Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كِتَابُ النّكَاحِ
وأما قول/ عثمان - رضي الله تعالى عنه -: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فالأخذ بالمحرم ١٩ب
أولى عند التعارض احتياطاً للحرمة؛ لأنه يلحقه المأثم بارتكاب المحرم، ولا مأثم في ترك
المباح؛ ولأن الأصل في الإبضاع هو الحرمة والإباحة بدليل، فإذا تعارض دليل الحل والحرمة
تدافعا، فيجب العمل بالأصل؛ وكما لا يجوز الجمع بينهما في الوطء لا يجوز في الدواعي من
اللمس والتقبيل، والنظر إلى الفرج عن شهوة؛ لأن الدواعي إلى الحرام حرام، إذا عرف هذا
فنقول: إذا ملك أختين فله أن يطأ إحداهما؛ لأن الأمة لا تصير فراشاً بالملك، وإذا وطىء
إحداهما ليس له أن يطأ الأُخرى بعد ذلك؛ لأنه لو وطىء لصار جامعاً بينهما في الوطء حقيقة،
وكذا إذا ملك جارية فوطئها، ثم ملك اختها - كان له أن يطأ الأولى لما قلنا، وليس له أن يطأ
الأُخرى بعد ذلك ما لم يحرم فرج الأولى على نفسه، إما بالتزويج أو بالإخراج عن ملكه
بالإعتاق أو بالبيع، أو بالهبة أو بالصدقة؛ لأنه لو وطىء الأخرى لصار جامعاً بينهما في الوطء
حقيقة؛ وهذا لا يجوز، ولو كاتبها يحل له وطء الأخرى في ظاهر الرواية.
وروي عن أبي يوسف؛ أنه قال: لا يحل؛ لأنه بالكتابة لم يملك وطأها غيره، وقال في
هذه الرواية أيضاً: إنه لو ملك فرج الأولى غيره لم يكن له أن يطأ الأُخرى حتى تحيض الأولى
حيضة بعد وطئها، لجواز أن تكون حاملاً، فيكون جامعاً ماءه في رحم اختين، فيستبرئها
بحيضة، حتى يعلم أنها ليست بحامل.
وجه ظاهر الرواية؛ أنه حرم فرجها على المولى بالكتابة؛ ألا ترى أنه لو وطئها لزمه
العقر، ولو وطئت بشبهة أو بنكاح كان المهر لها لا للمولى، فلا يصير بوطء الأُخرى جامعاً
بينهما في الوطء، ولو تزوج جارية ولم يطأها حتى ملك أختها - فليس له أن يطأ المشتراة؛ لأنه
الفراش يثبت بنفس النكاح؛ ولأن ملك النكاح يقصد به الوطء والولد، فصارت المنكوحة
موطوءة حكماً؛ فلو وطىء المشتراة لصار جامعاً بينهما في الوطء، ولو كانت في ملكه جارية
قد وطئها، ثم تزوج أختها، وتزوج [أخت](١) أم ولده - جاز النكاح عند عامة العلماء، ولكن
سلمة، قال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي؛ إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها
=
ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن؛ نراد البخاري: قال عروة: وثوبية مولاة لأبي لهب، كان
أبو لهب أعتقها حين أرضعت النبي ونَ﴿ فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله يبشرٌ حَيْبة، قال له: ماذا
لقيت؟ قال أبو لهب لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثوبية.
وهذا الشاهد أخرجه البخاري (١٧٥/١٠) كتاب النكاح: باب «﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ ويحرم من
الرضاع ما يحرم من النسب)) حديث (٥١٠١) وأطرافه في [٥١٠٦ - ٥١٠٧ - ٥١٢٣ - ٥٣٧٢]، ومسلم
(١٢٨/٥، وما بعدها) كتاب ((الرضاع)): باب ((تحريم الربيبة وأخت الأم)) حديث (١٥، ١٤٤٩/١٦)
وغيرهما.
(١) سقط في أ.

٤٤٢
كِتَابُ النّكَاحِ
لا يطأ الزوجة ما لم يحرم فرج الأمة التي في ملكه أو أم ولده، وقال مالك: لا يجوز النكاح.
وجه قوله إن النكاح بمنزلة الوطء؛ بدليل أنه [يثبت] (١) به النسب كالوطء، وبدليل أنه لا
يجوز له أن يطأ المملوكة لههنا بعد نكاح أختها، فلو لم يكن بمنزلة الوطء لجاز، وإذا كان
النكاح بمنزلة الوطء يصير بالنكاح جامعاً بينهما (٢) في الوطء، وأنه لا يجوز
ولنا أن النكاح ليس بوطء حقيقة، وليس بمنزلة الوطء أيضاً؛ لأن النكاح يلاقي الأجنبية،
ولا يجوز وطء الأجنبية، فلا يكون نكاحها جامعاً بينهما في الوطء، إلا أن النكاح إذا انعقد
يجعل الوطء موجوداً حكماً بعد الانعقاد؛ لما أن الحكم المختص بالنكاح هو [حل](٣) الوطء،
وثمرته المطلوبة منه الولد، ولا حصول له عادة بدون الوطء، فجعله الشارع واطئاً حكماً(٤)
بعد انعقاد النكاح، وألحق الولد بالفراش، فلو وطىء المملوكة لصار جامعاً بينهما وطأ، ولأن
الأمة لا تصير فراشاً بنفس الوطء عندنا، حتى لا يثبت النسب بدون الدعوة [عندنا](٥)، فلا
يكون نكاح أختها جمعاً بينهما في الفراش، فلا يمنع منه، وأم الولد فراشها ضعيف حتى ينتفي
نسب ولده بمجرد قوله، وهو مجرد النفي من غير لعان، وكذا يحتمل النقل إلى غيره، فلا
يحتقر النكاح جمعاً بينهما في الفراش مطلقاً، فلا يمنع نسب ولده بمجرد قوله، وهو مجرد
النفي من غير لعان، والله عز وجل أعلم.
ولا يجوز أن يتزوج أخت أم ولده التي تعتد منه؛ بأنه أعتقها، ووجبت عليها العدة في
قول أبي حنيفة - رحمه الله، ويجوز أن تتزوج أربعاً في عدتها، وقال أبو يوسف ومحمد:
يجوز كلاهما، وقال زفر: لا يجوز كلاهما.
وجه قوله(٦) أن هذه معتدة، فلا يجوز التزوج بأختها وأربع سواها؛ كالحرة المعتدة.
وجه قولهما إن الحرمة في الحرة لكان الجمع بينهما في النكاح من وجه، ولم يوجد في
أم الولد؛ لانعدام النكاح أصلاً؛ ولأن العدة في أم الولد أثر فراش الملك، وحقيقة الفراش فيها
لا يمنع النكاح، حتى لو تزوج أخت أم ولده، وأربع نسوة قبل أن يعتقها - جاز، فإذا لم يكن
فراش الملك حقيقة مانعاً - فأثره أولى - ألا يمنع.
١٢٠ ولأبي حنيفة رحمه الله أنه إنما جاز نكاح أخت أم/ الولد قبل الإعتاق؛ لضعف فراشها
على ما بينا، فإذا أعتقها قوي فراشها، فكان نكاح أختها جمعاً بينهما في الفراش، وهو
(١) سقط في ط .
(٢) في ط: لما بينا.
(٣) سقط في ط.
(٤) في ط: حكماً واطئاً.
(٥) سقط في ط .
(٦) في أ: قول زفر.

٤٤٣
كِتَابُ التّحَاحِ
استلحاق نسب ولديها، ولا يجوز استلحاق نسب ولد أختين في زمان واحد؛ ولهذا لو تزوج
أخت أم ولده لا يحل له وطء المنكوحة، حتى يزيل فراش أم الولد ونكاح الأربع، وإن كان
جمعاً بينهم وبينها في الفراش، لكن الجمع ههنا في الفراش جائز.
ألا ترى أنه جاز قبل الإعتاق، فإنه إذا تزوج أربعاً قبل الإعتاق يحل له وطؤهن ووطء أم
الولد، فكذا بعد الإعتاق، والله - عز وجل - أعلم.
فصل في الجمع بين الأجنبيات
وأما الجمع بين الأجنبيات فنوعان أيضاً: جمع في النكاح، وجمع في الوطء، ودواعيه
بملك اليمين، أما الجمع في النكاح فنقول: لا يجوز للحر أن يتزوج أكثر من أربع زوجات من
الحرائر والإماء عند عامة العلماء، وقال بعضهم(١): يباح له الجمع بين التسع، وقال بعضهم:
يباح له الجمع بين ثمانية (٢) عشر (٣).
(١) في أ: بعض الناس.
(٢) في أ: الثمانية.
(٣) أباحت الشريعة الإسلامية للمسلم أن يتزوج أربعاً من النساء إذا لم يخف عدم العدل فقد قال الله سبحانه
وتعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثَلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ فإن معنى الآية الكريمة لينكح كل فرد
منكم ما طاب له من النساء اثنين اثنين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً لذلك أجمع المسلمون على القول بأن
للمسلم أن يتزوج بأربع نسوة.
ثم إن تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية ليس من الأمور التي لا بد منها، بل هو من المباحات التي
يرجع أمرها إلى المكلف إن شاء فعل، وإن شاء ترك ما لم تبعد حدود الله.
وقد اختلف الفقهاء في المناقشة هل تحل للمسلم أو لا؟ فذهب جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة
مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد إلى القول بحرمة نكاح ما زاد على الأربع، وأنه إذا عقد مسلم
على خامسة، فالنّكَاحُ فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده.
وذهب الظاهرية، وبعض الشيعة إلى القول يحل نكاح الخامسة، ومنهم من قال يحل للمسلم أن يتزوج
إلى تسع، ومنهم من قال يحل له أن يتزوج إلى ثمانية عشر، وعليه فيصح عندهم العقد على الخامسة.
وقد استدل الظاهرية ومن معهم بالكتاب والسنة .
أما الكتاب - فقول الله تعالى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ووجه الدلالة من هذه
الآية أنهم قالوا إن الواو هنا لمطلق الجمع فقوله تعالى ﴿ومثنى وثلاث ورباع﴾ معناه أنكحوا مجموع هذا
العدد المذكور. وإذا كان يحل للمسلم أن يتزوج بالعدد المذكور كان العقد على الخامسة صحيحاً.
وأما السنة فقد قالوا إن الرسول ◌َلو تزوج بأكثر من أربع وقد مات وتحته تسع نسوة والأصل أن ما أبيح
له وَّ يباح لأمته إلا إذا قام دليل على الخصوصية ولا دليل هنا.
وتناقش هذه الأدلة بما يأتي - أما الآية فيقال لهم فيها أن المراد والتخيير بين الأعداد لا الجمع إذ لو أراد
الله سبحانه وتعالى الجمع بين تسع أو ثمانية عشر كما قلتم لقال فانكحوا تسعاً مثلاً فإن القرآن نزل بلغة =

٤٤٤
كِتَابُ التّكَاحِ
واحتجوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىْ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾
العرب. والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة - ومما يؤيد أن المراد التمييز بين
=
الأعداد ما روي عن علي بن الحسين - رضي الله عنهما - أنه قال: في تفسير الآية يعني مثنى أو ثلاث أو
رباع كما في قوله تعالى في وصف أجنحة الملائكة ﴿أو له أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ فقد أشار بذلك
إلى أن الواو هنا بمعنى أو التي هي للتنويع كما في ذكر صفة أجنحة الملائكة وعلي بن الحسين من أكبر
أئمة الشيعة فقوله هذا من أكبر الأدلة في الرد على الشيعة لكونه من أئمتهم الذين يرجعون إليهم ويدعون
أنهم معصومون:
وعليه فيكون معنى قوله تعالى ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ أن لنا أن نتزوج اثنتين اثنتين وثلاث ثلاثاً. وأربعاً
أربعاً. ولا يجوز لنا أن نتزوج خمساً خمساً ولا ما بعد ذلك من الأعداد وذلك كما تقول أقسم الدراهم
بين الزيدين درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. فمعنى ذلك أن تقع القسمة على هذا التفصيل دون
غيره فلا يجوز لنا أن نعطي أحداً من المقسوم عليهم خمسة خمسة.
ويقال لهم في السنة أن ذلك من خصائصه وَ ل ◌ّ كما خص أن ينكح من غير صداق وأن أزواجه لا ينكحن
بعده وغير ذلك من خصائص. والقول بأنه لا دليل على الخصوصة باطل. فالدليل موجود وهو أمره وضخ
لغيلان الثقفي لما أسلم وتمة عشر نسوة أن يختار منهن أربعاً ويفارق سائرهن. فإن هذا يدل على أنه لا
يباح لأحد غيره ◌َّلچر أن يتزوج بأكثر من أربع.
وأما الجمهور: فقد استدلوا على مذهبهم بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقول الله تعالى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ فإن المعنى كما قلنا
لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين. وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً. فالمراد التخيير بين
الأعداد والثلاثة لا الجمع. فإن قيل إذا كان المراد هو التخيير فلماذا لم يأت بأو التي هي للتخيير فكان
الواو. نقول إنه لو جاء بأو كان يصير المعنى أنهم لا ينكحون كلهم ألا على أحد أنواع العدد المذكور
وليس لهم أن يجعلوا بعضه على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع. لأن أو لأحد الشيئين أو
الأشياء والواو تدل على مطلق الجمع.
وأما السنة فما روي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في
الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي ◌ّلتر أن يختار منهن أربعاً رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي وَلّر أمره أن يختار منهن أربعاً ولو كان يباح للمسلم أن يتزوج أكثر من
ذلك لأقره على نكاحهن.
وقد قيل للجمهور في هذا الحديث أن تكلم فيه قال البزار جوده معمر بالبصرة وأفسده باليمين فأرسله.
ولكن يرد هذا بأن الحديث أخرجه أيضاً الإمام الشافعي - رضي الله عنه - الثقة عن معمر عن الزهري
بإسناده المذكور. وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه. فإن قيل أن البخاري قال إن هذا الحديث
غير محفوظ كما نقل عنه ذلك الترمذي فقد قال البخاري أن حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلاً
من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لتراجعن نساءك الحديث. يجاب عن هذا بما قاله ابن كثير قلت قد
جمع الإمام أحمد في روايته لهذا الحديث بين هذين الحديثين بهذا السند فليس ما ذكره البخاري فادحاً.
(١) عمدة القارىء شرح صحيح البخاري جزء (٢٠) ص ٩١.

٤٤٥
كِتَابُ النَّاحِ
[النساء: ٣] فالأولون قالوا: إن الله تعالى ذكر هذه الأعداد بحرف الواو، وأنه للجمع وجملتها
تسعة، فيقتضي إباحة نكاح تسع.
واستدلوا أيضاً بفعل رسول الله وَّر؛ أَنَّهُ تَزَوَّجَ تِسْعَ نِسْوَةٍ، وهو قدوة الأمة، والآخرون
قالوا: المثنى ضعف الاثنين، والثلاث ضعف الثلاثة، والرباع ضعف الأربعة؛ فجملتها ثمانية
عشر.
ولنا ما روي أن رَجُلاً أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانٍ نِسْوَةٍ فَاسْلَمْنَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((اختز
مِنْهُنَّ أَرْبَعاً وَفَارِقْ الْبَوَاقِي))(١) أمره بَّه بمفارقة البواقي، ولو كانت الزيادة على الأربع حلال لما
(١) أخرجبه الشافعي في الأم (٥٣/٥) كتاب النكاح - باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة. وأحمد
(١٣/٢) والترمذي (٤٣٥/٣) كتاب النكاح - باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة -
حديث (١١٢٨) وابن ماجه (٦٢٨/١) كتاب النكاح - باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة حديث
(١٩٥٣) وابن حبان (١٢٧٧ - موارد) وأبو يعلى (٣٢٥/٩) رقم (٥٤٣٧) والدارقطني (٢٦٩/٣) كتاب
النكاح باب المهر - حديث (٩٥) والحاكم (١٩٣/٢) كتاب النكاح والبيهقي (١٨١/٧) كتاب النكاح -
باب من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة. من طريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه.
قال الترمذي: هكذا رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: وسمعت محمد بن اسماعيل يقول:
هذا حديث غير محفوظ والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وقال: حدثت عن
محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة قال: محمد: وإنما حديث الزهري
عن سالم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم
قبر أبي رغال ا. هـ. وقال الحافظ في التلخيص (١٦٨/٣): وحكم مسلم في التمييز على معمر بالوهم
فيه وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: المرسل أصح وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما
وهم فيه معمر بالبصرة قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بصحته وقد أخذ ابن حبان والحاكم
والبيهقي بظاهر هذا الحكم فأخرجوه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان وأهل
اليمامة عنه قلت : - أي الحافظ :
ولا يفيد ذلك شيئاً، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها، وعلى تقدير
تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده
من كتبه على الصحة، وأما إذ رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به كابن
المديني والبخاري وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم، وقد قال الأثرم عن أحمد: هذا الحديث ليس
بصحيح، والعمل عليه، وأعله بتفرد معمر بوصله وتحديثه به في غير بلده هكذا، وقال ابن عبد البر:
طرقه كلها معلولة، وقد أطال الدارقطني في العلل تخريج طرقه، ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهري
مرسلاً، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، وقد وافق معمراً على وصله بحر بن كثير السقا عن الزهري،
لكن بحر ضعيف، وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك، ويحيى ضعيف.
(فائدة) قال النسائي أنا أبو بريد عمرو بن يزيد الجرمي أنا سيف بن عبد الله عن سرار بن مجشر، عن
أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة - الحديث - وفيه =

٤٤٦
كِتَابُ النّكَاحِ
أمره، فدل أنه منتهى العدد المشروع وهو الأربع؛ ولأن في الزيادة على الأربع خوف الجور
عليهن بالعجز عن القيام بحقوقهن؛ لأن الظاهر أنه لا يقدر على الوفاء بحقوقهن، وإليه وقعت
الإشارة بقوله - عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، أي: لا تعدلوا في
القسم والجماع والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع - فواحدة، بخلاف نكاح رسول
الله ◌َّ؛ لأن خوف الجور منه غير موهوم؛ لكونه مؤيداً على القيام بحقوقهن بالتأييد الإلهي،
فكان ذلك من الآيات الدالة على نبوته؛ لأنه آثر الفقر على الغنى، والضيق على السعة،
وتحمل الشدائد والمشاق على الهوينا [والدعة] (١) من العبادات والأمور الثقيلة، وهذه الأشياء
أسباب قطع الشهوات والحاجة إلى النساء، ومع ذلك كان يقوم بحقوقهن دل [ذلك](٢) أنه دعائية
إنما قدر على ذلك بالله تعالى.
وأما الآية فلا يمكن العمل بظاهرها؛ لأن المثنى ليس عبارة عن الاثنين، ولا الثلاث عن
الثلاث، والرباع عن الأربع، بل أدنى ما يراد بالمثنى مرتان من هذا العدد، وأدنى ما يراد
بالثلاث ثلاث مرات من [هذا] (٣) العدد، وكذا الرباع، وذلك يزيد على [التسعة وثمانية
عشر](٤) ولا قائل به - دل أن العمل بظاهر الآية متعذر؛ فلا بد لها من تأويل ولها تأويلان.
فأسلم وأسلمن معه، وفيه: فلما كان زمن عمر طلقهن، فقال له عمر: راجعهن، ورجال إسناده ثقات،
=
ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطني، واستدل به ابن القطان على صحة حديث معمر، قال ابن القطان:
وإنما اتجهت تخطئتهم حديث معمر، لأن أصحاب الزهري اختلفوا عليه، فقال مالك وجماعة عنه بلغني
فذكره وقال يونس عنه عن عثمان بن محمد بن أبي سويد، وقيل عن يونس عنه بلغني عن عثمان بن أبي
سويد، وقال شعيب عنه عن محمد بن أبي سويد، ومنهم من رواه عن الزهري قال: أسلم غيلان فلم
يذكر واسطة، قال: فاستبعدوا أن يكون عند الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً، ثم يحدث به على
تلك الوجوه الواهية، وهذا عندي غير مستبعد، والله أعلم قلت: ومما يقوى نظر ابن القطان أن الإمام
أحمد أخرجه في مسنده عن ابن علية ومحمد بن جعفر جميعاً عن معمر بالحديثين معاً، حديثه المرفوع،
وحديثه الموقوف على عمر، ولفظه: أن ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي وَّر:
اختر منهن أربعاً، فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني
لأظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع بموتك، فقذ لله فى نفسك، وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلاً،
وأيم الله لتراجعن نساءك، ولترجعن مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي
رغال، قلت: والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته، عن الزهري عن سالم عن أبيه،
بخلاف أول القصة، والله أعلم.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أ: هذا.
(٤) في أ: التسع بكثير.

٤٤٧
كِتَابُ النَّاحِ
أحدهما: أن يكون على التخيير بين نكاح الاثنين والثلاث والأربع؛ كأنه قال - عز
وجل: ((مثنى أو ثلاث أو رباع))، واستعمال الواو مكان ((أو)) جائز.
والثاني: أن يكون ذكر هذه الأعداد على التداخل، وهو أن قوله: وثلاث تدخل فيه
المثنى، وقوله - عز وجل: ﴿وَرُبَاع﴾ [النساء: ٣] يدخل فيه الثلاث؛ كما في قوله تعالى: ﴿قل
أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، [فصلت: ٩] ثم قال - عز وجل: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا
رَوَاسِيَ مِنْ فِوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] واليومان الأولان
داخلان في الأربع، لأنه لو لم يكن كذلك لكان خلق هذه الجملة في ستة أيام، ثم أخبر - عز
وجل: أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ فِي يَوْمَيْن، بقوله - عز وجل: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾
[فصلت: ١٢]، فيكون خلق الجميع في ثمانية أيام، وقد أخبر الله تعالى: ((أنه خلق السموات
والأرض في ستة أيام))، فيؤدي إلى الخلف في خبر من يستحيل عليه الخلف، فكان على
التداخل، فكذا لههنا جاز أن يكون العدد الأول داخلاً في الثاني، والثاني في الثالث، فكان في
الآية إباحة نكاح الأربع، ولا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من اثنين؛ لما روينا من الحديث،
وذكرنا من المعنى فيما تقدم.
فصل في الجمع في الوطء
وأما الجمع في الوطء ودواعيه بملك اليمين فجائز/، وإن كثرت الجواري؛ لقوله ٢٠ب
تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] أي: إن خفتم ألا تعدلوا
في نكاح المثنى والثلاث والرباع بإيفاء حقوقهن - فانكحوا واحدة، ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا في
واحدةٍ فمما ملكت أيمانكم))، كأنه قال سبحانه وتعالى هذا، أو هذا أي الزيادة على الواحدة
إلى الأربع عند القدرة على المعادلة، وعند خوف الجور في ذلك الواحدة من الحرائر، وعند
خوف الجور في نكاح الواحدة هو شراء الجواري، والتسري بهن، وذلك قوله - عز وجل:
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ذكره مطلقاً عن شرط العدد، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] من غير شرط العدد، وقال - عز
وجل: ﴿وَالمُخْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مطلقاً؛ ولأن حرمة الزيادة
على الأربع في الزوجات؛ لخوف الجور عليهن في القسم والجماع، ولم يوجد هذا المعنى في
الإماء؛ لأنه لا حق لهن قبل المولى في القسم والجماع.
فصل في شرط جواز نكاح الأمة
ومنها: ألا يكون تحته حرة هو شرط جواز نكاح الأمة، فلا يجوز نكاح الأمة على
الحرة، والأصل فيه ما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله وَلقوله؛ أنه قال: ((لاَ

٤٤٨
كِتَابُ النّكَاحِ
تُنْكَحُ الأَمَّةُ عَلَى الْحُرَّةِ» (١)، وقال علي - رضي الله تعالى عنه -: وتُنكحُ الحرةُ عَلَى الأَمَةِ
وللحرةِ الثُّلثانِ من القسم وللأمة الثلث؛ ولأن الحرية تنبىءُ عن الشرف والعزة، وكمال الحال،
فنكاح الأمة على الحرة إدخال على الحرة من لا يساويها في القسم، وذلك يشعر بالاستهانة،
وإلحاق الشين ونقصان الحال وهذا لا يجوز.
وسواء كان المتزوج حرّاً أو عبداً عندنا؛ لأن ما روينا من الحديث، وذكرنا من المعنى لا
يوجب الفصل، وعند الشافعي: يجوز للعبد أن يتزوج أمة على حرة؛ بناء على أن عدم الجواز
للحر عنده؛ لعدم شرط الجواز، وهو عدم طول الحرة؛ وهذا شرط جواز نكاح الأمة عنده في
حق الحر لا في حق العبد؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى.
وكذا خلو الحرة عن العدة شرط جواز نكاح الأمة عند أبي حنيفة - رحمه الله - وقال أبو
يوسف ومحمد: يجوز أن يتزوج أمة على حرة تعتد من طلاق بائن أو ثلاث.
وجه قولهما: إن المحرم ليس هو الجمع بين الحرة والأمة، بدليل أنه لو تزوج أمة ثم
تزوج حرة - جاز، وقد حصل الجمع، وإنما المحرم هو نكاح الأمة على الحرة، وقال التالية:
(لاَ تُنْكَحُ الأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ) (٢)، ولا يتحقق النكاح عليها بعد البينونة؛ ألا ترى أنه لو حلف لا
يتزوج على امرأته، فتزوج بعد ما أبانها في عدتها - لا يحنث.
ولأبي حنيفة أن نكاح الأمة في عدة الحرة نكاح عليها من وجه؛ لأن بعض آثار النكاح
قائم، فكان النكاح قائماً من وجه، فكان نكاحها عليها(٣) من وجه، والثابت من وجه ملحق
بالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطاً، فيحرم؛ كنكاح الأخت في عدة الأخت،
ونحو ذلك مما بينا فيما نقدم.
وأما عدم طول الحرة، وهو القدرة على مهر الحرة، وخشية العنت - فليس من شرط
جواز نكاح الأمة عند أصحابنا، والحاصل أن من شرائط جواز نكاح الأمة عند أبي حنيفة ألا
(١) أخرجه الدارقطني (٣٩/٤) كتاب ((الطلاق)): باب (( ... )) حديث (١١٢)، والبيهقي (٧/ ٣٧٠) كتاب
((الطلاق)»: باب ((ما جاء في عدد طلاق العبد، ومن قال الطلاق بالرجال والعدة بالنساء ومن قال هما
جميعاً بالنساء)».
وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٧٤/٣، ١٧٥). قال: روى الدارقطني في سننه من حديث مظاهر بن
أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَطهو: «طلاق العبد اثنتان، ولا تحل له
حتى تنكح زوجاً غيره، وقرء الأمة حيضتان، ويتزوج الحرة على الأمة، ولا يتزوج الأمة على الحرة))،
ومظاهر بن أسلم ضعيف.
(٢) تقدم تخريج الحديث.
(٣) في أ: عليهن.

٤٤٩
كِتَابُ النَّاحِ
يكون في نكاح المتزوج حرة، ولا في عدة حرة، وعندهما خلو الحرة عن [عن عدة
البينونة] (١) ليس بشرط لجواز نكاح الأمة، وعند (٢) الشافعي من شرائط جواز نكاح الأمة ألا
يكون [في نكاحه حرة، وألا يكون](٣) قادراً على مهر الحرة، وأن يخشى العنت، حتى إذا كان
في ملكه أمة يطؤها بملك اليمين - جاز له أن يتزوج أمة عندنا، وعنده لا يجوز، لعدم خشية
العنت؛ وكذلك الحر يجوز له أن يتزوج [أكثر من أمة واحدة عندنا، وعنده إذا تزوج أمة واحدة
لا يجوز له أن يتزوج] (٤) أمة أخرى؛ لزوال خشية العنت بالواحدة، ولا خلاف في أن طول
الحرة لا يمنع العبد من نكاح الأمة.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ
فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ومن كلمة شرط، فقد جعل الله - عز
وجل - العجز عن طول الحرة شرطاً لجواز نكاح الأمة، فيتعلق الجواز به؛ كما في قوله تعالى
[في كفارة الظهار](٥): ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مُسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤]، ونحو ذلك، وقال
تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، وهو الزنا، شرط سبحانه وتعالى خشية
العنت لجواز نكاح الأمة فيتقيد الجواز بهذا الشرط أيضاً؛ ولأن جواز نكاح الإماء في الأصل
ثبت بطريق الضرورة؛ لما يتضمن نكاحهن من إرقاق الحر؛ لأن/ ماء الحر حر تبعاً له، وكان ٢٢١
في نكاح الحر الأمة إرقاق حرِ جزءاً، وإلى هذا أشار عمر - رضي الله تعالى عنه - فيما روي
عنه؛ أنه قال: ((أَيُّمَا حُرِّ تَزَوَّجَ أَمَةً فَقَدْ أَرَقَّ نِصْفَهُ، وَأَيُّمَا عَبْدٌ تَزَوَّجَ حُرَّةً فَقَدْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ))، ولا
يجوز إرقاق الجزء من غير ضرورة؛ ولهذا إذا كان تحته حرة لا يجوز نكاح الأمة؛ وهذا لأن
الإرقاق إهلاك؛ لأنه يخرج به من أن يكون منتفعاً به في حق نفسه، ويصير ملحقاً بالبهائم،
وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز؛ كقطع اليد، ونحو ذلك، ولا ضرورة حالة القدرة على
طول الحرة، فبقي الحكم فيها على هذا الأصل؛ ولهذا لم يجز إذا كانت حرة؛ لارتفاع
الضرورة بالحرة، بخلاف ما إذا كان المتزوج عبداً؛ لأن نكاحه ليس إرقاق الحر؛ لأن ماءه
رقيق تبعاً له، وإرقاق الرقيق لا يتصور.
ولنا عمومات النكاح نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ
وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقوله - عز وجل: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بَإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله - عز
وجل: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، من غير فصل بين حال القدرة على مهر الحرة
وعدمها؛ ولأن النكاح عقد مصلحة في الأصل؛ لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية،
فكان الأصل فيه هو الجواز إذا صدر من الأهل في المحل، وقد وجد (٦) وأما الآية [ففيها إباحة
(١) في أ: العدة.
(٣) سقط في أ.
(٥) سقط في ط.
(٢) في أ: وقال.
(٤) سقط في أ.
(٦) في ط: وقد وجدوا.
٠
بدائع الصنائع ج٣ - م٢٩

٤٥
كِتَابُ النَّاحِ
نكاح الأمة عند عدم طول الحرة](١)، وهذا لا ينفي الإباحة عند وجود [الطول؛ فالتعليق
بالشرط عندنا يقتضي الوجود عند وجود الشرط، أما لا يقتضي العدم عند عدمه، قال الله
تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].
ثم إذا تزوج واحدة جاز، وإن كان لا يخاف الجور في نكاح المثنى والثلاث والرباع،
وقال تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُخْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُخْصِنَاتِ مِنَ
الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا لا يدل على نفي الحد عنهن عند عدم الإحصان، وهو التزوج،
وهو الجواب عن تعلقه بقوله - عز وجل: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. على
أن العنت يذكر، ويراد به الضيق؛ كقوله - عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لأعْنْتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]،
أي: لضيق عليكم، أي: من يضيق عليه النفقة والإسكان - لترك الحرة بالطلاق، وتزوج
الأمة](٢) فالطول المذكور يحتمل أن يراد به القدرة عى المهر، ويحتمل أن يراد به القدرة على
الوطء؛ لأن النكاح يذكر ويراد به الوطء، بل حقيقة الوطء على ما عرف، فكان معناه، فمن لم
يقدر منكم على وطء المحصنات وهن الحرائر، والقدرة على وطء الحرة إنما يكون في
النكاح، ونحن نقول به؛ أن من لم يقدر على وطء الحرة بأن لم يكن في نكاحه حرة - يجوز له
نكاح الأمة، ومن قدر على ذلك بأن كان في نكاحه حرة - لا يجوز له نكاح الأمة، ونقل هذا
التأويل عن علي - رضي الله تعالى عنه - فلا يكون حجة مع الاحتمال، على أن فيها إباحة نكاح
الأمة عند عدم طول الحرة، [وهذا تقديم وتأخير في الجواب عن التعليق بالآية](٣).
وأما قوله: نكاح الأمة يتضمن إرقاق الحر؛ لأن ماء الحر حر، فنقول: إن عني به إثبات
حقيقة الرق [في الماء] (٤) فهذا لا يتصور؛ لأن الماء جماد لا يوصف بالرق والحرية، وإن عني
به التسبب إلى حدوث رق الولد - فهذا مسلم، لكن أثر هذا في الكراهة لا في الحرية (٥)، فإن
نكاح الأمة في حال طول الحرة في حق العبد جائز بالإجماع، وإن كان نكاحها مباشرة سبب
حدوث الرق وعندنا نكرة(٦) نكاح الأمة مع طول الحرة.
ولو تزوج أمة وحرة في عقدة واحدة - جاز نكاح الحرة، وبطل نكاح الأمة؛ لأن كل
واحدة منهما على صاحبتها مدخولة عليها، فيعتبر حالة الاجتماع بحال الانفراد، فيجوز نكاح
الحرة؛ لأن نكاحها على الأمة حالة الانفراد جائز، فكذا حالة الاجتماع، ويبطل نكاح الأمة؛
لأن نكاحها على الحرة، وإدخالها عليها - لا يجوز حالة الانفراد، فكذا عند الاجتماع، بخلاف
ما إذا تزوج أختين في عقدة واحدة؛ لأن المحرم هناك هو الجمع بين الأختين، والجمع حصل
بهما؛ فبطل نكاحهما، ولههنا المحرم هو إدخال الأمة على الحرة لا الجمع.
(١) سقط في أ.
(٣) سقط في: أ.
(٥) في أ: الحرمة.
(٢) ما بين المعكوفين جاء بعد قوله وأما نكاح الأمة يتضمن
(٤) سقط في ط .
(٦) في أ: يكره.

٤٥١
كِتَابُ النّكَاحِ
ألا ترى أنه لو كان نكاح الأمة متقدماً على نكاح الحرة - جاز نكاح الحرة، وإن وجد
الجمع، [فكذلك إذا اقترن] (١) الأمران، والله - عز وجل - أعلم.
وكذلك إذا جمع بين أجنبية وذات محارمة - جاز نكاح الأجنبية، وبطل نكاح المحرم،
ويعتبر حالة الاجتماع بحالة الانفراد، وهل ينقسم المهر عليهما في قول أبي حنيفة: لا ينقسم،
ويكون كله للأجنبية، وعندهما: ينقسم المسمى على قدر مهر مثلها.
فصل في شرط ألا تكون منكوحة الغير
ومنها: ألا تكون مَنْكُوحة الغير؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُخْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]
معطوفاً على قوله - عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قوله:
﴿وَالْمُخْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهن ذوات الأزواج، [وسواء كان زوجها مسلماً أو
كافراً](٢) إلا المسبية التي هي ذات زوج سبيت وحدها؛ لأن قوله - عز وجل: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ
النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] عام في جميع ذوات الأزواج، ثم استثنى تعالى منها المملوكات بقوله تعالى:
﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، والمراد منها المسبيات اللاتي سبين وهن ذوات الأزواج؛
ليكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيقتضي حرمة نكاح كل ذات زوج إلا التي سبيت، كذا
روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: ((في هَذِهِ الْآيَةِ كُلُّ ذَاتٍ زَوْج ◌ِثْيَانُهَا زِناً إِلاَّ
مَا سُبِيَتْ))، والمراد منه التي سبيت وحدها، وأخرجت إلى دار الإسلام؛ لأن الفرقة ثبتت بتباين
الدارين عندنا، لا بنفس السبي، على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وصارت هي في حكم الذمية؛
ولأن اجتماع رجلين على امرأة واحدة يفسد الفراش؛ لأنه يوجب اشتباه النسب، وتضييع الولد،
وفوات السكن والألفة والمودة؛ فيفوت ما وضع النكاح له.
فصل في شرط الزوجة
ومنها: ألا تكون معتدة الغير [أيضاً](٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى
يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: ما كتب عليها من التربص؛ ولأن بعض أحكام النكاح
حالة العدة(٤) قائم، فكان النكاح قائماً من وجه، والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في
باب الحرمات؛ لأنه لا يجوز التصريح بالخطبة في حال قيام العدة، ومعلوم أن خطبتها بالنكاح
دون حقيقة النكاح فما (٥) لم تجز الخطبة، فلأن لا يجوز العقد أولى، وسواء كانت العدة عن
(١) في أ: لذلك افترق.
(٣) سقط في ط.
(٥) في أ: فلما
(٢) في أ: وسواء كانت مسلمة أو مشركة.
(٤) في ط: العدم.

٤٥٢
كِتَابُ التّكَاحِ
طلاق، أو عن وفاة، أو دخول في نكاح فاسد، أو شبهة نكاح؛ لما ذكرنا من الدلائل.
ويجوز لصاحب العدة أن يتزوجها إذا لم يكن هناك مانع آخر غير العدة؛ لأن العدة حقه
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، أضاف العدة إلى
الأزواج، فدل أنها حق الزوج، وحق الإنسان لا يجوز أن يمنعه من التصرف، وإنما يظهر أثره
في حق الغير، ويجوز نكاح المسبية بغير السابي إذا سبيت وحدها دون زوجها، وأخرجت إلى
دار الإسلام بالإجماع؛ لأنه وقعت الفرقة بينهما، ولا عدة عليها؛ لقوله - عز وجل:
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والمراد منه المسبيات اللاتي هن
ذوات الأزواج، فقد أحل الله تعالى المسبية للمولى السابي؛ إذ الاستثناء من التحريم إباحة من
حيث الظاهر، وقد أحلها - عز وجل - مطلقاً، من غير شرط انقضاء العدة؛ فدل أنه لا عدة
عليها، وكذلك المهاجرة وهي المرأة [التي جاءت] (١) إلينا من دار الحرب مسلمة مراغمة
لزوجها - يجوز نكاحها، ولا عدة عليها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: عليها
العدة ولا يجوز نكاحها.
وجه قولهما: إن الفرقة وقعت بتباين الدار(٢)، فتقع بعد دخولها دار الإسلام وهي بعد
الدخول مسلمة، وفي دار الإسلام؛ فتجب عليها العدة كسائر المسلمات.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ .... ﴾ [الممتحنة: ١٠](٣) إلى قوله - عز وجل: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَّيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أباح تعالى نكاح المهاجرة مطلقاً من غير ذكر العدة، وقوله
تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمُ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، نهى الله تعالى المسلمين عن الإمساك،
والامتناع عن نكاح المهاجرة لأجل عصمة الزوج الكافر، وحرمته؛ فالامتناع عن نكاحها
للعدة، والعدة في حق الزوج يكون إمساكاً وتمسكاً بعصمة زوجها (٤) الكافر، وهذا منهي عنه؛
ولأن العدة حق من حقوق الزوج.
ولا يجوز أن يبقى للحربي على المسلمة الخارجة إلى دار الإسلام - حق، والدليل عليه
أن لا عدة على المسبية، وإن كانت كافرة على الحقيقة، لكنها ليست في حكم الذمية تجري
عليها أحكام الإسلام، ومع ذلك ينقطع عنها حق الزوج الكافر، فالمهاجرة المسلمة حقيقة؛
لأن ينقطع عنها حق الزوج الكافر أولى، هذا إذا هاجرت إلينا وهي حائل، فأما إذا كانت حاملاً
- ففيه اختلاف الرواية عن أبي حنيفة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى.
(١) في ط: خرجت.
(٢) في أ: الدارين.
(٣) في أ: مهاجرات فامتحنوهن.
(٤) في أ: الزوج.

٤٥٣
كِتَابُ النَّاحِ
فصل في شرط ألا يكون بها حمل من آخر
ومنها: ألا يكون بها حمل ثابت النسب من الغير، فإن كان لا يجوز نكاحها، وإن لم
تكن معتدة؛ كمن تزوج أم ولد إنسان وهي حامل من مولاها - لا يجوز، وإن لم تكن معتدة؛
لوجود حمل/ ثابت النسب؛ وهذا لأن الحمل إذا كان ثابت النسب من الغير وماؤه محرم - لزم ١٢٢
حفظ حرمة مائه بالمنع من النكاح، وعلى هذا يخرج ما إذا تزوج امرأة حاملاً من الزنا؛ أنه
يجوز في قول أبي حنيفة ومحمد، ولكن لا يطؤها حتى تضع؛ وقال أبو يوسف: لا يجوز،
وهو قول زفر.
وجه قول أبي يوسف: أن هذا الحمل يمنع الوطء، فيمنع العقد أيضاً كالحمل الثابت
النسب؛ وهذا لأن المقصود من النكاح هو حل الوطء، فإذا لم يحل له وطؤها - لم يكن
النكاح مفيداً؛ فلا يجوز؛ ولهذا لم يجز إذا كان الحمل ثابت النسب؛ كذا هذا.
ولهما أن المنع من نكاح الحامل حملاً ثابت النسب؛ لحرمة ماء الوطء، ولا حرمة لماء
الزنا؛ بدليل أنه لا يثبت به النسب .
قال النبي ◌َّهِ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ))(١)، فإذا لم يكن له حرمة لا يمنع جواز
(١) ورد الحديث عن جمع من الصحابة منهم عائشة وأبي هريرة وعثمان وابن مسعود وأبي أمامة.
- أما حديث عائشة :
فأخرجه البخاري ٣٤٢/٤ كتاب البيوع باب تفسير المشبهات (٢٠٠٥٣) كتاب الخصومات باب دعوة
الوصي للميت (٢٤٢١).
وأخرجه أيضاً برقم (٢٢١٨، ٢٥٢٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢).
ومسلم ٢/ ١٠٨٠ كتاب الرضاع باب الولد للفراش، وتوقي الشبهات (٣٦/١٤٥٧).
وأبو داود ٦٩٢/١ كتاب الطلاق باب الولد للفراش (٢٢٧٣) والنسائي ٦/ ١٨٠ كتاب الطلاق باب إلحاق
الولد بالفراش وابن ماجه ٦٤٦/١ كتاب النكاح، باب الولد للفراش (٢٠٠٤) والدارمي ١٥٢/٢ كتاب
النكاح باب الولد للفراش.
والدار قطني ٢٤١/٤ كتاب الأقضية والأحكام (١٣٣ - ١٣٦).
ومالك في الموطأ ٧٣٩/٢ كتاب الأقضية باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه وأحمد في المسند (٣٧/٦،
١٢٩، ٢٠٠، ٢٢٦، ٢٣٧، ٢٤٦ - ٢٤٧) والبغوي في شرح السنة ١٩٨/٥ كتاب الطلاق/باب الولد
للفراش (٢٣٧١ - بتحقيقنا) والبيهقي في السنن ٧/ ٤١٢ والطحاوي (١٠٤/٣) والقضاعي في مسند
الشهاب كما في فتح الوهاب للغمادي ١/ ٢٥٠ (٢٠٠).
- أما حديث أبي هريرة:
فأخرجه أحمد (٢٣٩/٢، ٢٨٠، ٣٨٦، ٤٠٩، ٤٦٦، ٤٧٥، ٤٩٢) والبخاري ٣٣/١٢ كتاب الفرائض/
باب الولد للفراش (٦٧٥٠) و١٣٠/١٢ كتاب الحدود/باب للعاهر الحجر (٦٨١٨) ومسلم (١٠٨١/٢) =

٤٥٤
كِتَابُ النّكَاحِ
٠٠
كتاب الرضاع/ باب الولد للفراش (١٤٥٨) والنسائي ٦/ ١٨٠ كتاب الطلاق/ باب إلحاق الولد بالفراش
=
والترمذي ٤٦٣/٣ كتاب الرضاع/ باب ما جاء أن الولد للفراش (١١٥٧) وابن ماجه ٦٤٦/١، ٦٤٧
كتاب النكاح/ باب الولد للفراش (٢٠٠٦) والدارمي ١٥٢/٢ كتاب النكاح/ باب الولد للفراش.
والبيهقي ٧/ ٤١٢ كتاب اللعان/ باب الولد للفراش والحميدي (١٠٨٥) والقضاعي في مسند الشهاب
(٢٨٢، ٢٨٣) وعبد الرزاق في المصنف ٤٤٣/٧ (١٣٨٢١) والخطيب في التاريخ ٢٩٥/٤.
- أمَّا حديث عثمان:
رواه أبو داود ٦٩٢/١ كتاب الطلاق/ باب الولد للفراش (٢٢٧٥) حدثنا موسى بن اسماعيل، ثنا
مهدي بن ميمون أبو يحيى ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن
علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن رباح قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية فوقعت عليها فولدت
غلاماً أسود مثلي تسميته عبد الله ثم وقعت عليها فولدت غلاماً أسود مثلي فسميته عبيد الله ثم طين لها
غلام لأهلي رومي يقال له يوحنة فراطنها بلسانه فولدت غلاماً كأنه وزغة من الوزغات فقلت لها ما هذا؟
فقالت: هذا ليوحنة فرفعنا إلى عثمان أحسبه قال مهدي قال: فسألهما فاعترفا فقال لهما: أترضيان أن
أقضي بينكما بقضاء رسول الله وَل؟ إن رسول الله رول قضى أن الولد للفراش وأحسبه قال: فجلدها
وجلده و کانا مملوکین.
ورواه الطحاوي (١٠٤/٣) مختصراً.
وذكر نحوه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦/٥ وفيه أن عثمان رفعهما إلى علي فقضى فيهما بقضاء رسول
الله - * أن الولد للفراش وللعاهر الحجر وجلدهما خمسين خمسين.
وقال الهيثمي رواه أحمد والبزار وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس وبقية رجال أحمد ثقات. ا. هـ.
- أمّا حديث ابن مسعود:
رواه النسائي ١٨١/٦ كتاب الطلاق/ باب إلحاق الولد بالفراش وأبو يعلى في مسنده ٨٠/٩ (٥١٤٨).
وابن حبان كما في موارد الظمآن (١٣٣٦) والخطيب في تاريخ بغداد ١١٦/١١.
أما حديث أبي أمامة رواه أحمد ٢٦٧/٥.
وابن ماجه ١/ ٦٤٧ كتاب النكاح/ باب الولد للفراش (٢٠٠٧).
وورد أیضاً من حديث ابن الزبير:
أخرجه النسائي ١٨٠/٦ - ١٨١ كتاب الطلاق/ باب إلحاق الولد بالفراش ورواه الطبراني في الأوسط قال
الهيثمي في المجمع ١٨/٥: ((رجاله ثقات)).
ورواه ابن ماجه ٦٤٦/١ كتاب النكاح/ باب الولد للفراش (٢٠٠٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/
١٠٤ والبيهقي في السنن ٧/ ٤٠٢. كتاب اللعان/ باب الولد للفراش.
وأبو يعلى ١/ ١٧٧ (١٩٩) كلهم من طريق ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن عمر بن
الخطاب.
- وحديث علي :
قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥ :
((رواه أحمد والبزار وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس وبقية رجال أحمد ثقات)) ا. هـ. وهو في المسند
١٠٤/١.
=

٤٥٥
كِتَابُ النّكَاحِ
وقال البزار كما في كشف الأستار ١٩٧/٢ (١٥١٠):
=
((لا نعلمه عن علي إلا بهذا الإسناد وأحسب الحجاج أخطأ فيه، إنما رواه الحسن بن عبد الله بن أبي
يعقوب في إسناده له عن الحسن بن سعد عن رباح عن عثمان)).
- وحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ◌َّهِ قضى بالولد للفراش.
رواه البزار كما في كشف الأستار ١٩٧/٢، ١٩٨ (١٥١١) حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا يعقوب بن
محمد، ثنا عبد العزيز بن عمران. عن أبيه عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه به.
قال البزار: لا نعلمه عن سعد إلا بهذا الإسناد.
قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥.
((فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك)) ا. هـ.
- وحديث ابن عمر رواه البزار (١٥١٢ كشف الأستار) وفيه سنان بن الحارث.
قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥: ((فيه سنان بن الحارث ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات)).
ـ وحديث معاوية :
أخرجه أبو یعلی ٣٨٢/١٣ - ٣٨٤ (٧٣٨٩)
قال الهيثمي ١٧/٥: ((رواه أبو يعلى وإسناده منقطع ورجاله ثقات)).
وذكره الحافظ في المطالب العالية ٦٨/٢ - ٦٩ (١٦٧٥) وعزاه لأبي يعلى.
- وحديث الحسن رواه أحمد ٤٩٢/٢ حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول
الله ◌َ قضى أن الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر)» قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥: ((رواه أحمد
مرسلاً ورجاله رجال الصحيح)).
- وحديث ابن عباس:
رواه الدارقطني ١٤٢/٢ كتاب زكاة الفطر (١٨) والطبراني ١٨٣/١١ (١١٤٣٤) من طريق داود بن شبيب ثنا
يحيى بن عباد السعدي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ◌َّ قال، فذكر قال الهيثمي ١٧/٥ :
((فيه يحيى بن عباد السعدي وهو ضعيف وقال داود بن شبيب وكان من خيار الناس وبقية رجاله ثقات)).
ـ وحديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم:
رواه الطبراني في الكبير ١٩١/٥ (٥٠٥٧).
قال الهيثمي ١٨/٥: ((رواه الطبراني وفيه موسى بن عثمان الحضرمي وهو ضعيف))
ـ وحديث عبادة بن الصامت:
قال الهيثمي في المجمع ١٨/٥: رواه الطبراني وأحمد في حديث طويل وإسناده منقطع)).
- وحديث أبي مسعود:
رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي في المجمع ١٨/٥: ((وفيه من لا يعرف)» ا. هـ.
- وحديث واثلة بن الأسقع:
رواه الطبراني في الكبير ٨٣/٢٢ (٢٠١).
قال الهيثمي في المجمع ١٨/٥: ((وفيه جناح مولى الوليد وهو ضعيف))
- وحديث أبي وائل:
رواه الطبراني كما في المجمع ١٨/٥ وقال: ((مرسل ورجاله ثقات)).

٤٥٦
كِتَابُ النّكَاحِ
النكاح، إلا أنها لا توطأ حتى تضع؛ لما روي عن رسول الله وَّر؛ أنه قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ - فَلاَ يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ)(١) .
وروي عنه بَّ؛ أنه قال: ((لاَ يَحِلُّ لِرَجُلَيْنِ يُؤْمِنَا بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى امْرَأَةٍ
في طُهْرٍ وَاحِدٍ))، وحرمة الوطء بعارض(٢) طارىء على المحل لا ينافي النكاح، لا بقاء ولا
ابتداء؛ كالحيض والنفاس.
وأما المهاجرة إذا كانت حاملاً فعن أبي حنيفة روايتان: روى محمد عنه أنه لا يجوز
نكاحها، وهو إحدى روايتي أبي يوسف عنه، وعن أبي يوسف رواية أخرى عن أبي حنيفة؛ أنه
يجوز نكاحها، ولكنها لا توطأ حتى تضع.
وجه هذه الرواية أن ماء الحربي لا حرمة له، فكان بمنزلة ماء الزاني، وذا لا يمنع جواز
النكاح؛ كذا هذا، إلا أنها لا توطأ حتى تضع لما روينا.
وجه الرواية الأُخرى، أن هذا حمل ثابت النسب؛ لأن أنساب أهل الحرب ثابتة، فيمنع
جواز النكاح كسائر الأحمال الثابتة النسب، والطحاوي اعتمد رواية أبي يوسف، والكرخي
رواية محمد، وهي المعتمد عليها؛ لأن حرمة نكاح الحامل ليست لمكان العدة لا محالة؛ فإنها
قد تثبت عند عدم العدة؛ كأم الولد إذا كانت حاملاً من مولاها، بل لثبوت نسب الحمل؛ كما
في أم الولد، والحمل لههنا ثابت النسب فيمنع النكاح.
وعلى هذا نكاح المسبية دون(٣) الزوج إذا كانت حاملاً، وأخرجت إلى دار الإسلام
يجب أن يكون على اختلاف الرواية، ولا خلاف في أنه لا يحل وطؤها قبل الوضع، ولا قبل
(١) أخرجه أحمد (١٠٨/٤ - ١٠٨، ١٠٩)، وأبو داود (٦٧/٣) كتاب ((الجهاد)»: باب ((في الرجل ينتفع من
الغنيمة بشيء))، حديث (٢٧٠٨) ولم يذكر لفظ الشاهد، وأخرجه الترمذي (٤٢٨/٣) كتاب ((النكاح)):
باب ((ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل)) حديث (١١٣١)، وابن حبان (١٨٦/١١) كتاب
(السير)): باب ((الغلول)) حديث (٤٨٥)، والبيهقي (٦٢/٩) كتاب ((السير)): باب («أخذ السلاح وغيره بغير
إذن من الإمام)»، والطبراني (٢٦/٥) حديث (٤٤٨٢)، وابن سعد في ((الطبقات)) (٨٨/٢)، من حديث
رويفع بن ثابت الأنصاري وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٥٠/٣) كتاب ((السير)): باب
((الأرض تفتتح كيف ينبغي للإمام أن يفعل))، وابن حبان الموارد (٢٨١/٥) حديث (١٦٧٥) كلاهما بلفظ
أبي داود عنه - رضي الله عنه -.
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت، والعمل على هذا عند أهل
العلم؛ لا يرون للرجل إذا اشترى جارية وهي حامل أن يطأها حتى تضع.
(٢) في أ: لعارض.
(٣) في أ: ذات.

٤٥٧
كِتَابُ النّكَاحِ
الاستبراء بحيضة إذا كانت حاملاً، والأصل فيه ما رُوي عن رسول الله بَّر؛ أنه قال في سبايا
أوطاس: ((أَلاَ لاَ تُوَطَأُ الْحُبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ وَلاَ الْحِبَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَآنِ بِحَيْضَةٍ)»(١).
(١) ورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي هريرة والعرباض بن سارية، وعلي بن أبي
طالب، ورويفع بن ثابت وأبي أمامة وابن عمر ورجل ثقة.
- حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه أحمد (٨٧/٣) وأبو داود (٦١٤/٢) كتاب النكاح باب في وطأ السبايا. حديث (٢/٥٧) والحاكم
(١٩٥/٢) كتاب النكاح، والبيهقي (١٢٤/٩) كتاب السير - باب المرأة تسبى مع زوجها وفي (٤٤٩/٧)
كتاب العدد، باب استبراء من ملك الأمة عنه أن النبي وَ لّ قال في سبي أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى
تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة)).
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
- وحديث ابن عباس :
أخرجه ابن الجارود ص (٢٤٤) كتاب النكاح، الحديث (٧٣٢) وأبو يعلى (٣٧٣/٤ - ٣٧٤) رقم
(٢٤٩١) من طريق الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس: ((أن رسول الله وَّ نهى يوم خيبر عن لحوم
الحمر، وعن كل ذي ناب من السابع وأن توطأ السبايا حتى يضعن)).
وأخرجه النسائي (٧/ ٣٠١) باب بيع المغانم والدارقطني (٦٩/٣) كتاب البيوع حديث (٢٦٠). وأبو يعلى
(٤/ ٣٠٤) رقم (٢٤١٤) والحاكم (٢/ ١٣٧) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وأخرجه الدارقطني (٢٥٧/٣) كتاب النكاح:
باب المهر (٥٠) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن مسلم الجندي عن عكرمة عن ابن عباس قال:
نهى رسول الله ﴿ أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض)).
وذكره الهيثمي بهذا اللفظ في ((المجمع)) (٧/٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.
وذكره الهيثمي أيضاً بلفظ آخر عنه قال: نهى رسول الله وَلل يوم حنين عن بيع الخمس حتى يقسم وعن
أن توطأ النساء حتى يضعن ما في بطونهن أن كن حبالی.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عصمة بن المتوكل وهو ضعيف.
- حديث أبي هريرة:
أخرجه الطبراني في الصغير (٩٥/١) من طريق بقية بن الوليد عن اسماعيل بن عياش عن الحجاج بن
أرطأة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي بَّر: ((أنه نهى في وقعة أوطاس أن يقع
الرجل على حامل وحتى تضع».
وقال الهيثمي (٧/٥): رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه بقية والحجاج وكلاهما مدلس.
- حديث العرباض بن سارية:
أخرجه الترمذي (١٣٣/٤) كتاب السير - باب ما جاء في كراهية وطء الحبالى من السبايا حديث (١٥٦٤)
من طريق أبي عاصم النبيل عن وهب بن خالد عن أم حبيبة بنت العرباض بن سارية أن أباها أخبرها: ((أن
رسول الله ◌َ﴿ نهى أن توطأ السبايا حتى يضعن ما في بطونهن)) ثم قال الترمذي: ((غريب)).
۔ حدیث رویفع بن ثابت:
أخرجه أحمد (١٠٨/٤ - ١٠٩) وأبو داود (٦١٥/٢ - ٦١٦) كتاب النكاح: باب في وطء السبايا الحديث
(٢١٥٨).
=
--

٤٥٨
كِتَابُ النَّاحِ
فصل في شرط أن يكون للزوجين ملة يقران عليها
ومنها: أن يكون للزوجين ملة يقران عليها، فإن لم يكن بأن كان أحدهما مرتداً لا يجوز
نكاحه أصلاً، لا بمسلم ولا بكافر غير مرتد، والمرتد مثله؛ لأنه ترك ملة الإسلام، ولا يقر
على الردة بل يجبر على الإسلام، إما بالقتل إن كان رجلاً بالإجماع، وإما بالحبس والضرب
إن كانت امرأة عندنا إلى أن تموت أو تسلم، فكانت الردة في معنى الموت؛ لكونها سبباً
مفضياً إليه، والميت لا يكون محلاً للنكاح؛ ولأن ملك النكاح ملك معصوم، ولا عصمة مع
الردة (١)، ولأن نِكَاح المرتد لا يقع وسيلة إلى المقاصد المطلوبة منه؛ لأنه يجبر على الإسلام
على ما بينا، فلا يفيد فائدته؛ فلا يجوز، والدليل عليه أن الردة لو اعترضت على النكاح
رفعته، فإذا قارنته تمنعه من الوجود من طريق الأولى كالرضاع؛ لأن المنع أسهل من الرفع.
فصل في نكاح المشركة
ومنها: ألا تكون المرأة مشركة إذا كان الرجل مسلماً؛ فلا يجوز للمسلم أن ينكح
المشركة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويجوز له أن ينكح
والترمذي (٤٣٧/٣) كتاب النكاح - باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل الحديث (١١٣١)
=
وابن الجارود ص (٢٤٤) كتاب النكاح، الحديث (٧٣١) والبيهقي (١٢٤/٩) كتاب السير - باب المرأة
تسبى مع زوجها وفي (٤٤٩/٧) كتاب العدد - باب استبراء من ملك الأمة - عنه قال: سمعت رسول
الله ◌َ* يقول يوم حنين: ((لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى
يستبرائها)» بلفظ أبي داود.
وقال الترمذي: ((حديث حسن)) وقد يروى من غير وجه عن رويفع بن ثابت.
- وحديث أبي إمامة :
رواه الطبراني كما في المجمع (٣٠٣/٤) عنه قال: ((نهى رسول الله وَله يوم خيبر أن توطأ الحبالى حتى
یضعن)).
وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
۔ وحديث ابن عمر:
رواه الطبراني كما في المجمع (٣٠٣/٤) ولفظه ((كل جارية بها حبل حرام على صاحبها حتى تضع ما في
بطنها» .
وقال الهيثمي: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف حديث الثقة.
أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٧٢/٢) حديث (١٦٨٣) من حديث يحيى بن سعد بن دينار
مولى آل الزبير قال: أخبرني الثقة أن رسول الله وَلقر نهى يوم خيبر أن يوقع على الحبالى.
وقال الهيثمي في المجمع (٣٠٣/٤) رواه أبو يعلى ويحيى لا أعرفه.
(١) في ط: المرتدة.

٤٥٩
كِتَابُ النّكَاحِ
الكتابية؛ لقوله - عز وجل: ﴿وَالْمُخْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]
والفرق أن الأصل ألا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة؛ لأن ازدواج الكافرة، والمخالطة معها مع
قيام العداوة الدينية - لا يحصل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح، إلا أنه جوز نكاح
الكتابية لرجاء إسلامها؛ لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة
بالتفصيل بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر أنها متى نبهت على
حقيقة الأمر تنبهت، وتأتي بالإيمان على التفصيل على حسب/ ما كانت أتت به على الجملة، ٢٢ب
هذا هو الظاهر من حال التي بنى أمرها على الدليل دون الهوى والطبع، والزوج يدعوها إلى
الإسلام، وينبهها على حقيقة الأمر، فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها، فجوز نكاحها
لهذه العاقبة الحميدة، بخلاف المشركة، فإنها في اختيارها الشرك ما ثبت أمرها على الحجة،
بل على التقليد بوجود الآباء عن(١) ذلك، من غير أن ينتهي ذلك إلى (٢) الخبر ممن يجب قبول
قوله، واتباعه وهو الرسول؛ فالظاهر أنها لا تنظر في الحجة، ولا تلتفت إليها عند الدعوة،
فيبقى ازدواج الكافر(٣) مع قيام العداوة الدينية المانعة عن السكن، والازدواج والمودة خالياً عن
العاقبة الحميدة، فلم يجز إنكاحها، وسواء كانت الكتابية حرة أو أمة عندنا.
وقال الشافعي: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، ويحل وطؤها بملك اليمين (٤).
(١) في أ: على.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أ: الكافرة.
(٤) اختلفت الفقهاء في ذلك فذهب بإجوازه مع كونه خلاف الأولى الحنفية وأحمد، في رواية وهو المنقول
في العتبية والواضحة من سماع ابن القاسم عن ذلك.
وذهب الشافعية والحنابلة في ظاهر مذهبهم والمالكية في المشهور عندهم إلى القول بعدم جواز التزوج
مطلقاً .
استدل المانعون : - بالكتاب
أولاً: قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وجه الدلالة أن الآية دلت على تحريم
المشركات. والكتابية مشركة فيحرم نكاحها حرة كانت أو أمة لاندراجها تحت العموم. إلا أن الله تعالى
خص الحرائر بالحل بقوله ﴿وَالْمُخْصَنَاتُ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابَ﴾ إذ المراد بالمحصنات الحرائر فبقيت
الإماء على أصل المنع وعدم الحل كالوثنيات والمجوسيات ونوقش:
بأن المستدل منع فيما تقدم أن تكون الكتابية مشركة ونفى إرادة الكتابية من لفظ المشركات في قوله تعالى
﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وكيف يصح هذا وقد خصهن العرف باسم آخر ولم يطلق عليهم اسم الشرك.
يؤيده خصوصية كل منهما باللفظ. والعطف في أسلوب القرآن فإن الأخير يقتضي المغايرة.
ولو سلمنا اندراجهن تحت عموم الشركات وإرادتهن من اللفظ فقد خرجن بالاتفاق على تخصيص هذا
العموم بحل الحرائر من الكتابيات بآية ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابِ﴾ فلم تبق الآية على عمومها
فلا يحتج بها. ثم ما تقدم على القول بتفسير المحصنات بالحرائر .. أما إن فسرت بالعفائف كما جرى =

٤٦٠
كِتَابُ النِّكاح
عليه الحنفية استناداً إلى أن الإحصان في كلام العرب عبارة عن المنع وهو يحصل بالحرية والإسلام.
=
قاسم العفائف متناول للحرائر والإماء فيكنَّ في الحكم سواء. وحيث وقع الاتفاق على حل الحرائر
فالإماء كذلك لعدم الفصل في الدليل المبيح.
وثانياً: من الكتاب: قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمَن مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ دلت الآية على أن حل المتزوج بالإماء مشروط بشرطين هما إيمانهن
وعدم قدرة المتزوج بهن على طول الحرة. فإذا انتفى الإيمان منهن وهو أحد الشرطين بأن كن كتابيات
انتفى الحكم وهو الحل فيحرم نكاحهن بناء على أن الحكم متى علق بشرط أو أضيف إلى مسمى بوصف
خاص أوجب نفي الحكم عند عدم الشرط أو الوصف فكان انتفاء الشرطين أو أحدهما وهو الإيمان مفيداً
لتحريم الإماء.
ونوقش :
بأن هذه الآية غاية ما تفيد وجود الحكم عند وجود الشرط أما نفي الحكم عند نفي الشرط فلم تتعرض له
الآية فلا دلالة فيها على التحريم. إذ اللفظ لا يدل على خلاف الموضوع له وغاية درجات الوصف إذا
كان مؤثراً أن يكون علة ولا تأثر للعلة في نفي الحكم لأن عدم العلة لا يصلح أن يكون علة لعدم الحكم
لكون العدمي لا يكون علة لحكم عدمي ولا وجودي وعلى ذلك فالآية أفادت حل الإماء المؤمنات عند
الشرط لا تحريم الكتابيات.
ولو سلمنا للمستدل حجية المفهوم. فمقتضى مفهوم الآية عدم الإباحة الثابتة عند وجود المفيد المبيح.
وعدم الإباحة أعم من ثبوت الكراهة أو الحرمة لأنه لا دلالة للأعم على أخص بخصوصه. وعليه يجوز
ثبوت الكراهة أو الحرمة على السواء لا ثبوت الحرمة بعينها لكن لما كانت الكراهة أقل تعينت وإليها مالت
الحنفية. وصرح بذلك صاحب البدائع منهم.
فإن قال قائل :
إن الوصف بالإيمان يدل على الحرمة عند عدم فتحرم الأمة الكتابية لعدم تحقق وصف الإيمان فيها.
ولهذا نظير معتبر متفق عليه وارد في القرآن الكريم هو قوله تعالى في كفارة القتل ﴿فتحرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
فقد وقع الاتفاق على عدم أجزاء الرقبة الكافر في هذه الكفارة لكونها مقيدة بالإيمان. فكأنهم اعتبروا
الوصف الوارد في الآية .
أجيب:
بأن تحرير الرقبة في كفارة القتل لم يشرع ألا مقيدة بالأيمان بخلاف النكاح فقد شرع مطلقاً ومقيداً.
واستدل المانعون بالمعقول من وجهين:
الوجه الأول: إن نكاح الإماء في الأصل ثبت ضرورة.
وما ثبت بالضرورة يقتصر على قدرها الوارد به النفي. وقد ورد النص بحل الحرائر والإماء المؤمنات
لكون الضرورة مرتفعة بهما فلا تحل الإماء الكتابيات لعدم ورود النص بذلك.
أما أن نكاح الإماء ثابت ضرورة فلما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو موت حكماً فكان كالإهلال
حساً إذ به يخرج الشخص عن أن يكون منتفعاً به في حق نفسه ملحقاً بالعجماوات في البيع والشراء.
وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز.
=