حقها في الوطء في المدة، ولا حق للمبانة والمختلعة في الوطء؛ فلا يصح الإيلاء في حق الطلاق. ولو آلى من زَوْجته، ثم أبانها، ونوى الطَّلاق أو خلعها قبل مضي أربعة أشهر، ثم مضت أربعة أشهر قبل أن يقربها، وهي في العدة - وقع الطلاق عندنا، خلافاً لزفر؛ بناء على أن الإبانة الناجزة يلحقها الإبانة بتعليق سابق عندنا خلافاً له، ولا يصح ظهاره من المبانة والمختلعة، لأن الظهار تحريم، والمحرمة قد تثبت بالإبانة، والخلع السابق، وتحريم المحرم ممتنع . ٢٩٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو علق الظهار بشرط في الملك؛ بأن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي، ثم أبانها، فدخلت الدار وهي في العدة - لا يصير مظاهراً منها بالإجماع، وهذا حجةُ زفر . ووجه الفرق لنا بين الظهار وبين الكناية البائنة من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا أن الظهار يوجب حرمة مؤقتة بالكفارة، وقد تثبت الحرمة بالإبانة من كل وجه، فلا يحتمل التحريم بالظهار، بخلاف الكناية المنجزة؛ لأنها توجب زوال الملك من وجه دون وجه قبل انقضاء العدة؛ فلا يمنع ثبوت حكم التعليق. والثاني: أن الظهار يوجب حرمة ترتفع بالكفارة. والإبانة توجب حرمة لا ترتفع إلا بنكاح جديد، فكانت الحرمة الثابتة بالإبانة أقوى الحرمتين، والثابتة بالظهار أضعفهما؛ فلا تظهر بمقابلة الأقوى، بخلاف تنجيز الكناية وتعليقها، فإن كل واحد منهما في إيجاب البينونة، وزوال الملك على السواء؛ فيعمل بهما بالقدر الممكن، وفيما قلنا عمل بهما جميعاً على مابينا، ولو خيرها في العدة لا يصح؛ بأن قال لها: اختاري، فاختارت نفسها في العدة، حتى لا يقع شيء بالإجماع؛ لأن التنجيز تمليك، والتمليك بلا ملك لا يتصور. ولو قال لامرأته: إذا جاء غد فاختاري، ثم أبانها، فاختارت نفسها في العدة - لا يقع شيء بالإجماع، وهذا أيضاً حجة زفر. والفرق لنا بين التنجيز وبين تعليق الكناية الثابتة بشرط؛ أنه لما قال لها: إذا جاء غد فاختاري فقد ملكها الطلاق غداً، ولما أبانها فقد أزال الملك للحال من وجه، وبقي من وجه على ما بينا، والملك من وجه لا يكفي للتمليك، ويكفي للإزالة؛ كما في الاستيلاد بالتنجيز المطلق، حتى لا يجوز بيع أم الولد والمدبر المطلق، ويجوز إعتاقهما كذا هذا. ولأن التنجيز يعتبر فيه جانب الاختيار لا جانب التنجيز، والتعليق يعتبر فيه جانب اليمين لا جانب الشرط؛ بدليل أنه لو شهد شاهدان بالتنجيز، وشاهدان بالاختيار، ثم رجع الشهور - فالضمان على شاهدي الاختيار، لا على شاهدي التنجيز، وبمثله لو شهد شاهدان باليمين وشاهدان بالدخول، ثم رجعوا - ضمن شهود اليمين لا شهود الدخول، وإذا كان المعتبر في التنجيز هو اختيار المرأة لا تخيير الزوج - يعتبر قيام الملك وقت اختيارها، وهي مبانة وقت اختيارها، فلم يقع شيء، ولما كان المعتبر في التعليق هو اليمين لا الشرط؛ يعتبر قيام الملك وقت اليمين لا وقت الشرط، ولو قذفها بالزنا لا يلاعن؛ لأن اللعان لم يشرع إلا بين الزوجين، قال الله - سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، والزوجية قد انقطعت بالإبانة والخلع، وكل فرقة توجب حرمة مؤبدة؛ كحرمة المصاهرة والرضاع، فإن ٢٩٨ كِتَابُ الطلاقِ الطلاق لا يلحقها وإن كانت في العدة؛ لأن تحريم المحرم لا يتصور، ولأن الثابت بالطلاق حرمة مؤقتة، والثابت بالرضاع والمصاهرة حرمة مؤبدة، والحرمة المؤبدة أقوى الحرمتين؛ فلا يظهر الأضعف في مقابلة الأقوى، وكذلك لو اشترى امرأته بعدما دخل بها لا يلحقها الطلاق؛ لأنها ليست بمعتدة. ألا ترى أنه يحل له وطؤها، ولا يحل وطء المعتدة بحال، وكذا لو قال لمنكوحته - وهي أمة الغير: أنت طالق للسنة، ثم اشتراها وجاء وقت السنة - لا يقع شيء؛ لما ذكرنا أنها ليست بمعتدة، والطلاق المعلق بشرط، أو المضاف إلى وقت - لا يقع في غير ملك النكاح والعدة . ولو قال العبد لامرأته - وهي حرة: أنت طالق للسنة ثم أبانها، ثم جاء وقت السنة - يقع عليها الطلاق؛ لأنها معتدة منه، وكذلك إذا قال الرجل لامرأته - وهي أمة الغير: أنت طالق للسنة، ثم اشتراها فأعتقها، ثم جاء وقت السنة - وقع عليها الطلاق؛ لأنها معتدة منه لظهور حكم العدة بعد الإعتاق، وإذا ارتد الرجل، ولحق بدار الحرب، فطلق المرأة - لم يقع على المرأة طلاقه، وإن كانت في العدة؛ لأن العصمة قد انقطعت بينهما بلحاقه بدار الحرب؛ فلا يقع عليها طلاقه؛ كما لا يقع على المرأة طلاقه بعد انقضاء العدة. فإن عاد إلى دار الإسلام وهي في العدة - وقع طلاقه عليها؛ لأن المانع من الطلاق اختلاف الدارين وقد زال، فإن ارتدت المرأة، ولحقت بدار الحرب، فطلق المرأة - لم يقع طلاق الزوج عليها؛ لأن العصمة قد انقطعت بلحاقها بدار الحرب، فصارت كالمنقضية العدة، فإن عادت قبل الحيض لم يقع طلاق الزوج عليها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يُوسُفَ: يقع طلاقه عليها . وجه قول أبي يوسف: أن العدة باقية حقيقة، إلا أنه لم يظهر حكمها للحال لمانع وهو اللحاق؛ لاختلاف الدارين، فإن عادت إلى دار الإسلام، فقد زال المانع، فظهر حكم العدة؛ كما في جانب الرجل. ولأبي حنيفة أن المرتدة بلحاقها بدار الحرب صارت كالحربية الأصلية؛ ألا ترى أنها تسترق كالحربية، فبطلت العدة في حقها أصلاً؛ فلا تعود بعودها إلى دار الإسلام بخلاف المرتد . وعلى هذا الأصل يخرج عدد الطلاق قبل الدخول؛ أنه إن أوقع مجتمعاً يقع الكل، وإن أوقع متفرقاً لا يقع إلا الأول؛ لأن الإيقاع إذا كان مجتمعاً فقد صادف الكل محله، وهو الملك فيقع الكل، وإذا كان متفرقاً فقد بانت بالأول والثاني والثالث صادفها، ولا ملك ولا عدة؛ فلا يقع. ٢٩٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ وبيان هذا الأصل في مسائل، إذا قال لامرأته قبل الدخول بها: أنت طالق ثلاثاً، أو قال: أنت طالق ثنتين - وقع ذلك عند عامة العلماء، وقال الحسن البصري: لا يقع إلا واحدة، ويلغو قوله: ثلاثاً أو ثنتين. وجه قوله: إن قوله: أنت طالق كلام تام لكونه مبتدأ وخبراً، وقد سبق العدد في الذكر، فيسبق في الوقوع، فبين بقوله: أنت طالق، والعدد يصادفها بعد حصول البينونة فيلغو؛ كما إذا قال: أنت طالق وطالق. ولنا أنه أوقع الثلاث جملة واحدة، فيقع جملة واحدة، ودلالة الوصف من وجهين : أحدهما: أن العدد هو الواقع وهو الثلاث، وقد أوقع الثلاث مجتمعاً. والثاني: أن الكلام إنما يتم بآخره؛ لأن المتكلم ربما يعلق كلامه بشرط أو بصفة إلى وقت، أو يلحق به الاستثناء لحاجته إلى ذلك، فيقف أول الكلام على آخره، وإذا وقف عليه صار الكل جملة واحدة، فيقع الكل جملة واحدة، ولا يتقدم البعض على البعض؛ ولهذا لو قال لها: أنت طالق واحدة، فماتت بعد قوله: طالق قبل قوله: واحدة - لم يقع شيء؛ لأن الواقع هو العدد، وذلك وجد بعد الموت. وكذا لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً إن شاء الله، فماتت بعد قوله ثلاثاً، قبل قوله: إن شاء الله - لا يقع شيء؛ لأنه توقف أول الكلام على وجود آخره المغير له، فلم يتعلق بأوله حكم، فلا يقع به شيء في حال الحياة، ولا يقع بعد الموت؛ لعدم التطليق عند وجود الاستثناء، وعدم المحل أيضاً، وكذلك إذا ذكر بعده ما هو صفة له وقع بتلك الصفة؛ كما إذا قال: أنت طالق بائن، أو حرام؛ لأن الصفة مع الموصوف كلام واحد، فلا يفصل البعض عن البعض في الوقوع. وفائدة هذا لا تظهر في التنجيز؛ لأن الطلاق قبل الدخول لا يقع إلا بائناً، سواء وصفه بالبينونة أم لم يصفه، وإنما تظهر في التعليق؛ بأن يقول لها: أنت طالق بائن إن دخلت الدار أنه لا يتنجز، بل يتعلق بالدخول؛ لأن قوله بائن بين الإيقاع والشرط لا يقع فاصلاً بينهما؛ لما ذكرنا أن الصفة مع الموصوف كلام واحد، فلا يكون حائلاً بين الإيقاع والشرط، فلا يمنع التعليق بالشرط . ولو قال لها: أنت طالق واحدة مع واحدة أو معها واحدة - يقع ثنتان: لأن كلمة (مع) للمقارنة، فقد أوقع الطلاقين معاً فيقعان معاً؛ كما لو كانت مدخولاً بها، وكذا لو قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، أو واحدة بعد واحدة؛ لأن هذا إيقاع طلقة واحدة للحال، وإضافة طلقة أُخرى إلى الزمان الماضي، فيقع في الحال واحدة، ولم تصح إضافة الأُخرى إلى الماضي؛ لما فيه من الاستحالة؛ فيقع في الحال. ٣٠٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، أو واحدة بعدها واحدة - يقع واحدة؛ لأنه أوقع تطليقة واحدة، وأعقبها بتطليقة أُخرى؛ فوقعت الأولى ولغت الثانية؛ لعدم الملك والعدة، ولو كرر لفظ الطلاق فالأمر لا يخلو؛ إما أن كرر بدون حرف العطف، وإما أن يكون بحرف العطف، وكل ذلك لا يخلو؛ إما أن نجز أو علق، فإن كرر بغير حرف العطف، ونجز؛ بأن قال: أنت طالق، أنت طالق أنت طالق، أو قال: أنت طالق طالق طالق - يقع الأولى ويلغو الثانية والثالثة؛ لأنه أوقع متفرقاً. أما في قوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ فلأن كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة - كلام تام؛ لأنه مبتدأ وخبر، وكل واحد منهما وجد متفرقاً، فكان كل واحد منهما إيقاعاً متفرقاً، فيقتضي الوقوع متفرقاً، فتحصل البينونة بالأولى، والثاني والثالث يصادفها، ولا ملك ولا عدة؛ فيلغو. وكذلك إذا قال: أنت طالق طالق طالق؛ لأن الثاني والثالث خبر لا مبتدأ له، فيعاد المبتدأ؛ كأنه قال: أنت طالق أنت طالق، وإن علق بشرط، فإن قدم الشرط؛ بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق طالق طالق، فالأولى يتعلق بالشرط لوجود التعليق الصحيح، وهو ذكر شرط وجزاء في الملك، والثاني ينزل في الحال؛ لأن قوله: أنت طالق إيقاع تام. وقوله: وطالق معناه: أنت طالق، وأنه إيقاع تام؛ لأنه مبتدأ وخبر، وقد صادف محله وهو المنكوحة فيقع، ويلغو الثالث لوقوع البينونة بالإيقاع. ولو تزوجها ودخلت الدار ينزل المعلق، لأن اليمين باقية؛ لأنها لا تبطل بالإبانة فوجد الشرط، وهي في ملكه فينزل الجزاء، ولو دخلت الدار بعد البينونة قبل التزوج تنحل اليمين، ولا يقع الطلاق، وإن كانت مدخولاً بها فالأول يتعلق بالشرط لما ذكرنا، والثاني والثالث ينزلان للحال؛ لأن كل واحد منهما إيقاع صحيح لمصادفته محله. وإن أخر الشرط بأن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن دخلت الدار، أو قال: أنت طالق طالق طالق إن دخلت الدار - فالأول ينزل في الحال؛ لأنه إيقاع تام صادف محله، ويلغو الثاني والثالث بحصول البينونة بالأولى، فلم يصح التعليق لعدم الملك، وإن كانت مدخولاً بها يقع الأول والثاني للحال، ويتعلق الثالث بالشرط؛ لأن الأول والثاني كل واحد منهما إيقاع تام لكونه مبتدأ وخبراً، وقد صادف محله فوقع للحال، والثالث علقه بالشرط، فتعلق به لحصول التعليق حال قيام العدة، فصادف التعليق محله فصح، بخلاف الفصل الأول، وإن كرر بحرف العطف؛ فإن نجز الطلاق؛ بأن قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو قال: أنت طالق فطالق فطالق - لا يقع إلا الأول بلا خلاف؛ لأنه أوقع الثلاث متفرقاً؛ لوجود حروف موضوعة للتفرق؛ لأن (ثم) للترتيب مع التراخي، والفاء للترتيب مع التعقيب، ووقوع الطلقة الأولى