Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
كِتَابُ النّكَاحِ
وحكي عن الكرخي؛ أنه ينعقد بلفظ الإجارة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾
[الطلاق: ٦]، سمى الله تعالى المهر أجراً، ولا أجر إلا بالإجارة، فلو لم تكن الإجارة نكاحاً لم
يكن المهر أجراً.
وجه قول العامة: إن الإجارة عقد مؤقت؛ بدليل أن التأبيد يبطلها، والنكاح عقد مؤبد؛
بدليل أن التوقيت يبطله، وانعقاد العقد بلفظ يتضمن المنع من الانعقاد ممتنع؛ ولأن الإجارة
تمليك المنفعة، ومنافع البضع في حكم الأجزاء والأعيان، فكيف يثبت ملك العين بتمليك
المنفعة، ولا ينعقد بلفظ الإعارة؛ لأن الإعارة إن كانت إباحة المنفعة، فالنكاح لا ينعقد بلفظ
الإباحة؛ لانعدام معنى التمليك أصلاً؛ وإن كانت تمليك المتعة(١) فالنكاح لا ينعقد إلا بلفظ
موضوع لتمليك الرقبة ولم يوجد.
واختلف المشايخ في لفظ القرض: قال بعضهم: لا ينعقد؛ لأنه في معنى الإعارة.
وقال بعضهم: ينعقد؛ لأنه يثبت به الملك في العين؛ لأن المستقرض يصير ملكاً
للمستقرض .
وكذا اختلفوا في لفظ السلم، قال بعضهم: لا ينعقد، لأن السلم في الحيوان لا يصح.
وقال بعضهم: ينعقد؛ لأنه يثبت به ملك الرقبة، والسلم في الحيوان ينعقد عندنا، حتى
لو اتصل به القبض يعد الملك ملكاً فاسداً، لكن ليس كل ما يفسد البيع يفسد النكاح.
ويقال لهم في المعقول: إن قولكم: إن الشهادة شرط في النكاح والكناية إنما تعلم بالنية مسلم، ولكن
=
قولكم: ولا يمكن الشهادة على النية لعدم اطلاعهم عليها، غير مسلم فإن القرائن دالة على أن المشهود
عليه هو النكاح فإنه إذا قال إنسان لآخر بحضرة الشهود: ملكتك ابنتي بألف درهم مثلاً، فقال الآخر:
قبلت، علم أن المراد التزويج. ولا يحتاج إلى إظهار النية، إذ إن دلالة الحال في الكنايات تجعلها
صريحة، وتقوم مقام إظهار النية .
وأما المالكية والحنفية ومن معهم فقد استدلوا بقوله - وَ لجر -: ((قَدْ مَلَّكَتْكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ))، ووجه
الدلالة من الحديث أن النبي - وَلّ - زوجه إياها بلفظ التمليك، فدل ذلك على انعقاد النكاح به. وإلا لما
قال له الرسول: ((قَدْ مَلَّكَتْكَهَا))، فإن قيل إن هذا الحديث رواه سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن سهل
فقال فيه: ((قَدْ أَنْكَحَتْكَهَا))، ورواه زائدة، وحماد بن زيد وعبد العزيز بن محمد الدارا، وروى كلهم عن
أبي حازم عن سهل، فقالوا فيه: ((وَقَدْ زَوَّجَتْكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ))، وهو موطن واحد، ورجل واحد،
وامرأة واحدة، فيكون من روى ((قَدْ مَلَّكَتْكَهَا))، روي الحديث بالمعنى لظن الترادف، فلا تكون روايته
حجة، يجاب عن هذا القول بأن وإن كان موطن واحد ورجل واحد وامرأة واحدة، فإن لا مانع من صحة
الروايات كلها، ويكون قصد النبي - ◌َّلهو ـ تعليمهم بأن كل هذه الألفاظ ينعقد بها النكاح، ولذلك وجدنا
الرواة رغم اتحاد القصة اختلفوا في اللفظ، فمنهم من روى ((قَدْ مَلَّكَتْكَهَا))، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ((قَدْ
أَنْكَحَتْكَهَا)»، ومنهم من روى («قَدْ زَوَّجَتْكَهَا)) .
(١) في أ: المنفعة.
بدائع الصنائع ج ٣ - م٢١
٣٢٢
كِتَابُ النّكَاحِ
واختلفوا أيضاً في لفظ الصرف، قال بعضهم: لا ينعقد به؛ لأنه وضع لإثبات الملك في
الدراهم والدنانير التي لا تتعين بالتعيين، والمعقود عليه لهِهنا يتعين بالتعيين. وقال بعضهم:
ينعقد؛ لأنه يثبت به ملك العين في الجملة .
وأما لفظ الوصية: فلا ينعقد به عند عامة مشايخنا؛ لأن الوصية تمليك مضاف إلى ما
بعد الموت، والنكاح المضاف إلى زمان في المستقبل - لا يصح.
وحكي عن الطحاوي؛ أنه ينعقد؛ لأنه يثبت به ملك الرقبة/ في الجملة، وحكى أبو
عبد الله البصري عن الكرخي: إن قيد الوصية بالحال؛ بأن قال: أوصيت لك بابنتي هذه الآن -
ينعقد، لأنه إذا قيده بالحال صار مجازاً عن التمليك، ولا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة؛ لأنه
لا يدل على الملك أصلاً.
ألا ترى أن المباح له الطعام يتناوله على حكم ملك المبيع، حتى كان له حق الحجر
والمنع، ولا ينعقد بلفظ المتعة، لأنه لم يوضع للتمليك، ولأن المتعة عقد مفسوخ؛ لما نبين
إن شاء الله في موضعه، ولو أضاف الهبة إلى الأمة؛ بأن قال رجل: وهبت أمتي هذه منك،
فإن كان الحال يدل على النكاح من إحضار الشهود، وتسمية المهر مؤجلاً ومعجلاً، ونحو
ذلك - ينصرف إلى النكاح، وإن لم يكن الحال دليلاً على النكاح؛ فإن نوى النكاح فصدقه
الموهوب له؛ فكذلك، وينصرف إلى النكاح بقرينة النية، وإن لم ينو ينصرف إلى ملك الرقبة،
والله عز وجل أعلم.
ثم النكاح كما ينعقد بهذه الألفاظ بطريق الأصالة - ينعقد بها بطريق النيابة بالوكالة
والرسالة؛ لأن تصرف الوكيل كتصرف الموكل، وكلام الرسول كلام المرسل، والأصل في
جواز الوكالة في باب النكاح ما رُوِيَ أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَ رَسُولَ اللهِوَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - رضي الله
تعالى عنها - فَلاَ يخلو ذلك إما أن فعله بأمر النبي وَلّ أو لا بأمره؛ فإن فعله بأمره فهو وكيله،
وإن فعله بغير أمره فقد أجاز النبي وَّر عقده، والإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وكما ينعقد
النكاح بالعبارة ينعقد بالإشارة من الأخرس إذا كانت إشارته معلومة، وينعقد بالكتابة؛ لأن
الكتاب من الغائب خطابه، والله تعالى أعلم.
وأما بيان صيغة اللفظ الذي ينعقد به النكاح، فنقول: لا خلاف في أن النكاح ينعقد
بلفظين يعبر بهما عن الماضي؛ كقوله: زوجت وتزوجت، وما يجري مجراه، وإما بلفظين
يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل، كما إذا قال رجل لرجل: زوجني بنتك،
أو قال: جئتك خاطباً ابنتك، أو قال: جئتك لتزوجني بنتك، فقال الأب: قد زوجتك، أو
قال لامرأة: أتزوجك على ألف درهم، فقالت: قد تزوجتك على ذلك، أو قال له .
١٣
كِتَابُ النّكَاحِ
٣٢٣
زوجيني(١) أو أنكحيني نفسك، فقالت: زوجتك(٢) أو أنكحت ـ ينعقد استحساناً.
والقياس ألا ينعقد؛ لأن لفظ الاستقبال عدة، والأمر من فروع الاستقبال، [فلم يوجد
الاستقبال](٣) فلم يوجد الإيجاب، إلا أنهم تركوا القياس؛ لما رُوِيَ أَنَّ بِلاَلاً - رضي الله تعالى
عنه - خَطَبَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَقَالَ: لَوْلاَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَنِي أَنْ
أَخْطُبَ إِلَيْكُمْ لَّمَا خَطَبْتُ، فَقَالُوا لَهُ: مَلَكْتَ (٤)، ولم ينقل أن بلالاً - رضي الله تعالى عنه - أعاد
القول(٥) ولو فعل لنقل؛ ولأن الظاهر أنه أراد الإيجاب؛ لأن المساومة لا تتحقق في النكاح
عادة، فكان محمولاً على الإيجاب، بخلاف البيع؛ فإن السوم معتاد فيه فيحمل اللفظ عليه،
فلا بد من لفظ آخر يتأدى به الإيجاب، والله الموفق.
وأما بيان أن النكاح هل ينعقد بعاقد واحد، أو لا ينعقد إلا بعاقدين، فقد اختلف في هذا
الفصل، قال أصحابنا : - رحمهم الله - ينعقد بعاقد واحد، إذا كانت له ولاية من الجانبين، سواء
كانت ولايته أصلية؛ كالولاية الثابتة بالملك والقرابة، أو دخيلة؛ كالولاية الثابتة بالوكالة؛ بأن كان
العاقد مالكاً من الجانبين؛ كالمولى إذا زوج أمته من عبده، أو كان ولياً من الجانبين؛ كالجد إذا
زوج [ابن ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة](٦) والأخ إذا زوج بنت أخيه (٧) الصغيرة من ابن أخيه
الصغير، أو كان أصيلاً وولياً (٨)؛ كابن العم إذا زوج بنت عمه من نفسه، أو كان وكيلاً من
الجانبين، أو رسولاً من الجانبين، أو كان ولياً من جانب ووكيلاً من جانب آخر، أو وكلت امرأة
رجلاً ليتزوجها من نفسه، أو وكل رجل امرأة لتزوج نفسها منه، وهذا مذهب أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: لا ينعقد النكاح بعاقد واحد أصلاً، وقال الشافعي: لا ينعقد إلا إذا كان ولياً
من الجانبين، ولقب المسألة أن الواحد، هل يجوز أن يقوم بالنكاح من الجانبين أم لا .
وجه قول زفر والشافعي: أن ركن النكاح اسم لشطرين مختلفين وهو الإيجاب والقبول،
فلا يقومان إلا بعاقدين كشطري البيع، إلا أن الشافعي يقول في الولي (٩) ضرورة؛ لأن النكاح
(١) في أ: تزوجيني.
(٣) سقط في: أ.
. (٥) في أ: القبول.
(٧) في أ: أخته .
(٢) في أ: زوجت.
(٤) في أ: أملكت.
(٦) في أ: بنت ابنه الصغيرة من ابن ابنه الصغير.
(٨) في أ: أو ولياً.
(٩) الولي لغة معناه: النصير والمعين، من وليه إذا قام به ونصره ومنه: ﴿الله وليُّ الذين آمنوا﴾، وجمعه
أولياء. وولى المرأة الذي يلي عقد النكاح عليها، وكل من يلي أمر أحد فهو وليُّه. وقال الفراء: المولى
والولي واحد في كلام العرب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللّه هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ﴾ ... الخ، وقوله تعالى:
﴿وأن الكافرين لا مولى لهم﴾.
وفي اصطلاح المتكلمين: هو العارف بالله تعالى، وبأسمائه وصفاته، حسبما يمكن المواظب على
الطّاعات، المجتنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في الشهوات.
=
،
٣٢٤
كِتَابُ النَّاحِ
لا ينعقد بلا ولي (١)، فإذا كان الولي متعيناً، فلو لم يجز نكاح المولية لامتنع نكاحها أصلاً؛
وهذا لا يجوز، وهذه الضرورة منعدمة في الوكيل ونحوه.
ولنا قوله/ تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَّهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٣]
قيل: نزلت هذه الآية في يتيمة في حجر وليها وهي ذات مال.
ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أن قوله تعالى: ﴿لَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ
أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] خرج مخرج العتاب، فيدل على أن الولي يقوم بنكاح وليته
وحده؛ إذ لو لم يقم وحده به لم يكن للعتاب معنى؛ لما فيه من إلحاق العتاب بأمر لا
يتحقق، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَىْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أمر سبحانه وتعالى بالإنكاح
مطلقاً، من غير فصل بين الإنكاح من غيره أو من نفسه، ولأن الوكيل في باب النكاح
ليس بعاقد، بل هو سفير عن العاقد ومعبر عنه؛ بدليل أن حقوق النكاح والعقد لا ترجع
إلى الوكيل، وإذا كان معبراً عنه وله ولاية على الزوجين فكانت عبارته كعبارة الموكل،
فصار كلامه ككلام شخصين، فيعتبر (٢) إيجابه كلاماً للمرأة؛ كأنها قالت: زوجت نفسي
من فلان وقبوله كلاماً للزوج، كأنه قال: قبلت فيقوم العقد باثنين حكماً، والثابت
بالحكم ملحق بالثابت حقيقة.
وأما البيع: فالواحد فيه إذا كان ولياً يقوم بطرفي العقد؛ كالأب يشتري مال الصغير
لنفسه، أو يبيع مال نفسه من الصغير، أو يبيع مال ابنه الصغير من ابنه الصغير أو يشتري، إلا
أنه إذا كان وكيلاً لا يقوم بهما؛ لأن حقوق العقد مقتصرة على العاقد، فلا يصير كلام العاقد
كلام الشخصين؛ ولأن حقوق البيع إذا كانت مقتصرة على العاقد، وللبيع أحكام متضادة من
التسليم والقبض، والمطالبة، فلو تولى طرفي العقد لصار الشخص الواحد مطالباً ومطلوباً،
ومسلماً ومتسلماً؛ وهذا ممتنع، والله عز وجل أعلم.
وأما صفة الإيجاب والقبول فهي ألا يكون أحدهما لازماً قبل وجود الآخر، حتى لو
وجد الإيجاب من أحد المتعاقدين كان له أن يرجع قبل قبول الآخر؛ كما في البيع؛ لأنهما
جميعاً ركن واحد، فكان أحدهما بعض اركن، والمركب من شيئين لا وجود له بأحدهما.
هو من له على المرأة ملك، أو بنوة، أو أبوة، أو تعصيب، أو ولاء، أو إيصاء، أو كفالة، أو سلطنة، أو
=
ذو إسلام؛ قاله ابن عرفة. ينظر نص كلام شيخنا محمود إسماعيل جمال في الولاية في النكاح.
(١) في أ: إلا بولي.
(٢) في أ: يصير.
٣ب
٣٢٥
كِتَابُ النَّاحِ
فصل في شرائط النكاح
وأما شرائط الركن(١) فأنواع: بعضها شرط الانعقاد، وبعضها شرط الجواز والنفاذ،
وبعضها شرط اللزوم، أما شرط الانعقاد فنوعان: نوع يرجع إلى العاقد، ونوع يرجع إلى مكان
العقد بالفعل فلا ينعقد نكاح المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط أهلية
التصرف، فأما البلوغ فشرط النفاذ عندنا لا شرط الانعقاد، على ما نذكر إن شاء الله تعالى،
وأما تعدُّد(٢) العاقد فليس بِشَرْطٍ لانعقاد النكاح، خلافاً لزفر على ما مر.
وأما الذي يرجع إلى مكان العقد: فهو اتحاد المجلس إذا كان العاقدان حاضرين وهو أن
يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، حتى لو اختلف المجلس لا ينعقد النكاح؛ بأن كانا
حاضرين، فأوجب أحدهما فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل يوجب
اختلاف المجلس - لا ينعقد، لأن انعقاده عبارة عن ارتباط أحد الشطرين بالآخر، فكان القياس
وجودهما في مكان واحد، إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى سد باب العقود، فجعل المجلس
جامعاً للشطرين حكماً مع تفرقهما حقيقة للضرورة؛ والضرورة تندفع عند اتحاد المجلس، فإذا
اختلف تفرق الشطران حقيقة وحكماً؛ فلا ينتظم الركن.
وأما الفور: فليس من شرائط الانعقاد عندنا، وعند الشافعي: هو شرط والمسألة
ستأتي(٣) في كتاب البيوع، ونذكر الفرق [هناك](٤)، وعلى هذا يخرج ما إذا تناكحا وهما
يمشيان، أو يسيران على الدابة، وهو على التفصيل الذي نذكر إن شاء الله تعالى في كتاب
البيوع .
ونذكر الفرق هناك بين المشي والسير على الدابة، وبين جريان السفينة، هذا إذا كان
العاقدان حاضرين، فأما إذا كان أحدهما غائباً - لم ينعقد، حتى لو قالت امرأة بحضرة
شاهدين، زوجت نفسي من فلان وهو غائب، فبلغه الخبر، فقال: قبلت، أو قال رجل بحضرة
(١) الركن ما كان داخل الماهية، والشرط ما كان خارجاً عنها.
ويعرف الشرط عند الفقهاء أيضاً بأنه ما يلزم من عدمه عدم الشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم
لذاته؛ الجواز وجود مانع عند وجود الشرط. فلا يوجد المشروط والمانع عكس الشرط كما لا يخفى.
وبالجملة لا يوجد المشروط بدون الشرط وإن كان خارجاً عن ماهيته.
ينظر: نص كلام شيخنا محمود إسماعيل جمال في الولاية في النكاح.
(٢) في أ: تعدد.
(٣) في أ: مرت.
(٤) سقط في أ.
٣٢٦
كِتَابُ النَّاحِ
شاهدين: تزوجت فلانة وهي غائبة، فبلغها الخبر، فقالت: زوجت نفسي منه - لم يجز، وإن
كان القبول(١) بحضرة ذينك الشاهدين، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: ينعقد، ويتوقف على إجازة الغائب، وجه قول أبي يوسف: أن كلام
الواحد يصلح أن يكون عقداً في باب النكاح، لأن الواحد في هذا الباب يقوم بالعقد من
الجانبين، وكما لو كان مالكاً من الجانبين أو ولياً أو وكيلاً، فكان كلامه عقداً لا شطراً، فكان
محتملاً للتوقف؛ كما في الخلع، والطلاق، والاعتاق على مال.
١٤
وجه قولهما: أن هذا شطر العقد حقيقة لا كله؛ لأنه لا يملك كله لانعدام الولاية/ وشطر
العقد لا يقف على غائب عن المجلس كالبيع؛ وهذا؛ لأن الشطر لا يحتمل التوقف حقيقة؛ لأن
التوقف(٢) في الأصل على خلاف الحقيقة لصدوره عن الولاء(٣) على الجانبين، فيصير كلامه
بمنزلة كلامين، وشخصه كشخصين حكماً، فإذا انعدمت الولاية، ولا ضرورة إلى تعيين الحقيقة -
فلا يقف، بخلاف الخلع؛ لأنه من جانب الزوج يمين؛ لأنه تعليق الطلاق بقبول المرأة، وأنه
يمين فكان عقداً تاماً، ومن جانب المرأة معاوضة، فلا يحتمل التوقف كالبيع .
وكذلك الطلاق والإعتاق على مال؛ ولو أرسل إليها رسولاً وكتب(٤) إليها بذلك كتاباً،
فقبلت بحضرة شاهدين؛ سمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب - جاز ذلك؛ لاتحاد المجلس من
حيث المعنى؛ لأن كلام الرسول كلام المرسل؛ لأنه ينقل عبارة المرسل، وكذا الكتاب بمنزلة
الخطاب من الكاتب(٥)، فكان سماع قول الرسول وقراءة الكتاب سماع قول المرسل، وكلام
الكاتب(٦) معنى، وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب - لا يجوز عندهما.
وعند أبي يوسف: إذا قالت: زوجت نفسي يجوز، وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة
الكتاب؛ بناء على أن قولها: زوجت نفسي شطر العقد عندهما، والشهادة في شَطْرَي العَقْدِ
شرط؛ لأنه يصير عقداً بالشطرين، فإذا لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب - فلم توجد
الشهادة على العقد، وقول الزوج بانفراده عقد عنده، وقد حضر الشاهدان.
وعلى هذا الخلاف الفضولي (٧) الواحد من الجانبين؛ بأن قال الرجل: زوجت فلانة من
(١) في أ: القول.
(٢) في أ: إلا أن الوقوف.
(٣) في أ: الولاية.
(٥) في أ: الغائب.
(٤) في أ: أو كتبت.
(٦) في أ: الغائب.
(٧) الفضولي في اللغة: من يشتغل بما لا يعنيه وفي الشرع من يتصدق في أمور غيره بلا ولاية ولا وكالة.
والمراد به هنا من لا يكون له ولاية التزويج وقد اختلف الفقهاء في نكاح الفضولي هل هو من الأنكحة
الفاسدة أو لا فذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى القول بفساد نكاحه وأما المالكية فقد قالوا: إذا تولى =
٣٢٧
كِتَابُ النّكَاحِ
العقد على المرأة أجنبي. فأما أن تكون المرأة مجبرة أو لا .
=
فإن كانت مجبرة فالنكاح فاسد بفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده ولو أجازه المجبر. وإن كانت المرأة غير
مجبرة وعقد عليها الأجنبي. فالمشهور وهو قول ابن القاسم. أن النكاح يصح إذا كانت المرأة دنيئة
كالمعتقة والمسلمانية إذا كانت غير معروفة بالمال والجمال. وأما الشريفة وهي ذات الحسب والنسب
والمال والجاه فيصح نكاحها إن دخل بها الزوج وطال الزمن وذلك بأن تلد ولدين غير توأمين أو يمضي
قدر ذلك كثلاث سنين. أولاً بأن دخل ولم يطل أو لم يدخل سواء طال الزمن أم لم يطل خير الولي في
الامضاء والرد فهو صحيح موقوف على الإجازة وأما الحنفية: فقد قالوا عقد الفضولي أما أن يتولى العقد
فيه شخصاً أو شخص واحد من الجانبين. فإن كان الأول انعقد موقوفاً على إجازة من له الحق اتفاقاً
وتحت هذا صور ثلاث :
الصورة الأولى: إذا قال الرجل زوجت فلانة من فلان وقبل عنه فضولي آخر.
الصورة الثانية: إذا قال الرجل تزوجت فلانة وهي غائبة فأجابه فضولي آخر وقال زوجتها منك.
الصورة الثالثة: إذا قالت المرأة زوجت نفسي من فلان وهو غائب وقبل عن الغائب فضولي.
وإن كان الثاني كان النكاح فاسداً عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وموقوفاً على الإجازة عند أبي
يوسف ويشمل هذا ثلاث صور أيضاً.
الصورة الأولى: أن يقول الرجل أشهدوا أني قد تزوجت فلانة ولم يقبل عنه آخر.
الصورة الثانية: أن تقول المرأة زوجت نفسي من فلان وهو غائب ولم يقبل عنه آخر.
الصورة الثالثة: أن يقول الفضولي زوجت فلانة من فلان وهما غائبان ولم يقبل عنه أحد يتلخص لنا من
بيان المذاهب في نكاح الفضولي. أن من الفقهاء من لم يصحح نكاحه مطلقاً. ومنهم من فصل كما ذكرنا
وعلى هذا يمكننا أن نرجع الخلاف بينهم إلى القول بالصحة وعدم الصحة مع الإشارة إلى وجهة المذاهب
المفصلة .
واستدل الشافعية والحنابلة ومن وافقهم على فساد نكاح الفضولي بالسنة والأمر والمعقول أما السنة:
فقوله - { طيور -: ((لا نكاح إلا بولي)) ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه أفاد أن صحة النكاح لا
تكون إلا بولي والفضولي لا ولاية له فيكون نكاحه فاسداً وأما الأثر: فما روي بإسناد عن
عكرمة بن خالد أن الطريق جمعت ركباً فيهم امرأة ثيب فخطبها رجل فأنكحها رجل وهو غير ولي
بصداق وشهود فلما قدموا إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رفع إليه أمرهما ففرق بينهما
وجلد الناكح والمنكح.
ووجه الدلالة من هذا الأثر أن عمر بن الخطاب فرق بينهما فدل ذلك على فساد نكاحهما إذ لو كان
نكاحهما صحيحاً لما فرق بينهما ولأقرهما عليه. يؤيد ذلك جلده الناكح والمنكح.
وأما المعقول: فقد قالوا إن العقود موضوعة لإثبات أحكامها بناء على أن المقاصد الأصلية أنما هي
الأحكام. والأسباب والعلل وسائل. والفضولي ليس قادراً على إثبات الأحكام والاجاز لكل أحد أن
يملك مال غيره لغيره. وإذا لم يكن قادراً على إثبات حكم العقد كان عقده لغواً واستدل من قال بصحة
نكاح الفضولي موقوفاً على الإجازة بما يأتي قالوا إن عقد الفضولي عقد يرجى نفعه واستعقابه حكمه ولا
ضرر في انعقاده موقوفاً فوجب انعقاده كذلك حتى إذا رأى الولي فيه المصلحة أنفذه وإلا رده وأما وجه =
٣٢٨
كِتَابُ النَّاحِ
فلان وهما غائبان - لم ينعقد عندهما، حتى لو بلغهما الخبر فأجازا - لم يجز، وعنده: ينعقد،
ويجوز بالإجازة، ولو قال فضولي: زوجت فلانة من فلان وهما غائبان، فقبل فضولي آخر عن
الزوج - ينعقد بلا خلاف بين أصحابنا، حتى إذا بلغهما الخبر وأجازا - جاز، ولو فسخ
الفضولي العقد قبل إجازة من وقف العقد على إجازته - صح الفسخ في قول أبي يوسف، وعند
محمد: لا يصح.
تفرقة المالكية بين المجبرة وغيرها. فأن الولاية على المجبرة لا تثبت لغير المجبر بحال. وأما غير
=
المجبرة فإنه إذا عقد عليها أجنبي من عامة المسلمين فإن ذلك يكون بالولاية العامة وهي ولاية الإسلام.
فإن الولاية عندهم على قسمين خاصة وعامة .
فالخاصة خمسة أصناف الأب. ووصيه. والقرابة. والمولى. والسلطان والعامة هي ولاية الإسلام والأصل
فيها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾.
وأما وجه قول أبي حنيفة ومحمد في أنه لا يصح العقد إذا كان المتولي شخصاً واحداً في صوره الثلاث.
فهو أن الموجود شطر العقد بدليل أنه مال الحضور شطر لأنه يملك الرجوع قبل قبول الآخر ويبطل
بالقيام. ولو كان عقداً تاماً لما كان كذلك. وإذا كان شطراً حال الحضور فكذلك في حال الغيبة. لأن
الدال على ذلك المعنى هي الصيغة وهي لا تختلف. وإذا ثبت أنه سطر العقد فلا يتوقف على ما وراء
المجلس قياساً على البيع.
مناقشة الأدلة: تناقش أدلة الشافعية ومن وافقهم بما يأتي :
أما الحديث: فإنه بعد تسليم صحته وصحة الاحتجاج به نقول بموجبه، لأننا نقول بالصحة موقوفاً على
إجازة الولي فإذا أجاز الولي كانت مباشرة الفضولي للعقد كمباشرة الولي ويقال لهم في الأثر المروي عن
عمر أنه يحتمل أن يكون فرق بينهما حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا العمل سراً للذرائع، كما هو
معروف عنه من الشدة. وجلده الناكح والمنكح على سبيل التعزير. وأيضاً يحتمل أن هذه المرأة ليس لها
وليّ خاص وهي إذا لم يكن لها وليّ خاص انتقلت ولايتها للحاكم. فيكون عمر بصفته الإمام هو فيه هذه
المرأة ففرق بينهما لأنه لم يجز هذا النكاح.
ويقال لهم في المعقول: أن محل كون العقد لغواً لا يفيد الحكم إذا لم نقل بأنه موقوف على إجازة الولي
أما إذا قلنا بذلك فلا يكون حينئذٍ لغواً بل مثبتاً للحكم ويقال لمن قال بصحة نكاح الفضولي موقوفاً على
الإجازة في دليلهم ما يأتي: إن عقد الفضولي لا يكون مفيداً للحكم مع تراخيه عن العقد. فيكون العقد
قبل الإذن لا حكم له فبلغو. وترو هذه المناقشة بأننا نسلم أن الحكم بتراخي عن العقد ولكن هذا لا
يجعله لغواً لا فائدة فيه. نظيره البيع بخيار الشرط فإن الحكم يتراخى فيه عن العقد ومع ذلك قلتم
بصحته .
ويقال للمالكية في تفرقتهم بين المجبرة وغير المجبرة. أن هذه التفرقة لا دليل عليها ما دام الأمر يرجع
إلى الوليّ.
وقيل لأبي حنيفة ومحمد في وجه تفصيلهما من قبل أبي يوسف. أن الموجود كل العقد لا شطره كما لو
كان مأموراً من الجانبين وكما لو كان ولياً. ولكن يرد هذا من قبلهما بأن المأمور من الجانبين ينتقل كلامه
إلى الآمرين فيصير كلامه ككلامين والفضولي ليس كذلك.
٣٢٩
كِتَابُ التّكَاحِ
وجه قوله(١) أنه بالفسخ متصرف [في](٢) حق غيره، فلا يصح، ودلالة ذلك أن العقد قد
انعقد في حق المتعاقدين، وتعلق به حق من توقف (٣) على إجازته؛ لأن الحكم عند الإجازة ثبت
بالعقد السابق، فكان هو بالفسخ متصرفاً في محل تعلق به حق الغير؛ فلا يصح فسخه، بخلاف
الفضولي إذا باع، ثم فسخ قبل اتصال الإجازة به؛ أنه يجوز؛ لأن الفسخ هناك تصرف دفع الحقوق
عن نفسه؛ لأنه عند الإجازة تتعلق حقوق العقد بالوكيل، فكان هو بالفسخ دافعاً الحقوق عن نفسه
فيصح؛ كالمالك إذا أوجب النكاح أو البيع، أنه يملك الرجوع قبل قبول الآخر لما قلنا؛ كذا هذا.
وجه قول أبي يوسف أن العقد قبل الإجازة غير منعقد في حق الحكم، وإنما انعقد في
حق المتعاقدين فقط، فكان الفسخ منه قبل الإجازة تصرفاً في كلام نفسه بالنقض؛ فجاز كما
في البيع .
فصل في شرائط الجواز
وأما بيان شرائط الجواز والنفاذ، فأنواع: منها: أن يكون العاقد بالغاً، فإن نكاح
الصبي العاقل(٤)، وإن كان منعقداً على أصل أصحابنا، فهو غير نافذ، بل نفاذه
(١) في أ: قول محمد.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: من وقف.
(٤) اتفق الفقهاء على أن الصبي غير المميز إذا باشر العقد على نفسه كان نكاحه فاسداً لأن النكاح تصدق
قولي والتصدق القولي من غير العاقل باطل شرعاً لعدم الأهلية واختلفوا بعد ذلك في الصبي المميز.
والعبد. والسفيه. هل يصح النكاح بمباشرتهم العقد أو لا يصح.
أما الصبي المميز وهو الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب. فقد اختلف الفقهاء في صحة نكاحه على
مذهبین .
فذهب الشافعية والظاهرية وجماعة من العلماء إلى القول بأنه إن باشر العقد بنفسه كان النكاح فاسداً.
وقالت الشافعية لا ينعقد ولو أجازه الولي، لأنه من أصل مذهبهم أن عبارة الصبي غير معتبرة في العقد
كما أن من أصل مذهبهم أن العقود لا تتوقف على الإجازة.
وذهب المالكية والحنفية إلى القول بصحة نكاح الصبي إذا باشر العقد بنفسه. ألا أنهم قالوا يصح موقوفاً
على الإجازة فإن أجازه الولي نفذ وإلا رد لأن الشارع أقامه لينظر مصالحه لقصد رأيه.
استدل الشافعية ومن معهم على فساد نكاح الصبي بما يأتي.
قالوا إن النكاح من العقود التي تستلزم إنفاق الأموال - والصبي لا يحسن التصدق فلو أجزنا نكاحه لأدى
ذلك إلى ضياع ماله وفنائه. فحفظاً لماله قلنا بفساد نكاحه واستدل المالكية والحنفية على القول بصحة
نكاح الصبي موقوفاً على الإجازة بما يأتي. قالوا: إن عقد النكاح من العقود الدائرة بين النفع والضرر.
والصبي لقلة خبرته بالحياة وانصرافه إلى اللهو واللعب لا يهتدي إلى أوجه النفع الصحيحة فيما يعقد.
فيتوقف عقده على إجازة الولي الذي بخبرته يرجح ما يراه. فإن رأى النفع أجازه وإلا رده هذه هي أدلة =
٣٣٠
كِتَابُ النكاح
يتوقف(١) على إجازة وليه؛ لأن نفاذ التصرف لاشتماله على وجه المصلحة، والصبي لقلة تأمله
لاشتغاله(٢) باللهو واللعب لا يقف على ذلك؛ فلا ينفذ تصرفه، بل يتوقف على إجازة وليه،
فلا يتوقف على بلوغه، حتى لو بلغ قبل أن يجيزه الولي لا ينفذ بالبلوغ؛ لأن العقد انعقد
موقوفاً على إجازة الولي ورضاه؛ لسقوط اعتبار رضا الصبي شرعاً، وبالبلوغ زالت ولاية
الولي، فلا ينفذ ما لم يجزه بنفسه، وعند الشافعي: لا تنعقد تصرفات الصبي أصلاً، بل هي
باطلة، وقد ذكرنا المسألة في كتاب ((المأذون)).
ومنها: أن يكون حرّاً، فلا يجوز نكاح مملوك بالغ عاقل، إلا بإذن سيده(٣)، والأصل
الفريقين في تولي الصبي العقد. والنظر فيها يقضي بترجيح مذهب المالكية والحنفية إذ إن القول بصحة
=
نكاحه موقوفاً على إجازة الولي ليس فيه مضرة على الصبي. ولا يترتب عليه ضياع مال الصبي كما قيل.
لأن محل ذلك إذا قلنا بنفاذ نكاحه ونحن إذا أجزنا نكاحه موقوفاً اعتبرنا آدمية الصبي المميز واعتبرنا حق
الولي لأن الصبي المميز من أهل العبارة. ولكن يحتاج إلى انضمام رأي الولي إلى مباشرته ليحصل تمام
النظر. فإذا أجاز الولي ذلك جاز وكان كمباشرة الولي بنفسه.
(١) في أ: مؤقت.
(٢) في أ: بالاشتغال.
(٣) وأما العبد: فقد اختلف الفقهاء أيضاً في نكاحه على مذهبين فذهب المالكية والحنفية إلى القول بأنه
صحيح موقوف على الإجازة وذهب الشافعية والحنابلة إلى القول بأنه إذا نكح بغير إذن سيده كان نكاحه
فاسداً وإن كان بإذنه صح.
استدل الشافعية والحنابلة بالسنة والأثر.
أما السنة: فأولاً: ما روي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنه
قال: قال رسول الله - صَل ـ: ((أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر)).
وثانياً: بما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - رَّم -: ((إذا نكح العبد
بغير إذن مولاه فنكاحه باطل».
ووجه الدلالة فيهما. أما الحديث الأول فقد أخبر النبي - رَّر - أن العبد إذا نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر
وهذا لا يكون إلا إذا كان نكاحه باطلاً وأما الحديث الثاني فقد صرح فيه الرسول الله - ولو - بالبطلان
حیث قال: (فنكاحه باطل)).
وأما الأثر: فأولاً ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: ((إذا نكح العبد بغير إذن مواليه
فنكاحه حرام)».
وثانياً: ما رواه حماد بن سليمان عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: إذا تزوج العبد بغير إذن
سيده جلد الحد وفرق بينهما ورد المهر إلى سيده وعزر الشهود الذين زوجوه)) ووجه الدلالة فيهما أما أثر
عمر. فقد صرح بأن نكاحه حرام وما ذلك إلا لكونه فاسداً. وأما أثر ابن عمر. فقد صرح فيه بأن العبد
إذا تزوج بغير إذن سيده يجلد الحد ويفرق بينهما وهذا لا يكون إلا في النكاح الفاسد. فدل ذلك على أن
نكاح العبد بغير إذن سيده فاسد. وتناقش هذه الأدلة بما يأتي:
ما حديث جابر فيقال لهم فيه. إن في إسناده ابن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به. وأيضاً يقال لهم إن =
٣٣١
كِتَابُ النُّكَاحِ
فيه قوله وَله: ((أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاَهُ فَهُوَ عَاهِرٌ))(١).
والكلام في هذا الشرط يقع في مواضع: في بيان أن إذن المولى شرط جواز نكاح
المملوك، لا يجوز من غير إذنه أو إجازته، وفي بيان ما يكون إجازة له، وفي بيان ما يملكه
من النكاح بعد الإذن، وفي بيان حكم المهر في نكاح المملوك.
أما الأول: فلا يجوز نكاح مملوك بغير إذن مولاه، وإن كان عاقلاً بالغاً، سواء كان قناً
أو مدبراً أو مدبرة، أو أم ولد، أو مكاتبة أو مكاتباً، أما القن: فإن كان أمة فلا يجوز نكاحها
بغير إذن سيدها بلا خلاف؛ لأن/ منافع البضع (٢) مملوكة لسيدها، ولا يجوز التصرف في ملك ٤ب
الغير بغير إذنه، وكذلك المدبرة وأم الولد لما قلنا، وكذا المكاتبة؛ لأنها ملك المولى رقبة،
وملك المتعة يتبع ملك الرقبة، إلا أنه منع من الاستمتاع بها لزوال ملك اليد، وفي الاستمتاع
إثبات ملك اليد؛ ولأن من الجائز أنها تعجز فترد إلى الرق فتعود قنة كما كانت، فتبين أن
الأحاديث لا تصلح متمسكاً بهم. لأننا نقول بالبطلان إذا لم يأذن السيد له إذناً سابقاً أو لاحقاً. وعلى
=
تسليم أن المراد الإذن السابق فنقول إن معنى الأحاديث حينئذٍ أن مآله البطلان إذا لم يأذن السيد.
يقال لهم في أثر عمر. أن معنى قوله: ((فنكاحه حرام)) أنه يحرم على العبد الإقدام على النكاح بغير إذن
مواليه. وهذا نقول به ولا يلزم من حرمة الإقدام عليه بطلان النكاح. نظير ذلك الصلاة في الأرض
المغصوبة فإنها حرام ولكنها تصح. ويقال لهم في أثر ابن عمر. أنه على فرض صحته فهو مذهب له. لما
عرف عنه من التشديد، على أن الشافعية والحنابلة لا يقولون بإقامة الحد على العبد في هذا النكاح.
وأما المالكية والحنفية: فقد استدلوا على صحة نكاح العبد موقوفاً بالمعقول فقالوا إن العقد صدر من
الأهل في المحل إلا أنه امتنع النفاذ لحق السيد فإذا أجاز فقد زال المانع.
(١) أخرجه أحمد (٣٠٠/٣، ٣٠١، ٣٨٢)، وأبو داود (٢٢٨/٢) كتاب ((النكاح)): ((باب ((في نكاح العبد بغير
إذن سيده)) حديث (٢٠٧٨)، والترمذي (٤١٠/٣) كتاب ((النكاح)): باب «ما جاء في نكاح العبد بغير إذن
سيده)) حديث (١١١٢،١١١١)، والدارمي (١٥٢/٢) كتاب ((النكاح)): باب ((في العبد يتزوج بغير إذن
سيده))، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٣/٧)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٢٧/٧) كتاب ((النكاح)): باب («نكاح
العبد بغير إذن سيده))، والحاكم (١٩٤/٢) وابن الجارود في ((المنتقى)) حديث (٦٨٦) من حديث جابر -
رضي الله عنه -.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال الذهبي: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وأخرجه أبو داود (٢٢٨/٢): كتاب ((النكاح)): باب في نكاح العبد بغير إذن سيده)) حديث (٢٠٧٩)،
وابن ماجه (٦٣٠/١) كتاب ((النكاح)): باب ((تزويج العبد بغير إذن سيده) حديث (١٩٥٩ - ١٩٦٠)،
والدارمي (٧٥/٢) كتاب ((النكاح)»: باب في العبد يتزوج بغير إذن سيده))، والبيهقي (٧/ ١٢٧) كتاب
((النكاح)): باب ((نكاح العبد بغير إذن مالكه)) من حديث عبد الله بن عمر.
قال أبو داود: هذا الحديث ضعيف. وهو موقوف وهو قول ابن عمر - رضي الله عنه -.
(٢) في أ: بضعها.
٣٣٢
كِتَابُ النَّاحِ
نكاحها صادق [ملك](١) المولى فلا يصح، وإن كان عبداً فلا يجوز نكاحه أيضاً عند عامة
العلماء .
وقال مالك: يجوز، وجه قوله: إن منافع بضع العبد لا تدخل تحت ملك المولى، فكان
المولى فيها(٢) على أصل الحرية، والمولى أجنبي عنها، فيملك النكاح كالحر بخلاف الأمة؛
لأن منافع بضعها ملك المولى، فمنعت من التصرف [فيها](٣) بغير إذنه.
ولنا أن العبد بجميع أجزائه ملك المولى؛ لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ
هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، أخبر سبحانه
وتعالى؛ أن العبيد ليسوا شركاء فيما رزق السادات، ولا هم بسواء في ذلك، ومعلوم أنه ما
أراد به نفي الشركة في المنافع لاشتراكهم فيها، دل أنه أراد به حقيقة الملك، ولقوله تعالى:
﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٦]، والعبد اسم لجميع أجزائه؛
ولأن سبب الملك أضيف إلى كله، فيثبت الملك في كله، إلا أنه منع من الانتفاع به ببعض
أجزائه بنفسه، وهذا لا يمنع ثبوت الملك له؛ كالأمة المجوسية، وغير ذلك.
وكذلك المأذون في التجارة؛ لأنه عبد مملوك، ولأنه كان محجوراً قبل الإذن بالتجارة،
والنكاح ليس من التجارة، لأن التجارة معاوضة المال بالمال، والنكاح معاوضة البضع بالمال.
والدليل عليه أن المرأة إذا زوجت نفسه على عبد تنوي أن يكون العبد للتجارة - لم يكن
للتجارة، ولو كان النكاح من التجارة لكان بدل البضع للتجارة كالبيع، فكان هو بالنكاح متصرفاً
في ملك(٤) مولاه؛ فلا يجوز؛ كما لا يجوز نكاح الأمة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿لاَ يَقْدِرُ
عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٦] [وصف العبد المملوك؛ بأنه لا يقدر على شيء.
ومعلوم](٥) أنه ما (٦) أراد به القدرة الحقيقية؛ لأنها ثابتةٌ له، فتتعين القدرة الشرعية، وهي
إذن الشرع وإطلاقه، فكان نفي القدرة الشرعية نفياً للإذن والإطلاق، ولا يجوز إثبات التصرف
الشرعي بغير إذن الشرع.
وكذلك المدبر؛ لأنه عبد مملوك، وكذلك المكاتب؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه
درهم على لسان رسول الله وَعليه؛ ولأنه كان محجوراً عن التزوج قبل الكتابة، وعند الكتابة ما
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: فكان فيها يبقى على أصل الحرية.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: حق.
(٥) سقط في أ.
(٦) في ط: إنه إنما أراد به القدرة الحقيقية.
٣٣٣
كِتَابُ التَّاحِ
أفاد له إلا الإذن [بالتجارة، والنكاح ليس من التجارة؛ لأن التجارة معاوضة المال بالمال،
والنكاح معاوضة البضع بالمال، والدليل عليه أن المرأة إذا زوجت نفسها على عبد تنوي أن
العبد يكون للتجارة - لم يكن للتجارة، ولو كان النكاح من التجارة لكان بدل البضع للتجارة
كالبيع](١).
وأما معتق البعض: فلا يجوز نكاحه عند أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة المكاتب [عنده](٢)،
وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز؛ لأنه بمنزلة حر عليه دين عندهما، ولو تزوج بغير إذن
المولى واحد ممن ذكرنا؛ أنه لا يجوز تزويجه إلا بإذن المولى، ثم إن أجاز المولى النكاح
جاز؛ لأن العقد صدر من الأهل في المحل إلا أنه امتنع النفاذ لحق المولى، فإذا أجاز فقد زال
المانع، ولا يجوز للعبد أن يتسرى، وإن أذن له مولاه؛ لأن حل الوطء لا يثبت إلا بأحد
الملكين. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، ولم يوجد أحدهما.
وروي عنِ النِبِي وَّرُ أنه قال: ((لاَ يَتَسَرَّى الْعَبْدُ وَلاَ يُسَرِّيهِ مَوْلاَهُ، وَلاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ وَلاَ
المُكَاتَبُ شَيْئاً إِلَّ الطَّلاَقَ))(٣)، وهذا نص.
وأما بيان ما يكون إجازة، فالإجازة قد ثبتت بالنص، وقد ثبتت بالدلالة، وقد ثبتت
بالضرورة. أما النص فهو [الصريح بالإجازة](٤) وما يجري مجراها؛ نحو أن يقول: أجزت أو
رضيت أو أذنت ونحو ذلك.
وأما الدلالة: فهي قول أو فعل يدل على الإجازة؛ مثل أن يقول المولى، إذا(٥) أخبر
بالنكاح: حسن أو صواب أو لا بأس به، ونحو ذلك، أو يسوق إلى المرأة المهر، أو شيئاً منه
في نكاح العبد، ونحو ذلك مما يدل على الرضا. ولو قال له المولى: طلقها أو فارقها لم يكن
إجازة؛ لأن قوله: طلقها أو فارقها يحتمل حقيقة الطلاق والمفارقة، ويحتمل المتاركة؛ لأن
[المتاركة في] (٦) النكاح الفاسد، والنكاح الموقوف يسمى طلاقاً ومفارقة، فوقع الشك،
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: بما يتوصل به إلى أداء بدل الكتابة، وهو الكسب والتزويج، لا يوصله إلى
ذلك، بل يلزمه الغرامة، فيبقى في النكاح على أصل الحجر.
(٢) سقط في أ.
(٣) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٦٥/٤): قال عليه السلام: ((لا يملك العبد والمكاتب شيء إلا الطلاق))
قلت : غريب.
(٤) في أ: النص بلفظ الإجازة.
(٥) في أ: بعدها.
(٦) سقط في ط.
٣٣٤
كِتَابُ النكاحِ
والاحتمال في ثبوت الإجازة، فلا يثبت بالشك والاحتمال. ولو قال له: طلقها تطليقة تملك
الرجعة فهو إجازة؛ لارتفاع التردُّد(١) إذ لا رجعة(٢) في المتاركة للنكاح الموقوف وفسخه.
١٥
وأما الضرورة: فنحو أن يعتق المولى العبد أو الأمة، فيكون الإعتاق إجازة، ولو / أذن
بالنكاح لم يكن الإذن بالنكاح إجازة. ووجه الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه لو لم
يجعل الإعتاق إجازة لكان لا يخلو؛ إما أن يبطل بالنكاح الموقوف، وإما أن يبقى موقوفاً على
الإجازة، ولا سبيل إلى الأول؛ لأن النكاح صدر من الأهل في المحل، فلا يبطل إلا بإبطال
من له ولاية الإبطال [ولم يوجد](٣)، ولا سبيل إلى الثاني(٤)؛ لأنه لو بقي موقوفاً [على
الإجازة](٥) فأما إن بقي موقوفاً على إجازة المولى، أو على إجازة العبد - لا وجه للأول، لأن
ولاية الإجازة لا تثبت إلا بالملك، وقد زال بالإعتاق، ولا وجه للثاني؛ لأن العقد وجد من
العبد، فكيف يقف عقد الإنسان على إجازته، وإذا بطلت هذه الأقسام، وليس لههنا قسم آخر -
لزم أن يجعل الاعتاق إجازة ضرورة، وهذه الضرورة لم توجد في الإذن بالنكاح.
والثاني(٦): أن امتناع النفاذ مع صدور التصرف من الأهل في المحل لقيام حق المولى
وهو الملك نظراً له؛ دفعاً للضرر عنه، وقد زال ملكه بالإعتاق فزال المانع من النفوذ، والإذن
بالتزوج لا يوجب زوال المانع وهو الملك، لكنه بالإذن أقامه مقام نفسه في النكاح، كأنه هو،
ثم ثبوت ولاية الإجازة له لم تكن إجازة ما لم يجز، فكذا العبد، ثم إذا لم يكن نفس الإذن
من المولى بالنكاح إجازة لذلك العقد، فإن أجازه العبد جاز استحساناً.
والقياس ألا يجوز وإن أجازه، وجه القياس أنه مأذون بالعقد، والإجازة مع العقد
متغايران اسماً وصورة وشرطاً، أما الاسم والصورة فلا شك في تغايرهما. وأما الشرط:
فلأن (٧) محل العقد عليه، ومحل الإجازة نفس العقد، وكذا الشهادة شرط العقد لا شرط
الإجازة والإذن بأحد المتغايرين لا يكون إذناً بالآخر.
وجه الاستحسان: أن العبد أتى ببعض ما هو مأذون فيه، فكان متصرفاً عن إذن، فيجوز
تصرفه، ودلالة ذلك أن المولى إذن له بعقد نافذ، فكان مأذوناً بتحصيل أصل العقد، ووصفه
وهو النفاذ، وقد حصل النفاذ فيحصل؛ ولهذا لو زوج فضولي هذا العبد امرأة بغير إذن
المولى، فأجاز العبد - نفذ العقد، دل أن تنفيذ العقد بالإجازة مأذون فيه من قبل المولى، فينفذ
(١) في ط: الترداد.
(٣) سقط في ط.
(٥) سقط في أ.
(٧) في ط: فإن.
(٢) في أ: مراجعة.
(٤) في أ: ولا وجه للثاني.
(٦) في أ: والثاني.
٣٣٥
كِتَابُ التّكَاحِ
بإجازته، ثم إذا نفذ النكاح بالإعتاق وهي أمة فلا خيار لها؛ لأن النكاح نفذ بعد العتق،
فالإعتاق لم يصادفها وهي منكوحة والمهر لها إن لم يكن الزوج دخل بها قبل الإعتاق، وإن
كان قد دخل بها قبل الإعتاق - فالمهر للمولى، هذا إذا أعتقها وهي كبيرة، فأما إذا كانت
صغيرة فأعتقها - فإن الإعتاق لا يكون إجازة، ويبطل العقد عند زفر.
وعندنا يبقى موقوفاً على إجازة المولى إذا لم يكن لها عصبة، فإن كان (١) لها عصبة
يتوقف على إجازة العصبة، ويجوز بإجازة العصبة، ثم إن كان المجيز غير الأب أو الجد - فلها
خيار الإدراك؛ لأن العقد نفذ (٢) عليها في حالة الصغر وهي حرة، وإن كان المجيز أبوها أو
جدها فلا خيار لها، ولو مات المولى قبل الإجازة، فإن ورثها من يحل له وطؤها بطل النكاح
الموقوف؛ لأن الحل النافذ قد طرأ على الموقوف لوجود سبب الحل وهو الملك، قال الله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ
مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦،٥]، ومن ضرورة ثبوت الحل له ارتفاع الموقوف، وإن ورثها من لا يحل
له وطؤها؛ بأن كان الوارث ابن الميت، وقد وطئها أبوه، أو كانت الأمة أخته من الرضاع، أو
ورثها جماعة - فللوارث الإجازة؛ لأنه لم يوجد طريان الحل، فبقي الموقوف على حاله،
وكذلك إذا باعها المولى قبل الإجازة فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الوارث. وعلى هذا
قالوا فيمن تزوج جارية غيره بغير إذنه ووطئها، ثم باعها المولى من رجل: إن للمشتري
الإجازة؛ لأن وطء الزوج يمنع حل الوطء للمشتري.
وأما العبد إذا تزوج بغير إذن المولى، فمات المَوْلَى، أو باعه قبل الإجازة - فللوارث
والمشتري الإجازة؛ لأنه لا يتصور حل الوطء لههنا، فلم يوجد طريان حل الوطء، فبقي
الموقوف بحاله، وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: لا يجوز بإجازة الوارث
والمشتري، بل يبطل، والأصل فيه أن العقد الموقوف على إجازة إنسان يحتمل الإجازة من
قبل غيره عندنا، وعنده: لا يحتمل.
وجه قوله: إن الإجازة إنما تلحق الموقوف؛ لأنها تنفيذ الموقوف، فإنما تلحقه على
الوجه/ الذي وقف، وإنما وقف على الأول لا على الثاني، فلا يملك الثاني تنفيذه.
ولنا أنه إنما وقف على إجازة الأول؛ لأن الملك له، وقد صار الملك للثاني فتنتقل
الإجازة إلى الثاني؛ وهذا لأن المالك يملك إنشاء النكاح بأصله ووصفه وهو النفاذ؛ فلأن
يملك تنفيذ النكاح الموقوف وأنه إثبات الوصف دون الأصل - أولى، ولو زوجت المكاتبة
(١) في أ: كانت.
(٢) في أ: ينفذ.
٣٣٦
كِتَابُ النَّاحِ
نفسها بغير إذن المولى، حتى وقف على إجازته فأعتقها - نفذ العقد، ولا خيار(١) فيه لما(٢)
ذكرنا في الأمة القنة، وكذلك إذا أدت فعتقت، وإن عجزت، فإن كان يضعها يحل للمولى
يبطل العقد، وإن كان لا يحل بأن كانت أخته من الرضاع، أو [كانت](٣) مجوسية - توقف على
إجازته، ولو كان المولى هو الذي عقد عليها بغير رضاها حتى وقف على إجازتها، فأجازت -
جاز العقد، وإن أدت فعتقت، أو أعتقها المولى - توقف العقد على إجازتها إن كانت كبيرة،
وإن كانت صغيرة فهو على ما ذكرنا من الاختلاف في الأمة، وتتوقف على إجازة المولى
عندنا، إذا لم يكن لها عصبة غير المولى، فإن كان فأجازوا جاز، وإذا أدركت فلها خيار
الإدراك إذا كان المجبر غير الأب والجد على ما ذكرنا، وإن لم يعتقها حتى عجزت بطل
العقد، وإن كان بضعها يحل للمولى، وإن كان لا يحل له فلا يجوز إلا بإجازته.
وأما بيان ما يملكه من النكاح بعد الإذن فنقول: إذا أذن المولى للعبد بالتزويج فلا
يخلو؛ إما أن خص الإذن بالتزوج وإما أن عمَّه، فإن خص بأن قال له: تزوج لم يجز له أن
يتزوج إلا امرأة واحدة، لأن الأمر المطلق بالفعل لا يقتضي التكرار. وكذا إذا قال له: تزوج
امرأة؛ لأن قوله: امرأة اسم لواحدة من هذا الجنس، وإن عم بأن قال: تزوج ما شئت من
النساء - جاز له أن يتزوج ثنتين، ولا يجوز له أن يتزوج أكثر من ذلك؛ لأنه أذن له بنكاح ما
شاء من النساء بلفظ الجمع، فينصرف إلى جميع ما يملكه العبيد من النساء، وهو التزوج
باثنتين. قال النبي ◌َِّ: ((لاَ يَتَزَوَّجِ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ))(٤)، وعليه إجماع الصحابة - رضي الله
عنهم ..
وروي عن الحكم أنه قال: اجتمع أصحاب رسول الله وَّله - رضي الله تعالى عنهم - على
أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين؛ ولأن مالكية النكاح تشعر بكمال الحال؛ لأنها من
باب الولاية، والعبد أنقص حالاً من الحر، فيظهر أثر النقصان في عدد المملوك في النكاح؛
كما ظهر أثره في القسم والطلاق، والعدة والحدود، وغير ذلك، وهل يدخل تحت الإذن
بالتزوج النكاح الفاسد، قال أبو حنيفة : - رحمه الله - يدخل حتى لو تزوج العبد امرأة نكاحاً
فاسداً، ودخل بها - لزمه المهر في الحال، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يدخل، ويتبع بالمهر
بعد العتق.
(١) في ط: والإخبار.
(٢) في ط: كما.
(٣) سقط في أ.
(٤) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٦٧٠/٥).
٣٣٧
كِتَابُ النّكَاحِ
وجه قولهما: إن غرض المولى من الإذن بالنكاح وهو حل الاستمتاع؛ ليحصل به عفة
العبد عن الزنا، وهذا لا يحصل بالنكاح الفاسد؛ لأنه لا يفيد الحل، فلا يكون مراداً من الإذن
بالتزوج؛ ولهذا لو حلف لا يتزوج ينصرف إلى النكاح الصحيح، حتى لو نكح نكاحاً فاسداً لا
يحنث؛ كذا هذا، ولأبي حنيفة أن الإذن بالتزوج مطلق، فينصرف إلى الصحيح والفاسد؛
كالإذن بالبيع مطلقاً، وفي مسألة اليمين إنما لم ينصرف لفظ النكاح إلى الفاسد لقرينة عرفية،
إلا أن الأيمان محمولة على العرف والعادة، والمتعارف والمعتاد مما يقصد باليمين الامتناع عن
الصحيح لا الفاسد؛ لأن فساد المخلوف عليه يكفي مانعاً من الإقدام عليه، فلا حاجة إلى
الامتناع باليمين، والدليل على صحة هذا التخريج أن يمين الحالف لو كانت على الفعل
[في](١) الماضي ينصرف إلى الصحيح والفاسد جميعاً، ويتفرع على هذا أنه إذا تزوج امرأة
نكاحاً فاسداً، ثم أراد أن يتزوج أُخرى نكاحاً صحيحاً - ليس له ذلك عند أبي حنيفة؛ لأن
الإذن انتهى بالنكاح، [الفاسد](٢) وعندهما له ذلك؛ لأن الإذن قد بقي، ولو أذن له بنكاح
فاسد نصاً، ودخل بها - يلزمه المهر في الحال في قولهم جميعاً. أما على أصل أبي حنيفة
فظاهر، وأما على أصلهما؛ فلأن الصرف إلى الصحيح لضرب دلالة أوجبت [الصرف](٣) إليه،
فإذا جاء النص بخلافه بطلت الدلالة، والله عز وجل الموفق.
وأما بيان حكم المهر في نكاح المملوك فنقول: إذا كانت الإجازة قبل الدخول بالأمة -
لم [يكن على](٤) الزوج إلا مهر واحد، وإن كان بعد الدخول بها/ فالقياس أن يلزمه مهران؛ ٦
مهر بالدخول قبل الإجازة، ومهر بالإجازة.
وجه القياس أنه وجد سبب وجوب مهرين: أحدهما: الدخول؛ لأن الدخول في النكاح
الموقوف دخول في نكاح فاسد، وهو بمنزلة الدخول في نكاح فاسد، وذا يوجب المهر؛ كذا
هذا.
والثاني: النكاح الصحيح؛ لأن النكاح قد صح بالإجازة، وللاستحسان وجهان:
أحدهما: أن النكاح كان موقوفاً على [إذن المالك](٥)، كنكاح الفضولي، والعقد الموقوف إذا
اتصلت به الإجازة تستند الإجازة إلى وقت العقد، وإذا استندت الإجازة إليه صار كأنه عقده
بإذنه؛ إذ الإجازة اللاحقة کالإذن السابق، فلا يجب إلا مهر واحد.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: يلزم.
(٥) في أ: إجازة.
بدائع الصنائع ج٣ - م٢٢
٣٣٨
كِتَابُ النكاح
والثاني: أن مهر المثل لو وجب لكان لوجوده تعلقاً بالعقد؛ لأنه لولاه لكان الفعل زنا،
ولكان الواجب هو الحد لا المهر، وقد وجب المسمى بالعقد، فلو وجب به مهر المثل أيضاً -
لوجب بعقد واحد مهران، وإنه ممتنع.
ثم كل ما وجب من مهر الأمة فهو للمولى، سواء وجب بالعقد أو بالدخول، وسواء كان
المهر مسمى أو مهر المثل، وسواء كانت الأمة قنة أو مدبرة أو أم ولد، إلا المكاتبة والمعتق
بعضها، فإن المهر لهما؛ لأن المهر وجب عوضاً عن المتعة وهي منافع البضع؛ ثم إن كانت
منافع البضع ملحقة بالأجزاء والأعيان فعوضها يكون للمولى كالأرش، وإن كانت مبقاة على
حقيقة المنفعة، فبدلها يكون للمولى أيضاً، كالأجرة (١) بخلاف المكاتبة؛ لأن هناك الأرش
والأجرة لها، فكان المهر لها أيضاً، وكل مهر لزم العبد، فإن كان قناً والنكاح بإذن المولى
يتعلق بكسبه ورقبته تباع فيه إن لم يكن له كسب عندنا؛ لأنه دين ثابت في حق العبد ظاهر في
حق المولى، ومثل هذا الدين يتعلق برقبة العبد على أصل أصحابنا - رحمهم الله - والمسألة
ستأتي(٢) في كتاب المأذون.
وإن كان مدبراً أو مكاتباً فإنهما يسعيان في المهر، فيستوفي من كسبهما؛ لتعذر الاستيفاء
من رقبتهما بخروجهما عن احتمال البيع بالتدبير والكتابة، وما لزم العبيد من ذلك بغير إذن
المولى اتبعوا به بعد العتق؛ لأنه دين تعلق بسبب لم يظهر في حق المولى، فأشبه الدين الثابت
بإقرار العبد المحجور؛ أنه لا يلزمه للحال، ويتبع به بعد العتاق لما قلنا؛ كذا هذا. والله أعلم.
ومنها: الولاية في النكاح، فلا ينعقد (٣) إنكاح من لا ولاية له، والكلام في هذا الشرط
يقع في مواضع: في بيان أنواع الولاية (٤)،
(١) في أ: كالأجر.
(٢) في أ: مرت.
(٣) في أ: ينفذ.
(٤) قال في البحر: الولاية بالكسر السلطان والولاية النصرة وقال سيبويه الولاية بالفتح المصدر وبالكسر الاسم
مثل الإمارة والنقابة لأنه اسم لما توليته وقمت به فإذا أراد المصدر فتحوا ا. هـ. الولي في اللغة: الولي في
اللغة هو النصير القائم بأمر غيره تقول وليه يليه وولى عليه قام به وملك أمره ونصره.
الولي في نظر الفقهاء: الولي في نظرهم هو البالغ العاقل الوارث
الولاية شرعاً
قال الفقهاء هي تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى ولكننا إذا نظرنا إلى التعريف نجده غير جامع لأفراد
المعرف وذلك أن الولاية في النكاح نوعان .
١ - ولاية ندب واستحباب وهي الولاية على البالغة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً.
٢ - ولاية إجبار وهي الولاية على الصغير ومن في حكمه فأحد نوعي العرف يساوي التعريف والثاني يباينه
فإذن التعريف لا يشمل إلا ولاية الإجبار.
==
٣٣٩
كِتَابُ النَّاحِ
وفي بيان(١) سبب ثبوت كل نوع، وفي بيان شرط ثبوت كل نوع، وما يتصل به.
أما الأول: فالولاية في باب النكاح أنواع أربعة: ولاية الملك، وولاية القرابة، وولاية
الولاء، وولاية الإمامة: أما ولاية الملك(٢) فسبب ثبوتها الملك؛ لأن ولاية الإنكاح ولاية
وهذا مخالف لقواعد البحث فإنه يلزم أن يكون التعريف مساوياً للمعرف وقد أشار لذلك ابن عابدين في
=
رد المحتار حيث قال في إعادة الضمير على الولاية بنوعيها (في قوله وهي ههنا) فيه شبه استخدام لأن
الولاية المعرفة خاصة بولاية الإجبار ا. هـ.
ولما كان هذا التعريف لا يشمل النوعين فالأولى في التعريف أن يقال: الولاية شرعاً تطلق على نوعين
الأول تنفيذ القول على الغير جبراً عنه وسموا هذه ولاية إجبار وهي الولاية على الصغير ومن في معناه.
الثاني: القيام بأمر الغير والنيابة عنه لا بطريق الإلزام ويتحقق ذلك في الولاية على الكبيرة الرشيدة والقيام
مقامها في مباشرة عقد الزواج بكراً كانت أو ثيباً. والولي في هذه الحالة وكيل وإنما استحبوا تسميته ولياً
لما له من القرابة وقد جعله بعض الأئمة كالشافعي ولياً حقيقة كما سيأتي.
حكمة مشروعية الولاية
اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يشرع الأحكام لمصالح العباد تفضلاً منه وإحساناً فسنّ لهم قانوناً
كفيلاً بتنظيم كل ما يصدر من الإنسان في خاصة نفسه أو مع غيره ألا وهو كتاب الله العزيز وسنة رسوله
-- 醬 -
وقد عنى الشارع الحكيم بأمر الصغار فحث على إصلاحهم والقيام بشأنهم ونعم ما صنع فهم بناء الأمة
وقوامها في المستقبل القريب فلهم بتركهم هملاً يتخبطون في دياجير العماية والجهل ويسيرون على غير
هدي في جو تلبدت غيوم وزادت أعصاره. حتى لا يطغى عليهم جيش الرذيلة فيعيثون في الأرض فساداً
ويكونوا على الأمة شراً وويلاً فلا عجب إن رأينا الشارع شرع الولاية وقرر أحكامها ووصى الأولياء بمن
يلونهم إحساناً يغذونهم بما يقوم أبدانهم ويصلح أجسامهم وينمي مداركهم ويقوي عقولهم.
ويستثمرون أموالهم ليخرجوا للعالم رجالاً صحيحة أجسادهم قوية عقولهم أغنياء بأموالهم. وإذ ذاك تجني
الأمة ثمارهم طيبة شهية .
ولما شرع الله النكاح حفظاً للنوع الإنساني وهو رابطة لها ولا دوام إلا بين المتكافئين غالباً. وكان تحصيله
في كل زمان غير مقدور ولا ميسور. والصغار لا رأي لهم ولا قدرة على التمييز بين الكفء وغيره. جعل
الله لأوليائهم حق تزويجهم إحرازاً لمصلحتهم خوف فوات الكفء وألزمها الأقارب لكونهم أشفق الناس
عليهم وجعلها ملزمة إذا كان المزوج الأب أو الجد لأن كثرة شفقتهم داعية إلى السعي وراء مصلحتهم.
وجعلها قاصرة بالنسبة لغيرها حتى أثبت لهم الخيار عند البلوغ.
ويكفي ذلك آية على عناية الشارع الحكيم بأمر الصغار ورعاية مصالحهم فقد أجاز لهم أولاً النكاح
تحصيلاً للكفء حتى إذا ما ظهر أنه لا يلائم ولا يوافق جعل لهم منه مناصاً ومخرجاً فسبحانك اللهم كم
أنت بعبادك رؤوف رحيم.
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.
(١) في ط : بيانه.
(٢) وأما الملك فهو سبب لثبوت الولاية الآن ولاية الإنكاح لأجل مصلحة المولى عليه والملك داع إلى ذلك
بشرط أن يكون المولى عليه مملوكاً لسيده رقبة ويداً ولهذا لا يجوز إنكاح المكاتب والمكاتبة إلا برضاهما =
٣٤٠
كِتَابُ النكاح
نظر، والملك داعي(١) إلى الشفقة، والنظر في حق المملوك، فكان سبباً لثبوت الولاية، ولا
ولاية للملوك لعدم الملك له؛ إذ هو مملوك في نفسه، فلا يكون مالكاً.
وأما شرائط ثبوت هذه الولاية: فمنها: عقل المالك، ومنها: بلوغه، فلا يجوز الإنكاح
من المجنون والصبي الذي لا يعقل، ولا من الصبي العاقل؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل الولاية؛
لأن أهلية الولاية بالقدرة على تحصيل النظر في حق المولى عليه، وذلك بكمال الرأي والعقل
ولم يوجد؛ ألا ترى أنه لا ولاية لهم على أنفسهم، فكيف يكون على غيرهم.
ومنها: الملك المطلق، وهو أن يكون المولى عليه مملوكاً للمالك رقبة ويداً، وعلى هذا
يخرج إنكاح الرجل أمته أو مدبرته، أو أم ولده أو عبده أو مدبره أنه جائز، سواء رضي به
المملوك أو لا، ولا يجوز إنكاح المكاتب والمكاتبة إلا برضاهما - أما إنكاح الأمة والمدبرة،
وأم الولد، فلا خلاف في جوازه، صغيرة كانت أو كبيرة. وأما إنكاح العبد؛ فإن كان صغيراً
يجوز، وإن كان كبيراً، فقد ذكر في ظاهر الرواية؛ أنه يجوز من غير رضاه.
وروي عن أبي حنيفة؛ أنه لا يجوز إلا برضاه، وبه أخذ الشافعي.
لأن المكاتب مملوك رقبة مريداً وأما مدبره ومدبرته وأم ولده وعبده وأمته فيتولى إنكاحهم.
=
وروي عن أبي حنيفة أن العبد إذا كان كبير لا يجوز إنكاحه إلا برضاه ووافقه الشافعي - رضي الله عنه -.
ذلك لأن منافع البضع لم تدخل تحت ملك المولى بل هو أجنبي عنها والإنسان لا يملك التصرف في
ملك غيره بغير رضاه. على أن النكاح يراد لمقاصده من الولد والقرار في المنزل وتمام الإلفة - والوفاق
ودوامه فإذا أكره العبد على النكاح لا ينفذ ما وضع له من المقاصد المطلوبة ولا يمكن دوامه واستمراره إذ
في مكنته أن يزيله بالطلاق فلا يفيد إنكاحه بغير رضاه فائدة.
واستدل من لم يشترط الرضا بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ هذه
الآية الكريمة دلت على جواز إنكاح العبيد مطلقاً ولم يكن فيها ما يدل على اشتراط الرضا. فمن شرطه لا
بد له من الدليل الذي يدل على التقييد ولا دليل فيبقى الإطلاق.
وبأن إنكاح المملوك من المولى تصرف لنفسه لأن مقاصد النكاح ترجع إليه فإن الولد في إنكاح الأمة له
على أن إنكاح السيد عبده يصونه من الوقوع في الزنا الذي يوجب نقصان مالية السيد ولعل من قال بعدم
اشتراط الرضا لاحظ أن الواجب على العبد عدم الخروج على سيده وصيرورته تحت أمره وإرادته احتراماً
له ورعاية لحقوق الولاية فلا يتخلف عن أمر أبرمه سيده فيبقى النكاح قائماً فيكون مفيداً.
وعند الإمام مالك - رضي الله عنه - لا يملك العبد إنكاح نفسه من غير إذن مولاه لتعلق حق سيده به.
وذهب داود الظاهري إلى أن نكاح العبد بغير إذن مالكه صحيح لأن النكاح عنده فرض عين فهو كسائر
فروض العين لا يفتقر إلى إذن السيد ا. هـ.
ينظر نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.
(١) في أ: ادعى.