Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
عرف هذا فصريح الطلاق قبل الدخول حقيقة يكون بائناً؛ لأن الأصل في اللفظ المطلق عن
شرط أن يفيد الحكم فيما وضع له للحال، والتأخر فيما بعد الدخول إلى وقت انقضاء العدة
ثبت شرعاً، بخلاف الأصل، فيقتصر على مورد الشرع، فبقي الحكم فيما قبل الدخول على
الأصل، ولو خلا بها خلوة صحيحة، ثم طلقها صريح الطلاق، وقال: لم أجامعها - كان طلاقاً
بائناً، حتى لا يملك مراجعتها، وإن كان للخلوة حكم الدخول؛ لأنها ليست بدخول حقيقة،
فكان هذا طلاقاً قبل الدخول حقيقة؛ فكان بائناً.
وكذلك إذا كان مقروناً بعوض، وهو الخلع ببدل والطلاق على مال؛ لأن الخلع بعوض
طلاق على مال عندنا، على ما نذكر إن شاء الله تعالى، والطلاق على مال معاوضة المال
بالنفس، وقد ملك الزوج أحد العوضين بنفس القبول وهو مالها، فتملك هي العوض الآخر،
وهو نفسها؛ تحقيقاً للمعاوضة للطلقة، ولا تملك إلا بالبائن؛ فكان الواقع بائناً.
وكذلك إذا كان مقروناً بعدد الثلاث نصاً؛ بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً؛ لقوله - عز
وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وكذا إذا أشار
إلى عدد الثلاث؛ بأن قال لها: أنت طالق هكذا، يشير بالإبهام والسبابة والوسطى، وإن أشار
بأصبع واحدة؛ فهي واحدة يملك الرجعة، وإن أشار باثنتين فهي اثنتان؛ لأن الإشارة متى
تعلقت بها العبارة نزلت منزلة الكلام؛ لحصول ما وضع له الكلام بها وهو الإعلام.
والدليل عليه العرف والشرع أيضاً، أما العرف فظاهر.
وأما الشرع: فقول النبي ◌َِّ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا))(١)، وَأَشَارَ وَِّ بِأَصَابِعَ يَدَيْهِ
كُلِّهَا، فكان بياناً أن الشهر يكون ثلاثين يوماً، ثم قال ◌َ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا،
وَحَبَسَ إِيْهَامَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِئَةِ))(٢)، فكان بياناً أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً، وإذا قامت
الإشارة مع تعلق العبارة بها مقام الكلام - صار كأنه قال: أنت طالق ثلاثاً، والمعتبر في الأصابع
عدد المرسل منها دون المقبوض لاعتبار العرفِ والعادة.
والدليل عليه؛ أن النبي ◌َّ لما قال: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)) وقَبَضَ إِبْهَامَهُ فِي
الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ - فهم منه تسعة وعشرون يوماً، ولو اعتبر المقبوض لكان المفهوم منه أحداً
وعشرين يوماً، فدل أن المعتبر في الإشارة بالأصابع المرسل منها لا المقبوض، وكذا إذا كان
موصوفاً بصفة تنبىء عن البينونة أو تدل عليها، من غير حرف العطف؛ مثل قوله: أنت طالق
(١) تقدم تخريجه في كتاب الصيام.
(٢) تقدم في الصيام.
بدائع الصنائع ج٤ - م١٦

٢٤٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
بائن، أو أنت طالق حرام، أو أنت طالق البتة، ونحو ذلك، وهذا عندنا.
وقال الشافعي: يقع واحدة رجعية.
وجه قوله: أنه لما قال: أنت طالق فقد أتى بصريح الطلاق، وأنه معقب للرجعة، فلما
قال: بائن، فقد أراد تغيير المشروع فيرد عليه؛ كما لو قال: أعرتك عارية لا رد فيها، وكما لو
قال: أنت طالق، وقال: أردت به الإبانة.
ولنا أنه وصف المرأة بالبينونة بالطلاق الأول، وأنه مما يحتمل البينونة؛ ألا ترى أنه
تحصل البينونة قبل الدخول وبعده بعد انقضاء العدة، فكان قوله: بائن قرينة مبينة لا مغيرة، ثم
إذا لم يكن له نية لا يقع تطليقة بقوله: طالق، والأُخرى بقوله: بائن، ونحو ذلك؛ لأن قوله:
بائن ونحو ذلك يصلح وصفاً للمرأة بالطلاق الأول، فلا يثبت إلا مقتضى واحد؛ لأن ثبوته
بطريق الضرورة؛ فيؤخذ فيه بالأدنى، وكذا إذا قال لها: أنت طالق تطليقة قوية أو شديدة؛ لأن
٧١أ الشدة تنبىء عن القوة/، والقوي هو البائن.
وكذا إذا قال لها: أنت طالق تطليقة طويلة أو عريضة؛ لأن الطول والعرض يقتضيان
القوة، ولو قال لها: أنت طالق من لههنا إلى موضع كذا، فهو رجعي في قول أصحابنا الثلاثة،
وعند زفر: هو بائن.
وجه قوله: أنه وصف الطلاق بالطول؛ فصار كما لو قال لها: أنت طالق تطليقة
طويلة .
ولنا أنه وصفه بالطول صورة وبالقصر معنى؛ لأن الطلاق إذا وقع في مكان يقع في
الأماكن كلها؛ فكان القصر على بعض الأماكن وصفاً له بالقصر، والطلقة القصيرة هي
الرجعية .
ولو قال: أنت طالق أشد الطلاق؛ فإن لم يكن له نية، أو نوى واحدة - فهي واحدة
بائنة؛ لأن حكم البائن أشد من حكم الرجعي فيقع بائناً، وإن نوى ثلاثاً فثلاث؛ لأن ألف
التفضيل قد تذكر لبيان أصل التفاوت وهو مطلق التفاوت، وذلك في الواحدة البائنة؛ لأنها أشد
حكماً من الرجعية، وقد تذكر لبيان نهاية التفاوت [وهو مطلق التفاوت]، وذلك في الثلاث،
فإذا نوى الثلاث، فقد نوى ما يحتمله كلامه؛ فصحت نيته، وإن لم يكن له نية ينصرف إلى
الأدنى؛ لأنه متيقن به، ولو قال لها: أنت طالق ملء البيت؛ فإن نوى الثلاث كان ثلاثاً، وإن
لم يكن له نية فهو واحدة بائنة؛ لأن قوله: ملء البيت يحتمل أنه أراد به الكثرة والعدد،
ويحتمل أنه أراد به الصفة وهي العظم والقوة، فأي ذلك نوى فقد نوى ما يحتمله لفظه، وعند

٢٤٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
انعدام النية يحمل على الواحدة البائنة؛ لكونه متيقناً بها.
ولو قال لها: أنت طالق أقبح الطلاق، قال أبو يوسف: هو رجعي، وقال محمد: هو
بائن.
وجه قول محمد: أنه وصف الطلاق بالقبح، والطلاق القبيح هو الطلاق المنهى عنه،
وهو البائن؛ فيقع بائناً.
ولأبي يوسف أن قوله: أقبح الطلاق يحتمل القبح الشرعي وهو الكراهية الشرعية،
ويحتمل القبح الطبعي وهو الكراهية الطبيعية، وهو أن يطلقها في وقت يكره الطلاق فيه
طبعاً، فلا تثبت البينونة فيه بالشك، وكذا قوله: أقبح الطلاق يحتمل القبح بجهة الإبانة،
ويحتمل القبح بإيقاعه في زمن الحيض أو في طهر جامعها فيه؛ فلا تثبت البينونة
بالشك.
ولو قال: أنت طالق للبدعة فهي واحدة رجعية؛ لأن البدعة قد تكون في البائن،
وقد تكون في الطلاق حالة الحيض، فوقع الشك في ثبوت البينونة، فلا تثبت البينونة
بالشك.
ولو قال لها: أنت طالق طلاق الشيطان فهو كقوله: أنت طالق للبدعة، وروي عن أبي
يوسف فيمن قال لامرأته: أنت طالق للبدعة، ونوى واحدة بائنة؛ تقع واحدة بائنة؛ لأن لفظه
يحتمل ذلك على ما بينا؛ فتصح نيته، ولو شبه صريح الطلاق بالعدد فهذا على وجهين: إما إن
شبه بالعدد فيما له عدد، وإما إن شبه بالعدد فيما لا عدد له، فإن شبه بالعدد فيما هو ذو عدد؛
كما لو قال لها: أنت طالق كألف أو مثل ألف ــ فهنا ثلاثة فصول.
الأول: هذا.
والثاني: أن يقول لها: أنت طالق واحدة كألف أو مثل ألف.
والثالث: أن يقول لها: أنت طالق كعدد ألف.
أما الفصل الأول: فإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث بالإجماع، وإن نوى واحدة أو لم يكن له نية
- فهي واحدة بائنة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: هو ثلاث، ولو قال: نويت
به واحدة دينته فيما بينه وبين الله تعالى، ولم أدينه في القضاء.
وجه قوله: إن قوله: كألف تشبيه بالعدد؛ إذ الألف من أسماء الأعداد، فصار كما لو
نص على العدد فقال لها: أنت طالق كعدد ألف، ولو قال ذلك كان ثلاثاً؛ كذا هذا.

٢٤٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولهما أن التشبيه بالألف يحتمل التشبيه من حيث العدد، ويحتمل التشبيه من حيث
الصفة، وهو صفة القوة والشدة، فإن الواحد من الرجال قد يشبه بألف رجل في الشجاعة، وإذا
كان محتملاً لهما فلا يثبت العدد إلا بالنية، فإذا نوى فقد نوى ما يحتمله كلامه، وعند عدم
النية يحمل على الأدنى؛ لأنه متيقن به ولا يحمل على العدد بالشك.
وأما الفصل الثاني: وهو ما إذا قال: أنت طالق واحدة كألف - فهي واحدة بائنة في
قولهم جميعاً؛ لأنه لما نص على الواحد علم أنه ما أراد به التشبيه من حيث العدد، فتعين
التشبيه في القوة والشدة، وذلك في البائن؛ فيقع بائناً.
وأما الفصل الثالث: وهو ما إذا قال لها: أنت طالق كعدد ألف، أو كعدد ثلاث، أو
مثل عدد ثلاث - فهو ثلاث في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى، ولو نوى غير ذلك فنيته
باطلة؛ لأن التنصيص على العدد ينفي احتمال إرادة الواحد، فلا يصدق أنه ما أراد به الثلاث
٧١ب أصلاً؛ كما إذا قال: أنت طالق/ ثلاثاً ونوى الواحدة. وإن شبه بالعدد فيما لا عدد له؛ بأن
قال: أنت طالق مثل عدد كذا أو كعدد كذا، لشيء لا عدد له؛ كالشمس، والقمر، ونحو
ذلك - فهي واحدة بائنة في قياس قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: هي واحدة يملك
الرجعة .
وجه قول أبي يوسف: أن التشبيه بالعدد فيما لا عدد له - لغو؛ فبطل التشبيه، وقوله(١):
أنت طالق، ولأبي حنيفة أن هذا النوع من التشبيه يقتضي ضرباً من الزيادة لا محالة، ولا يمكن
حمله على الزيادة من حيث العدد، فيحمل على الزيادة من حيث الصفة.
وقالوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق عدد شعر راحتي، أو عدد ما على ظهر كفي من
الشعر، وقد حلق ظهر كفه - طلقت واحدة؛ لأنه شبه بما لا عدد له؛ لأنه علق الطلاق بوجود
الشعر على راحته، أو على ظهر كفه للحال، وليس على راحته ولا على ظهر كفه شعر للحال؛
فلا يتحقق التشبه بالعدد؛ فلغا التشبه، وبقي قوله: أنت طالق؛ فيكون رجعياً .
ولو قال: أنت طالق عدد شعر رأسي، وعدد شعر ظهر كفي، وقد حلقه ــ طلقت ثلاثاً؛
لأنه شبه بماله عدد؛ لأن شعر رأسه ذو عدد، وإن لم يكن موجوداً في الحال فكان هذا تشبيهاً
به حال وجوده، وهو حال وجوده ذو عدد، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن ذلك تعليق التشبيه
بوجوده للحال، وهو غير موجود للحال؛ فيلغو التشبيه.
(١) في أ: وبقي قوله.

٢٤٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو قال لها: أنت طالق مثل الجبل، أو مثل حبة الخردل(١) - فهي واحدة بائنة في قول
أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: هي واحدة يملك الرجعة.
وجه قول أبي يوسف: أن قوله مثل الجبل، أو مثل حبة الخردل(٢) - يحتمل التشبيه في
التوحد؛ لأن الجبل بجميع أجزائه شيء واحد غير متعدد، فلا تثبت البينونة بالشك، ولأبي
حنيفة أن هذا التشبيه يقتضي زيادة لا محالة، وأنه لا يحتمل الزيادة من حيث العدد؛ لأنه ليس
بذي عدد؛ لكونه واحداً في الذات، فيحمل على الزيادة التي ترجع إلى الصفة، وهي البينونة،
فيحمل على الواحدة البائنة؛ لأنها المتيقن بها .
ولو قال: مثل عظم الجبل، أو قال: مثل عظم كذا، فأضاف ذلك إلى صغير أو كبير -
فهي واحدة بائنة، وإن لم يسم واحدة، وإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث؛ لأنه نص على التشبيه
بالجبل في العظم؛ فهذا يقتضي زيادة لا محالة على ما يقتضيه الصريح، ثم إن كان قد سمى
واحدة تعينت الواحدة البائنة؛ لأن الزيادة فيها لا تكون إلا بالبينونة، وإن كان لم يسم واحدة
احتمل الزيادة في الصفة، وهي البينونة بواحدة أو بالثلاث، فإن نوى الثلاث يكون ثلاثاً؛ لأنه
نوى ما يحتمله كلامه، وإن لم يكن له نية يحمل على الواحدة؛ لكونها أدنى، والأدنى متيقن
به، وفي الزيادة عليه شك.
ولو قال: أنت طالق مثل هذا وهذا وهذا، وأشار بثلاث أصابع - فإن نوى به ثلاثاً
فثلاث، وإن نوى واحدة بائنة فواحدة بائنة؛ لأنه شبه الطلاق بماله عدد، فيحتمل التشبيه من
حيث العدد، ويحتملُ التشبيه في الصفة وهي الشدة، فإذا نوى به الثلاث صحت نيته؛ لأنه
نوى ما يحتمله لفظه؛ كما في قوله: أنت طالق كألف، وإذا نوى به الواحدة كانت واحدة؛ لأنه
أراد به التشبيه في الصفة، وكذا إذا لم يكن له نية يحمل على التشبيه من حيث الصفة؛ لأنه
أدنى، والله - عز وجل - أعلم.
فضل في ألفاظ الكناية
وأما الكناية: فثلاثة ألفاظ من الكنايات رواجع [بلا خلاف](٣) وهي قوله: اعتدي،
واستبري رحمك، وأنت واحدة.
(١) في أ: الخردلة، وهو نبات عشبي حريف ينبت في الحقول وعلى حواش الطرق، تستعمل بذوره في
الطب.
ينظر: المعجم الوسيط ٢٢٥/١.
(٢) زاد في أ: ويحتمل التشبيه في الصفة وهي العظم.
(٣) سقط في أ.

٢٤٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أما قوله: اعتدي؛ فلما روي عن أبي حنيفة؛ أنه قال: القياس في قوله: اعتدي أن يكون
بائناً، وإنما اتبعنا الأثر، وكذا قال أبو يوسف: القياس أن يكون بائناً، وإنما تركنا القياس؛
لحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله وَ لّ قَالَ لِسَوْدَةً بِنْتِ زَمْعَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا:
(اعْتَدْي فَنَاشَدَتْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا لِتَجْعَلَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا؛ حَتَّى تُحْشَرَ فِي جُمْلَةٍ
أَزْوَاجِهِ، فَرَاجَعَهَا وَرَدَّ عَلَيْهَا يَوْمَهَا))(١) ولأن قوله: اعتدي أمر بالاعتداد، والاعتداد يقتضي
سابقة الطلاق، والمقتضى يثبت بطريق الضرورة، فيتقدر بقدر الضرورة، والضرورة ترتفع
بالأقل وهو الواحدة الرجعية، فلا يثبت ما سواها، ثم قوله: اعتدي إنما يجعل مقتضياً للطلاق
في المدخول بها. وأما في غير المدخول بها فإنه يجعل مستعاراً من الطلاق، وقوله: استبري
١٧٢ رحمك تفسير/ قوله: اعتدي؛ لأن الاعتداد شرع للاستبراء؛ فيفيد ما يفيده قوله: اعتدي.
وأما قوله: أنت واحدة؛ فلأنه لما نوى الطلاق فقد جعل قوله: واحدة نعتاً لمصدر
محذوف وهو الطلقة؛ كأنه قال: أنت طالق طلقة واحدة؛ كما يقال: أعطيته جزيلاً، أي: عطاء
جزيلاً، واختلف في البواقي من الكنايات، فقال أصحابنا - رحمهم الله: إنها بوائن، وقال
الشافعي: رواجع.
وجه قوله أن هذه الألفاظ كنايات الطلاق، فكانت مجازاً عن الطلاق؛ ألا ترى أنها لا
تعمل بدون نية الطلاق، فكان العامل هو الحقيقة، وهو المكنى عنه لا المجاز الذي هو
الكناية؛ ولهذا كانت الألفاظ الثلاثة رواجع؛ فكذا البواقي.
ولنا: أن الشرع ورد بهذه الألفاظ، وأنها صالحة لإثبات البينونة، والمحل قابل للبينونة.
فإذا وجدت من الأهل ثبتت البينونة استدلالاً بما قبل الدخول، ولا شك أن هذه الألفاظ
صالحة لإثبات البينونة، فإنه تثبت البينونة بها قبل الدخول، وبعد انقضاء المدة، ويثبت به قبول
المحل أيضاً، لأن ثبوت البينونة في محل لا يحتملها - محال.
والدليل على أن الشرع ورد بهذه الألفاظ قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحْ
بِإِخْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرُّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨]
وَقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢٨]، والتسريح والمفارقة من
كنايات الطلاق على ما بينا.
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ: تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَرَأَى فِي كَثْحِهَا بَيَاضاً، فَقَالَ لَهَا: ((الْحَقِي
بِأَهلِكِ))(٢) [١٢٦٦]، وهذا من ألفاظ الكنايات، وأن ركانة بن زيد، أو زيد بن ركانة طلق
(١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٣٦/٨) عن النعمان بن ثابت التيمي مرسلاً.
(٢) تقدم تخريجه.

٢٤٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
امْرَأَتَهُ الْبَّةَ فَحَلَّفَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ مَا أَرَادَ بِهَا الثَّلاَثَ))، وقوله: البتة من الكنايات، فإذا ثبت أن
هذا التصرف مشروع؛ فوجود التصرف حقيقة بوجود ركنه، ووجوده شرعاً بصدوره من أهله،
وحلوله في محله، وقد وجد فتثبت البينونة، وإذا ثبتت البينونة فقد زال الملك؛ فلا يملك
الرجعة، ولأن شرع الطلاق في الأصل لمكان المصلحة؛ لأن الزوجين قد تختلف أخلاقهما،
وعند اختلاف الأخلاق لا يبقى النكاح مصلحة؛ لأنه لا يبقى وسيلة إلى المقاصد؛ فتنقلب
المصلحة إلى الطلاق؛ ليصل كل واحد منهما إلى زوج يوافقه، فيستوفي مصالح النكاح منه،
إلا أن المخالفة قد تكون من جهة الزوج، وقد تكون من جهة المرأة، فالشرع شرع الطلاق،
وفوض طريق دفع المخالفة والإعادة إلى الموافقة إلى الزوج؛ لاختصاصه بكمال العقل
والرأي، فينظر في حال نفسه؛ فإن كانت المخالفة من جهته يطلقها طلاقاً واحداً رجعياً، أو
ثلاثاً في ثلاثة أطهار، ويجرب نفسه في هذه المدة؛ فإن كان يمكنه الصبر عنها، ولا يميل قلبه
إليها - يتركها حتى تنقضي عدتها، وإن كان لا يمكنه الصبر عنها راجعها، وإن كانت المخالفة
من جهتها تقع الحاجة إلى أن تتوب وتعود إلى الموافقة، وذلك لا يحصل بالطلاق الرجعي؛
لأنها إذا علمت أن النكاح بينهما قائم لا تتوب، فيحتاج إلى الإبانة التي بها يزول الحل
والملك؛ لتذوق مرارة الفراق، فتعود إلى الموافقة عسى، وإذا كانت المصلحة في الطلاق
بهذين الطريقين مست الحاجة إلى شرع الإبانة عاجلاً وآجلاً؛ تحقيقاً لمصالح للنكاح بالقدر
الممكن .
وقوله: هذه الألفاظ مجاز عن الطلاق - ممنوع، بل هي حقائق عاملة بأنفسها؛ لأنها
صالحة للعمل بأنفسها على ما بينا، فكان وقوع البينونة بها لا بالمكنى عنه، على أنا إن سلمنا
أنها مجاز عن الطلاق، فلفظ المجاز عامل بنفسه أيضاً كلفظ الحقيقة، فإن المجاز أحد نوعي
الكلام، فيعمل بنفسه كالحقيقة؛ ولهذا قلنا: إن للمجاز عموماً كالحقيقة، إلا أنه يشترط النية
التنوع البينونة والحرمة إلى الغليظة والخفيفة؛ فكان الشرط في الحقيقة نية التمييز، وتعيين أحد
النوعين، لا نية الطلاق، والله تعالى أعلم.
ويستوي فيما ذكرنا من الصريح والكناية، والرجعي والبائن؛ أن يكون ذلك بمباشرة
الزوج بنفسه بطريق الأصالة أو بغيره بإذنه أو أمره، وذلك نوعان: توكيل وتفويض، أما
التفويض؛ فنحو قول الرجل لامرأته: أمرك بيدك، وقوله: اختاري، وقوله: أنت طالق إن
شئت، وما يجري مجراه، وقوله: طلقي نفسك.
فضلٌ في قوله: أمرك بيدك
أما قوله: أمرك بيدك - فالكلام فيه يقع في مواضع: في بيان صفة هذا التفويض، وهو

٢٤٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
٧٢ب جعل الأمر باليد، وفي بيان حكمه، وفي بيان شرط ثبوت/ الحكم، وفي بيان شرط بقائه، وما
يبطل به وما لا يبطل، وفي بيان صفة الحكم الثابت، وفي بيان ما يصلح جواب الأمر باليد من
الألفاظ، وبیان حكمها إذا وجد.
أما بيان صفته فهو أنه لازم من جانب الزوج، حتى لا يملك الرجوع عنه، ولا نهي
المرأة عما جعل إليها ولا فسخ ذلك؛ لأنه ملكها الطلاق، ومن ملك غيره شيئاً فقد زالت
ولايته من الملك؛ فلا يملك إبطاله بالرجوع والنهي والفسخ، بخلاف البيع؛ فإن الإيجاب من
البائع ليس بتمليك، بل هو أحد ركني البيع فاحتمل الرجوع عنه، ولأن الطلاق بعد وجوده لا
يحتمل الرجوع والفسخ، فكذا بعد إيجابه، بخلاف البيع؛ فإنه يحتمل الفسخ بعد تمامه،
فيحتمل الفسخ والرجوع بعد إيجابه أيضاً؛ ولأن هذا النوع من التمليك فيه معنى التعليق، فلا
يحتمل الرجوع عنه والفسخ؛ كسائر التعليقات المطلقة، بخلاف البيع؛ فإنه ليس فيه معنى
التعليق رأساً، وكذلك لو قام هو عن المجلس لا يبطل الجعل؛ لأن قيامه دليل الإبطال؛ لكونه
دليل الإعراض، فإذا لم يبطل بصريح إبطاله كيف يبطل بدليل الإبطال، بخلاف البيع إذا أوجب
البائع، ثم قام قبول المشترى؛ أنه يبطل الإيجاب؛ لأن البيع يبطل بصريح الإبطال؛ فجاز أن
يبطل بدليل الإبطال. وأما من جانب المرأة فإنه غير لازم؛ لأنه لما جعل الأمر بيدها، فقد
خيرها بين اختيارها نفسها في التطليق، وبين اختيارها زوجها، والتخيير ينافي اللزوم.
وأما حكمه فهو صيرورة الأمر بيدها في الطلاق؛ لأنه جعل الأمر بيدها في الطلاق، وهو
من أهل الجعل، والمحل قابل للجعل فيصير الأمر بيدها.
وأما شرط صيرورة الأمر بيدها فشيئان:
أحدهما: نية الزوج الطلاق؛ لأنه من كنايات الطلاق، فلا يصح من غير نية الطلاق؛ ألا ترى
أنه لا يملك إيقاعه بنفسه من غير نية الطلاق، فكيف يملك تفويضه إلى غيره من غير نية الطلاق،
حتى لو قال الزوج: ما أردت به الطلاق يصدق، ولا يصير الأمر بيدها؛ لأن هذا التصرف يحتمل
الطلاق ويحتمل غيره، إلا إذا كان الحال حال الغضب والخصومة، أو حال مذاكرة الطلاق، فلا
يصدق في القضاء؛ لأن الحال تدل على إرادة الطلاق ظاهراً، فلا يصدق في العدول عن الظاهر،
فإن ادعت المرأة أنه أراد به الطلاق، أو ادعت أن ذلك كان في حال الغضب، أو في حال ذكر
الطلاق - وهو ينكر - فالقولُ قوله مع يمينه؛ لأنها تدعي عليه الطلاق وهو ينكر، فإن أقامت البينة أن
ذلك كان في حال الغضب، أو ذكر الطلاق - قُبلت بينتها؛ لأن حال الغضب وذكر الطلاق يقف
الشهود عليها، ويتعلق علمهم بها؛ فكانت شهادتهم(١) عن علم بالمشهود به فتقبل.
(١) في أ: شهادة.

٢٤٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو أقامت البينة على أنه نوى الطلاق لا تقبل بينتها؛ لأنه لا وقوف للشهود على النية؛ لأنه
أمر في القلب؛ فكانت هذه شهادة لا عن علم بالمشهود به فلم تقبل. والثاني علم المرأة بجعل
الأمر بيدها [حتى لو جعل الأمر بيدها] (١) وهي غائبة أو حاضرة لم تسمع - لا يصير الأمر بيدها ما
لم تسمع أو يبلغها الخبر؛ لأن معنى صيرورة الأمر بيدها في الطلاق هو ثبوت الخيار لها، وهو
اختيارها نفسها بالطلاق، أو زوجها بترك الطلاق اختيار الإيثار، وهذا لا يتحقق [إلا](٢) بعد
العلم بالتخيير، فإذا علمت بالتخيير صار الأمر بيدها في أي وقت علمت، إن كان التفويض مطلقاً
عن الوقت، وإن كان مؤقتاً بوقت، وعلمت في شيء من الوقت - صار الأمر بيدها.
فأما إذا علمت بعد مضي الوقت كله لا يصير الأمر بيدها بهذا التفويض أبداً؛ لأن ذلك
علم لا ينفع؛ لأن التفويض المؤقت بوقت ينتهي عند انتهاء الوقت، فلو صار الأمر بيدها بعد
ذلك - لصار من غير تفويضه؛ وهذا لا يجوز.
وأما بيان شرط بقاء هذا الحكم، وما يبطل به وما لا يبطل - فلن يمكن معرفته إلا بعد
معرفة أقسام الأمر باليد، فنقول ـ وبالله التوفيق: جعل الأمر باليد؛ لا يخلو إما أن يكون
منجزاً، وإما أن يكون معلقاً بشرط، وإما أن يكون مضافاً إلى وقت، والمنجز لا يخلو؛ إما أن
يكون مطلقاً، وإما أن يكون مؤقتاً، فإن كان مطلقاً؛ بأن قال: أمرك بيدك فشرط بقاء حكمه
بقاء المجلس، وهو مجلس علمها بالتفويض، فما دامت في مجلسها فالأمر بيدها؛ لأن جعل
الأمر بيدها تمليك الطلاق منها؛ لأنه جعل أمرها في الطلاق يدها تتصرف فيه برأيها وتدبيرها
كيف شاءت بمشيئة الإيثار، وهذا معنى المالكية وهو التصرف عن مشيئة الإيثار/ ، والزوج ١٧٣
يملك التطليق بنفسه؛ فيملك تمليكه من غيره، فصارت مالكة للطلاق بتمليك الزوج، وجواب
التمليك مقيد (٣) بالمجلس؛ لأن [الملك إنما يملك بشرط الجواب في المجلس؛ لأنه يملكها
بالخطاب](٤)، وكل مخلوق خاطب غيره يطلب جواب خطابه في المجلس، فيتقيد جواب
التمليك بالمجلس؛ كما في قبول البيع وغيره، وسواء قصر المجلس أو طال؛ لأن ساعات
المجلس جعلت كساعة واحدة؛ لأن اعتبار المجلس للحاجة إلى التأمل والتفكر، وذلك يختلف
باختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات، ولا ضابط له إلا المجلس فقد بالمجلس؛ ولهذا
جعله الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - للمخيرة، فيبقى الأمر في يدها ما بقي المجلس، فإن
قامت عن مجلسها بطل؛ لأن الزوج يطلب جواب التمليك في المجلس، والقيام عن المجلس
دليل الإعراض عن جواب التمليك، فكان ردّاً للتمليك دلالة.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: يتقيد.
(٤) ما بين المعكوفين في ط: الزوج يملك الخطاب.

٢٥٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولأن المالك لما طلب الجواب في المجلس لا يملك الجواب في غير المجلس؛ لأنه ما
ملكها في غيره، وقد اختلف المجلس بالقيام فلم يكن في بقاء الأمر فائدة؛ فيبطل. وكذلك إذا
وجد منها قول أو فعل يدل على إعراضها عن الجواب؛ بأن دعت بطعام لتأكل، أو أمرت
وكيلها بشيء، أو خاطبت إنساناً ببيع أو شراء، أو كانت قائمة فركبت، أو راكبة فانتقلت إلى
دابة أُخرى، أو واقفة فسارت، أو امتشطت أو اغتسلت، أو مكنت [من نفسها](١) زوجها حتى
وطئها، أو اشتغلت بالنوم؛ لأن هذا كله دليل الإعراض عن الجواب. وإن كانت سائرة أو كانا
في محمل واحد؛ فإن أجابت على الفور، وإلا بطل خيارها؛ لأن سير الدابة بتسيير الراكب،
وإن كانت سائرة فوقفت الدابة فهي على خيارها، وإن كانت في سفينة فسارت لا يبطل
[خيارها](٢)؛ لأن حكمها حكم البيت، وكل ما يبطل به الخيار إذا كانت في خيارها، البيت
يبطل به إذا كانت في السفينة، وما لا فلا .
فإن كانت قائمة فقعدت لم يبطل خيارها، بخلاف ما إذا كانت قاعدة فقامت؛ لأن القعود
يجمع الرأي، والقيام يفرقه فكان القعود دليل إرادة التأمل، والقيام دليل إرادة الإعراض،
وكذلك إن كانت متكئة فقعدت لم يبطل خيارها لما قلنا، فإن كانت قاعدة فاتكأت ففيه
روايتان، في رواية: يبطل خيارها؛ لأن المتكى يقعد ليجتمع(٣) رأيه، فأما القاعد فلا يتكىء
لذلك. وفي رواية أخرى: لا يبطل؛ لأن المتأمل ينتقل من الاتكاء إلى القعود مرة، ومن
القعود إلى الاتكاء أُخرى. وقد صار الأمر بيدها بيقين، فلا يخرج بالشك، فلو كانت قاعدة
فاضطجعت ـ يبطل خيارها في قول زفر.
وعن أبي يوسف روايتان: روى الحسن بن زياد عنه؛ أنه لا يبطل خيارها، وروى
الحسن بن أبي مالك عنه؛ أنه يبطل كما قال زفر، وإن ابتدأت الصلاة بطل خيارها، فرضاً
كانت الصلاة أو نقلاً. أو واجبة؛ لأن اشتغالها بالصلاة إعراض عن الجواب، فإن خيرها وهي
في الصلاة فأتمتها، فإن كانت في صلاة الفرض أو الواجب كالوتر - لا يبطل خيارها حتى
تخرج من الصلاة؛ لأنها مضطرة في الإتمام؛ لكونها ممنوعة من الإفساد؛ فلا يكون الإتمام
دليل الإعراض.
وإن كانت في صلاة التطوع فإن سلمت على رأس الركعتين فهي على خيارها، وإن
زادت على ركعتين بطل خيارها؛ لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة، فكانت الزيادة على
الشفيع بمنزلة الشروع في الصلاة ابتداء.
(١) سقط من ط .
(٢) سقط من ط.
(٣) في أ: ليجمع.

٢٥١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو أخبرت وهي في الأربع قبل الظهر فأتمت، ولم تسلم على رأس الركعتين - اختلف
فيه المشايخ. قال بعضهم: يبطل خيارها؛ كما في التطوع المطلق. وقال بعضهم: لا يبطل
وهو الصحيح؛ لأنها في معنى الواجب فكانت من أولها إلى آخرها صلاة واحدة، ولو أخذ
الزوج بيدها فأقامها - بطل خيارها؛ لأنها إن قدرت على الامتناع فلم تمتنع، فقد قامت
باختيارها وهو دليل الإعراض، وإن لم تقدر على أن تمتنع تقدر على أن تقول قبل الإقامة:
اخترت نفسي، فلما لم تقل فقد أعرضت عن الجواب.
فإن أكلت طعاماً يسيراً من غير أن تدعو بطعام، أو شربت شراباً قليلاً، أو نامت قاعدة، أو
لبست ثوباً وهي قائمة، أو لبست وهي قاعدة ولم تقم - لم يبطل خيارها؛ لأنها تحتاج إلى إحضار
الشهود، فتحتاج إلى اللبس لتستتر به؛ فكان ذلك من ضرورات الخيار؛ فلا يبطل به، والأكل
اليسير لا يدل على الإعراض، وكذا النوم قاعدة من غير أن تشتغل به، وكذا إذا سبحت أو قرأت
شيئاً قليلاً - لم يبطل خيارها؛ لأن التسبيح اليسير والقراءة القليلة - لا يدلان على الإعراض،
ولأن/ الإنسان لا يخلو عن التسبيح القليل(١)، والقراءة القليلة، فلو جعل ذلك مبطلاً للخيار ٧٣ب
لانسد باب التفويض، وإن طال ذلك بطل الخيار؛ لأن الطويل منه يكون دليل الإعراض ولا يكثر
وجوده، فإن قالت: ادع لي شهوداً أشهدهم - لم يبطل خيارها؛ لأنها تحتاج إلى ذلك صيانة
لاختيارها عن الجحود؛ فكان ذلك من ضرورات الخيار؛ فلم يكن دليل الإعراض.
وكذلك إذا قالت: ادع لي أبي أستشيره؛ لأن هذا أمر يحتاج إلى المشورة. وقد روي أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّوَ لَمَّا أَرَادَ تَخْبِيرَ نِسَائِهِ قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا: ((إِنِّي أعْرِضُ عَلَيْكِ أَمْراً، فَلاَ
تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ))(٢)، ولو كانت المشورة مبطلة للخيار لما ندبها إلى المشورة(٣).
ولو قالت: اخترتك، أو قالت: لا أختار الطلاق - خرج الأمر من يدها؛ لأنها صرحت برد
التمليك، وأنه يبطل بدلالة الرد فبالصريح أولى، وسواء كان التمليك بكلمة ((كلما)). أو
بدونها؛ بأن قال لها: أمرك بيدك كلما شئت؛ لما ذكرنا أن اختيارها زوجها رد للتمليك، فيرتد
ما جعل إليها في جميع الأوقات.
هذا إذا كان التفويض مطلقاً عن الوقت. فأما إذا كان موقتاً، فإن أطلق الوقت؛ بأن قال
أمرك بيدك إذا شئت، أو إذا ما شئت، أو متى ما شئت، أو حيثما شئت ــ فلها الخيار في
المجلس وغير المجلس، ولا يتقيد بالمجلس، حتى لو ردت الأمر لم يكن ردّاً.
(١) في أ: اليسير.
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٩/٨) كتاب التفسير: باب ((قل لأزواجك)) (٤٧٨٥) وطرفه في (٤٧٨٦)، ومسلم
١١٠٣/٢، كتاب الطلاق باب بيان أن تخيير ... (٢٢_١٤٧٥).
(٣) في أ: الاستشارة.

٢٥٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو قامت من مجلسها أو أخذت في عمل آخر أو كلام آخر - فلها أن تطلق نفسها؛ لأنه
ما ملكها الطلاق مطلقاً؛ ليكون طالباً جوابها في المجلس، بل ملكها في أي وقت شاءت؛ فلها
أن تطلق نفسها في أي وقت شاءت إلا أنها لا تملك أن تطلق نفسها إلا مرة واحدة لما نذكر.
فإن وقته بوقت خاص؛ بأن قال: أمرك بيدك يوماً، أو شهراً، أو سنة، أو قال: اليوم،
أو الشهر، أو السنة، أو قال: هذا اليوم، أو هذا الشهر، أو هذه السنة - لا يتقيد بالمجلس،
ولها الأمر في الوقت كله تختار نفسها فيما شاءت منه.
ولو قامت من مجلسها، أو تشاغلت بغير الجواب - لا يبطل خيارها ما بقي [شيء من](١)
الوقت بلا خلاف؛ لأنه فوض الأمر إليها في جميع الوقت المذكور؛ فيبقى ما بقي الوقت؛
ولأنه لو بطل الأمر بإعراضها - لم يكن للتوقيت فائدة. وكان الوقت وغير الوقت سواء، غير
أنه إن ذكر اليوم، أو الشهر، أو السنة منكراً - فلها الأمر من الساعة التي تكلم فيها إلى مثلها من
الغد والشهر والشهر والسنة؛ لأن ذلك يقع على يوم تام، وشهر تام، وسنة تامة، ولا يتم إلا
بما قلنا، ويكون الشهر لههنا بالأيام؛ لأن التفويض إذا وجد في بعض الشهر لا يمكن اعتبار
الأهلة فيعتبر بالأيام، وإن ذكر ذلك معرفاً فلها الخيار في بقية اليوم، وفي بقية الشهر، وفي بقية
السنة؛ لأن المعرف منه يقع على الباقي، ويعتبر الشهر لههنا بالهلال؛ لأن الأصل في الشهر هو
الهلال، والعدول عنه إلى غيره لمكان الضرورة، ولا ضرورة لههنا، ولو اختارت نفسها في
الوقت مرة - ليس لها أن تختار مرة أُخرى؛ لأن اللفظ يقتضي الوقت، ولا يقتضي التكرار.
ولو قالت: اخترت زوجي، أو قالت: لا أختار الطلاق - ذكر في بعض المواضع أن على
قول أبي حنيفة ومحمد: يخرج الأمر من يدها في جميع الوقت، حتى لا تملك أن تختار نفسها
بعد ذلك، وإن بقي الوقت، وعند أبي يوسف: يبطل خيارها في ذلك المجلس، ولا يبطل في
مجلس آخر، وذكر في بعضها الاختلاف على العكس من ذلك.
وجه قول من قال: إنه لا يخرج الأمر من يدها؛ أنه جعل الأمر بيدها في جميع الوقت،
فإعراضها في بعض الوقت لا يبطل خيارها في الجميع؛ كما إذا قامت من مجلسها، أو
اشتغلت بأمر يدل على الإعراض.
وجه قول من يقول إنه يخرج الأمر من يدها؛ أن قولها: اخترت زوجي رد للتمليك،
والتمليك تمليك واحد فيبطل برد واحد كتمليك البيع، بخلاف القيام عن المجلس؛ لأنه ليس
برد حقيقة، بل هو امتناع من الجواب إلا أنه جعل ردّاً في التفويض المطلق من الوقت؛
(١) سقط في ط.

٢٥٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ضرورة أن الزوج طلب الجواب في المجلس، والمجلس يبطل بالقيام، فلو بقي الأمر بقي
خالياً عن الفائدة، فبطل ضرورة عدم الفائدة في البقاء، وهذه الضرورة منعدمة ههنا؛ لأن الزوج
طلب منها الجواب في جميع الوقت لا في المجلس، فكان في بقاء الأمر بعد القيام عن
المجلس فائدة؛ فيبقى؛ ولأن الزوج خيرها بين أن تختار نفسها، وبين أن تختار زوجها، ولو .
اختارت نفسها يبطل خيارها في جميع المدة، فكذا إذا اختارت زوجها/. وروى ابن سماعة ١٧٤
عن أبي يوسف؛ أنه إذا قال: أمرك بيدك هذا اليوم كان على مجلسها؛ لأن في الفصل الأول
جعل اليوم كله ظرفاً للأمر باليد؛ كما لو قال: لله علي أن أصوم عمري؛ أنه يلزمه صوم جميع
عمره؛ لأنه جعل عمره ظرفاً للصوم، فإذا صار اليوم كله ظرفاً للأمر باليد؛ فلا يتقيد
بالمجلس.
وفي الفصل الثاني: جعل جزءاً من اليوم ظرفاً؛ كما لو قال: لله على أن أصوم في
عمري؛ أنه لا يلزمه إلا صوم يوم واحد؛ لأنه جعل جزءاً من عمره ظرفاً للصوم، وإذا صار
جزءاً من اليوم ظرفاً للأمر. وليس جزء أولى من جزء فيختص بالمجلس.
ولو قال: أمرك بيدك إلى رأس الشهر - صار الأمر بيدها إلى رأس الشهر، ولا يبطل
بالقيام عن المجلس، والاشتغال بترك الجواب، وهل يبطل باختيارها زوجها - فهو على
الاختلاف الذي ذكرنا .
وأما التفويض المعلق بشرط؛ فلا يخلو من أحد وجهين؛ إما أن يكون مطلقاً عن
الوقت، وإما أن يكون مؤقتاً، فإن كان مطلقاً؛ بأن قال: إذا قدم فلان فأمرك بيدك، فقدم فلان
- فالأمر بيدها، إذا علمت في مجلسها الذي يقدم فيه فلان؛ لأن المعلق بشرط كالمنجز عند
الشرط، فيصير قائلاً عند القدوم: أمرك بيدك، فإذا علمت بالقدوم كان لها الخيار في مجلس
علمها، وإن كان موقتاً؛ بأن قال: إذا قدم فلان فأمرك بيدك يوماً، أو قال: اليوم الذي يقدم فيه
فلان، فإذا قدم فلها الخيار في ذلك الوقت كله، إذا علمت بالقدوم غير أنه إذا ذكر اليوم منكراً
يقع على يوم تام؛ بأن قال إذا قدم فلان فأمرك بيدك يوماً، وإن عرفه يقع على بقية اليوم الذي
يقدم فيه، ولا يبطل بالقيام عن المجلس، وهل يبطل باختيارها زوجها فهو على ما ذكرنا من
الاختلاف، وليس لها أن تختار نفسها في الوقت كله إلا مرة واحدة لما بينا، ولو لم تعلم
بقدومه حتى مضى الوقت، ثم علمت - فلا خيار لها بهذا التفويض أبداً لما مر.
وأما المضاف إلى الوقت؛ بأن قال: أمرك بيدك غداً أو رأس شهر كذا، فجاء الوقت -
صار الأمر بيدها؛ لأن الطلاق يحتمل الإضافة إلى الوقت؛ فكذا تمليكه، وكان على مجلسها
من أول الغد ورأس الشهر، وأول الغد من حين يطلع الفجر الثاني، ورأس الشهر ليلة الهلال
ويومها .

٢٥٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وإن قال: أمرك بيدك إذا هل الشهر يصير الأمر بيدها ساعة يهل الهلال، ويتقيد
بالمجلس.
ولو قال: أمرك بيدك اليوم وغداً، أو قال: أمرك بيدك هذين اليومين - فلها الأمر في
اليومين، تختار نفسها في أيهما شاءت، ولا يبطل بالقيام عن المجلس ما بقي شيء من
الوقتين، [وهل يبطل باختيارها](١) زوجها فهو على ما مر من الاختلاف، ولو قال لها: أمرك
بيدك اليوم وبعد غد، فاختارت زوجها اليوم - فلها أن تختار نفسها بعد غد، وكذلك إذا ردت
الأمر في يومها - بطل أمر ذلك اليوم، وكان الأمر بيدها بعد غد، حتى كان لها أن تختار نفسها
بعد غد، ذكر القدوري هذه المسألة، ونسب القول إلى أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذكرها في
((الجامع الصغير))، ولم يذكر الاختلاف.
والوجه أنه جعل الأمر بيدها في وقتين، وجعل بينهما وقتاً لا خيار لها فيه؛ فصار كل
واحد من الوقتين شيئاً منفصلاً عن صاحبه مستقلاً بنفسه في الأمر منفرداً به، فيتعدد التفويض
معنى؛ كأنه قال: أمرك بيدك اليوم، وأمرك بيدك بعد غد، فرد الأمر في أحدهما لا يكون ردّاً
في الآخر، بخلاف قوله: أمرك بيدك اليوم أو الشهر أو السنة، أو اليوم أو غداً، أو هذين
اليومين على قول من يقول: يبطل الأمر؛ لأن هناك الزمان زمان واحد لا يتخلله ما لا خيار لها
فيه؛ فكان التفويض واحداً فرد الأمر فيه يبطله.
ولو قال: أمرك بيدك اليوم، وأمرك بيدك غداً - فهما أمران، حتى لو اختارت زوجها
اليوم، أو ردت الأمر فهو على خيارها غداً؛ لأنه لما كرر اللفظ فقد تعدد التفويض، فرد
أحدهما لا يكون رداً للآخر، ولو اختارت نفسها في اليوم فطلقت، ثم تزوجها قبل مجيء
الغد، فأرادت أن تختار - فلها ذلك، وتطلق أُخرى إذا اختارت نفسها؛ لأنه ملكها بكل واحدة
من التفويضين طلاقاً، فالإيقاع بأحدهما لا يمنع من الإيقاع(٢) بالآخر.
ولو قال لها: أمرك بيدك هذه السنة، فإختارت نفسها، ثم تزوجها - لم يكن لها أن تختار
في بقية السنة في قول أبي يوسف. وقال أبو يوسف: وقياس قول أبي حنيفة، أن يلزمها
٧٤ب الطلاق في الخيار الثاني، ولست أروي هذا عنه، ولكن هذا قياس/ قوله، ولو كان ترك القياس
واستحسن لكان مسقيماً، ولو لم تختر نفسها ولا زوجها، ولكن الزوج طلقها واحدة، ولم
يكن دخل بها، ثم تزوجها في تلك السنة - فلا خيار لها في بقية السنة في قول أبي يوسف،
وعند أبي حنيفة: لها الخيار.
(١) ما بين المعكوفين في أ: وأما الأمر في.
(٢) في أ: إيقاع.

٢٥٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وجه قول أبي يوسف: أن الزوج تصرف فيما فوض إليها، فيخرج الأمر من يدها؛
كالموكل إذا باع ما وكل ببيعه؛ أنه ينعزل الوكيل.
ولأبي حنيفة أن جعل الأمر باليد فيه معنى التعليق، فزوال الملك لا يبطله، ما دام طلاق
الملك الأول قائماً؛ كما في سائر التعليقات. وقوله: الزوج تصرف فيما فوض إليها ليس
كذلك؛ لأنه يملك ثلاث تطليقات، ولم يفوض إليها إلا واحدة، فيقتضي خروج المفوض
من(١) يده لا غيره؛ كما إذا وكل إنساناً يبيع ثوبين له، فباع الموكل أحدهما - لم تبطل الوكالة
لما قلنا؛ كذا هذا.
وأما بيان صفة الحكم الثابت بالتفويض، فمن صفته أنه غير لازم في حق المرأة حتى
تملك رده صريحاً أو دلالة؛ لما ذكرنا أن جعل الأمر بيدها تخيير لها بين أن تختار نفسها وبين
أن تختار زوجها، والتخيير ينافي اللزوم، ومن صفته أنه إذا خرج الأمر من يدها لا يعود الأمر
إلى يدها بذلك الجعل أبداً، وليس لها أن تختار إلا مرة واحدة؛ لأن قوله: أمرك بيدك لا
يقتضي التكرار إلا إذا قرن به ما يقتضي التكرار؛ بأن قال: أمرك بيدك كلما شئت فيصير الأمر
بيدها في ذلك المجلس وغيره، ولها أن تطلق نفسها في كل مجلس تطليقة واحدة حتى تبين
بثلاث؛ لأن كلمة (كلما) تقتضي تكرار الأفعال، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ
بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: ٦٤]،
فيقتضي تكرار التمليك عند تكرار المشيئة، إلا أنها لا تملك أن تطلق نفسها في كل مجلس إلا
تطليقة واحدة؛ لأنه يصير قائلاً لها: في كل مجلس، أمرك بيدك، فإذا اختارت فقد انتهى
موجب ذلك التمليك، ثم يتجدد لها الملك بتمليك آخر في مجلس آخر عند مشيئة أُخرى إلى
أن يستوفي ثلاث تطليقات، فإن بانت بثلاث تطليقات، ثم تزوجت بزوج آخر، وعادت إلى
الزوج الأول - فلا خيار لها؛ لأنها إنما تملك تطليق نفسها بتمليك الزوج، والزوج إنما ملكها
ما كان يملك بنفسه، وهو إنما كان يملك بنفسه طلقات ذلك الملك القائم، لا طلقات ملك لم
يوجد، فما لا يملك بنفسه كيف يملكه غيره، وإن بانت بواحدة أو اثنتين، ثم تزوجت بزوج
آخر، ثم عادت - [إليه](٢) فلها أن تشاء الطلاق مرة بعد أخرى، حتى تستوفي الثلاث في قول
أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد، وهو قول الشافعي؛ بناء على أن الزوج الثاني يهدم ما
دون الثلاث من الطلقات، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم؛ بخلاف ما إذا قال لها: أمرك بيدك إذا
شئت، أو إذا ما شئت، أو متى شئت، متى ما شئت؛ أن لها الخيار في المجلس أو غيره،
لكنها لا تملك أن تختار إلا مرة واحدة، فإذا اختارت مرة لا يتكرر لها الخيار في ذلك؛ لأن
(١) في أ: عن.
(٢) سقط في ط.

٢٥٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إذا ومتى لا تفيد التكرار، وإنما تفيد مطلق الوقت؛ كأنه قال لها: اختاري في أي وقت شئت،
فكان لها الخيار في المجلس وغيره، لكن مرة واحدة، فإذا اختارت مرة واحدة انتهى موجب
التفويض بخلاف الفصل الأول؛ لأن ((كلما)) تقتضي تَكْرَارَ الأفعال، فيتكرر التفويض عند تكرار
المشيئة، والله تعالى أعلم.
وأما بيان ما يصلح جواب جعل الأمر باليد من الألفاظ وما لا يصلح، وبيان حكمه إذا
وجد ـ فالأصل فيه أن كل ما يصلح من الألفاظ طلاقاً من الزوج يصلح جواباً من المرأة، وما
لا فلا، إلا في لفظ الاختيار خاصة، فإنه لا يصلح طلاقاً من الزوج، ويصلح جواباً من المرأة
في الجملة بخلاف الأصل؛ لأن التفويض من الزوج تمليك الطلاق منها، فما يملكه بنفسه
يملك تمليكه من غيره، وما لا فلا هو الأصل.
إذا عرف هذا فنقول: إذا قالت: طلقت نفسي، أو أبنت نفسي، أو حرمت نفسي - يكون
جواباً؛ لأن الزوج لو أتى بهذه الألفاظ كان طلاقاً.
وكذا إذا قالت: أنا منك بائن، أو أنا عليك حرام؛ لأن الزوج لو قال لها: أنت مني
بائن، أو أنت علي حرام - كان طلاقاً.
وكذا إذا قالت لزوجها: أنت مني بائن، أو أنت علي حرام؛ لأن الزوج لو قال لها ذلك
کان طلاقاً .
ولو قالت أنا بائن، ولم تقل: منك، أو قالت: أنا حرام، ولم تقل: عليك ـ فهو
جواب؛ لأن الزوج لو قال لها: أنت بائن، أو أنت حرام، ولم يقل: مني أو علي(١) - كان
طلاقاً، ولو قالت لزوجها: أنت بائن ولم تقل: مني، أو قالت لزوجها: أنت حرام، ولم تقل:
٧٥أ عليّ - فهو / باطل؛ لأن الزوج لو قال لها: أنا بائن، أو أنا حرام - لم يكن طلاقاً.
ولو قالت: أنا منك طالق فهو جواب؛ لأنه(٢) لو قال لها: أنت طالق مني - كان طلاقاً،
وكذا لو قالت لزوجها: أنا طالق، ولم تقل منك؛ لأن الزوج لو قال: أنت طالق، ولم يقل :
مني - كان طلاقاً.
ولو قالت لزوجها: أنت مني طالق لم يكن جواباً؛ لأن الزوج لو قال لها: أنا منك طالق
- لم يكن طلاقاً عندنا، خلافاً للشافعي.
ولو قالت: اخترت نفسي كان جواباً، وإن لم يكن هذا اللفظ من الزوج طلاقاً، وأنه
(١) في ط: وعلى.
(٢) في أ: لأن الزوج.

٢٥٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
حكم ثبت شرعاً، بخلاف القياس بالنص وإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - على ما
نذكر إن شاء الله تعالى.
وأما الواقع بهذه الألفاظ التي تصلح جواباً - فطلاق واحد بائن عندنا إن كان التفويض
مطلقاً عن قرينة الطلاق؛ بأن قال لها: أمرك بيدك، ولم ينو الثلاث. أما وقوع الطلقة الواحدة؛
فلأنه ليس في التفويض ما ينبىء عن العدد، وأما كونها بائنة؛ فلأن هذه الألفاظ جواب الكناية،
والكنايات على أصلنا منبيات، ولأن قوله: أمرك بيدك جعل أمرها نفسها بيدها، فتصير عند
اختيارها نفسها مالكة نفسها؛ وإنما تصير مالكة نفسها بالبائن لا بالرجعي، وإن قرن به ذكر
الطلاق؛ بأن قال: أمرك بيدك في تطليقة، فاختارت نفسها - فهي واحدة يملك الرجعة؛ لأنه
فوض إليها الصريح حيث نص عليه، وبه تبين أنه ما ملكها نفسها، وإنما ملكها التطليقة،
وخيرها بين الفعل والترك، عرفنا ذلك بنص كلامه بخلاف ما إذا أطلق؛ لأنه لما أطلق فقد
ملکها نفسها، ولا تملك نفسها إلا بالبائن.
ولو قال: أمرك بيدك، ونوى الثلاث، فطلقت نفسها ثلاثاً - كان ثلاثاً؛ لأنه جعل أمرها
بيدها مطلقاً، فيحتمل الواحد، ويحتمل الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله مطلق
الأمر فصحت نيته، وإن نوى اثنتين فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة خلافاً لزفر، وقد ذكرنا
المسألة فيما تقدم.
وكذا إذا قالت: طلقت نفسي، أو اخترت نفسي ولم تذكر الثلاث [في الجواب](١) فهي
ثلاث؛ لأنه جواب تفويض الثلاث؛ فيكون ثلاثاً، وكذا إذا قالت: أبنت نفسي، أو حرمت
نفسي، وغير ذلك من الألفاظ التي تصلح جواباً.
ولو قالت: طلقت نفسي واحدة، أو اخترت نفسي بتطليقة - فهي واحدة بائنة؛ لأنه لما نوى
ثلاثاً فقد فوض إليها الثلاث وهي أتت بالواحدة، فيقع واحدة؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك
ثلاثاً، فطلقت نفسها واحدة؛ فتكون بائنة؛ لأنه ملكها نفسها، ولا تملك نفسها إلا بالبائن.
ولو قالت: اخترت نفسي بواحدة فهو ثلاث، فرقاً بينه وبين قولها: طلقت نفسي واحدة،
وجه الفرق أن معنى قولها بواحدة، أي بمرة واحدة، وهي عبارة عن توحد فعل الاختيار على
وجه لا يحتاج بعده إلى اختيار آخر، وانقطاع العُلْقة بينهما بالكلبة، بحيث لا يبقى بينهما أمر
بعد ذلك، وذلك إنما يكون بالثلاث، بخلاف قولها: طلقت نفسي واحدة؛ لأنها جعلت
التوحد هناك صفة المختار وهو الطلاق، لا صفة فعل الاختيار فهو الفرق بين الفصلين. والله
أعلم.
(١) سقط في ط.
بدائع الصنائع ج٤ - ١٧٢

٢٥٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فضلٌ في قوله: اختاري
وأما قوله: اختاري فالكلام فيه يقع فيما ذكرنا من المواضع في الأمر باليد، والجواب
فيه؛ كالجواب في الأمر باليد في جميع ما وصفنا؛ لأن كل واحدة منهما تمليك الطلاق من
المرأة، وتخييرها بين أن تختار نفسها أو زوجها - لا يختلفان إلا في شيئين:
أحدهما: أن الزوج إذا نوى الثلاث في قوله: أمرك بيدك - يصح: وفي قوله: اختاري لا
يصح نية الثلاث .
والثاني: أن في قوله ((اختاري)) لا بد من ذكر النفس في أحد الكلامين، إما في تفويض
الزوج، وإما في جواب المرأة؛ بأن يقول لها: اختاري نفسك، وتقول اخترت، أو يقول لها:
اختاري، فتقول: اخترت نفسي، أو ذكر الطلاق في كلام الزوج، أو في كلام المرأة؛ بأن
يقول لها: اختاري، فتقول: اخترت الطلاق، أو ذكر ما يدل على الطلاق، وهو تكرار التخيير
من الزوج؛ بأن يقول لها: اختاري اختاري، فتقول: اخترت، أو ذكر الاختيارة (١) في كلام
الزوج أو في كلام المرأة؛ بأن يقول لها الزوج: اختاري اختياره، فتقول المرأة اخترت اختيارة،
وإنما كان كذلك؛ لأن القياس في قوله: اختاري ألا يقع به شيء، وإن اختارت؛ لأنه ليس من
ألفاظ الطلاق لغة .
٧٥ب
ألا ترى أن الزوج لا يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ، فإن من قال لامرأته/ : اخترت
نفسي لا تطلق، فإذا لم يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ بنفسه، فكيف يملك تفويضه إلى غيره،
إلا أنه جعل من ألفاظ الطلاق شرعاً الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لَأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِذِنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتُعْكُنَّ وَأُسَرِّخْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾، أمر الله
تعالى نبيه وَل بتخيير نسائه بين اختيار الفراق والبقاء على النكاح، والنبي وَل خيرهن على
ذلك، ولو لم تقع الفرقة به لم يكن للأمر بالتخيير معنى.
وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِتَخْبِير
أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ تعجلي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي
أَبَوَيْكِ))، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ الله تَعَالَى أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قالت: فقرأ: ﴿بَأَيُّهَا
النَّبِيّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِذْنَ الْحَيَاةَ الدَّنْيَا وَزِينَتَّهَا فَتَعَالَّيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرَّحْكُنَّ سَرَاحاً
جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨]، إلى قوله: ﴿أُجْراً عَظِيماً﴾، فقلت: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ الله
(١) في أ: الاختيار.

٢٥٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وفي بعض الروايات: فَقَالَتْ: ((بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ)»
(وَفَعَلَ سَائِرُ أَزْوَاجِهِ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ))، فدل أنه يوجب اختيار التفريق، والبقاء على النكاح.
وأما الإجماع: فإنه روي عن جماعة من الصحابة؛ مثل عمر، وعثمان، وعلي،
وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وجابر، وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - ((أَنَّ
الْمُخَيِّرَةَ إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي مَجْلِسِهَا وَقَعَ الطَّلاَقُ))، وكذا شبهوا أيضاً هذا الخيار بالخيارات
الطارئة على النكاح، وهو خيار المعتقة، وامرأة العنين، وتقع الفرقة بذلك الخيار؛ فكذا بهذا،
وكذا اختلفوا في كيفية الواقع على ما نذكر، وذلك دليل أصل الوقوع؛ إذ الكيفية من باب
الصفة، والصفة تستدعي وجود الموصوف؛ فثبت كون هذا اللفظ من ألفاظ الطلاق بالشرع،
فيتبع مورد الشرع، والشرع ورد به مع قرينة الفراق نصاً أو دلالة، أو قرينة النفس، فإن اختيار
الفراق مضمر في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِذِنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨]؛ بدليل ما
يقابله وهو قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِذِنَ الله وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٩] فدل على إضمار اختيار الفراق؛
كأنه قال: ((إِنْ كُنْتُنَّ تُرِذْنَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا))، مع اختيار فراق رسول الله ◌َّهُ فكان ذلك
تخييراً لهن بين أن يخترن الحياة الدنيا وزينتها مع اختيار فراق رسول الله وَّر، وبين أن يخترن
الله ورسوله والدار الآخرة؛ فكن مختارات للطلاق لو اخترن الدنيا، أو كان اختيارهن الدنيا
وزينتها اختياراً لفراق رسول الله وَالر؛ إذ لم يكن معه الدنيا وزينتها، والصحابة - رضي الله
تعالى عنهم - جعلوا للمخيرة المجلس.
وقالوا: إذا اختارت نفسها في مجلسها وقع الطلاق عليها، فهذا مورد الشرع في هذا
اللفظ، فيقتصر حكمه على مورد الشرع.
[فإذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت - لا يقع به شيء؛ لأنه ليس في معنى] (١) مورد
الشرع، فيبقى الأمر فيه على أصل القياس؛ فلا يصلح جواباً؛ ولأن قوله: اختاري معناه:
اختاري إياي أو نفسك، فإذا قالت: اخترت فلم تأت بالجواب؛ لأنها لم تختر نفسها ولا
زوجها؛ لم يقع فيه شيء، وإذا قال لها: اختاري نفسك، فقالت: اخترت ــ فهذا جواب؛ لأنها
أخرجته مخرج الجواب؛ كقوله(٢): اختاري نفسك فينصرف إليها؛ كأنها قالت: اخترت
نفسي، وكذا إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت نفسي؛ لما ذكرنا أن معنى قوله: اختاري،
أي: اختاري إياي أو نفسك، وقد اختارت نفسها؛ فقد أتت بالجواب، وكذا لو قالت: أختار
نفسي يكون جواباً استحساناً .
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: في هذا اللفظ فيقتصر حكمه على ...
(٢) في أ: لقوله.

٢٦٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والقياس ألا يكون جواباً؛ لأن قولها: أختار يحتمل الحال، ويحتمل الاستقبال؛ فلا
يكون جواباً مع الاحتمال.
وجه الاستحسان أن صيغة أفعل موضوعة للحال، وإنما تستعمل للاستقبال بقرينة السين
وسوف، على ما عرف في موضعه، وكذا إذا قال [لها](١): اختاري اختاري، فقالت: اخترت؛
فيكون جواباً، وإن لم يوجد ذكر النفس من الجانبين جميعاً؛ لأن تكرار الاختيار دليل إرادة
اختيار الطلاق؛ لأنه هو الذي يقبل التعدد؛ كأنه قال: اختاري الطلاق، فينصرف الجواب إليه،
وكذا إذا قال: اختاري اختيارة، فقالت: اخترت اختيارة - فهو جواب؛ لأن قوله اختيارة يفيد
معنیین .
أحدهما: تأكيد الأمر.
والثاني: معنى التوحد والتفرد، فالتقييد بما يوجب التفرد يدل على أنه أراد به التخيير
فيما يقبل التعدد وهو الطلاق، وإذا قال لها: اختاري الطلاق، فقالت: اخترت - فهو جواب؛
٧٦أ لأنه فوض إليها/ اختيار الطلاق نصاً، فينصرف الجواب إليه، وكذا إذا قال لها: اختاري،
فقالت: اخترت الطلاق؛ لأن معنى قوله: اختاري، أي: اختاري إياي أو نفسك، فإذا قالت:
اخترت الطلاق فقد اختارت نفسها؛ فكان جواباً .
ولو قال لها: اختاري فقالت: اخترت أبي وأمي، أو أهلي والأزواج - فالقياس ألا يكون
جواباً، ولا يقع به شيء، وفي الاستحسان يكون جواباً .
وجه القياس: أنه ليس في لفظ الزوج، ولا في لفظ المرأة ما يدل على اختيارها نفسها؛
فلا يصلح جواباً .
وجه الاستحسان: أن في لفظها ما يدلُّ على الطلاق؛ لأن المرأة بعد الطلاق تلحق
بأبويها وأهلها، وتختار الأزواج عادة، فكان اختيارها هؤلاء دلالة على اختيارها الطلاق؛ فكأنها
قالت: اخترت الطلاق.
وأما الواقع بهذه الألفاظ؛ فإن كان التخيير واحداً، ولم يذكر الثلاث في التخيير - فلا يقع
إلا طلاق واحد، وإن نوى الثلاث في التخيير، ويكون بائناً عندنا إن كان التفويض مطلقاً عن
قرينة الطلاق.
وقال الشافعي: إذا أراد الزوج بالتخيير الطلاق، فاختارت نفسها ونوت الطلاق - يقع
(١) سقط في ط.