Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وفي كتاب الله - عز وجل - دليل الأمرين جميعاً لما بينا، فكان لفظه
محتملاً للأمرين، فيصدق فيما بينه وبين الله - عز وجل - ويقع في وقت السنة، ولا يصدق في
القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر والله - عز وجل - أعلم.
ولو كان الزوجُ غائباً، فأراد أن يطلقها للسنة واحدة؛ فإنه يكتب إليها: إذا جاءك كتابي
هذا، ثم حضت وطهرت؛ فأنت طالق، وإن أراد أن يطلقها ثلاثاً يكتب إليها: إذا جاءك كتابي
هذا، ثم حضت وطهرت؛ فأنت طالق، ثم إذا حضت وطهرت؛ فأنت طالق، ثم إذا حضت
وطهرت؛ فأنت طالق.
وذكر محمد في ((الرقيات))، أنه يكتب إليها: إذا جاءك كتابي هذا، فعلمت ما فيه، ثم
حضت وطهرت؛ فأنت طالق، وتلك الرواية أحوط، والله - عز وجل - أعلم.
فضل في طلاق البدعة
وأما طلاق البدعة: فالكلام فيه في ثلاثة مواضع: في تفسيره، وفي بيان الألفاظ التي يقع
بها طلاق البدعة، وفي بیان حکمه.
أما الأول: فطلاق البدعة نوعان أيضاً؛ نوع يرجع إلى الوقت، ونوع يرجع إلى العدد،
أما الذي يرجع إلى الوقت فنوعان أيضاً: أحدهما الطلقة الواحدة الرجعية في حالة الحيض إذا
كانت مدخولاً بها، سواء كانت حرة أو أمة؛ لما روينا عن رسول الله بَّر؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَهْدِ الله بْنِ
عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيضِ: ((أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ))(١) ولأن فيه تطويل العدة عليها؛ لأن
الحيضة التي صادفها الطلاق فيه غير محسوبة من العدة، فتطول العدة عليها؛ وذلك إضرار
بها، ولأن الطلاق للحاجة هو الطلاق في زمان كمال الرغبة، وزمان الحيض زمان النُّفرةَ فلا
يكون الإقدام عليه فيه دليل الحاجة إلى الطلاق، فلا يكون الطلاق فيه سنة، بل يكون سفهاً إلا
أن هذا المعنى يشكل بما قبل الدخول، فالصحيح هو المعنى الأول، وإذا طلقها في حالة
الحيض، فالأفضل أن يراجعها؛ لما روي أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لما طلق امرأته
في حالة الحيض أمره النبي وَير أن يراجعها؛ ولأنه إذا راجعها أمكنه أن يطلقها للسنة، فتبين
منه بطلاق غير مكروه، فكانت الرجعة أولى، ولو امتنع عن الرجعة لا يجبر عليها.
وذكر في ((العيون)) أن الأمة إذا أعتقت، فلا بأس بأن تختار نفسها وهي حائض، وكذلك
الصغيرة إذا أدركت وهي حائض، وكذلك امرأة العنين وهي حائض، والثاني الطلقة الواحدة
(١) تقدم تخريجه.
٢٠٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الرجعية في ذوات الأقراء في طهر جامعها فيه، حرة كانت أو أمة؛ لاحتمال أنها حملت بذلك
الجماع، وعند ظهور الحمل يندم، فتبين أنه طلقها لا لحاجة وفائدة، فكان سفهاً؛ فلا يكون
سنة؛ ولأنه إذا جامعها فقد قلت رغبته إليها، فلا يكون الطلاق في ذلك الطهر طلاقاً لحاجة
على الإطلاق؛ فلم يكن سنة، وأما الذي يرجع إلى العدد فهو إيقاع الثلاث، أو الثنتين في طهر
واحد لا جماع فيه، سواء كان على الجمع بأن أوقع الثلاث جملة واحدة، أو على التفاريق
واحداً بعد واحد، بعد أن كان الكل في طهر واحد؛ وهذا قول أصحابنا.
وقال الشافعي: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، بل هو مباح، وإنما السنة
والبدعة في الوقت فقط .
احتج بعمومات الطلاق من الكتاب والسنة .
٦٢ب
أما الكتاب/ فقوله - عز وجل: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله - عز وجل:
﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله - عز وجل: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ
تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، شرع الطلاق من غير فصل بين الفرد والعدد، والمفترق والمجتمع.
وأما السنة: فقوله ◌ََّ: ((كُلُّ طَلاَقٍ جَائِزٌ إِلَّ طَلاَقَ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ)) والدليل على أن عدد
الطلاق في طهر واحد مشروع؛ أنه معتبر في حق الحكم بلا خلاف بين الفقهاء، وغير
المشروع لا يكون معتبراً في حق الحكم.
ألا ترى أن بيع الخل والصفر، ونكاح الأجانب لما كان مشروعاً كان معتبراً في حق
الحكم، وبيع الميتة والدم والخمر والخنزير ونكاح المحارم لما لم يكن مشروعاً - لم يكن
معتبراً في حق الحكم، ولههنا لما اعتبر في حق الحكم دل أنه مشروع، وبهذا عرفت شرعية
الطلقة الواحدة في طهر واحد، والثلاث في ثلاثة أطهار؛ كذا المجتمع.
ولنا الكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب فقوله - عز وجل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾،
أي: في أطهار عدتهن، وهو الثلاث فى ثلاثة أطهار، كذا فسره رسول الله وَّ على ما ذكرنا
فيما تقدم أمر بالتفريق، والأمر بالتفريق يكون نهياً عن الجمع، ثم إن كان الأمر أمر إيجاب كان
نهياً عن ضده - وهو الجمع نهي تحريم، وإن كان أمر ندب كان نهياً عن ضده - وهو الجمع -
نهي ندب، وكل ذلك حجة على المخالف؛ لأن الأول يدل على التحريم، والآخر يدل على
الكراهة، وهو لا يقول بشيء من ذلك، وقوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾، أي: دفعتان.
ألا ترى أن من أعطى آخر درهمين - لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يعطيه
دفعتین.
وجه الاستدلال أن هذا وإن كان ظاهره الخبر، فإِنَّ معناه الأمر؛ لأن الحمل على ظاهره
٢٠٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
يؤدي إلى الخلف، في خبر من لا يحتمل خبره الخلف؛ لأن الطلاق على سبيل الجمع قد
يوجد، وقد يخرج اللفظ مخرج الخبر على إرادة [الأمر](١) قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ليتربصن، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾
[البقرة: ٢٣٣]، أي ليرضعن، ونحو ذلك؛ كذا هذا، فصار كأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿طلّقوهُنَّ
مَرَّتَيْنٍ إذا أردتم الطَّلاَقَ﴾، والأمر بالتفريق نهى عن الجمع؛ لأنه ضده، فيدل على كون الجمع
حراماً أو مكروهاً على ما بينا.
فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم؛ لأنه ذكر جنس الطلاق، وجنس الطلاق ثلاث،
والثلاث إذا وقع دفعتين كان الواقع في دفعة طلقتان، فيدل على كون الطلقتين في دفعة
مسنونتين - فالجواب أن هذا أمر بتفريق الطلاقين من الثلاث، لا بتفريق الثلاث؛ لأنه أمر
بالرجعة عقيب الطلاق مرتين، أي: دفعتين؛ بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٩] أي:
وهو الرجعة، وتفريق الطلاق وهو إيقاعه دفعتين لا يتعقب الرجعة، فكان هذا أمراً بتفريق
الطلاقين من الثلاث، لا بتفريق كل جنس الطلاق وهو الثلاث، والأمر بتفريق طلاقين من
الثلاث يكون نهياً عن الجمع بينهما؛ فوضح وجه الاحتجاج بالآية بحمد الله تعالى.
وأما السنة: فَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ؛ أنه قال: ((تَزَوَّجُوا وَلاَ تُطَلِّقُوا فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَهْتَزّ
لَهُ عَزْشُ الرَّحْمُنِ))(٢). نهى وَّرَ عن الطلاق، ولا يجوزُ أن يكون النهي عن الطلاق لعينه؛ لأنه
قد بقي معتبراً شرعاً في حق الحكم بعد النهي، فعلم أن لههنا غيراً حقيقياً ملازماً للطلاق يصلح
أن يكون منهياً عنه؛ فكان النهي عنه لا عن الطلاق.
ويجوزٌ(٣) أن يمنع من المشروع (٤) لمكان الحرام الملازم له؛ كما في الطلاق في حالة
الحيض، والبيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وغير ذلك، وقد ذكر(٥) عن عمر
- رضي الله تعالى عنه - أَنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْتَى بِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثاً إِلاَّ أَوْجَعَهُ ضَرْباً وَأَجَازَ ذَلِكَ
عَلَيْهِ، وذلك بمحضرٍ من الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - فيكون إجماعاً .
وأما المعقول فمن وجوه:
(١) في ط: الجمع.
(٢) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٦٤/٥) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٩١/١٢) من طريق عمرو بن
جميع عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي مرفوعاً.
وهو حديث موضوع.
ينظر ((اللالئ المصنوعة)) (١٧٩/٢) و((تنزيه الشريعة)) (٢٠٢/٢) والفوائد المجموعة (١٣٩).
(٣) في ط: ولا يجوز.
(٤) في ط: المشرع.
(٥) في أ: روى.
٢٠٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أحدها: أن النكاح عقد مصلحة؛ لكونه وسيلة إلى مصالح الدين والدنيا، والطلاق إبطال
له، وإبطال المصلحة مفسدة، وقد قال الله - عز وجل: ﴿وَاللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]،
وهذا معنى الكراهة الشرعية لههنا عندنا أن الله تعالى لا يحبه ولا يرضى به، إلا أنه قد يخرج
من أن يكون مصلحة؛ لعدم توافق الأخلاق وتباين الطبائع، أو لفساد يرجع إلى نكاحها؛ بأن
علم الزوج أن المصالح تفوته (١) بنكاح هذه المرأة، أو أن المقام معها سبب فساد دينه ودنياه،
فتنقلب المصلحة في الطلاق، ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى، إلا أن احتمال أنه لم
٦٣أ يتأمل حق التأمل، ولم ينظر حق النظر في العاقبة قائم (٢)/ فالشرعُ والعقلُ يدعوانه إلى النظر،
وذلك في أن يطلقها طلقة واحدةً رجعية، حتى أن التباين أو الفساد إذا كان من جهة المرأة
تتوب، وتعود إلى الصلاح إذا ذاقت مرارة الفراق.
وإن كانت لا تتوب نظر في حال نفسه؛ أنه هل يمكنه الصبر عنها، فإن علم أنه لا يمكنه
الصبر عنها يراجعها، وإن علم أنه يمكنه الصبر عنها يطلقها في الطهر الثاني ثانياً ويجرب
نفسه، ثم يطلقها؛ فيخرج نكاحها من أن يكون مصلحةً ظاهراً وغالباً؛ لأنه لا يلحقه الندم
غالباً، فأبيحت الطلقة الواحدة، أو الثلاث في ثلاثة أطهار، على تقدير خروج نكاحها من أن
يكون مصلحةً، وصيرورة المصلحة في الطلاق، فإذا طلقها ثلاثاً جملة واحدة في حالة
الغضب، وليست حالة الغضب حالة للتأمل لم يعرف خروج النكاح من أن يكون مصلحةً،
فكان الطلاقُ إبطالاً للمصلحة من حيث الظَّاهر؛ فكان مفسدة.
والثاني: أن النكاح عقدٌ مسنونٌ، بل هو واجب؛ لما ذكرنا في كتاب النكاح، فكان
الطلاق قطعاً للسنة، وتفويتاً للواجب، فكان الأصل هو الحظر والكراهة، إلا أنه رخص
للتأديب أو للتخليص، والتأديب يحصل بالطلقة الواحدة الرجعية؛ لأن التباين أو الفساد إذا كان
من قبلها، فإذا ذاقت مرارة الفراق - فالظاهر أنها تتأدب وتتوب، وتعود إلى الموافقة والصلاح،
والتخليص يحصل بالثلاث في ثلاثة أطهار، والثابت بالرخصة يكون ثابتاً بطريق الضرورة،
وحق الضرورة صار مقضياً بما ذكرنا؛ فلا ضرورة إلى الجمع بين الثلاث في طهر واحد؛ فبقي
ذلك على أصل الحظر.
والثالث: أنه إذا طلقها ثلاثاً في طهر واحد فربما يلحقه الندم، وقال الله تعالى: ﴿لاَ
تَذْرِي لَعَلَّ الله يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١]. قيل في التفسير: أي ندامة على ما سبق من
فعله، أو رغبة فيها، ولا يمكنه التدارك بالنكاح فيقع في السفاح، فكان في الجمع احتمال
(١) في أ: لا تقوم.
(٢) في ط: قائمة.
٢٠٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الوقوع في الحرام، وليس في الامتناع ذلك، والتحرز عن مثله واجب شرعاً وعقلاً، بخلاف
الطلقة الواحدة؛ لأنها لا تمنع من التدارك بالرجعة، وبخلاف الثلاث في ثلاثة أطهار؛ لأن ذلك
لا يعقب الندم ظاهراً؛ لأنه يجرب نفسه في الأطهار الثلاثة؛ فلا يلحقه الندم، وقد خرج
الجواب عما ذكره المخالف؛ لأن الطلاق عندنا تصرف مشروع في نفسه؛ إلا أنه ممنوع عنه
لغيره؛ لما ذكرنا من الدلائل.
ويستوي في كراهة الجمع أن تكون المرأة حرة، أو أمة مسلمة أو كتابية؛ لأن الموجب
للكراهة لا يوجب الفصل، وهو ما ذكرنا من الدلائل.
[ويستوي في كراهة الجمع]، والخلع في الطهر الذي لا جماع فيه غير مكروه بالإجماع.
وفي الطلاق الواحد البائن روايتان، ذكر في كتاب الطلاق أنه يكره، وذكر في زيادات
الزيادات: أنه لا يكره.
وجه تلك الرواية أن الطلاق البائن لا يفارق الرجعي إلا في صفة البينونة، وصفة البينونة
لا تنافي صفة السنة؛ ألا ترى أن الطلقة الواحدة قبل الدخول بائنة وأنها سنة، وكذا الخلع في
طهر لا جماع فيه بائن وأنه سنة.
وجه رواية كتاب الطلاق: إن الطلاق شرع في الأصل بطريق الرخصة للحاجة على ما
بينا، ولا حاجة إلى البائن؛ لأن الحاجة تندفع بالرجعي، فكان الطلاق البائن طلاقاً من غير
حاجة فلم يكن سنة؛ ولأن فيه احتمال الوقوع في الحرام لاحتمال الندم، ولا يمكنه المراجعة،
وربما لا توافقه المرأة في النكاح، فيتبعها بطريق حرام، وليس في الامتناع عنه احتمال الوقوع
في الحرام؛ فيجب التحرز عنه، بخلاف الطلاق قبل الدخول؛ لأنه طلاق لحاجة؛ لأنه قد
يحتاج إلى الطلاق قبل الدخول، ولا يمكن دفع الحاجة بالطلاق الرجعي؛ ولأن الطلاق قبل
الدخول لا يتصور إيقاعه إلا بائناً، فكان طلاقاً لحاجة فكان مسنوناً - وكذلك الخلع؛ لأنه تقع
الحاجة إلى الخلع، ولا يتصور إيقاعه إلا بصفة الإبانة.
ألا ترى أنه لا يتصور أن يكون رجعياً؛ ولأن الله - سبحانه وتعالى - رفع الجناح في
الخلع مطلقاً بقوله - عز وجل: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فدل على كونه
مُبَاحاً مطلقاً.
ثم البدعة في الوقت يختلف فيها المدخول بها وغير المدخول بها، فيكره أن يطلق
المدخول بها في حالة الحيض، ولا يكره أن يطلق غير المدخول بها في حالة الحيض؛ لأن
الكراهة في حالة الحيض لمكان تطويل العدة، ولا يتحقق ذلك في غير المدخول بها .
وأما كونها طاهراً من غير جماع، فلا يتصور في غير المدخول بها، وأما البدعة في
٢٠٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
٦٣ب العدد، فيستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها/ لأن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب
الفصل بينهما، [وكذا يستوي في السنة والبدعة المسلمة والكتابية، والحرة والأمة؛ لأن الدلائل
لا توجب الفصل بين الكل].
فضل في ألفاظ طلاق البدعة
وأما الألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة؛ فنحو أن يقول: أنت طالق للبدعة، أو أنت طالق
طلاق البدعة، أو طلاق الجور، أو طلاق المعصية، أو طلاق الشيطان، فإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث ؛
لأن إيقاع الثلاث في طهر واحد لا جماع فيه [بدعة](١) والواحدة في طهر جامعها فيه. بدعة،
والطلاق في حالة الحيض بدعة، فإذا نوى به الثلاثَ فقد نوى ما يحتمله كلامه؛ فصحت.
وروى هشام عن محمد أنها واحدة يملك بها الرجعة؛ لأن البدعة لم يجعل لها وقت في
الشروع لتنصرف الإضافة إليه فيلغو قوله: للبدعة، ويبقى قوله: أنت طالق، فيقع به تطليقة واحدة
رجعية، وكذلك إذا قال: أنت طالق طلاق الجور، أو طلاق المعصية، أو طلاق الشيطان ونوى
الثلاث، وإن لم تكن له نية؛ فإن كان في طهر جامعها فيه، أو في حالة الحيض - وقع من ساعته،
وإن لم يكن لا يقع للحال ما لم تحض، أو يجامعها في ذلك الطهر، والله - عز وجل - أعلم.
فضل في حكم طلاق البدعة
وأما حكم طلاق البدعة فهو أنه واقع عند عامة العلماء، وقال بعض الناس: إنه لا يقع،
وهو مذهب الشيعة أيضاً.
وجه قولهم: إن هذا الطلاق منهى عنه؛ لما ذكرنا من الدلائل، فلا يكون مشروعاً، وغير
المشروع لا يكون معتبراً في حق الحكم، ولأن الله تعالى جعل لنا ولاية الإيقاع على وجه
مخصوص؛ ومن جعل له ولاية التصرف على وجه، لا يملك إيقاعه على غير ذلك الوجه؛
كالوكيل بالطلاق على وجه السنة، إذا طلقها للبدعة؛ أنه لا يقع لما قلنا كذا هذا.
ولنا: ما روي عن عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ الله عَنْهُ - أَنَّ بعْضَ آبَائِهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْفاً
فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ نََّ فَقَالَ بَّهِ: ((بَانَتْ بِالثَّلاَثِ فِي مَعْصِيَةٍ وَتِسْعُمائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِيمَا لاَ
يَمْلِكُ))(٢).
(١) سقط من ط .
(٢) أخرجه الدارقطني (٢٠/٤) كتاب الطلاق وقال الدارقطني: رواته مجهولون وضعفاء.
٢٠٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يَرْكَبُ الأُخْمُوقَةَ؛
فَيُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ أَلْفاً، ثُمَّ يَأْتِي فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ
الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢]، وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ الله، فَلاَّ أَجِدُ لَكَ مَخْرَجاً؛ بَانَتْ امْرَأَتُكَ
وَعَصَيْتَ رَبَّكَ)).
وروينا عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أَنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْتَى بِرَجُلٍ قَدْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثاً إِلاَّ
أَوْجَعَهُ ضَرْباً، وَأَجَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وكانت قَضَايَاهُ بمحضرٍ من الصَّحَابَةِ - رضي الله تعالى عنهم -
أجمعين - فيكون إجماعاً منهم على ذلك.
وأما قولهم: إن غير المشروع لا يكون معتبراً في حق الحكم - فنعم: لكن الطلاق نفسه
مشروع عندنا ما فيه حظر، وإنما الحظر والحرمة في غيره، وهو ما ذكرنا من الفساد، والوقوع
في الزنا والسفه وتطويل العدة، وإذا كان مشروعاً في نفسه - جاز أن يكون معتبراً في حق
الحكم، وإن منع عنه لغيره كالبيع وقت أذان الجمعة، والصلاة في الأرض المغصوبة، ونحو
ذلك.
وقد خرج الجواب عن الوجه الثاني، وهو أن من ولي تصرفاً مشروعاً لا يملك إيقَاعَهُ إلا
على الْوَجْهِ الذي ولي؛ لأنه ما أوقع الطَّلاق إلا على الوَجْهِ الذي ولي إيقاعه، لأنه تصرف
مشروع في نفسه لا يتصور إيقاعه غير مشروع، إلا أنه بهذا الطلاق باشر تصرفاً مشروعاً،
وارتكب محظوراً؛ فيأثم بارتكاب المحظور لا بمباشرة المشروع؛ كما في البيع وقت النداء،
ونظائره بخلاف الوكيل؛ لأن التوكيل بالطلاق على وجه السنة توكيل بطلاق مشروع، لا
يتضمنه (١) ارتكاب حرام بوجه، فإذا طلقها للبدعة، فقد أتى بطلاق مشروع يلازمه حرام، فلم
يأت بما أمر به، فلا يقع؛ فهو الفرق.
فضل في قدر الطلاق وعدده
وأما بيانُ قدر الطلاق وعدده: فنقول ـ وبالله التوفيق: الزوجان إما إن كانا حرين، وإما
إن كانا رقيقين، وإما إن كان أحدهما حرّاً والآخر رقيقاً، فإن كانا حرين فالحر يطلق امرأته
الحرة ثلاث تطليقات بلا خلاف، وإن كانا رقيقين فالعبد لا يطلق امرأته الأمة إلا تطليقتين بلا
خلاف أيضاً، واختلف فيما إذا كان أحدهما حرّاً والآخر رقيقاً أن عدد الطلاق يعتبر بحال
الرجل في الرق والحرية، أم بحال المرأة.
(١) في أ: لا يتضمن.
٢٠٨
:
كِتَابُ الطَّلاَقِ
قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى: يعتبر بحال المرأة، وقال الشافعي: يعتبرُ بحال
الرجل، حتى أن العبد إذا كانت تحته حرة يملك عليها ثلاث تطليقات عندنا، وعنده لا يملك
[عليها] إلا تطليقتين، والحر إذا كانت تحته أمة لا يملك عليها إلا تطليقتين عندنا، وعنده
يملك عليها ثلاث تطليقات، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - روي عن
علي وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - مثل قولنا.
وعن عثمان وزيد بن ثابت مثل قوله، وعن عبد الله بن عمر/ - رضي الله تعالى عنهما -
١٦٤
أنه يعتبر بحال أيهما كان رقيقاً، ولا خلاف في أن العدة تعتبر بحال المرأة.
احتجَّ الشافعي بما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن رسول
اللهِ وَّهِ؛ أنه قال: ((الطَّلاَقُ بِالرَّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ)) (١)، والمراد منه اعتبارُ الطلاق في القدر
والعدد لا الإيقاع؛ لأن ذلك مما لا يشكل.
وروي عن رسول الله وَّرَ؛ أنه قال: ((يُطَلْقُ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنٍ وَتَعْتَدُّ الأَمَّةُ بِحَيْضَتَيْنٍ، مِنْ غَيْرِ
فَضْلِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ أَوْ حُرَّةٌ)) (٢)، ولأن الرق إنما يؤثر في نقصان الحل لكون الحل
نعمة، وأنه نعمة في جانب الرجل لا في جانب المرأة؛ لأنها مملوكة مرقوقة، فلا يؤثر رقها في
نقصان الحل.
ولنا الكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ... ﴾ إلى
قوله - عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهِا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والنص
ورد في الحرة، أخبر الله تعالى أن حل الحرة يزول بالثلاث، من غير فصل بين ما إذا كانت
تحت حر أو تحت عبد؛ فيجب العمل بإطلاقه.
والدليلُ على أن النص ورد في الحرة قرائن الآية الكريمة:
(١) لا أصل له مرفوعاً.
إنما ورد عن بعض الصحابة موقوفاً.
فأخرجه ابن أبي شيبة (٨٣/٥) والبيهقي (٧/ ٣٧٠) كتاب الرجعة عن ابن عباس موقوفاً.
وأخرجه الطبراني كما في («مجمع الزوائد» (٣٤٠/٤) والبيهقي (٧/ ٣٧٠) عن ابن مسعود.
قال البيهقي: ليس بمحفوظ.
وأخرجه البيهقي (٧/ ٣٧٠) عن علي مثله.
قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): لا يصح.
وأخرجه عبد الرزاق (٧/ ٢٣٤) عن علي وعثمان وزيد بن ثابت موقوفاً.
(٢) أخرجه الدار قطني (٤ /٤٠) كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره.
٢٠٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أحدها: أنه قال تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والأمة لا تملك
الافتداء بغير إذن المولى.
والثاني: قوله - عز وجل: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والأمة لا تملك إنكاح
نفسها من غير إذن مولاها.
والثالث: قوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: يتناكحا بعد
طلاق الزوج الثاني وذا في الحر والحرة.
وأما السنة فما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن رسول الله وَله؛ أنه قال:
((طَلاَقُ الأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ))(١)، جعل - عليه الصلاة والسلام - طلاق جنس الإماء
ثنتين؛ لأنه أدخل لام الجنس على الإماء؛ كأنه قال: طلاق كل أمة ثنتان، من غير فصل بين ما
إذا كان زوجها حرّاً أو عبداً.
وأما المعقول: فمن وجهين :
أحدهما: أن الأصل في الطلاق هو الحظر؛ لما ذكرنا من الدلائل فيما تقدم، إلا أنه
أبيحت الطلقة الواحدة للحاجة إلى الخلاص عند مخالفة الأخلاق؛ لأن عند ذلك تصير
المصلحة في الطلاق ليزدوج كل واحد منهما بمن يوافقه، فتحصل مقاصد النكاح، إلا أن
احتمال الندم من الجانبين قائم بعد الطلاق؛ كما أخبر الله تعالى: ﴿لاَ تَذْرِي لَعَلَّ الله يُحدِثُ
بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١]، فلو ثبتت الحرمة بطلقة واحدة، ولم يشرع طلاق آخر حتى يتأمل
الزوج فيه - ربما يندم، ولا يمكنه التدارك بالرجعة، ولا توافقه المرأة في النكاح، ولا يمكنه
الصبر عنها؛ فيقع في الزنا، فأبيحت الطلقة الثانية لهذه الحاجة، ولا حاجة إلى الطلقة الثالثة إلا
أن الشرع ورد بها في الحرة إذا كانت تحت حر أو عبد؛ إظهاراً لخطر النكاح، وإبانة لشرفه،
وملك النكاح في الأمة في الشرف والخطر دون ملك النكاح في الحرة؛ لأن شرف النكاح
وخطره؛ لما يتعلق به من المقاصد الدينية والدنيوية منها: الولد، والسكن.
ومعلوم أن هذين المقصودين في نكاح الأمة دونهما في نكاح الحرة؛ لأن ولد الحرة
حر، وولد الرقيقة رقيق، والمقصود من الولد الاستئناس(٢) والاستنصار به في الدنيا، والدعوة
الصالحة في العقبى، وهذا المقصود لا يحصل من الولد الرقيق مثل ما يحصل من الحر؛ لكون
المرقوق مشغولاً بخدمة المولى.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في أ: أو.
بدائع الصنائع ج ٤ - ١٤٢
٢١٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وكذا سكون نفس الزوج إلى امرأته الأمة لا يكون مثل سكونه إلى امرأته الحرة فلم يكن
هذا في معنى مورد الشرع؛ فبقيت الطلقة فيه على أصل الحظر.
والثاني: أن حكم الطلاق زوال الحل وهو حل المحلية، فيتقدر بقدر الحل، وحل الأمة
أنقص من حل الحرة؛ لأن الرق ينقص الحل؛ لأن الحل نعمة لكونه وسيلة إلى النعمة وهي
مقاصد النكاح، والوسيلة إلى النعمة نعمة للرق أثر في نقصان النعمة؛ ولهذا أثر في نقصان
المالكية حتى يملك الحر التزوج بأربع نسوة، والعبد لا يملك التزوج إلا بامرأتين.
وأما الحديثان فقد قيل: إنهما غريبان ثم أنهما من الآحاد، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب
العزيز بخبر الواحد، ولا معارضة الخبر المشهور به، ثم نقول: لا حجة فيهما، أما الأول؛
فلأن قوله: الطلاق بالرجال إلصاق الاسم بالاسم؛ فيقتضي ملصقاً محذوفاً، والملصق(١)
المحذوف يحتمل أن يكون هو الإيقاع، ويحتمل أن يكون هو الاعتبار؛ فلا يكون حجة مع
الاحتمال.
وقوله: الإيقاع لا يشكل - ممنوع، بل قد يشكل، وبيان الإشكال من وجهين: أحدهما:
٦٤ب أن النكاح مشترك بين الزوجين في الانعقاد، والأصل في كل عقد كان انعقاده بعاقدين/ أن
يكون ارتفاعه بهما أيضاً؛ كالبيع، والإجارة، ونحوهما.
والثاني: أنه مشترك بينهما في الأحكام والمقاصد، فيشكل أن يكون الإيقاع بهما على
الشركة، فحل الإشكال بقوله: الطلاق بالرجال.
وأما الثاني: ففيه أن العبد يطلق ثنتين، وهذا لا ينفي الثالثة؛ كما يقال: فلان يملك
درهمين، وقوله وَّ: ((طَلاَقُ الأَمَةِ ثِنْتَانٍ)) إضافة الطلاق إلى الأمة، والإضافة للاختصاص،
فيقتضي أن يكون الطلاق المختص بالأمة ثنتان، ولو ملك الثالثة عليها لبطل الاختصاص،
ومثاله قول القائل: مال فلان درهمان؛ أنه ينفي الزيادة لما قلنا كذا هذا، وقد خرج الجوابُ
عن قوله: إن الحل في جانبها ليس بنعمة؛ لأنا بينا أنه نعمة في حقها أيضاً؛ لكونه وسيلة إلى
النعمة، والملك في باب النكاح ليس بمقصود، بل هو وسيلة إلى المقاصد التي هي نعم،
والوسيلة إلى النعمة نعمة والله تعالى أعلم.
فضل في ركن الطلاق
وأما بيان ركن الطلاق: فركن الطلاق هو اللفظ الذي جعل (٢) دلالة على معنى الطلاق
لغة، وهو التخلية والإرسال، ورفع القيد في الصريح، وقطع الوصلة، ونحوه في الكناية، أو
(١) في أ: الملتصق.
(٢) في أ: وضع.
٢١١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
شرعاً وهو إزالة حل المحلية في النوعين أو ما يقوم مقام اللفظ (١)؛ أما اللفظ؛ فمثل أن يقول
في الكناية: أنت بائن أو ابنتك، أو يقول في الصريح: أنت طالق أو طلقتك وما يجري هذا
المجرى، إلا أن التطليق والطلاق في العرف يستعملان في المرأة خاصة، والإطلاق يستعمل
في غيرها، يقال في المرأة: طلق يطلق تطليقاً وطلاقاً، وفي البعير، والأسير، ونحوهما يقال:
أطلق يطلق إطلاقاً، وإن كان المعنى في اللفظين لا يختلف في اللغة، ومثل هذا جائز؛ كما
يقال: حَصَانٌ وحِصان، وعديل وعدل، فالحصان - بفتح الحاء - يستعمل في المرأة،
وبالخفض يستعمل في الفرس، وإن كانا يدلان على معنى واحد لغة وهو المنع، والعديل
يستعمل في الآدمي والعدل فيما سواه، وإن كانا موجودين في المعادلة في اللغة؛ كذا هذا:
ولهذا قالوا: إن من قال لامرأته: أنت مطلقة - مخففاً - يرجع إلى نيته؛ لأن الإطلاق في
العرف يستعمل في إثبات الانطلاق عن الحبس والقيد الحقيقي، فلا يحمل على القيد الحكمي
إلا بالنية، ويستوي في الركن ذكر التطليقة، وبعضها حتى لو قال لها: أنت طالق بعض تطليقة،
أو ربع تطليقة، أو ثلث تطليقة، أو نصف تطليقة، أو جزءاً من ألف جزء من تطليقة - يقع
تطليقة كاملة؛ وهذا على قول عامة العلماء.
وقال ربيعة: الرأي لا يقع عليها شيء؛ لأن نصف تطليقة لا يكون تطليقة حقيقة، بل هو
بعض تطليقة، وبعض الشيء ليس عين ذلك الشيء إن لم يكن له غيره.
ولنا: أن الطلاق لا يتبعض، وذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر لكله؛ كالعفو عن بعض
القصاص أنه يكون عفواً عن الكلّ.
ولو قال: أنت طالق طلقة واحدة ونصف، أو واحدة وثلث - طلقت اثنتين؛ لأن البعض من
تطليقة، تطليقة كاملة، فصار كأنه قال: أنت طالق اثنتين، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق واحدة
ونصفها(٢) أو ثلثها؛ أنه لا يقع إلا واحدة؛ لأن هناك أضاف النصف إلى الواحدة الواقعة، والواقع لا
يتصور وقوعه ثانياً، وهنا ذكر نصفاً منكراً غير مضاف إلى واقع؛ فيكون إيقاع تطليقة أُخرى.
(١) مذهب الشافعية.
إذا صح أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ يشعر به، وما قام مقامه عند العجز كإشارة الأخرس، فاعلم أن الألفاظ التي
يخاطب بها الرجل زوجته في الطلاق تنقسم إلى قسمين؛ لأنها إما أن تحتمل الفراق بوجه، أو لا تحتمله
أصلاً. الثاني: كقومي أو اقعدي لا يقع به الطلاق وإن نواه، لعدم احتمال اللفظ للفراق بوجه، وأما ما يحتمل
الفراق فعلى ضربين: صريح. وهو ما لا يحتمل ظاهره غير حل عصمة النكاح وتقع به الفرقة من غير نية.
وكناية، وهي في الأصل الخفاء والإيماء إلى الشيء من غير تصريح به، ولما كانت ألفاظ الكناية فيها خفاء
وإيماء إلى الطلاق سميت كناية، والمراد بها هنا، كل لفظ احتمل الطلاق وغيره، وتقع بها الفرقة مع النية،
ولا تقع بها من غير نية، ولكل منها ألفاظ سنتكلم عليها مع التفصيل والخلاف.
ينظر: نص كلام شيخنا/ بدوي علي محمد في فتح الخلاف في أحكام الطلاق.
(٢) في أ: بعضها.
٢١٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو قال: أنت طالق سدس تطليقة، أو ثلث تطليقة، أو نصف تطليقة، أو ثلثي تطليقة -
فهو ثلاث؛ لما ذكرنا أن كل جزء من التطليقة تطليقة كاملة. هذا إذا كانت مدخولاً بها، فإن
كانت غير مدخول بها فلا تقع إلا واحدة؛ لأنها بانت بالأولى؛ كما إذا قال: أنت طالق وطالق
وطالق .
ولو قال: أنت طالق سدس تطليقة وثلثها ونصفها بعد ألا يتجاوز العدد عن واحدة، ولو
جمع ذلك فهو تطليقة واحدة، ولو تجاوز بأن قال: أنت طالق سدس تطليقة وربعها وثلثها
ونصفها، لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، واختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: يقع تطليقتان،
وقال بعضهم: يقع تطليقة واحدة. ولو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين - نهى ثلاث؛
لأن نصف التطليقتين تطليقة، فثلاثة أنصاف تطليقتين ثلاثة أمثال تطليقة؛ فصار كأنه قال: أنت
طالق ثلاث تطليقات.
ولو كان أربع نسوة، فقال: بينكم تطليقة - طلقت كل واحدة واحدة؛ لأن الطلقة الواحدة
إذا قسمت على أربع أصاب كل واحدة ربعها، وربع تطليقة تطليقة كاملة، وكذلك إذا قال:
بينكن تطليقتان، أو ثلاث، أو أربع؛ لأن التطليقتين إذا انقسمتا بين الأربع يصيب كل واحدة
١٦٥ نصف تطليقة، ونصف التطليقة تطليقة [كاملة](١)، فإن قيل: لم لا يقسم كل تطليقة بحيالها/
على الأربع؛ فيلزم تطليقتان؟ فالجواب أنه ما فعل هكذا، بل جعل التطليقتين جميعاً بين
الأربع؛ لأن الجنس واحد لا يتفاوت، والقسمة في الجنس الواحد الذي لا يتفاوت يقع على
جملته، وإنما يقسم الآحاد إذا كان الشيء متفاوتاً، فإن نوى الزوج أن يكون كل تطليقة على
حيالها بينهن - يكون على ما نوى، ويقع على كل واحدة منهن تطليقتان؛ لأنه نوى ما يحتمله
كلامه، وهو غير متهم فيه؛ لأنه شدد على نفسه فيصدق.
ولو قال: بينكن خمس تطليقات فكل واحدة طالق اثنتين؛ لأن الخمس إذا قسمت على
الأربع أصاب كل واحدة تطليقة وربع تطليقة، وربع تطليقة تطليقة كاملة؛ فيكون تطليقتين،
وعلى هذا ما زاد على خمسة إلى ثمانية، فإن قال: بينكن تسع تطليقات وقعت على كل واحدة
ثلاث تطليقات؛ لأن التسع إذا قسمت على أربع أصاب كل واحدة منهن تطليقتان وربع تطليقة،
وربع تطليقة تطليقة كاملة؛ فيقع على كل واحدة ثلاثة.
وعلى هذا قالوا: لو قال: أشركت بينكن في تطليقتين أو في ثلاث أو أربع أو خمس أو
ست أو سبع أو ثمان أو تسع - أن هذا وقوله: بينكن سواء؛ لأن لفظة البين تنبىء عن الشركة،
فقوله: بينكن كذا معناه: أشركت بينكن، كذا، بخلاف ما إذا طلق امرأة له تطليقتين، ثم قال
(١) سقط من ط.
٢١٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
لأخرى: قد أشركتك في طلاقها؛ أنه يقع عليها تطليقتان؛ لأن قوله: أشركتك في طلاقها
إثبات الشركة في الواقع، ولا تثبت الشركة في الواقع إلا بثبوت الشركة في كل واحد منهما؛
لأنه لا يمكن رفع التطليقة الواقعة عنها، وإيقاعها على الأخرى؛ فلزمت الشركة في كل واحدة
من التطليقتين على الانفراد، وهذا يوجب وقوع تطليقتين على الأخرى، وسواء كان مباشرة
الركن من الزوج بطريق الأصالة، أو من غيره بطريق النيابة عنه بالوكالة والرسالة؛ لأن الطلاق
مما تجري فيه النيابة؛ فكان فعل النائب كفعل المنوب عنه، وأما الذي يقوم مقام اللفظ فالكتابة
والإشارة، على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
فضل في شرائط الركن
وأما شرائط الركن فأنواع، بعضها يرجع إلى الزوج، وبعضها يرجع إلى المرأة، وبعضها
يرجع إلى نفس الركن وبعضها يرجع إلى الوقت، أما الذي يرجع إلى الزوج فمنها: أن يكون
عاقلاً حقيقة أو تقديراً، فلا يقع طلاق المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل شرط أهلية
التصرف؛ لأن به يعرف كون التصرف مصلحة، وهذه التصرفات ما شرعت إلا لمصالح العباد.
وأما السكران إذا طلق امرأته، فإن كان سكره بسبب محظور؛ بأن شرب الخمر أو النبيذ
طوعاً حتى سكر، وزال عقله - فطلاقه واقع عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله تعالى
عنهم - وعن عثمان - رضي الله تعالى عنه - أَنَّهُ لاَ يَقَعُ طَلَاقَهُ، وبه أخذ الطحاوي والكرخي،
وهو أحد قولي الشافعي.
وجه قولهم: إن عقله زائل، والعقل من شرائط أهلية التصرف لما ذكرنا؛ ولهذا لا يقع
طلاق المجنون والصبي الذي لا يعقل، والذي زال عقله بالبنج والدواءٍ، كذا هذا، والدليل
عليه أنه لا تصح ردته؛ فلأن لا يصح طلاقه أولى، ولنا عموم قوله - عز وجل: ﴿الطَّلاَقُ
مَرَّتَانٍ ... ﴾ إلى قوله - سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً
غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، من غير فصل بين السكران وغيره إلا من خص بدلیل.
وقوله - عليه الصلاة والسلام - ((كُلُّ طَلاَقٍ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاَقُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ))، ولأن عقله
زال بسبب هو معصية فينزل قائماً؛ عقوبة عليه، وزجراً له عن ارتكاب المعصية؛ ولهذا لو
قذف إنساناً أو قتل يجب عليه الحد والقصاص، وأنهما لا يجبان على غير العاقل، دل أن عقله
جعل قائماً، وقد يعطي للزائل حقيقة حكم القائم تقديراً إذا زال بسبب هو معصية للزجر
والردع؛ كمن قتل مورثه أنه يحرم الميراث، ويجعل المورث حياً زجراً للقاتل وعقوبة عليه،
بخلاف ما إذا زال بالبنج والدواء؛ لأنه ما زال بسبب هو معصية، إلا أنه لا تصح ردة السكران
استحساناً نظراً له؛ لأن بقاء العقل تقديراً بعد زواله حقيقة للزجر، وإنما تقع الحاجة إلى الزاجر
٢١٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فيما يغلب وجوده؛ لوجود الداعي إليه طبعاً، والردة لا يغلب وجودها لانعدام الداعي إليها،
فلا حاجة إلى استبقاء عقله فيها للزجر؛ ولأن جهة زوال العقل حقيقة يقتضي بقاء الإسلام،
وجهة بقائه تقديراً يقتضي زوال الإسلام، فيرجح جانب البقاء؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى
٦٥ب عليه؛ ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا أكره على الإسلام/، ولا يحكم بكفر المسلم إذا أكره
على إجراء كلمة الكفر فأجرى، وأخبر أن قلبه كان مطمئناً بالإيمان، كذا هذا.
وإن كان سكره بسبب مباح، لكن حصل له به لذة؛ بأن شرب الخمر مكرهاً حتى سكر،
أو شربها عند ضرورة العطش فسكر، قالوا: إن طلاقه واقع أيضاً؛ لأنه وإن زال عقله، فإنما
حصل زوال عقله بلذة، فيجعل قائماً ويلحق الإكراه والاضطرار بالعدم؛ كأنه شرب طائعاً حتى
سکر.
وذكر محمد - رحمه الله تعالى - فيمن شرب النبيذ ولم يزل عقله، ولكن صدع فزال عقله
بالصداع؛ أنه لا يقع طلاقه؛ لأنه ما زال عقله بمعصية ولا بلذة؛ فكان زائلاً حقيقة وتقديراً.
وكذلك إذا شرب البنج أو الدواء الذي يسكر وزال عقله - لا يقع طلاقه لما قلنا، ومنها ألا
يكون معتوهاً، ولا مدهوشاً، ولا مبرسماً، ولا مغمى عليه، ولا نائماً؛ فلا يقع طلاق هؤلاء
لما قلنا في المجنون.
وقد روي عن النبي وََّ؛ أنه قال: ((كُلُّ طَلاَقٍ جَائِزٌ إلاَّ طَلاَقَ الصَّبِيّ وَالْمَعْتُوهِ))(١)، ومنها
أن يكون بالغاً فلا يقع طلاق الصبي، وإن كان عاقلاً؛ لأن الطلاق لم يشرع إلا عند خروج
النكاح من أن يكون مصلحة، وإنما يعرف ذلك بالتأمل، والصبي لاشتغاله باللهو واللعب لا
يتأمل؛ فلا يعرف. وأما كون الزوج طائعاً فليس بشرط عند أصحابنا، وعند الشافعي شرط،
حتى يقع طلاق المكره عندنا، وعنده لا يقع(٢)، ونذكر المسألة في كتاب الإكراه إن شاء الله
تعالی.
وذكر محمد بإسناده أن امرأة [اعتقلت زَوْجَهَا](٣)، وجلست على صَدْرِهِ، ومعها شفرة
فوضعتها على حلقه، وقالت: لتطلقني ثلاثاً أو لأنفذتها، فناشدها الله ألا تفعل فأبت، فطلقها
ثلاثاً، فذكر لرسول الله وَّر فقال: ((لاَّ قَيْلُولَةَ فِي الطَّلاَقِ))، وكذا كونه جادّاً ليس بشرط، فيقع
(١) أخرجه الترمذي (٤٨٧/٣) كتاب الطلاق باب ما جاء في طلاق المعتوه حديث (١١٩١) من طريق
عطاء بن عجلان عن عكرمة بن خالد المخزومي عن أبي هريرة مرفوعاً.
وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن عجلان وعطاء بن عجلان ضعيف
ذاهب الحديث .
(٢) في أ: يكره.
(٣) سقط من أ.
٢١٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
طلاق الهازل بالطلاق واللاعب؛ لما روي عن رَسُولِ اللهِ وَّرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثٌ جَدُّهُنَّ جَدِّ،
وَهَزْلُهُنَّ جَدِّ: النّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالْعِتَاقُ))(١)، وروي: ((النّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، والرَّجْعَةُ)).
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ الله عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ؛ أنه قال: ((مَنْ لَعِبَ بِطَلاَقٍ أَوْ
عِتَاقٍ لَزِمَهُ))(٢)، وقيل: فيه نزل قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلاَ تَنَّخِذُوا آيَاتِ اللّه هُزُوا﴾ [البقرة:
٢٣١]، وكان الرجلُ في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجع، فيقول: كنت لاعباً، ويعتق عبده ثم
يرجع، فيقول: كنت لاعباً؛ فنزلت الآية، فقال ◌َله: (مَنْ طَلَّقَ أَوْ حَرَّرَ أَوْ نَكَحَ، فَقَالَ: إِنِّي
كُنْتُ لَاَعِباً، فَهُوَ جَائِزٌ مِنْهُ))، وكذا التكلم بالطلاق ليس بشرط، فيقع الطلاق بالكتابة المستبينة،
وبالإشارة المفهومة (٣) من الأخرس؛ لأن الكتابة المستبينة تقوم مقام اللفظ، والإشارة المفهومة
تقوم مقام العبارة .
وكذا الخلو عن شرط الخيار ليس بشرط؛ فيقع طلاق شارط الخيار في باب الطلاق بغير
عوض؛ لأن شرط الخيار للتمكن من الفسخ عند الحاجة، و[الذي من جانب الزوج وهو]
الطلاق لا يحتمل الفسخ؛ لقوله {وَلير: ((لاَ قَيْلُوْلَةَ فِي الطَّلاَقِ)»(٤).
وأما الخلو عن شرط الخيار للمرأة في الطلاق بعوض - فشرط؛ لأن الذي من جانبها
المال، فكان من جانبها معاوضة المال، وإنها محتملة للفسخ؛ فصح شرط الخيار فيها، فيمنع
انعقاد السبب كالبيع، حتى أنها لو ردت بحكم الخيار - بطل العقد، ولا يقع الطلاق، وكذا
صحة الزوج ليس بشرط، وكذا إسلامه فيقع طلاق المريض والكافر؛ لأن المرض والكفر لا
ينافيان أهلية الطلاق، وكذا كونه عامداً ليس بشرط حتى يقع طلاق الخاطىء، وهو الذي يريد
أن يتكلم بغير الطلاق، فسبق لسانه بالطلاق؛ لأن الفائت بالخطأ ليس إلا القصد، وإنه ليس
بشرط لوقوع الطلاق؛ كالهازل واللاعب بالطلاق، وكذلك العتاق؛ لما قلنا في الطلاق.
وذكر الكرخي أن في العتاق روايتين، فإن هشاماً روى عن محمد عن أبي حنيفة؛ أن من
أراد أن يقول لامرأته: اسقيني ماء، فقال لها: أنت طالق - وقع، ولو أراد ذلك في العبد فقال:
أنت حر - لم يقع.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد (٢٤٩/٤) عن أبي الدرداء بلفظ: من لعب بطلاق أو عتاق فهو كما قال.
وقال: رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
(٣) في أ: المعلومة .
(٤) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٢١١/٢، ٤٤٢/٣) مرسلاً ومسنداً.
والحديث ضعيف ضعفه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٢٢/٣).
٢١٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وروى بشر بن الوليد الكندي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة؛ أنهما يتساويان، وهو
الصحيح لما ذكرنا.
وجه رواية هشام؛ أن ملك البضع ثبت بسبب يتساوى فيه القصد وعدم القصد، وهو
النكاح؛ فعلى ذلك زواله، بخلاف ملك العبد فإنه يثبت بسبب مختلف فيه القصد وعدم
القصد، وهو البيع ونحو ذلك؛ فكذلك زواله، وهذا ليس بسديد؛ لأنه قد يشترط لثبوت
الحكم من الشرائط ما لا يشترط لزواله؛ فكان الاستدلال بالثبوت على الزوال استدلالاً فاسداً.
فضل في شرط النية في الكناية
ومنها النية في أحد نوعي الطلاق وهو الكناية، وجملة الكلام في هذا الشرط في
موضعين :
أحدهما: في بيان الألفاظ التي يقع بها الطلاق في الشرع.
والثاني: في بيان صفة الواقع بها .
أما الأول: فالألفاظ التي يقع بها الطلاق في / الشرع - نوعان: صريح وكناية، أما
٦٦أ
الصريح(١) فهو اللفظ الذي لا يستعمل إلا في حل قيد النكاح، وهو لفظ الطلاق أو التطليق؛
(١) مذهب الشافعية للصريح ألفاظ تنقسم إلى قسمين: صريح بنفسه، وصريح بغيره.
الصريح بنفسه: هو ثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح.
فيقع الطلاق بما اشتق منه إجماعاً، ولاشتهاره فيه لغة وشرعاً، كطلقتك، وكذا أنت طالق، ويكون
صريحاً في واحدة فقط، وكناية في الثنتين والثلاثة فإذا قال ثلاثاً وقع الثلاث، ولا حرمة فيه ولا بدعة بل
خلاف الأولى. وإنما السنة والبدعة تكون في زمن الطلاق لا في عدده، وبه قال من الصحابة الحسن بن
علي، وعبد الرحمن بن عوف، وبعض من التابعين ومن الفقهاء أحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة: يقع الثلاث مع الحرمة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، ومن الفقهاء، مالك والعراقيون.
وحكي عن الشيعة، وداود بن علي، وطائفة من أهل الظاهر: أن طلاق الثلاث لا يقع به شيء، وقال
بعضهم؛ يقع به واحدة، واستدلوا أولاً بأن اللّه تعالى فرق طلاق الثلاث بقوله تعالى ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ
فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فلم يجز أن يجمع ما أمر بتفريقه؛ لأن ارتكاب منهي عنه، وما
حرم من الطلاق لا يقع، ويجاب عنه بوجهين:
الأول: أن المقصود بالآية عدد الطلاق، وأن ثلاث ويملك الرجعة بعد اثنتين، ولا يملكها بعد الثالثة،
حتى تنكح زوجاً غيره، ولم يرد به تفريق الطلاق أو جمعه.
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿مَرَّتَانِ﴾ أعم من أن يكون في وقت واحد، أو في وقتين؛ كما قال تعالى:
﴿نُؤْتِّهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ﴾ يعني: أجرين في وقت واحد، لا في وقتين، وهم يحرمون وقوع الطَّلقتين في
وقت؛ كما يحرمون وقوع الثلاث.
=
٢١٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
واستدلوا ثانياً بما رواه عبد اللّه بن عباس قال: ((كَانَ الطلاقُ الثَّلاث عَلَى عَهْد رسول اللهِ وَّةٍ وَأَيَّام أبي
=
بَكْرٍ وَصَدْر من أيَّامِ شُمَرَ) واحدة، فقال عمر: قَدِ اسْتَعْجَلْتُمْ في أَمْرٍ كان لكم فيه أَنَاة وجعله ثلاثاً)) فلا
يجوز لعمر أن يخالف شرعاً ثبت على عهد رسول الله و ﴿ وقد ارتفع النسخ بمونه، ويجاب عنه
بو جھین.
الأول: أن فيمن قال لزوجه: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولم ينو تأكيداً، ولا استئنافاً؛ فكان يحكم
بوقوع طلقة في زمن الرسول وخلافة أبي بكر، وصدر من أيام عمر؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك،
فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر وكثر استعمال الناس بهذه الصيغة،
وغلب منهم إرادة الاستئناف - حملت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملاً بالغالب السابق إلى الفهم منها في
ذلك العصر .
الثاني: أنه إخبار عن اختلاف عادة الناس، لا عن تغير الحكم في مسألة واحدة والمعنى؛ أن المعتاد من الناس
في الزمن الأول وقوع طلقة واحدة، وصاروا في زمن عمر يوقعون الثلاث دفعة، فنفذه عمر - رضي الله عنه -،
وإنما حمل على أحد هذين الوجهين مع بعدهما؛ لأن عمر لا يجوز له أن يخالف رسول الله وَ* في شيء
عمله من دينه، ولو خالفه لَمَا أقرته الصحابة على خلافه، ولعمر الحق أنه ليس من الإنصاف لعمر المعروف
بشدته في الدين والمحافظة على اتباع أوامره؛ أن ينسب إليه مثل هذه الجرأة على الدين، على أن عمر لو
استباح ذلك لنفسه - لما أقره عليه الصحابة، ولخالفه فيه الصغير قبل الكبير، وقد ثبتت مخالَفَتُهُم له فيما هو
أقل شأناً من الطلاق. روي أنه قال وهو على المنبر: لا تُغَالُوا في صَدقاتِ النِّسَاءِ، فلو كانت مكرمة؛ لكان
أَوْلاَكُمْ بها رسول الله وََّ فقامت إليه امْرَأَهٌ فَقَالَتْ: يُعْطِينَا الله وَتَمْنَعَنَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ اللّهُ تَعَالَى:
﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾، فَقَالَ عُمَرُ: كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى المخدرات في الحجال؛ لِيَفْعَلِ الرَّجُل
بماله مَا شَاء»، فَانْظُرْ كَيْفَ فرَعت المرأة بحجتها حجة عمر، وكيف هو رجع إلى رأيها؛ لما رأى أن الحقّ
معها، وهذا قليل من كثير مما هو مذكور في كتب الآثار مما يشهد بأن الصحابة - رضي الله عنهم - ما كانوا
يخشون في الحق جاهاً ولا سلطاناً وأن عمر - رضي الله عنه - ما كان يستنكف عن الرجوع إلى الحق مهما كان
قائله، وكيف وهو القائل: ((الرُّجُوعُ إلَى الحَقْ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ».
واستدلوا ثالثاً: بما روي عن ابن عمر؛ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثَاً فِي الْحَيْضَ، فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِوَ فَأَمَرَهُ أَنْ
يُرَاجِعُهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيَسْتَقْبِلْ بِهَا الْعِدَةَ؛ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَّ.
ويجاب عنه بأنه غير معروف عند أهل الحديث، وإنما الخبر أنه قال: أَرَأيْت لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلاثاً فقال: ((كُنْتَ
قَدْ أَبنتَ امْرَأَتَكَ وَعَصَيْتَ رَبَّكَ)) ولو صح لكان محمولاً على أنه طلَّقها ثلاثاً في ثلاث أوقات، فَأَمَرَهُ
بالرجعة في إحداهن، بل قد روي أنه طلّقها واحدة على عهد رسول الله وَّ ر، ثم طلَّقها ثانية على عهد
أبي بكر، ثم طلَّقها ثالثة في زمن عمر، فاقتضى أن يكون رواية من أطلق محمولة على هذا البيان.
واستدل الحنفية: أولاً على حرمة الجمع؛ بقوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾، فدل على أنه لا يجوز أن
يكون مرّة؛ لأن المعنى: أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع
والإرسال دفعة، فهو كلام مبتدأ ليس مرتبطاً بما قبله، واللام للاستفراق، فكأنه قال: كل طلاق مرتان
ومرة، وهي المشار إليها بقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِخْسَانٍ﴾، ولا يمكن أن يكون الطلاق ثلاث مرات، إلا عند
التفريق، وهو وإن كان بلفظ الخبر فالمقصود منه الأمر؛ فكأنه قال: ((طَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ))، وإنما عدل إلى لفظ
الخبر؛ لإفادة تأكيد معنى الأمر، فَدَلَّتِ الآية على الأمر بتفريق الطلاق.
=
٢١٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ويجاب عنه بأنها ليست كلاماً مبتدأ؛ كما ذكره الحنفية، بل هي متعلقة بما قبلها؛ لأن الله تعالى لما بَيَّنَ
=
في آية ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ ... ) إلى آخره: أن حقَّ المراجعة ثابت للزوج، ولم يذكر أن ذلك الحقَّ ثابت له
دائماً أو إلى غاية معينة، وكان ذلك كالمجمل المفتقر إلى المبين، أو كالعام المفتقر إلى المخصص - بين
بهذه الآية: أن ذلك الطلاق الذي ثبت للزوج فيه حق الرجعة هو: ما إذا كان طلقتان فقط دون ما زاد
عليه، فالألف واللام في قوله ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾ للعهد، والمعنى: ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بأحقية
الرجعة للزوج هو الطلاق الذي لم يزد على مرتين، وهو أولى بنظم القرآن من التفكيك، وبالجملة
فالمقصود من الآية بيان عدد الطلاق وأنه ثلاث، وأن الزوج يملك الرجعة بعد اثنتين، ولا يملكها بعد
الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ولم يرو بها تفريق الطلاق أو جمعه.
واستدلوا ثانياً بما روى الحسن؛ أنه قال: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِض طَلْقَةٌ وَأَرَدْتُ أَنْ أَتْبِعَهَا طَلْقَتَيْنِ،
فَسَأَلْتُ النَّبِيِّ نَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((رَاجِعْهَا فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ طَّلَّقْتُهَا ثَلاَثًاً، فَقَالَ: كُنْتَ قَدْ أَبِنتَ زَوْجَتَكَ
وَعَصَيْتَ رَبَّكَ))، فلولا أن جمع الثلاث محرم ما كان به عاصياً.
ويجاب عنه بأن ابن عمر طلق واحدة، والعصيان إنما هو بوقوع الثلاث في الحيض لا للجمع بينهن.
وأما قوله وَّوَ لابن عمر في رواية أخرى: ((إِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِهَا الطَّهْرَ، ثُمَّ تُطَلِّقْهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً))
فعلى طريق الاستحباب والندب.
واستدلوا ثالثاً: بإجماع الصحابة على حرمته.
ورد بأن الإجماع غير منعقد؛ لما روي عن الحسن بن علي؛ أن طلق امرأته عائشة الخثعمية ثلاثاً ولم
ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدل على إباحته عندهم.
ودليلنا على الفريقين.
أولاً: قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٍ﴾، فكان رفع
الجناح من غير ذكر لعدد - موجباً للتسوية بين الأعداد.
وثانياً: بما روي عن سهل بن سعد الساعدي ((أن النَّبِيَّ نَّهِلَمَّا لِاَعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرِ الْعُجْلاَنِيِّ وَامْرَأَتِهِ، قَالَ:
كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إنْ أمسكتها، فَطَلَّقَهَا ثَلاثَاً قَبْلَ أَنْ يأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ وَّرَ فَلَو كان جمع الثلاث
محرماً لَنَهَاهُ؛ لأن أوقعه معتقداً إيفاء الزوجية، ومع اعتقادها يحرم الجمع لو كان حراماً، ومع الحرمة
يجب الإنكار على العالم وتعليم الجاهل، ولم يوجدا من النبي ◌َّ - فدل على أنه لا حرمة، وإلا لزم
إنكار محرم، وهو باطل بالإجماع.
فإن قيل: إنما لم ينكر عليه؛ لأنه لم يصادف طلاقه محلاً مملوكاً، ولا نفوذا.
يجاب عنه بأنه لو كان الجمع محرماً - لأنكر عليه، وقال: كَيْفَ تُرْسِلُ لَفْظَ الطَّلاَقِ الثلاثِ مَعَ أَنَّهُ
حَرَامٌ؟ ! .
وثالثاً: بما روى عن ركانة بن عبد اللّه؛ أنه طلّق امرأته البتة، فأخبر رسول الله وَ ل ◌َر - بذلك، فقال: ((مَا
أَرَوْتَ بِالْبَثَّةَ، فَقَالَ: وَاحِدَةٌ، فأحلفه وأَنَّهُ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهَا)) فدلّ على وقوع الثلاث لو أرادها من غير
تحريم، وإلا لم يكن لتحليفه معنى، وأنكره عليه الرسول.
ورابعاً: بالقياس؛ أنه طلاق واقع في طهر لم يجامع فيه، فوجب أن يكون مباحاً كالطلقة الواحدة.
وقياس ثان: أن كلَّ طلاقٍ جاز تفريقه جاز جمعه؛ كطلاق الزوجات، يجوز أن يجمعهم في الطلاق، وأن
یفرقهم .
=
٢١٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
٠٠
ومثل مشتق الطلاق الفراق والسراح على المشهور من قوليه للإمام.
=
القول الثاني: أنها كنايتان؛ وبه قال أبو حنيفة؛ استدلالاً بأن كل لفظ تعارف الناس استعماله في الطلاق
وغيره - لم يكن صريحاً في الطلاق، قياساً على قوله: أنت علي حرام، وقد تعارف الناس استعمال
الفراق والسراح في غير الطلاق؛ فلم يكن صريحاً فيه.
والجواب عنه: أن الطلاق قد يستعمل في غير حل العصمة، فيقال: فُلاَنْ طَلَّقَ الدُّنْيا إذا زهد فيها،
وطلقت الأسير من وثاقه.
فلما لم يمنع من استعمال الطلاق في غيره أن يكون صريحاً فيه، كذلك الفراق والسراح، ثم المعنى:
المقيس عليه أنه لم يرد به القرآن؛ كما ورد في الفراق والسراح.
ودليل القول المشهور: أن كل لفظ ورد به القرآن في قصد الفرقة بين الأزواج - كان صريحاً فيها،
كالطلاق، وقد ورد القرآن بهن الألفاظ الثلاثة.
أما الطلاق، فيقوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾ وأما السراح، فبقوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحْ
پإِخسَانِ﴾ .
وأما الفراق ففي قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمِعْرُوفٍ﴾ .
فإن قيل: لو كان السراح صريحاً، كالطلاق لما سئل رسول الله وَلّ عند نزول قوله تعالى ﴿الطَّلاَقُ
مَرَّتَانٍ﴾ عن الثالثة حتى بين فقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ولكان السائل يعلم أنه صريح، فاستغنى عن
السؤال.
يجاب عنه: أن صريح الطلاق وكنايته من الأحكام الشرعية التي تخفى على أهل اللغة، فسأل ليعلم صريح
الشرع دون اللغة؛ وذلك مما لا يستغنى عنه أحد.
إذا ثبت أن صريح الطلاق ثلاثة ألفاظٍ. ما اشتقّ من الطلاق قطعاً والفراق والسراح على المشهور، تبين أنه
إذا قال لها أنت طالق، أو قد طَلَّقْتُكِ، أو أنت مطلقة، أو يا مطلقة، أن كل هذا صريح في وقوع الطلاق
علیھا .
وقال أبو حنيفة: إذا قال لها: أنت مطلقة، أو يا مطلقة لم يكن صريحاً؛ لأن الأولى إخبار والثانية نداء.
ويرد بأن إخبارها ونداءها إنما يكون بحكم قد استقر عليها، ولو لم يستقر، لما صح أن يكون نداء، ولا
خبراً، وهكذا لو قال لها: أنت مفارقة، أو قد فارقتك، أو يا مفارقة، أو أنت مسرحة أو قد سرحتك، أو
یا مسرحة، کان کل هذا صريحاً.
وقيل: الصريح من هذه الفعل فقط، لأنه هو الوارد في القرآن دون الاسم.
ويرد بأنه يكفي اشتهار اللفظ مع ورود معناه.
أما لو قال لها: أنت الطّلاق، أو أنت طلاق، فالصحيح: من وجهين لأصحابنا أنهما كنايتان؛ لأن
المصادر لا تستعمل في الأعيان إلا توسعاً. والثاني: أنهما صريحان، كقوله يا طال أو أنت طال ترخيماً
طالق شذوذاً.
ويرد بأنه يصلح ترخيماً لطالب وطالع، ولا يخصص إلا بالنية.
ولو قال: أنت فراق، أو أنت الفراق، أو أنت سراح، أو أنت السراح، فالأصح: من وجهين: أنها
کنایات.
=
٢٢٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والثاني: أنها صريحة .
=
وترجمة الطلاق، ولو ممن يحسن العربية بما سواها فيها طريقان.
الأولى: تقطع بصراحتها؛ لشهرة استعمالها عندهم في معناها شهرة العربية عند أهلها.
والثانية: تحكي وجهين:
أحدهما: أنها كناية اقتصاراً في الصريح على العربي، لوروده في القرآن وتكرره على لسان حملة الشريعة.
والثاني: ما حكته الطريقة الأولى من أنها صريحة.
وأما ترجمة الفراق والسراح: ففي المحرر أنها مثل ترجمة الطلاق في الخلاف، وصحح في ((الروضة))
أنها كناية، والفرق اشتهار لفظ الطلاق في كل لغة، قاله الزركشي.
ولو اشتهر لفظ الطلاق، كالحلال، أو حلال الله عليّ حرام، أو أنت عليّ حرام ففيه وجهان.
الأول: أنه صريح عند من اشتهر عندهم، لغلبة الاستعمال وحصول التفاهم به عندهم، وصحح هذا
الرافعي في المحرر.
الثاني: أنه كناية، وصحَّحه النووي في ((المنهاج))؛ لأن الصريح إنما يؤخذ من ورود القرآن به وتكرره على
لسان حملة الشريعة، وليس هذا كذلك.
أما من لم يشتهر عندهم فهو كناية في حقهم قطعاً، وكذا لو قال: أنت حرام، ولم يقل عليّ، فإن جرينا
على أن قوله لزوجته: أنت عليّ حرام صريح، ونوى؛ غير الطلاق لغت نيته وتعين الطلاق في حقه، وإن
جرينا على ما صححه ((النووي)) من أنه كناية، ونوى به طلاقاً وإن تعدد، أو ظهاراً وقع المنوي؛ لأن كلاً
منها يقتضي التحريم، فجاز أن يعبر عنه بالحرام من إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن نواهما معاً ففيه
ثلاثة أوجه :
الصحيح: أنه يتخير ويثبت ما اختاره منهما ولا يثبتان جميعاً؛ لأن الطلاق يزيل النكاح، والظاهر يستدعي
بقاءه .
الثاني: أن الواقع طلاق؛ لأنه أقوى في إزالة الملك.
الثالث: أنه ظهار؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
وإن نواهما مرتباً، فقال بعضهم، يكون مثل ما لو نواهما معاً على الخلاف المتقدم، وهذا هو المرجح في
((الروضة)).
وقال ابن الحداد: إن قدم الظهار وقع الطلاق بعده، وإن قدم الطلاق، وكان بائناً أو رجعياً، ولم يراجع
فلا يقع الظهار معه، وإن راجع وقع معه.
وإن نوى به إيلاء لم يكن إيلاءً؛ لأنه يمين لا ينفذ بالكناية، وإن نوى به تحريم عينها، أو فرجها، أو
رأسها، أو يدها، أو وطئها، لم تحرم عليه، وعليه كفارة مثل كفارة اليمين، وإن أطلق، ولو لم ينو شيئاً،
لم يتعلق؛ طلاق، ولا ظهار ولا تحريم.
وفي وجوب الكفارة قولان للشافعي ذكرهما في ((الإملاء)):
أظهرهما: تجب عليه الكفارة .
ثانيهما: لا تجب وذلك اللفظ منه لغو.
وإن قال لِأَمَتِهِ أنت عليّ حرام، ونوى عتقاً ثبت، أو طلاقاً أو ظهاراً لنا؛ لأنه لا مجال لهما في الأَمَةِ، أو نوى
تحريم عينها، أو وطئها لم تحرم وكفر كفارة يمين، وإن لم ينو شيئاً لم تحرم، وفي وجوب الكفارة طريقان . =