Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كِتَابُ الْحَجْ دون الفرج، أو لمس بشهوة أو عانق أو قبل أو باشر - لا يفسد حجه؛ لانعدام الارتفاق البالغ، لكن تلزمه الكفارة، سواء أنزل أو لم ينزل؛ لوجود استمتاع مقصودٌ على ما بينا فيما تقدم، وفرقنا بين اللمس والنظر عن شهوة، ولو وطىء بهيمةٌ/، لا يفسد حَجُهُ لما قلنا، ولا كفارة ١٢٧٠ عليه إلا إذا أنزل؛ لأنه ليس باستمتاع مقصود، بخلاف الجماع فيما دون الفرج. وأما الوطءُ في الموضع المكروه، فأما على أصلهما: يفسد الحج؛ لأنه في معنى الجماع فِي الْقُبُلِ عندهما، حتى قالوا بوجوب الحدِّ. وعن أبي حنيفة فيه روايتان: في رواية: يفسد؛ لأنه مثلُ الوطء في القبل في قضاء الشهوة، ويوجب الاغتسال من غير إنزال، وفي رواية: لا يفسد؛ لعدم كمال الارتفاق؛ لقصور قضاء الشهوة فيه؛ لسوء المحل، فأشبه الجماع فيما دون الفرج؛ ولهذا قال محمد - رحمه الله : إنه لا يجب الحد. والثاني: أن يكون قبل الوقوف بعرفة، فإن كان بعد الوقوف بها لا يفسد الحج عندنا، وعند الشافعي: هذا ليس بشرط، ويفسد الحج قبل الوقوف وبعده. وجه قوله: إن الجماع إنما عرف مفسداً للحج؛ لكونه مفسداً للإحرام، والإحرام بعد الوقوف باقٍ؛ لبقاء ركن (١) الحج، وهو طواف الزيارة، ولا يتصور بقاء الركن بدون الإحرام، فصار الحالُّ بعد الوقوف كالحالُ قبل. ولنا: إن الركن الأصلي للحج هو الوقوف بعرفة لقول النبي وَلّ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ))(٢)، أي: الوقوف بعرفة، فمن وقف بعرفة فقد تم حجه، أخبر عن تمام الحج بالوقوف، ومعلومٌ أنه ليس المرادُ منه التمام الذي هو ضِدُّ النقصان؛ لأن ذا لا يثبت بنفس الوقوف، فعلم أن المراد منه خروجه عن احتمال الفساد والفوات؛ ولأن الوقوف ركن مستقل بنفسه وجوداً وصحة، لا يقف وجوده وصحته على الركن الآخر وما وجد، ومضى على الصِّحة لا يبطل إلا بالردة ولم توجد، وإذا لم يفسد الماضي لا يفسد الباقي؛ لأن فساده بفساده، ولكن يلزمه بدنة لما نذكره. ويستوي في فساد الحج بالجماع الرجل والمرأة؛ لاستوائهما في المعنى الموجب للفساد وهو ما بينا، ولما ذكرنا أن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أفتوا بفساد حجهما؛ حيث أوجبوا القضاء عليهما، ويستوي فيه العامدُ والخاطىءُ، والذاكر والناسي عند أصحابنا. (١) في أ: ركني. (٢) نقدم تخريجه. ٢٨٢ كِتَابُ الْحَجْ وقال الشافعي: لا يفسده الخطأ والنّسيان(١)، والكلامُ فيه بناء على أصل ذكرناه غير مرة، وهو أن فساد الحج لا يثبت إلا بفعل محظور، فزعم (٢) الشافعي أن الحظر لا يثبت مع الخطأ والنسيان، وقلنا نحن: يثبت، وإنما المرفوعُ هو المؤاخذة عليهما، على ما ذكرنا فيما تقدم. ويستوي فيه الطوع والإكراه؛ لأن الإكراه لا يزيل الحظر، ولو كانت المرأةُ مُكْرَهَةً. فإنها لا ترجع بما لزمها على المُكْرِهِ؛ لأنه حصل لها استمتاع بالجماع، فلا ترجع على أحد؛ كالمغرور إذا وطىء الجارية، ولزمه الغرم؛ أنه لا يرجع به على الغَارِّ؛ كذا هذا. ويستوي فيه كون المرأة المحرمة مستيقظة أو نائمة، حتى يفسد حجها في الحالين، سواء كان المجامع لها محرماً أو حلالاً؛ لأن النائمة في معنى الناسية، والنسيان لا يمنع فساد الحج؛ كذا النوم، ويستوي فيه كون المجامع عاقلاً؛ بالغاً أو مجنوناً أو صبياً، بعد أن كانت المرأةُ المحرمةُ عاقلة بالغة حتى يفسد حجها؛ لأن التمكين محظور عليها . وأما بيان حكمه إذا فسد، ففساد الحج يتعلَّق به أحكامٌ، منها: وجوب الشاة عندنا، وقال الشافعي: وجوب بدنة. وجه قوله: إن الجماع بعد الوقوف إنما أوجب البدنة لتغليظ الجناية، والجناية قبل الوقوف أغلظ لوجودها حال قيام الإحرام المطلق لبقاء ركني الحج، وبعد الوقوف لم يبق إلا أحدهما، فلما وجبت البدنةُ بعد الوقوف؛ فلأن تجب قبله أولى. (١) اختلف أهل العلم فيمن وطىء ناسياً أو جاهلاً فذهب الشافعية إلى أنه لا يفسد نسكه ولا كفارة على الأصح وقال مالك وأحمد: يفسد ويلزمه القضاء والكفارة قال النووي في المجموع (٧/ ٣٦٤). إذا جامع المحرم قبل التحلل من العمرة أو قبل التحلل الأول من الحج ناسياً لإحرامه أو جاهلاً تحريمه، ففيه قولان مشهوران، ذكرهما المصنف بدليلهما (الأصح) الجديد لا يفسد نسكه ولا كفارة (والقديم) فساده ووجوب الكفارة. قال الخرشي من المالكية الوطء إذا وقع قبل التحلل فإنه يفسد مطلقاً أي سواء كان عمداً أو نسياناً أو جهلاً في قبل أو دبر آدمي أو غيره أنزل أو لا، مباح الأصل أو لا، كان موجهاً للمهر والحد أم لا، وسواء وقع من بالغ أم لا، وكذلك يفسده استدعاء المني سواء كان بيده أو بنظره المستدام، أو بتذكر حتى أنزل أو بملاعبة حتى أنزل عمداً أو جهلاً أو نسياناً للإحرام. الوطء أو المني المذكور يفسد الحج إن وقع قبل الوقوف بعرفة، سواء فعل من أفعال الحج شيئاً كطواف القدوم والسعي أو لا وهذا معنى الإطلاق. قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٤٠) والعمد والنسيان في الوطء سواء. نص عليه أحمد. فقال: إذا جامع أهله بطل حجه. لأنه شيء لا يقدر على رده. (٢) في أ: عن. ٢٨٣ کِتَابُ الْحَجْ ولنا: ما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: إِنَّ البَدَنَةَ [تَجبُ](١) في الْحَجِّ فِي مَوْضِعَيْنٍ: أَحَدِهِمَا: إِذَا طَافَ لِلْزِّيَارَةِ جُنُباً، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَعُدْ، والثَّاني: إِذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ. وروينا عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: وَعَلَيْهِمَا هَذِيّ، واسم الهدي وإن كان يقع على الغنم والإبل والبقر، لكن الشاة أدنى، والأدنى متقن به، فحملُه على الغنم أولى، على أنه روينا عن رسول الله وَ ﴿ أنه سُئل عن الْهَدْي فَقَالَ: ((أَدْنَاهُ شَاةٌ))(٢)، وَيَجْزِي فِيهِ شركة في جزور أو بقرة؛ لما روي أن رسول الله وَ أَشْرَكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ - رضي الله تعالى عنهم - في الْبُدْنِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَذَبَحُوا الْبَدَنَّةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (٣)، واعتباره بما (١) في ط: البدنة. (٢) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٦/٣) كتاب الحج: باب الهدي، الحديث الأول، وقال: غريب ولم أجده إلا من قول عطاء، ورواه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق الشافعي أنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج أن عطاء قال: أدنى ما يهراق من الدماء في الحج وغيره شاة. (٣) أخرجه مالك (٤٨٦/٢) كتاب الضحايا - باب الشركة في الضحايا حديث (٩) وأحمد (٣٥٣/٣، ٣٦٣) ومسلم (٩٥٥/٢) كتاب الحج - باب الاشتراك في الهدي - حديث (١٣١٨/٣٥٠) وأبو داود (٣/ ٢٣٩-٢٤٠) كتاب الضحايا - باب في البقر والجزول عن كم تجزىء حديث (٢٨٠٩) والترمذي (٨٩/٤) كتاب الأضاحي باب ما جاء في الاشتراك في الأضحية حديث (١٥٠٢) وابن ماجه (٢/ ١٠٤٧) كتاب الأضاحي - باب عن كم تجزىء البدنة والبقرة حديث (٣١٣٢) والبيهقي (٢٩٤/٩) كتاب الضحايا - باب الاشتراك في الهدي والأضحية من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله - نَّه - عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة . وأخرجه مسلم (٩٥٥/٢) كتاب الحج: باب الاشتراك في الهدي ... حديث (١٣١٨/٣٥٣) وأحمد (٣/ ٣٧٨) وابن الجارود (٤٧٩) وابن خزيمة (٢٨٨٢٨٧/٤) رقم (٢٩٠٠) والبيهقي (٢٩٥/٩) كتاب الضحايا: باب الاشتراك في الهدي والأضحية من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: اشتركنا مع النبي - رَلير - في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة فقال رجل لجابراً يشترك في البدنة ما يشترك في الجزور قال: ما هي إلا من البدن. وأخرجه ابن خزيمة (٢٨٨/٤) رقم (٢٩٠١) من طريق عمرو بن الحارث ومالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر به . وأخرجه مسلم (٩٥٥/٢) كتاب الحج: باب الاشتراك في الهدي حديث (١٣١٨/٣٥٢) من طريق عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر وأخرجه أيضاً (١٣١٨/٣٥١) من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر ورواه من هذا الطريق أيضاً أحمد (٢٩٢/٣) والبيهقي (٢٩٥/٥-٢٩٦) وقد توبع أبو الزبير على هذا الحديث تابعه عطاء بن أبي رباح وأبو سفيان والشعبي وسليمان بن قيس. - متابعة عطاء: أخرجها مسلم (٩٥٦/٢) كتاب الحج: باب الاشتراك في الهدي حديث (١٣١٨/٣٥٥) وأبو داود (٢/ ١٠٨) كتاب الضحايا: باب في البقر والجذور حديث (٢٨٠٧) والنسائي (٢٢٢/٧) كتاب الضحايا: باب = ٢٨٤ كِتَابُ الْحَجْ قبل الوقوف غير سديد؛ لأن الجناية قبل الوقوف أخفُّ من الجناية بعده؛ لأن الجماع قبل الوقوف أوجب القضاء؛ لأنه أوجب فساد الحج والقضاء خلف عن الفائت، فيجبر معنى الجناية، فتخف الجناية؛ فيوجب نقصان الموجب، وبعد الوقوف لا يفسد الحج عندنا لما ذكرنا، فلم يجب القضاء، فلم يوجد ما تجب به الجناية؛ فبقيت متغلظة؛ فتغلظ الموجب. ٢٧٠ب ولو جامع قبل الوقوف بعرفة، ثم جامع؛ فإن کان/ في مجلس - لا يجب عليه إلا دم واحد استحساناً، والقياس أن يجب عليه لكل واحد دم على حدة؛ لأن سبب الوجوب قد تكرر، فتكرر الواجب، إلا أنهم استحسنوا، فما أوجبوا إلا دماً واحداً؛ لأن أسباب الوجوب اجتمعت في مجلس واحد، فيكتفي بكفارة واحدة؛ لأن المجلس الواحد يجمع الأفعال المتفرقة؛ كما يجمع الأقوال المتفرقة؛ كإيلاجات في جماع واحد؛ أنها لا توجب إلا كفارة واحدة، وإن كان كل إيلاجة لو انفردت أوجبت الكفارة؛ كذا هذا. وإن كان في مجلسين مختلفين - يجب دمان في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد: يجب دم واحد، إلا إذا كان كفر للأول؛ كما في كفارة الإفطار في شهر رمضان . وجه قول محمد: إن الكفارة إنما وجبت بالجماع الأول؛ جزاء لهتك حرمة الإحرام، والحرمة حرمة واحدة إذا انهتكت مرة لا يتصور انهتاكها ثانياً؛ كما في صوم شهر رمضان، وكما إذا جامع ثم جامع في مجلس واحد، وإذا كفر فقد جبر الهتك، فالتحق بالعدم، وجعل كأنه لم يوجد؛ فلم يتحقق الهتك ثانياً . ولهما: أن الكفارة تجب بالجناية على الإحرام، وقد تعددت الجناية، فيتعدد الحكم وهو ما تجزىء عنه البقرة في الضحايا وأحمد (٢٦٣/٣) والدارقطني (٤٧/٢) العيدين وابن خزيمة (٢٨٨/٤) رقم (٢٩٠٢) وأبو يعلى (٣١/٤) رقم (٢٠٣٤) والبيهقي (٢٩٥/٩) من طريق هشيم عن عبد الملك عن عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله - رَّليو - بالعمرة فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها. - متابعة أبي سفيان: أخرجها أحمد (٣١٦/٣) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به. - متابعة عامر الشعبي: أخرجه أحمد (٣٣٥/٣) والدار قطني (٢٤٣/٢-٢٤٤) من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر به ومجالد بن سعید فيه ضعف. - متابعة سليمان بن قيس : أخرجها أحمد (٣٦٤،٣٥٣/٣) والطيالسي (٢٢٩/١ - منحة) رقم (١١٠٣) من طريق أبي عوانة حدثنا أبو بشر عن سليمان بن قيس عن جابر به. ٢٨٥ كِتَابُ الْحَجْ الأصل، إلا إذا قام دليلٌ يوجب جعل الجنايات المتعدة حقيقة متحدة حكماً، وهو اتحاد المجلس ولم يوجد لههنا بخلاف الكفارة للصوم؛ فإنها لا تجب بالجناية على الصوم، بل جبراً لهتك حرمة الشهر على ما ذكرناه فيما تقدم، ولا يجب عليه في الجماع الثاني إلا شاة واحدة؛ لأن الأول لم يوجب إلا شاة واحدة، فالثاني أولى؛ لأن الأول صادف إحراماً صحيحاً، والثاني صادف إحراماً مجروحاً، فلما لم يجب للأول إلا شاة واحدة؛ فالثاني أولى. ولو جامع بعد الوقوف بعرفة، ثم جامع؛ إن كان في مجلس واحد - لا يجب عليه إلا بدنة واحدة، وإن كان في مجلسين يجب عليه بدنةٌ للأول، وللثاني شاة على قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وعلى قول محمد: إن كان ذبح للأول بدنة بحب للثاني شاة، وإلا فلا يجب، وهو على ما ذكرنا من الاختلاف فيما قبل الوقوف، هذا إذا لم يرد بالجماع بعد الجماع رفض الإحرام، فأما إذا أراد به رفض الإحرام والإحلال - فعليه كَفّارةٌ واحدة في قولهم جميعاً، سواء كان في مجلس واحد، أو في مجالس مختلفة؛ لأن الكل مفعول على وجه واحد، فلا يجب بها إلا كفارة واحدة؛ كالإيلاجات في الجماع الواحد. ومنها: وجوب المضي في الحجة الفاسدة؛ لقول جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يَمْضِيَا (١) في إِخْرَامِهِمَا، ولأن الإحرام عقد لازم، لا يجوز التحلل عنه إلا بأداء أفعال الحج، أو لضرورة الإحصار، ولم يوجد أحدهما، فيلزمه المضي فيه؛ فيفعل جميع ما يفعله في الحجة الصَّحيحة، ويجتنب جميع ما يجتنبه في الحجة الصحيحة. ومنها: وجوب القضاء؛ لقول الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يَقْضِيَانِهِ مِنْ قَابِل؛ ولأنه لم يأت بالمأمور به على الوجه الذي أمر به؛ لأنه أمر بحج خال عن الجماع، ولم يأت به؛ فبقي الواجب في ذمته، فيلزمه تفريغ ذمته عنه، ولا يجب عليه العمرة؛ لأنه ليس بفائت الحج؛ ألا ترى أنه لم تسقط عنه أفعال الحج، بخلاف المحصر إذا حَلَّ من إحرامه بذبح الهدي؛ أنه يجب عليه قضاء الحجة والعمرة. أما قضاء الحجة فظاهر. وأما قضاء العمرة فلفوات الحج في ذلك العام(٢)، وهل يلزمهما الافتراق في القضاء؟ قال أصحابنا الثلاثة: لا يلزمهما ذلك، لكنهما إن خافا المعاودة يستحبُّ لهما أن يفترقا. وقال زفر، ومالك، والشافعي: يفترقان، واحتجوا بما روينا من قول جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يَفْتَرِقَانِ؛ ولأن الاجتماع فيه خوف الوقوف في الجماع ثانياً؛ فيجب التحرز عنه بالافتراق، ثم اختلفوا في مكان الافتراق. قال مالك: إذا خرجا من بلدهما يفترقان حسماً للمادة. (١) في أ: مضياً. (٢) في أ: عامة ذلك. ٢٨٦ كِتَابُ الْحَجْ وقال الشافعي: إذا بلغا الموضع الذي جامعها فيه؛ لأنهما يتذكران ذلك، فريما يقعان فيه. وقال زفر: يفترقان عند الإحرام؛ لأن الإحرام هو الذي حظر عليه الجماع، فأما قبل ذلك فقد كان مباحاً . ولنا: أنهما زوجان، والزوجية علة الاجتماع لا الافتراق، وأما ما ذكروا من خوف الوقوع يبطل بالابتداء؛ فإنه لم يجب الافتراق في الابتداء مع خوف الوقوع، وقول الشافعي: يتذكران ما فعلا فيه - فاسد؛ لأنهما قد يتذكران، وقد لا يتذكران؛ إذ ليس كل مَنْ يفعل فعلا في مكان يتذكر ذلك الفعل إذا وصل إليه، ثم إن كانا يتذكران ما فعلا فيه يتذكران ما لزمهما من وبال فعلهما فيه أيضاً؛ فيمنعهما ذلك عن الفعل. ١٢٧١ ثم يبطل هذا بلبس المخيط والتطيب؛ فإنه إذا لبس المخيط/ أو تطيب حتى لزمه الدم - يباح له إمساك الثوب المخيط والتطيب، وإن كان ذلك يذكره لبس المخيط والتطيب، فدل أن الافتراق ليس بلازم، لكنه مندوب إليه ومستحب عند خوف الوقوع فيما وقعا فيه، وعلى هذا يحملُ قولُ الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -: يَفْتَرِقَانِ. والله الموفق. هذا إذا كان مفرداً بالحج؛ فأما إذا كان قارناً، فالقارن إذا جامع فإن كان قبل الوقوف وقبل الطواف للعمرة، أو قبل الكثرة (١) - فسدت عمرته وحجته، وعليه دمان؛ لكل واحد منهما شاة، وعليه المضي فيهما وإتمامهما على الفساد، وعليه قضاؤهما، ويسقط عنه دمُ القران. أما فساد العمرة؛ فلوجود الجماع قبل الطواف، وأنه مفسد للعمرة كما في حال الانفراد، وأما فسادُ الحجة (٢)؛ فلحصول الجماع قبل الوقوف بعرفة، وأنه مفسد للحج كما في حال الانفراد، وأما وجوب الدمين؛ فلأن القارن محرم بإحرامين عندنا، فالجماعُ حصل جناية على إحرامين، فأوجب نقصاً في العبادتين(٣)، فيوجب كفارتين؛ كالمقيم إذا جامع في رمضان، وأما لزوم المضي فيهما؛ فلما ذكرنا أن وجوب الإحرام عقد لازم، وأما وجوب قضائهما؛ فلإفسادهما، فيقتضي عمرة مكان عمرة، وحجة مكان حجة، وأما سقوطَ دم القرانِ عنه؛ فلأنه أفسدهما، والأصل أن القارن إذا أفسد حجه وعمرته، أو أفسد(٤) أحدهما - يسقط عنه دم القران؛ لأن وجوبه ثبت شكراً لنعمة الجمع بين القربتين، وبالفساد بطل معنى القربة؛ فسقط الشكر. (١) في أ: أكثره. (٢) في أ: الحج. (٣) في أ: عبادتين. (٤) في أ: فسد. ٢٨٧ كِتَابُ الْحَجْ ولو جامع بعد ما طاف لعمرته، أو طاف أكثره وهو أربعة أشواط، أو بعد ما طاف لها، وسعی قبل الوقوف بعرفة ـ فسدت حجته، ولا تفسد عمرته. أما فساد حجته؛ فلما ذكرنا، وهو حصول الجماع قبل الوقوف بعرفة، وأما عدم فساد عمرته؛ فلحصول الجماع بعد وقوع الفراغ من ركنها، فلا يوجب فسادها كما في حال الانفراد وعليه دَمَانٍ؛ أحدهما لفساد الحجة بالجماع، والآخر لوجود الجماع في إحرام العمرة؛ لأن إحرام العمرة باقٍ عليه، وعليه المضي فيهما وإتمامهما لما ذكرنا، وعليه قضاء الحج دون العمرة؛ لأن الحجة هي التي فسدت دون العمرة، ويسقط عنه دم القران؛ لأنه فسد أحدهما وهو الحج. ولو جامع بعد طواف العمرة، وبعد الوقوف بعرفة - فلا يفسد حجه ولا عمرته، أما عدم فساد الحج؛ فلأن الجماع وجد بعد الوقوف بعرفة، وأنه لا يفسد الحج، وأما عدمُ فساد العمرة؛ فلأنه جامع بعد الفراغ من ركن العمرة، وعليه إتمامها؛ لأنه لما وجب إتمامها على الفساد - فعلى الصحة والجواز أولى، وعليه بدنة وشاة؛ البدنة لأجل الجماع بعد الوقوف، والشاة؛ لأن الإحرام للعمرة (١) باق، والجماع في إحرام العمرة يوجب الشّاة، ولههنا لا يسقط عنه دم القران؛ لأنه لم يوجد فساد الحج والعمرة، ولا فساد أحدهما؛ فأمكن إيجاب الدم شكراً، فإن جامع مرة بعد أخرى - فهو على ما ذكرنا من التفصيل في المفرد بالحج، أنه إن كان في مجلس واحد - فلا يجب عليه غيرُ ذلك، وإن كان في مجلس آخر - فعليه دمان على الاختلاف الذي ذكرنا، فإن جَامَعَ أول مرة بعد الحلق قبل الطواف للزيارة (٢) - فعليه بدنة وشاة؛ لأن القارن يتحلَّل من الإحرامين معاً، ولم يحل له النساء بعد إحرام الحجة، فكذا في إحرام العمرة؛ كما يقع له التحلل/ من [غير](٣) النساء بالحلق فيهما جميعاً. ٢٧١ ب ولو جَامَعَ بعدما طاف طواف الزيارة كله أو أكثره - فلا شيء عليه؛ لأنه قد حل له النساء، فلم يبق له الإحرام رأساً، إلا إذا طاف طواف الزيارة قبل الحلق والتقصير - فعليه شاتان؛ لبقاء الإحرام لهما جميعاً. وروى ابن سماعة عن محمد في الرقيات فيمن طاف طواف الزيارة (٤) جنباً، أو على غير - وضوء، أو طاف(٥) أربعة أشواط طاهراً، ثم جامع النساء قبل أن يعيده - قال محمد: أما في القياس فلا شيء، ولكن أبا حنيفة استحسن فيما إذا طاف جنباً، ثم جامع، ثم أعاده (٦) طاهراً؛ أنه توجب عليه دماً وكذا قول أبي يوسف وقولنا. وجه القياس أنه قد صح من مذهب (١) في أ: إحرام العمرة. (٢) في أ: طواف الزيارة. (٤) في أ: للزيارة. (٥) في ط: طاف. (٦) في أ: أعاد. (٣) سقط في أ. ٢٨٨ كِتَابُ الْحَجْ أصحابنا؛ أن الطهارة ليست بشرط لجواز الطواف، وإذا لم تكن شرطاً فقد وقع التحلل بطوافه، والجماع بعد التحلل من الإحرام لا يوجب الكفارة. وجه الاستحسان أنه إذا أعاده وهو طاهر - فقد انفسخ الطوافُ الأول على طريق بعض مشايخ العراق، وصار طوافه المعتبر هو الثاني؛ لأن الجناية توجب نقصاناً(١) فاحشاً، فتبين أن الجماع كان حاصلاً قبل الطواف؛ فيوجب الكفارة، بخلاف ما إذا طاف على غير وضوء؛ لأن النقصان هناك يسير فلم ينفسخ الأول؛ فبقي(٢) جماعة بعد التحلل؛ فلا يوجب الكفارة. وذكر ابن سماعة عن محمد في الرقيات، فيمن طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة في جوف الحجر، أو فعل ذلك في الطواف العمرة، ثم جامع؛ أنه تفسد العمرة وعليه عمرة مكانها، وعليه في الحج بدنة؛ لأن الركن في الطواف أكثر الأشواط وهو أربعة، فإذا طاف في جوف الحجر فلم يأت بأكثر الأشواط فحصل الجماعُ قبل الطواف. وروى ابن سماعة عن محمد فيمن فاته الحج، فجامع أنه يمضي على احرامه، وعليه دَمٌ للجماع، والقَضَاءُ للفوات. أما وجوب المضي؛ فلبقاء الإحرام؛ وأما وجوب الدم بالجماع؛ فلوجود الجماع في الإحرام، وليس عليه قضاء العمرة؛ لأن هذا تحلل بمثل أفعال العمرة، وليس بعمرة بل هو بقية أفعال حج قد وجب قضاؤه، بخلاف العمرة المبتدأة، والله أعلم. وأما المتمتع إذا جامع فحكمه حكم المفرد بالحج والمفرد بالعمرة؛ لأنه يحرم بعمرة أولاً، ثم يحرم بحجة، وقد ذكرنا حكم المفرد بالحجة، وسنذكر إن شاء الله تعالى حكم المفرد بالعمرة في موضعه. فصل في بيان ما يفوت الحج بعد الشروع وأما بيان ما يفوت الحج بعد الشُّروعِ فيه بفواته، وبيان حكمه إذا فات [بعد الشروع فيه](٣) فالحج بعد الشروع فيه لا يفوت إلاّ بفوات الوقوف بعرفة؛ لقول النبي ◌َّ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ)) فمن وقف بعرفة فقد تم حجه. والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه جعل الحج الوقوف بعرفة، فإذا وجد فقد وجد الحج، والشيء الواحد في زمان واحد ألا يكون موجوداً وفائتاً، والثاني: أنه جعل تمام الحج الوقوف بعرفة، وليس المراد منه التمام الذي هو ضد النقصان؛ لأن ذلك لا يثبت بالوقوف وحده، فيدل أن المراد منه خروجه عن احتمال الفوات. وقول النبي ◌َِّ: ((مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَّهُ (١) في أ: نقصاً. (٢) في أ: فيقع. (٣) سقط في أ. ٠ ٢٨٩ كِتَابُ الْحَجْ الْحَجُّ)) (١)، جعل مدرك الوقوف بعرفة مدركاً للحج، والمدرك لا يكون فائتاً. وأما حكم فواته بعد الشُّروع فيه، فيتعلق بفواته بعد الشروع فيه أحكام: منها: أنه يتحلل من إحرامه بعمل العمرة، وهو الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، أو التقصير إن كان مفرداً بالحج، ويجب عليه ذلك؛ لما روى الدار قطني بإسناده عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم - عن النبي وَّر؛ أنه قال: ((مَنْ فَاتَّهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَّهُ الْحَجُّ؛ فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ دَمِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِل)). وعن عمر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا فيمن فاته الحج: ((يَحِلُّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِل)). ثم اختلف أصحابنا فيما يتحلل به فائت الحج من الطواف؛ أنه يلزمه ذلك بإحرام الحج، أو بإحرام العمرة. قال أبو حنيفة ومحمد بإحرام الحج، وقال أبو يوسف بإحرام العمرة، وينقلب إحرامه إحرام عمرة. واحتج بقول النبي ◌ََّ في حديث الدارقطني: ((فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ)) سماه عمرة، ولا عمرة إلا بإحرام العمرة؛ فَدَلْ أن إحرامه ينقلب إحرام عمرة، ولأنَ المُؤَدَّى أَفْعَالُ العمرة فكانت عمرة. ولهما: قول الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -: يُحِلُّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، أضاف العملَ إلى العمرة والشيء لا يضاف إلى نفسه هو الأصل؛ ولأنه أحرم بالحج لا بالعمرة حقيقة؛ لأنه/ ١٢٧٢ مفرد بالحج، واعتبار الحقيقة أصل في الشرع(٢)، فالقولُ بانقلاب إحرام الحج إحرام العمرة؛ تغييراً لحقيقة من غير دليل، مع أن الإحرام عقدٌ لازمٌ لا يحتمل الانفساخَ، وفي الانقلاب انفساخٌ، وهذا لا يجوز. والدليلُ على صحة ما ذكرنا؛ أن فائت الحج لو كان من أهل مكة يتحلل بالطواف؛ كما يتحلل أهل الآفاق، ولا يلزمه الخروج إلى الحل. ولو انقلب إحرامه إحرام عمرة، وصار معتمراً - للزمه الخروج إلى الحل، وهو التنعيم أو غيره. وكذا فائت الحج إذا جامع ليس عليه قضاءُ العمرة، ولو كان عمرة لوجب عليه قضاؤه كالعمرة المبتدأة فيثبت بما ذكرنا من الدلائل؛ أن إحرامه بالحج لم ينقلب إحرام عمرة؛ وبه (١) تقدم تخريجه. (٢) في أ: الشريعة. بدائع الصنائع ج ٣ - م١٩ ٢٩٠ كِتَابُ الْحَجْ تبين أن المؤدي ليس أفعال العمرة، بل مثل أفعال العمرة تؤدى بإحرام الحجة - والحديثُ محمولٌ على عمل العمرة توفيقاً بين الدلیلین. ومنها: أن عليه الحج من قابل؛ لما روينا من الحديث، وقول الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ولأنه إذا فاته الحج من هذه السنة بعد الشروع فيه - بقي الواجب عليه على حاله، فيلزمه الإتيان به، ولا دم على فائت الحج عندنا. وقال الحسن بن زياد: عليه دم؛ وبه أخذ الشافعي. وجه قول الحسن أنه يتحلل قبل وقت التحلل؛ فيلزمه دم كالمحصر. ولنا ما روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا فيمن فاته الحج: يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ هَذْيٍ، وكذا في حديث الدار قطني جعل النبي ◌َّ التحلل والحجِ من قابل كل الحكم في فائت الحج بقوله: ((مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلِيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِل))، فمن ادعى زيادة الدم، فقد جعل الكل بعضاً وهو نسخ أو تغيير، فلا بد له من دلیل. وقوله: تحلل قبل الوقوف مسلم، لكن بأفعال العمرة وهو فائتُ الحج، والتحلل بأفعال العمرة من فائت الحج كالهدي في حق المحصر، وليس على فائت الحج طواف الصدر؛ لأنه طواف عرف وجوبه في الشَّرعِ بعد الفراغ من الحج، على ما قال النبي وبَّ: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوافُ)»(١)، وهذا لم يحج فلا يجب عليه، وإن كان فائت الحج قارناً؛ فإنه يطوف للعمرة ويسعى لها، ثم يطوف طوافاً آخر؛ لفوات الحج، ويسعى له، ويحلق أو يقصر، وقد بطل عنه دم القران. أما الطواف للعمرة والسعي لها؛ فلأن القارن محرم بعمرة وحجة، والعمرة لا تفوت؛ لأن جميع الأوقات وقتها؛ فيأتي بها كما يأتي المدرك للحج. وأما الطواف والسعي للحج؛ فلأن الحجة قد فاتته في هذه السنة بعد الشروع فيها، وفائت الحج بعد الشروع فيه لا يتحلل بأفعال العمرة، فيطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر، وأما (١) أخرجه الشافعي في «مسنده)) (٣٦٤/١)، حديث (٩٤٣)، والبخاري (٤١٦/٤ - فتح الباري): كتاب الحج: باب طواف الوداع، حديث (١٧٥٥)، ومسلم (٨٩/٥ - نووي): كتاب الحج: باب وجوب طواف الوداع، حديث (١٣٢٨/٣٨٠)، وابن خزيمة (٣٢٧/٤)، حديث (٢٩٩٩)، والحميدي (١/ ٢٣٤،٢٣٣)، حديث (٥٠٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٣٩،١٣٨/٤): كتاب الحج: باب طواف الوداع، حديث (١٩٦٥)، باب الرخصة للحائض في ترك طواف الوداع، حديث (١٩٦٦)، وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٨٩/٣): كتاب الحج باب طواف الوداع، الحديث التاسع والسبعون، وقال: أخرجه البخاري ومسلم عن طاوس عن ابن عباس به. ٢٩١ كِتَابُ الْحَجْ سقوط دم القران .. يجب للجمع بين العمرة والحج ولم يوجد؛ فلا يجب، ويقطع التلبية إذا أخذ في الطَّوَافِ الذي يتحلل به على ما ذكرنا فيما تقدم، وإن كان متمتعاً سَاقَ الهَذْيَ بَطَلَ تمتعه، ويصنع كما يصنع القارن؛ لأن دم المتعة يجب للجمع بين العمرة والحجة، ولم يوجد الجمع؛ لأن الحجة فاتته. فصل وأما بيان حكم فوات الحج عن العمر(١)، فنقول: من عليه الحج إذا مات قبل أدائه، فلا يخلو؛ إما إن مات من غير وصية، وإما إن مات عن وصية؛ فإن مات من غير وصية يأثم بلا خلاف. أما على قول من يقول بالوجوب على الفور فلا يشكل. وأما على قول من يقول بالوجوب على التراخي؛ فلأن الوجوب يضيق عليه في آخر العمر في وقت يحتمل الحج، وحرم عليه التأخير؛ فيجب عليه أن يفعل بنفسه إن كان قادراً، وإن كان عاجزاً عن الفعل بنفسه عجزاً مقرراً (٢)، ويمكنه الأداء بماله بإنابة غيره مناب نفسه بالوصية؛ فيجب عليه أن يوصى به، فإن لم يوص به حتى مات - أثم بتفويته الفرض عن وقته مع إمكان الأداء في الجملة، فيأثم، لكن يسقط عنه في حق أحكام الدنيا عندنا، حتى لا يلزم الوارث الحج عنه من تركته؛ لأنه عبادة والعبادات تسقط بموت من عليه، سواء كانت بدنية، أو مالية في حق أحكام الدنيا عندنا. وعند الشافعي: لا تسقط، ويؤخذ مِنْ تركته قدر ما يحج به، ويعتبر ذلك من جميع المال، وهذا على(٣) الاختلاف في الزكاة والصوم، والعشر، والنذور، والكفارات، ونحو ذلك. وقد ذكرنا المسألة في كتاب الزكاة، وإن أحب الوارث أن يحج عنه حج، وأرجو أن يجزيه (٤) ذلك إن شاء الله تعالى؛ كذا ذكر أبو حنيفة - رحمه الله -. أما الجواز؛ فَلَمَّ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَقَالَ يَا رَسُولَ الله، إنَّ أُمّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا، فَقَالَ: ((نَعَمْ)) (٥) فَقَدْ أَجَازَ النبيُّ وَّ/ حج الرجل عن أمه ولم يستفسر ٢٧٢ ب أنها ماتت عن وصية، أو لا عن وصية، ولو كان الحكم يختلف لاستفسر. (١) في أ: العمر. (٣) في أ: وعلى هذا. (٢) في أ: متقرراً. (٤) في أ: يجوز. (٥) أخرجه البخاري (٥٨٤/١١): كتاب الأيمان والنذور: باب من مات وعليه نذر حديث (٦٦٩٩)، وأحمد (٣٤٥/١)، وابن الجارود (ص: ١٧٨): باب المناسك، حديث (٥٠١)، والدارقطني (٢/ ٢٦٠): كتاب الحج: باب المواقيت، حديث (١١١)، والبيهقي (٣٣٥/٤): كتاب الحج: باب الحج عن الميت وابن خزيمة (٣٤٦/٤) والطبراني في ((الكبير)) (١٥/١٢) رقم (١٢٣٣٢) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤/ ١٨،١٧ - بتحقيقنا) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ((جاءت امرأة من جهنية إلى النبي ــ وَّل﴾ - فقالت: يا رسول الله، إن أمي نذرت الحج فماتت، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها، أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيته؟ دين الله أحق بالقضاء)). ولم أقف عليه بهذا اللفظ الوارد. ٢٩٢ كِتَابُ الْحَجْ وأما قران الاستثناء بالإجزاء؛ فلأن الحج كان واجباً على الميت قطعاً، والواجب على الإنسان قطعاً لا يسقط إلا بدليل موجب للسقوط قطعاً، والموجب لسقوط الحج عن الميت بفعل الوارث بغير أمره من أخبار الآحاد، وخبر الواحد يوجب علم العمل لا علم الشهادة؛ لاحتمال عدم الثبوت، وإن كان احتمالاً مرجوحاً، لكن الاحتمال المرجوح يعتبر في علم الشهادة، وإن كان لا يعتبر في علم العمل، فعلق الإجزاء والسقوط بمشيئة الله تعالى احترازاً عن الشهادة على الله تعالى من غير علم قطعي، وهذا من(١) كمال الورع والاحتياط في دين الله تعالى؛ ولأن الظاهر من حال مَنْ عليه الحج، إذا عجز عن الأداء بنفسه، حتى أدركه الموت، وله مال - أنه يأمر وارثه بالحج عنه؛ تفريغاً لذمته عن عهدة الواجب، فكانت الوصية موجودة دلالة، والثابت دلالة كالثابت نصاً، لكن ألحق الاستثناء به لاحتمال العدم. فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتم هلا ألحق الاستثناء بكل ما يثبت بخبر الواحد - فالجواب أنك أبعدت في القياس؛ إذ لا كل خبر يرد بمثل هذا الحكم، وهو سقوطُ الفرض، ومحل سقوط الاستثناء، هذا فإن ثبت الإطلاق منه في مثله في موضع، من غير تصريح بالاستثناء - فذلك لوجود النية منه عليه في الحج، فتقع الغنية عن الإفصاح به في كل موضع، وإن مات عن وصية لا يسقط الحج عنه، ويجب أن يحج عنه؛ لأن الوصية بالحج قد صحت، وإذا حج عنه يجوز عند استجماع شرائط الجواز، وهي نية الحج عنه، وأن يكون الحج بمال الموصي، أو بأكثره إلا تطوعاً، وإن يكون راكباً لا ماشياً؛ لما ذكرنا فيما تقدم، ويحج عنه من ثلث ماله. [سواء قيد الوصية بالثلث؛ بأن يحج عنه بثلث ماله، أو أطلق بأن أوصى أن يحج عنه](٢). أما إذا قيد فظاهر، وكذا إذا أطلق؛ لأن الوصية تنفذ من الثلث، ويحج عنه من بلده الذي يسكنه؛ لأن الحج مفروضٌ عليه من بلده، فمطلق الوصية ينصرف إليه؛ ولهذا قال محمد - رحمه الله: روى ابن رستم عنه في خراساني أدركه الموتُ بمكة، فأوصی أن یحج عنه، یحج عنه من خراسان(٣) . [وروى هشام عن أبي يوسف في مكي قدم الري، فحضره الموت، فأوصى أن يحج عنه، يحج عنه من مكة] (٤)، فإن أوصى أن يقرن عنه قرن عنه من الري؛ لأنه لا قران لأهل مكة، فتحمل الوصية على ما يصح، وهو القرانُ من حيث مات، هذا إذا كان ثلثُ المال يبلغ أن يحجَّ عنه من بلده [حج عنه](8) فإن كان لا يبلغ يحج [عنه] (٦) من حيث يبلغ استحساناً، وكذا إذا أوصى أن يحج عنه بمال سمى مبلغه؛ إن كان يبلغ أن يحج عنه من بلده حج عنه، (١) في أ: آية . (٢) سقط في أ. (٣) في أ: مكة. (٤) سقط في أ. (٥) سقط في أ. (٦) سقط في ط . ٢٩٣ كِتَابُ الْحَجْ وإلا فيحج عنه من حيث يبلغ استحساناً. والقياس أن تبطل الوصية؛ لأنه تعذر تنفيذها على [ما قصده] (١) الموصي، وهذا يوجب بطلان الوصية، كما إذا أوصى بعتق نسمة، فلم يبلغ ثلث المال ثمن النسمة . وجه الاستحسان أن غرض الموصي من الوصية [بالحج](٢) تفريغُ ذمته عن عهدة الواجب؛ وذلك في التصحيح لا في الإبطال، ولو حمل ذلك على الوصية بالحج من بلده - البطلت، ولو حمل على الوصية من حيث يبلغ لصحت؛ فيحمل عليه تصحيحاً لها، وفي الوصية بعتق النسمة تعذر التصحيح أصلاً ورأساً؛ فبطلت، فإن خرج من بلده إلى بلد أقرب من مكة، فإن كان خرج لغير الحج حج عنه من بلده في قولهم جميعاً، وإن كان خرج للحج، فمات في بعض الطريق، وأوصى أن يحج عنه؛ فكذلك في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد يحج عنه من حَيْثُ بَلَغَ . وجه قولهما: إن قدر ما قطع من المسافة في سفره بنية الحج - معتد به من الحج، لم يبطل بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهَ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله﴾ [النساء: ١٠٠] فسقط عنه ذلك القدر من فرض الحج، وبقي عليه إتمامه. ولأبي حنيفة أن القدر الموجود من السفر يعتبر، لكن في حق أحكام الآخرة وهو الثواب، لا في حق أحكام الدنيا؛ لأن ذلك يتعلق بأداء(٣) الحج، ولم يتصل به الأداء؛ فبطل بالموت في حق أحكام الدنيا، إن لم يبطل به في حق أحكام الآخرة، وكلامنا في حق أحكام الدنيا، ولو خرج للحج، فأقام في بعض البلاد حتى دارت السنة، ثم مات، وقد أوصى بأن یحج عنه - يحج عنه من بلده بلا خلاف. أما عند أبي حنيفة فظاهر، وأما عندهما؛ فلأن ذلك السفر لم يتصل به عمل الحجة التي سافر لها؛ فلم يعتد به عن الحج، وإن كان ثلث ماله لا يبلغ أن يحج به عنه إلا ماشياً، فقال رجل: أنا أحج عنه من بلده ماشياً، روى هشام عن محمد رحمه الله؛ أنه لا يجزيه، ولكن یحج عنه من حیث یبلغ راكباً. وروى الحسن عن أبي حنيفة [أنهم](٤) إن أحجوا عنه من بلده ماشياً - جاز، وإن أحجوا من حيث يبلغ راكباً - جاز، وأصل هذه المسألة أن الموصي بالحج إذا اتسعت/ نفقته للركوب ١٢٧٣ فأحجوا عنه ماشياً - لم يجز؛ لأن المفروض هو الحج راكباً، فإطلاق الوصية ينصرف إلى ذلك (١) في أ: قصد. (٢) سقط في أ. (٣) في أ: بأفعال. (٤) سقط في ط . ٢٩٤ كِتَابُ الْحُجُ كأنه أوصاه(١) بذلك، وقال: أحجوا عني راكباً، ولو كان كذلك لا يجوز ماشياً؛ كذا هذا. وجه رواية الحسن؛ أن فرض الحج له تعلق بالركوب وله تعلق ببلده، ولا يمكن مراعاتهما جميعاً، وفي كل واحد منهما كمال من وجه، ونقصان من وجه، فيجوز أيهما كان، وإن كان ثلث ماله لا يبلغ أن يحج عنه من بلده، فحج عنه من موضع يبلغ وفضل من الثلث، وتبين أنه كان يبلغ من موضع أبعد منه يضمنه الوصي، ويحج عن الميت من حيث يبلغ؛ لأنه تبين أنه خالف إلا إذا كان الفاضل شيئاً يسيراً من زاد أو كسوة - فلا يكون مخالفاً ولا ضامناً، ويرد الفضل إلى الورثة؛ لأن ذلك ملكهم. وإن كان للمُوصِي وطنان، فأوصي أن يُحَجَّ عنه من أقرب الوطنين؛ لأن الأقرب دخل في الوصية بيقين، وفي دخول الأبْعَدِ شَكَّ فيؤخذ باليقين، وفيما ذكرنا من المسائل التي وجب الحج من بلده، إذا أحج الوصي من غير بلده - يكون ضامناً، ويكون الحج له، ويحج عن الميت ثانياً؛ لأنه خالف إلا إذا كان المكان الذي أحج عنه قريباً إلى وطنه، بحيث يبلغ إليه، ويرجع إلى الوطن قبل الليل؛ فحينئذٍ لا يكون مخالفاً ولا ضامناً، ويكون كاختلاف المحل، ولو مات في محلة فأحجوا (٢) عنه من محلة أخرى - جاز؛ كذا هذا. فإن قال الموصي: حجوا (٣) عني بثلث مالي، وثلث ماله يبلغ حججاً - حج عنه حججاً، كذا روى القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي». وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أنه إذا أوصى أن يحج عنه بثلث ماله، وثلث ماله يبلغ حججاً - يحج عنه حجة واحدة من وطنه، وهي حجة الإسلام، إلا إذا أوصى أن يحج عنه بجميع الثلث، فيحج عنه حججاً بجميع الثلث، وما ذكره القاضي (٤) أثبت؛ لأن الوصية بالثلث وبجميع الثلث واحد؛ لأن الثلث اسم لجميع هذا السهم، ثم الوصي (٥) بالخيار؛ إن شاء أحج عنه الحجج في سنة واحدة، وإن شاء أحج عنه في كل سنة واحدة. والأفضل أن يكون ذلك في سنة واحدة؛ لأن فيه تعجيل تنفيذ الوصية والتعجيل في هذا أفضل من التأخير، وإن أوصى أن يحج عنه من موضع كذا، من غير بلده - يحج عنه من ثلث ماله من ذلك الموضع الذي بين قرب [من](٦) مكة أو بعد عنها؛ لأن الإحجاج لا يجوز إلا بأمره، فيتقدر بقدر أمره، وما فضل في يد الحاج عن الميت بعد النفقة في ذهابه ورجوعه، فإنه يرده على الورثة، لا يسعه أن يأخذ شيئاً مما فضل؛ لأن النفقة لا تصير ملكاً للحاج (١) في أ: أوصى. (٣) في ط: أحجوا. (٥) في أ: الموصي. (٢) في أ: وأحجوا. (٤) في أ: القدوري. (٦) سقط في أ. ٢٩٥ كِتَابُ الْحَجْ بالإحجاج، وإنما ينفق قدر ما يحتاج إليه في ذهابه وإيابه على حكم ملك الميت؛ لأنه لو ملك إنما يملك بالاستئجار، والاستئجار على الطاعات لا يجوز عندنا، فكان الفاضل ملك الورثة؛ فيجب عليه رده إليهم. ولو قاسم [الوصي](١) الورثة، وعزل قدر نفقة الحج، ودفع بقية التركة إلى الورثة، فهلك المعزول في يد الوصي، أو في يد الحاج قبل الحج - بطلت القسمة في قول أبي حنيفة، وهلك ذلك القدر من الجملة، ولا تبطل الوصية، ويحج له من ثلث المال الباقي حتى يحصل الحج، أو ينوي المال في قَوْلِ أبي حنيفة، وجعل أبو حنيفة الحج بمنزلة الموصى له الغائب، وقسمة الوصي مع الورثة على الموصى له الغائب - لا تجوز، حتى لو قاسم مع الورثة، وعزل نصيب الموصى له، ثم هلك في يده قبل أن يصل إلى الموصى له الغائب - يهلك من الجملة، ويأخذ الموصى له ثلث الباقي، كذلك الحج، وعند أبي يوسف: إن بقي من ثلث ماله شيء يحج عنه مما بقي من ثلثه من حيث يبلغ، وإن (٢) لم يبق من ثلثه شيء - بطلت الوصية. وقال محمد: قسمة الوصية جائزة، وتبطل الوصية بهلاك المعزول، سواء بقي من المعزول(٣) شيء أو لم يبق شيء، فإن لم يهلك ذلك المال، ولكن مات المجهز في بعض طريق مكة؛ فما أنفق المجاهز إلى وقت الموت نفقة مثله - فلا ضمان عليه؛ لأنه لم ينفق على الخلاف بل على الوفاق، وما بقي في يد المجهز القياس أن يضم إلى مال الموصي، فيعزل ثلث ماله، ويحج عنه من وطنه، وهو قول أبي حنيفة، وفي الاستحسان يحج بالباقي من حيث يبلغ(٤) وهو قولهما. فصل في بیان وُجُوبِ الحج بالنذر ثم الحج كما هو واجب بإيجاب الله تعالى ابتداء على من استجمع شرائط الوجوب وهو حجة الإسلام، فقد يجب بإيجاب الله تعالى، لكن بناؤه على وجود سبب الوجوب من العبد، وهو النذر؛ بأن يقول: لله علي حجة؛ لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة، قال النبي بَّر: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ))(٥) وكذا لو قال: على حجة، فهذا (١) سقط في ط. (٣) في أ: الثلث. (٢) في ط: وأنه . (٤) في ط : تبلغ. (٥) أخرجه مالك (٤٧٦/٢) كتاب النذور والأيمان - باب ما لا يجوز من النذور في معصية الله - حديث (٨) وأحمد (٤١،٣٦/٦) والبخاري (٥٨١/١١) كتاب الأيمان والنذور - باب النذر في الطاعة حديث (٦٦٩٦) وأبو داود (٥٩٣/٣) كتاب الأيمان والنذور باب ما جاء في النذر في المعصية - حديث (٣٢٨٩) والترمذي (٤١/٣): كتاب النذور والأيمان - باب ما جاء عن رسول الله - وَلّ - أن لا نذر في معصية -= ٢٩٦ كِتَابُ الْحَجُ ٢٧٣ ب وقوله: لله علي حجة/ سواء؛ لأن الحج لا يكون إلا الله تعالى، وسواء كان النذر مطلقاً، أو معلقاً بشرط؛ بأن قال: إن فعلت كذا فللَّه علي أن أحج، حتى يلزمه الوفاء به إذا وجد الشرط، ولا يخرج عنه بالكفارة في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وسنذكر إن شاء الله تعالى المسألة في کتاب النذر. ولو قال: لله عليَّ إحرام، أو قال: علي إحرام - صح، وعليه حجة أو عمرة والتعيين إليه، وكذا إذا ذكر لفظاً يدل على التزام الإحرام؛ بأن قال: لله عليَّ المشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو إلى مكة - جاز، وعليه حجة أو عمرة. ولو قال: إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام - لم يصح، ولا يلزمه شيء في قول أبي حنيفة، وعندهما: يصح ويلزمه حجة أو عمرة(١). ولو قال: إلى الصفا والمروة - لا يصح في قولهم جميعاً، ولو قال: علي الذهاب إلى بيت الله، أو الخروج، أو السفر، أو الإتيان - لا يصح في قولهم، ودلائل هذه المسائل تذكر إن شاء الله تعالى في كتاب النذر؛ فإنه كتاب مفرد، وإنما نذكر لههنا بعض ما يختص بالحج؛ فإن قال: لله علي هدي، أو [قال] (٢) علي هدي - فله الخيار إن شاء ذبح شاة، وإن شاء نحر جزوراً، وإن شاء ذبح بقرة؛ لأن اسم الهدي يقع على كل واحد من الأشياء الثلاثة، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة: ١٩٦] قيل في التفسير: إن المراد منه الشاة، وإذا كانت حديث (١٥٦٤) والنسائي (٧/ ١٧) كتاب الأيمان والنذور - باب النذر في المعصية، وابن ماجه (١/ = ٦٨٧): كتاب الكفارات - باب النذر في المعصية - حديث (٢١٢٦) وابن الجارود (ص: ٣١٢-٣١٣) - باب ما جاء في النذر، حديث (٩٣٤) والدارمي (١٨٤/٢) كتاب النذور والأيمان: باب لا نذر في معصية الله والشافعي (٧٤/١-٧٥) رقم (٢٤٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٣/٣) وفي ((مشكل الآثار)) (٤٧٠/١) والبيهقي (٢٣١/٩) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٦/٦) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٨٤/٥ - بتحقيقنا) من طرق عن طلحة بن عبد الملك الآيلي عن القاسم بن محمد عن عائشة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح وقد رواه يحيى بن أبي كثير عن القاسم بن محمد .... والطريق الذي أشار إليه الترمذي أخرجه أحمد (٢٠٨/٦) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٤/١) من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير - وعند البخاري مقرون بأيوب - عن القاسم بن محمد عن عائشة . وأخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٣/١) وأبو يعلى (٢٧٧/٨) رقم (٤٨٦٣) من طريق أبان بن يزيد ثنى يحيى بن أبي كثير أن محمد بن أبان حدثه عن القاسم بن محمد حدثه أن عائشة حدثته أن رسول الله - وَ﴾ - قال: من نذر أن يعصى الله فلا يعصه. (١) في أ: وعمرة. (٢) سقط في ط. ٢٩٧ كِتَابُ الْحَجْ الشاة ما استيسر من الهدي، فلا بد وأن يكون من الهدي ما لا يكون مستيسراً، وهو الإبل والبقر. وقد روينا عن رسول الله وَّر؛ أنه قال: لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْهَذِي قَالَ: ((أَدْنَاهُ شَاةً))(١) وإذا كانت الشاة أدنى الهدي كان أعلاه الإبل والبقر ضرورة، وقد روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ((الْهَذْيُ مِنْ ثَلاثَةٍ وَالْبَدَنَةُ مِنِ اثْنَيْنٍ)) ولأن مأخذ الاسم دليل عليه؛ لأن الهدي اسم لما يهدي، أي: ينقل ويحول(٢)، وهذا المعنى يوجد في الغنم كما يوجد في الإبل والبقر، ويجوز سبع البدنة عن الشاة؛ لما روي عن النبي ◌ِّ؛ أنه قال: ((الْبَدَنَةُ تَجْزِي عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ تَجْزِي عَنْ سَبْعَةٍ))(٣)، ولو قال: لله علي بدنة فإن شاء نحر جزوراً، وإن شاء ذبح بقرة عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز إلا الجزور. وجه قوله: إن البدنة في اللغة اسم للجمل، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ [الحج: ٣٦]، ثم فسرها بالإبل بقوله عز وجل: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، أي: قائمة مصطفة، والإبل هي التي تنحر كذلك، فأما البقر فإنها تذبح مضجعة، وروينا عن رسول الله وَلَّ؛ أنه قال: ((الْبَدَنَةُ تَجْزي عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ تَجْزىء عَنْ سَبْعَةٍ))، حتى قال جابر: نحرنا على عهد رسول الله وَهَ: ((الْبَدَنَةَ عَنِ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ)) ميز بين البدنة والبقرة، فدل أنهما غيران. ولنا: ما روينا عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ((الْهَدْيُ مِنْ ثَلاثَةٍ وَالْبَدَنَةُ مِنْ اثْنَیْنِ» وهذا نص. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلاً سأله وقال: إن رجلاً صاحباً لنا أوجب على نفسه بدنة، أفتجزية البقرة؟ فقال له ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: مِمَّ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي رَبَاحِ فَقَالَ: مَتَّى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحِ الْبَقَرَ، إِنَّمَا الْبَقَرُ لِلأَزْدِ وَإِنَّما وهم صَاحِبِكُمُ الإِبل))، ولو لم يقع اسم البدنة على البقر لم يكن لسؤاله معنى، ولما سأله فقد أوقع الاسم على الإبل والبقر، لكن أوجب على الناذر الإبل؛ لإرادته ذلك ظاهراً؛ ولأن البدنة مأخوذة من البدانة وهي الضخامة، وأنها توجد فيهما؛ ولهذا استويا في الجواز عن سبعة، ولا حجة له في الآية؛ لأن فيها جواز إطلاق اسم البدنة على الإبل، ونحن لا ننكر ذلك. وأما قوله: إنه وقع التمييز بين البدنة والبقرة في الحديث - فممنوع؛ لأن ذكر البقرة ما (١) تقدم تخريجه. (٢) في أ: ويتحول. (٣) تقدم تخريجه. ٢٩٨ كِتَابُ الْحَجْ خرج على التمييز بل على التأكيد؛ كما في قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وكما في قول القائل: جاءني أهل قرية كذا فلان وفلان على أن ظاهر العطفَ إن دَلَّ على التغاير (١) والتسوية بينهما في جواز كل واحد منهما عن سبعة - يدل عى الاتحاد في المعنى ولا حجة مع التعارض. ولو قال: لله علي جَزُورٌ، فعليه أن ينحر بعيراً؛ لأن اسم الجزور لا يقع إلا على الإبل، ويجوز إيجاب الهدي مطلقاً ومعلقاً بشرط؛ بأن يقول: إن فعلت كذا فلله علي هدي. ولو قال: هذه الشاة هدي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو إلى مكة، أو إلى الحرم، أو إلى المسجد الحرام، أو إلى الصفا والمروة - فالجواب فيه كالجواب في قوله: عليَّ المشي إلى ١٢٧٤ بيت الله تعالى، أو إلى كذا وكذا على الاتفاق والاختلاف، ولو أوجب على نفسه أن/ يهدي مالاً بعينه من الثياب وغيرها مما سوى النعم ـ جاز، وعليه أن يتصدق به أو بقيمته. والأفضل أن يتصدق على فقراء مكة، ولو (٢) تصدق بالكوفة ــ جاز، وأما في النعم من الإبل والبقر والغنم ـ فلا يجوز ذبحه إلا في الحرم، يذبح في الحرم، ويتصدق بلحمه(٣) على فقراء مكة هو الأفضل، ولو تصدق على غير فقراء مكة - جاز؛ كذا ذكر في الأصل، وإنما كان كذلك لأن معنى القرية في الثياب في عينها وهو التصدق بها، والصدقة لا تختص بمكان كسائر الصدقات، فأما معنى القربة في الهدي من النعم في الإراقة شرعاً، والإراقة لم تعرف قربة في الشرع إلا في مكان مخصوص، أو زمان مخصوص، والشرع أوجب الإراقة لههنا في الحرم بقوله تعالى: ﴿هَذْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، حتى إذا ذبح الهدي جاز له أن يتصدق بلحمه على فقراء غير أهل مكة؛ لأنه لما صار لحماً صار معنى القربة فيه في الصدقة كسائر الأموال، ولو جعل شاة هدياً أجزأه أن يهدي قيمتها في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص: لا يجوز . وجه رواية أبي سليمان اعتبار البدنة بالأمر، ثم فيما أمر الله تعالى من إخراج الزكاة من الغنم - يجوز إخراج القيمة فيه، وكذا في النذور. وجه رواية أبي حفص؛ أن القربة تعلقت بشيئين إراقة الدم، والتصدق باللحم، ولا يوجد في القيمة إلا أحدهما وهو التصدق، ويجوز ذبح الهدايا في أي موضع شاء من الحرم، ولا يختص بمنى، ومن الناس من قال: لا يجوز إلا بمنى. (١) في ط: أن ظاهر العطف إن أول على التغيير. (٢) في أ: فإن. (٣) في أ: بثمنه. ٢٩٩ كِتَابُ الْحَجْ والصحيح قولنا؛ لما روي عن النبي ◌َّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنِى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ))(١) . وعن ابن عمر(٢) - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ((الْحَرَمُ كُلُّهُ مَنْحَرٌ))، وقد ذكرنا أن المراد من قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] الحرم. وأما البدنة إذا أوجبها بالنذر؛ فإنه ينحرها(٣) حيث شاء إلا إذا نوى أن ينحر بمكة؛ [فلا يجوز نحرها إلا بمكة] (٤)؛ وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: أرى أن ينحر البدن بمكة، لقوله عز وجل ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] أي: الحرم. ولهما أنه ليس في لفظ البدنة ما يدلُّ على امتياز(٥) المكان؛ لأنه مأخوذ من البدانة وهي الضخامة، يقال: بدن الرجل، أي: ضخم، وقد قيل في بعض وجوده التأويل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ الله﴾ [الحج: ٣٢] أن تعظيمها استسمانها، ولو أوجب جَزُوراً (٦) فهو من الإبل خاصة، ويجوز أن ينحر في الحرم وغيره، ويتصدق بلحمه، ويجوز ذبح الهدايا قبل أيام النحر . والجملة فيه أن دم النذر والكفارة وهدي التطوع - يجوز قبل أيام النحر، ولا يجوز دم المتعة والقران والأضحية، ويجوز دم الإحصار في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجوز، وأدنى السن الذي يجوز في الهدايا ما يجوز في الضحايا، وهو الثني من الإبل والبقر، والمعز والجذع من الضأن إذا كان عظيماً، وبيان ما يجوز في ذلك، وما لا يجوز من بيان شرائط الجواز - موضعُه كتاب الأضحية، ولا يحل الانتفاع بظهرها وصوفها ولبنها إلا في حال الاضطرار؛ لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ مَحِلُهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، قيل، في بعض وجوه التأويل: لكم فيها منّافع من ظهورها، وألبانها، وأصوافها إلى أجل مسمى، أي: إلى أن تقلد وتهدي، ثم محلها إلى البيت العتيق، أي: ثم محلها إذا قلدت، وأهديت إلى البيت العتيق؛ لأنها ما لم تبلغ محلها فالقربة في التصدق بها، فإذا بلغت محلها؛ فحينئذٍ تتعين القربة فيها بالإرادة(٧). فإن قيل: روي أن رجلاً كان يَسُوقُ بَدَنَةً، فقال له النبي ◌َله: [((اركبها ويحك))، فقال: (١) تقدم تخريجه. (٣) في أ: يذبحها. (٥) في أ: اعتبار. (٦) في ط: جزءاً. (٧) في أ: بالإراقة. (٢) في أ: ابن عباس. (٤) سقط في أ. ٣٠٠ كِتَابُ الْحَجُ إنها بَدَنَةٌ يا رسول الله، فقال: ((اركبها ويحك))(١) قيل:](٢) وَيْحَكَ: كَلِمَةُ تَرَجُم، وَوَيْلَكَ: كَلِمَةُ تَهَددٍ، فقد أباح رسول الله وَّو ركوب الهدي، والجواب؛ أنه روي أن الرّجل كان قد أجهده السير (٣)، فرخص له النبي ◌ّ﴾، وعندنا: يجوز الانتفاع بها في مثل تلك الحالة ببدل؛ لأنه يجوز الانتفاع بملك الغير في حالة الاضطرار ببدل. وكذا في الهدايا إذا ركبها، وحمل(٤) عليها للضرورة يضم ما نقصها الحمل والركوب، وينضح ضرعها؛ لأنه إذا لم يجز له الانتفاع بلبنها فلبنها يؤذيها، فينضح بالماء حتى يتقلص ويرقى(٥) لبنها، وما حلب قبل ذلك يتصدق به إن كان قائماً، وإن كان مستهلكاً يتصدق بقيمته، لأن اللبن جزء من أجزائها، فيجب صرفه إلى القربة؛ كما لو ولدت ولداً أنها تذبح ويذبح ولدها؛ كذا هذا. ٢٧٤ب فإن عطب الهدي في الطريق قبل أن/ يبلغ محله؛ فإن كان واجباً نحره، وهو لصاحبه يصنع به ما شاء، وعليه هدي مكانه، وإن کان تطوعاً نحره، وغمس نعله بدمه، ثم ضرب صفحة سنامه، وخلى(٦) بينه وبين الناس يأكلونه، ولا يأكل هو (٧) بنفسه، ولا يطعم أحداً من الأغنياء. والفرق بين الواجب والتطوع؛ أنه إذا كان واجباً فالمقصود منه إسقاط الواجب، فإذا انصرف(٨) من تلك الجهة كان له أن يفعل به ما شاء، وعليه هدي آخر مكانه؛ لأن الأول لما لم يقع عن الواجب التحق بالعدم، فبقي الواجب في ذمته، بخلاف التطوع؛ ولأن القربة قد تعينت فيه، وليس عليه غير ذلك، وإنما قلنا: إنه ينحره ويفعل به ما ذكرنا لما ذكرنا؛ ولما روي عن رسول الله وَّ﴿ أنه بَعَثَ هَذْياً عَلَى يَدِ نَاجِيَّةَ بْنِ جُنْدُبِ الأَسْلَمِيْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إن أزحف منها أي: قامت من الإعياء، وفي رواية قال: ما أفعل بما يقوم علي؟ فقال النبي ◌َّهِ: ((انْحَرْهَا وَاضْبَغْ نَعْلَهَا(٩) بِدَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَةَ سَنَامِهَا، وَخَلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ، وَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِكَ)) (١٠) وَإِنَّمَا لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكل منها، وله أن (١) تقدم تخريجه. (٣) في أ: السفر. (٥) في أ: ويزق. (٧) في أ: منه. (٩) في أ: نعليك. (٢) سقط في: ط. (٤) في أ: أو حمل. (٦) في أ: ويخلى. (٨) في أ: انصرفت عن. (١٠) أخرجه أبو داود (٣٦٨/٢): كتاب المناسك ((الحج)): باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ. حديث (١٧٦٢)، والترمذي (٢٥٣/٣): كتاب الحج: باب ما جاء إذا عطب الهدي ما يصنع به، حديث (٩١٠)، وابن ماجه (١٠٣٧،١٠٣٦/٢): كتاب المناسك: باب في الهدي إذا عطب، حديث (٣١٠٦)، والبيهقي (٢٤٣/٥): كتاب الحج: باب الهدي الذي أهله تطوع إذا ساقه تعطب فأدرك ذكاته نحره وصنع به، وأحمد (٣٣٤/٤)، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن ناجية. وأخرجه مالك (١/ ٣٨٠). كتاب الحج: باب العمل في الهدي إذا عطب أو ضل، حديث (١٤٨)، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن صاحب هدي رسول الله - رَ*و - قال: يا رسول الله. فذكره.