Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كِتَابُ النّكَاحِ
حق الأجانب كالثيب، فلا بد من فعل أو قول يدل عليه؛ ولأن المزوج إذا كان أجنبياً، أو (١)
كان الولي الأبعد كان جواز النكاح من طريق الوكالة لا من طريق الولاية لانعدامها، والوكالة لا
تثبت إلا بالقول، وإذا كان ولياً فالجواز بطريق الولاية، فلا يفتقر إلى القول، ولو بلغها النكاح
فضحكت كان إجازة؛ لأن الإنسان إنما يضحك مما يسره؛ فكان دليل الرضا، ولو بكت روي
عن أبي يوسف؛ أنه يكون إجازة، وروي عنه رواية أخرى؛ أنه لا يكون إجازة بل يكون ردّاً،
وهو قول محمد.
وجه الرواية الأولى أن البكاء قد يكون للحزن، وقد يكون لشدة الفرح، فلا يجعل رداً
ولا إجازة؛ للتعارض، فصار كأنها سكتت فكان رضاً.
وجه الرواية الأخرى، وهو قول محمد: إن البكاء لا يكون إلا من حزن عادة، فكان
دليل السخط والكراهة لا دليل الإذن والإجازة، ولو زوجها وليان كل [واحد] (٢) منهما رجلاً
فبلغها ذلك، فإن أجازت أحد العقدين جاز الذي أجازته وبطل الآخر، وإن أجازتهما بطلا؛
لأن الإجازة منها بمنزلة الإنشاء؛ كأنها تزوجت بزوجين وذلك باطل؛ كذا هذا.
وإن سكتت روي عن محمد؛ - رحمه الله - أن ذلك لا يكون رداً(٣) ولا إجازة، حتى
تجيز أحدهما بالقول، أو بفعل يدل على الإجازة، وروي عنه رواية أخرى؛ أنها إذا سكتت
بطل العقدان جميعاً .
وجه هذه الرواية أن السكوت من البكر كالإجازة؛ فكأنها أجازت العقدين جميعاً. وجه
الرواية الأُخرى أن هذا السكوت لا يمكن أن يجعل إجازة؛ لأنه لو جعل إجازة؛ فإما أن يجعل
إجازة للعقدين جميعاً، وإما أن يجعل إجازة لأحدهما لا سبيل إلى الأول؛ لأن إنشاء العقدين
جميعاً ممتنع فامتنعت إجازتهما، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه ليس أحد العقدين بأولى بالإجازة
من الآخر، فالتحق السكوت بالعدم. ووقف الأمر على الإجازة بقول أو بفعل يدل على
الإجازة لأحدهما، وكذلك إذا استؤمرت البكر فسكتت في الابتداء(٤)، فهو إذن إذا كان
المستأذن ولياً لما ذكرنا؛ ولما روي عن رسول الله وَلّه؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خُطِبَ إِحْدَىْ بَنَاتِهِ دَنَا مِنْ
خِدْرِهَا وَقَالَ: ((إِنَّ فُلاَنَاً يَذْكُرُ فُلاَنَةَ)) ثُمَّ يُزَوْجُهَا (٥).
(١) في ط: وإذا كان.
(٣) في ط: وداً.
(٢) سقط في ط.
(٤) في أ: في الابتداء فسكتت.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور (٥٦٢-٥٧٧) وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٤١/٦) كتاب (النكاح)): باب ((استثمار
النساء في أبضاعهن)) حديث (١٠٢٧٧ - ١٠٢٧٩) والبيهقي (١٢٣/٧): كتاب ((النكاح)): باب ((إذن البكر
الصمت وإذن الثيب الكلام)) من حديث المهاجر بن عكرمة. وأخرجه أحمد (٧٨/٦)، وأبو يعلى في
(مسنده)) (٢٩٤/٨) حديث (٥٢٧ / ٢٨٨٣)

٣٦٢
كِتَابُ النَّاحِ
فدل أن السكوت عند استثمار الولي إذن دلالة.
وقالوا في الولي: إذا قال للبكر: إني أريد أن أزوجك فلاناً؟ فقالت: غيره أولى منه لم
يكن ذلك إذناً، ولو زوجها ثم أخبرها، فقالت: قد كان غيره أولى منه - كان إجازة؛ لأن قولها
في الفصل الأول إظهار عدم الرضا بالتزويج من فلان، وقولها في الفصل الثاني قبول أو
سكوت عن الرد، وسكوت البكر عن الرد يكون رضا. ولو قال الولي: أريد أن أزوجك من
رجل ولم يسمه، فسكتت ــ لم يكن رضا؛ كذا روي عن محمد؛ لأن الرضا بالشيء بدون العلم
به لا يتحقق.
ولو قال: أزوجك فلاناً أو فلاناً، حتى عد جماعة فسكتت، فمن أيهم زوجها جاز، ولو
سمى لها الجماعة مجملاً، بأن قال: أريد أن أزوجك من جيراني، أو من بني عمي، فسكتت،
فإن كانوا يحصون فهو رضا، وإن كانوا لا يحصون لم يكن رضا؛ لأنهم إذا كانوا يحصون
يعلمون فيتعلق الرضا بهم، وإذا لم يحصوا لم يعلموا فلا يتصور الرضا؛ لأن الرضا بغير
المعلوم محال، والله تعالى الموفق.
وذكر في الفتاوى: أن الولي إذا سمى الزوج ولم يسم المهر؛ أنه كم هو فسكتت
فسكوتها لا يكون رضاً، لأن تمام الرضا لا يثبت إلا بذكر الزوج والمهر، ثم الإجازة من طريق
الدلالة لا تثبت إلا بعد العلم بالنكاح؛ لأن الرضا بالنكاح قبل العلم به لا يتصور.
وإذا زوج الثيب البالغة ولي فقالت: لم أرض ولم آذن، وقال الزوج: قد أذنت - فالقول
قول المرأة؛ لأن الزوج يدعي عليها حدوث أمر لم يكن، وهو الإذن والرضا وهي تنكر؛ فكان
القول قولها.
- من حديث عائشة - رضي الله عنها -:
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٨١/٤): رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف قد
وثقه .
وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - (٣٥٥/١١) (١٢٠٠٠)، والبيهقي (١٢٣/٧):
كتاب ((النكاح)): باب ((إذن البكر الصمت وإذن الثيب الكلام)).
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٨١/٤): رواه الطبراني وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماس وقد وثقه
وفيه ضعف.
- ومن طريق أنس - رضي الله عنه:
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٨١/٤)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز بن
الحصين وهو ضعيف، وروى ابن أبي شيبة (٤٥٩/٣) (١٥٩٧٩) أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -
کان يفعل ذلك.

٣٦٣
كِتَابُ النّكَاحِ
وأما البكر إذا تزوجت(١) فقال الزوج: بلغك العقد فسكتت، فقالت: رددت - فالقول
قولها عند أصحابنا الثلاثة. وقال زفر القول قول الزوج.
وجه قوله إن المرأة تدعي أمراً حادثاً وهو الرد، والزوج ينكر القول؛ فكان القول قول
المنكر .
ولنا أن المرأة وإن كانت مدعية ظاهراً، فهي منكرة في / الحقيقة؛ لأن الزوج يدعي عليها ٩ب
جواز العقد بالسكوت، وهي تنكر، فكان القول قولها: كالمودع إذا قال: رددت الوديعة كان
القول قوله، وإن كان مدعياً لرد ظاهر(٢)؛ لكونه منكراً للضمان حقيقة، كذا هذا.
ثم في هذين الفصلين لا يمين عليها في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: عليها اليمين وهو
الخلاف المعروف؛ أن الاستحلاف لا يجري في الأشياء الستة عنده، وعندهما يجري،
والمسألة تذكر (٣) إن شاء الله تعالى في كتاب الدعوى. ثم إذا اختلف الحكم في البكر البالغة،
والثيب البالغة في الجملة، حتى جعل السكوت رضا من البكر دون الثيب، وللأب ولاية قبض
صداق البكر بغير إذنها إلا إذا نهته نصاً، وليس له ولاية قبض مهر (٤) الثيب، إلا بإذنها؛ فلا بد
من معرفة البكارة والثيابة، في الحكم لا في الحقيقة؛ لأن حقيقة البكارة بقاء العذرة، وحقيقة
الثيابة زوال العذرة. وأما الحكم غير مبني على ذلك بالإجماع، فنقول: لا خلاف في أن كل
من زالت عذرتها بوثبة أو طفرة أو حيضة أو طول التعنيس؛ أنها في حكم الإبكار تزوج كما
تزوج الإبكار، ولا خلاف أيضاً [في](٥) أن من زالت عذرتها بوطء يتعلق به ثبوت النسب،
وهو الوطء بعقد جائز أو فاسد أو شبهة عقد وجب لها مهر بذلك الوطء؛ أنها تزوج كما تزوج
الثيب. وأما إذا زالت عذرتها بالزنا فإنها تزوج كما تزوج الأبكار في قول أبي حنيفة، وعند أبي
يوسف ومحمد الشافعي: تزوج كما تزوج الثيب.
واحتجوا بما روي عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَالشَّيْبُ
تُشَاوَرُ))(٦)، وقال بَّهَ: ((وَالثَّيْبُ يُعْرِبُ عَنْهَا لِسَانُهَا))(٧)، وهذه ثيب حقيقة؛ لأن الثيب حقيقة
من زالت عذرتها، وهذه كذلك، فيجري عليها أحكام الثيب، ومن أحكامها أنه لا يجوز
نكاحها (٨) بغير إذنها [نصا](٩) فلا يكتفي بسكوتها.
(١) في أ: زوجت.
(٢) في أ: الرد ظاهراً.
(٣) في أ: نذكرها.
(٤) في أ: صداق.
(٥) سقط في ط.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) تقدم تخريجه.
(٩) سقط في أ.
(٨) في أ: إنكاحها.

٣٦٤
كِتَابُ النكاح
ولأبي حنيفة أن علة وضع النطق شرعاً، وإقامة السكوت مقامه في البكر هو الحياء وقد
وجد، ودلالة أن العلة ما قلنا إشارة النص والمعقول.
أما الأول: فلما روي عن رسول الله وَّر؛ أنه قال: ((تُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ في أَبْضَاعِهِنَّ))(١)،
فقالت عائشة - رضي الله تعالى عنها - إِنَّ(٢) الْبِكْرَ تَسْتَحْي يَا رَسُولَ الله، فقال ◌َّ: ((إِذْنُهَا
صُمَاتُهَا))، فالاستدلال به أن قوله وَّرِ ((إِذْنُهَا صُمَاتُهَا))(٣)، خرج جواباً لقول عائشة - رضي الله
تعالى عنها - أن البكر تستحي، أي: عن الإذن بالنكاح نطقاً، والجواب بمقتضى إعادة السؤال؛
لأن الجواب لا يتم بدون السؤال، كأنه قال ◌َّر: ((إذَا كَانَتْ الْبِكْرُ تَسْتَحِي عَنِ الإِذْنِ بِالتّكَاحِ
نُطْقاً(٤)، فَإِذْتُهَا صُمَاتُهَا)) (٥) ، فهذا إشارة إلى أن الحياء علة وضع النطق، وقيام الصمات مقام
الإذن علة منصوصة، وعلة النص لا تتقيد بمحل النص؛ كالطواف في الهرة، ونحو ذلك.
وأما المعقول: فهو أن الحياء في البكر مانع من النطق بصريح الإذن بالنكاح؛ لما فيه من
إظهار رغبتها في الرجال؛ لأن النكاح سبب الوطء، والناس يستقبحون ذلك منها ويذمونها،
وينسبونها إلى الوقاحة، وذلك مانع لها من النطق بالإذن الصريح، وهي محتاجة إلى النكاح،
فلو شرط استنطاقها، وهي لا تنطق عادة - لفات عليها النكاح مع حاجتها إليه؛ وهذا لا يجوز،
والحياء موجود في حق هذه، وإن كانت ثيباً حقيقة؛ لأن زوال بكارتها لم تظهر للناس؛
فيستقبحون منها الإذن بالنكاح صريحاً، ويعدونه من باب الوقاحة، ولا يزول ذلك ما لم يوجد
النكاح ويشتهر الزفاف(٦)؛ فحينئذٍ لا يستقبح الإظهار بالإذن ولا يعد عيباً، بل الامتناع عن
الإذن عند استثمار الولي يعد رعونة (٧) منها؛ لحصول العلم للناس بظهور رغبتها في الرجال.
وأما الحديث: فالمراد منه الثيب التي تعارفها الناس ثيباً؛ لأن مطلق الكلام ينصرف إلى
المتعارف بين الناس؛ ولهذا لم تدخل البكر التي زالت عذرتها بالطفرة والوثبة والحيضة، ونحو
ذلك في هذا الحديث، وإن كانت ثيباً حقيقة، والله تعالى أعلم.
وعلى هذا يخرج إنكاح الأب والجد والثيب الصغيرة أنه جائز عند أصحابنا - رحمهم الله
- وعند الشافعي؛ أنه لا يجوز إنكاحها للحال، ويتأخر إلى ما بعد البلوغ، فيزوجها الولي بعد
البلوغ بإذنها صريحاً لا بالسكوت.
واحتج بما روي عن رَسُولِ اللهِ وَّر؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ))(٨)، واليتيمة
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في ط: لأن.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في أ: مطلقاً.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) في ط: والزنا.
(٧) في أ: رغبة منها.
(٨) تقدم تخريجه .

٣٦٥
كِتَابُ النّكَاحِ
اسم للصغيرة في اللغة؛ ولأن الثيابة دليل العلم بمصالح النكاح؛ ولأن حدوثها يكون بعد العقل
والتمييز عادة، وقد حصل(١) لها بالتجربة والممارسة، وهذا إن لم يصلح لإثبات الولاية/ لها ١١٠
يصلح دافعاً ولاية الولي عنها للحال والتأخير إلى ما بعد البلوغ، بخلاف البكر البالغة؛ لأن
البكارة دليل الجهل بمنافع النكاح ومضاره، فالتحق عقلها بالعدم على ما مر؛ ولأن النكاح في
جانب النساء ضرر قطعاً(٢)؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى، فلا مصلحة إلا عند الحاجة إلى قضاء
الشهوة؛ لأن مصالح النكاح يقف عليه، ولم يوجد في الثيب الصغيرة، والجواز في البكر ثبت
بفعل النبي وَّ وإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - على ما ذكرنا فيما تقدم.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَىْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والأيم اسم لأنثى لا زوج لها،
كبيرة أو صغيرة، فيقتضي ثبوت الولاية عاماً إلا من خص بدليل؛ ولأن الولاية كانت ثابتة قبل
زوال البكارة؛ لوجود سبب ثبوت الولاية وهو القرابة الكاملة، والشفقة الوافرة، ووجود شرط
الثبوت، وهي حاجة الصغيرة إلى النكاح لاستيفاء المصالح بعد البلوغ، وعجزها عن ذلك
بنفسها، وقدرة الولي عليه، والعارض ليس إلا الثيابة، وأثرها في زيادة الحاجة إلى الإنكاح؛
لأنها مارست الرجال وصحبتهم، وللصحبة أثر في الميل إلى من تعاشره معاشرة جميلة، فلما
ثبتت الولاية على البكر الصغيرة؛ فلأن تبقى على الثيب الصغيرة أولى، والمراد من الحديث
البالغة لما مر، والمجنون الكبير، والمجنونة الكبيرة تزوج(٣) كما يزوج الصغير. والصغيرة عند
أصحابنا الثلاثة، أصلياً كان الجنون أو طارئاً بعد البلوغ، وقال زفر: ليس للولي أن يزوج
المجنون جنوناً طارئاً .
وجه قوله: إن ولاية الولي قد زالت بالبلوغ عن عقل، فلا تعود بعد ذلك بطريان
الجنون، كما لو بلغ مغمى عليه ثم زال الإغماء.
ولنا أنه وجد سبب ثبوت الولاية وهو القرابة وشرطه، وهو عجز المولى عليه، وهو
حاجته، وفي ثبوت الولاء فائدة فتثبت؛ ولهذا تثبت في الجنون الأصلي؛ كذا في الطارىء،
وتثبت ولاية التصرف في ماله؛ كذا في نفسه، والله أعلم.
فصل في الذي يرجع إلى نفس التصرف
وأما الذي يرجع إلى نفس التصرف فهو: أن يكون التصرف نافعاً في حق المولى عليه لا
ضاراً في حقه، فليس للأب والوصي والجد أن يزوجوا (٤) عبد الصغير والصغيرة، حرة ولا أمة
(١) في أ: يحصل.
(٣) في أ: بزوجات.
(٢) في أ: وضعاً.
(٤) في ط: يزوج.

٣٦٦
كِتَابُ النُّكَاحِ
لغيرهما؛ لأن هذا التصرف صار في حق المولى عليه؛ لأن المهر والنفقة يتعلقان برقبة العبد،
من غير أن يحصل للصغير مال في مقابلته، والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي؛ كالطلاق،
والعتاق، والتبرعات، وكذا كل من يتصرف على غيره بالإذن لا يملك إنكاح العبد؛
كالمكاتب، والشريك، والمضارب، والمأذون؛ لأن إطلاق التصرف لهؤلاء مقيد بالنظر.
وأما تزويج الأمة حرّاً أو عبداً لغيرها، فيملكه الأب والجد والوصي والمكاتب
والمفاوض والقاضي وأمين القاضي؛ لأنه نفع محض؛ لكونه تحصيل مال من غير أن يقابله
مال فيملكه هؤلاء؛ ألا ترى أنهم يملكون البيع مع أنه مقابلة المال بالمال فهذا أولى، فأما
شريك العنان والمضارب والمأذون فلا يملكون تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد -
رحمهما الله - وعند أبي يوسف: يملكون.
وجه قول أبي يوسف: أن هذا تصرف نافع؛ لأنه تحصيل مال لا يقابله مال، فيملكونه
كشريك المفاوضة.
وجه قولهما: أن تصرف هؤلاء يختص (١) بالتجارة، والنكاح ليس من التجارة؛ بدليل أن
المأذونة لا تزوج نفسها، ولو كان النكاح تجارة لملكت؛ لأن التجارة معاوضة المال بالمال،
والنكاح معاوضة البضع بالمال، فلم يكن تجارة فلا يدخل تحت ولايتهم، بخلاف المفاوض؛
لأن تصرفه مختص بالنفع لا بالتجارة وهذا نافع، ولو زوج [أمته](٢) من عبد ابنه، قال أبو
يوسف: يجوز، وقال زفر: لا يجوز.
وجه قول زفر: أن تزويج عبده الصغير لم يدخل تحت ولاية الأب، فكان الأب فيه
كالأجنبي، واحتمال الضرر ثابت؛ لجواز أن يبيع الأمة، فيتعلق المهر والنفقة برقبة العبد،
فيتضرر به الصغير؛ فيصير كأنه زوجه أمة الغير.
ولنا أن ثبوت الولاية موجود فلا يمتنع الثبوت إلا لمكان الضرب، وهذا نفع لا مضرة
فيه؛ لأن الأولاد له، ولا يتعلق المهر والنفقة برقبة العبد، فكان نفعاً محضاً فيملكه.
قوله: يحتمل أن يبيعه(٣) قلنا: ويحتمل ألا يبيعه؛ فلا يجوز تعطيل الولاية المتحققة (٤)
للحال الأمر يحتمل الوجود والعدم.
وعلى هذا يخرج ما إذا زوج الأب أو الجد [ابنته](6) الصغيرة من كفء بدون مهر
(١) في أ: مختص.
(٣) في أ: يبيعها.
(٥) سقط في ط.
(٢) في أ: جارية ابنه.
(٤) في ط: المخففة.

٣٦٧
كِتَابُ النّكَاحِ
المثل، أو زوج ابنه الصغير امرأة بأكثر من مهر مثلها؛ أنه إن/ كان ذلك مما يتغابن الناس في ١٠ب
مثله - لا يجوز بالإجماع، وإن كان مما لا يتغابن الناس في مثله يجوز في قول أبي حنيفة -
رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز.
وذكر هشام عنهما أن النكاح باطل، ولو زوج ابنته الصغيرة بمهر مثلها من غير كفء -
فهو على هذا الخلاف، ولو فعل غير الأب والجد شيئاً مما ذكرنا لا يجوز في قولهم جميعاً.
وجه قولهما: إن ولاية الإنكاح تثبت نظراً في حق المولى عليه، ولا نظر في الحط على
مهر المثل في إنكاح الصغيرة، ولا في الزيادة على مهر المثل في إنكاح الصغير، بل فيه ضرر
بهما والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي؛ ولهذا لا يملك غير الأب والجد؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة ما رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِيقَ - رضي الله تعالى عنه - زَوَّجَ عَائِشَةَ - رضي الله
تعالى عنها - وَهِيَ صَغِيرَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمْ وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ الله ◌َّه على
ذلك(١)، ومعلوم أن مهر مثلها كان أضعاف ذلك، ولأن الأب وافر الشفقة على ولده ينظر له ما
لا ينظر لنفسه.
والظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لتوفير مقصود من مقاصد النكاح هو أنفع وأجدى [له] (٢)
من كثير من المال؛ من موافقة الأخلاق، وحسن الصحبة، والمعاشرة بالمعروف، ونحو ذلك
من المعاني المقصودة بالنكاح، فكان تصرفه - والحالة هذه - نظراً للصغير والصغيرة لا ضرراً
بهما .
بخلاف غير الأب والجد؛ لأن وجه الضرر في تصرفهما ظاهر، وليس ثمة دليل يدل
على اشتماله على المصلحة الباطنة الخفية التي تزيد على الضرر الظاهر؛ لأن ذلك إنما يعرف
بوفور الشفقة، ولم يوجد، بخلاف ما إذا باع الأب أمة لهما بأقل من قيمتها بما لا يتغابن الناس
فيه، أنه لا يجوز؛ لأن البيع معاوضة المال بالمال، والمقصود من المعاوضات المالية هو
الوصول إلى العوض المالي ولم يوجد، وبخلاف ما إذا زوج أمتهما بأقل من مهر مثلها؛ أنه لا
يجوز؛ لأنه أنفع لهما(٣) فيما يحصل للأمة من حظ الزوج، وإنما منفعتهما في حصول عوض
بضع الأمة لهما، وهو مهر المثل ولم يحصل.
(١) أخرجه ابن ماجه من أبي سعيد الخدري (٦٠٨/١) كتاب ((النكاح)): باب ((صداق النساء)) حديث
(١٨٩٠)، أن النبي - وَّليو - تزوج عائشة على متاع بيت قيمته خمسون درهماً.
قال البوصيري في ((الزوائد» (٨٦/٢): هذا إسناد ضعيف لضعف عطية.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أ: أنفع لها.

٣٦٨
كِتَابُ التّكَاحِ
وعلى هذا الخلاف التوكيل؛ بأن وكل رجل رجلاً بأن يزوجه امرأة، فزوجه امرأة بأكثر
من مهر مثلها، مقدار ما لا يتغابن الناس في مثله، [أو وكلت امرأة رجلاً بأن يزوجها من
رجل، فزوجها من رجل بدون صداق مثلها](١) أو من غير كفء - فهو على اختلاف الوكيل
بالبيع المطلق، ونذكر المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب ((الوكالة))، وعلى هذا الوكيل بالتزويج
من جانب الرجل، أو المرأة إذا زوج الموكل من لا تقبل(٢) شهادة الوكيل له - فهو على
الاختلاف في البيع، ونذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى في كتاب ((الوكالة)).
وعلى هذا الخلاف الوكيل من جانب الرجل(٣) بالتزويج، إذا زوجه أمة لغيره؛ أنه يجوز
عند أبي حنيفة - رحمه الله - لإطلاق اللفظ، ولسقوط اعتبار الكفاءة من جانب النساء، وعندهما
لا يجوز؛ لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف، وتعتبر الكفاءة من جانبين عندهما في مثل هذا
الموضع لمكان العرف استحساناً، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضه.
ولو أقر الأب على ابنته الصغيرة بالنكاح، أو على ابنه الصغير لا يصدق في إقراره، حتى
يشهد شاهدان على نفس النكاح في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يصدق من غير
شهود.
وصورة المسألة في موضعين :
أحدهما: أن تدعي امرأة نكاح الصغير، أو يدعي رجل نكاح الصغيرة، والأب ينكر
ذلك؛ فيقيم المدعي بينة على إقرار الأب بالنكاح؛ فعند أبي حنيفة: لا تقبل هذه الشهادة حتى
يشهد شاهدان على نفس العقد، وعندهما: تقبل، ويظهر النكاح.
والثاني: أن يدعي رجل نكاح الصغيرة، أو امرأة نكاح الصغير بعد بلوغهما، وهما
منكران ذلك، فأقام المدعي البينة على إقرار الأب بالنكاح في حال الصغر، وعلى هذا الخلاف
الوكيل بالنكاح، إذا أقر على موكله، أو على موكلته بالنكاح، والمولى إذا أقر على عبده
بالنكاح؛ أنه لا يقبل عند أبي حنيفة، وعندهما: يقبل، وأجمعوا على أن المولى إذا أقر على
أمته بالنكاح؛ أنه يصدق من غير شهادة.
وجه قولهما: إنه إن أقر بعقد يملك إنشاءه، فيصدق فيه من غير شهود؛ كما لو أقر
بتزويج أمته، ولا شك أنه أقر بعقد يملك إنشاءه، لأنه يملك إنشاء النكاح على الصغير
(١) سقط في: أ.
(٢) في أ: يقبل.
(٣) في أ: الزوج.

٣٦٩
كِتَابُ النّكَاحِ
والصغيرة والعبد ونحو ذلك، وإذا ملك إنشاءه لم يكن متهماً في الإقرار؛ فيصدق؛ كالمولى
إذا أقر بالفيء في مدة الإيلاء، وزوج المعتدة إذا قال في العدة: راجعتك لما قلنا؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة قولُ النَّبِيِّ وَّرِ: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشُهُودٍ))(١)، نفى النكاح بغير شهود، من غير
فصل بين الانعقاد والظهور، بل الحمل على الظهور أولى؛ لأن فيه عملاً بحقيقة اسم الشاهد؛
إذ هو اسم الفاعل الشهادة، وهو المؤدي لها والحاجة إلى الأداء عند الظهور لا عند الانعقاد؛
ولأنه أقر على الغير فيما لا يملكه بعقد لا يتم به وحده، وإنما يتم به وبشهادة الآخرين، فلا
يصدق إلا بمساعدة آخرين، قياساً على الوكلاء الثلاثة في النكاح والبيع ودلالة الوصف؛ أنه
أقر بالنكاح، والإقرار بالنكاح إقرار بمنافع البضع وأنها غير مملوكة؛ ألا ترى أنها لو وطئت
بشبهة كان المهر لها لا للأب، بخلاف الأمة، فإن منافع بضعها مملوكة، فكان ذلك إقراراً بما
ملك، فأبو حنيفة اعتبر ولاية العقد، وملك المعقود عليه، وهما اعتبرا ولاية العقد فقط، والله -
عز وجل - أعلم.
فصل في ولاية الندب
وأما ولاية الندب والاستحباب فهي الولاية على الحرة البالغة العاقلة، بكراً كانت أو ثيباً
في قول أبي حنيفة وزفر، وقول أبي يوسف الأول - رحمه الله - وفي قول محمد وأبي يوسف:
الآخر الولاية عليها ولاية مشتركة، وعند الشافعي: هي ولاية مشتركة أيضاً إلا في العبادة؛
فإنها للمولى خاصة، وشرط ثبوت هذه الولاية على أصل أصحابنا هو رضا المولى عليه لا
غير، وعند الشافعي هذا، وعبارة الولي أيضاً، وعل هذا يبني الحرة البالغة العاقلة إذا زوجت
نفسها من رجل، أو وكلت رجلاً بالتزويج فتزوجها، أو زوجها فضولي فأجازت ـ جاز في قول
أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف الأول، سواء زوجت نفسها من كفء أو من غير كفء، بمهر
وافر أو قاصر، غير أنها إذا زوجت نفسها من غير كفء فللأولياء حق الاعتراض، وكذا إذا
زوجت بمهر قاصر عند أبي حنيفة خلافاً لهما، وستأتي المسألة إن شاء الله في موضعها.
وفي قول محمد لا يجوز، حتى يجيزه الولي والحاكم، فلا يحل للزوج وطؤها قبل
الإجازة، ولو وطئها يكون وطأ حراماً، ولا يقع عليها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ولو مات
(١) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٦٧/٣)، غريب بهذا اللفظ، وفي الباب أحاديث منها ما أخرجه ابن حبان
في صحيحه عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى
عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله - وَلـ: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما
كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجرا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ا. هـ.
وقد تقدم بتمامه قريباً .
بدائع الصنائع ج٣ - م٢٤

٣٧٠
كِتَابُ النّكَاحِ
أحدهما لم يرثه الآخر، سواء زوجت نفسها من كفء أو غير كفء، وهو قول أبي يوسف
١١أ الآخر، روی الحسن/ بن زياد عنه.
وروي عن أبي يوسف رواية أُخرى أنها إذا زوجت نفسها من كفء ينفذ، وتثبت سائر
الأحكام، وروي عن محمد؛ أنه إذا كان للمرأة ولي لا يجوز نكاحها إلا بإذنه، وإن لم يكن
لها ولي جاز إنكاحها على نفسها.
وروي عن محمد؛ أنه رجع إلى قول أبي حنيفة، وقول الشافعي مثل قول محمد في
ظاهر الرواية؛ أنه لا يجوز نكاحها بدون الولي، إلا أنهما اختلفا، فقال محمد: ينعقد النكاح
بعبارتها، وينفذ بإذن الولي وإجازته وينعقد بعبارة الولي، وينفذ بإذنه(١) وإجازتها، فعند
الشافعي لا عبارة للنساء في باب النكاح أصلاً حتى لو توكلت امرأة بنكاح امرأة من وليها،
فتزوجت، لم يجز عنده، وكذا إذا زوجت بنتها بإذن القاضي - لم يجز.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَىْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، هذا خطاب للأوياء،
والأيم اسم لامرأة لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً، ومتى ثبتت الولاية عليها كانت هي مولياً
عليها - ضرورة، فلا تكون والية، وقوله بََّ((لاَ يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إِلَّ الأَوْلِيَاءُ))(٢)، وقوله ◌َةِ: ((لاَ
نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليّ)(٣)؛ لأن النكاح من جانب النساء عقد إضرار بنفسه وحكمه وثمرته.
أما نفسه فإنه رق وأسر، قال النبي ◌ِّ: «النَّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُزْ أَحَدُكُمْ أَيْنَ يَضَعُ
كَرِيمَتَهُ)» (٤)، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((اتَّقُوا الله في النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانْ))(٥)،
أي: أسيرات، والإرقاق إضرار.
وأما حكمه: فإنه ملك فالزوج يملك التصرف في منافع بضعها استيفاء بالوطء، وإسقاطاً
بالطلاق، ويملك حجرها عن الخروج والبروز عن التزوج بزوج.
وأما ثمرته: فالاستفراش كرهاً وجبراً، ولا شك أن هذا إضرار، إلا أنه قد ينقلب
مصلحة، وينجبر ما فيه من الضرر، إذا وقع وسيلة إلى المصالح الظاهرة والباطنة، ولا يستدرك
ذلك إلا بالرأي الكامل، ورأيها ناقص لنقصان عقلها، فبقي النكاح مضرة فلا تملكه.
واحتج محمد - رحمه الله - بما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن رسول
(١) في أ: بإذنها.
(٢) أخرجه البيهقي (١٣٣/٧) كتاب ((النكاح)): باب ((اعتبار الكفاءة)).
(٣)
تقدم تخريجه قريباً.
ذكره الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) (٤١/٢).
(٤)
(٥) تقدم.

٣٧١
◌َِابُ التّكَاحِ
الله ◌َّ؛ أنه قال: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيَّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ))(١) والباطل من التصرفات
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي (ص: ٢٠٦) مسند عائشة حديث (١٤٦٣) وأحمد (٤٧/٦، ١٦٥) والدارمي
(١٣٧/٢) كتاب النكاح - باب النهي عن النكاح بغير ولي، وأبو داود (٥٦٦/٢) كتاب النكاح - باب في
الولي - حديث (٢٠٨٣) والترمذي (١٤٠٧/٣) كتاب النكاح - باب ما جاء لا نكاح إلا بولي حديث
(١١٠١) وابن ماجه (٦٠٥/١) كتاب النكاح - باب لا نكاح إلا بولي حديث (١٨٧٩) وابن الجارود
(ص: ٢٣٥) كتاب النكاح حديث (٧٠٠) والطحاوي (٧/٣) كتاب النكاح - باب النكاح بغير ولي عصبة،
وابن حبان (١٢٤٧ - موارد) والدارقطني (٢٢١/٣) كتاب النكاح حديث (١٠) والحاكم (١٦٨/٢) كتاب
النكاح - باب أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ... والبيهقي (١٠٥/٧) كتاب النكاح - باب لا نكاح إلا
بولي وأبو يعلى (١٤٧/٨) رقم (٤٦٩٢) وأبو نعيم (٨٨/٦).
والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٣/٥) من طرق عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري أخبره أن
عروة بن الزبير أخبره أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرته أن رسول الله - رَالخير - قال: ((أيما امرأة تزوجت
بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها وإن اشتجروا فالسلطان ولي
من لا ولي له)».
وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وصححه ابن حبان وأبو
عوانة كما في ((تلخيص الحبير)) (١٥٦/٣).
وقد ضعف هذا الحديث الطحاوي فقال في ((شرح معاني الآثار)) (٨٧/٣) من طريق يحيى بن معين عن
ابن علية عن ابن جريج قال: لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه فقلت له: أن سليمان بن
موسى حدثنا به عنك فأثنى على سليمان خيراً وقال أخشى أن يكون وهم علي. قال ابن حجر في
((التلخيص)) (١٥٧/٣) وقد ضعف هذه الحكاية يحيى بن معين فقال: سماع ابن علية من ابن جريج ليس
بذاك قال: وليس أحد يقول هذه الزيادة غير ابن علية وأعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم
وغيرهم الحكاية عن ابن جريج وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون
سليمان بن موسى وهم فيه وقد تكلم عليه الدارقطني في جزء من حدث ونسي)) ا.هـ.
ولابن حبان كلام في هذا الشأن ذكره في ((صحيحه)) فقال: وليس هذا مما يقدح في صحة الخبر لأن
الضابط من أهل العلم قد يحدث بالحديث ثم ينساه فإذا سئل عنه فلم يعرفه فلا يكون نسيانه دالاً على
يطلان الخبر وهذا المصطفى - وَلوه ــ خير البشر صلى فسها فقيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت فقال: كل
ذلك لم يكن فلما جاز على من اصطفاه الله لرسالته في أهم أمور المسلمين الذي هو الصلاة حين نسي
فلما سألوه أنكر ذلك ولم يكن نسيانه دالاً على بطلان الحكم الذي نسيه كان جواز النسيان على من دونه
من أمته الذين لم يكونوا معصومين أولى. ا. هـ.
وسليمان بن موسى لم ينفرد بالحديث عن الزهري فقد تابعه الحجاج بن أرطأة.
أخرجه ابن ماجه (٦٠٥/١) كتاب النكاح: باب لا نكاح إلا بولي (١٨٨٠) وأحمد (٢٦٠/٦) والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)) (٧/٣) وأبو يعلى (١٤٧/٨) رقم (٤٦٩٢) والبيهقي (١٠٥/٧) من طريق
الحجاج عن الزهري به والحجاج بن أرطأة ضعيف. وتابعه أيضاً جعفر بن ربيعة.
أخرجه أبو داود (٢٠٨٤) وأحمد (٦٦/٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧/٣) قال أبو داود:
جعفر لم يسمع من الزهري كتب إليه وتابعه أيضاً عبيد الله بن أبي جعفر.
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧/٣) وهذا الطريق والذي قبله فيهما ابن لهيعة.

٣٧٢
كِتَابُ التّكَاحِ
الشرعية ما لا حكم له شرعاً؛ كالبيع الباطل، ونحوه؛ ولأن للأولياء حقاً في النكاح؛ بدليل أن
لهم حق الاعتراض والفسخ، ومن لا حق له في عقد كيف يملك فسخه، والتصرف في حق
الإنسان يقف جوازه على جواز(١) صاحب الحق؛ كالأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن وليها(٢).
وجه ما روي عن أبي يوسف؛ أنها إذا زوجت نفسها من كفء ينفذ؛ لأن حق الأولياء
في النكاح من حيث صيانتهم عما يوجب لحوق العار والشين بهم بنسبة من لا يكافئهم
بالصهرية إليهم، وقد بطل هذا المعنى بالتزويج من كفء، يحققه أنها لو وجدت كفأ، وطلبت
من المولى(٣) الإنكاح منه - لا يحل له الامتناع، ولو امتنع يصير عاضلاً فصار عقدها - والحالة
هذه - بمنزلة عقده بنفسه .
وجه ما روي عن محمد من الفرق بين ما إذا كان لها ولي، وبين ما إذا لم يكن لها ولي؛
أن وقوف العقد على إذن الولي كان لحق الولي لا لحقها، فإذا لم يكن لها ولي فلا حق
للولي، فكان الحق لها خاصة، فإذا عقدت فقد تصرفت في خالص حقها؛ فنفذ.
وأما إذا زوجت نفسها من كفء، وبلغ الولي، فامتنع من الإجازة، فرفعت أمرها إلى
الحاكم، فإنه يجيزه(٤) في قول أبي يوسف، وقال محمد: يستأنف العقد.
وجه [قوله](٥) أن العقد كان موقوفاً على إجازة الولي، فإذا امتنع من الإجازة فقد رده
فيرتد، ويبطل من الأصل؛ فلا بد من الاستئناف.
وجه قول أبي يوسف؛ أنه بالامتناع صار عاضلاً؛ إذ لا يحس له الامتناع من الإجازة إذا
زوجت نفسها من كفء؛ فإذا امتنع فقد عضلها، فخرج من أن يكون ولياً، وانقلبت الولاية إلى
الحاكم .
ولأبي حنيفة الكتاب العزيز والسنة والاستدلال:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ
يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فالآية الشريفة نص على انعقاد النكاح بعبارتها، وانعقاده(٦) بلفظ
الهبة، فكانت حجة على المخالف في المسألتين، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ
بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه أضاف النكاح إليها، فيقتضي تصوّر النكاح منها.
(١) في أ: إجازة.
(٢) في أ: مولاها.
(٣) في أ: الولي.
(٤) في أ: يجبره.
(٥) في أ: قول محمد.
(٦) في ط: وانعقادها.

٣٧٣
كِتَابُ النّكَاحِ
والثاني: أنه جعل نكاح المرأة غاية الحرمة، فيقتضي انتهاء الحرمة عند نكاحها نفسها،
وعنده لا تنتهي، وقوله عز وجل: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: يتناكحا،
أضاف النكاح إليهما من غير ذكر الولي، وقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ / أَجَلَهُنَّ ١١ب
فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ .... ﴾ [البقرة: ٢٣٢] الآية، والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه أضاف النكاح إليهن، فيدل على جواز النكاح بعبارتهن، من غير شرط
الولي.
والثاني: أنه نهى الأولياء عن المنع عن نكاحهن أنفسهن من أزواجهن إذا تراضى
الزوجان، والنهي يقتضي تصوير(١) المنهي عنه.
وأما السنة: فما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن رسول الله وَالر؛ أنه
قال: ((لَيْسَ لِلْوَلِيّ مَعَ الشَّيْبِ أَمْرٌ))(٢)، وهذا قطع ولاية الولي عنها، وروي عنه أيضاً عن رسول
اللهِ وَّرَ أنه قال: ((الأَيْمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيُّهَا))(٣)، والأيم اسم لامرأة لا زوج لها.
وأما الاستدلال فهو أنها لما بلغت عن عقل وحرية، فقد صارت ولية نفسها في النكاح،
فلا تبقى مولياً عليها؛ كالصبي العاقل إذا بلغ، والجامع أن ولاية الإنكاح إنما ثبتت للأب على
الصغيرة بطريق النيابة عنها شرعاً؛ لكون النكاح تصرفاً نافعاً، متضمناً مصلحة الدين والدنيا،
وحاجتها إليه حالاً ومآلاً، وكونها عاجزة عن إحراز ذلك بنفسها، وكون الأب قادراً عليه
بالبلوغ عن عقل ـ زال العجز حقيقة، وقدرت على التصرف في نفسها حقيقة، فتزول ولاية
الغير(٤) عنها، وتثبت الولاية لها؛ لأن النيابة الشرعية إنما تثبت بطريق الضرورة نظراً، فتزول
بزوال الضرورة، مع أن الحرية منافية لثبوت الولاية للحر على الحر، وثبوت الشيء مع المنافي
لا يكون إلا بطريق الضرورة؛ ولهذا المعنى زالت الولاية(٥) عن إنكاح الصغير العاقل إذا بلغ،
وتثبت الولاية له، وهذا المعنى موجود في الفرع؛ ولهذا زالت ولاية الأب عن التصرف في
مالها، وتثبت الولاية لها؛ كذا هذا.
(١) في أ: تصور.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦١/١)، وأبو داود (٢٣٣/٢) كتاب ((النكاح)): باب ((في الثيب)) حديث (٢١٠٠))،
والنسائي (٣٩٣/٦) كتاب ((النكاح)): باب ((استئذان البكر في نفسها)) حديث (٣٢٦٣)، وابن حبان (٩/
٣٩٩) كتاب ((النكاح)): باب ((الولي)) حديث (٤٠٨٩)، والبيهقي (١١٨/٧) كتاب ((النكاح)»: باب ((ما جاء
في إنكاح الثيب»، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤٥/٦) كتاب ((النكاح)): باب ((استثمار اليتيمة في
نفسها)) حديث (١٠٢٩٩)، والدارقطني (٢٣٩/٣) كتاب: ((النكاح)): باب (( ... )) حديث (٦٧).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في أ: العجز.
(٥) في أ: ولاية الأب.

٣٧٤
كِتَابُ النّكاح
وإذا صارت ولي نفسها في النكاح لا تبقى (١) مولياً عليها بالضرورة(٢)؛ لما فيه من
الاستحالة .
وأما الآية فالخطاب للأولياء بالإنكاح ليس يدل على أن الولي شرط جواز الإنكاح(٣) بل
على وفاق العرف والعادة بين الناس، فإن النساء لا يتولين النكاح بأنفسهن عادة؛ لما فيه من
الحاجة إلى الخروج إلى محافل الرجال، وفيه نسبتهن إلى الوقاحة، بل الأولياء هم الذين يتولون
ذلك عليهن برضاهن، فخرج الخطاب بالأمر بالإنكاح مخرج العرف. والعادة على الندب
والاستحباب دون الحتم والإيجاب، والدليل عليه ما ذكر - سبحانه وتعالى - عقيبه، وهو قوله
تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ثم لم يكن الصلاح شرط الجواز،
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣]، أو تحمل الآية الكريمة على
إنكاح الصغار عملاً بالدلائل كلها.
وعلى هذا يحمل قوله وَّل﴿ ((لاَ يُزَوِّجْ النِّسَاءَ إِلَّ الأَوْلِيَاءُ))(٤)، أن ذلك على الندب
والاستحباب، وكذا قوله بَّهِ ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٌّ))(٥)، مع ما حكي عن بعض النقلة أن ثلاثة
أحاديث لم تصح عن رسول الله وَّو وعد من جملتها هذا؛ ولهذا لم يخرج في الصحيحين،
على أنا نقول بموجب الأحاديث، لكن لما قلتم: إن هذا إنكاح بغير ولي، بل المرأة ولية
نفسها؛ لما ذكرنا من الدلائل، والله أعلم.
وأما قوله وَِّ ((النِّكَاحُ عَقْدُ ضَرَرٍ)) - فممنوع، بل هو عقد منفعة لاشتماله على مصالح
الدين والدنيا من السكن والألف، والمودة والتناسل، والعفة عن الزنا، واستيفاء المرأة بالنفقة،
إلا أن هذه المصالح لا تحصل إلا بضرب ملك عليها؛ إذ لو لم تكن لا تصير ممنوعة عن
الخروج والبروز، والتزوج بزوج آخر، وفي الخروج والبروز فساد السكن؛ لأن قلب الرجل لا
يطمئن إليها؛ وفي التزوج بزوج آخر فساد الفراش؛ لأنها إذا جاءت بولد يشتبه النسب ويضيع
الولد - فالشرع(٦) ضرب عليها نوع ملك ضرورة حصول المصالح(٧)، فكان الملك وسيلة إلى
المصالح، والوسيلة إلى المصلحة مصلحة، وتسمية النكاح رقا بطريق التمثيل لا بطريق
التحقيق؛ لانعدام حقيقة الرق.
(١) في أ: يبقى.
(٣) في أ: النكاح.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) في أ: فالزوج.
(٧) في أ: المنافع.
(٢) في أ: ضرورة.
(٤) تقدم تخريجه.

٣٧٥
كِتَابُ النّكَاحِ
وقوله: عقلها ناقص، قلنا: هذا النوع من النقصان لا يمنع العلم بمصالح النكاح، فلا
يسلب أهلية النكاح؛ ولهذا لا يسلب أهلية سائر التصرفات من المعاملات والديانات، حتى
يصح منها التصرف في المال على طريق الاستبداد، وإن كانت تجري في التصرفات المالية
خيانات خفية لا تدرك إلا بالتأمل، ويصح منها الإقرار بالحدود والقصاص، ويوجه(١) عليها
الخطاب بالإيمان، وسائر الشرائع؛ فدل أن مالها من العقل كافٍ، والدليل عليه أنه اعتبر عقلها
في اختيار الأزواج، حتى لو طلبت من الولي أن يزوجها من كفء - يفترض عليه التزويج،
حتى لو امتنع يصير عاضلاً ، وينوب القاضي منابه في التزويج.
١١٠
وأما حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - فقد قيل: إن مداره على الزهري، فعرض
عليه فأنكره، وهذا يوجب ضعفاً في الثبوت يحقق الضعف إن راوي الحديث عائشة - رضي الله
تعالى عنها - ومن مذهبها جواز النكاح بغير وليٍّ.
والدليل عليه ما روي أَنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ مِنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وإذا كان
مذهبها في هذا الباب هذا، فكيف تروي حديثاً لا تعمل به، ولئن ثبت فنحمله على الأمة؛ لأنه
روي في بعض الروايات: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ تُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا))، دل ذكر الموالي على أن المراد
من المرأة الأمة، فيكون عملاً بالدلائل أجمع.
وأما قول محمد: أن للولي حقاً في النكاح، فنقول: الحق في النكاح لها على الولي لا
للولي عليها؛ بدليل أنها تزوج على الولي إذا غاب غيبة منقطعة، وإذا كان حاضراً يجبر على
التزويج إذا أبى أو (٢) عضل تزوج عليه، والمرأة لا تجبر على النكاح إذا أبت وأراد الولي، فدل
أن الحق لها عليه، ومن ترك حق نفسه في عقد له قبل غيره - لم يوجب ذلك فساده، على أنه
إن كان للولي فيه ضرب حق، لكن أثره في المنع من اللزوم إذا زوجت نفسها من غير كفء،
لا في المنع من النفاذ والجواز؛ لأن في حق الأولياء في النكاح، من حيث صيانتهم عما
يلحقهم من الشين والعار بنسبة عدا (٣) الكفء إليهم بالصهرية، فإن زوجت نفسها من كفء،
فقد حصلت الصيانة؛ فزال المانع من اللزوم(٤) فيلزم، وإن تزوَّجَت(٥) من غير كفء فبقي
النفاذ إن كان ضرر بالأولياء، وفي عدم النفاذ ضرر بها بإبطال أهليتها، والأصل في الضررين
إذا اجتمعا؛ أن يدفعا ما أمكن، ولههنا أمكن دفعهما؛ بأن نقول، بنفاذ النكاح دفعاً للضرر
(١) في ط: ويؤخذ.
(٢) في ط: يجبر على التزويج وإذا أبى وعضل.
(٣) في أ: غير.
(٤) في أ: الروقة.
(٥) في أ: زوجت.

٣٧٦
كِتَابُ النّكَاحِ
عنها، ويعدم(١) اللزوم وثبوت ولاية الاعتراض للأولياء دفعاً للضرر عنهم؛ ولهذا نظير في
الشريعة، فإن العبد المشترك بين اثنين إذا كاتب أحدهما نصيبه، [فقد دفع الضرر](٢) عنه، حتى
لو أدى بدل الكتابة يعتق، لكنه(٣) لم يلزمه حتى كان للشريك الآخر حق فسخ الكتابة قبل أداء
البدل؛ دفعاً للضرر عنه.
وكذا العبد إذا أحرم بحجة أو بعمرة - صح إحرامه، حتى لو أعتق يمضي في إحرامه،
لكنه لم يلزمه، حتى أن للمولى أن يحلله دفعاً للضرر عنه، وكذا للشفيع حق تملك الدار
بالشفعة؛ دفعاً للضرر عن نفسه، ثم لو وهب المشتري الدار نفذت هبته؛ دفعاً للضرر
[عنه] (٤)، لكنها لا تلزم حتى للشفيع حق قبض الهبة، والأخذ بالشفعة دفعاً للضرر عن نفسه؛
كذا هذا.
فصل في شرط التقدم
وأما شرط التقدم [فشيئان:
أحدهما: العصوبة عند أبي حنيفة، فتقدم العصبة على ذوي الرحم، سواء كانت العصبة
أقرب أو أبعد، وعندهما هي شرط ثبوت أصل الولاية على ما مر (٥).
(١) في ط: وبعد.
(٢) في أ: نقد دفعاً للضرر.
(٣) في ط: ولكنه.
(٤) سقط في: أ.
(٥) إن الولاية وإن ثبتت لجميع الأقرباء غير أنهم مرتبون فيتولى كل في رتبته وأن العصبة بنفسه أنواع. البنوة.
والأبوة. والأخوة. والعمومة وهذه الأنواع مرتبة أيضاً فالبنوة وإن سفلت مقدمة على الأبوة والأبوة وإن
علت مقدمة على الأخوة. والأخوة مقدمة على العمومة وجهة العمومة مقدمة على مولى العتاقة. ومولى
العتاقة مقدم على عصبته قال الكمال عند قوله. والترتيب في ولاية النكاح كالترتيب في الإرث والأبعد
محجوب بالأقرب فتقدم عصبة النسب. وأولاهم الابن وابنه وإن سفل ولا يتأتى إلا في المعتوهة وهذا
قولهما خلافاً لمحمد فإنه يرى أن الأب مقدم على الابن إلى أن قال ثم الأب ثم الجد وإن علا ثم الأخ
الشقيق ثم للأب. وذكر الكرخي أن الجد والأخ يشتركان في الولاية عندهما وعند أبي حنيفة يقدم الجد
كما هو الخلاف في الميراث. والأصح أن الجد أولى بالتزويج اتفاقاً ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ لأب
ثم العم الشقيق ثم لأب ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لأب ثم أعمام الأب كذلك الشقيق ثم أبناؤه ثم
لأب ثم أبناؤه ثم عم الجد الشقيق ثم أبناؤه ثم عم الجد لأب ثم أبناؤه وإن سفلوا ثم المعتق وإن كان
امرأة ثم بنوه وإن سفلوا ثم عصبته من النسب على ترتيب عصبات النسب ا. هـ هذا وإن استووا بالجهة
كان التقديم بقرب الدرجة كأن ترك ابناً وابن ابن فالولاية للابن.

٣٧٧
كِتَابُ النّكَاحِ
وإن استووا في الجهة والدرجة كالأخوين والعمين الشقيقين مثلاً تثبت الولاية لكل واحد على السواء لعدم
=
المرجح فلكل واحد من الأولياء والحالة هذه أن يزوج رضى الآخر أو سخط لكن بشرط أن يكون الزواج
بكفء وبمهر المثل. وعند مالك - رضي الله عنه - ليس لأحد الأولياء ولاية الإنكاح ما لم يجتمعوا. لأن
سبب هذه الولاية القرابة وأنها مشتركة بينهم فكانت الولاية مشتركة لأن الحكم يثبت على وفق العلة وصار
كولاية الملك. فإن الجارية بين اثنين إذا زوجها أحدهما لا يجوز من غير رضا الآخر لما قلنا كذا هذا.
ولنا أن الولاية لا تتجزأ لأنها ثبتت بسبب يتجزأ أو هو القرابة وما لا يتجزأ إذا ثبت لجماعة بسبب لا
يتجزأ يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأنه ليس معه غيره كولاية الأمان بخلاف ولاية الملك لأن سببها
الملك وأنه متجزىء فيتقدر الملك هذا وإن لم يكن عصبة مطلقاً انتقلت الولاية للأم ثم لأم الأب ثم
للبنت ثم لبنت الابن ثم لبنت البنت ثم لبنت ابن الابن ثم لبنت بنت البنت وهكذا ثم للجد الفاسد ثم
للأخت لأب وأم ثم للأخت لأب ثم لولد الأم ذكراً كان أو أنثى ثم لولد الأخت لأب وأم ثم لولد الأخت
لأب ثم لولد الأخ أو الأخت لأم ثم للعمات ثم للأخوال ثم للخالات ثم بنات الأعمام ثم أولاد العمات
ثم أولاد الأخوال ثم أولاد الخالات ثم أولاد بنات الأعمام ثم مولى الموالاة ثم لقاض نص له في
منشوره.
وبعضهم ذكر أن الأخت مقدمة على الأم لأنها من قوم الأب وقال بعضهم نقدم أم الأب على الأم ولكن
جروا على ذكر الأم عقب العصبات.
ونقل ابن عابدين عن الرملي بأن أم الأب مقدمة على الأم وليس سعيد لأن قرابة الأب لها حكم العصبة.
وقال ابن عابدين وذكر في المستصفى أن الجد الفاسد مقدم على الأخت عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف
الولاية لهما .
قال الكمال وقياس ما صحح في الجد والأخ من تقدم الجد على الأخ نقدم الجد الفاسد على الأخت هذا
ما ذهب إليه الإمام.
وقال محمد ليس لغير العصبة من الأقارب ولاية بل تنتقل عند عدمهم إلى الحاكم. واختلف النقل عن أبي
يوسف قال في البحر في الكافي الجمهور أنه مع أبي حنيفة. وفي النبيين والجوهرة والمجتبى والذخيرة
الأصح أنه مع أبي حنيفة ا. هـ. وقال في الهداية الأشهر أنه مع محمد للإمام محمد ما روي أن رسول الله
- وَّلو - قال: ((النكاح إلى العصبات)). دل هذا الحديث على أن هذا الجنس وهو النكاح مفوض إلى هذا
الجنس وهو العصبات فلا يكون لغيره فیه مدخل.
قال صاحب الكفاية عند قوله عليه السلام ((النكاح إلى العصبات)) اللام للجنس فينبغي أن يكون الجميع
مفوضاً إليهم ولا يشترط اجتماعهم لأنه مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي انقسام الآحاد على الآحاد. ولأن
اللام إذا دخلت على الجمع بطلت معنى الجمعية وصار كالمفرد ا. هـ. ولأن الولاية للصيانة مما يلحقهم
من العار والشين بأهل الزوج. وهي أنما تكون للعصبات لأن من عداهم قد يكون من قبيلة أخرى فلا
يلحقهم العار ولذا كانت قرابة التعصيب مقدمة على قرابة الرحم بالإجماع ولأبي حنيفة قوله تعالى:
﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ أمر الله بإنكاحهم وأطلق ولم يقيد بالعصبة
وغيرهم وأن الولاية نظرية والنظر يتحقق بالتفويض إلى من هو المختص بالقرابة الباعثة على الشفقة
الموجبة لاختيار الكفء وذوو الأرحام بهذه المثابة فإن شفقة الإنسان على ابنة أخته كشفقة على ابنة أخيه
بل قد تترجح على الثانية .
=

٣٧٨
كِتَابُ النّكَاحِ
والثاني](١): قرب القرابة يتقدم الأقرب على الأبعد، سواء كان في العصبات، أو في
غيرها على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - وعلى أصلهما هذا شرط التقدم، لكن في العصبات
وأن شفقة ذوي الأرحام ليست بأقل من شفقة السلطان ولا من ولاه فكانوا أولى منهم.
=
وأن الولاية مرتبة على استحقاق الميراث لاتحاد سبب ثبوتها وهو القرابة فكل من استحق الميراث استحق
الولاية من هذا تبين أرجحية مذهب الإمام لأنه لا معنى لأن يتولى الحاكم نكاح امرأة مع وجود قريب لها
يتصل بنسبها .
وما استدل به الامام محمد مردود لأن الحديث إنما أفاد الحكم حال وجود العصبة ولم يتعرض للحكم
حال عدمهم فلم ينفع دليلاً له. رسول الله - بَّار ـ وما ذكره من الوجه مسلم غير أن هناك وجهاً آخر وهو
أن الولاية تثبت أولاً تحصيلاً لمصلحة تعود إلى الزوجة بتحصيل الكفء والشفقة القائمة بالأقارب داعية
لتحصيل ذلك فكان ثبوت الولاية بهذا الاعتبار. ويدل على ذلك إجازة ابن مسعود تزويج امرأته بنتها
وكانت من غيره على الأصح.
أما ترتيب الأولياء عند الشافعية
أحق الأولياء الأب وإن علا لأن لكل منهم ولادة وعصوبة فقدموا على من ليس لهم إلا عصوبة ويقدم
الأقرب منهم فالأقرب. ثم سائر العصبات المجمع على إرثهم فيقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب ثم ابن
الأخ الشقيق ثم لأب وإن سفل ثم عم ثم ابن عم كذلك ثم المعتق ثم عصبته ثم السلطان وهذا المذهب
موافق لما ذهب إليه محمد في عدم ثبوت الولاية لذوي الأرحام ومولى الموالاة.
وعند المالكية. الولاية معتبرة بالتعصيب فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية. والأبناء عنده أولى وإن
سفلوا ثم الآباء ثم الأب وأم ثم لأب ثم بنو الأخوة لأب وأم ثم للأب ثم للأجداد وإن علوا.
وقال المغيرة الجد وأبوه أولى من الأخ وابنه لأنه أصل ثم العمومة على ترتيب الأخوة وإن سفلوا ثم
المولى ثم السلطان ووصى الأب عنده أو لي من ولي النسب.
وترتيب الأولياء عند الحنابلة
أحق الناس الذين لهم ولاية النكاح في نكاح المرأة الحرة أبوها لأن الولد موهوب لأبيه قال تعالى:
﴿ووهبنا له يحيى﴾ وقال عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك)). وإثبات ولاية الموهوب له على الهبة أولى
من العكس لأن الأب أكمل شفقة وأتم نظر. ثم أبوه وإن علا فإن اجتمعوا فأولادهم أقربهم فيقدم الأب
على الجد عند الاجتماع. ثم ابنها ثم ابنه وإن نزل يقدم الأقرب فالأقرب لحديث أم سلمة فإنها لما
انقضت عدتها أرسل إليها رسول الله - رَ﴿ - يخطبها فقالت يا رسول الله إنه ليس أحد من أوليائي شاهداً.
فقال النبي - ◌َّة - ليس من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك رواه أحمد والنسائي فقال ثم يا عمر فزوج
رسول الله - ڑ - فزوجه.
ثم أخوها الشقيق ثم لأب ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا فيقدم ابن الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب. ثم
بنوهما كذلك ويقدم منهم الأقرب فالأقرب ثم العم الشقيق ثم لأب ثم بنوهما وإن نزلوا الأقرب منهم
فالأقرب ثم أقرب العصبات على ترتيب الميراث كعم الأب ثم بنيه ثم عم الجد ثم بنيه وأحقهم بالميراث
أحقهم بالولاية فلا يلي بنو أب أعلى من بني أب أقرب منه لأن مبنى الولاية على الشفقة والنظر ومظنتها
القرابة فأقربهم أشفقهم. ثم المولى المنعم بالعتق ثم عصبة الأقرب منهم فالأقرب ثم بعد ذلك السلطان.
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.
(١) سقط في أ.

٣٧٩
كِتَابُ النّاحِ
خاصة؛ بناء على أن العصبات شرط ثبوت أصل الولاية عندهما، وعنده: هي شرط التقدم على
غيرهم من القرابات، فما دام ثمة عصبة فالولاية لهم، يتقدم الأقرب منهم على الأبعد، وعند
عدم العصبات تثبت الولاية لذوي الرحم، الأقرب منهم يتقدم على الأبعد، وإنما اعتبر الأقرب
فالأقرب في الولاية؛ لأن هذه ولاية نظر وتصرف الأقرب أنظر في حق المولى عليه؛ لأنه
أشفق، فكان هو أولى من الأبعد؛ ولأن القرابة (١) إن كان (٢) استحقاقها بالتعصيب كما قالا:
فالأبعد لا يكون عصبة مع الأقرب فلا يلي معه، ولئن كان استحقاقها بالوراثة؛ كما قال أبو
حنيفة، فالأبعد لا يرث مع الأقرب، فلا يكون ولياً معه، وإذا عرف هذا فنقول: إذا اجتمع
الأب والجد في الصغير والصغيرة، والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة - فالأب أولى من الجد
أب الأب؛ [لوجود العصوبة والقرب](٣) والجد أب الأب - وإن علا - أولى من الأخ لأب
وأم، [أو لأب](٤) والأخ أولى من العم هكذا، وعند أبي يوسف ومحمد الجد والأخ سواء؛
كما في الميراث، فإن الأخ لا يرث مع الجد عنده؛ فكان بمنزلة الأجنبي، وعندهما يشتركان
في الميراث، فكانا كالأخوين وإن اجتمع الأب والابن في المجنونة ـ فالابن أولى عند أبي
یوسف .
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف، وروى
المعلى عن أبي يوسف؛ أنه قال: أيهما زوج جاز، وإن اجتمعا قلت للأب زوج، وقال
محمد: الأب أولی به.
وجه قوله: إن هذه الولاية تثبت نظراً للمدى عليه، وتصرف الأب أنظر لها؛ لأنه أشفق
عليها من الابن؛ ولهذا كان هو أولى بالتص في مالها؛ ولأن الأب من قومها والابن ليس
منهم؛ ألا ترى أنه ينسب إلى أبيه، فكان إثبات الولاية عليها لقرابتها أولى/ .
١٢ ب
وجه قول أبي يوسف: أن ولاية التزويج مبنية على العصوبة، والأب مع الابن إذا اجتمعا
فالابن هو العصبة، والأب صاحب فرض؛ فكان كالأخ لأم مع الأخ لأب وأم.
وجه رواية المعلى؛ أنه وجد في كل واحد منهما ما هو سبب التقدم، أما الأب؛ فلأنه
من قومها وهو أشفق عليها، وأما الابن؛ فلأنه يرثها بالتعصيب، وكل واحد من هذين سبب
التقدم، فأيهما زوج جاز، وعند الاجتماع يقدم الأب تعظيماً واحتراماً له، وكذلك إذا اجتمع
الأب وابن الابن - وإن سفل - فهو على هذا الخلاف، والأفضل في المسألتين أن يفوض الابن
الإنكاح إلى الأب احتراماً للأب، واحترازاً عن موضع الخلاف.
(١) في أ: الولاية.
(٢) في ط: كانت.
(٣) سقط في: أ.
(٤) سقط في ط .

٣٨٠
كِتَابُ النكاح
وعلى هذا الخلاف إذا اجتمع الجد والابن، قال أبو يوسف: الابن أولى، وقال محمد:
الجد أولى، والوجه من الجانبين على نحو ما ذكرنا، فأما الأخ والجد فهو على الخلاف الذي
ذكرنا بين أبي حنيفة وصاحبيه. وأما من غير العصبات: فكل من يرث يزوج عند أبي حنيفة،
ومن لا فلا، وبيان من يرث منهم، ومن لا يرث - يعرف في كتاب الفرائض، ثم إنما يتقدم
الأقرب على الأبعد، إذا كان الأقرب حاضراً، أو غائباً غيبة غير منقطعة، فأما إذا كان غائباً غيبة
منقطعة؛ فللأبعد أن يزوج في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا ولاية للأبعد مع قيام الأقرب
بحال، وقال الشافعي: يزوجها السلطان.
واختلف مشايخنا في ولاية الأقرب؛ أنها تزول بالغيبة أو تبقى.
قال بعضهم: إنها باقية، إلا إن حدثت للأبعد ولاية لغيبة الأقرب، فيصير كأن لها وليين
مستويين في الدرجة؛ كالأخوين، والعمين.
وقال بعضهم: تزول ولايته، وتنتقل إلى الأبعد وهو الأصح.
وجه قول زفر: أن ولاية الأقرب قائمة لقيام سبب ثبوت الولاية، وهو القرابة القريبة؛
ولهذا لو زوجها حيث هو يجوز، فقيام ولايته تمنع الانتقال إلى غيره، والشافعي يقول: إن
ولاية الأقرب باقية؛ كما قال زفر، إلا أنه امتنع دفع حاجتها من قبل الأقرب مع قيام ولايته
عليها بسبب الغيبة، فتثبت الولاية للسلطان؛ كما إذا خطبها كفء، وامتنع الولي من تزويجها
منه، أن للقاضي أن يزوجها، والجامع بينهما دفع الضرر عن الصغيرة.
ولنا أن في ثبوت الولاية للأبعد زيادة نظر في حق العاجز، فتثبت له الولاية؛ كما في
الأب مع الجد إذا كانا حاضرين، ودلالة ما قلنا إن الأبعد أقدر على تحصيل النظر للعاجز؛
لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر، ولا شك أن الأبعد متمكن من إحراز الكفء
الحاضر، بحيث لا يفوته غالباً، والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا يقدر على إحرازه غالباً؛ لأن
الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه غالباً .
وكذا الكفء المطلق؛ لأن المرأة تخطب حيث هي عادة، فكان الأبعد أقدر على إحراز
الكفء من الأقرب، فكان أقدر على إحراز النظر، فكان أولى بثبوت الولاية له؛ إذ المرجوح
في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام؛ كما في الأب مع الجد.
وأما قوله: إن ولاية الأقرب قائمة - فممنوع، ولا نسلم أنه يجوز إنكاحه، بل لا يجوز
فولايته منقطعة بواحدة.
وقد روي عن أصحابنا ما يدل على هذا؛ فإنهم قالوا: إن الأقرب إذا كتب كتاباً إلى