Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كِتَابُ الأَیْمَانِ
والأصل فيه ما رُوِيَ؛ ((أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا - وَقَالَ: إِنَّ صَاحِبا
لَنَا مَاتَ وَأَوْصَى بِبَدَنَةٍ، أَفَتَجْزِى عَنْهُ الْبَقَّرَةُ؛ فَقَالَ أَبْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا: مِمَّنْ
صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ السَّائِلُ: مِنْ بَنِي رَبَاحِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا - ((مَتَّى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحِ
الْبَقَرَ! إِنَّمَا الْبَقَرُ لِلأَزْدِ، وَذَهَبَ وَهُمُ صَاحِبِكُمْ إِلَى الإِبْلِ))، فهذا الحديث أصل أصيل في حملٌ
مطلق الكلام على ما يذهب إليه أوهام الناس؛ ولأن العرف وضع طارىء على الوضع
الأصلي، والاصطلاح جار من أهل اللغة، فالظاهر أن المتكلم يقصد بكلامه ذلك، فيحمل
عليه مطلق اللفظ، وبهذا يبطل قول الشافعي: إن الأيمان محمولة على الحقائق، يؤيد ما قلنا:
إن الغريم يقول لغريمه: والله لأجرنك في الشرك يريد به شدة المطل دون الحقيقة.
وقول مالك: الأيمان محمولة على ألفاظ القرآن غير سديد أيضاً؛ بدليل أن من حلف لا
يجلس في سراج، فجلس في الشمس - لا يحنث، وإن سمى الله تعالى الشمس سراجاً بقوله -
عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ [نوح: ١٦]، وكذا من حلف لا يجلس على بساط، فجلس
على الأرض - لا يحنث، وإن سماها الله - سبحانه وتعالى - في القرآن العظيم بساطاً بقوله - عز
وجل: ﴿وَاللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً﴾ [نوح: ١٧]، وكذا من حلف لا يمس وتداً، فمس
جبلاً - لا يجنث، وإن سمى الله - عز وجل - الجبل وتداً بقوله تعالى: ﴿وَالجِبَالَ أَوْنَاداً﴾
[النبأ: ٧]، فثبت أن ما قاله مالك غير صحيح، والله أعلم.
فصل في الحلف على الدخول
أما الحلف على الدخول فالدخولُ اسم للانفصال من العورة إلى الحصن، فإن حلف لا
يدخل هذه الدار وهو فيها، فمكث بعد يمينه - لا يحنث استحساناً، والقياس أن يحنث، ذكر
القياس والاستحسان في الأصل.
وجه القياس أن المداومة على الفعل حكم إنشائه؛ كما في الركوب واللبس؛ بأن حلف:
لا يركب ولا يلبس، وهو راكب ولابس، فمكث ساعة؛ أنه يحنث لما قلنا؛ كذا هذا.
وجه الاستحسان الفرق بين الفصلين، وهو أن الدوام على الفعل لا يتصور حقيقة؛ لأن
الدوام هو البقاء، والفعل المحدث عرض، والعرض مستحيل البقاء فيستحيل دوامه، وإنما يراد
بالدوام تجدد أمثاله، وهذا يوجد في الركوب واللبس، ولا يوجد في الدخول؛ لأنه اسم
للانتقال من العورة إلى الحصن، والمكث قرار؛ فيستحيل أن يكون انتقالاً؛ يحققه أن الانتقال
حركة والمکث سكون وهما ضدان.
والدليل على التفرقة بين الفصلين؛ أنه يقال: ركبت أمس واليوم، ولبست أمس واليوم
من غير ركوب ولبس مبتدأ، ولا يقال: دخلت أمس واليوم إلا لدخول مبتدأ، وكذا من دخل
بدائع الصنائع ج٤ - م٦

٨٢
كِتَابُ الأَيْمَانِ
داراً يوم الخميس، ومكث فيها إلى يوم الجمعة، فقال: والله ما دخلت هذه الدار يوم الجمعة -
بر في يمينه لذلك افترقا، ولو حلف لا يركب أو لا يلبس، وهو راكب أو لابس، فنزل من
ساعته أو نزع من ساعته - لا يحنث عندنا، خلافاً لزفر.
وجه قوله أن شرط حثه الركوب واللبس، وقد وجد منه بعد يمينه وإن قل، ولنا أن ما
لا يقدر الحالف على الامتناع من يمينه فهو مستثنى منه دلالة؛ لأن قصد الحالف من الحلف
البر، والبر لا يحصل إلا باستثناء ذلك القدر، وسواء دخل تلك الدار ماشياً أو راكباً؛ لأن اسم
الدخول ينطلق على الكل.
ألا ترى أنه يقال: دخلت الدار ماشياً ودخلتها راكباً، ولو أمر غيره فحمله فأدخله حنث؛
لأن الدخول فعل لا حقوق له، فكان فعل المأمور مضافاً إليه؛ كالذبح، والضرب، ونحو
ذلك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
وإن احتمله غيره، فأدخله بغير أمره - لم يحنث؛ لأن هذا يسمى إدخالاً لا دخولاً؛ لما
ذكرنا أن الدخول انتقال، والإدخال نقل، ولم يوجد ما يوجب الإضافة إليه وهو الأمر، وسواء
كان راضياً بنقله أو ساخطاً؛ لأن الرضا لا يجعل الفعل مضافاً إليه، فلم يوجد منه الشرط وهو
الدخول، وسواء كان قادراً على الامتناع، أو لم يكن قادراً عليه عند عامة مشايخنا.
وقال بعضهم: إن كان يقدر على الامتناع، فلم يمتنع - يحنث؛ لأنه لما لم يمتنع مع
القدرة كان الدخول مضافاً إليه، والصحيح قول العامة: لأنه لم يوجد منه الدخول حقيقة،
وامتناعه مع القدرة إن جاز أن يستدل به على رضاه بالدخول، لكن الرضا يكون بالأمر، وبدون
الأمر لا يكفي لإضافة الفعل إليه، فانعدم الدخول حقيقة وتقديراً، وسواء دخلها من بابه أو من
غيره؛ لأنه جعل شرط الحنث مطلق الدخول وقد وجد، ولو نزل على سطحها حنث؛ لأن
سطح الدار من الدار؛ إذ الدار اسم لما أحاط به الدائرة والدائرة أحاطت بالسطح.
وكذا لو أقام على حائط من حيطانها؛ لأن الحائط مما تدور عليه الدائرة فكان كسطحها،
ولو قام على ظلة لها شارعة أو كنيف شارع، فإن كان مفتح ذلك إلى الدار يحنث وإلا فلا؛
لأنه إذا كان مفتحه إلى الدار يكون منسوباً إلى الدار فيكون من جملة الدار، وإلا فلا.
وإن قام على أسكفة الباب، فإن كان الباب إذا أغلق كانت الأسكفة خارجة عن الباب -
لم يحنث؛ لأنه خارج وإن كان إذا أغلق الباب كانت الأسكفة داخلة الباب حنث؛ لأنه داخل؛
لأن الباب يغلق على ما في داخل الدار لا على ما في الخارج، وإن أدخل الحالف إحدى
رجليه ولم يدخل الأخرى - لم يحنث؛ لأنه لم ينتقل كله بل بعضه.
وقد روي عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - أنه قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَ فِي الْمَسْجِدِ،
فَقَالَ لِي: إِنِّي لأَعْلَمُ آيَةً لَمْ تَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إِلاَّ عَلَيَّ
فَقُلْتُ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لاَ أَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُعَلْمَكَهَا؛ فَلَمَّا أَخْرَجَ إِحْدَىُ

٨٣
كِتَابُ الأَيْمَانِ
رِجْلَيْهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّهُ قَدْ نَسِيَ، فَقَالَ لِي: بِمَ نَفْتَتِحُ القِرَاءَةَ، فَقُلْتُ: بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمُنِ
الرَّحِيمِ، فَقَالَ وَّرَ: هِيَ هِيَ))(١)، فلو كان هذا القدر خروجاً لكان تأخير التعليم إليه خلقاً في
الوعد، ولا يتوهم ذلك بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ودل الحديث على أن التسمية آية من
القرآن؛ لأن النبي وَلَو سماها آية.
ومن أصحابنا من قال: موضوع هذه المسألة في دار داخلها وخارجها سطح واحد، فإن
كانت الدار منهبطة، فأدخل إليها إحدى رجليه حنث؛ لأن أكثره حصل فيها، وللأكثر حكم
الكل، فإن أدخل رأسه ولم يدخل قدميه، أو تناول منها - لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بدخول.
ألا ترى أن السارق لو فعل ذلك لا يقطع، ولو حلف لا يدخل داراً، فدخل خراباً، قد
كان داراً وذهب بناؤها - لا يحنث، ولو كانت حيطانها قائمة فدخل يحنث، ولو عين فقال:
أدخل هذه الدار فذهب بناؤها - لا يحنث، ولو كانت حيطانها قائمة ودخل يحنث، ولو عين
فقال: لا أدخل هذه الدار، فذهب بناؤها بعد يمينه، ثم دخلها - يحنث في قولهم؛ لأن قوله:
داراً وإن ذكر مطلقاً، لكن المطلق ينصرف إلى المتعارف وهي الدار المبنية، فيراعى فيه الاسم
والصفة وهى البناء؛ لأنه جار مجرى الصفة، فما لم يوجد لا يحنث.
وقوله: هذه الدار إشارة إلى المعين الحاضر، فيراعى فيه ذات المعين لا صفته؛ لأن
الوصف للتعريف، والإشارة كافية للتعريف، وذات الدار قائمة بعد الانهدام؛ لأن الدار في
اللغة اسم للعرصة والعرصة قائمة، والدليل على أن الدار اسم للعرصة بدون البناء قولُ النابغة:
[بحر البسيط]
يَا دَارَ مَيِّةَ بالعَلْيَاءِ فالسَّنَدِ أَقْوَتْ فَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَبدِ
إِلاَّ أَوَارِيَّ لأَيَامَا أُبَيْنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ (٢)
(١) تقدم في كتاب الصلاة.
(٢) ورواية البيت في الديوان هكذا:
يا دارمية بالعلياء فالسَّند
وقفت فيها أصيلانا أسائلها
أقوت وطال عليها سالف الأبد
عَيَّتْ جواباً وما بالربع من أحد
والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
إلا الأواري لأيا ما أبينها
ديوان النابغة صـ ٩ والأهية ص ٨٠؛
وإصلاح المنطق ص ٤٧؛ والأغاني ٢٧/١١؛ والإنصاف ٢٦٩/١؛ وجمهرة اللغة ص ٩٣٤؛ وخزانة
الأدب ١٢٢/٤، ٣٦/١١؛ والدرر ١٥٩/٣، ٢٥٧/٦؛ وشرح أبيات سيبويه ٥٤/٢؛ والكتاب ٣٢١/٢؛
ولسان العرب :١٢٦/٣ (جلد)، ٣٥٦/١٢ (ظلم)، ٦٧/١٣ (بين)، والمقاصد النحوية ٣١٥/٤، ٥٧٨؛
والمقتضب ٤١٤/٤؛ وبلا نسبة في شرح المفصل ١٢٩/٨.

٨٤
كِتَابُ الأنْمَانِ
سماها داراً بعدما خلت من أهلها وخربت، ولم يبق فيها الأواري والنؤي، ولو أعيد
البناء فدخلها يحنث. أما في المعين فلا شك فيه، لأنه لو دخلها بدون البناء يحنث، فمع البناء
أولى، وأما في المنكر؛ فلوجود الاسم والصفة وهي البناء، وإن بنيت مسجداً أو حماماً أو
بستاناً فدخله - لا يحنث؛ لأن اسم الدار قد بطل.
ألا ترى أنه لا يسمى داراً فبطلت اليمين، ولو أعادها داراً فدخلها لا يحنث؛ لأنها غير
الدار الأولى.
وعن أبي يوسف إذا قال: والله لا أدخل هذا المسجد، فهدم فصار صحراء، ثم دخله،
فإنه يحنث، قال: هو مسجد وإن لم يكن مبنياً؛ ولأن المسجد عبارة عن موضع السجود،
وذلك موجود في الخراب؛ ولهذا قال أبو يوسف: إن المسجد إذا خرب واستغنى الناس عنه؛
أنه يبقى مسجداً إلى يوم القيامة .
ولو حلف لا يدخل هذا البيت أو بيتاً، فدخله بعدما انهدم ولا بناء فيه - لا يحنث؛ لأن
البيت اسم مشتق من البيتوتة سمي بيتاً؛ لأنه يبات فيه ولا يبات إلا في البناء؛ ولهذا تسمي
العرب الأخبية بيوتاً، فصار البناء فيه في حق استحقاق الاسم ملتحقاً بذات المسمى؛ كاسم
الطعام للمائدة، والشراب للكأس، والعروس للأريكة، فيزول الاسم بزواله، ولو بنى بيتاً آخر
فدخله لا يحنث أيضاً في المعين؛ لأن المعاد عين أُخرى غير الأول، فلا يحنث بالدخول فيه،
وفي غير المعين يحنث؛ لوجود الشرط وهو دخول البيت، ولو انهدم السقف وحيطانه قائمة
فدخله - يحنث في المعين، ولا يحنث في المنكر؛ لأن السقف بمنزلة الصفة فيه، وهي في
الحاضر لغو وفي الغائب معتبرة.
ولو حلف لا يدخل في هذا الفسطاط، وهو مضروب في موضع فقلع، وضرب في
موضع آخر، فدخل فيه - يحنث، وكذلك القبة من العيدان ونحوه، وكذلك درج من عيدان
بدار أو منبر؛ لأن الاسم في هذه الأشياء لا يزول بنقلها من مكان إلى مكان، ومن هذا الجنس
من حيث المعنى إذا حلف لا يجلس إلى هذه الأسطوانة، أو إلى هذا الحائط، فهدما ثم بنيا
بنقضهما - لم يحنث؛ لأن الحائط إذا هدم زال الاسم عنه، وكذا الأسطوانة فبطلت اليمين،
وكذا إذا حلف لا يكتب بهذا القلم، فكسره ثم براه، فكتب به، لأن غير المبرىء لا يسمى
قلماً، وإنما يسمى أنبوباً، فإذا كسر فقد زال الاسم؛ فبطلت اليمين.
وكذلك إذا حلف على مقص فكسره، ثم جعله مقصاً غير ذلك؛ لأن الاسم قد زال بالكسر.
وكذلك كل سكين وسيف وقدر كسر ثم صنع مثله، ولو نزع مسمار المقص ولم
يكسره، ثم أعاد فيه مسماراً آخر - حنث لأن الاسم لم يزل بزوال المسمار، وكذلك إذا نزع

٨٥
كِتَابُ الأَيْمَانِ
نصاب السكين، وجعل عليه نصاباً آخر؛ لأن السكين اسم للحديد.
ولو حلف على قميص لا يلبسه، أو قباء محشواً أو مبطناً، أو جبة مبطنة أو محشوة، أو
قلنسوة، أو خفين، فنقض ذلك كله ثم أعاده - يحنث؛ لأن الاسم بقي بعد النقض يقال:
قميص منقوض، وجبة منقوضة، واليمين المنعقدة على العين لا تبطل بتغير الصفة مع بقاء اسم
العین.
وكذلك لو حلف لا يركب هذا السرج ففتقه ثم أعاده، ولو حلف لا يركب هذه السفينة
فنقضها، ثم استأنف بذلك الخشب فركبها - لا يحنث؛ لأنها لا تسمى سفينة بعد النقض،
وزوال الاسم يبطل اليمين.
ولو حلف لا ينام على هذا الفراش، ففتقه وغسله، ثم حشاه بحشو وخاطه، ونام عليه -
حنث؛ لأن فتق الفراش لا يزيل الاسم عنه.
ولو حلف لا يلبس شقة خز بعينها، فنقضها وغزلت، وجعلت شقة أُخری ۔ لم يحنث؛
لأنها إذا نقضت صارت خيوطاً، وزال الاسم عن المحلوف عليه.
ولو حلف على قميص لا يلبسه، فقطعه جبة محشوة، فلبسه - لا يحنث؛ لأن الاسم قد
زال فزالت اليمين.
ولو حلف لا يقرأ في هذا المصحف فخلعه، ثم لَفَّ ورقه وغرز دفتيه، ثم قرأ فيه -
يحنث؛ لأن اسم المصحف باقٍ وإن فرق.
ولو حلف على فعل لا يلبسها، فقطع شراكها، وشركها بغيره، ثم لبسها - حنث؛ لأن
اسم النعل يتناولها بعد قطع الشراك.
ولو حلفت امرأة لا تلبس هذه الملحفة، فَخِيطَ جانباها فَجُعِلَتْ دِرْعاً، وجُعِلَ لها جَيْبٌ،
ثم لبستها - لم تحنث؛ لأنها درع وليست بملحفة، فإن أعيدت ملحفة فلبستها حنثت؛ لأنها
عادت ملحفة بغير تأليف، ولا زيادة ولا نقصان، فهي على ما كانت عليه.
وقال ابن سماعة عن محمد في رجل حلف: لا يدخل هذا المسجد، فزيد فيه طائفة
فدخلها - لم يحنث؛ لأن اليمين وقعت على بقعة معينة، فلا يحنث بغيرها، ولو قال: مسجد
بني فلان، ثم زيد فيه، فدخل ذلك الموضع الذي زيد فيه - حنث، وكذلك الدار؛ لأنه عقد
يمينه على الإضافة، وذلك موجود في الزيادة.
ولو حلف: لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً، أو بيعة أو كنيسة، أو بيت نار، أو دخل

٨٦
كِتَابُ الأَیْمَانِ
الكعبة، أو حماماً أو دهليزاً، أو ظلة باب دار - لا يحنث؛ لأن هذه الأشياء لا تسمى بيتاً على
الإطلاق عرفاً وعادة، وإن سمى الله - عز وجل - الكعبة بيتاً في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ
بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ الذي ببكَّة﴾ [آل عمران: ٩٦] وسمى المساجد بيوتاً؛ حيث قال تعالى: ﴿فِي
بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] لأن مبنى الإيمان على العرف والعادة، لا
على نفس إطلاق الاسم.
ألا ترى أن من حلف: لا يأكل لحماً فأكل سمكاً - لا يحنث، وإن سماه الله تعالى لحماً
في كتابه الكريم بقوله - عز وجل: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَخْماً طَرِيّاً﴾ [النحل: ١٤]؛ لما لم يسم لحماً في
عرف الناس وعاداتهم؛ كذا هذا.
وقيل: الجواب المذكور في مثل الدهليز في دهليز يكون خارج باب الدار؛ لأنه لا يبات
فيه، فإن كان داخل البيت وتمكن فيه البيتوتة - يحنث، والصحيح ما أطلق في الكتاب؛ لأن
الدهليز لا يبات فيه عادة؛ سواء كان خارج الباب أو داخله، ولو دخل صفة يحنث؛ كذا ذكر
في الكتاب.
وقيل: إنما وضع المسألة على عادة أهل الكوفة، لأن صفافهم تُغْلَقُ عَليها الأبواب،
فكانت بيوتاً؛ لوجود معنى البيت وهو ما يبات فيه عادة؛ ولذا سمي ذلك بيتاً عرفاً وعادة، فأما
على عادة أهل بلادنا - فلا يحنث؛ لانعدام معنى البيت، وانعدام العرف والعادة والتسمية أيضاً.
ولو حلف لا يدخل من باب هذه الدار، فدخلها من غير الباب - لم يحنث؛ لعدم الشرط
وهو الدخول من الباب، فإن نقب للدار باباً آخر فدخل - يحنث؛ لأنه عقد يمينه على الدخول
من باب منسوب إلى الدار وقد وجد، والباب الحادث كذلك فيحنث، وإن عنى به الباب الأول
يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن لفظه يحتمله، ولا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر
حيث أراد بالمطلق المقيد، وإن عين الباب فقال: لا أدخل من هذا الباب، فدخل من باب آخر
- لا يحنث، وهذا مما لا شك فيه؛ لأنه لم يوجد الشرط.
ولو حلف: لا يدخل دار فلان، فدخل داراً يسكنها فلان بملك أو إجارة أو إعارة - فهو
سواء - يحنث في يمينه، ذكر ذلك أبو يوسف، وذكر محمد في الأصل وضع المسألة في
المستأجر، وهذا قول أصحابنا.
وقال الشافعي: لا يحنث. وجه قوله أن قوله: دار فلان إضافة ملك؛ إذ الملك في الدار
للآجر، وإنما المستأجر ملك المنفعة، فلا يتناوله اليمين.
ولنا: أن الدار المسكونة بالإجارة والإعارة تضاف إلى المستأجر والمستعير عرفاً وعادة،

٨٧
كِتَابُ الأَیْمَانِ
والدليل عليه أيضاً ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّه مُرَّ بِحَائِطٍ فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا؟(١)،
فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: لِي يَا رَسُولَ الله، اسْتَأْجَرْتُهُ. أضافه إلى نفسه ولم ينكر عليه رسول
الله وَّ، فقد ثبتت الإضافة عرفاً وشرعاً، فأما إذا حلف لا يدخل داراً لفلان، فدخل داراً له قد
آجرها لغيره:
قال محمد: يحنث؛ لأنه حلف على دار يملكها فلان، والملك له، سواء كان يسكنها أو
لا يسكنها .
وروى هشام عن محمد أنه لا يحنث؛ لأنها تضاف إلى الساكن بالسكنى، فسقط إضافة
الملك، والجواب أنه غير ممتنع أن تضاف دار واحدة إلى المالك بجهة الملك، وإلى الساكن
بجهة السكنى؛ لأن عند اختلاف الجهة تذهب الاستحالة.
فإن قال: لا أدخل حانوتاً لفلان، فدخل حانوتاً له قد آجره، فإن كان فلان ممن له
حانوت يسكنه؛ فإنه لا يحنث بدخول هذا الحانوت؛ لأنه يضاف إلى ساكنه. ولا يضاف إلى
مالكه، وإن كان المحلوف عليه لا يعرف بسكنى حانوت - يحنث؛ لأنا نعلم أنه أراد به إضافة
الملك لا إضافة السكنى؛ كما يقال؛ حانوت الأمير، وإن كان لا يسكنها الأمير.
وإن حلف لا يدخل دار فلان، فدخل داراً بين فلان وبين آخر؛ فإن كان فلان فيها ساكناً
حنث، وإن لم يكن ساكناً لا يحنث؛ لأنه إذا كان ساكناً فيها كانت مضافة إليه بالسكنى، وإن
لم يملك شيئاً منها فإذا ملك نصفها أولى، وإذا لم يسكن فيها كانت الإضافة إضافة الملك،
والكل غير مضاف إليه، وفرق بين هذا وبين ما إذا حلف لا يزرع أرضاً لفلان، فزرع أرضاً بينه
وبين غيره، أنه يحنث؛ لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضاً، وبعض الدار لا يسمى داراً.
ولو حلف لا يدخل بيت فلان - ولا نية له ـ فدخل داره وفلان فيها ساكن - لا يحنث
حتى يدخل البيت؛ لأن البيت اسم لموضع يبات فيه عادة ولا يبات في صحن الدار عادة، فإن
نواه يصدق؛ لأنه شدد على نفسه.
وقال ابن رستم، قال محمد في رجل حلف: لا يدخل دار رجل بعينه؛ مثل دار
عمرو بن حريث، وغيرها من الدور المشهورة بأربابها، فدخل الرجل، وقد كان باعها
عمرو بن حريث أو غيره ممن تنسب - قبل اليمين إليه، ثم دخلها الحالف بعد ذلك - حنث؛
لأن الدور المشهورة إنما تضاف إلى أربابها على طريق النسبة لا على طريق الملك، وزوال
الملك لا يوجب بطلان اليمين، وإن كانت هذه اليمين على دار من هذه الدور التي ليست لها
(١) أخرجه النسائي (٣٥/٧) كتاب الأيمان والنذور: باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض.

٨٨
كِتَابُ الأَیْمَانِ
نسبة تعرف بها - لم يحنث في يمينه؛ لأنه يراد بهذه الإضافة الملك لا النسبة، فإذا زال الملك
زالت الإضافة .
وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف: لا يدخل هذه الحجرة، فكسرت الحجرة،
فدخلها بعدما كسرت ـ لا يحنث وليست الحجرة كالدار؛ لأن الحجرة اسم لما حجر بالبناء،
فكان كالبيت، فإذا انهدمت فقد زال الاسم.
وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف: لا يدخل دار فلان، فصعد السطح - يحنث؛
لأن سطح الدار منها، إلا أن يكون نوى صحن الدار - فلا يحنث فيما بينه وبين الله؛ لأنهم قد
یذکرون الدار ویریدون به الصحن دون غيره، فقد نوى ما يحتمله كلامه.
ولو حلف لا يدخل هذا المسجد فصعد فوقه ــ حنث؛ لأن سطح المسجد من المسجد؛
ألا ترى لو انتقل المعتكف إليه لا يبطل اعتكافه، فإن كان فوق المسجد مسكن لا يحنث؛ لأن
ذلك ليس بمسجد، ولو انتقل المعتكف إليه بطل اعتكافه ولو حلف لا يدخل هذه الدار إلا
مجتازاً .
قال ابن سماعة روي عن أبي يوسف أنه إن دخل وهو لا يريد الجلوس؛ فإنه لا يحنث؛
لأنه عقد يمينه على كل دخول، واستثنى دخولاً بصفة وهو ما يقصد به الاجتياز، وقد دخل
على الصفة المستثناة، فإن دخل يعود مريضاً، ومن رأيه الجلوس عنده حنث؛ لأنه دخل لا
على الصفة المستثناة، فإن دخل لا يريد الجلوس، ثم بدا له بعدما دخل فجلس لا يحنث؛ لأنه
لم يحنث حين دخوله؛ لوجوده على الوصف المستثنى، ولم يوجد الدخول بعد ذلك؛ إذ
المکث لیس بدخول فلا يحنث.
وذكر في الأصل إذا حلف لا يدخل هذه الدار إلا عابر سبيل، فدخلها ليقعد فيها، أو
ليعود مريضاً فيها أو ليطعم فيها، ولم يكن له نية حين حلف؛ فإنه يحنث، ولكن إن دخلها
مجتازاً، ثم بدا له فعقد فيها لم يحنث؛ لأن عابر السبيل هو المجتاز، فإذا دخلها لغير اجتياز
حنث، قال: إلا أن ينوي لا يدخلها يريد النزول فيها، فإن نوى ذلك فإنه يسعه، لأنه قد يقال:
دخلت عابر سبيل، بمعنى: أني لم أدم على الدخول ولم أستقر، فقد نوى ما يحتمله كلامه.
ولو حلف لا يطأ هذه الدار بقدمه، فدخلها راكباً - يحنث؛ لأنه قد يراد به الدخول في
العرف لا مباشرة قدمه الأرض؛ ألا ترى أنه لو كان في رجله حذاء نعل يحنث، فعلم أن المراد
منه الدخول.
وإن حلف لا يضع قدمه في هذه الدار، فدخلها راكباً - حنث؛ لأن وضع القدم في عرف
الاستعمال صار عبارة عن الدخول، فإن كان نوى ألا يضع قدمه ماشياً فهو على ما نوى؛ لأنه

٨٩
كِتَابُ الأَيْمَانِ
نوى حقيقة كلامه فيصدق، وكذلك إذا دخلها ماشياً، وعليه حذاء أو لا حذاء عليه لما قلنا.
وروى هشام عن محمد فيمن حلف: لا يدخل هذه الدار فدخل حانوتاً مشرعاً من هذه الدار
إلى الطريق وليس له باب في الدار؛ فإنه يحنث؛ لأنه من جملة ما أحاطت به الدائرة.
قال هشام: وسألت أبا يوسف إن دخل بستاناً في تلك الدار قال: لا يحنث، وهذا
محمول على بستان متصل بالدار، فإن كان في وسط الدار يحنث لإحاطة الدائرة به، هكذا
روي عن محمد .
وقال ابن سماعة في ((نوادره)) عن محمد في رجل حلف: لا يدخل دار فلان، فحفر
سرباً فبلغ داره، وحفر تحت دار فلان حتى جاوزها، فدخل الحالف ذلك السرب حتى مضى
فيه تحت دار فلان؛ فإنه لا يحنث إلا أن يكون من هذه القناة مكان مكشوف إلى الدار يستقي
منه أهل الدار، فدخل الحالف القناة، فبلغ ذلك المكشوف - فيحنث، وإن لم يبلغ لم يحنث،
وإن كان المكشوف شيئاً قليلاً لا ينتفع به أهل الدار، وإنما هو للضوء قمر الحالف بالقناة حتى
بلغ الموضع فليس بحانث لأن القناة تحت الدار إذا لم يكن منفذ لا تعد من الدار؛ لأن
المقصود من دخول داره، إما كرامة، وإما هتك حرمة، وذاك لا يوجد فيما لا منفذ له، وإذا
كان لها منفذ يستقى منه الماء، فإنه يعد من مرافق الدار بمنزلته بئر الماء، فإذا بلغ إليه كان
كمن دخل في بئر داره، وإذا كان لا ينتفع به إلا للضوء لا يكون من مرافق الدار، فلا يصير
بدخوله داخلاً في الدار، فلا يحنث.
ولو دخل فلان سرباً تحت داره، وجعله بيوتاً، وجعل له أبواباً إلى الطريق، فدخلها
رجل حلف: لا يدخل دار فلان - فهو حانت؛ لأن السرب تحت الدار من بيوت الدار، ولو
عمد فلان إلى بيت من داره أو بيتين، فسد أبوابهما من قبل داره، وجعل أبوابهما إلى دار
الحالف، فدخل الحالف هذين البيتين؛ فإنه لا يحنث؛ لأنه لما جعل أبوابهما إلى دار
الحالف، فقد صارت منسوبة إلى الدار الأخرى.
وقال ابن سماعة في السرب. إذا كان بابه إلى الدار، ومحتقره في دَارٍ أُخرى؛ أنه من
الدار التي مدخله إليها وبابه إليها لأنه بيت من بيوتها.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رَجُلٍ حلف لا يدخل بغداد، فانحدر من الموصل في
سفينة فمر بدجلة لا يحنث، فإن خرج فمضى، فمشى على الجسر - حنث، وإن قدم إلى الشط
ولم يخرج - لم يحنث، ولم يكن مقيماً إن كان أهله ببغداد، وإن خرج إلى الشط - حنث.
وقال ابن سماعة عن محمد: إذا انحدر في سفينة من الموصل إلى البصرة، فمر في شط
الدجلة - فهو حانت، فصارت المسألة مختلفة بينهما.

٩٠
كِتَابُ الأَيْمَانِ
وجه قول محمد أن الدجلة من البلد؛ بدليل أنه لو عقد عليها جسر كانت من البلد،
فكذا إذا حصل في هذا الموضع في سفينة .
ولأبي يوسف أن موضع الدجلة ليس موضع قرار، فلا يكون مقصوداً بعقد اليمين على
الدخول؛ فلا تنصرف اليمين إليه.
قال بشر عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار ولم تعطيني ثوب
كذا فأنت طالق، فدخلت الدار، ثم أعطته الثوب بعد ذلك؛ فإن الطلاق يقع عليها، وإن كانت
أعطته الثوب قبل أن تدخل - لم يقع عليها الطلاق؛ لأنه جعل شرط وقوع الطلاق دخولها الدار
لا على صفة الإعطاء، وهو ألا يكون الزوج معطى حال الدخول؛ لأن هذه الواو للحال بمنزلة
قوله: إن دخلت الدار وأنت راكبة؛ أنه يعتبر كونها راكبة حال الدخول، ولا يعتبر الركوب
بعده؛ كذا هذا.
وكذلك لو قال: إن خرجت ولم تأكلي، أو خرجت وليس عليك إزار، أو خرجت ولم
تتخمري لما قلنا.
ولو قال لها: إن لم تعطني هذا الثوب، ودخلت هذه الدار فأنت طالق - ولا نية له - فإن
الطلاق لا يقع عليها، حتى يجتمع الأمران جميعاً، وهو ألا تعطيه الثوب إلى أن يموت
أحدهما، أو يهلك الثوب ويدخل الدار، فإذا اجتمع هذان وقع الطلاق وإلا فلا؛ لأنه جعل
ترك العطية والدخول جميعاً شرطاً لوقوع الطلاق؛ لأن قوله: ودخلت الدار شرط معطوف على
ترك العطية، وليس بوصف له فيتعلق وقوع الطلاق بوجودهما، ثم لا يتحقق الترك إلا بموت
أحدهما، أو بهلاك الثوب، فإذا مات أحدهما أو هلك الثوب ودخلت الدار - فقد وجد
الشرطان؛ فيحنث.
ولو قال: والله لا تدخلين هذه الدار، ولا تعطيني هذا الثوب فأيهما فعلت - حنث؛ لأن
كلمة النفي دخلت على كل واحد منهما على الانفراد، فيقتضي انتفاء كل واحد منهما على
الانفراد؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومن
هذا الجنس ما روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال: والله لا أشتري بهذا الدرهم غير
لحم، فاشترى بنصفه لحماً وبنصفه خبزاً - يحنث استحساناً، ولا يحنث في القياس.
وجه القياس: أنه جعل شرط حنثه أن يشتري بجميع الدرهم غير اللحم، وما اشترى
بجمیعه بل ببعضه، فلم يوجد شرط الحنث؛ فلا يحنث.
وجه الاستحسان أن مبنى الأيمان على العادة، وعادة الناس أنهم يريدون بمثل هذا الكلام
أن يشتري الحالف بجميع الدرهم اللحم، ولم يشتر بجميعه اللحم فيحنث، فإن كان نوى ألا
يشتري به كله غير اللحم - لم يحنث ويدين في القضاء؛ لأنه نوى ظاهر كلامه فيصدق.

٩١
كِتَابُ الأَيْمَانِ
ولو قال: والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا لحماً فلا يحنث حتى يشتري بالدرهم کله غير
لحم، وهذا يؤيد وجه القياس في المسألة الأولى؛ لأن (إلا) و((غير))، كلاهما من ألفاظ
الاستثناء، وإنا نقول: قضية القياس هذا في المسألة الأولى؛ ألا يرى أنه لو نوى أن يشتري به
كله غير اللحم صدق في القضاء؛ لأنا تركنا هذا القياس هناك العرف والعادة، ولا عرف لههنا
يخالف القیاس؛ فعمدنا للقياس فيه .
ولو قال: والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا ثلاثة أرطال لحم، فاشترى ببعض الدرهم لحماً
أقل من ثلاثة أرطال وببقيته غير لحم - حنث؛ لأن قوله: والله لا أشتري بهذا الدرهم يقع على
كل شراء بهذا الدراهم، ثم استثنى من هذه الجملة شراء بصفة، وهو أن يشترى به ثلاثة أرطال
ولم يوجد، فلم يوجد المستثنى، فبقي ما شراه داخلاً في اليمين فيحنث به، ومن هذا القبيل ما
إذا قال الرجلين: والله لا تبيتان إلا في بيت، فبات أحدهما في بيت والآخر في بيت آخر -
حنث، لأنه جعل شرط حثه بيتوتتهما جميعاً في غير بيت واحد، وقد باتا في غير بيت واحد؛
لأنهما باتا في بيتين، فوجد شرط الحنث، فهو الفرق.
وذكر محمد في ((الجامع)) في رجل قال: إن كنت ضربت هذين الرجلين إلا في دار فلان
- فعبدي حر، وقد ضرب واحداً منهما في دار فلان وواحداً في غيرها؛ فإنه لا يحنث؛ لأنه
جعل شرط حنثه ضربهما في غير دار فلان ولم يوجد.
ولو قال: إن لم أكن ضربته هذين السوطين في دار فلان فعبدي حر، والمسألة بحالها
حنث؛ لأن شرط الحنث أن يجتمع الشرطان في دار فلان ولم يجتمعا، فيحنث ولو حلف: لا
يدخل على فلان، فدخل عليه بيته؛ فإن قصده بالدخول يحنث، وإن لم يقصده لا يحنث،
وكذلك إذا دخل عليه بيت غيره، وإنما اعتبر القصد ليكون داخلاً عليه؛ لأن الإنسان إنما
يحلف بألا يدخل على غيره استخفافاً به وتركاً لإكرامه عادة، وذا لا يكون إلا مع القصد.
وذكر الكرخي عن ابن سماعة في ((نوادره)) خلاف هذا فقال في رجل قال: والله لا أدخل
على فلان بيتاً، فدخل بيتاً على قوم وفيهم فلان، ولم يعلم به الحالف؛ فإنه حانث بدخوله،
فلم يعتبر القصد للدخول على فلان؛ لاستحالة القصد بدون العلم، ووجهه أنه جعل شرط
الحنث الدخول على فلان، والعلم بشرط الحنث ليس بشرط في الحنث؛ كمن حلف لا يكلم
زيداً فكلمه وهو لا يعرف أنه زيد وظاهر المذهب ما تقدم، ولو علم أنه فيهم فدخل، ينوي
الدخول على القوم لا عليه - لا يحنث فيما بينه وبين الله - عز وجل؛ لأنه إذا قصد غيره لم
يكن داخلاً عليه، ولا يصدق في القضاء؛ لأن الظاهر دخوله على الجماعة، وما في اعتقاده لا
يعرفه القاضي، فإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار - لم يحنث؛ لأن ذلك
يقع على الدخول المعتاد، وهو الذي يدخل الناس بعضهم على بعض، ولا يكون ذلك إلا في

٩٢
كِتَابُ الأَیْمَانِ
البيوت، فإن دخل عليه في فسطاط، أو خيمة، أو بيت شعر - لم يحنت إلا أن يكون الحالف
من أهل البادية؛ لأنهم يسمون ذلك بيتاً، والتعويل في هذا الباب على العرف والعادة.
وقال ابن سماعة عن محمد: إذا حلف لا يدخل على فلان هذه الدار، فدخل الدار
وفلان في بيت من الدار - لا يحنث؛ وإن كان في صحن الدار يحنث؛ لأنه لا يكون داخلاً
عليه إلا إذا شاهده.
ألا ترى أن السقا يدخل دار الأمير، ولا يقال: إنه دخل على الأمير، وفي الأول شاهده،
وفي الثاني لم يشاهده، وكذا لو حلف لا يدخل على فلان هذه القرية أنه لا يكون داخلاً عليه
إلا إذا دخل في بيته، وتخصيص القرية بمنع وقوع الحنث بالدخول في غيرها.
وقال ابن رستم عن محمد إذا قال: والله لا أدخل على فلان، ولم يذكر بيتاً ولا غيره،
فدخل عليه فسطاطاً أو داراً - حنث، وهذا محمول على أن من عادة فلان أن يدخل عليه في
الفساطيط، وإن دخل عليه في المسجد أو الكعبة أو الحمام - لا يحنت؛ لأن المقصود بهذه
اليمين الامتناع من الدخول في المواضع التي يكرم الناس بالدخول عليه فيها، وهذا لا يوجد
في الحمام والكعبة والمسجد.
قال محمد: ولو دخل على فلان بيته، وهو يريد رجلاً غيره، يزوره - لم يحنث؛ لأنه لم
يدخل على فلان لما لم يقصده، وإن لم يكن له نية حنث؛ لأنه يكون داخلاً على كل من في
الدار فيحنث؛ كمن لا يسلم على رجل، فسلم على جماعة وهو فيهم، ولا نية له.
قال بشر: سمعت أبا يوسف يقول فيمن قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار وخرجت
منها، فأنت طالق، فاحتملها إنسان وهي كارهة فأدخلها، ثم خرجت من قبل نفسها، ثم دخلتها
ولم تخرج - وقع الطلاق؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأنها للجمع المطلق، ولا عادة في
تقدم أحد الشرطين على الآخر، فيتعلق الطلاق بوجودهما من غير مراعاة الترتيب، وكذلك
القيام والقعود، والسكوت والكلام، والصوم والإفطار، ونحو ذلك لما قلنا.
ولو قال لها: إن حضت وطهرت فأنت طالق، فطهرت من هذا الحيض، ثم حاضت -
لم يقع الطلاق حتى تطهر، ولا يقع الطلاق في هذا الموضع حتى يتقدم الحيض الطهر.
وكذلك إذا قال لها: إذا حبلت وولدت وهي حبلى، وكذلك إذا قال: إذا زرعت
وحصدت لا بد من تقدم الزرع الحصاد، والحمل الولادة، والحيض الطهر؛ لأن أحد الأمرين
يتعقب الآخر عادة، فلزم مراعاة الترتيب بالعادة.
ولو قال لامرأته: إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر - ولا نية له، فطلقها واحدة بائنة ثم
تزوجها - عتق عبده؛ لأنها لا تحتمل التزوج للحال؛ لكونها زوجة له، وتحتمل الطلاق،

٩٣
كِتَابُ الأَیْمَانِ
فيراعى فيه معنى الجمع المطلق لا الترتيب، ومتى طلقها وتزوجها فقد جمع بينهما، فوجد
الشرط .
فضل في الحلف على الخروج
وأما الحلف على الخروج: فالخروج هو الانفصال من الحصن إلى العورة على مضادة
الدخول، فلا يكون المكث بعد الخروج خروجاً؛ كما لا يكون المكث بعد الدخول دخولاً؛
لانعدام خده وحقيقته، ثم الخروج كما يكون من البلدان والدور والمنازل والبيوت يكون من
الأخبية والفساطيط، والخيم والسفن لوجود حده؛ كالدخول والخروج من الدور المسكونة أن
يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله؛ كما إذا حلف لا يسكن، والخروج من البلدان والقرى أن
يخرج الحالف ببدنه خاصة.
وهذ يشهد لقول من قال من أصحابنا: إن من حلف لا يسكن في بلد، فخرج بنفسه دون
عياله - لا يحنث، والتعويل في هذا على العرف، فإن مَنْ خرج من الدار، وأهله ومتاعه فيها -
لا يعد خارجاً من الدار، ويقال: لم يخرج فلان من الدار إذا كان أهله ومتاعه فيها، ومن خرج
من البلد يعد خارجاً من الدار، وإن كان أهله ومتاعه فيها، ومن خرج من البلد يعد خارجاً من
الدار، وإن کان أهله ومتاعه فيه.
وقال هشام: سمعت أبا يوسف قال: إذا قال: والله لا أخرج وهو في بيت من الدار،
فخرج إلى صحن الدار - لم يحنث؛ لأن الدار والبيت في حكم بقعة واحدة، فالحلف على
الخروج المطلق يقتضي الخروج منهما جميعاً، فما لم يوجد لا يحنث، إلا أن تكون نيته ألا
يخرج من البيت، فإذا خرج إلى صحن الدار حنث؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وهو الانفصال
من داخل إلى خارج، وفيه تشديد على نفسه.
فإن قال: نويت الخروج إلى مكة، أو خروجاً من البلد؛ فإنه لا يصدق في القضاء ولا
فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى تخصيص المكان وهو ليس بمذكور، وغير المذكور لا
يحتمل نية التخصيص.
وكذلك قال محمد في ((الجامع)): لو قال: إن خرجت فعبدي حر، وقال: عنيت به
السفر إلى بغداد دون ما سواها - لم يدين في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله تعالى لما قلنا،
وقال هشام: سألت محمداً عن رجل حلف لا يخرج من الري إلى الكوفة، فخرج من الري
يريد مكة، وطريقه على الكوفة؟
قال محمد: إن كان حين خرج من الري نوى أن يمر بالكوفة - فهو حانث، وإن كان
حين خرج من الري نوى ألا يمر بها، ثم بدا له بعدما خرج وصار من الري إلى الموضع الذي

٩٤
كِتَابُ الأَیْمَانِ
تقصر فيه الصلاة أن يمر بالكوفة، فمر بها - لم يحنث؛ لأن النية تعتبر حين الخروج، وفي
الفصل الأول وجدت نية الخروج إلى الكوفة؛ لأنه لما نوى أن يخرج إلى مكة ويمر فقد نوى
الخروج إلى الكوفة وإلى غيرها؛ فيحنث. وفي الفصل الثاني لم توجد النية وقت الخروج؛ فلا
يحنث، وإن كان نيته ألا يخرج إلى الكوفة خاصة ليست إلى غيرها، ثم بدا له الحج فخرج،
ونوى أن يمر بالكوفة، قال محمد: هذا لا يحنث فيما بينه وبين الله - عز وجل - لأنه نوى
تخصيص ما في لفظه.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته: إن خرجت من هذه الدار إلا إلى
المسجد فأنت طالق، فخرجت تريد المسجد، ثم بدا لها فذهبت إلى غير المسجد - لم تطلق؛
لأنه جعل الخروج إلى المسجد مستثنى من اليمين، ولما خرجت تريد المسجد، فقد تحقق
الخروج إلى المسجد، فوجد الخروج المستثنى فبعد ذلك، وإن قصدت غير المسجد، لكن لا
يوجد الخروج، بل المكث في الخارج، وأنه ليس بخروج لعدم حده؛ فلا يحنث.
وقال عمر بن أسد: سألت محمداً عن رجل حلف ليخرجن من البلدة، ما الخروج؟
قال: إذا جعل البيوت خلف ظهره؛ لأن من حصل في هذه المواضع جاز له القصر، ولا يجوز
له القصر إلا بالخروج من البلد، فعلم أنه خرج من البلد، قال عمر: سألت محمداً عن رجل
قال لامرأته: إن خرجت في غير حق فأنت طالق، فخرجت في جنازة والدها أو أخ - لا تطلق،
وكذلك كل ذي رحم محرم، وكذلك خروجها إلى العرس، أو خروجها فيما يجب عليها؛ لأن
الحق المذكور في هذا الموضع لا يراد به الواجب عادة، وإنما يراد به المباح الذي لا مأثم
فيه .
ولو قال لها: إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق، فخرجت منها من الباب أي باب
كان، ومن أي موضع كان من فوق حائط أو سطح أو نقب - حنث؛ لوجود الشرط وهو
الخروج من الدار.
ولو قال: إن خرجت من باب هذه الدار، فخرجت من أي باب قال من الباب القديم أو
الحادث بعد اليمين - حنث؛ لوجود الشرط وهو الخروج من باب الدار، ولا يحنث بالخروج
من السطح أو فوق الحائط أو النقب؛ لعدم الشرط. ولو عين باباً في اليمين يتعين ولا يحنث
بالخروج من غيره؛ لأن التعيين مقيد في الجملة فيعتبر. ولو قال: إن خرجت من هذه الدار إلا
في أمر كذا، فهذا وقوله: إلا بإذني واحد، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
ولو قال: إن خرجت من هذه الدار مع فلان فأنت طالق، فخرجت وحدها أو مع فلان
آخر، ثم خرج فلان ولحقها - لم يحنث، لأن كلمة ((مع)) للقران فيقتضي مقارنتها في الخروج
ولم يوجد؛ لأن المكث بعد الخروج ليس بخروج لانعدام حده، ولو قال: إن خرجت من هذه
.

٩٥
كِتَابُ الأَيْمَانِ
الدار فأنت طالق، فصعدت الصحراء إلى بيت علو، أو كنيف شارع إلى الطريق الأعظم - لا
يحنث، لأن هذا في العرف لا يسمى خروجاً من الدار.
ولو حلف لا يخرج من هذه الدار، فخرج منها ماشياً أو راكباً أو، أخرجه رجل بأمره أو
بغير أمره، أو أخرج إحدى رجليه - فالجواب فيه كالجواب في الدخول وقد ذكرناه.
ولو حلف لا يخرج إلى مكة، فخرج من بلده يريد مكة - حنث؛ لأن خروجه من بيته هو
انفصال من داخل بلدة إلى خارجه على نية الحج وقد وجد، وقد ذكرنا تفسير خروجه من بلده
وهو أن يجعل بيوت بلده خلف ظهره، ولو قال: لا آتي مكة فخرج إليها لا يحنث ما لم
يدخلها؛ لأن إتيان الشيء هو الوصول إليه، ولو قال: لا يذهب إلى مكة فلا رواية فيه.
واختلف المشايخ: قال بعضهم: هو والخروج سواء، وقال بعضهم: هو والإتيان سواء،
ولو قال: أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو بأمري أو برضاي أو بعلمي، أو
قال: إن خرجت من هذه الدار بغير إذني أو أمري أو رضائي أو علمي - فهو على كل مرة
عندهم جميعاً، ولههنا ثلاث مسائل: (إحداها): هذه. (والثانية): أن يقول: أنت طالق إن
خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو آمر أو أرضى أو أعلم. (والثالثة): أن يقول: أنت طالق
إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أو آمر، أو أعلم أو أرضى.
أما المسألة الأولى: فالجواب ما ذكرنا أن ذلك يقع على الإذن في كل مرة، حتى لو أذن
لها مرة فخرجت ثم عادت، ثم خرجت بغير إذن ـ حنث.
وكذلك لو أذن لها مرة، فقبل أن يخرج نهاها عن الخروج، ثم خرجت بعد ذلك -
يحنث، وإنما كان كذلك؛ لأنه جعل كل خروج شرطاً لوقوع الطلاق، واستثنى خروجاً
موصوفاً بكونه ملتصقاً بالإذن؛ لأن الباء في قوله: إلا بإذني حرف إلصاق، هكذا قال أهل
اللغة، ولا بد من شيئين يلتصقان بآلة الإلصاق؛ كما في قولك: كتبت بالقلم، وضربت
بالسيف؛ التصق الضرب بالسيف والكتابة بالقلم، وليس لههنا شيء مظهر يلتصق به الإذن، فلا
بد من أن يضمر؛ كما في قوله: بسم الله؛ أنه يضمر فيه: أبتدىء.
وفي باب الحلف قوله: بالله لأفعلن كذا؛ أنه يضمر فيه أقسم؛ لتكون الباء ملصقة للاسم
بقوله: ابتدىء، واسم الله في باب الحلف بقوله: أقسم بالله، ولا بد لكل مضمر من دليل
عليه؛ إما حال وإما لفظ مذكور؛ لأن الوصول إلى ما خفي غير ممكن إلا بواسطة الحال، ولا
حال لههنا يدل على إضمار شيء فأضمرنا ما دل عليه اللفظ المذكور في صدر الكلام، وهو
قوله: إن خرجت، وليس ذلك إلا الخروج، فصار تقدير الكلام: إن خرج فلان من هذه الدار
خروجاً إلا خروجاً بإذني، والمصدر الأول في موضع النفي فيعم، فيصح استثناء الثاني منه،

٩٦
كِتَابُ الأَیْمَانِ
لأنه بعض المستثنى منه، وهو خروج موصوف بصفة الالتصاق بالإذن، فقد نفى كل خروج،
واستثنى خروجاً موصوفاً بكونه ملتصقاً بالإذن، فبقي كل خروج غير موصوف بهذه الصفة
تحت المستثنى منه، وهو الخروج العالم الذي هو شرط وقوع الطلاق، فإذا وجد خروج اتصل
به الإذن لم يكن شرطاً لوقوع الطلاق، وإذا وجد خروج غير متصل به الإذن - كان شرطاً
لوقوع الطلاق؛ كما إذا قال لها: أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بملحفة؛ أن كل
خروج يوصف بهذه الصفة وهو أن يكون بملحفة يكون مستثنى من اليمين فلا يحنث به، وكل
خروج لا يكون بهذه الصفة يبقى تحت عموم اسم الخروج، فيحنث به؛ كذا هذا.
فإن أراد بقوله: إلا بإذني مرة واحدة - يدين فيما بينه وبين الله تعالى، وفي الفضاء أيضاً
في قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروى أيضاً عنه أنه لا يدين في
القضاء؛ لأنه نوى خلاف الظاهر؛ لأن ظاهر هذا الكلام يقتضي تكرار الإذن في كل مرة لما
بینا .
وجه ظاهر الرواية أن تكرار الإذن ما ثبت بظاهر اللفظ، وإنما ثبت بإضمار الخروج، فإذا
نوى مرة واحدة فقد نوى ما يقتضيه ظاهر كلامه فيصدق، ثم في قوله: إلا بإذني لو أراد
الخروج لا يحنث، وتقدر المرأة على الخروج في كل وقت من غير حنث، فالحيلة فيه أن
يقول الزوج لها: أذنت لك أبداً، أو أذنت لك الدهر كله أو كلما شئت الخروج؛ فقد أذنت
لك.
وكذلك لو قال لها: أذنت لك عشرة أيام، فدخلت مراراً في العشرة - لا يحنث، فلو أنه
أذن لها إذناً عاماً، ثم نهاها عن الخروج - هل يعمل نهيه، قال محمد: يعمل نهيه ويبطل إذنه،
حتى أنها لو خرجت بعد ذلك بغير إذنه - يحنث، وقال أبو يوسف: لا يعمل فيه نهيه ورجوعه
عن الإذن .
وجه قول محمد: أنه لو أذن لها مرة ثم نهاها - صح نهيه، حتى لو خرجت بعد النهي
يحنث، فكذا إذا أذن لها في كل مرة وجب أن يعمل نهيه ويرتفع الإذن بالنهي.
وجه قول أبي يوسف: أن الإذن الموجود على طريق العموم في الخرجات كلها مما
يبطل الشرط؛ لأن شرط وقوع الطلاق الخروج الذي ليس بموصوف بكونه ملتصقاً بالإذن،
وهذا لا يتصور بعد الإذن العام؛ لأن كل خروج يوجد بعده لا يوجد إلا ملتصقاً بالإذن، فخرج
الشرط من أن يكون متصور الوجود، ولا بقاء لليمين بدون الشرط؛ كما لا بقاء لها بدون
الجزاء؛ لأنها تتركب من الشرط والجزاء، فلم يبق اليمين، فوجد النهي العام ولا يمين فلم
يعمل، بخلاف الإذن الخاص بمرة واحدة ثم النهي عنها؛ لأن هناك بالإذن بالخروج مرة لم
ترتفع اليمين فجاء النهي واليمين باقية؛ فصح النهي.

٩٧
كِتَابُ الأَيْمَانِ
وأما المسألة الثانية: فجوابها أن ذلك على الإذن مرة واحدة، حتى لو أذن لها مرة
فخرجت ثم عادت، ثم خرجت بغير إذن - لا يحنث، وكذا إذا أذن لها مرة ثم نهاها قبل أن
تخرج، ثم خرجت بعد ذلك - لأن كلمة (حتى) كلمة غاية وهي بمعنى إلى، وكلمة (إلى) كلمة
انتهاء الغاية؛ فكذا كلمة (حتى).
ألا ترى أنه لا فرق بين قوله: حتى آذن، وبين قوله: إلى أن آذن، ومعنى قوله: حتى أن
آذن، وكلمة (أن) مضمرة؛ لأن (حتى)، لما كانت من عوامل الأسماء، وما كان من عوامل
الأسماء لا يدخل الأفعال البتة، فلم يكن بد من إضمار (أن)؛ لتصير هي بالفعل الذي هو
صلتها بمنزلة المصدر، تقول: أحب أن تقوم، أي: أحب قيامك، فيكون قوله: حتى آذن،
أي: حتى إذني، وهو قوله: إلى إذني؛ ولهذا أدخلوا كلمة (أن) بعد إلى، فقالوا: إلى أن آذن،
إلا أن هناك اعتادوا الإظهار مع إلى، وهُهنا مع ((حتى)) اعتادوا الإضمار، وإذا كان كذلك صار
وجود الإذن منه غاية لحظر الخروج، والمضروب له الغاية ينتهي عند وجود الغاية، فينتهي
حظر الخروج، ومنعه باليمين عند وجود الإذن مرة واحدة، بخلاف الأول، فإن أراد بقوله:
حتى آذن في كل مرة فهو على ما نوى في قولهم جميعاً، ويجعل حتى مجازاً عن (إلى)؛
لوجود معنى الانتهاء في الاستثناء على ما بينا، وفيه تشديد على نفسه فيصدق.
وأما المسألة الثالثة: فلا يجوز فيها، فالجواب في قوله: (حتى آذن) في قول العامة،
وقال الفراء: الجواب فيها كالجواب في قوله: إلا بإذني.
وجه قوله أن كلمة: (إلا) استثناء، فلا بد من تقديم المستثنى منه عليها وتأخير المستثنى
عنها وأن مع الفعل المستقبل بمنزلة المصدر على ما مر، فصار تقدير الكلام: إن خرجت من
الدار إلا خروجاً بإذني، وهذا ليس بكلام مستقيم، فلا بد من إدراج حتى يصح الكلام فندرج
الباء، وبجعل معناه إلا خروجاً بإذني، وإسقاط الباء في اللفظ مع ثبوتها في التقدير جائز في
اللغة، كما روي عن رؤبة بن العجاج أنه قيل له كيف أصبحت فقال: خير عافاك الله، أي:
بخير، وكذا يحذفون الباء في القسم، فيقولون: الله مكان قولهم: بالله، وإنما اختلفوا في
الخفض والنصب، وإذا كان هذا جائزاً أدرجت لضرورة تصحيح الكلام.
والدليل عليه قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾
[الأحزاب: ٥٣] أي: إلا بإذن لكم حتى كان محتاجاً إلى الإذن في كل مرة، فكذا فيما نحن فيه.
ولنا: أن هذا الكلام لما لم يكن بنفسه صحيحاً لما قاله الفراء، ولا بد من القول
بتصحيحه، ولكن تصحيحه على التقدير الذي قاله الفراء، وأمكن تصحيحه أيضاً بجعله ((إلا))
بمعنى ((حتى))، و((إلى))؛ لأن كلمة ((إلا)) كلمة استثناء، وما وراء كلمة الاستثناء وهو المستثنى
منه ينتهي عند كلمة الاستثناء، وعند وجود المستثنى، فصارت كلمة الاستثناء على هذا التقدير
للغاية، فأقيم مقام الغاية، فصار كأنه قال: إن خرجت من هذه الدار إلى إذني أو حتى إذني،
بدائع الصنائع ج٤ - م٧

٩٨
كِتَابُ الأَيْمَانِ
وهذا أولى مما قاله الفراء؛ لأن تصحيح الكلام بجعل كلمة قائمة مقام أُخرى أولى من
التصحيح بطريق الإضمار؛ لأن جعل الكلمة قائمة مقام أخرى؛ وإن كان فيه ضرب تغيير، لكن
التغيير تصرف في الوصف، والإضمار إثبات أصل الكلام، والتصرف في الوصف بالتغيير
والتبديل أولى من إثبات الأصل بلا شك، فكان هذا أولى، على أن فيما قاله إضمار شيئين:
أحدهما الباء، والآخر الجالب للباء. وهو قوله إلا خروجاً، وليس فيما ذهبنا إليه إدراج شيء،
بل إقامة ما فيه معنى الغاية مقام الغاية، ولا شك أن هذا أدون، فكان التصحيح به أولى؛ ولهذا
كان معنى قوله تعالى: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾
[التوبة: ١١٠]، أي: إلى أن تقطع قلوبهم، والله - عز وجل - أعلم، أي إلى وقت تقطع قلوبهم
وهو حالة الموت، وفي قوله - عز وجل: ﴿إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إنما احتيج إلى
الإذن في كل مرة لا بمقتضى اللفظ، بل بدليل آخر وهو أن دخول دار الغير بغير إذنه حرام؛
ألا يرى أنه قال - عز وجل - في آخر قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]،
ومعنى الأذى موجود في كل ساعة، فشرط الإذن في كل مرة، والله - عز وجل - أعلم.
فإن قال: إلا بإذن فلان، فمات المحلوف على إذنه - بطلت اليمين عند أبي حنيفة
ومحمد، وعند أبي يوسف هي على حالها، وهذا فرع اختلافهم فيمن حلف ليشربن الماء الذي
في هذا الكوز، وليس في الكوز ماء؛ أنه لا تنعقد اليمين في قول أبي حنيفة ومحمد.
وعند أبي يوسف: تنعقد؛ بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم أن تصور وجود المحلوف
عليه حقيقة في المستقبل - شرط انعقاد اليمين، وبقاؤه متصور الوجود حقيقة - شرط بقاء اليمين
عندهما، وعنده: ليس بشرط، فإن أذن لها بالخروج من حيث لا تسمع، فخرجت بغير الإذن
يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يحنث عند أبي يوسف.
وجه قوله إن الإذن يتعلق بالإذن؛ لأنه كلامه وقد وجد، فأما السماع فإنما يتعلق
بالمأذون، فلا يعتبر لوجود الإذن؛ كما لو وقع الإذن بحيث يجوز أن تسمع وهي نائمة؛ لأنه
كلامه، ولأن شرط الحنث خروج غير مأذون فيه مطلقاً، وهذا مأذون فيه من وجه؛ لوجود
كلام الإذن، فلم يوجد شرط الحنث؛ ولأن المقصود من الاذن ألا تخرج وهو كاره، وقد
زالت الكراهة بقوله: أذنت وإن لم تسمع، ولهما. أن الإذن إعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ
مِنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]. أي: إعلام.
وقوله: أذنت لك بحيث لا تسمع لا يكون إعلاماً، فلا يكون إذناً، فلم يوجد خروج
مأذون فيه، فلم يوجد الخروج المستثنى؛ فيحنث؛ ولأن هذه اليمين اشتملت على الحظر
والإطلاق، فإن قوله: إن خرجت من هذه الدار يجري مجرى الحظر والمنع، وقوله: إلا بإذني
يجري مجرى الإطلاق، وحكم الحظر والإطلاق من الشارع والشرائع لا تثبت بدون البلوغ؛
كذا من الحالف.

٩٩
كِتَابُ الأَیْمَانِ
ألا ترى أنه قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]؛ أنه نزل في قوم شربوا الخمر بعد
نزول تحريم الخمر قبل علمهم به.
وذكر محمد في ((الزيادات)): أن الوكيل لا يصير وكيلاً قبل علمه بالوكالة حتى يقف
تصرفه على إجازة الموكل، والتوكيل إذن وإطلاق، ولهما أن الإذن إعلام قال الله تعالى:
﴿وَأَذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ﴾، أي: إعلام، وقوله: أذنت لك بحيث لا تسمع لا يكون إعلاماً،
فلا يكون إذناً؛ فلم يوجد خروج مأذون فيه، فلم يوجد الخروج المستثنى؛ فيحنث؛ ولأن
الخروج مذكور في محل النفي، فيعم كل خروج إلا الخروج المستثنى، وهو الخروج المأذون
فيه مطلقاً، وهو أن يكون مأذوناً فيه من كل وجه ولم يوجد، فلم يكن هذا خروجاً مستثنى،
فبقي داخلاً تحت عموم الخروج فيحنث، بخلاف ما إذا ما كانت نائمة فأذن لها بحيث يجوز
أن تسمع؛ لأن مثل هذا يعد سماعاً عرفاً وعادة؛ كما إذا أذن لها وهي تسمع إلا أنها غافلة.
مسألتنا مفروضة فيما إذا أذن لها من حيث لا تسمع عادة، ومثل هذا لا يعد سماعاً في العرف
فهو الفرق بين الفصلين .
وقيل: إن النائم يسمع؛ لأن ذلك بوصول الصوت إلى صماخ أذنه، والنوم لا يمنع منه،
وإنما يمنع من فهم المسموع، فصار كما لو كلمه وهو يقظان لكنه غافل.
وحكى ابن شجاع؛ أنه لا خلاف في هذه المسألة أنه لا يحنث؛ لأنه قد عقد على نفسه
بالإذن وقد أذن. قال: وإنما الخلاف بينهم في الأمر. وروى نصر بن يحيى عن أبي مطيع عن
أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، إلا أن أبا سليمان حكى الخلاف في الإذن، والله - عز وجل -
أعلم.
وقال ابن سماعة عن محمد: لو أن رجلاً قال لعبده: إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني
فأنت حر، ثم قال له: أطع فلاناً في جميع ما يأمرك به، فأمره فلان بالخروج، فخرج -
فالمولى حانث؛ لوجود شرط الحنث، وهو الخروج بغير إذن المولى؛ لأن المولى لم يأذن له
بالخروج وإنما أمره بطاعة فلان.
وكذلك لو قال المولى لرجل: إئذن له في الخروج، فأذن له الرجل فخرج؛ لأنه لم يأذن
له بالخروج، وإنما أمر فلاناً بالإذن، وكذلك لو قال له: قل: يا فلان مولاك قد أذن لك في
الخروج، فقال له فخرج - فإن المولى حانث؛ لأنه لم يأذن له، وإنما أمر فلاناً بالإذن .
ولو قال المولى لعبده بعد يمينه: ما أمرك به فلان فقد أمرتك به، فأمره الرجل
بالخروج، فخرج - فالمولى حانث؛ لأن مقصود المولى من هذا أنه لا يخرج إلا برضاه، فإذا

١٠٠
كِتَابُ الأَیْمَانِ
قال: ما أمرك به فلان فقد أمرتك به، فهو لا يعلم أن فلاناً يأمره بالخروج، والرضا بالشيء
بدون العلم به لا يتصور، فلم يعلم كون هذا الخروج مرضياً به، فلم يعلم كونه مستثنى؛ فبقي
تحت المستثنى منه.
ولو قال المولى للرجل: قد أذنت له في الخروج، فأخبر الرجل به العبد - لم يحنث
المولى؛ لأن الإذن من المولى قد وجد، إلا أنه لم يبلغ العبد فإذا أخبره به فقد بلغه، فلا
يحنث .
ولو قال لامرأته: إن خرجت إلا بإذني، ثم قال لها: إن بعت خادمك فقد أذنت لك ـ لم
يكن منه هذا إذناً؛ لأنه مخاطرة يجوز أن تبيع، ويجوز ألا تبيع فلا يعد ذلك رضا.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال لها: إن خرجت إلا بأمري، فالأمر على أن
يأمرها ويسمعها، أو يرسل بذلك رسوله إليها، فإن أشهد قوماً أنه قد أمرها ثم خرجت - فهو
حانث، فقد فرق أبو يوسف بين الأمر وبين الإذن حيث لم يشترط في الإذن إسماعها وإرسال
الرسول به، وشرط ذلك في الأمر.
ووجه الفرق له أن حكم الأمر لا يتوجه على المأمور بدون العلم به؛ كما في أمر
الشرع، والمقصود من الإذن هو الرضا، وهو ألا تخرج مع كراهته، وهذا يحصل بنفس الإذن
بدون العلم به .
قال محمد: ولو غضبت وتهيأت للخروج فقال: دعوها تخرج ولا نية له - فلا يكون هذا
إذناً، إلا أن ينوي الإذن؛ لأن قوله: دعوها ليس بإذن نصاً، بل هو أمر بترك التعرض لها،
وذلك بألا تمنع من الخروج، أو بتخلية سبيلها؛ فلا يحصل إذناً بدون النية.
ولو قال لها في غضبه: اخرجي ولا نية له كان على الإذن؛ لأنه نص على الأمر إلا أن
ينوي به اخرجي حتى تطلقي، فيكون تهديداً، والأمر يحتمل التهديد؛ كما في أمر الشرع، قال
الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ [فصلت: ٤٠]، فإذا نوى التهديد وفيه تشدید علیه - صحت نيته.
ولو قال: عبده حر إن دخل هذه الدار، إلا أن نسي فدخلها ناسياً، ثم دخل بعد ذلك
ذاكراً - لم يحنث، وهذا على ما ذكرنا من قول العامة في قوله: أنت طالق إن خرجت من هذه
الدار، إلا أن آذن لك أن قوله: إلا أن لانتهاء الغاية بمنزلة قوله: حتى، فلما دخلها ناسياً فقد
انتهت اليمين، فلا يتصور الحنث بدخول هذه الدار بهذه اليمين بحال.
ولو قال: إن دخل هذه الدار إلا ناسياً، فدخلها ناسياً ثم دخلها ذاكراً - حنث؛ لأنه عقد
يمينه على كل دخول، وحظر على نفسه ومنعها منه، واستثنى منه دخولاً بصفة، وهو أنه يكون
عن نسيان، فبقي ما سواه داخلاً تحت اليمين؛ فیحنث به.