Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كِتَابُ الْحَجْ
الحرم، والإِحرام مراداً بالآيتين، إلا ما خص بدليل، وقول النبي وَّرَ: ((أَلاَ إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ؛
حَرَّمَهَا الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَي، وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي،
وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارِ ثُمَّ عَادَتْ حَرَاماً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لاَ يَخْتَلى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ
شَجَرُهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا))(١) والاستدلالُ به من وجوه.
أحدها قوله: (مَكَّة حَرَامٌ)) .
والثاني قوله: ((حَرَّمَهَا الله تَعَالَى)) .
والثالث قوله: ((وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي)).
والرابع قوله: (ثُمَّ عَادَتْ حَرَاماً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).
والخامس قوله: ((لا يختلى خَلاَهَا، ولا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، ولا ينفر صيدها»، فإن قتل صيد
الحرم فعليه الجزاء، محرماً كان القاتل أو حلالاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ
مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥] وجزاؤه ما هو جزاء قاتل صيد الإحرام، وهو أن تجب عليه قيمته،
فإن بلغت هدياً له أن يشتري بها هدياً أو طعاماً إلا أنه لا يجوز الصوم، هكذا ذكر في الأصل،
وهكذا ذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)): أن حكمه حكم صيد الإحرام، إلا أنه لا
يجوز فيه الصوم.
وذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)): أن الإطعام يجزىء في صيد الحرم، ولا
يجزىء الصوم عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يجزىء؛ وبه أخذ الشافعي؛ وفي الهدي
روايتان.
وجه قول زفر: الاعتبار بصيد الإحرام؛ لأن كل واحد من الضمانين يجب حقاً لله
تعالى، ثم يجزىء الصوم في أحدهما؛ كذا في الآخر.
(١) أخرجه البخاري (٤٦، ٤٧): كتاب جزاء الصيد: باب لا يحل القتال بمكة، حديث (١٨٣٤)، ومسلم
(٩٨٦/٢، ٩٨٧): كتاب الحج: باب تحريم مكة وصيدها وحلالها وشجرها ولقطتها إلا لمنشر، على
الدوام، حديث (٤٤٥ / ١٣٥٣).
وأبو داود (٦/٢) كتاب الجهاد: باب في الهجرة هل انقطعت حديث (٢٤٨٠) والنسائي (١٤٦/٧) كتاب
الجهاد: باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة والترمذي (١٢٦/٤) كتاب السير: باب ما جاء في الهجرة
حديث (١٥٩٠) والدارمي (٢٣٩/٢) كتاب السير: باب لا هجرة بعد الفتح وعبد الرزاق (٣٠٩/٥) رقم
(٩٧١٣) وابن الجارود (١٠٣٠) وابن حبان (٤٨٤٥ - الإحسان) والبيهقي (١٩٥/٥) والطبراني في
((الكبير)) رقم (١٠٩٤٤) والبغوي في شرح السنة (٥/ ٥٢٠ - بتحقيقنا) من طريق منصور عن مجاهد عن
طاوس عن ابن عباس به.

٢٦٢
كِتَابُ الْحَجْ
ولنا: الفرق بين الصيدين والضمانين، وهو أن ضمان صيد الإحرام وجب لمعنى يرجع
إلى الفاعل؛ لأنه وجب جزاء على جنايته على الإحرام، فأما ضمان صيد الحرم؛ فإنما وجب
لمعنى يرجع إلى المحل، وهو تفويت أمن الحرم رعاية لحرمة الحرم، فكان بمنزلة ضمان سائر
الأموال، وضمان سائر الأموال لا يدخل فيه الصوم، كذا هذا.
وأما الهدي: فوجه رواية عدم الجواز ما ذكرنا أن هذا الضمان يُشبه ضمان سائر
الأموال؛ لأن وجوبه لمعنى في المحل؛ فلا (١) يجوز فيه الهدي؛ كما لا يجوز في سائر
الأموال، إلا أن تكون قيمته مذبوحاً مثل قيمة الصيد، فيجزىء عن الطعام.
وجه رواية الجواز: أن ضمان صيد الحرم له شبه بأصلين: ضمان الأموال، وضمان
الأفعال، أما شبهه بضمان الأموال، فلما ذكرنا، وأما شبهه بضمان الأفعال وهو ضمان
الإحرام؛ فلأنه يجب حقاً لله تعالى فيعمل(٢) بالشبهين، فنقول: إنه لا يدخل فيه الصوم اعتباراً
لشبه الأموال، ويدخل فيه الهدي اعتباراً لشبه الأفعال، وهو الإحرام عملاً بالشبهين بالقدر
الممكن؛ إذ لا يمكنُ القول بالعكس، ولأن الهدي مال؛ فكان بمنزلة الإطعام، والصوم ليس
بمال، ولا فيه معنى المال فافترقا، ولو قتل المحرم صيداً في الحرم - فعليه ما على المحرم إذا
قتل صيداً في الْحِلِّ، وليس عليه لأجل الحرم شيء، وهذا استحسان.
والقياس: أن يلزمه كفارتان؛ لوجود الجناية على شيئين؛ وهما الإحرام والحرم، فأشبه
القارن، إلا أنهم استحسنوا وأوجبوا كفارة الإحرام لا غير؛ لأن حرمة الإحرام أقوى من حرمة
الحرم؛ فاستتبع الأقوى الأضعف، وبيان أن حرمة الإحرام أقوى من وجوه:
أحدها: أن حرمة الإحرام ظهر أثرها في الحرم والحل جميعاً، حتى حرم على المحرم
· الصيد في الحرم والحل جميعاً، وحرمة الإحرام(٣) لا [يظهر أثرها](٤) إلا في الحرم، حتى
يباح للحلال الاصطياد؛ لصيد الحرم إذا خرج إلى الحل.
والثاني: إن الإحرام يحرم الصيد وغيره مما ذكرنا من محظورات الإحرام، والحرم لا
يحرم إلا الصيد، وما يحتاج إليه الصيد من الخلي والشجر.
والثالث: أن حرمةَ الإحرام تلازم(٥) حرمة الحرم وجوداً؛ لأن المحرم يدخلُ الحرم لا
محالة، وحرمة الحرم لا تلازم حرمة الإحرام وجوداً، فثبت أن حرمة الإحرام أقوى؛ فاستتبعت
(١) في أ: لا.
(٣) في أ: الحرم.
(٥) في أ: تلازمه.
(٢) في أ: فنعمل.
(٤) في أ: يظهرها.

٢٦٣
كِتَابُ الْحَجْ
الأدنى بخلاف القارن؛ لأن ثمة كل واحدة من الحرمتين، أعني: حرمة إحرام الحج وحرمة
إحرام العمرة - أصل.
ألا ترى أنه يحرم إحرام العمرة ما يحرمه(١) إحرام الحج؛ فكان كل واحدة منهما أصلاً
بنفسها، فلا تستتبع إحداهما صاحبتها، ولو اشترك حلالان في قتل صيد في الحرم - فعلى كل
واحد منهما نصفُ قيمته، فإن كانوا أكثر من ذلك يقسم الضمان بين عددهم؛ لأن ضمان صيد
الحرم يجب لمعنى في المحل، وهو حرمة الحرم، فلا يتعدد بتعدد الفاعل؛ كضمان سائر
الأموال، بخلاف ضمان صيد الإحرام، فإن اشترك محرم وحلال، فعلى المحرم جميع القيمة/ ٢٦٥ب
، وعلى الحلال النصف؛ لأن الواجب على المحرم ضمان الإحرام لما بينا؛ وذلك لا يتجزأ،
والواجب على الحلال ضمان المحل وأنه متجزىء، وسواء كان شريك الحلال ممن يجب عليه
الجزاء، أو لا يجب كالكافر والصبي؛ أنه يجب على الحلال بقدر ما يخصه من القيمة؛ لأن
الواجب بفعله ضمان المحل، فيستوي في حقه الشريك الذي يكون من أهل وجوب الجزاء،
ومن لا يكون من أهله.
فإن قتل حلال وقارن صيداً في الحرم - فعلى الحلال نصف الجزاء، وعلى القارن
جزاءان؛ لأن الواجب على الحلال ضمان المحل، والواجب على المحرم جزاء الجناية،
والقارن جنى على إحرامين فيلزمه جزاءان، ولو اشترك حلال، ومفرد وقارن في قتل صيد،
فعلى الحلال ثلث الجزاء، وعلى المفرد جزاء كامل، وعلى القارن جزاءان لما قلنا.
وإن صاد حلال صيداً في الحرم، فقتله في يده حلال آخر - فعلى الذي كان في يده جزاء
كامل، وعلى القاتل جزاء كامل، أما القاتل فلا شك فيه؛ لأنه أتلف صيداً في الحرم حقيقة،
وأما الصائد؛ فلأن الضمان قد وجب عليه باصطياده، وهو أخذه؛ لتفويته الأمن عليه بالأخذ،
وأنه سبب لوجوب الضمان، إلا أنه يسقط بالإرسال، وقد تعذر الإرسال بالقتل، فتقرر تفويت
الأمن؛ فصار كأنه مات في يده، وهذا بخلاف المغصوب إذا أتلفه إنسان في يد الغاصب؛ أنه
لا يجب إلا ضمان واحد يطالب المالك أيهما شاء؛ لأن ضمان الغصب ضمان المحل، وليس
فيه معنى الجزاء؛ لأنه يجب حقاً للمالك، والمحل الواحد لا يقابله إلا ضمان واحد، وضمان
صيد الحرم، وإن كان ضمان المحل، لكن فيه معنى الجزاء؛ لأنه يجب حقّاً لله تعالى؛ فجاز
أن يجب على القاتل والآخذ، وللآخذ أن يرجع على القاتل بالضَّمان.
أما على أصل أبي حنيفة فلا يشكل؛ لأنه يرجع عليه في صيد الإحرام عنده؛ فكذا في
صيد الحرم والجامع أن القاتل فوت على الآخذ ضماناً كان يقدر على إسقاطه بالإرسال، وأما
(١) في أ: يحرم.

٢٦٤
كِتَابُ الْحَجْ
على أصلهما فيحتاج إلى الفرق بين صيد الحرم والإحرام؛ لأنهما (١) قالا في صيد الإحرام: إنه
لا يرجع.
ووجه الفرق: أن الواجب في صيد الحرم ضمان يجب لمعنى يرجع إلى المحل،
وضمان المحل يحتمل الرجوع كما في الغصب، والواجب في صيد الإحرام جزاء فعله لا بدل
المحل؛ ألا ترى أنه لا يملك الصيد بالضمان، وإذا كان جزاء فعله لا يرجع به على غيره، ولو
دل حلال حلالاً على صيد الحرم، أو دل محرماً - فلا شيء على الدال في قول أصحابنا
الثلاثة، وقد أساء وأثم، وقال زفر: على الدال الجزاء، وروي عن أبي يوسف مثل قول زفر،
وعلى هذا الاختلاف الآمر والمشير، وجه قول زفر: اعتبار الحرم بالإحرام وهو (٢) اعتبار
صحيح؛ لأن كُلَّ واحد منهما سبب لحرمة الاصطياد، ثم الدلالة في الإحرام توجب الجزاء؛
كذا في الحرم.
ولنا الفرق بينهما، وهو أن ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال؛ لأنه يجب
لمعنى يرجع إلى المحل، وهو حرمة الحرم، لا لمعنى يرجع إلى القاتل، والأموال لا تضمن
بالدلالة من غير عقد، وإنما صار مسيئاً آئماً؛ لكون الدلالة، والإشارة، والأمر حراماً؛ لأنه من
باب المعاونة(٣) على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْم وَالْعُدْوَادِ﴾
[المائدة: ٢]، ولو أدخل صيداً من الحل إلى الحرم وجب إرساله، وإن ذبحه فعليه الجزاء، ولا
يجوز بيعه، وقال الشافعي: يجوز بيعه، وجه قوله: إن الصيد كان ملكه في الحل، وإدخاله في
لحرم لا يوجب زوال ملكه، فكان ملكه قائماً؛ فكان محلاً للبيع.
ولنا أنه لما حصل الصيدُ في الحرم وجب ترك التعرض له رعاية لحرمة الحرم؛ كما لو
أحرم والصيد في يده، وذكر محمد في الأصل، وقال: لا خير فيما يترخص به أهل مكة من
الحجل واليعاقيب، ولا يدخل شيء منه في الحرم حياً؛ لما ذكرنا أن الصيد إذا حصل في
الحرم وجب إظهار حرمة الحرم بترك التعرض له بالإرسال، فإن قيل: إن أهل مكة يبيعون
الحجل واليعاقيب، وهي كل ذكر وأنثى من القبج من غير نكير، ولو كان حراماً لظهر النكير
عليهم - فالجواب: أن ترك النكير عليهم ليس لكونه حلالاً؛ بل لكونه محل الاجتهاد؛ فإن
المسألة مختلفة بين عثمان وعلي - رضي الله تعالى عنهما - والإنكار لا يلزم في محل الاجتهاد
.
إذا كان الاختلافُ [فى الفروع](2
(١) في أ: لأنه.
(٣) في أ: الإعانة.
(٤) في أ: وقعاً.
(٢) في أ: وأنه .

٢٦٥
كِتَابُ الْحَجْ
وأما وجوبُ الجزاء بذبحه؛ فلأنه ذبح صيداً مستحق الإرسال، وأما فساد البيع؛ فلأن
إرساله واجب/، والبيع (١) ترك الإرسال، ولو باعه يجب عليه فسخ البيع واسترداد المبيع؛ لأنه ١٢٦٦
بيع فاسد، والبيع الفاسد مستحق الفسخ حقّاً للشرع، فإن كان لا يقدر على فسخ البيع،
واسترداد المبيع - فعليه الجزاء؛ لأنه وجب عليه إرساله، فإذا باعه، وتعذر عليه فسخ البيع
واسترداد المبيع - فكأنه أتلفه؛ فيجب عليه الضمان، وكذلك إن أرسل(٢) صقراً أو بازياً - فعليه
إرساله؛ لما ذكرنا في سائر الصيود، فإن أرسله فجعل يقتل حمام الحرم - لم يكن عليه في
ذلك شيء؛ لأن الواجب عليه الإرسال، وقد أرسل؛ فلا يلزمه شيء بعد ذلك كما لو أرسله
في الحل، ثم دخل الحرم، فجعل يقتل صيد الحرم، ولو أرسل كلباً في الحل على صيد في
الحل، فأتبعه الكلب فأخذه في الحرم؛ فقتله - فلا شيء على المرسل، ولا يؤكل الصيد.
أما عدم وجوب الجزاء؛ فلأن العبرة في وجوب الضمان بحالة (٣) الإرسال؛ إذ الإرسال
هو السبب الموجب للضمان، والإرسال وقع مباحاً لوجوده في الحل؛ فلا يتعلق به الضمان.
وأما حرمة أكل الصيد؛ فلأن فعل الكلب ذبح للصيد، وأنه حصل في الحرم؛ فلا يحل
أكله كما لو ذبحه آدمي؛ إذ فعل الكلب لا يكون أعلى من فعل الآدمي، ولو رمى صيداً في
الحل، فنفر الصيد فوقع السهم به في الحرم - فعليه الجزاء، قال محمد في الأصل؛ وهو قول
أبي حنيفة - رحمه الله - فيما أعلم، وكان القياس فيه أن لا يجب عليه الجزاء؛ كما لا يجبُ
عليه في إرسال الكلب؛ لأن كل واحد منهما مأذون فيه؛ لحصوله في الحل، والأخذ والإصابة
كل واحد منهما يُضَافُ إلى المرسل والرامي، وخاصّة على أصْلِ أبي حنيفةَ - رحمه الله تعالى -
فإنه يعتبر حال الرمي في المَسَائل، حتى قال فيمن رمى إلى مُسْلم، فارتدَّ المرمى إليه، ثم
أصابه السَّهم مثلاً: إنه تجب عليه الدية اعتباراً بحالة الرمي إلا أنهم استحسنوا فأوجبوا الجزاء
في الرمي، ولم يوجبوا في الإرسال؛ لأن الرمي هو المؤثر في الإصابة بمجرى العادة، إذا لم
يتخلل بين الرمي والإصابة فعل اختياري يقطع نسبة الأثر إليه شرعاً، فبقيت الإصابة مضافة إليه
شرعاً في الأحكام، فصار كأنه ابتدأ الرمي بعدما حصل الصيدُ في الحرم، ولههنا قد تخلل بين
الإرسال والأخذ فعل فاعل مختار وهو الكلب، فمنع إضافة الأخذ إلى المرسل، وصار كما لو
أرسل بازياً في الحرم، فأخذ حمام الحرم وقتله؛ أنه لا يضمن لما قلنا؛ كذا هذا.
ولو أرسل كلياً على ذئب في الحرم، أو نصب له شركاً، فأصاب الكلب صيداً، أو وقع
في الشرك صيد - فلا جزاء عليه؛ لأن الإرسال على الذئب، ونصب الشبكة له مباح؛ لأن قتل
(١) في أ: والتبع.
(٣) في أ: لحالة.
(٢) في ط: أدخل.

٢٦٦
كِتَابُ الْحَجْ
الذئب مباح في الحل والحرم للمحرم والحلال جميعاً؛ لكونه من المؤذيات المبتدئة بالأذى
عادة؛ فلم يكن متعدياً في التسبب فيضمن.
[ولو نصب شبكة، أو حفر حفيرة في الحرم للصيد، فأصاب صيداً - فعليه - جزاؤه؛ لأنه
غير مأذون في نصب الشبكة والحفر لصيد الحرم، فكان متعدياً في التسبب؛ فيضمن](١).
ولو نصب خيمة، فتعقل به صید، أو حفر للماء فوقع فيه صید الحرم - لا ضمان عليه؛
لأنه غير متعد في التسبب، وقالوا فيمن أخرج ظبيةً من الحرم، فأدَّى جزاءها، ثم ولدت، ثم
ماتت ومات أولادها - لا شيء عليه؛ لأنه متى أدى جزاءها ملكها، فحدثت الأولاد على ملكه.
وروى ابن سماعة عن محمد في رجل أخرج صيداً من الحرم إلى الحل؛ أن ذبحه
والانتفاع بلحمه ليس بحرام، سواء كان أدى جزاءه أو لم يؤد، غير أني أكره هذا الصنيع،
وأحب إلي أن يتنزه عن أكله، أما حل الذبح؛ فلأنه صيد حل في الحال؛ فلا يكون ذبحه
حراماً.
وأما كراهة هذا الصنيع؛ فلأن الانتفاع به يؤدي إلى استئصال صيد الحرم؛ لأن كل من
حتاج إلى شيء من ذلك - أخذه وأخرجه من الحرم، وذبحه وانتفع بلحمه، وأدى قيمته، فإن
انتفع به فلا شيء عليه؛ لأن الضَّمان سبب لملك المضمون على أصلنا، فإذا ضمن قيمته، فقد
ملكه؛ فلا يضمن بالانتفاع(٢) به، وإن باعه واستعان بثمنه في جزائه كان له ذلك؛ لأن الكراهة
في حق الأكل خاصة، وكذا إذا قطع شجر الحرم حتى ضمن قيمته - يكره له الانتفاع به؛ لأن
الانتفاع به يؤدي إلى استئصال شجر الحرم على ما بينا في الصيد، ولو اشتراه إنسان من القاطع
- لا يكره له الانتفاع به؛ لأنه تناوله بعد انقطاع النماء عنه، والله الموفق.
فصل في التعرض لنبات الحرم
وأما الذي يرجع إلى النبات فكل ما ينبت بنفسه، مما لا ينبته الناس عادة وهو رطب،
وجملة الكلام فيه أن نبات الحرم لا يخلو؛ إما أن يكون مما لا ينبته الناس عادة، وإما أن يكون
٢٦٦ب مما ينبته الناس / عادة، فإن كان مما لا ينبته الناس عادة، إذا نبت بنفسه وهو رطب - فهو محظور
القطع والقلع على المحرم والحلال جميعاً؛ نحو الحشيش الرطب، والشجر الرطب، إلا ما فيه
ضرورة وهو الإذخر؛ فإن قلعه إنسان أو قطعه - فعليه قيمته لله تعالى، سواء كان محرماً أو حلالاً
بعد أن كان مخاطباً بالشرائع، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾
[العنكبوت: ٦٧] أخبر الله تعالى أنه جعل الحرم آمناً مطلقاً؛ فيجب العمل بإطلاقه إلا ما قيد بدليل.
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: بالامتناع.

٢٦٧
كِتَابُ الْحَجُ
وقول النبي ◌َّ: ((أَلاَ إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا الله تَعَالَى .... )) إلى قوله: ((لا يختلى خَلاَهَا
وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا))، نهى عن اختلاء كل خلى، وعضد كل شجر؛ فيجري على عمومه إلا ما
خص بدليل وهو الإذخر؛ فإنه روي أن النبي ◌َّر لما ساق الحديث .... إلى قوله: ((لاَ يُخْتَلَى
خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا))، فقال العباس - رضي الله تعالى عنه -: ((إِلاَّ الإِذْخَرَ يَا رَسُولَ الله فَإِنَّهُ
مُتَاعْ لأَهْلِ مَكَّةَ لِحَيْهِمْ وَمَيْتِهِمْ، فقال النبي ◌ََّ: ((إِلاَّ الإِذْخَر))، والمعنى فيه ما أشار إليه العباس
- رضي الله تعالى عنه - وهو حاجةُ أهل مكة إلى ذلك في حياتهم ومماتهم.
فإن قيل: إن النبي وَّ نَهَى عَنِ اخْتِلاَءِ خَلَى مَكَّةَ عاماً، فكيف استثنى الإذخر باستثناء
العباس، وكان رََّ: لاَ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وقد قيل في الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: يحتمل أن النبي ◌ّ# كان في قلبه هذا الاستثناء، إلا أن العباس - رضي الله
تعالى عنه - سبقه به فأظهر النبي ◌َّرَ بِلِسَانِهِ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ.
والثاني: يحتمل أن الله تعالى أمره أن يخبر بتحريم كُلَّ خَلَى مكة إلا ما يستثنيه العباس؛
وذلك غير ممنوع، ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن النبي ◌ََّ عم القضية بتحريم كُلِّ خلي، فسأله
العباسُ الرخصة في الإذخر؛ لحاجة أهل مكة ترفيهاً بهم، فجاءه جبريلُ - عليه السلام -
بالرخصة في الإِذْخَرِ، فقال النبي ◌َّه: ((إِلاَّ الإِذْخَرِ)).
فإن قيل: من شرط صحة الاستثناء، والتحاقه بالكلام الأول أن يكون متصلاً به ذكراً
وهذا منفصل؛ لأنه ذكر بعد انقطاع الكلام الأول، وبعد سؤال العباس - رضي الله تعالى عنه -
الاستثناء بقوله: ((إِلاَّ الإِذْخَرِ))، والاستثناءُ المنفصلُ لا يصحُّ، ولا يلحق المستثنى منه،
فالجواب أن هذا ليس باستثناء حقيقة، وإن كانت صيغته صيغة الاستثناء، بل هو إما تخصيص،
والتخصيص المتراخي عن العام جائز عند مشايخنا وهو النسخ، والنسخ قبل التمكن من الفعل،
بعد التمكن من الاعتقاد - جائز عندنا، والله الموفق.
وإنما يستوي فيه المحرمُ والحلالُ؛ لأنه لا فَضْلَ في النُّصُوصِ المقتضية للأمن؛ ولأن
حرمة التعوض لأجل الحرم؛ فيستوي فيه المحرم والحلال، وإذا وجب عليه قيمته، فسبيلها
سبيل جزاء صيد الحرم؛ أنه إن شاء اشترى بها طعاماً يتصدق به على الفقراء؛ على كل فقير
نصف صاع من بر، وإن شاء اشترى بها هَذياً إن بلغت قيمته هدياً، على رواية الأصل
والطحاوي: فيذبح في الحرم، ولا يجوز فيه الصوم عندنا خِلاَفاً لزفر، على ما مر في صَيْدٍ
الحرم.
وإذا أدى قيمته يكره له الانتفاع بالمقلوع والمقطوع؛ لأنه وصل إليه بسبب خبيث، ولأن
الانتفاع به يؤدي إلى استئصال نبات الحرم؛ لأنه إذا احتاج إلى شيء من ذلك يقلع ويقطع،

٢٦٨
كِتَابُ الْحَجْ
ويؤدي قيمته على ما ذكرنا في الصيد، فإن باعه يجوز، ويتصدق بثمنه، لأنه ثمن مبيع حَصَلَ
بسبب خبيث، ولا بأس بقلع الشجر اليابس والانتفاع به، وكذا الحشيش اليابس؛ لأنه قد
مات، وخرج عن حد النمو، ولا يجوزُ رعي حشيش الحرم في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال
أبو يوسف: لا بأس بالرعي.
وجه قوله: إن الهدايا تحمل إلى الحرم، ولا يمكن حفظها من الرعي؛ فكان فيه
ضرورة، ولهما أنه لما منع من التعرض لحشيش الحرم - استوى فيه التعرض بنفسه، وبإرسال
البهيمة عليه؛ لأن فعل البهيمة مضاف إليه؛ كما في الصيد فإنه لما حرم عليه التعرض لصيده -
استوى فيه اصطياده بنفسه، وبإرسال الكلب كذا هذا، وإن كان مما ينبته الناس عادة من الزروع
والأشجار التي ينبتونها - فلا بأس بقطعه وقلعه؛ لإجماع الأمة على ذلك، فإن الناس من لدن
رسول الله ﴾ إلى يومنا هذا يزرعون في الحرم، ويحصدونه من غير نكير من أحد، وكذا ما لا
ينبته الناس عادة، إذا أنبته أحد (١)؛ مثل شجر أم غيلان، وشجر الأراك، ونحوهما - فلا بأس
بقطعه، وإذا قطعه فلا ضمان عليه لأجل الحرم؛ لأنه ملكه بالإنبات؛ فلم يكن من شجر
الحرم، فصار كالذي ينبته الناس عادة. شجرة أصلها في الحرم، وأغصانها في الحل - فهي من
شجر الحرم، وإن كان أصلها في الحل، وأغصانها في الحرم - فهي من شجر الحل؛ ينظر في
٢٦٧أ ذلك إلى الأصل لا/ إلى الأغصان؛ لأن الأغصان تابعة للأصل؛ فيعتبر فيه موضع الأصل لا
التابع .
وإن كان بعض أصلها في الحرم، والبعض في الحل - فهي من شجر الحرم؛ لأنه اجتمع
فيه الحظر والإباحة، فيرجح الحاظر احتياطاً، وهذا بخلاف الصيد، فإن المعتبر فيه موضع
قوائم الطير إذا كان مستقرّاً به، فإن كان الطير على غصن هو في الحرم - لا يجوز له أن يرميه،
وإن كان أصل الشجر في الحل، وإن كان على غصن هو في الحل - فلا بأس له أن يرميه، وإن
كان أصلُ الشجر في الحرم - ينظر إلى مكان قوائم الصيد لا إلى أصل الشجر؛ لأن قوام الصيد
بقوائمه حتى لو رمى صيداً قوائمه في الحرم، ورأسه في الحِلُ - فهو من صيد الحرم، لا يجوز
لِلحرم والحلال أن يقتله.
ولو رمى صيداً قوائمه في الحل، ورأسه في الحرم - فهو من صيد الحل، ولا بأس
للحلال أن يقتله، وكذا إذا كان بعض قوائمه في الحرم، وبعضها في الحل - فهو صيد الحرم
ترجيحاً لجانب الحرمة - احتياطاً، هذا إذا كان قائماً، فأما إذا نام فجعل(٢) قوائمه في الحل
ورأسه في الحرم - فهو من صيد الحرم؛ لأن القوائم إنما تعتبر إذا كان مستقرّاً بها وهو غير
(١) في أ: واحد.
(٢) في أ: فحصل.

٢٦٩
كِتَابُ الْحَجِّ
مستقر بقوائمه، بل هو كالملقى على الأرض، وإذا بطل اعتبار القوائم، فاجتمع فيه الحاظر
والمبيح - فيترجَّح جانب الحاظر احتياطاً، ولا بأس بأخذ كمأة الحرم؛ لأن الكمأة ليست من
جنس النبات، بل هي من ودائع الأرض.
وقد قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا بأس بإخراج حجارة الحرم وترابه إلى الحل؛ لأن
الناس يخرجون القدور من مكة من لدن رسول الله و 388 إلى يومنا هذا من غير نكير؛ ولأنه
يجوز استهلاكه باستعماله في الحرم؛ فيجوز إخراجه إلى الحل.
وعن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - كَرَاهَةُ ذَلِكَ، بقوله عز وجل: ﴿أَوَ
لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]، جعل الله تعالى نفس الحرم آمناً؛ ولأن الحرم لما
أفاد الأمن لغيره، فلأن يفيد لنفسه أولى، ثم إنما يجب على المحرم اجتناب محظورات
الإحرام والحرم، وتثبت(١) أحكامها إذا فعل، إذا كان مخاطباً بالشرائع. فأما إذا لم يكن
مخاطباً كالصبي العاقل لا يجب ولا يثبت، حتى لو فعل شيئاً من محظورات الإحرام والحرم -
فلا شيء عليه ولا على وليه؛ لأن الحرمة بسبب الإحرام والحرم يثبت حقاً لله تعالى، والصبي
غير مؤاخذ بحقوق الله تعالى، ولكن ينبغي للولي أن يجنبه ما يجتنبه(٢) المحرم تأدباً وتعوداً؛
كما يأمره بالصلاة .
وأما العبد إذا أحرم بإذن مولاه؛ فإنه يجب عليه الاجتناب؛ لأنه من أهل الخطاب، فإن
فعل شيئاً من المحظورات؛ فإن كان مما يجوز فيه الصوم يصوم (٣)، وإن كان مما لا يجوز فيه
إلا الفدية(٤) أو الإطعام - لا يجب عليه ذلك في الحال، وإنما يجب بعد العتق، ولو فعل في
حال الرق لا يجوز؛ لأنه لا ملك له، وكذا لو فعل عنه مولاه أو غيره؛ لأنه ليس من أهل
الملك؛ فلا يملك وإن مُلِّكَ.
وإذا فرغنا من فصول الإحرام، وما يتصل به - فلنرجع إلى ما كنا فيه، وهو بيان شرائط
الأركان، وقد ذكرنا جملة منها، فمنها: الإسلام، ومنها: العقل، ومنها: النية، ومنها: الإحرام
وقد ذكرناه بجميع فصوله وعلائقه وما اتصل به. "
ومنها: الوقت، فلا يجوز الوقوف بعرفة قبل يوم عرفة، ولا طواف الزيارة قبل يوم
النحر، ولا أداء شيء من أفعال الحج قبل وقته؛ لأن الحج عبادة مؤقتة.
وقال الله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والعبادات المؤقتة لا يجوز أداؤها
(١) في أ: يثبت.
(٣) في أ: يلزمه ذلك.
(٢) في أ: يجتنب.
(٤) في أ: الدم.

٢٧٠
كِتَابُ الْحَجْ
قبل أوقاتها كالصلاة والصوم، وكذا إذا فات الوقوف بعرفة عن وقته الذي ذكرناه فيما تقدم - لا
يجوز الوقوف في يوم آخر (١)، ويفوت الحج في تلك السنة إلا لضرورة الاشتباه استحساناً، بأن
اشتبه عليهم هلال ذي الحجة فوقفوا، ثم تبين أنهم وقفوا يوم النحر على ما ذكرنا فيما تقدم.
وأما طواف الزيارة إذا فات عن أيام النحر؛ فإنه يجوز في غيرها، لكن يلزمه الدم في
قول أبي حنيفة بالتأخير على ما مر، وأشهرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛
كذا روي عن جماعة من الصَّحَابَةِ - رضي الله تعالى عنهم - منهم: عبد الله بن عباس،
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير - رضي الله تعالى عنهم - وكذا روي عن جماعةٍ من
التَّابعين؛ مثل الشعبي، ومجاهد، وابراهيم - رحمهم الله - وينبني أيضاً على معرفة أشهر الحج
الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وقد ذكرنا الاختلاف فيه فيما تقدم، ومنها إذا أمن عليه بنفسه
حال قدرته على الأداء بنفسه - فلا يجوز استنابة غيره مع قدرته على الحجّ بنفسه .
وجملة الكلام فيه أن العبادات في الشّرع، أنواع ثلاثة: مالية محضة؛ كالزكاة،
والصدقات، والكفارات/، والعشور، وبدنية محضة، كالصلاة، والصوم، والجهاد، ومشتملة
على البدن والمال؛ كالحج.
٢٦٧ب
فالمالية المحضة تجوزُ فيها النيابةُ على الإطلاق، وسواء كان من عليه قادراً على الأداء
بنفسه أو لا؛ لأن الواجب فيها إخراج المال، وأنه يحصل بفعل النائب، والبدنية المحضة لا
تجوز فيها النيابة على الإطلاق؛ لقوله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]،
إلا ما خص بدليل .
وقول النبي ◌َِّ: ((لاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلاَ يُصَلِّي أَحَدْ عَنْ أَحَدٍ))(٢) أي: في حق
الخروج عن العهدة لا في حق الثواب، فإن من صام أو صلى أو تصدق، وجعل ثوابه لغيره
من الأموات(٣) أو الأحياء - جاز ويصل ثوابها إِليهم عند أهل السنة والجماعة، وقد صَحَّ عن
رسول الله وَّ؛ أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ، وَالآخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ أَمَنَ(٤)
(١) في أ: في آخر يوم.
(٢) أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٧٥/٢): كتاب الصيام: باب صوم الحي عن الميت، حديث
(٢٩١٨)، وذكره الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) (٣٩٩/٢)، وعزاه للنسائي في ((الكبرى))، وقال:
وروى عبد الرزاق مثله عن ابن عمر من قوله، وذكره الزيلعي في ((نصب الراية» (٤٦٣/٢): كتاب
الصوم، الحديث التاسع عشر، وعزاه للنسائي في ((الكبرى))، من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -
فذكره بهذا اللفظ، وذكر حديث ابن عمر، وقال: رواه عبد الرزاق في مصنفه - في كتاب ((الوصايا))، وفيه
زيادة في آخره: ((ولكن إن كنت فاعلاً، تصدقت عنه، أو أهديت)) - انتهى.
(٣) في أ: والاحياء.
(٤) في أ: أقر.

٢٧١
كِتَابُ الْحَجْ
بِوَ حْدَانِيَةِ الله تَعَالَى وَبِرِسَالَتِهِ وَُّ(١).
وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ - رضِي الله تعالى عنه - سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَلِّ فَقَالَ: ((يَا
رَسُولَ اللهَ، إِنَّ أُمِّي كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: (تَصَدَّقْ))(٢) وعليه
عملُ المسلمين من لدن رسولِ الله وَ# إلى يومنا هذا من زيارة القبور، وقراءة القرآن عليها،
والتكفين، والصدقات، والصوم، والصلاة، وجعل ثوابها للأموات، ولا امتناع في العقل
أيضاً؛ لأن إعطاء الثواب من الله تعالى أفضال منه لا استحقاق عليه، فله أن يتفضل على مَنْ
عمل لأجله بجعل الثواب له؛ كما له أن يتفضَّل بإعطاء الثواب من غير عمل رأساً.
وأما المشتملةُ على البدن والمال وهي الحج، فلا يجوزُ فيها النيابة عند القدرة، ويجوز
عند العجز، والكلامُ فيه يقع في مواضع، في [بيان](٣) جواز النيابة في الحج في الجملة، وفي
بيان كيفية النيابة فيه، وفي بيان شرائط جواز النيابة، وفي بيان ما يصير النائبُ به مخالفاً، وبيان
حكمه إذا خالف.
أما الأول: فالدليلُ على الجواز حديث الخثعمية، وهو ما روي أن امْرَأَةً جَاءَتْ مِنْ بَنِي
خَتْعَمَ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِّهِ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَذْرَكَتْ أَبِيٍ، وَأَنَّهُ(٤) شَيْخْ كَبِيرٌ
لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وفي رواية: ((لاَ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَيَجْزِينِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ))، فقال
النبي ◌َّرَ: ((حُجْي عَنْ أَبِيكِ وَاعْتَمِرِي))، وفي رواية قال لها: ((أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٧/٣ - فتح الباري): كتاب الجنائز: باب موت الفجأة البغتة، حديث (١٣٨٨)،
ومسلم (٩٧/٤ - نووي): كتاب الزكاة: باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، حديث (٥١٪
١٠٠٤)، وأبو داود (١١٨/٣): كتاب الفرائض: باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه،
حديث (٢٨٨١)، والنسائي (٢٥٠/٦): كتاب الوصايا: باب إذا مات الفجأة هل يستحب لأهله أن
يتصدقوا عنه، حديث (٣٦٥١)، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رجلاً قال لرسول الله -
وَ﴾ -: ((إن أمي افتلقت نفسها، وإنها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ فقال رسول الله - وَّل ـ: نعم،
فتصدق عنها)) .
وأخرجه أبو داود، حديث (٢٨٨٢)، والترمذي، حديث (٩٦٩)، والنسائي، حديث (٣٦٥٦)، من طريق
عكرمة عن ابن عباس بنحوه.
وأخرجه أحمد (٢٤٨/٥)، والنسائي (٢٥٥/٦)، حديث (٣٦٦٦)، من طريق الحسن عن سعد بن عبادة
بنحوه.
وذكر الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٤١/٣): كتاب الزكاة: باب الصدقة على الميت، عن سهل به
عبادة، وأنس، وعبد الله بن عمرو وغيرهم نحو هذا الحديث.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: هو.

٢٧٢
كِتَابُ الْحَجْ
فَقَضَيْتِيهِ أَمَا كَانَ يُقْبَلُ مِنْكِ))، قَالَتْ: نَعَمْ، فقال النبي ◌َّرَ: ((فَدَيْنُ الله تَعَالَى أَحَقُّ))، ولأنه
عبادة تؤدي بالبدن والمال؛ فيجب اعتبارهما، ولا يمكن اعتبارهما في حالة واحدة؛ لتناف بين
أحكامهما، فنعتبرهما في حالين، فنقول: لا تجوز النيابة فيه عند القدرة اعتباراً للبدن، وتجوزُ
عند العجز اعتباراً للمال؛ عملاً بالمعنيين في الحالين.
وأما كيفيةُ النيابة فيه، فذكر في الأصل: أن الحج يقع عن المحجوج عنه، وروي عن
محمد: أن نفس الحج يقع عن الحاجٌ، وإنما للمحجوج عنه ثواب النفقة. وجه رواية محمد :
أنه عبادة بدنيةٌ وماليةٌ، والبدن للحاجٌّ، والمال للمحجوج عنه، فما كان من البدن لصاحب
البدن، وما كان بِسَبَبِ المال يكونُ لصاحب المال، والدليل عليه أنه لو ارتكب شيئاً من
محظورات الإحرام - فكفارته في ماله في مال المحجوج عنه، وكذا لو أفسد الحج يجب عليه
القضاء، فدل أن نفس الحج يقع له، إلا أن الشرع أقام ثواب نفقة الحج في حق العاجز عن
الحج بنفسه مقام الحج بنفسه؛ نظراً له ومرحمة عليه.
وجه رواية الأصل: ما روينا من حديث الخثعمية؛ حيث قال لها النبي وَّ: ((حُجِّي عَنْ
أَبِيكِ)). أمرها بالحج عن أبيها، ولولا أن حجها يقع عن أبيها لما أمرها بالحج عنه؛ ولأن
النبي ◌َّ﴿ قَاسَ دَيْنَ الله تعالى بِدَيْنِ العباد بقوله: ((أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْرٌ))، وذلك
يجزىء فيه النيابة، ويقوم فعل النائب مقام فعل المنوب عنه؛ كذا هذا.
والدليل عليه أن الحاج يحتاجُ إلى نية المحجوج عنه؛ كذا الإحرام، ولو لم يقع نفس
الحج عنه لكان لا يحتاج إلى نيته والله أعلم.
وأما شرائط جواز النيابة؛ فمنها: أن يكون المحجوج عنه عاجزاً عن أداء الحج بنفسه وله
مال، فإن كان قادراً على الأداء بنفسه؛ بأن كان صحيح البدن، وله مال - لا يجوز حج غيره
عنه؛ لأنه إذا كان قادراً على الأداء ببدنه، وله مال - فالفرض يتعلق ببدنه لا بماله، بل المال
يكون شرطاً، وإذا تعلق الفرض ببدنه لا تجزىء فيه النيابة؛ كالعبادات البدنية المحضة؛ وكذا
لو كان فقيراً صحيحَ البدن لا يجوز حج غيره عنه؛ لأن المال من شرائط الوجوب، فإذا لم
يكن له مال لا يجب عليه أصلاً، فلا ينوب عنه غيره في أداء الواجب ولا واجب.
١٢٦٨
ومنها: العجز المستدام من وقت/ الإحجاج إلى وقت الموت، فإن زال قبل الموت لم
يجز حَجُّ غيره عنه؛ لأن جواز حَجِّ الغير عن الغير ثبت بخلاف القياس؛ لضرورة العجز الذي
لا يُرجى زواله فيتقيد الجوازُ به، وعلى هَذَا يخرجُ المريض أو المحبوس إذا أحج عنه؛ أن
جوازه موقوف إن مات وهو مريض أو محبوس - جاز، وإن زال المرض أو الحبس قبل الموت
- لم يجز، والإحجاج من الزمن والأعمى على أصل أبي حنيفة - جائز؛ لأن الزمانة والعمى لا
يرجى زوالهما عادة، فوجد الشرط وهو العجز المستدام إلى وقت الموت.

٢٧٣
كِتَابُ الْحَجْ
ومنها الأمر بالحج: فلا يجوز حجُّ الغير عنه بغير أمره؛ لأن جوازه بطريق النيابة عنه،
والنيابة لا تثبت إلا بالأمر، إلا الوارث يحج عن مورثه بغير أمره؛ فإنه يجوزُ - إن شاء الله تعالى
- بالنص، ولوجود الأمر هناك دلالة على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
ومنها: نية المحجوج عنه عند الإحرام؛ لأن النائب يحجُّ عنه لا عن نفسه؛ فلا بد من نيته.
والأفضل أن يقول بلسانه: لبيك عن فلان؛ كما إذا حج عن نفسه، ومنها: أن يكون حج المأمور
بمال المحجوج عنه، فإن تطوع الحاج عنه بمال نفسه - لم يجز عنه حتى يحج بماله، وكذا إذا
كان أوصى أن يحج عنه بماله ومات، فتطوع عنه وارثه بمال نفسه؛ لأن الفرض تعلق بماله، فإذا
لم يحج بماله لم يسقط عنه الفرض؛ ولأن من مذهب محمد - رحمه الله - أن نفس الحج يقع
للحاج(١)، وإنما للمحجوج عنه ثواب النفقة، فإذا لم ينفق من ماله فلا شيء له رأساً.
ومنها: الحج راكباً، حتى لو أمره بالحج فحج ماشياً يضمن النفقة، ويحج عنه راكباً؛
لأن المفروض عليه هو الحج راكباً، فينصرف (٢) مطلق الأمر بالحج إليه، فإذا حج ماشياً فقد
خالف فيضمن، وسواء كان الحاج قد حَجَّ عن نفسه، أو كان ضرورة أنه يجوز في الحالين
جميعاً، إلا أن الأفضل أن يكون قد حج عن نفسه.
وقال الشافعي: لا يجوزُ حج الصرورة عن غيره، ويقع حجه عن نفسه ويضمن النفقة.
واحتجٍ بِما رُويٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ سَمِعَ رَجُلاً يُلَبِي عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ لَهُ وَ: ((وَمَنْ شُبْرُمَةُ؟))
فَقَالَ: أَخْ لِي، أَوْ صَدِيقٌ لِي، فَقَالَ النّبِي وَرَ: ((أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟)) فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ وَّ:
((حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةً))(٣)، فالاستدلال به من وجهین.
(١) في أ: عن الحاج.
(٢) في أ: فيصرف.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٣/٢): كتاب المناسك (الحج): باب الرجل يحج مع غيره، حديث (١٨١١)، وابن
ماجه (٩٦٩/٢): كتاب المناسك: باب الحج عن الميت، حديث (٢٩٠٣)، وابن الجارود (ص:
١٧٨): باب المناسك، حديث (٤٩٩)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٢٣/٣)، والدارقطني (٢/
٢٦٧): كتاب الحج: باب المواقيت، حديث (١٤٢)، والبيهقي (٣٣٦/٤): كتاب الحج: باب من ليس
له أن يحج عن غيره.
وأبو يعلى (٣٢٩/٤) رقم (٢٤٤٠) وابن خزيمة (٤ /٣٤٥) رقم (٣٠٣٩) وابن حبان (٩٦٢ - موارد)
والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٤٢-٤٣) من طريق عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس به .
وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
وقال البيهقي: إسناده صحيح وليس في هذا الباب أصح منه قال ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير))
(٣٤٥/١): إسناده على شرط مسلم وقد أعله الطحاوي بالوقف والدارقطني بالإرسال وابن المغلس
الظاهري بالتدليس وابن الجوزي بالضعف وغيرهم بالاضطراب والانقطاع وقد زال ذلك كله بما أوضحناه
في الأصل.
بدائع الصنائع ج٣ - ١٨٢

٢٧٤
كِتَابُ الْحَجْ
أحدهما: أنه سأله عن حجه عن نفسه، ولولا أن الحكم يختلف لم يكن لسؤاله معنى.
والثاني(١): أنه أمره بالحج عن نفسه أو لا، ثم عن شبرمة، فدل أنه لا يجوز الحج عن
غيره قبل أن يحج عن نفسه، ولأن حجه عن نفسه فرض عليه، وحجه عن غيره ليس بفرض؛
فلا يجوز ترك الفرض بما ليس بفرض.
ولنا: حديث الخثعمية أَنَّ النبيَّ وَّرَ قال لها: ((حُجِّ عَنْ أَبِيكِ)) ولم يستفسر أنها كانت
حجت عن نفسها أو كانت صَرُورَةً. ولو كان الحكم يختلف لاستفسر، ولأن الأداء عن نفسه
لم يجب في وقت معين، فالوقت كما يصلح لحجه عن نفسه يصلحُ لحجه عن غيره، فإذا عينه
لحجه عن غيره وقع عنه؛ ولهذا قال أصحابنا: إن الصرورة إذا حج بنية النفل أنه يقع عن
النفل؛ لأن الوقت لم يتعين للفرض، بل يقبل الفرض والنفل، فإذا عينه للنفل تعين له، إلا أن
عند إطلاق النية يقع عن الفرض؛ لوجود نية الفرض بدلالة حاله؛ إذ الظاهر أنه لا يقصد
النفل، وعليه الفرض - فانصرف المطلق إلى المقيد بدلالة حاله، لكن الدلالة إنما تُعتبر عند
عدم النصِّ بخلافها، فإذا نوى التطوع فقد وجد النص بخلافها؛ فلا تعتبر الدلالة، إلا أن
الأفضل أن يكون قد حَجَّ عن نفسه؛ لأنه بالحج عن غيره يصير تاركاً إسقاط الفرض عن نفسه،
فيتمكن في هذا الإحجاج ضرب كراهة؛ ولأنه إذا كان حج مرة كان أعرف بالمناسك، وكذا هو
أبعد عن محل الخلاف؛ فكان أفضل. والحديث محمول على الأفضلية توفيقاً بين الدلائل،
وسواء كان رجلاً أو امرأة، إلا أنه يكره إحجاج المرأة لكنه يجوز.
أما الجواز؛ فلحديث الخثعمية، وأما الكراهة؛ فلأنه يدخل في حجها ضرب نقصان؛
لأن المرأة لا تستوفي سنن الحج؛ فإنها لا ترمل في الطواف، وفي السعي بين الصفا والمروة،
ولا تحلق، وسواء كان حرّاً أو عبداً بإذن المولى، لكنه يكره حجاج العبد.
أما الجواز؛ فلأنه يعمل بالنيابة، وما تجوز فيه النيابة يستوي فيه الحر والعبد؛ كالزكاة
ونحوها .
وأما الكراهة؛ فلأنه ليس من أهل أداء الفرض عن نفسه؛ فيكره أداؤه عن غيره والله
الموفق .
وأما بيان ما يصير به المأمور بالحج مخالفاً، وبيان حكمه إذا خالف فنقول: إذا أمر (٢) بحجة
مفردة أو بعمرة مفردة فقرن - فهو مخالف ضامن في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد:
٢٦٨ ب يجزي/ ذلك عن الآمر نستحسن، وندع القياس فيه، ولا يضمن فيه دم القران على الحاج.
(١) في أ: ولنا.
(٢) في أ: أخرج.

٢٧٥
كِتَابُ الْحَجْ
وجه قولهما: إنه فعل المأمور به وزاد خيراً؛ فكان مأذوناً في الزيادة دلالة، فلم يكن
مخالفاً؛ كمن قال لرجل: اشتر لي هذا العبد بألف درهم، فاشتراه بخمسمائة، أو قال: بع هذا
العبد بألف درهم فباعه بألف وخمسمائة - يجوز، وينفذ على الآمر لما قلنا؛ كذا هذا، وعليه
دم القران؛ لأن الحاج إذا قرن بإذن المحجوج عنه - كان الدم على الحاج لما نذكر.
ولأبي حنيفة: أنه لم يأت بالمأمور(١) به؛ لأنه أمر بسفر يصرفه إلى الحج لا غير ولم
يأت به، فقد خالف أمر الآمر فضمن.
ولو أمره أن يحج عنه فاعتمر ضمن؛ لأنه خالف، ولو اعتمر، ثم حج من مكة - يضمن
النفقة في قولهم جميعاً؛ لأمره(٢) له بالحج بسفر، وقد أتى بالحج من غير سفر؛ لأنه صرف
سفره الأول إلى العمرة؛ فكان مخالفاً فيضمن النفقة. ولو أمره بالحج عنه، فجمع بين إحرام
الحج والعمرة، فأحرم بالحج عنه، وأحرم بالعمرة عن نفسه، فحج عنه، واعتمر عن نفسه -
صار مخالفاً في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: أنه يقسم النفقة على الحج
والعمرة، ويطرح عن الحج ما أصاب العمرة، ويجوز ما أصاب الحج.
وجه رواية أبي يوسف: أن المأمور فعل ما أمر به، وهو الحج عن الآمر، وزاده إحساناً
حيث أسقط عنه بعض النفقة .
وجه ظاهر الرواية: أنه أمره بصرف كل السفر إلى الحج، ولم يأت به؛ لأنه أدى بالسفر
حجّاً عن الآمر، وعمرة عن نفسه؛ فكان مخالفاً، وبه تبين أنه فعل ما أمر به.
وقوله: إنه أحسن إليه؛ حيث أسقط عنه بعض النفقة - غير سديد؛ لأن غرض الآمر في
الحج عن الغير هو ثواب النفقة، فإسقاطه لا يكون إحساناً، بل يكون إساءة. ولو أمره أن
يعتمر، فأحرم بالعمرة واعتمر، ثم أحرم بالحج بعد ذلك، وحج عن نفسه - لم يكن مخالفاً؛
لأنه فعل ما أمر به، وهو أداء العمرة بالسفر، وإنما فعل بعد ذلك الحج، فاشتغاله به كاشتغاله
بعمل آخر من التجارة وغيرها، إلا أن النفقة مقدار مقامه للحج من ماله لأنه عمل لنفسه.
وروى ابن سماعة عن محمد - رحمه الله - في الرقيات: إذا حج عن الميت، وطاف
لحجه وسعى، ثم أضاف إليه عمرة عن نفسه - لم يكن مخالفاً؛ لأن هذه العمرة واجبة
الرفض؛ لوقوعها على مخالفة السنة على ما ذكرنا في فَضلِ القران؛ فكان وجودها والعدم
بمنزلة واحدة.
(١) في أ: بما أمر.
(٢) في أ: لأنه أمره.

٢٧٦
كِتَابُ الْحَجْ
ولو كان جمع بينهما ثم أحرم بهما(١)، ثم لم يطف حتى وقف بعرفة، ورفض العمرة -
لم ينفعه ذلك، وهو مع ذلك مخالف؛ لأنه لما أحرم بهما جميعاً، فقد صار مخالفاً في ظاهر
الرواية على ما ذكرنا، فوقعت الحجة عن نفسه، فلا يحتمل التغير بعد ذلك برفض العمرة.
ولو أمره رجل أن يحج عنه حجة، وأمره رجل آخر أن يحج عنه؛ فأحرم بحجة؛ فهذا لا
يخلو عن أحد وجهين: إما أن أحرم بحجة عنهما جميعاً، وإما أن أحرم بحجة عن أحدهما؛
فإن أحرم بحجة عنهما جميعاً - فهو مخالف، ويقع الحج عنه، ويضمن النفقة لهما إن كان أنفق
من مالهما؛ لأن كل واحد منهما أمره بحج تام ولم يفعل؛ فصار مخالفاً لأمرهما، فلم يقع
حجه عنهما فيضمن لهما؛ لأن كل واحد منهما لم يرض بإنفاق ماله؛ فيضمن، وإنما وقع
الحج عن الحاج؛ لأن الأصل أن يقع كُلُّ فعل عن فاعله، وإنما يقع لغيره بجعله، فإذا خالف
لم يصر لغيره؛ فبقي فعله له.
ولو أراد أن يجعله لأحدهما لم يملك(٢) ذلك، بخلاف الابن إذا أحرم بحجة عن أبويه
أنه يجزئه أن يجعله عن أحدهما؛ لأن الابن غير مأمور بالحج عن الأبوين؛ فلا تتحقق مخالفة
الآمر، وإنما جعل ثواب الحج الواقع عن نفسه في الحقيقة لأبويه، وكان من عزمه أن يجعل
ثواب حجة لهما، ثم نقض عزمه وجعله لأحدهما، ولههنا بخلافه؛ لأن الحاج متصرف بحكم
الآمر، وقد خالف أمرهما فلا يقع حجه لهما ولا لأحدهما.
وإن أحرم بحجة عن أحدهما، فإن أحرم لأحدهما عيناً - وقع الحج عن الذي عينه،
ويضمن النفقة للآخر؛ وهذا ظاهر.
وإن أحرم بحجة عن أحدهما غير عين - فله أن يجعلها عن أحدهما أيهما شاء، ما لم
يتصل بها الأداء في قول أبي حنيفة ومحمد استحساناً، والقياس ألا يجوز له ذلك، ويقع الحج
عن نفسه، ويضمن النفقة لهما.
وجه القياس أنه خالف الأمر؛ لأنه لما أمر بالحج لمعين وقد حج لمبهم، والمبهم غير
المعين، فصار مخالفاً، ويضمن النفقة، ويقع الحج عن نفسه لما ذكرنا، بخلاف ما إذا أحرم
الابن بالحج عن أحد أبويه؛ أنه يصح، وإن لم يكن معيناً لما ذكرنا أن الابن في حجه لأبويه
ليس متصرفاً بحكم الآمر حتى يصير مخالفاً للأمر، بل هو يحج عن نفسه، ثم يجعل ثواب
حجه لأحدهما؛ وذلك جائز ولههنا بخلافه. وجه الاستحسان أنه قد صح من أصل أصحابنا أن
٢٦٩أ الإحرام/ ليس من الأداء، بل هو شرط جواز أداء أفعال الحج، فيقتضي تصور الأداء، والأداء
(١) في أ: أي أحرم بهما.
(٢) في أ: يجعلها عن أحدهما لا يملك.

٢٧٧
كِتَابُ الْحَجْ
متصور بواسطة التعيين، فإذا جعله عن أحدهما قبل أن يتصل به شيء من أفعال الحج - تعين له
فيقع عنه، فإن لم يجعلها عن أحدهما حتى طاف شوطاً، ثم أراد أن يجعلها عن أحدهما لم
تجز عن واحد منهما؛ لأنه إذا اتصل به الأداء تعذر تعيين القدر المؤدي؛ لأن المؤدي قد مضى
وانقضى؛ فلا يتصور تعيينه، فيقع عن نفسه وصار إحرامه واقعاً له؛ الاتصال الأداء به.
وإن أمره أحدهما بحجة، وأمره الآخر بعمرة؛ فإن أذنا له بالجمع - وهو القران - فجمع -
جاز؛ لأنه أمر بسفر ينصرف بعضها إلى الحج وبعضه إلى العمرة وقد فعل ذلك فلم يصر
مخالفاً، وإن لم يأذنا له بالجمع فجمع، ذكر الكرخي: أنه يجوز، وذكر القدوري في شرحه
((مختصر الكرخي)) أنه لا يجوز على قول أبي حنيفة؛ لأنه خالف؛ لأنه أمر بسفر ينصرف(١) كله
إلى الحج، وقد صرفه إلى الحج والعمرة فصار مخالفاً، وإنما يصح هذا على ما روي عن أبي
یوسف؛ أن مَنْ حج عن غيره، واعتمر عن نفسه - جاز.
ولو أمره أن يحج عنه فحج عنه ماشياً - يضمن؛ لأنه خالف؛ لأن الأمر بالحج ينصرف
إلى الحج المتعارف في الشرع، وهو الحج راكباً؛ لأن الله تعالى أمر بذلك، فعند الإطلاق
ينصرف إليه، فإذا حج ماشياً فقد خالف فيضمن لما قلنا، ولأن الذي يحصل للآمر من الأمر
بالحج هو ثوابُ النفقة. والنفقة في الركوب أكثر؛ فكان الثواب فيه أوفر؛ ولهذا قال محمد:
إن حج على حمار كرهت له ذلك، والجمل أفضل؛ لأن النفقة في ركوب الجمل أكثر؛ فكان
حصول المقصود فيه أكمل؛ فكان أولى.
وإذا فَعل المأمور بالحج ما يوجب الدم أو غيره - فهو عليه، ولو قرن عن الآمر بأمره قدم
القران عليه، والحاصل: أن جميع الدماء المتعلقة بالإحرام في مال الحاج إلا دم الإحصار
خاصة؛ فإنه في مال المحجوج عنه؛ كذا ذكر(٢) القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) دم
الإحصار، ولم يذكر الاختلاف. وكذا ذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))، ولم يذكر
الخلاف. وذكر في بعض نسخ ((الجامع الصغير))؛ أنه على الحاج عند أبي يوسف.
أما ما يجب بالجناية؛ فلأنه هو الذي جنى فكان عليه الجزاء؛ ولأنه أمر بحج خال عن
الجناية، فإذا جنى فقد خالف ـ فعليه ضمان الخلاف. وأما دم القران؛ فلأنه دم نسك؛ لأنه
يجب شكراً، وسائر أفعال النسك على الحاج، فكذا هذا النسك، وأما دم الإحصار؛ فلأن
المحجوج عنه هو الذي أدخله في هذه العهدة؛ فكان من جنس النفقة والمؤنة، وذلك عليه،
كذا هذا، فإن جامع الحاج عن غيره قبل الوقوف بعرفة - فسد حجه ويمضي(٣) فيه، والنفقة في
ماله، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك، وعليه القضاء من مال نفسه.
(١) في أ: يصرف.
(٣) في أ: مضى.
(٢) في أ: روى.

٢٧٨
كِتَابُ الحُجُ
أما فساد الحج؛ فلأن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسدٌ للحج؛ لما نذكر إن شاء الله
تعالى في موضعه.
والحجة الفاسدة يجب المضيُّ فيها، ويضمن ما أنفق [من مال المحجوج عنه قبل ذلك،
وعليه القضاء من مال نفسه، ويضمن ما أنفق من مال](١) الآمر قبل ذلك؛ لأنه خالف؛ لأنه
أمره بحجة صحيحة، وهي الخالية عن الجماع، ولم يفعل ذلك - فصار مخالفاً فيضمن ما
أنفق، وما بقي ينفق فيه من ماله؛ لأن الحج وقع له؛ ويقضي لأن مَنْ أفسد حجه يلزمه
قضاؤه، فإن فاته الحج يصنع ما يصنع فائت الحج بعد شروعه فيه، وسنذكره في موضعه إن
شاء الله .
ولا يضمن النفقة؛ لأنه فاته بغير صنعه، فلم يوجد منه الخلاف، فلا يجب الضمان،
وعليه عن نفسه الحج من قابل؛ لأن الحجة قد وجبت عليه بالشُّروع، فإذا فاتت لزمه قضاؤها.
وهذا على قول محمد ظاهر؛ لأن الحج عنده(٢) يقع عن الحاج. وقالوا فيمن حَجَّ عن غيره،
فمرض في الطريق: لم يجز له أن يدفع النفقة إلى مَنْ يحج عن الميت، إلا أن يكون أذن له
في ذلك؛ لأنه مأمور بالحج لا بالإحجاج؛ فإن لم(٣) يبلغ المال المدفوع إليه النفقة، فأنفق من
مال نفسه، ومال الآمر ينظر، فإن بلغ مال الآمر الكراء وعامة النفقة - فالحج عن الميت لا
يكون مخالفاً، وإلا فهو ضامن. ويكون(٤) الحج عن نفسه ويرد المال، والأصل فيه أن يعتبر
الأكثر، ويجعل الأقل تبعاً للأكثر، وقليل الإنفاق من مال نفسه مما لا يمكن التحرز عنه من
شربة ماء، أو قليل زاد، فلو اعتبر القليل مانعاً من وقوع الحج عن الآمر - يؤدي إلى سد باب
الإحجاج؛ فلا يعتبر ويعتبر الكثير.
ولو أحج رجلاً يؤدي الحج، ويقيم بمكة ـ جاز؛ لأن فرض الحج صار مؤدياً بالفراغ عن
أفعاله، والأفضل أن يحج ثم يعود إليه؛ لأن الحاصل للآمر ثواب النفقة، فمهما كانت النفقةُ
٢٦٩ب أكثر كان الثواب أكثر وأوفر، وإذا فرغ المأمور بالحج من الحج، ونوى الإقامة/ خمسة عشر
يوماً فصاعداً - أنفق من مال نفسه؛ لأن نية الإقامة قد صحت، فصار تاركاً للسفر، فلم يكن
مأذوناً بالإنفاق من مال الآمر، ولو أنفق ضمن؛ لأنه أنفق مال غيره بغير إذنه، فإن أقام بها أياماً
من غير نية الإقامة - فقد قال أصحابنا: إنه إن أقام إقامة معتادة، فالنفقة في مال المحجوج عنه،
وإن زاد على المعتاد فالنفقة من ماله، حتى قالوا: إذا أقام بعد الفراغ من الحج ثلاثة أيام ينفق
من مال الآمر، وإن زاد ينفق من مال نفسه.
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: عنه.
(٣) في أ: فإن لم.
(٤) في أ: يجوز.

٢٧٩
كِتَابُ الْحَجْ
وقالوا في الخراساني إذا جاء حاجاً عن غيره، فدخل بغداد، فأقام بها إقامة معتادة مقدار
ما يقيم الناس بها عادة - فالنفقةُ في مال المحجوج عنه، وإن أقام أكثر من ذلك فالنفقة في
ماله، وهذا كان في زمانهم؛ لأنه كان زمان أمن يتمكن الحاج من الخروج من مكة وحده، أو
مع نفر يسير، فقدروا مدة الإقامة بها بعد الفراغ من الحج؛ كما أذن النبي وَ﴿ لِلْمُهَاجِر أَنْ يُقِيمَ
بِمَكَّةُ(١). فأما في زماننا فلا يمكن الخروج للأفراد والآحاد، ولا لجماعة قليلة من مكة إلا مع
القافلة، فما دام منتظراً (٢) خروج القافلة - فنفقته في مال المحجوج عنه. وكذا هذا في إقامته
ببغداد؛ أنه ما دام منتظراً لخروج القافلة فالنفقة في مال الآمر؛ لتعذر سبقه بالخروج؛ لما فيه
من تعريض المال والنفس للهلاك - فالتعويل في الذهاب والإياب على ذهاب القافلة وإيابها .
فإن نوى إقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً حتى سقطت نفقته من مال الآمر، ثم رجع بعد
ذلك هو تعود نفقته في مال الآمر، ذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)): أنه تعود، ولم
يذكر الخلاف.
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أن على قول محمد تعود، وهو (٣) ظاهر
الرواية، وعند أبي يوسف: لا تعود، وهذا إذا لم يكن اتخذ مكة داراً، فأما إذا اتخذها داراً،
ثم عاد - لا تعود النفقة في مال الآمر بلا خلاف .
وجه قول أبي يوسف؛ أنه إذا نوى الإقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً - فقد انقطع حكمُ
السفر - فلا تعود بعد ذلك؛ كما لو اتخذ مكة داراً .
وجه ظاهر الرواية أن الإقامة ترك السفر لا قطعها (٤)، والمتروك يعود، فأما اتخاذ مكة
داراً والتوطن بها - فهو قطع السفر، والمنقطع لا يعود ولو تعجل المأمور بالحج؛ ليكون شهر
رمضان بمكة، فدخل محرماً في شهر رمضان، أو في ذي القعدة - فنفقته في مال نفسه إلى
(١) أخرجه البخاري (٢٦٦/٧): كتاب مناقب الأنصار: باب إقامة المهاجر بمكة، الحديث (٣٩٣٣)، ومسلم
(٩٨٥/٢): كتاب الحج: باب جواز الإقامة بمكة، الحديث (٤٤٢)، والترمذي (٢١٣/٢): كتاب
الحج: باب مكث المهاجر بمكة، الحديث (٩٥٦)، والنسائي (١٢٢/٣): كتاب تقصير الصلاة في
السفر: باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة، وابن ماجه (٣٤١/١): كتاب إقامة الصلاة: باب قصر
الصلاة للمسافر، الحديث (١٠٧٣)، والبيهقي (١٤٧/٣): كتاب الصلاة: باب من أجمع إقامة أربع أتم،
والبغوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٢/٣ - بتحقيقنا)، من طريق العلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله - رَلـ: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً.
(٢) في أ: ينتظر.
(٣) في أ: هذا.
(٤) في أ: قطعة.

٢٨٠
كِتَابُ الْحَجْ
عشر الأضحى، فإذا جاء عشر الأضحى أنفق من مال الآمر؛ كذا روى هشام عن محمد؛ لأن
المقام بمكة قبل الوقت الذي يدخلها الناس - لا يحتاج إليه لأداء المناسك غالباً، فلا تكون هذه
الإقامة مأذوناً فيها كالإقامة بعد الفراغ من الحج أكثر من المعتاد، ولا يكون بما عجل مخالفاً؛
لأن الآمر ما عين له (١) وقتاً، والتجارة والإجارة لا يمنعان جواز الحج، ويجوز حج التاجر
والأجير والمكاري؛ لقوله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[البقرة: ١٩٨٥] قيل: الفضلُ التجارة؛ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة في عشر
ذي الحجة، فلما كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة؛ خوفاً من أن يضر ذلك حجهم،
فرخص الله - سبحانه وتعالى - لهم طلب الفضل في الحج بهذه الآية.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابنَ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنهما - فقال: إِنَّا قَوْمٌ نُكْرَى وَنَزْعُمُ أَنَّ
لَيْسَ لَنَا حَجِّ، فَقَالَ: أَسْتُمْ تُحْرِمُونَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَأَنْتُمْ حُجَّاجٌ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َُّ
فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبُّكُمْ﴾(٢)
[البقرة: ١٩٨]؛ ولأن التجارة والإجارة لا يمنعان من أركان الحج وشرائطها؛ فلا يمنعان من
الجواز. والله أعلم.
فصل
وأما بيانُ ما يفسدُ الحجّ، وبيان حكمه إذا فسد؛ أما الأول فالذي يفسد الحج الجماع،
لكن عند وجود شرطه، فيقع الكلام فيه في موضعين، في بيان أن الجماع يفسد الحج في
الجملة، وفي بيان شرطه كونه مفسداً.
أما الأول: فالدليل عليه ما رُوِيَ عن جماعة من الصَّحَابَةِ - رضي الله تعالى عنهم - أَنَّهُمْ
قَالُوا فِيمَنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ: مَضَيَا فِي إِحْرَامِهِمَا، وَعَلَيْهِمَا هَذْيٌ، وَيَقْضِيَانِ مِنْ قَابِل
وَيَفْتَرِقَانِ؛ ولأن الجماعَ في نهاية الارتفاق بمرافق المقيمين؛ فكان في نهاية الجناية على
الإحرام؛ فكان مفسداً للإحرام.
وأما شرط كونه مفسداً فشيئان أحدهما: أن يكون الجماعَ في الفرج، حتى لو جَامَعَ فيما
(١) في أ: لكم.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٥/٢)، وأبو داود (١٤٢/٢): كتاب المناسك (الحج): باب الكَرِيِّ، حديث
(١٧٣٣)، وابن خزيمة (٣٥٠/٤): كتاب الحج: باب حج الأكرياء، حديث (٣٠٥١)، وذكره السيوطي
في ((الدر المنثور)) (٤٠١/١)، وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد
وأبي داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، وصححه، وللبيهقي عن أبي أمامة التميمي
عن ابن عمر، فذكره.