Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ كِتَابُ النكاح وأما التأكد بالخلوة فمذهبنا. وقال الشافعي: لا يتأكد المهر بالخلوة، حتى لو خلا بها خلوة صحيحة، ثم طلقها قبل الدخول بها في نكاح فيه تسمية - يجب عليه كمال المسمى عندنا، وعنده: نصف المسمى، وإن لم يكن في النكاح تسمية - يجب عليه كمال مهر المثل عندنا، وعنده: يجب عليه المتعة، وعلى هذا الاختلاف وجوب العدة بعد الخلوة قبل الدخول، عندنا تجب، وعنده: لا تجب. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٣٧]، أوجب الله تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية؛ لأن المراد من المس هو الجماع، ولم يفصل بين حال وجود الخلوة وعدمها، فمن أوجب كل المفروض فقد خالف النص. وقوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: ولم تفرضوا لهن فريضة فمتعوهن، أوجب الله تعالى لهن المتعة في الطلاق في نكاح لا تسمية فيه مطلقاً، من غير فصل بين حال وجود الخلوة وعدمها، وقوله - عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلٍ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فدلت الآية الشريفة على نفي وجوب العدة، ووجوب المتعة قبل الدخول من غير فصل، ولأن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد، وهو منافع البضع، واستيفاؤها بالوطء ولم يوجد، ولا ضرورة لها في التوقف؛ لأن الزوج لا يخلو؛ إما أن يستوفي أو يطلق، فإن استوفى تأكد حقها، وإن طلق يفوت عليها نصف المهر، لكن بعوض هو خير لها؛ لأن المعقود عليه يعود عليها سليماً مع سلامة نصف المهر لها، بخلاف الإجارة، أنه تتأكد الأجرة فيها بنفس التخلية، ولا يتوقف التأكد على استيفاء المنافع؛ لأن في التوقف هناك ضرر بالآجر؛ لأن الإجارة مدة معلومة، فمن الجائز أن يمنع المستأجر من استيفاء المنافع مدة الإجارة بعد التخلية، فلو توقف تأكد الأجرة على حقيقة الاستيفاء، وربما لا يستوفي لفائت المنافع عليه مجاناً بلا عوض، فيتضرر به الأجر، فأقيم التمكن من الانتفاع مقام استيفاء المنفعة؛ دفعاً للضرر عن الآجر، ولههنا لا ضرر في التوقف على ما بينا، فتوقف التأكد على حقيقة الاستیفاء، ولم يوجد فلا يتأكد. ولنا قوله - عز وجل: ﴿وَإِنْ أَرَذْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢] نهى سبحانه وتعالى الزوج عن أخذ شيء مما ساق إليها من المهر عند الطلاق، وأبان عن معنى النهي لوجود الخلوة، كذا قال الفراء: إن الإفضاء هو الخلوة دخل بها أو لم يدخل، ٥٢٢ كِتَابُ النّكَاحِ ومأخذ اللفظ دليل على أن المراد منه الخلوة الصحيحة؛ لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض، وهو الموضع الذي لا نبات فيه ولا بناء فيه، ولا حاجز يمنع عن إدراك ما فيه، فكان المراد منه الخلوة على هذا الوجه، وهي التي لا حائل فيها، ولا مانع من الاستمتاع؛ عملاً بمقضى اللفظ، فظاهر النص يقتضي ألا يسقط شيء منه بالطلاق، إلا أن سقوط النصف ٣٣ب بالطلاق/ قبل الدخول، وقبل الخلوة في نكاح فيه تسمية، وإقامة المتعة مقام نصف مهر المثل في نكاح لا تسمية فيه - ثبت بدليل آخر، فبقي حال ما بعد الخلوة على ظاهر النص. وروي عن رسول الله وَّ؛ أنه قال: ((مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَتِهِ [وَنَظَرَ إِلَيْهَا](١) - وَجَبَ الصَّدَاقُ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ))(٢)، وهذا نص في الباب. وروي عن زرارة بن أبي أوفى أنه قال: ((قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ؛ أَنَّهُ إِذَا أَزْخَى السَّتُورَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ - فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا. وحكى الطحاوي في هذه المسألة اجماع الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم - ولأن المهر قد وجب بنفس العقد، أما في نكاح فيه تسمية فلا شك فيه، وأما في نكاح لا تسمية فيه؛ فلما ذكرنا في مسألة المفوضة، إلا أن الوجوب بنفس العقد ثبت موسعاً، ويتضيق عند المطالبة، والدين المضيق واجب القضاء. قال النبي وَلّ: ((الدَّيْنُ)) مقضى(٣)، ولأن المهر متى صار ملكاً لها بنفس العقد - فالملك الثابت لإنسان لا يجوز أن يزول إلا بإزالة المالك، أو بعجزه عن الانتفاع بالمملوك حقيقة، إما لمعنى يرجع إلى المالك، أو لمعنى يرجع إلى المحل، ولم يوجد شيء من ذلك، فلا يزول إلا عند الطَّلاق قبل الدُّخُول، [وقبل الخلوة](٤) وسقوط النصف بإسقاط الشرع غير معقول (١) سقط في أ. (٢) أخرجه البيهقي (٧/ ٢٥٦) كتاب الصداق، باب من قال من أغلق باباً أو أرضى ستراً فقد وجب الصداق. والدار قطني (٣٠٧/٣) وأبو داود في المراسيل رقم (٢١٤). قال الحافظ في التلخيص (٣٩١/٣): ((وفي إسناده ابن لهيعة مع إرساله لكن أخرجه أبو داود في المراسيل من طريق ابن ثوبان ورجاله ثقات)) ا. هـ. (٣) أخرجه أبو داود (٢٩٦/٣ - ٢٩٧) كتاب البيوع، باب في تضمين العارية الحديث (٣٥٦٥) والترمذي (٤/ ٤٣٣) كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث الحديث (٢١٢٠). وابن ماجه (٢/ ٨٠٤) كتاب الصدقات، باب الكفالة الحديث (٢٤٠٥). وعبد الرزاق (٤٨/٩ - ٤٩) رقم (١٦٣٠٨). والدار قطني (٧٠/٤) والبيهقي (٨٨/٦) لهم من حديث أبي أمامة. هذا وفي ط : مضيق. (٤) سقط في أ. ٥٢٣ كِتَابُ النّكَاحِ المعنى إلا (١) بالطلاق؛ لأن الطلاق فعل الزوج والمهر ملكها، والإنسان لا يملك إسقاط حق الغير عن نفسه؛ ولأنها سلمت المبدل إلى زوجها، فيجب على زوجها تسليم البدل إليها؛ كما في البيع والإجارة. والدليل على أنها سلمت المبدل: أن المبدل هو ما يستوفي بالوطء وهو المنافع، إلا أن المنافع قبل الاستيفاء معدومة، فلا يتصور تسليمها، لكن لها محل موجود وهو العين وأنها متصور التسليم حقيقة، فيقام تسليم العين مقام تسليم المنفعة؛ كما في الإجارة، وقد وجد تسليم المحل؛ لأن التسليم هو جعل الشيء سالماً للمسلم إليه، وذلك برفع الموانع وقد وجد؛ لأن الكلام في الخلوة الصحيحة وهي عبارة عن التمكن من الانتفاع، ولا يتحقق التمكن إلا بعد ارتفاع الموانع كلها، فثبت أنه وجد منها تسليم المبدل، فيجب على الزوج تسليم البدل؛ لأن هذا عقد معاوضة، وأنه يقتضي تسليماً بإزاء التسليم؛ كما يقتضي ملكاً بإزاء ملك تحقيقاً بحكم المعاوضة؛ كما في البيع والإجارة. وأما الآية: فقال بعض أهل التأويل: إن المراد من المسيس هو الخلوة، فلا تكون حجة، على أن فيها إيجاب نصف المفروض لا إسقاط النصف الباقي؛ ألا ترى أن من كان في يده عبد، فقال: نصف هذا العبد لفلان - لا يكون ذلك نفياً للنصف الباقي، فكان حكم النصف الباقي مسكوتاً عنه، فبقيت على قيام الدليل، وقد قام الدليل على البقاء وهو ما ذكرنا؛ فيبقى. وأما قوله: التأكد إنما يثبت باستيفاء المستحق - فممنوع، بل كما يثبت باستيفاء المستحق يثبت بتسليم المستحق؛ كم في الإجارة، وتسليمه بتسليم محله، وقد حصل ذلك بالخلوة الصحيحة على ما بينا، ثم تفسير الخلوة الصحيحة هو ألا يكون هناك مانع من الوطء لا حقيقي ولا شرعي ولا طبعي، أما المانع الحقيقي: فهو أن يكون أحدهما مريضاً مرضاً يمنع الجماع، أو صغيراً لا يجامع مثله أو صغيرة لا يجامع مثلها، أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء؛ لأن الرتق والقرن يمنعان من الوطء، وتصح خلوة الزوج إن كان الزوج عنيناً أو خصياً؛ لأن العنة والخصاء لا يمنعان من الوطء، فكانت خلوتهما كخلوة غيرهما، وتصح خلوة المجبوب في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تصح. وجه قولهما: إن الجب يمنع من الوطء، فيمنع صحة الخلوة؛ كالقرن؛ والرتق، ولأبي حنيفة: أنه يتصور منه السحق والإيلاد بهذا الطريق؛ ألا ترى لو جاءت امرأته بولد يثبت النسب منه بالإجماع، واستحقت كمال المهر إن طلقها، وإن لم يوجد منه الوطء المطلق، فيتصور في (١) في أ: لا. ٥٢٤ كِتَابُ النّكَاحِ حقه ارتفاع المانع من وطء مثله، فتصح خلوته وعليها العدة، أما عنده فلا يشكل؛ لأن الخلوة إذا صحت أقيمت مقام الوطء في حق تأكد المهر، ففي حق العدة أولى؛ لأنه يحتاط في إيجابها، وأما عندهما: فقد ذكر الكرخي أن عليها العدة عندهما أيضاً. وقال أبو يوسف: إن كان المجبوب ينزل فعليها العدة؛ لأن المجبوب قد يقذف بالماء فيصل إلى الرحم، ويثبت نسب ولده؛ فتجب العدة احتياطاً، فإن جاءت بولد ما بينها وبين ١٣٤ سنتين/ لزمه، ووجب لها جميع الصداق؛ لأن الحكم بثبات النسب يكون حكماً بالدخول، فيتأكد المهر على قولهما أيضاً، وإن كان لا ينزل فلا عدة عليها، فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه، وإلا فلا يثبت؛ كالمطلقة قبل الدخول، وكالمعتدة إذا أقرت بانقضاء العدة [ثم أتت بولد](١). وأما المانع الشرعي: فهو أن يكون أحدهما صائماً صوم رمضان، أو محرماً بحجة فريضة أو نفل أو بعمرة، أو تكون المرأة حائضاً أو نفساء؛ لأن كل ذلك محرم للوطء، فكان مانعاً من الوطء شرعاً، والحيض والنفاس يمنعان منه طبعاً أيضاً؛ لأنهما أذى، والطبع السليم ينفر عن استعمال الأذى. وأما في غير صوم رمضان: فقد روى بشر عن أبي يوسف؛ أن صوم التطوع، وقضاء رمضان، والكفارات والنذور - لا يمنع صحة الخلوة، وذكر الحاكم الجليل في ((مختصره)) أن نفل الصوم كفرضه، فصار في المسألة روايتان. وجه رواية ((المختصر)) أن صوم التطوع يحرم الفطر من غير عذر؛ فصار كحج التطوع، وذا يمنع صحة الخلوة؛ كذا هذا. وجه رواية بشر: أن صوم غير رمضان مضمون بالقضاء لا غير، فلم يكن قويّاً في معنى المنع، بخلاف صوم رمضان؛ فإنه يجب فيه القضاء والكفارة، وكذا حج التطوع فقوي (٢) المانع . ووجه آخر من الفرق بين صوم التطوع وبين صوم رمضان؛ أن تحريم الفطر في صوم التطوع من غير عذر - غير مقطوع به؛ لكونه محل الاجتهاد، وكذا لزوم القضاء بالإفطار، فلم يكن مانعاً بيقين، وحرمة الإفطار في صوم رمضان من غير عذر مقطوع بها، وكذا لزوم القضاء [بالإفطار](٣)، فكان مانعاً بيقين. (١) سقط في ط . (٣) سقط في ط. (٢) في أ: وهو المانع. ٥٢٥ كِتَابُ النكاحِ وأما المانع الطبعي: فهو أن يكون معهما ثالث؛ لأن الإنسان يكره أن يجامع امرأته بحضرة ثالث، ويستحي فينقبض عن الوطء بمشهد منه، وسواءٍ كان الثالث بصيراً أو أعمى، يقظاً أو نائماً، بالغاً أو صبياً بعد أن كان عاقلاً، رجلاً أو امرأة أجنبية أو منكوحته؛ لأن الأعمى إن كان لا يبصر فيحس، والنائم يحتمل أن يستيقظ ساعة فساعة، فينقبض الإنسان عن الوطء مع حضوره، والصبي العاقل بمنزلة الرجل يحتشم الإنسان منه؛ كما يحتشم من الرجل، وإذا لم يكن عاقلاً فهو ملحق بالبهائم، لا يمتنع الإنسان عن الوطء لمكانه، ولا يلتفت إليه، والإنسان يحتشم من المرأة الأجنبية ويستحيي. وكذا لا يحل لها النظر إليهما؛ فينقبضان لمكانها، وإذا كان هناك منكوحة له أُخرى، أو تزوج امرأتين فخلا بهما؛ فلا يحل لها النظر إليهما فينقبض عنها، وقد قالوا: إنه لا يحل لرجل أن يجامع امرأته بمشهد امرأة أخرى، ولو كان الثالث جارية له، فقد روي أن محمداً - رحمه الله - كان يقول أولاً: تصح خلوته، ثم رجع وقال: لا تصح. وجه قوله الأول: أن الأمة ليست لها حرمة الحرة، فلا يحتشم المولى منها؛ ولذا(١) يجوز لها النظر إليه فلا تمنعه عن الوطء. وجه قوله الأخير: إن الأمة إن كان يجوز لها النظر إليه - لا يجوز لها النظر إليها، فتنقبض المرأة لذلك، وكذا قالوا: لا يحل له الوطء بمشهد منها؛ كما لا يحل بمشهد امرأته الأُخرى، ولا خلوة في المسجد، والطريق، والصحراء، وعلى سطح لا حجاب عليه؛ لأن المسجد يجمع الناس للصلاة، ولا يؤمن من الدخول عليه ساعة فساعة، وكذا الوطء في المسجد حرام، قال الله - عز وجل: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والطريق ممر الناس(٢) لا تخلو عنهم عادة، وذلك يوجب الانقباض فيمنع الوطء، وكذا الصحراء والسطح من غير حجاب؛ لأن الإنسان ينقبض عن الوطء في مثله؛ لاحتمال أن يحصل هناك ثالث، أو ينظر إليه أحد، معلوم ذلك بالعادة. ولو خلا بها في حجلة أو قبة، فأرخى الستر عليه - فهو خلوة صحيحة؛ لأن ذلك في معنى البيت، ولا خلوة في النكاح الفاسد؛ لأن الوطء فيه حرام، فكان المانع الشرعي قائماً؛ ولأن الخلوة مما يتأكد به المهر، وتأكده بعد وجوبه يكون، ولا يجب بالنكاح الفاسد شيء، فلا يتصور التأكد، والله - عز وجل - أعلم. ثم في كل موضع صحت الخلوة وتأكد المهر - وجبت العدة؛ لأن الخلوة الصحيحة لما أوجبت كمال المهر؛ فلأن توجب العدة أولى؛ لأن المهر خالص حق العبد، وفي العدة حق (١) في أ: وكذا. (٢) في أ: الإنسان. ٥٢٦ كِتَابُ النّكَاحِ الله تعالى فيحتاط فيها، وفي كل موضع فسدت فيه الخلوة - لا يجب كمال المهر. وهل تجب العدة؟ ينظر في ذلك: إن كان الفساد لمانع حقيقي لا تجب؛ لأنه لا يتصور ٣٤ب الوطء مع وجود المانع الحقيقي منه. وإن/ كان المانع شرعياً أو طبعيّاً تجب؛ لأن الوطء مع وجود هذا النوع من المانع ممكن، فيتهمان في الوطء، فتجب العدة عند الطلاق احتياطاً، والله - عز وجل - الموفق. وأما التأكد بموت أحد الزوجين، فنقول: لا؛ خلاف في أن أحد الزوجين إذا مات حتف أنفه قبل الدخول في نكاح فيه تسمية أنه يتأكد المسمى، سواء كانت المرأة حرة أو أمة؛ لأن المهر كان واجباً بالعقد، والعقد لم ينفسخ بالموت بل انتهى نهايته؛ لأنه عقد [يعقد] (١) للعمر، فتنتهي نهايته عند انتهاء العمر، وإذا انتهى يتأكد فيما مضى، ويتقرر بمنزلة الصوم، يتقرر بمجيء الليل فيتقرر الواجب؛ ولأن كل المهر لما وجب بنفس العقد صار ديناً عليه، والموت لم يعرف مسقطاً للدين في أصول الشرع، فلا يسقط شيء منه بالموت كسائر الديون؛ وكذا إذا قتل أحدهما، سواء كان قتله أجنبي أو قتل أحدهما صاحبه، أو قتل الزوج نفسه. فأما إذا قتلت المرأة نفسها؛ فإن كانت حرة لا يسقط عن الزوج شيء من المهر، [بل يتأكد المهر](٢) عندنا، وعند زفر والشافعي: يسقط المهر. وجه قولهما: إنها بالقتل فوتت على الزوج حقه في المبدل، فيسقط حقها في البدل؛ كما إذا ارتدت قبل الدخول، أو قبلت ابن زوجها أو أباه. ولنا: أن القتل إنما يصير تفويتاً للحق عند زهوق الروح؛ لأنه إنما يصير(٣) قتلاً في حق المحل عند ذلك، والمهر في تلك الحالة ملك الورثة، فلا يحتمل السقوط بفعلها؛ كما إذا قتلها زوجها أو أجنبي، بخلاف الردة والتقبيل؛ لأن المهر وقت التقبيل والردة كان ملكها، فاحتمل السقوط بفعلها؛ [كما إذا قتلها زوجها](٤) [أو قتل المولى أمته](٥) - سقط مهرها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يسقط بل يتأكد. وجه قولهما: إن الموت مؤكد للمهر وقد وجد الموت؛ لأن المقتول ميت بأجله، فيتأكد بالموت؛ كما إذا قتلها أجنبي، أو قتلها زوجها، وكالحرة إذا قتلت نفسها؛ ولأن الموت إنما أكد المهر؛ لأنه ينتهي به النكاح، والشيء إذا انتهى نهايته يتقرر، وهذا المعنى موجود في القتل؛ لأنه ينتهي به النكاح، فيتقرر به المبدل، وتقرر المبدل يوجب تقرر البدل. (١) سقط في ط. (٣) في أ: يتم. (٢) في أ: بل يتأكد الكل عليه. (٤) سقط في أ. (٥) بدل ما بين المعكوفين في أ: وإن كانت أمة فقتلها مولاها. ٥٢٧ كِتَابُ النّكَاحِ ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن من له البدل فوت المبدل على صاحبه، وتفويت المبدل على صاحبه [ممن يستحق البدل](١) يوجب سقوط البدل؛ كالبائع إذا أتلف المبيع قبل القبض، أنه يسقط الثمن لما قلنا، كذا هذا. ولا شك أنه وجد تفويت المبدل ممن يستحق البدل؛ لأن المستحق للمبدل هو المولى، وقد أخرج المبدل عن كونه مملوكاً للزوج، والدليل على أن هذا يوجب سقوط البدل أن الزوج لا يرضى يملك البدل عليه بعد فوات المبدل عن ملكه، فكان إيفاء البدل عليه بعد زوال المبدل عن ملكه - إضراراً به . والأصل في الضرر ألا يكون، فكان إقدام المولى على تفويت المبدل عن ملك الزوج - والحالة هذه - إسقاطاً للبدل دلالة، فصار كما لو أسقطه نصاً بالإبراء، بخلاف الحرة إذا قتلت نفسها؛ لأنها وقت فوات المبدل لم تكن مستحقة للبدل؛ لانتقاله إلى الورثة(٢) على ما بينا، والإنسان لا يملك إسقاط حق غيره، ولههنا بخلافه، ولأن المهر وقت فوات المبدل على الزوج ملك المولى وحقه، والإنسان يملك التصرف في ملك نفسه استيفاء وإسقاطاً؛ فكان محتملاً للسقوط بتفويت المبدل دلالة؛ كما كان محتملاً للسقوط بالإسقاط نصاً بالإبراء، وهو الجواب عما إذا قتلها زوجها أو أجنبي؛ لأنه لا حق للأجنبي ولا للزوج في مهرها، فلا يحتمل السقوط بإسقاطهما ولهذا لا يحتمل السقوط بإسقاطهما نصّاً، فكيف يحتمل السقوط من طريق الدلالة. والدليل على التفرقة بين هذه الفصول أن قتل الحرة نفسها لا يتعلق به حكم من أحكام الدنيا فصار كموتها حتف أنفها، حتى قال أبو حنيفة ومحمد: ((إنها تغسل ويصلى عليها؛ كما لو ماتت حتف أنفها، وقتل المولى أمته يتعلق به وجوب الكفارة، وقتل الأجنبي إياها يتعلق به وجوب القصاص إن كان عمداً، والدية والكفارة إن كان خطأ؛ فلم يكن قتلها بمنزلة الموت. هذا إذا قتلها المولى. فأما إذا قتلت نفسها فعن أبي حنيفة فيه روايتان، روى أبو يوسف عنه: أنه لا مهر لها، وروى محمد عنه: إن لها المهر، وهو قولهما. وجه الرواية الأولى: إن قتلها نفسها بمنزلة قتل المولى إياها؛ بدليل أن جنايتها كجنايته في باب الضمان؛ لأنها مضمونة بمال المولى، ولو قتلها المولى يسقط المهر عنده؛ فكذا إذا قتلت نفسها . وجه الرواية الأُخرى: أن البدل حق المولى وملكه، فتقويت المبدل منها لا يوجب بطلان حق المولى، بخلاف/ جناية المولى، والدليل على التفرقة بين الجنايتين أن جنايتها على نفسها ١٣٥ هدر؛ بدليل أنه لا يتعلق بها حكم من أحكام الدنيا فالتحقت بالعدم، وصارت كأنها ماتت (١) سقط في ط . (٢) في أ: للورثة. ٥٢٨ كِتَابُ التّكَاحِ حتف أنفها، بخلاف جناية المولى عليها؛ فإنها مضمونة بالكفارة وهي من أحكام الدنيا، فكانت جنايته عليها معتبرة، فلا تجعل بمنزلة الموت، والله - عز وجل - الموفق. وإذا تأكد المهر بأحد المعاني التي ذكرناها لا يسقط بعد ذلك، وإن كانت الفرقة من قبلها؛ لأن البدل بعد تأكده لا يحتمل السقوط إلا بالإبراء؛ كالثمن إذا تأكد بقبض المبيع، وأما إذا مات أحد الزوجين في نكاح لا تسمية فيه، فإنه يتأكد مهر المثل عند أصحابنا، وهو مذهب عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - وعن علي - رضي الله تعالى عنه - أنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ، وبه أخذ الشافعي إلا أنه قال: متعتها ما استحقت من الميراث لا غير. احتج من قال بوجوب المتعة بقوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَقْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتْعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله - عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ .... ﴾ [الأحزاب: ٤٩] إلى قوله - عز وجل: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، أمر - سبحانه وتعالى - بالمتعة، من غير فصل بين حال الموت وغيرها، وللنص وإن ورد في الطلاق، لكنه يكون وارداً في الموت . ألا ترى أن النص ورد في صريح الطلاق، ثم ثبت حكمه في الكنايات من الإبانة والتسريح والتحريم، ونحو (١) ذلك؛ كذا لههنا. ولنا ما روينا عن مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَضَى فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَقَدْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا - بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ ولأن المعنى الذي له وجب كل المسمى بعد موت أحد الزوجين في نكاح فيه تسمية موجود في نكاح لا تسمية فيه، وهو ما ذكرنا فيما تقدم، ولا حجة له في الآية؛ لأن فيها إيجاب المتعة في الطلاق لا في الموت، فمن ادعى إلحاق الموت بالطلاق فلا بد له من دليل آخر . فصل في بيان ما يسقط به كل المهر وأما بيان ما يسقط به كل المهر: فالمهر كله يسقط بأسباب أربعة: منها الفرقة بغير طلاق قبل الدخول بالمرأة وقبل الخلوة بها، فكل فرقة حصلت بغير طلاق قبل الدخول وقبل الخلوة - تسقط جميع المهر، سواء كانت من قبل المرأة أو من قبل الزوج، وإنما كان كذلك؛ لأن الفرقة بغير طلاق تكون فسخاً للعقد، وفسخ العقد قبل الدخول يوجب سقوط كل المهر؛ لأن فسخ العقد رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن، وسنبين الفرقة التي تكون بغير طلاق، والتي تكون بطلاق إن شاء الله تعالى في موضعها. (١) في أ: وغير. ٥٢٩ كِتَابُ النّكَاحِ ومنها: الإبراء عن كل المهر قبل الدخول وبعده إذا كان المهر ديناً؛ لأن الإبراء إسقاط، والإسقاط ممن هو من أهل الإسقاط في محل قابل للسقوط - يوجب السقوط. ومنها: الخلع على المهر قبل الدخول وبعده، ثم إن كان المهر غير مقبوض سقط عن الزوج، وإن كان مقبوضاً ردته على الزوج، وإن كان خالعها على مال سوى المهر يلزمها ذلك المال، ويبرأ الزوج عن كل حق وجب لها عليه بالنكاح؛ كالمهر، والنفقة الماضية في قول أبي حنيفة - رحمه الله - لأن الخلع - وإن كان طلاقاً بعوض عندنا - لكن فيه معنى البراءة؛ لما نذكره إن شاء الله تعالى في مسألة المخالعة والمباراة في كتاب الطلاق، في بيان حكم الخلع وعمله، إن شاء الله تعالى. ومنها: هبة كل المهر قبل القبض، عيناً كان أو ديناً وبعده إذا كان عيناً، وجملة الكلام في هبة المهر أن المهر لا يخلو؛ إما أن يكون عيناً، وهو أن يكون معيناً مشاراً إليه مما يصح تعيينه، وإما أن يكون ديناً، وهو أن يكون في الذمة كالدراهم والدنانير، معينة كانت أو غير معينة، والمكيلات والموزونات في الذمة، والحيوان في الذمة؛ كالعبد والفرس، والعرض في الذمة كالثوب الهروي، والحال لا يخلو؛ إما أن يكون قبل القبض، وإما أن يكون بعد القبض، وهبت كل المهر أو بعضه، فإن وهبته كل المهر قبل القبض، ثم طلقها قبل الدخول بها - فلا شيء له عليها، سواء كان المهر عيناً أو ديناً في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: يرجع عليها بنصف المهر إن كان ديناً، وبه أخذ الشافعي. وجه قول زفر: إنها بالهبة تصرفت في المهر بالإسقاط، وإسقاط الدين استهلاكه، والاستهلاك يتضمن القبض؛ فصار كأنها قبضت ثم وهبت. ولنا أن الذي يستحقه الزوج بالطلاق قبل القبض(١) - عاد إليه من جهتها بسبب لا يوجب الضمان؛ لأنه يستحق نصف المهر فقد عاد إليه بالهبة، والهبة لا توجب الضمان، فلا يكون له حق الرجوع عليها بالنصف كالنصف الآخر/ . ٣٥ب وإن وهبت بعد القبض؛ فإن كان الموهوب عيناً فقبضه، ثم وهبه منها - لم يرجع عليها بشيء؛ لأن ما تستحقه بالطلاق قبل الدخول هو نصف الموهوب بعينه، وقد رجع إليه بعقد لا يوجب الضمان، فلم يكن له الرجوع عليها، وإن كانت ديناً في الذمة، فإن كان حيواناً أو عرضاً؛ فكذلك لا يرجع عليها بشيء؛ لأن الذي تستحقه بالطلاق قبل الدخول نصف ذلك الشيء بعينه من العبد والثوب؛ فصار كأنه تعين بالعقد. (١) في أ: الدخول. بدائع الصنائع ج٣ - م٣٤ ٥٣٠ كِتَابُ النّكَاحِ وإن كان دراهم أو دنانير معينة أو غير معينة، أو مكيلاً أو موزوناً سوى الدراهم والدنانير، فقبضته ثم وهبته منه، ثم طلقها - يرجع عليها بمثل نصفه؛ لأن المستحق بالطلاق ليس هو الذي وهبته بعينه بل مثله؛ بدليل أنها كانت مخيرة في الدفع؛ إن شاءت دفعت ذلك بعينه، وإن شاءت دفعت مثله؛ كما كان الزوج مخيراً في الدفع إليها بالعقد، فلم يكن العائد إليه عين ما يستحقه بالطلاق قبل الدخول، فصار كأنها وهبت مالاً آخر، ولو كان كذلك لرجع عليها بمثل نصف الصداق؛ كذا هذا. وقال زفر: في الدراهم والدنانير إذا كانت معينة فقبضتها، ثم وهبتها ثم طلقها؛ أنه لا رجوع للزوج عليها بشيء؛ بناء على أن الدراهم والدنانير عنده تتعين بالعقد، فتتعين بالفسخ أيضاً كالعروض، وعندنا لا تتعين بالعقد، فلا تتعين بالفسخ [ومسألة ستأتي في كتاب البيوع](١) وكذلك إذا كان المهر ديناً، فقبضت الكل، ثم وهبت البعض(٢) - فللزوج أن يرجع عليها بنصف المقبوض؛ لأن له أن يرجع عليها إذا وهبت الكل، فإذا وهبت البعض أولى، وإذا قبضت النصف، ثم وهبت النصف الباقي، أو وهبت الكل، ثم طلقها قبل الدخول بها - قال أبو حنيفة: لا يرجع الزوج عليها بشيء، وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليها بربع المهر. وجه قولهما إن المستحق للزوج بالطلاق قبل الدخول نصف المهر، فإذا قبضت النصف دون النصف، فقد استحق النصف مشاعاً فيما في ذمته وفيما قبضت، فكان نصف النصف وهو ربع الكل في ذمته، ونصف النصف فيما قبضت، إلا أنها إذا لم تكن وهبته حتى طلقها - لم يرجع عليها بشيء؛ لأنه صار ما في ذمته قصاصاً بماله عليها، فإذا وهبت بقي حقه في نصف ما في يدها وهو الربع، فيرجع عليها بذلك. ولأبي حنيفة أن الذي يستحقه الزوج بالطلاق قبل الدخول ما في ذمته؛ بدليل أنها لو لم تكن وهبت وطلقها - لم يرجع علها بشيء، وقد عاد إليه ما كان في ذمته بسبب لا يوجب الضمان وهو الهبة، فلا يكون له الرجوع بشيء، ولو كان المهر جارية، فولدت بعد القبض، أو جنى عليها [حتى وجب الأرش](٣)، أو كان شجراً فأثمر أو دخله عيب، ثم وهبته منه، ثم طلقها قبل الدخول بها - رجع عليها بنصف القيمة؛ لأن حق الزوج ينقطع عن العين بهذه العوارض؛ بدليل أنه لا يجوز له أخذها مع الزيادة، وإذا كان حقه منقطعاً عنها لم يعد إليه بالهبة ما استحقه بالطلاق، فكان له قيمتها(٤)، وإذا حدث به عيب فألحق، وإن لم ينقطع عن العين به، لكن يجوز له تركه مع العيب، فلم يكن الحق متعلقاً بالعين على سبيل اللزوم، ولم (١) في أ: ونذكر المسألة في كتاب البيوع. (٢) في أ: النصف. (٣) في ط: أو جنى عليها فوجب الأطرش. (٤) في أ: أن يضمنها. ٥٣١ كِتَابُ النّكَاحِ يكن الواصل إلى الزوج عين ما يستحقه بالطلاق، ولو كانت الزيادة في بدنها، فوهبتها له، ثم طلقها - كان له أن يضمنها في قول أبي يوسف وأبي حنيفة خلافاً لمحمد؛ بناء على أن الزيادة المتصلة لا تمنع التنصيف عندهما، وعنده تمنع (١)، وإذا باعته المهر، أو وهبته على عوض، ثم طلقها - رجع عليها بمثل نصفه فيما له مثل، وبنصف القيمة فيما لا مثل (٢) له؛ لأن المهر عاد إلى الزوج بسبب يتعلق به الضمان، فوجب له الرجوع، وإذا ثبت له الرجوع ضمنها؛ كما لو باعته من أجنبي، ثم اشتراه الزوج من الأجنبي، ثم إن كانت باعت قبل القبض - فعليها نصف القيمة يوم البيع؛ لأنه دخل في ضمانها بالبيع، وإن كانت قبضت، ثم باعت - فعليها نصف القيمة يوم القبض؛ لأنه دخل في ضمانها بالقبض، والله - عز وجل - أعلم. فصل في بيان ما يسقط به نصف المهر وأما بيان ما يسقط به نصف المهر: فما يسقط(٣) به نصف المهر نوعان: نوع يسقط به نصف المهر صورة ومعنى، ونوع يسقط به نصف المهر معنى، والكل صورة، أما النوع الأول: فهو الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر، والمهر دين لم يقبض بعد. وجملة الكلام فيه أن الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية قد يسقط به عن الزوج، نصف المهر، وقد يعود به إليه النصف، وقد يكون له [به](٤) مثل النصف صورة ومعنى/، أو ١٣٦ معنى لا صورة، وبيان هذه الجملة أن المهر المسمى؛ إما أن يكون ديناً، وإما أن يكون عيناً، وكل ذلك لا يخلو، إما أن يكون مقبوضاً، وإما أن يكون غير مقبوض، فإن كان ديناً فلم يقبضه حتى طلقها قبل الدخول بها - سقط - نصف المسمى بالطلاق وبقي النصف. هذا طريق عامة المشايخ، وقال بعضهم: إن الطلاق قبل الدخول يسقط جميع المسمى، وإنما يجب نصف آخر ابتداء على طريقة المتعة لا بالعقد، إلا أن هذه المتعة مقدرة بنصف المسمى، والمتعة في الطلاق قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه غير مقدرة بنصف مهر المثل، وإلى هذا الطريق ذهب الكرخي والرازي، وكذا روي عن ابراهيم النخعي؛ أنه قال في الذي طلق قبل الدخول وقد سمى لها: إن لها نصف المهر وذلك متعتها. واحتجوا بقوله - عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلٍ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، أوجب الله تعالى المتعة في الطلاق قبل الدخول، من غير فصل بين ما إذا كان في النكاح تسمية أو لم (١) في أ: لا تمنع. (٣) في أ: نصف. (٢) في أ: نصف. (٤) سقط في أ. ٥٣٢ کِتَابُ النكاح يكن، إلا أن هذه المتعة قدرت بنصف المسمى بدليل آخر، وهو قوله - عز وجل: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولأن النكاح انفسخ بالطلاق قبل الدخول؛ لأن المعقود عليه عاد سليماً إلى المرأة، وسلامة المبدل لأحد المتعاقدين يقتضي سلامة البدل للآخر؛ كما في الإقالة في باب البيع قبل القبض؛ وهذا لأن المبدل إذا عاد سليماً إلى المرأة، فلو لم تسلم البدل إلى الزوج (١) لاجتمع البدل والمبدل في ملك واحد في عقد المعاوضة. وهذا لا يجوز؛ ولهذا المعنى سقط الثمن عن المشتري بالإقالة قبل القبض كذا المهر. ولعامة المشايخ قوله - عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنْصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أوجب - سبحانه وتعالى - نصف المفروض، فإيجاب نصف آخر على طريق المتعة إيجاب ما ليس بمفروض، وهذا خلاف النص؛ ولأن الطلاق تصرف في الملك بالإبطال وضعاً؛ لأنه موضوع لرفع القيد وهو الملك، فكان تصرفاً في الملك، ثم إذا بطل الملك لا يبقى النكاح في المستقبل، وينتهي لعدم فائدة البقاء، ويتقرر فيما مضى بمنزلة الإعتاق؛ لأنه إسقاط الملك، فيكون تصرفاً في الملك، ثم السبب ينتهي في المستقبل لعدم فائدة البقاء، ويتقرر فيما مضى كذا الطلاق، وكان ينبغي ألا يسقط شيء من المهر؛ كما لا يسقط بالموت، إلا أن سقوط النصف ثبت بدليل؛ ولأن المهر يجب بإحداث ملك المتعة جبراً للذل بالقدر الممكن، وبالطلاق لا يتبين أن الملك لم يكن، إلا أنه سقط [النصف](٢) بالنص. وأما النص: فقد قيل: إنه منسوخ بالنص الذي في سورة البقرة، وهو قوله - عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية، أو يحمل الأمر بالتمتع على الندب والاستحباب، أو يحمل على الطلاق في نكاح لا تسمية فيه عملاً بالدلائل . وقولهم: الطلاق فسخ النكاح ممنوع، بل هو تصرف في الملك بالقطع والإبطال، فيظهر أثره في المستقبل كالإعتاق، وبه يتبين أن المعقود عليه ما عاد إلى المرأة؛ لأن المعقود عليه هو ملك المتعة، وأنه لا يعود إلى المرأة، بل يبطل ملك الزوج عن المتعة بالطلاق، ويصير لها في المستقبل، إلا أن يعود أو يقال: إن الطلاق قبل الدخول يشبه الفسخ لما قالوا، ويشبه الإبطال لما قلنا، وشبه الفسخ يقتضي سقوط كل البدل؛ كما في الإقالة قبل القبض، وشبه الإبطال يقتضي ألا يسقط شيء من البدل؛ كما في الإعتاق قبل القبض، فيتنصف توفير الحكم(٣) على الشبهين عملاً بهما بقدر الإمكان. والدليل على صحة هذا الطريق: ما ظهر من (١) في أ: للزوج. (٣) في أ: توفيراً للحكم. (٢) سقط في ط. ٥٣٣ كِتَابُ النّكَاحِ القول عن أصحابنا فيمن تزوج امرأة على خمس من الإبل السائمة وسلمها إلى المرأة، فحال عليها الحول(١)، ثم طلقها قبل الدخول بها؛ أنه يسقط عنها نصف الزكاة. ولو سقط المسمى كله، ثم وجب نصفه بسبب آخر - لسقط كل الزكاة؛ ولأن القول بسقوط كل المهر، ثم بوجوب (٢) نصفه - غير مفيد، والشرع لا يرد بما لا فائدة فيه، والله - عز وجل - أعلم. ولو شرط مع المسمى الذي هو مال ما ليس بمال؛ بأن تزوجها على ألف درهم، وعلى أن يطلق امرأته الأخرى، أو على ألا يخرجها من بلدها، ثم طلقها قبل الدخول بها - فلها نصف المسمى وسقط الشرط؛ لأن هذا شرط إذا لم يقع الوفاء به يجب تمام مهر المثل، ومهر المثل لا يثبت في الطلاق (٣) قبل الدخول، فسقط اعتباره؛ فلم يبق إلا المسمى فيتنصف. وكذلك إن شرط مع المسمى شيئاً مجهولاً؛ كما إذا تزوجها على ألف درهم وكرامتها، أو على ألف درهم وأن يهدي إليها هدية، ثم طلقها / قبل الدخول بها - فلها نصف المسمى؛ ٣٦ب لأنه إذا لم يف بالكرامة والهدية يجب تمام مهر المثل، ومهر المثل لا مدخل له في الطلاق قبل الدخول، فسقط اعتبار هذا الشرط. وكذلك لو تزوجها على ألف أو على ألفين حتى وجب مهر المثل في قول أبي حنيفة، وفي قولهما الأقل، ثم طلقها قبل الدخول بها - فلها نصف الألف بالإجماع، أما عند أبي حنيفة؛ فلأن الواجب هو مهر المثل، وأنه لا يثبت في الطلاق قبل الدخول، وأما عندهما؛ فلأن الواجب هو الأقل فيتنصف، وكذلك لو تزوجها على ألف إن لم يكن له امرأة، وعلى ألفين إن كانت له امرأة، حتى فسد الشرط التالي عند أبي حنيفة، فطلقها قبل الدخول بها (٤) فلها نصف [الأقل لما](٥) قلنا، وعندهما الشرطان جائزان، فأيهما وجد فلها نصف ذلك بالطلاق قبل الدخول. ولو تزوجها على أقل من عشرة، ثم طلقها قبل الدخول بها - فلها نصف ما سمى وتمام خمسة دراهم؛ لأن تسمية ما دون العشرة تسمية للعشرة عندنا؛ فكأنه تزوجها على ذلك الشيء، وتمام عشرة دراهم. وإن كان قد قبضته؛ فإن كان دراهم، أو دنانير معينة أو غير معينة، أو كان مكيلاً أو موزوناً في الذمة، فقبضته وهو قائم في يدها، فطلقها - فعليها رد [مثل] (٦) نصف المقبوض، (١) في أ: الدخول. (٣) في أ: بالطلاق. (٥) في أ: الألف. (٢) في ط: يوجب. (٤) في أ: الدخول بها. (٦) سقط في ط. ٥٣٤ كِتَابُ النّكَاحِ وليس عليها رد عين ما قبضت؛ لأن عين المقبوض لم يكن واجباً بالعقد، فلا يكن واجباً بالفسخ. وأما على أصل زفر: فالدراهم والدنانير تتعين بالعقد، فتتعين بالفسخ؛ فعليها رد نصف عين المقبوض إن كان قائماً. وإن كان عبداً وسطاً أو ثوباً وسطاً، فسلمه إليها، ثم طلقها قبل الدخول بها - فعليها رد نصف المقبوض؛ لأن العبد لا مثل له، والأصل فيما لا مثل له أنه لا يجب في الذمة، إلا أنه وجب الوسط منه في الذمة، وتحملت الجهالة فيه؛ لما ذكرنا فيما تقدم، فإذا تعين بالقبض كان إيجابا نصف العين أعدل من إيجاب المثل أو القيمة، فوجب عليها رد نصف عين المقبوض؛ كما لو كان معيناً فقبضته، ولا يملكه الزوج بنفس الطلاق لما نذكر، وهذا إذا كان المهر ديناً فقبضته، أو لم تقبضه(١) حتى ورد الطلاق قبل الدخول، فأما إذا كان عيناً بأن كان معيناً مشاراً إليه مما يحتمل التعيين؛ كالعبد والجارية وسائر الأعيان ــ فلا يخلو؛ إما إن كان بحاله لم يزد ولم ينقص، وأما إن زاد أو نقص، فإن كان بحاله لم يزد ولم ينقص؛ فإن كان غیر مقبوض، فطلقها قبل الدخول بها - عاد الملك في النصف إليه بنفس الطلاق، ولا يحتاج للعود إليه إلى الفسخ والتسليم (٢) منها، حتى لو كان المهر أمة، فأعتقها الزوج قبل الفسخ والتسليم - ينفذ إعتاقه في نصفها بلا خلاف. وإن كان مقبوضاً لا يعود الملك في النصف إليه بنفس الطلاق، ولا ينفسخ ملكها في النصف حتى يفسخه الحاكم، أو تسلمه المرأة. وذكر ذلك في الزيادات، وزاد عليه الفسخ من الزوج، وهو أن يقول: قد فسخت. هذا جواب ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف؛ أنه ينفسخ ملكها في النصف بنفس الطلاق. وهو قول زفر، حتى لو كان المهر أمة، فأعتقها قبل الفسخ والتسليم - جاز إعتاقها في جميعها، ولا يجوز إعتاق الزوج فيها، وعلى قول أبي يوسف: لا يجوز إعتاقها إلا في النصف، ويجوز إعتاق الزوج في نصفها . وجه قول أبي يوسف: أن الموجب للعود هو الطلاق وقد وجد، فيعود ملك الزوج؛ كالبيع إذا فسخ قبل القبض؛ أنه يعود ملك البائع بنفس الفسخ؛ كذا هذا. وجه قولهما: إن العقد، وإن انفسخ بالطلاق، فقد بقي القبض بالتسليط الحاصل بالعقد، (١) في ط وهذا إذا كان المهر ديناً ولم تقبضه. (٢) في أ: أو التسليم. ٥٣٥ كِتَابُ النكاح وأنه من أسباب الملك عندنا، فكان سبب الملك قائماً؛ فكان الملك قائماً، فلا يزول إلا بالفسخ من القاضي؛ لأنه فسخ سبب الملك أو بتسليمها؛ لأن تسليمها نقض للقبض حقيقة، أو بفسخ الزوج على رواية الزيادات؛ لأنه بمنزلة المقبوض بحكم عقد فاسد، وكل واحد من العاقدين بسبيل من فسخ عقد البيع الفاسد؛ وصار كما لو اشترى عبداً بجارية، فقبض العبد ولم يسلم الجارية، حتى هلكت الجارية في يده؛ أنه ينفسخ العقد في الجارية، ويبقى الملك في العبد المقبوض إلى أن يسترد؛ كأنه مقبوض بحكم عقد فاسد كذا هذا؛ ولأن المهر بدل يملك بالعقد ملكاً مطلقاً، فلا ينفسخ الملك فيه يفعل أحد العاقدين؛ كالثمن في باب البيع، بخلاف ما قبل القبض؛ لأن غير المقبوض ليس بمملوك ملكاً مطلقاً. هذا إذا كان المهر بحاله لم يزد ولم ينقص، فأما إذا زاد فالزيادة لا تخلو، إما أن كانت في المهر، أو على المهر، فإن كانت على المهر؛ بأن سمى الزوج لها ألفاً، ثم زادها بعد العقد/ مائة، ثم طلقها قبل الدخول ١٣٧ بها - فلها نصف الألف، وبطلت الزيادة في ظاهر الرواية . وروي عن أبي يوسف أن لها نصف الألف، ونصف الزيادة أيضاً. [وجه رواية أبي يوسف](١) قوله - عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والزيادة مفروضة، فيجب تنصيفها في الطلاق قبل الدخول، ولأن الزيادة تلتحق بأصل العقد على أصل أصحابنا؛ كالزيادة في الثمن في باب البيع، ويجعل كأن العقد ورد على الأصل والزيادة جميعاً، فيتنصف بالطلاق قبل الدخول كالأصل. وجه ظاهر الرواية: أن هذه الزيادة لم تكن مسماة في العقد حقيقة، وما لم يكن مسمى في العقد، فورود الطلاق قبل الدخول يبطله كمهر المثل. وأما قوله الزيادة تلتحق بأصل العقد، قلنا: الزيادة على المهر لا تلتحق بأصل العقد؛ لأنها وجدت متأخرة عن العقد حقيقة، وإلحاق المتأخر عن العقد بالعقد خلاف الحقيقة، فلا يصار إليه إلا لحاجة، والحاجة إلى ذلك في باب البيع؛ لكونه عقد معاينة (٢)، ومبادلة المال بالمال فتقع الحاجة إلى الزيادة دفعاً للخسران، وليس النكاح عقد معاينة (٣)، ولا مبادلة المال بالمال، [ولا يحترز](٤) به عن الخسران؛ فلا ضرورة إلى تغيير الحقيقة. وأما النص؛ فالمراد منه الفرض في العقد؛ لأنه هو المتعارف، فينصرف المطلق إليه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ الفِرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، فدل (١) في أ: وجه قوله ظاهر. (٢) في أ: مغابنة. (٣) في أ: مغابنة. (٤) في أ: ليتحرز. ٥٣٦ كِتَابُ النكاح أن الزيادة ليست بفريضة، وإن كانت في المهر فالمهر لا يخلو؛ إما أن يكون في يد الزوج، وإما أن يكون في يد المرأة، فإن كان في يد الزوج فالزيادة لا تخلو؛ إما أن كانت متصلة بالأصل، وإما أن كانت منفصلة عنه، والمتصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الأصل، كالسمن، والكبر، والجمال، والبصر والسمع والنطق؛ كانجلاء بياض العين، وزوال الخرس والصمم، والشجر إذا أثمر، والأرض إذا زرعت، أو غير متولدة منه؛ كالثوب إذا صبغ، والأرض(١) إذا بني فيها بناء. وكذا المنفصلة لا تخلو أما إن كانت متولدة من الأصل كالولد والوبر والصوف إذا جز أو الشعر إذا أزيل، والثمر إذا جذ والزرع إذا حصد، أو كانت في حكم المتولدة منه كالأرش والعقر، وأما إن كانت غير متولدة منه، [ولا في حكم المتولد](٢) كالهبة والكسب؛ فإن كانت الزيادة متولدة من الأصل، أو في حكم المتولد - فهي مهر، سواء كانت متصلة بالأصل أو منفصلة عنه، حتى لو طلقها قبل الدخول بها يتنصف الأصل والزيادة جميعاً بالإجماع؛ لأن الزيادة تابعة للأصل؛ لكونها نماء الأصل، والأرض (٣) بدل جزء هو مهر فليقوم مقامه، والعقر بدل ما هو في حكم الجزء؛ فكان بمنزلة المتولد من المهر [فكان مهراً] (٤)، فإذا حدثت قبل القبض وللقبض شبه بالعقد، فكان وجودها عند القبض؛ كوجودها عند العقد؛ فكانت محلاً للفسخ. وإن كانت غير متولدة من الأصل، فإن كانت متصلة بالأصل؛ فإنها تمنع التنصيف، وعليها نصف قيمة الأصل؛ لأن هذه الزيادة ليست بمهر لا مقصوداً ولا تبعاً؛ لأنها لم تتولد . من المهر، فلا تكون مهراً؛ فلا تتنصف، ولا يمكن تنصيف الأصل بدون تنصيف الزيادة، فامتنع التنصيف، فيجب عليها نصف قيمة الأصل يوم الزيادة، لأنها بالزيادة صارت قابضة للأصل، فتعتبر قيمته يوم حكم بالقبض، وإن كانت منفصلة عن الأصل؛ فالزيادة ليست بمهر، وهي كلها للمرأة في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، ولا تتنصف ويتنصف الأصل. وعند أبي يوسف ومحمد: هي مهر؛ فتتنصف مع الأصل. ووجه قولهما: إن هذه الزيادة تملك بملك الأصل، فكانت تابعة للأصل، فتتنصف مع الأصل؛ كالزيادة المتصلة والمنفصلة المتولدة من الأصل كالسمن والولد، ولأبي حنيفة أن هذه الزيادة ليست بمهر لا مقصوداً ولا تبعاً، أما مقصوداً فظاهر؛ لأن العقد ما ورد عليها مقصوداً، وكذا هي غير مقصودة بملك الجارية؛ لأنه لا يقصد بتملك الجارية الهبة لها. (١) في أ: والدار والأرض. (٢) سقط في أ. (٣) في ط: والأرش. (٤) سقط في ط . ٥٣٧ كِتَابُ النِّكَاحِ وأما تبعاً؛ فلأنها ليست بمتولدة من الأصل، فدل أنها ليست بمهر لا قصداً ولا تبعاً، وإنما هي مال المرأة، فأشبهت سائر أموالها، بخلاف الزيادة المتصلة المتولدة والمنفصلة المتولدة؛ لأنها نماء المهر، فكانت جزءاً من أجزائه؛ فتنتصف كما يتنصف الأصل. ولو آجر الزوج المهر بغير إذن المرأة - فالأجرة له؛ لأن المنافع ليست بأموال متقومة بأنفسها عندنا، وإنما/ تأخذ حكم المالية والتقوم بالعقد، والعقد صدر من الزوج، فكانت ٣٧ب الأجرة له؛ كالغاصب إذا آجر المغصوب، ويتصدق بالأجرة؛ لأنها مال حصل بسبب محظور، وهو التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فيتمكن فيه الخبث؛ فكان سبيله التصدق به، هذا إذا كان المهر في يد الزوج، فحدثت فيه الزيادة. فأما إذا كان في يد المرأة، أي: قبل الفرقة، فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل؛ فإنها تمنع التنصيف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وللزوج عليها نصف القيمة يوم سلمه إليها . وقال محمد: لا تمنع ويتنصف الأصل مع الزيادة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، جعل - سبحانه وتعالى - في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه فرض نصف المفروض، [فمن جعل فيه نصف قيمة المفروض فقد خالف النص، وإذا وجب تنصيف أصل المفروض](١) ولا يمكن تنصيفه إلا بتنصيف الزيادة، فيجب تنصيف الزيادة [ضرورة؛ ولأن هذه الزيادة تابعة للأصل من كل وجه؛ لأنها قائمة به، والأصل مهر؛ فكذا الزيادة](٢)، بخلاف الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل؛ لأنها ليست بتابعة محضة؛ لأن الولد بالانفصال صار أصلاً بنفسه، فلم يكن مهراً، وبخلاف الزيادة المتصلة في الهبة؛ أنها تمنع من الرجوع والاسترداد؛ لأن حق الرجوع في الهبة ليس بثابت بيقين؛ لكونه محل الاجتهاد، فلا يمكن إلحاق الزيادة بحالة العقد، فتعذر إيراد الفسخ عليها؛ فيمنع الرجوع. وجه قولهما: إن هذه الزيادة لم تكن موجودة عند العقد، ولا عند ما له شبه بالعقد وهو القبض، فلا يكون لها حكم المهر، فلا يمكن فسخ العقد فيها بالطلاق قبل الدخول؛ لأن الفسخ إنما يرد على ما ورد عليه العقد، والعقد لم يرد عليه أصلاً، فلا يرد عليه الفسخ؛ كالزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل؛ ولأنه لو نقض العقد، فأما أن يرد نصف الأصل مع نصف الزيادة، أو بدون الزيادة، لا سبيل إلى الثاني؛ لأنه لا يتصور رد الأصل بدون رد الزيادة المتصلة، ولا سبيل إلى الأول؛ لأنه يؤدي إلى الربا؛ لأنها إذا لم تكن محلاً للفسخ لعدم ورود (١) سقط في: أ. (٢) سقط في: أ. ٥٣٨ كِتَابُ التّكَاحِ العقد عليها - كان أخذ الزيادة منها أخذ مال بلا عوض في عقد المعاوضة. وهذا تفسير الربا، ويجب نصف قيمة المفروض لا نصف المفروض؛ [لأن المفروض] (١) صار بمنزلة الهالك. وأما الآية الكريمة؛ فلا حجة له فيها؛ لأن مطلق المفروض ينصرف إلى المفروض المتعارف، وهو الأثمان دون السلع، والأثمان لا تحتمل الزيادة والنقصان؛ وعلى هذا الاختلاف الزيادة المتصلة في البيع إذا اختلفا أنها تمنع التحالف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا تمنع. ولو هلكت هذه الزيادة في يد الزوج ثم طلقها فلها نصف الأصل؛ لأن المانع من التنصيف قد ارتفع. وإن كانت متصلة غير متولدة من الأصل؛ فإنها تمنع التنصيف، وعليها نصف قيمة الأصل؛ لما بينا فيما تقدم، وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل؛ فإنها تمنع التنصيف في قول أصحابنا الثلاثة، وعليها رد نصف قيمة الأصل إلى الزوج. وقال زفر: لا تمنع، ويتنصف الأصل مع الزيادة. وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل فهي لها خاصة، والأصل بينهما نصفان بالإجماع. وجه قول زفر: إن الزيادة تابعة للأصل؛ لأنها متولدة منه، فتتنصف مع الأصل؛ كالزيادة الحادثة قبل القبض. ولنا: أن هذه الزيادة لم تكن عند العقد ولا عند القبض؛ فلم تكن مهراً، والفسخ إنما يرد على ما له حكم المهر؛ فلا تتنصف، وتبقى على ملك المرأة كما كانت قبل الطلاق، ولا يمكن تنصيف الأصل بدون الزيادة، وهو رد نصف الجارية بدون الولد؛ لأنها لا يصير لها فضل أصل فسخ العقد فيه ما لم يكن لها ذلك، والأصل ألا تبدل من غير بدل، وذلك وصف الراب وأنه حرام، فإذا تعذر تنصيف المفروض لمكان الربا يجعل المفروض كالهالك؛ لأنه في حق كونه معجوز التسليم إلى الزوج بمنزلة الهالك، فيجب نصف القيمة؛ ليزول معنى الربا، والله - عز وجل - أعلم. وكذلك لو ارتدت، أو قبلت ابن زوجها قبل الدخول بها، بعدما حدثت الزيادة في يد المرأة - فذلك كله لها، وعليها رد قيمة الأصل يوم قبضت. كذا ذكر أبو يوسف في الأصل وهو قول محمد. وروي عن أبي يوسف: أنها ترد الأصل والزيادة، ففرق بين الردة والتقبيل، وبين الطلاق، فقال في الطلاق: ترد نصف قيمة الأصل، وفي الردة والتقبيل: ترد الأصل والزيادة جميعاً. (١) سقط في أ. ٥٣٩ كِتَابُ النّكَاحِ ووجه الفرق أن/ الردة والتقبيل فسخ العقد من الأصل، وجعل إياه كأن لم يكن، فصار ١٣٨ كمن باع عبداً بجارية، وقبض الجارية ولم يدفع العبد حتى ولدت، ثم مات العبد قبل أن يدفعه؛ أنه يأخذ الجارية وولدها؛ لانفساخ العقد من الأصل بموت العبد في يد بائعه، كذا هذا، بخلاف الطلاق؛ فإنه إطلاق وحل العقد وليس بفسخ، فينحل العقد وتطلق، أو يرتفع من حين الطلاق لا من الأصل. وجه ظاهر الرواية: أن المعقود عليه في الفصلين جميعاً، أعني: الطلاق والردة بعود سليماً إلى المرأة كما كان، إلا أن الطلاق قبل الدخول طلاق من وجه وفسخ من وجه، فأوجب عود نصف البدل عملاً بالشبهين، والردة والتقبيل كل واحد منهما فسخ من كل وجه، فيوجب عود الكل إلى الزوج، هذا كله إذا حدثت الزيادة قبل الطلاق. فأما إذا حدثت بعد الطلاق؛ بأن طلقها، ثم حدثت الزيادة - فلا يخلو؛ إما أن حدثت بعد القضاء بالنصف للزوج، وإما أن حدثت قبل القضاء، وكل ذلك قبل القبض أو بعده، فإن حدثت قبل القبض - فالأصل والزيادة بينهما نصفان، سواء وجد القضاء أو لم يوجد؛ لأنه كما وجد الطلاق عاد نصف المهر إلى الزوج بنفس الطلاق، وصار بينهما نصفين، فالزيادة حدثت على ملكيهما فتكون بينهما، وإن حدثت بعد القبض، فإن كانت بعد القضاء بالنصف للزوج، فكذلك الجواب؛ لأنه لما قضى به فقد عاد نصف المهر إلى الزوج فحصلت الزيادة على الملکین؛ فكانت بينهما. وإن كان قبل القضاء بالنصف للزوج فالمهر في يدها؛ كالمقبوض بعقد فاسد؛ لأن الملك كان لها، وقد فسخ ملكها في النصف بالطلاق، حتى لو كان المهر عبداً فأعتقه بعد الطلاق قبل القضاء بالنصف للزوج - جاز إعتاقها، ولو أعتقه الزوج لا ينفذ، وإن قضى القاضي له بعد ذلك؛ كالبائع إذا أعتق العبد المبيع بيعاً فاسداً؛ أنه لا ينفذ عتقه، وإن رد عليه بعد ذلك كذا لهُهنا. هذا الذي ذكرنا حكم الزيادة . وأما حكم النقصان: فحدوث النقصان في المهر لا يخلو؛ إما أن يكون في يد الزوج، وإما أن يكون في يد المرأة، فإن كان في يد الزوج؛ فلا يخلو من خمسة أوجه: إما أن يكون بفعل أجنبي، وإما أن يكون بآفة سماوية، وإما أن يكون بفعل الزوج، وإما أن يكون بفعل المهر، وإما أن يكون بفعل المرأة، وكل ذلك لا يخلو؛ إما أن يكون قبل قبض المهر أو بعده والنقصان فاحش أو غير فاحش، فإن كان النقصان بفعل أجنبي، وهو فاحش قبل القبض - فالمرأة بالخيار؛ إن شاءت أخذت العبد الناقص واتبعت الجاني بالأرش، وإن شاءت تركت وأخذت من الزوج قيمة العبد يوم العقد، ثم يرجع الزوج على الأجنبي بضمان النقصان وهو الأرش. ٥٤٠ كِتَابُ النّكَاحِ أما ثبوت الخيار؛ فلأن المعقود عليه وهو المهر قد تغير قبل القبض؛ لأنه صار بعضه قيمة، ويعتبر المعقود عليه قبل القبض، فوجب الخيار؛ كتغير المبيع قبل القبض، فإن اختارت أخذ العبد (١) اتبعت الجاني بالأرش؛ لأن الجناية حصلت على ملكها، وإن اختارت أخذ القيمة اتبع الزوج الجاني بالأرش؛ لأنه يملك العين بأداء الضمان، فقام مقام المرأة فكان الأرش له، وليس لها أن تأخذ العبد ناقصاً، وتضمن الزوج الأرش؛ لأنها لما اختارت أخذه فقد أبرأت الزوج من ضمانه، وإن كان النقصان بآفة سماوية - فالمرأة بالخيار؛ إن شاءت أخذته ناقصاً ولا شيء لها غير ذلك، وإن شاءت تركته وأخذت قيمته يوم العقد؛ لأن المهر مضمون على الزوج بالعقد، والأوصاف لا تضمن بالعقد؛ لعدم ورود العقد عليها موصوفاً (٢)، فلا يظهر الضمان في حقها، وإنما يظهر في حق الأصل؛ لورود العقد عليه، وإنما ثبت لها الخيار لتغير المعقود عليه، وهو المهر عما كان عليه، وهذا يثبت الخِيَار؛ كالمبيع إذا انتقص في يد البائع أنه يتخير المشتري فيه؛ كذا هذا. وإن كان النقصان بفعل الزوج ذكر في ظاهر الرواية: أن المرأة بالخيار؛ إن شاءت أخذته ناقصاً وأخذت معه أرش النقصان، وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد، كذا ذكر في ظاهر الرواية، وفرق بين هذا وبين البائع إذا جنى على المبيع قبل القبض. وروي عن أبي حنيفة؛ أن الزوج إذا جنى على المهر - فهي بالخيار؛ إن شاءت أخذته ناقصاً ولا شيء لها غير ذلك، وإن شاءت أخذت القيمة، وسوى بينه وبين المبيع . ووجه التسوية بينهما/ أنَّ المَهْرَ مضمونٌ على الزوج بالنكاح، لم يستقر ملكها فيه؛ كالمبيع في يد البائع، ثم الحكم في البيع؛ كذا هذا في النكاح. ٣٨ب ووجه الفرق في ظاهر الرواية أن الأوصاف وهي الأتباع؛ إن كانت لا تضمن بالعقد فإنها تضمن بالإتلاف؛ لأنها تصير مقصودة بالإتلاف؛ فتصير مضمونة، إلا أن المبيع لا يمكن جعله مضموناً بالقيمة؛ لأنه مضمون بضمان آخر وهو الثمن، والمحل الواحد لا يكون مضموناً بضمانين، والمهر غير مضمون على الزوج بملك النكاح بل بالقيمة؛ ألا ترى أنه لو أتلف المهر لا يبطل ملك النكاح، ولكن تجب عليه القيمة، فكذا إذا أتلف الجزء، وإن كان النقصان بفعل المهر؛ بأن جنى المهر على نفسه - ففيه روايتان، في رواية: حكم هذا النقصان ما هو حكم النقصان بآفة سماوية؛ لأن جناية الإنسان على نفسه هدر، فالتحقت بالعدم؛ فكانت كالآفة السماوية . وفي رواية: حكمه حكم جناية الزوج؛ لأن المهر مضمون في يد الضامن وهو الزوج، (١) في أ: البيع. (٢) في أ: مقصوداً.