Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١
كِتَابُ النّكَاحِ
وجناية المضمون في يد الضامن كجناية الضامن؛ كالعبد المغصوب إذا جنى على نفسه في يد
الغاصب، وإن كان النقصان بفعل المرأة، فقد صارت قابضة بالجناية، فجعل كأن النقصان
حصل في يدها؛ كالمشتري إذا جنى على المبيع في يد البائع؛ أنه يصير قابضاً له؛ كذا هُهنا.
هذا إذا كان النقصان فاحشاً، فأما إذا كان يسيراً فلا خيار لها؛ كما إذا كان هذا العيب به
يوم العقد، ثم إن كان هذا النقصان بآفة سماوية، أو بفعل المرأة، أو بفعل المهر - فلا شيء
لها، وإن كان بفعل الأجنبي تتبعه بنصف النقصان، وكذا إن كان بفعل الزوج، هذا إذا حدث
النقصان في يد الزوج.
فأما إذا حدث في يد المرأة فهذا أيضاً لا يخلو من الأقسام التي وصفناها، فإن حدث
بفعل أجنبي وهو فاحش قبل الطلاق - فالأرش لها، فإن طلقها الزوج فله نصف القيمة يوم
قبضت، ولا سبيل له على العين؛ لأن الأرش بمنزلة الولد، فيمنع التنصيف كالولد، وإن كانت
جناية الأجنبي عليه بعد الطلاق فللزوجة(١) نصف العبد، وهو بالخيار في الأرش؛ إن شاء أخذ
نصفه من المرأة، واعتبرت القيمة يوم القبض، وإن شاء اتبع الجاني وأخذ منه نصفه؛ لأن حق
الفسخ وعود النصف إليه استقر بالطلاق، وتوقف على قضاء القاضي أو التراضي، فصار في
يدها كالمقبوض ببيع فاسد؛ فصار مضموناً عليها.
وكذلك إن حدث بفعل الزوج فجنايته كجناية الأجنبي؛ لأنه جنى على ملك غيره ولا يد
له فيه، فصار كالأجنبي، والحكم في الأجنبي ما وصفنا.
وإن حدث بآفة سماوية قبل الطلاق - فالزوج بالخيار؛ إن شاء أخذ نصفه ناقصاً ولا شىء
له غير ذلك، وإن شاء أخذ نصف القيمة يوم القبض؛ لأن حقه معها عند الفسخ كحقه معها
عند العقد.
ولو حدث نقصان في يده بآفة سماوية - كان لها الخيار بين أن تأخذه ناقصاً أو قيمته،
فكذا حق الزوج معها عند الفسخ، وإن كان ذلك بعد الطلاق - فللزوج أن يأخذ نصفه ونصف
الأرش؛ لما ذكرنا أنه بعد الطلاق يبقى في يدها كالمقبوض بحكم بيع فاسد؛ لأن الملك لها،
وحق الغير في الفسخ مستقر، فصار بمنزلة المقبوض ببيع فاسد، وإن شاء أخذ قيمته يوم
قبضت، وكذلك إن حدث بفعل المرأة - فالزوج بالخيار إن شاء أخذ نصفه ولا شيء له من
الأرش، وإن شاء أخذ نصف قيمته عند(٢) أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: للزوج أن يضمنها
الأرش.
(٢) في ط: نصف قيمة عبداً عند ... الخ.
(١) في أ: فللزوج.
٥٤٢
كِتَابُ النّكَاحِ
وجه قوله: إن المهر مضمون عليها بالقبض، والأوصاف وهي الأتباع، فتضمن بالقبض
ولا تضمن بالعقد، وكذلك يقول زفر في النقصان الحادث بغير فعلها [لهذا المعنى] (١).
ولنا: أن المرأة جنت على ملك نفسها، وجناية الإنسان على ملك نفسه غير مضمونة
عليه، بخلاف ما إذا حدث بفعل الزوج على الرواية المشهورة؛ لأن الزوج جنى على ملك
غيره، وجناية الإنسان على ملك غيره مضمونة عليه، وقد خرج الجواب عما قال زفر: لأن
قبضها صادف ملك نفسها، وقبض الإنسان ملك نفسه لا يوجب الضمان عليه، وإن كان ذلك
بعد الطلاق - فعليها نصف الأرش؛ لما ذكرنا أن حق الفسخ قد استقر.
وكذلك إن حدث بفعل المهر ـ فالزوج بالخيار على الروايتين جميعاً؛ إن شاء أخذ نصفه
ناقصاً، وإن شاء أخذ نصف القيمة؛ لأنا إن جعلنا جناية المهر كالآفة السماوية - لم تكن
مضمونة، وإن جعلناها كجناية المرأة لم تكن مضمونة أيضاً؛ فلم تكن مضمونة أيضاً على
الروايتين.
١٣٩
هذا إذا كان النقصان فاحشاً، فأما إن كان غير فاحش؛ فإن كان/ بفعل الأجنبي أو بفعل
الزوج لا يتنصّف؛ لأن الأرش يمنع التنصيف، وإن كان بآفة سماوية أو بفعلها، أو بفعل المهر
- أخذ النصف، ولا خيار له، [والله تعالى الموفق].
وأما النوع الثاني: وهو ما يسقط به نصف المهر معنى، والكل صورة - فهو كل طلاق
تجب فيه المتعة، فيقع الكلام في مواضع: في بيان الطلاق الذي تجب فيه المتعة، والذي
تستحب فيه، وفي تفسير المتعة، وفي بيان من تعتبر المتعة بحاله.
أما الأول: فالطلاق الذي تجب فيه المتعة نوعان :
أحدهما: أن يكون قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه، ولا فرض بعده، أو كانت
التسمية فيه فاسدة، وهذا قول عامة العلماء.
وقال مالك: لا تجب المتعة، ولكن تستحب، فمالك لا يرى وجوب المتعة أصلاً،
واحتج بأن الله سبحانه وتعالى قيد(٢) المتعة بالمتقي والمحسن بقوله: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٦]، ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، والواجب لا يختلف فيه المحسن والمتقي
وغيرهما؛ فدل أنها ليست بواجبة.
ولنا قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ
فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ومطلق الأمر لوجوب العمل، والمراد من قوله - عز وجل:
(١) في أ: لما ذكرنا.
(٢) في أ: خص.
٥٤٣
كِتَابُ النكاح
﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: ولم تفرضوا؛ ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولو
كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن، وقد فرضوا لهن أو لم يفرضوا - لما عطف عليه المفروض،
وقد تكون «أو» بمعنى الواو.
قال الله - عز وجل: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آئِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤]، أي: ولا كفوراً،
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِع قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، و((على)) كلمة إيجاب،
وقوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وليس في ألفاظ الإيجاب كلمة أوكد من
قولنا حق عليه؛ لأن الحقية تقتضي الثبوت، و((على)) كلمة إلزام وإثبات، فالجمع بينهما
[يقتضي التأكيد](١)، وما ذكره مالك كما يلزمنا يلزمه؛ لأن المندوب إليه أيضاً لا يختلف فيه
المتقي والمحسن وغيرهما، ثم نقول: الإيجاب على المحسن والمتقي لا ينفي الإيجاب على
غيرهما؛ ألا ترى أنه - سبحانه وتعالى - أخبر أن القرآن هدى للمتقين ثم لم ينف أن يكون هدى
للناس كلهم؛ كذا هذا.
والدليل على أن المتعة لههنا واجبة؛ أنها بدل الواجب، وهو نصف مهر المثل، وبدل
الواجب واجب؛ لأنه يقوم مقام الواجب ويحكي حكايته؛ ألا ترى أن التيمم لما كان بدلاً عن
الوضوء، والوضوء واجب - كان التيمم واجباً، والدليل على أن المتعة تجب بدلاً عن نصف
المهر؛ أن بدل الشيء ما يجب بسبب الأصل عند عدمه؛ كالتيمم مع الوضوء، وغير ذلك،
والمتعة [تجب](٢) بالسبب الذي وجب(٣) به مهر المثل، وهو النكاح لا الطلاق؛ لأن الطلاق
مسقط للحقوق لا موجب لها، لكن عند الطلاق يسقط نصف مهر المثل، فتجب المتعة بدلاً
عن نصفه، وهذا طريق محمد، فإن الرهن بمهر المثل يكون رهناً بالمتعة عنده، حتى إذا هلك
تهلك المتعة .
وأما أبو يوسف؛ فإنه لا يجعله رهناً بها، حتى إذا هلك الرهن يهلك بغير شيء، والمتعة
باقية عليه؛ فلا يكون وجوبها بطريق البدل عنده، بل يوجبها ابتداء بظواهر النصوص التي
ذكرنا، أو يوجبها بدلاً عن البضع بالاستدلال بنصف المسمى في نكاح فيه تسمية.
والثاني: أن يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر، وإنما فرض بعده، وهذا
قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وهو قول أبي يوسف الأخير، وكان يقول: أو لا يجب
نصف المفروض؛ كما إذا كان المهر مفروضاً في العقد، وهو قول مالك والشافعي.
(١) في أ: يكون تأكيداً.
(٣) في ط: يجب.
(٢) سقط في ط.
٥٤٤
كِتَابُ النكاح
واحتجوا بقوله - عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ
فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أوجب تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول
مطلقاً، من غير فصل بين ما إذا كان الفرض في العقد أو بعده؛ ولأن الفرض بعد العقد
كالفرض في العقد، ثم المفروض في العقد يتنصف؛ فكذا المفروض بعده.
ولهما قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَمَسُوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتْعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، أوجب المتعة في
المطلقات قبل الدخول عاماً، ثم خصت منه المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية عند
وجوده، على أصل العموم، وقوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ الْنِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ
تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: ولم تفرضوا لهن فريضة لما ذكرنا فيما تقدم،
وهو منصرف إلى الفرض في العقد؛ لأن الخطاب ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف هو
الفرض في العقد لا متأخراً عنه، وبه تبين أن الفرض المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]/ منصرف إلى المفروض
في العقد؛ لأنه هو المتعارف، وبه نقول: إن المفروض في العقد يتنصف بالطلاق قبل
الدخول؛ ولأن مهر المثل قد وجب بنفس العقد؛ لما ذكرنا فيما تقدم، فكان الفرض بعده
تقديراً لما وجب بالعقد وهو مهر المثل، ومهر المثل يسقط بالطلاق قبل الدخول، وتجب
المتعة؛ فكذا ما هو بيان وتقدير له؛ إذا هو تقدير لذلك الواجب.
٣٩ب
وكذا الفرقة بالإيلاء، واللعان، والجب، والعنة؛ فكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل
الدخول في نكاح لا تسمية فيه - فتوجب المتعة؛ لأنها توجب نصف المسمى في نكاح فيه
تسمية، والمتعة عوض عنه؛ كردة الزوج وإباية الإسلام، وكل فرقة جاءت من قبل المرأة فلا
متعة لها؛ لأنه لا يجب بها المهر أصلاً؛ فلا تجب بها المتعة، والمخيرة إذا اختارت نفسها قبل
الدخول في نكاح لا تسمية فيه - فلها المتعة؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج؛ لأن البينونة
مضافة إلى الإباية السابقة، وهي فعل الزوج.
وأما الذي تستحب فيه المتعة فهو الطلاق بعد الدخول، والطلاق قبل الدخول في نكاح
فيه تسمية، وهذا عندنا.
وقال الشافعي: المتعة في الطلاق بعد الدخول واجبة، واحتج بقوله تعالى:
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، جعل - سبحانه وتعالى -
للمطلقات متاعاً بلام الملك عاماً؛ إلا أنه خصصت(١) منه المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه
(١) في أ: خص.
٥٤٥
كِتَابُ التّكَاحِ
تسمية، فبقيت المطلقة قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه، والمطلقة بعد الدخول على ظاهر
العموم، ولنا ما ذكرنا أن المتعة وجبت بالنكاح بدلاً عن البضع، إما بدلاً عن نصف المهر أو
ابتداء، فإذا استحقت المسمى أو مهر المثل بعد الدخول فلو وجبت المتعة - لأدى إلى أن يكون
لملك واحد بدلان، وإلى الجمع بين البدل والأصل في حالة واحدة، وهذا ممتنع؛ ولأن
المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية - لا تجب لها المتعة بالإجماع، فالمطلقة بعد الدخول
أولى؛ لأن الأولى تستحق بعض المهر، والثانية تستحق الكل. فاستحقاق بعض المهر لما منع
عن (١) استحقاق المتعة؛ فاستحقاق الكل أولى.
وأما الآية الكريمة: فيحمل ذكر المتاع فيها على الندب والاستحباب، ونحن به نقول:
إنه يندب الزوج إلى ذلك؛ كما يندب إلى أداء المهر على الكمال في غير المدخول بها، أو
يحمل على النفقة والكسوة في حال قيام العدة؛ ولأن كل ذلك متاع؛ إذ المتاع اسم لما ينتفع
به؛ عملاً بالدلائل كلها بقدر الإمكان، [وكل فرقة جاءت من قبل الزوج بعد الدخول تستحب
فيها المتعة، إلا أن يرتد أو يأبى الإسلام؛ لأن الاستحباب طلب الفضيلة، والكافر ليس من
أهل الفضيلة](٢).
وأما تفسير المتعة الواجبة: فقد قال أصحابنا: إنها ثلاثة أثواب: درع، وخمار،
وملحفة، وهكذا روي عن الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي.
وعن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: أرفع المتعة الخادم، ثم دون
ذلك الكسوة، ثم دون ذلك النفقة. وقال الشافعي: ثلاثونٍ درهماً، له(٣) ما روي عن أبي
مجلز؛ أنه قال قلت لابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أَخْبِرْني عَنِ الْمُتْعَةِ وَأَخْبِرْنِي عَنْ
قَدْرِهَا؛ فَإِنِّي مُوسَرٌ، فقال: اكْسُ كَذَا اكْسُ كذا اكْسُ كَذَا، قال: فَحَسَبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ قَدْرَ
ثَلاَئِينَ دِرْهَمَّ؛ فدل أنها مقدرة بثلاثين درهماً.
ولنا قوله تعالى في آية المتعة: ﴿مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]،
والمتاع اسم للعروض في العرف؛ ولأن الإيجاب الأثواب نظيراً في أصول الشرع، وهو الكسوة
التي تجب لها حال قيام النكاح والعدة، وأدنى ما تكتسى به المرأة وتستتر به عند الخروج ثلاثة
أثواب، ولا نظير لإيجاب الثلاثين، فكان إيجاب ما له نظير أولى، وقول عبد الله بن عمر -
رضي الله تعالى عنهما ..
دليلنا؛ لأنه أمره بالكسوة لا بدراهم مقدرة، إلا أنه اتفق أن قيمة الكسوة بلغت ثلاثين
(١) في أ: من.
(٣) في أ: للشافعي.
(٢) سقط في أ.
بدائع الصنائع ج٣ - ٣٥٣
٥٤٦
كِتَابُ النّكَاحِ
درهماً، وهذا لا يدل على أن التقدير فيها بالثلاثين. ولو أعطاها قيمة الأثواب دراهم أو دنانير -
تجبر على القبول؛ لأن الأثواب ما وجبت لعينها، بل من حيث إنها مال كالشاة في خمس من
الإبل في باب الزكاة.
وأما بيان من تعتبر المتعة بحاله: فقد اختلف العلماء فيه، قال بعضهم: قدر المتعة يعتبر
بحال الرجل في يساره وإعساره؛ وهو قول أبي يوسف، وقال بعضهم: تعتبر بحال المرأة في
يسارها وإعسارها، وقال بعضهم: تعتبر بحالهما جميعاً، وقال بعضهم: المتعة الواجبة تعتبر
بحالها، والمستحبة تعتبر بحاله.
وجه قول من اعتبر حال الرجل قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ
قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، جعل المتعة على قدر حال الرجل في يساره وإعساره.
وجه قول من قال باعتبار حالها؛ أن المتعة بدل بضعها فيعتبر حالها، وهذا أيضاً وجه من
يقول: المتعة الواجبة تعتبر بحالها.
وقوله: المتعة المستحبة تعتبر بحاله ـ لا معنى له؛ لأن التقدير في الواجب لا في
المستحب. وجه [قول](١) من اعتبر حالهما: أن الله تعالى اعتبر في المتعة شيئين :
أحدهما: حال الرجل في يساره وإعساره بقوله - عز وجل: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى
الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
والثاني: أن يكون مع ذلك بالمعروف بقوله: ﴿مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فلو
اعتبرنا فيها حال الرجل دون حالها عسى ألا يكون بالمعروف؛ لأنه يقتضي أنه لو تزوج رجل
امرأتين: إحداهما شريفة، والأخرى مولاة دنيئة، ثم طلقهما قبل الدخول بهما، ولم يسم لهما
- أن يستويا في المتعة باعتبار حال الرجل، وهذا منكر في عادات الناس/ لا معروف، فيكون
خلاف النص.
ثم المتعة الواجبة لا تزاد على نصف مهر المثل، بل هو نهاية المتعة لا مزيد عليه؛ لأن
الحق عند التسمية آكد وأثبت منه عند عدم التسمية؛ لأن الله تعالى أوجب المتعة على قدر
احتمال ملك الزوج بقوله - عز وجل: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]،
فأوجب نصف المسمى مطلقاً احتمله وسع الزوج وَملكه أولاً، وكذا في وجوب كمال مهر
المثل وسقوطه، ووجوب المتعة في نكاح لا تسمية فيه، وعدم أحد الزوجين اختلاف بين
العلماء، ولا خلاف في وجوب كمال المسمى من ذلك في نكاح فيه تسمية، دل أن الحق أوكد
(١) سقط في ط.
٥٤٧
كِتَابُ النَّاحِ
وأثبت عند التسمية، ثم لا يزاد هناك على نصف مسمى؛ فلأن لا يزاد لههنا على نصف مهر
المثل أولى؛ ولأن المتعة بدل عن نصف مهر المثل، ولا يزاد البدل على الأصل، ولا ينقص
من خمسة دراهم؛ لأنها تجب على طريق العوض، وأقل عوض يثبت في النكاح نصف
العشرة. والله أعلم.
فصل حكم اختلاف الزوجين في المهر
وأما حكم اختلاف الزوجين في المهر: فجملة الكلام فيه أن الاختلاف في المهر؛ إما أن
يكون في حال حياة الزوجين، وإما أن يكون بعد موت أحدهما بين الحي منهما وورثة الميت،
وإما أن يكون بعد موتهما بين ورثتهما.
فإن كان في حال حياة الزوجين؛ فإما أن كان قبل الطلاق، وإما أن كان بعده؛ فإن كان
قبل الطلاق فإن كان الاختلاف في أصل التسمية يجب مهر المثل؛ لأن الواجب(١) الأصلي في
باب النكاح هو مهر المثل؛ لأنه قيمة البضع، وقيمة الشيء مثله من كل وجه، فكان هو
العدل، وإنما التسمية تقدير لمهر المثل، فإذا لم تثبت التسمية لوقوع الاختلاف فيها - وجب
المصير إلى الموجب الأصلي، وإن كان الاختلاف في قدر المسمى، أو جنسه، أو نوعه، أو
صفته - فالمهر لا يخلو؛ إما أن يكون ديناً، وإما أن يكون عيناً، فإن كان ديناً؛ فإما أن يكون
من الأثمان المطلقة وهي الدراهم والدنانير، وإما أن كان من المكيلات والموزونات،
والمذروعات الموصوفة في الذمة، فإن كان من الأثمان المطلقة، فاختلفا في قدره؛ بأن قال
الزوج: تزوجتك على ألف درهم، وقالت المرأة: تزوجتني على ألفين، أو قال الزوج:
تزوجتك على مائة دينار، وقالت المرأة: على مائتين دينار - تحالفا، ويبدأ بيمين الزوج، فإن
نكل أعطاها ألفين، وإن حلف تحلف المرأة، فإن نكلت أخذت ألفاً، وإن حلفت يحكم لها
بمهر المثل إن كان مهر مثلها مثل ما قالت، أو أكثر - فلها ما قالت، وإن كان مهر مثلها مثل ما
قال الزوج أو أقل - فلها ما قال، وإن كان مهر مثلها أقل مما قالت، وأكثر مما قال - فلها مهر
مثلها. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا يتحالفان، والقول قول الزوج في هذا كله، إلا أن يأتي بمستنكر
جدّاً. والحاصل أن أبا حنيفة ومحمداً يحكمان مهر المثل، وينهيان الأمر إليه، وأبو يوسف لا
يحكمه، بل يجعل القول قول الزوج مع يمينه، إلا أن يأتي بشيء مستنكر، وقد اختلف في
تفسير المستنكر، قيل: هو أن يدعي أنه تزوجها على أقل من عشرة دراهم. وهذا التفسير
(١) في أ: الموجب.
٥٤٨
كِتَابُ النكاح
يروى(١) عن أبي يوسف - رحمه الله - لأن هذا القدر مستنكر شرعاً؛ إذ لا مهر في الشرع أقل
من عشرة.
وقيل: هو أن يدعي أنه تزوجها على ما لا يزوج مثلها به عادة، وهذا يحكى عن أبي
الحسن؛ لأن ذلك مستنكر عرفاً، وهو الصحيح من التفسير؛ لأنهما اختلفا في مقدار المهر
المسمى، وذلك اتفاق منهما على أصل المهر المسمى، وما دون العشرة لم يعرف مهراً في
الشرع [أصلاً](٢) بلا خلاف بين أصحابنا.
وقد روي عن أبي يوسف في المتبايعين إذا اختلفا في مقدار الثمن والسلعة هالكة: أن
القول قول المشتري ما لم يأت بشيء مستنكر. وجه قول أبي يوسف: أن القول قول المنكر
في الشرع والمنكر هو الزوج؛ لأن المرأة تدعي عليه زيادة مهر وهو ينكر ذلك؛ فكان القول
قوله مع يمينه؛ كما في سائر المواضع، والدليل عليه أن المتعاقدين(٣) في باب الإجارة إذا
اختلفا في مقدار المسمى لا يحكم أجر المثل، بل يكون القول قول المستأجر مع يمينه لما
قلنا؛ كذا هذا.
ولهما أن القول في الشرع والعقل قول من يشهد له الظاهر، والظاهر يشهد لمن يوافق قوله
مهر المثل؛ لأن الناس في العادات الجارية يقدرون المسمى بمهر المثل، ويبنونه عليه لا برضا
الزوج بالزيادة عليه، والمرأة وأولياؤها لا يرضون بالنقصان عنه، فكانت التسمية تقديراً لمهر
٤٠ ب المثل، وبناء عليه؛ فكان الظاهر شاهداً لمن يشهد له مهر المثل، فيحكم مهر المثل/ ، فإن كان
ألفين فلها ذلك؛ لأن الظاهر شاهد لها، وإن كان أكثر من ألفين لا يزاد عليه؛ لأنها رضيت
بالنقصان، وإن كان مهر مثلها ألفاً فلها ألف؛ لأن الظاهر شاهد للزوج، وإن كان أقل من ذلك لا
ينقص عن ألف؛ لأن الزوج رضي بالزيادة، وإن كان مهر مثلها أكثر مما قال، وأقل مما قالت -
فلها مهر المثل؛ لأنه هو الواجب الأصلي، وإنما التسمية تقدير له لما قلنا، فلا يعدل عنه إلا عند
ثبوت التسمية وصحتها، فإذا لم يثبت لوقوع الاختلاف - وجب الرجوع إلى الموجب الأصلي
وتحکیمه، وإنما يتحالفان؛ لأن كل واحد منهما مدعي من وجه، ومنکر من وجه.
أما الزوج؛ فلأن المرأة تدعي عليه زيادة ألف وهو منكر، وأما المرأة؛ فلأن الزوج يدعي
عليها [وجوب](٤) تسليم النفس عند تسليم الألف إليها وهي تنكر، فكان كل واحد منهما مدعياً
من وجه، ومنكراً من وجه؛ فيتحالفان؛ لقوله {وَّ: ((وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ)(٥)، ويبدأ بيمين
(١) في أ: مروي.
(٣) في أ: العاقدين.
(٥) سيأتي.
(٢) سقط في ط.
(٤) سقط في ط .
0
٥٤٩
كِتَابُ النكاحِ
الزوج؛ لأنه أشد إنكاراً، أو أسبق إنكاراً من المرأة؛ لأنه منكر قبل تسليم النفس وبعده، ولا
إنكار من المرأة بعد تسليم النفس، وقبل التسليم هو أسبق إنكاراً؛ لأن المرأة تقبض المهر
أولاً، ثم تسلم نفسها، فتطالبه بأداء المهر إليها وهو ينكر؛ فكان هو أسبق إنكاراً، فكانت
البداية بالتحليف منه أولى؛ لما قلنا في اختلاف المتبايعين.
ذكر الكرخي التحالف في هذه الفصول الثلاثة، وأنكر الجصاص التحالف إلا في فصل
واحد، وهو ما إذا لم يشهد مهر المثل لدعواهما؛ بأن كان مهر مثلها أكثر مما قال الزوج،
وأقل مما قالت المرأة، وكذا في ((الجامع الصغير)) لم يذكر التحالف إلا في هذا الفصل.
وجهه أن الحاجة إلى التحالف فيما لا شهادة للظاهر، فإذا كان مهر المثل مثل ما يدعيه
أحدهما - كان الظاهر شاهداً له، فلا حاجة إلى التحالف، والظاهر لا يشهد لأحدهما في (١)
الثالث، فتقع الحاجة إلى التحالف.
وجه ما ذكره الكرخي أن مهر المثل لا يثبت إلا بعد سقوط اعتبار التسمية، والتسمية لا
يسقط اعتبارها إلا بالتحالف؛ لأن الظاهر لا يكون حجة على الغير، فتقع الحاجة إلى
التحالف، ثم إذا وجب التحالف، وبدىء بيمين الزوج؛ فإن نكل يقضي عليه بألفين؛ لأن
النكول حجة يقضي بها في باب الأموال، بلا خلاف بين أصحابنا، ولا خيار للزوج وهو أن
يعطيها مكان الدراهم دنانير؛ لأن تسمية الألفين قد تثبت بالنكول، لأنه بمنزلة الإقرار، ومن
شأن المسمى ألا يكون للزوج العدول عنه إلى غيره إلا برضا المرأة .
وإن حلف تحلف المرأة، فإن نكلت لم يقض على الزوج إلا بالألف، ولا خيار له لما
قلنا في نكول الزوج، وإن حلفت يحكم مهر المثل، فإن كان مهر مثلها ألفاً قضى لها على
الزوج بألف ولا خيار له؛ لأن تسمية الألف قد تثبت بتصادقهما فيمنع الخيار.
وإن كان مهر مثلها ألفين قضى لها بألفين، وله الخيار في أخذ الألفين دون الآخر؛
لثبوت تسمية أحد الألفين يتصادقهما دون الآخر، وإن كان مهر مثلها ألفاً وخمسمائة - قضى لها
بألف وخمسمائة، ولا خيار له في قدر الألف [لثبوت تسمية الألف] (٢) بتصادقهما، وله الخيار
في قدر الخمسمائة؛ لأنه لم تثبت تسمية هذا القدر، فكان سبيلها سبيل مهر المثل، فكان له
الخيار فيها، ولا يفسخ العقد بعد التحالف في قول عامة العلماء.
وقال ابن أبي ليلى: يمسخ كما في البيع؛ لأن كل واحد منهما عقد لا يجوز بغير بدل.
ولنا الفرق بين البيع والنكاح، وهو أنه لما سقط اعتبار التسمية في باب البيع - يبقى البيع
(١) في أ: في الفصل.
(٢) سقط في ط.
٥٥٠
كِتَابُ النَّاحِ
بلا ثمن، والبيع بلا ثمن بيع فاسد [والبيع الفاسد](١) واجب الرفع رفعاً للفساد؛ وذلك
بالفسخ، بخلاف النكاح، فإن ترك التسمية أصلاً في النكح لا يوجب فساده، فسقوط اعتباره (٢)
بجهلة المسمى بالتعارض أولى، فلا حاجة إلى الفسخ، فهو الفرق هذا [كله](٣) إذا لم يقم
لأحدهما بينة، فأما إذا قامت لأحدهما بينة فإنه يقضي ببينته؛ لأنها قامت على أمر جائز
الوجود، ولا معارض لها فتقبل، ولا يحكم مهر المثل؛ لأن تحكيمه ضروري، ولا ضرورة
عند قيام البينة، ولا خيار للزوج؛ لأن التسمية تثبت بالبينة وأنها تمنع الخيار، وإن أقاما جميعاً
البينة، فإن كان مهر مثلها ألف درهم يقضي ببينتها؛ لأنها تظهر (٤) زيادة ألف فكانت [بينتها](٥)
مظهرة، وبينة الزوج لم تظهر شيئاً؛ لأنها قامت على ألف، والألف كان ظاهراً بتصادقهما، أو
٤١أ نقول: بينة المرأة أكثر إظهاراً؛ فكان القضاء بها أولى، ولا خيار/ للزوج في الألفين؛ لأن
تسمية أحد الألفين تثبت بتصادقهما، وتسمية الآخر تثبت بالبينة، والتسمية تمنع الخيار.
وإن كان مهر مثلها ألفين: فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يقضي ببينتها أيضاً؛
لأنها تظهر زيادة ألف لم تكن ظاهرة بتصادقهما، وإن كانت ظاهرة بشهادة مهر المثل، لكن هذا
الظاهر لا يكون حجة على الغير(٦)؛ ألا ترى أنه لا يقضي به بدون اليمين أو البينة، وتصادقهما
حجة بنفسه، فكانت ببينتها هي المظهرة، أو كانت أكثر إظهاراً، وبينة الزوج ليست بمظهرة؛
لأن الألف كان ظاهراً بتصادقهما، أو هي أقل إظهاراً؛ فكان القضاء ببينتها أولى.
وقال بعضهم: يقضي ببينة الزوج؛ لأن [بينة الزوج](٧) تظهر حط (٨) الألف عن مهر المثل
وذلك ألفان؛ لثبوت الألفين بشهادة مهر المثل، [فيظهر حط عن مهر المثل] (٩) بشهادته، وبينتها
لا تظهر شيئاً؛ لأن أحد الألفين كان ظاهراً بتصادقهما، والآخر كان ظاهراً بشهادة مهر المثل، أو
يظهر صفة التعيين للألفين؛ لأن الثابت بشهادة مهر المثل [ألفان يتخير الزوج في أحدهما،
وبالبينة](١٠) يظهر صفة التعيين لهما، وبينته مظهرة للأصل؛ فكان القضاء ببينته أولى، وإن كان
مهر مثلها ألفاً وخمسمائة بطلت البينتان للتعارض؛ لأن مهر المثل لا يشهد لأحدهما، فكانت كل
واحدة منهما مظهرة، وليس القضاء بإحداهما أولى من الأخرى، فبطلت؛ فبقي الحكم بمهر
المثل، ولا خيار له في قدر الألف؛ لأن البينتين التحقتا بالعدم للتعارض، فبقي هذا القدر مسمى
بتصادقهما، وله خيار في قدر الخمسمائة؛ لثبوته على وجه مهر المثل.
(١) سقط في ط .
(٢) في أ اعتبارها.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: لوجب.
(٥) سقط في ط.
(٦) في أ: ألفين.
(٧) في أ: بينته.
(٨) في أ: حق.
(٩) في أ: فتظهر حق الألف عن مهر المثل.
(١٠) سقط في ط .
٥٥١
كِتَابُ النَّاحِ
وكذلك إن كان ديناً موصوفاً في الذمة؛ بأن تزوجها على مكيل موصوف، أو موزون
موصوف، أو مزروع موصوف؛ فاختلفا في قدر الكيل أو الوزن أو الذرع، فالاختلاف فيه
كالاختلاف في قدر الدراهم والدنانير؛ [ولهذا](١) يتحالفان، ويحكم مهر المثل في قول أبي
حنيفة ومحمد؛ لأن القدر في المكيل والموزون معقود عليه، وكذا في المذروع إذا كان في
الذمة، وإن لم يكن معقوداً عليه، بل كان جارياً مجرى الصفة إذا كان عيناً؛ لأن ما في الذمة
غائب مذكور، يختلف أصله باختلاف وصفه، فجرى الوصف فيما في الذمة مجرى الأصل؛
ولهذا كان الاختلاف في صفة المسلم فيه موجباً للتحالف، فكان اختلافهما في الوصف بمنزلة
اختلافهما في أصل؛ وذلك يوجب التحالف؛ كذا هذا.
وعند أبي يوسف: لا يتحالفان، والقول قول الزوج مع يمينه، وإن كان الاختلاف في
جنس المسمى؛ بأن قال الزوج: تزوجتك على عبد، فقالت: على جارية، أو قال الزوج:
تزوجتك على كر شعير، فقالت: على كر حنطة، أو على ثياب هروية، أو قال: على ألف
درهم، وقالت: على مائة ديناراً، وفي نوعه كالتركي مع الرومي والدنانير المصرية مع
الصورية، أو في صفته من الجودة والرداءة - فالاختلاف فيه كالاختلاف في العينين، إلا
الدراهم والدنانير، فإن الاختلاف فيهما كالاختلاف في الألف والألفين، وإنما كان كذلك؛ لأن
كل واحد من الجنسين والنوعين والموصوفين لا يملك إلا بالتراضي، بخلاف الدراهم
والدنانير، فإنهما وإن كانا جنسين مختلفين، لكنهما(٢) في باب مهر المثل يقضي من جنس
الدراهم والدنانير؛ فجاز أن يستحق المائة دينار من غير تراض بخلاف العبد؛ لأن مهر المثل لا
يقضي من جنسه، فلم يجز أن يملك من غير تراض، فيقضي بقدر قيمته.
وهذا إذا كان المهر ديناً، فأما إذا كان عيناً، فإن اختلفا في قدره، فإن كان مما يتعلق
العقد بقدره؛ بأن تزوجها على طعام بعينه، فاختلفا في قدره؛ فقال الزوج: تزوجتك على هذا
الطعام بشرط أنه كر، وقالت المرأة: تزوجتني عليه بشرط أنه كران فهو (٣) مثل الاختلاف في
الألف والألفين، وإن كان مما لا يتعلق العقد بقدره؛ بأن تزوجها على ثوب بعينه كل ذراع منه
يساوي عشرة دراهم فاختلفا، فقال الزوج: تزوجتك على هذا الثوب بشرط أنه ثمانية أذرع،
فقالت: [المرأة] (٤) بشرط أنه عشرة أذرع - لا يتحالفان، ولا يحكم مهر المثل؛ والقول قول
الزوج بالإجماع.
ووجه الفرق بين الطعام والثوب: أن القدر في باب الطعام معقود عليه حقيقة وشرعاً، أما
(١) في أ: إنهما.
(٢) في أ: لكن.
(٣) في ط: فهي.
(٤) سقط في ط .
.
٥٥٢
كِتَابُ النكاح
الحقيقة؛ فلأن المعقود عليه عين وذات حقيقة، وأما الشرع: فإنه إذا اشترى طعاماً على أنه
٤١ب عشرة أقفزة، فوجده أحد عشر - لا يطيب له الفضل، والاختلاف في المعقود عليه يوجب/
التحالف .
فأما القدر في باب الثوب، وإن كان من أجزاء الثوب حقيقة، لكنه جار مجرى الوصف
وهو صفة الجودة شرعاً؛ لأنه يوجب صفة الجودة لغيره من الأجزاء؛ ألا ترى أن من اشترى
ثوباً على أنه عشرة أذرع، فوجده أحد عشر - طاب له الفضل. والاختلاف في صفة المعقود
عليه إذا كان عيناً - لا يوجب التحالف؛ كما إذا اختلفا في صفة الجودة في العين.
والأصل أن ما يوجب فوات بعضه نقصاناً في البقية - فهو جار مجرى الصفة، وما لا
يوجب فوات بعضه نقصاناً في الباقي - لا يكون جارياً مجرى الصفة، وإن اختلفا في جنسه
وعينه كالعبد والجارية؛ بأن قال الزوج: تزوجتك على هذا العبد، وقالت المرأة: على هذه
الجارية - فهو مثل الاختلاف في الألف والألفين إلا في فصل واحد، وهو ما إذا كان مهر مثلها
مثل قيمة الجارية أو أكثر - فلها قيمة الجارية لا عينها؛ لأن تمليك الجارية لا يكون إلا
بالتراضي، ولم يتفقا على تمليكها، فلم يوجد الرضا من صاحب الجارية بتمليكها، فتعذر
التسليم فيقضي بقيمتها. بخلاف ما إذا اختلفا في الدراهم أو الدنانير، فقال الزوج: تزوجتك
على ألف درهم، وقالت المرأة: على مائة دينار، أن الاختلاف فيه كالاختلاف في الألف
والألفين، على معنى أن مهر مثلها إن كان مثل مائة دينار، أو أكثر - فلها المائة دينار؛ لما مر
أن مهر المثل يقضي من جنس الدراهم والدنانير، فلا يشترط فيه التراضي، بخلاف العبد فإن
مهر المثل لا يقضي من جنسه؛ فلا يجوز أن يملك من غير مراضاة، ولا يكون لها أكثر من
قيمتها، وإن كان مهر مثلها أكثر من قيمتها؛ لأنها رضيت بهذا القدر.
وما كان القول فيه، أي: من العين قول الزوج فهلك، فاختلفا في قدر قيمته - فالقول فيه
قول الزوج أيضاً؛ لأن المسمى مجمع عليه، فكانت القيمة ديناً عليه، والاختلاف إذا وقع في
قدر الدين فالقول قول المديون؛ كما في سائر الديون، هذا كله إذا اختلفا قبل الطلاق، ولو
اختلفا بعد الطلاق، فإن كان بعد الدخول، أو قبل الدخول بعد الخلوة - فالجواب في الفصول
كلها كالجواب فيما لو اختلفا حال قيام النكاح؛ لأن الطلاق بعد الدخول، أو قبل الدخول بعد
الخلوة مما لا يوجب سقوط مهر المثل.
وإن كان قبل الدخول بها وقبل الخلوة، فإن كان المهر ديناً فاختلفا فى الألف والألفين -
فالقول قول الزوج، ويتنصف ما يقول الزرج. كذا ذكر في كتاب النكاح والطلاق، ولم يذكر
الاختلاف؛ كذا ذكر الطحاوي أنه يتنصف ما يقول الزوج، ولم يذكر الخلاف.
وذكر الكرخي وحكى الإجماع، فقال: لها نصف الألف في قولهم. وذكر محمد -
٥٥٣
كِتَابُ النّكَاحِ
رحمه الله - في (الجامع الصغير))، وقال: ينبغي أن يكون القول قول المرأة إلى متعة مثلها،
والقولُ قول الزوج في الزيادة على قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله -.
ووجهه: إن المسمى لم يثبت لوقوع الاختلاف فيه، والطلاق قبل الدخول في نكاح لا
تسمية فيه يوجب المتعة، ويحكم متعة مثلها؛ لأن المرأة ترضى بذلك، والزوج لا يرضى
بالزيادة، فكان القول قوله في الزيادة، والصحيح هو الأول؛ لأنه لا سبيل إلى تحكيم مهر
المثل لههنا؛ لأن مهر المثل لا يثبت في الطلاق قبل الدخول، فتعذر تحكيمه فوجب إثبات
المتيقن وهو نصف الألف، ومتعة مثلها لا تبلغ ذلك عادة، فلا معنى لتحكيم المتعة على(١)
إقرار الزوج بالزيادة.
وقيل: لا خلاف بين الروايتين في الحقيقة، وإنما اختلف الجواب لاختلاف وضع
المسألة، فوضع المسألة في كتاب النكاح في الألف والألفين، ولا وجه لتحكيم المتعة؛ لأن
الزوج أقر لها بخمسمائة، وهي تزيد على متعة مثلها عادة، فقد أقر الزوج لها بمتعة مثلها
وزيادة، فكان لها ذلك. ووضعها في ((الجامع الكبير)) في العشرة والمائة؛ بأن قال الزوج:
تزوجتك على عشرة دراهم، وقالت المرأة: تزوجتني على مائة درهم، ومتعة مثلها عشرون -
ففي؛ هذه الصورة يكون الزوج مقرّاً لها بخمسة دراهم، وذلك أقل من متعة مثلها عادة؛ فكان
لها متعة مثلها .
وإن كان المهر عيناً؛ كما في مسألة العبد والجارية - فلها المتعة، إلا أن يرضى الزوج أن
يأخذ نصف الجارية، [بخلاف ما إذا اختلفا في الألف والألفين](٢) لأن نصف الألف هناك ثابتة
بيقين؛ لاتفاقهما على تسمية الألف، فكان القضاء بنصفها حكماً بالمتيقن، والملك في نصف
الجارية ليس بثابت بيقين؛ لأنهما لم يتفقا على تسمية أحدهما، فلم يمكن القضاء بنصف
الجارية(٣) إلا باختيارهما، فإذا لم يوجد سقط البدلان، فوجب الرجوع إلى المتعة، هذا إذا
كان الاختلاف في/ حياة الزوجين.
فإن كان في حياة أحدهما بعد موت الآخر بينه وبين ورثة الميت، فكذلك الجواب: أن
القول قول المرأة إلى تمام مهر مثلها إن كانت حية، وقول ورثتها إن كانت ميتة، والقول قول
الزوج وورثته في الزيادة عندهما، وعند أبي يوسف: القول قول ورثة الزوج، إلا أن يأتوا
بشيء مستنكر .
١٤٢
(١) في أ: مع.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: الأقل.
٥٥٤
كِتَابُ النّكَاحِ
وإن كان الاختلاف بين ورثة الزوجين، فإن اختلفوا في أصل التسمية وكونها، فقد قال
أبو حنيفة - رحمه الله لا أقضي بشيء حتى تقوم البينة على أصل التسمية، وعندهما: يقضي
بمهر المثل؛ كما في حال الحياة.
وجه قولهما: إن التسمية إذا لم تثبت لاختلافهما - وجب مهر المثل بالعقد، فيبقى بعد
موتهما كالمسمى، وصار كأنه تزوجها، ولم يسم لها مهراً ثم ماتا.
وجواب أبي حنيفة هناك؛ أنه لا يقضي بشيء حتى تقوم البينة على التسمية.
أما قولهما: إن مهر المثل يجب بالعقد عند عدم التسمية - فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه وجب، لكنه لم يبق؛ إذ المهر لا يبقى بعد موت الزوجين عادة. وهذا قول
أبي حنيفة - رحمه الله - في المسألة، بل الظاهر هو الاستيفاء والإبراء. هذا هو العادة فيما بين
الناس، فلا يثبت البقاء إلا بالبينة.
والثاني: لئن سلمنا أنه بقي، لكنه تعذر القضاء به، لأن موضوع المسألة عند التقادم،
وعند التقادم لا يدري ما حالها، ومهر المثل يقدر بحالها، فيتعذر التقدير على أن اعتبار مهرها
بمهر مثل نساء عشيرتها، فإذا ماتا، فالظاهر موت نساء عشيرتها؛ فلا يمكن التقدير.
وجه قول أبي حنيفة في هذه المسألة مشكل، ولو اختلفت الورثة في قدر المهر - فالقول
قول ورثة الزوج عند(١) أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: القول قول ورثة الزوج، إلا أن يأتوا
بشيء مستنكر جدّاً. وعند محمد: القول قول ورثة المرأة إلى قدر مهر مثلها؛ كما في حال
الحياة .
ولو بعث الزوج إلى امرأته شيئاً فاختلفا، فقالت المرأة: هو هدية، وقال الزوج: هو من
المهر - فالقول قول الزوج، إلا في الطعام الذي يؤكل؛ لأن الزوج هو المملك، فكان أعرف
بجهة تمليكه؛ فكان القول قوله إلا فيما يكذبه الظاهر، وهو الطعام الذي يؤكل؛ لأنه لا يبعث
مهراً عادة، والله الموفق.
فصل اختلاف الزوجين في متاع البيت
ومما يتصل بهذا اختلاف الزوجين في متاع البيت، ولا بينة لأحدهما، وجملة الكلام فيه
أن الاختلاف في متاع البيت؛ إما أن يكون بين الزوجين في حال حياتهما، وإما أن يكون بين
ورثتهما بعد وفاتهما، وإما أن يكون في حال حياة أحدهما وموت الآخر.
(١) في أ: في قول.
٥٥٥
كِتَابُ النِّكَاحِ
فإن كان في حال حياتهما؛ فإما أن يكون في حال قيام النكاح، وإما أن يكون بعد زواله
بالطلاق، فإن كان في حال قيام النكاح فما كان يصلح للرجال؛ كالعمامة، والقلنسوة،
والسلاح، وغيرها - فالقول فيه قول الزوج؛ لأن الظاهر شاهد له، وما يصلح للنساء؛ مثل
الخمار، والملحفة، والمغزل، ونحوها - فالقول فيه قول الزوجة؛ لأن الظاهر شاهد لها، وما
يصلح لهما جميعاً؛ كالدراهم والدنانير، والعروض، والبسط، والحبوب ونحوها - فالقول فيه
قَوْلُ الزوجِ. وهذا قَوْلُ أبي حنيفةً ومحمد.
وقال أبو يوسف: القول قول المرأة إلى قدر جهاز مثلها في الكل، والقول قول الزوج
في الباقي. وقال زفر في قول: المشكل بينهما نصفان. وفي قول آخر، وهو قول مالك
والشافعي: الكل بينهما نصفان. وقال ابن أبي ليلى: القول قول الزوج في الكل إلا في ثياب
بدن المرأة، وقال الحسن: القول قول المرأة في الكل، إلا في ثياب بدن الرجل.
وجه قول الحسن أن يد المرأة على مافي داخل البيت أظهر منه في يد الرجل؛ فكان
الظاهر لها شاهداً إلا في ثياب بدن الرجل؛ لأن الظاهر يكذبها في ذلك ويصدق الزوج.
وجه قول ابن أبي ليلى: أن الزوج أخص بالتصرف فيما في البيت، فكان الظاهر شاهداً
له إلا في ثياب بدنها، فإن الظاهر يصدقها فيه ويكذب الرجل. وجه قول زفر: أن يد كل واحد
من الزوجين إذا كانا حرين ثابتة على ما في البيت، فكان الكل بينهما نصفين، وهو قياس قوله،
إلا أنه خص المشكل بذلك في قول؛ لأن الظاهر يشهد لأحدهما في [غير](١) المشكل، [ولا
يشهد لأحدهما في المشكل].
وجه قول أبي يوسف: أن الظاهر يشهد للمرأة إلى قدر جهاز مثلها؛ لأن المرأة لا تخلو
عن الجهاز عادة، فكان الظاهر شاهداً لها في ذلك القدر، فكان القولُ في هذا القدر قولها،
والظاهر يشهد للرجل(٢) في الباقي/، فكان القول قوله في الباقي.
٤٢ب
وجه قولهما: إن يد الزوج على ما في البيت أقوى من يد المرأة؛ لأن يده يد متصرفة،
ويدها يد حافظة، ويد التصرف أقوى من يد الحفظ؛ كاثنين يتنازعان في دابة، وأحدهما
راكبها، والآخر متعلق بلجامها - أن الراكب أولى، إلا أن فيما يصلح لها عارض هذا الظاهر ما
هو أظهر منه فسقط اعتباره. وإن اختلفا بعد ما طلقها ثلاثاً أو بائناً - فالقول قول الزوج؛ لأنها
صارت أجنبية بالطلاق، فزالت يدها والتحقت بسائر الأجانب.
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: للزوج.
٥٥٦
كِتَابُ النّكَاحِ
هذا إذا اختلف الزوجان قبل الطلاق أو بعده، فأما إذا ماتا، فاختلف ورثتهما - فالقول
قول ورثة الزوج في قول أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: القول قول ورثة المرأة إلى
قدر جهاز مثلها، وقول ورثة الزوج في الباقي؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث، فصار كأن
المورثین اختلفا بأنفسهما وهما حيان.
وإن مات أحدهما، واختلف الحي وورثة الميت؛ فإن كان الميت هو المرأة - فالقول
قول الزوج عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنها لو كانت حية لكان القول قوله؛ فبعد الموت أولى،
وعند أبي يوسف: القول قول ورثتها إلى قدر جهاز مثلها، وإن كان الميت هو الزوج - فالقول
قولها عند أبي حنيفة في المشكل، وعند أبي يوسف: في قدر جهاز مثلها، وعند محمد:
القول قول ورثة الزوج.
وجه قولهما ظاهر؛ لأن الوارث قائم مقام المورث، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن المتاع
كان في يدهما في حياتهما؛ لأن الحرة من أهل الملك واليد، فينبغي أن يكون بينهما نصفين
كما قال زفر: لأن يد الزوج كانت أقوى، فسقطت يدها بيد الزوج، فإذا مات الزوج فقد زال
المانع؛ فظهرت يدها على المتاغ.
ولو طلقها في مرضه ثلاثاً أو بائناً، فمات، ثم اختلفت هي وورثة الزوج؛ فإن مات بعد
انقضاء العدة - فالقول قول ورثة الزوج؛ لأن القول قول الزوج في المشكل بعد الطلاق، فكان
القول قول ورثته بعده أيضاً، وإن مات قبل انقضاء العدة - فالقول قولها عند أبي حنيفة في
المشكل، وعند أبي يوسف: في قدر جهاز مثلها .
وعند محمد: القول قول ورثة الزوج؛ لأن العدة إذا كانت قائمة كان النكاح قائماً من
وجه، فصار كما لو مات الزوج قبل الطلاق وبقيت المرأة، وهناك القول قولها عند أبي حنيفة
في المشكل، وعند أبي يوسف في قدر جهاز مثلها، وعند محمد: القول قول ورثة الزوج؛
كذا لهُهنا، والله أعلم.
هذا كله إذا كان الزوجان حرين، أو مملوكين، أو مكاتبين، فأما إذا كان أحدهما حرّاً أو
الآخر مملوكاً أو مكاتباً - فعند أبى حنيفة - رحمه الله: القول قول الحر، وعندهما: إن كان المملوك
محجوراً فكذلك، وأما إذا كان مأذوناً أو مكاتباً - فالجواب فيه وفيما إذا كانا حرين سواء.
وجه قولهما: إن المكاتب في ملك اليد بمنزلة الحر، بل هو حر يداً؛ ولهذا كان أحق
بمكاسبه، وكذا المأذون المديون؛ فصار كما لو اختلفا وهما حران.
ولأبي حنيفة أن كل واحد منهما مملوك، أما المأذون فلا شك فيه، وكذا المكاتب؛ لأنه
عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله وَالر والعبد اسم للملوك، والمملوك لا يكون من
أهل الملك، فلا تصلح يده دليلاً على الملك، فلا تصلح معارضة ليد الحر، فبقيت يده دليل
الملك من غير معارض، بخلاف الحرين.
٥٥٧
كِتَابُ النّكَاحِ
ولو كان الزوج حراً، والمرأة أمة أو مكاتبة أو مدبرة أو أم ولد فأعتقت، ثم اختلفا في
متاع البيت - فما أحدثا من الملك قبل العتق فهو للزوج؛ لأنه حدث في وقت لم تكن المرأة
فيه من أهل الملك، وما أحدثا من الملك بعد العتق ـ فالجواب فيه وفي الحرين سواء.
ولو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية - فالجواب فيه كالجواب في الزوجين المسلمين؛ لأن
الكفر لا ينافي أهلية الملك بخلاف الرق، وكذا لو كان البيت ملكاً لأحدهما لا يختلف
الجواب؛ لأن العبرة لليد لا للملك.
هذا كله إذا لم تقر المرأة أن هذا المتاع اشتراه لي زوجي، فإن أقرت بذلك سقط قولها؛
لأنها أقرت بالملك لزوجها، ثم ادعت الانتقال [إليها] فلا يثبت الانتقال إلا بدليل، وقد مرت
المسألة. والله أعلم.
فصل الكفاءة في إنكاح غير الأب والجد
ومنها: الكفاءة(١) في إنكاح غير الأب والجد من الأخ والعم ونحوهما - الصغير
والصغيرة؛ وفي إنكاح الأب والجد اختلاف أبي حنيفة مع صاحبيه [وقد مرت المسألة](٢).
فصل في الطوع
وأما الطوع، فليس بشرط/؛ لجواز النكاح عندنا خلافاً للشافعي، فيجوز نكاح المكره ٢٤٣
عندنا، وعنده لا يجوز، وهذه من مسائل كتاب ((الإكراه»، وكذلك الجد ليس من شرائط جواز
النكاح، حتى يجوز نكاح الهازل؛ لأن الشرع جعل الجد والهزل في باب النكاح سواء.
(١) هو شرط للصحة أيضاً ونظم بعضهم خصال الكفاءة في قوله:
شرط الكفاءة خمسة قد حررت ينبيك عنها بيت شعر مفرد
نسب ودين حرفة حرية فقد العيوب وفي اليسار تردد
والراجح أنه لا يشترط لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به أصحاب المروءات والبصائر قال العلامة مرعي الحنبلي:
قالوا الكفاءة ستة فأجبتهم قد كان هذا في الزمان الأقدم
أما بنو هذا الزمان فإنهم لا يعرفون سوى يسار الدرهم
وقوله حرفة والأوجه مراعاة البلد في الحرف والصنائع التي لم ينص عليها الفقهاء. وحاصل ذلك أن ما
نص الفقهاء عليه من رفعة أو دناءة نعوّل عليه وما لم ينص الفقهاء عليه يرجع فيه إلى عرف البلد وهذا هو
المعتمد عند الزيادي والرملي. ففي الأمصار التاجر أعلى رتبة من الزراع وفي الأرياف الزراع أعلى رتبة
من التاجر حتى لو كان عرف تلك البلد أن ابن الفلاح أشرف من ابن العالم لم يكن ابن العالم كفؤاً لبنت
الفلاح.
(٢) سقط في ط.
=
٥٥٨
كِتَابُ النكاحِ
قال النبي بَّ: (ثَلاَثْ جَدُّهُنَّ جَدْ وَهَزْلُهُنَّ جَدِّ الطَّلاَقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنَّكَاحُ)) (١)، وكذلك
العمد عندنا حتى يجوز نكاح الخاطىء، وهو الذي يسبق على لسانه كلمة النكاح من غير
(١) أخرجه أبو داود (٦٦٦/١) كتاب الطلاق باب في الطلاق على الهزل (٢١٩٤) والترمذي ٤٩٠/٣
كتاب الطلاق باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق (١١٨٤) وابن ماجه (١ / ٦٥٧) كتاب
الطلاق باب من طلق أو نكح أو راجع لاعباً (٢٠٣٩) وسعيد بن منصور في السنن باب الطلاق لا
رجوع فيه (١٦٠٣).
والطحاوي في شرح المعاني ٩٨/٣.
والدارقطني (٢٥٦/٣ ٢٥٧)، باب المهر (٤٥، ٤٧، ١٨/٤، ١٩) كتاب الطلاق (٥٠، ٥١)
والحاكم (١٩٨/٢) وقال الحاكم: صحيح الإسناد وعبد الرحمن بن حبيب هذا هو ابن أردك من
ثقات المدنيين.
وتعقبه الذهبي بقوله في عبد الرحمن هذا: ((فيه لين)).
والبغوي في شرح السنة ١٦١/٥ (٢٣٤٩ - بتحقيقنا).
كلهم من طريق عبد الرحمن بن أردك عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي
هريرة .
وعبد الرحمن بن أردك سبق كلام الحاكم والذهبي فيه وقال الحافظ في التقريب ٤٧٦/١. لين الحديث،
وللحديث شواهد ذكرها الذيلعي في ((نصب الراية)) والألباني في)) الإرواء)) منها:
- أولاً: ما رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) قال حدثنا بشر بن عمر ثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن
أبي جعفر عن عبادة بن الصامت أن رسول الله وسلم قال: ((لا يجوز اللعب في ثلاث: الطلاق والنكاح
والعتاق فمن قالهن فقد وجبن)).
وقد أعله الألباني في الإرواء ٢٢٦/٦ بعلتين:
الأولى: الانقطاع بين عبيد الله بن جعفر وعبادة بن الصامت.
الثانية: ضعف عبد الله بن لهيعة
قال الحافظ في ((التقريب)) (٤٤٤/١): ((صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك
وابن وهب عنه أعدل من غيرها» .
ثانياً: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم في تفسيره وابن جرير ٤٩٦/٢ (٤٩٢٦) عن
الحسن مرسلاً: ((كان الرجل في الجاهلية يطلق، ثم يراجع، يقول: كنت لاعباً ويعتق ثم يراجع ويقول:
كنت لاعباً فأنزل الله تعالى ﴿لا تتخذوا آيات الله هزواً﴾ فقال رسول الله رَله: ((من طلق أو حرر، أو أنكح
فقال: إني كنت لاعباً فهو جائزا.
قال الألباني: ((وهذا مرسل صحيح الإسناد إلى الحسن وهو البصري)).
قال الألباني في الإرواء (٢٢٨/٦): حسن ((والذي يتلخص عندي مما سبق أن الحديث بمجموع طريق
أبي هريرة الأولى التي حسنها الترمذي وطريق الحسن البصري المرسلة وقد يزداد قوة بحديث عبادة بن
الصامت والآثار المذكورة عن الصحابة فإنها - ولو لم يتبين لنا ثبوتها عنهم عن كل واحد منهم - تدل على
أن معنى الحديث كان معروفاً عندهم».
٥٥٩
كِتَابُ النّكَاحِ
قصده، وعند الشافعي شرط، والصحيح قولنا؛ لأن الثابت(١) بالخطأ ليس إلا القصد، وأنه
ليس بشرط لجواز النكاح؛ بدليل نكاح الهازل، وكذلك الحل، أعني: كونه حلالاً غير محرم،
أو كونها حلالاً غير محرمة - ليس بشرط لجواز النكاح عندنا، وعند الشافعي: شرط، حتى
يجوز نكاح المحرم، والمحرمة عندنا، لكن لا يحل وطؤها في حال الإحرام، وعنده: لا
يجوز .
وجه قوله: أن الجماع من محظورات الإحرام، فكذا النكاح؛ لأنه سبب داعٍ إلى
الجماع؛ ولهذا حرمت الدواعي على المحرم كما حرم عليه الجماع.
ولنا ما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ تَزَوَّجَ
مَيْمُونَةَ - رضي الله تعالى عنها - وَهُوَ حَرَامٌ، وأدنى ما يستدل بفعل النبي وَّ هو الجواز ولا
يعارض، هذا ما روى يزيد بن الأصم؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلاَلْ بِسَرَفٍ،
وأجمعوا على أنه ما تزوجها الرسول ويله إلا مرة واحدة، فيقع التعارض؛ لأن الأخذ برواية ابن
عباس - رضي الله تعالى عنهما - أولى لوجهين:
أحدهما: أنه(٢) يثبت أمراً عارضاً وهو الإحرام؛ إذ الحل أصل، والإحرام عارض،
فتحمل رواية يزيد على أنه بنى الأمر على الأصل وهو الحل؛ تحسيناً للظن بالروايتين، فكان
راوي الإحرام معتمد [على] (٣) حقيقة الحال، وراوي الحل بانياً الأمر على الظاهر؛ فكانت
رواية من اعتمد حقيقة الحال أولى؛ ولهذا رجحنا قول الجارح على المزكي؛ كذا هذا.
والثاني: أن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أفقه واتقن من يزيد، الترجيح
بفقه الراوي وإتقانه ترجيح صحيح على ما عرف في أصول الفقه، ولأن المعاني التي لها حسن
النكاح في غير حال الإحرام موجودة في حال الإحرام، فكان الفرق بين الحالين في الحكم مع
وجود المعنى الجامع بينهما مناقضة، وما ذكره من المعنى يبطل بنكح الحائض والنفساء؛ فإنه
جائز بالإجماع، وإن كان النكاح سبباً داعياً إلى الجماع، والله - عز وجل - أعلم.
فصل في نكاح أهل الذمة
ثم كل نكاح جاز بين المسلمين؛ وهو الذي استجمع شرائط الجواز التي وصفناها - فهو
جائز بين أهل الذمة. وأما ما فسد بين المسلمين من الأنكحة؛ فإنها منقسمة في حقهم، منها ما
يصح، ومنها ما يفسد، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: كل نكاح فسد في حق
(١) في أ: الفائت.
(٣) سقط في أ.
(٢) في أ: أن.
٥٦٠
كِتَابُ النّاحِ
المسلمين فسد في حق أهل الذمة، حتى لو أظهروا النكاح بغير شهود يعترض عليهم،
ويحملون على أحكامنا، وإن لم يرفعوا إلينا، وكذا إذا أسلموا يفرق بينهما عنده، وعندنا لا
يفرق بينهما، وإن تحاكما إلينا أو أسلما بل يقران عليه.
وجه قولهم: إنهم لما قبلوا عقد الذمة فقد التزموا أحكامنا ورضوا بها، ومن أحكامنا أنه
لا يجوز النكاح بغير شهود؛ ولهذا لم يجز نكاحهم المحارم في حكم الإسلام؛ ولأن تحريم
النكاح بغير شهود في شريعتنا ثبت بخطاب الشرع على سبيل العموم بقوله وهير: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ
بِشُهُودٍ))(١)، والكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات في الصحيح من الأقوال، فكانت حرمة
النكاح بغير شهود ثابتة في حقهم.
ولنا أنهم دانوا (٢) النكاح بغير شهود، إذ(٣) الكلام فيه ونحن أمرنا بأن نتركهم(٤) وما
يدينون إلا ما استثنى من عقودهم(٥) كالزنا، وهذا وغير الزنا (٦) غير مستثنى منها فيصح، في
حقهم؛ كما يصح منهم تملك الخمر والخنزير وتمليكهما فلا يعترض عليهم؛ كما لا يعترض
في الخمر والخنزير؛ ولأن الشهادة ليست بشرط بقاء النكاح على الصحة؛ بدليل أنه لا يبطل
بموت الشهود، فلا يجوز أن يكون شرط ابتداء العقد في حق الكافر؛ لأن في الشهادة معنى
العبادة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ الله﴾ [الطلاق: ٢]، فلا يؤاخذ(٧) الكافر بمراعاة هذا
الشرط في العقد، ولأن نصوص الكتاب العزيز مطلقة عن شرط الشهادة، والتقييد بالشهادة في
نكاح(٨) المسلم ثبت بدليل، فمن ادعى التقييد بها في حق الكافر يحتاج إلى الدليل.
٤٣ب
وأما قوله: إنهم بالذمة التزموا أحكام الإسلام / - فنعم، لكن(٩) جواز أنكحتهم بغير
شهود من أحكام الإسلام.
وقوله: تحريم النكاح بغير شهود عام - ممنوع، بل هو خاص في حق المسلمين؛ لوجود
المخصص لأهل الذمة، وهو عمومات الكتاب، ولو تزوج ذمي ذمية في عدة من ذمي - جاز
النكاح في قول أبي حنيفة، وهذا والنكاح بغير شهود سواء عندنا(١٠)، حتى لا يعترض عليهما
بالتفريق، وإن ترافعا إلينا، ولو أسلما يقران على ذلك، وقال أبو يوسف ومحمد وزفر
[والشافعي](١١): النكاح فاسد يفرق بينهما.
(١) تقدم.
(٣) في ط: والكلام.
(٥) في أ: عهودهم.
(٧) في أ: يؤخذ.
(٩) في أ: لكون.
(١١) سقط في أ.
(٢) في ط، ولنا أنهم كانوا يتدينون الخ.
(٤) في ط: بتركهم.
(٦) في ط: وهذا غير مستثنى.
(٨) في أ: حق.
(١٠) في أ: عنده.