Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كِتَابُ الْحَجْ القيمة، فلا يجعل قوله: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥] مربوطاً بقوله عز وجل: ﴿مِنَ النَّعَم) [المائدة: ٩٥] مع استغناء الكلام عنه(١)، هذا هو الأصل، إلا إذا قام دليلٌ زائدٌ يوجبُ الرَبَطَ بغيره. والثاني: أنه وصل قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَذْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله عز وجل: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله عز وجل: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]، جعل الجزاء أحد الأشياء الثلاثة؛ لأنه أدخل حرف التخيير بين الهدي والإطعام، وبين الطعام والصيام، فلو كان قوله: ﴿مِنَ النَّعَم﴾ [المائدة: ٩٥] تفسيراً للمثل - لكان الطعامُ والصيامُ مثلاً لدخول حرف ((أو)) بينهما وبين النعم؛ إذَ لا فرق بين التقديم والتأخير في الذكر؛ بأن قال تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل طعاماً أو صياماً أو من النعم هدياً﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لأن التقديم في التلاوة لا يوجبُ التقديم في المعنى، ولما لم يكن الطعامُ والصيام مثلاً للمقتول، دَلَّ أن ذكر النعم لم يخرج مخرج التفسير للمثل، بل هو كلام مبتدأ غير موصول المراد بالأول. وقول جماعة الصحابة - رضي الله عنهم - محمولٌ على الإيجاب من حيث القيمة توفيقاً بين الدلائل، مع ما أن المسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مثل مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحتجُّ بقول البعض على البعض، وعلى هذا ينبني اعتبار مكان الإصابة في التقويم عندهما؛ لأن الواجب على القاتل القيمة، وأنها تختلف باختلاف المكان، وعند محمد والشافعي: الواجب هو النظير أما حكم الحكمين أو ابتداء فلا يعتبر فيه المكان. وقال الشافعي: يقوم بمكة أو بمنى، وأنه غَيْرُ سديدٍ؛ لأن العبرة في قيم المستهلكات في أصول الشرع مواضع الاستهلاك؛ كما في استهلاك سائر الأموال، ومنها: أن الطعام بدل عن الصيد عندنا، فيقوم الصيد بالدراهم، ويشتري بالدراهم طعاماً، وهو مذهبُ ابن عباس، وجماعة من التابعين. وعن ابن عباس رواية أُخرى: أن الطعام بدل عن الهدي، فيقوم الهدي بالدَّراهم، ثم يشتري بقيمة الهدي طَعَاماً، وهو قولُ الشَّافعي، والصحيح قولنا؛ لأن الله تعالى جعل جميع ذلك جزاء الصيد بقوله عز وجل: ﴿فَجَزَاً مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ .... ﴾ [المائدة: ٩٥] إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] فلما كان الهدي من حيث كونه جزاء معتبراً بالصيد؛ إما في قيمته أو نظيره على اختلاف القولين -، كان الطعام مثله، لأن فيما لا مثل له من النعم (٢) (١) في أ: عن ذلك. (٢) في ط: الطعام. بدائع الصنائع ج٣ - م١٦ ٢٤٢ كِتَابُ الْحَجْ اعتبار الطعام بقيمة الصيد بلا خلاف، فكذا فيما له مثل؛ لأن الآية عامة منتظمة للأمرين(١) جميعاً . ومنها، أن كَفَّارَةَ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى النَّخْبِيرِ؛ كذا روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وهو مذهبُ جماعة من التابعين؛ مثل عطاء، والحسن، وابراهيم، وهو قول أصحابنا، وعن ابن عباس رواية أُخرى؛ أنه على تَرْتِيبِ الْهَذِي ثُمَّ الإِطْعَام ثم الصِّيام، حَتَّى لو وجد الْهَذْيَ لا يجوزُ الطَّعَامُ، ولو وجد الهدي أو الطعام - لا يجوز الصيام؛ كما في كفارة الظهار والإفطار؛ أنها على التَّرتيب دون التخيير. واحتجَّ من اعتبر الترتيب بما روي أن جماعةً من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - حَكْمُوا في الضَّبُعِ بِشَاةٍ ولم يَذْكُرُوا غَيْرَهُ، فدل أن الواجبَ على التّرتيب. ولنا: أن الله تعالى ذكر حرف ((أو)) في ابتداء الإيجاب، وحرف ((أو)) إذا ذكر(٢) في ابتداء الإيجاب يُراد به التخيير لا الترتيب؛ كما في قوله عز وجل فِي كَفَّارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كُسْوَتُهُمْ أَوْ تَخْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٧٩] وقوله تعالى في كفارة الحلق: ﴿فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [وغير ذلك](٣). هذا هو الحقيقة، إلا في موضع قام الدليل بخلافها؛ كما في آية المحاربين أنه ذكر فيها ((أو)) على إرادة الواو. ومن ادَّعى خلافَ الحقيقة ههنا فعليه الدليلُ. ثم إذا اختار الهدي؛ فإن بلغت قيمة الصيد بدنة نحرها، وإن لم تبلغ بدنة، وبلغت بقرة - ذبحها، وإن لم تبلغ بقرة، وبلغت شاة - ذبحها، وإن اشترى بقيمة الصيد إذا بلغت بدنة، أو بقرة [سبع شياة وذبحها] (٤) أجزأه، فإن اختار شراء الهدي، وفضل من قيمة الصيد، فإن بلغ هديين أو أكثر - اشترى، وإن كان لا يبلغ هدياً فهو بالخيار، إن شاء صرف الفاضل إلى الطعام، وإن شاء صام؛ كما في صيد الصغير الذي لا تبلغ قيمته هدياً. وقد اختلف في السن الذي يجوز في جزاء الصيد، قال أبو حنيفة: لا يجوز إلا ما يجوز في الأضحية وهدي المتعة، والقران والإحصار، وقال أبو يوسف ومحمد: تجوز الجفرة والعناق على قدر الصيد. واحتجا بما روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا فِي الْيَرْبُوعِ جفرةً، وَفِي الأَرْنَبِ عنَاقاً. (١) في أ: الأمرين. (٢) في أ: دخل. (٣) سقط في أ. (٤) بدل ما بين المعكوفين في أ: أو سبع بدنه. ٢٤٣ كِتَابُ الْحَجْ ولأبي حنيفة: أن إطلاق الهدي ينصرف إلى ما ينصرف إليه سائر/ الهدايا المطلقة في ٢٦١ب القرآن، فلا يجوز دون السن الذي يجزى في سائر الهدايا، وما روي عن جماعة من الصَّحَابَة - رضي الله تعالى عنهم - حكاية حال لا عموم له، فيحمل على أنه كان على طريق القيمة، على أن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - يخالفهم، فلا يقبلُ قول بعضهم على بعض(١) إلا عند قيام دليل الترجيح، ثم اسم الهدي يقع على الإبل والبقر والغنم، على ما بينا فيما تقدم، ولا يجوز ذبحُ الهدي إلا في الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿هَذِياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ولو جاز ذبحُه في غير الحرم - لم يكن لذكر بلوغه الكعبةَ معنًى، وليس المرادُ منه بلوغُ عين الكعبة، بل بلوغ قربها وهو الحرم، ودلت الآية الكريمةُ على أن من حَلَفَ لا يمر على باب الكعبة، أو المسجد الحرام، فمر بقرب بابه - حنث(٢)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد منه الحرم؛ لأنهم منعوا بهذه الآية الكريمة عن دُخُولِ الحرم. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: ((الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ)) ولأن الهدي اسم لما يهدي إلى مكان الهدايا، أي: ينقل إليها، ومكان الهدايا الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، والمراد منه الحرمُ. وروي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: ((مِنَى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرْ))(٣)، ولو ذبح في الحلٌ لا يسقط عنه الجزاءُ بالذبح؛ إلا أن يتصدق بلحمه على الفقراء؛ على كل فقير قيمة نصف صاع من بُرِّ، فيجزئه على طريق البدل عن الطعام، وإذا ذبح الهدي في الحرم سقط الجزاء عنه بنفس الذبح، حتى لو هلك، أو سرق، أو ضاع بوجه من الوجوه - خرج عن العهدة؛ لأن الواجب هو إراقة الدم، وإن اختار الطعام اشترى بقيمة الصيد طعاماً، فأطعم كُلَّ مسكين نصف صاع من بر، ولا يجزيه أقل من ذلك؛ كما في كفارة اليمين وفدية الأذى، ويجوز الإطعام في الأماكن كلها عندنا، وعند الشافعي: لا يجوز إلا في الحرم؛ كما لا يجوز الذبح إلا في الحرم؛ توسعة على أهل الحرم. (١) في أ: البعض. (٢) في أ: يحنث. (٣) أخرجه ابن حبان في (صحيحه)) (١٦٦/٩ - الإحسان) كتاب الحج: باب الوقوف بعرفة والمزدلفة والدفع منهما، حديث (٣٨٥٤)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٩/٥): كتاب الحج: باب النحر يوم النحر وأيام منى كلها، وذكره ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) (٢٦٠،٢٥٩/٤) حديث (٢٣٩١)، وعزاه لابن حبان وللبيهقي من حديث جبير بن مطعم. قال الحافظ في ((التلخيص)): ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة، وفيه معاوية بن يحيى الصوفي، وهو ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد، وذكر عن أبيه: أنه موضوع. ٢٤٤ كِتَابُ الْحَجْ ولنا: أن قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] مطلق عن المكان، وقياس الطعام على الذبح بمعنى التوسعة على أهل الحرم - قد أبطلناه فيما تقدم؛ ولأن الإراقة لم تعقل قربة بنفسها، وإنما عرفت قربة بالشرع، والشرع ورد بها في مكان مخصوص، أو زمان مخصوص، فيتبع مورد الشّرع، فيتقيد كونها قربة بالمكان الذي ورد الشرع بكونها قربة فيه وهو الحرم، فأما الإطعام: فيعقل قربة بنفسه؛ لأنه من باب الإحسان إلى المحتاجين، فلا يتقيد كونه قربة بمكان؛ كما لا يتقيد بزمان، وتجوز فيه الإباحة والتمليك؛ لما نذكره في كتاب الكفَّارات، ولا يجوزُ للقاتل أن يأكل شيئاً من لحم الهدي، ولو أكل شيئاً منه - فعليه قيمةُ ما أكل، ولا يجوز دفعه، ودفع الطعام إلى ولده وولد ولده وإن سفلوا، ولا إلى والده ووالد والده وإن علوا؛ كما لا تجوز الزكاة، ويجوز دفعه إلى أهل الذمة، في قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يجوز في قول أبي يوسف؛ كما في صدقة الفطر، والصدقة المنذور بها على ما ذكرنا في كتاب ((الزكاة)). وإن اختار الصيام اشترى بقيمة الصيد طعاماً، وصام لكل نصف صاع من بر يوماً عندنا؛ وهو قول ابن عباس وجماعة من التابعين؛ مثل ابراهيم، وعطاء، ومجاهد، وقال الشافعي: ((يصومُ لكل مد يوماً)) والصحيح قولنا؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: ((يَصُومُ عَنْ كُلِّ نَصْفِ صَاعِ يَوْماً))، ومثل هذا لا يعرفُ بالاجتهادِ، فتعين السماع من رسول الله وَلّ فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع - فهو بالخيار؛ إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوماً؛ لأن صوم بعض يوم لا يجوز، ويجوز الصوم في الأيام كلها بلا خلاف، ويجوز متتابعاً ومتفرقاً؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥] مطلقاً عن المكان، وصفة التتابع والتفرق، وسواء كان الصيدُ مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه عندنا، بعد أن كان محرم(١) الاصطياد على المحرم كالضبع والثعلب وسباع الطير (٢)، وينظر إلى قيمته لو كان مأكول اللحم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ الثَّعَم﴾ [المائدة: ٩٥] غير أنه لا يجاوز به دماً، في ظاهر الرواية. وذكر الكرخي: أنه لا يبلغ دَماً، بل ينقص من ذلك، بخلاف مأكول اللحم؛ فإنه تجب قيمته بالغة ما بلغت، [وإن بلغت قيمته هديين أو أكثر، وقال زفر تجبُ قيمته بالغة ما بلغت،](٣) كما في مأكول اللحم. وجه قوله: إن هذا المصيد مضمونٌ بالقيمة، والمضمون بالقيمة يعتبر کمال قيمته کالمأكول. (١) في ط: بعد أن كان محرماً والاصطياد على المحرم ... الخ. (٢) في أ: الطيور. (٣) سقط في أ. ٢٤٥ كِتَابُ الْحَجْ ١٢٦٢ ولنا: أن هذا المضمون إنما يجب بقتله من حيث إنه صيدٌ، ومن حيث إنه صيد لا تزيد قيمة لحمه على لحم الشاة، بحال، بل لحم الشاة يكون خيراً منه بكثير؛ فلا يجاوز به دماً بل ينقص منه/؛ كما ذكره الكرخي؛ ولأنه جزاء وجب بإتلاف ما ليس بمال، فلا يجاوز به دماً؛ كحلق الشعر، وقص الأظفار، وقد خرج الجواب عما ذكره زفر، ويستوي في وجوب الجزاء بقتل الصيد المبتدىء والعائد، وهو أن يقتل صيداً، ثم يعود ويقتل آخر، وثم إنه يجب لكل صيد جزاء على حدة، وهذا قولُ عامة العلماء، وعامة الصحابة(١) - رضي الله تعالى عنهم -. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه لا جَزَاءَ على العائدِ، وهو قولُ الحسن، وشريح، وابراهيم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، جعل جزاء العائد الانتقام في الآخرة؛ فتنتفي الكفارة في الدنيا. ولنا: أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] يتناول القتِلَ في كل مرة، فيقتضي وجوب الجزاء في كل مرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ونحو ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ففيه أن الله تعالى ينتقم من العائد، وليس فيه أن ينتقم منه بماذا، فيحتمل أنه ينتقم منه بالكفّارة؛ كذا قال بعض أهل التأويل، فينتقم الله منه بالكفارة في الدنيا(٢)، وبالعذاب في الآخرة؛ على أن الوعيد في الآخرة لا ينفي وجوب الجزاء في الدنيا؛ كما أن الله تعالى جعل حَدَّ المحاربين الله ورسوله جزاء لهم في الدنيا بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا .... ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، ثم قال - عز وجل - في آخرها: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. ومنهم من صرف تأويل الآية الكريمة إلى استحلال الصيد، فقال الله عز وجل: ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] في الجاهلية من استحلالهم الصيد، إذا تاب ورجع عما استحل من [قتل الصيد](٣)، ومن عاد إلى الاستحلال؛ فينتقم الله منه بالنار في الآخرة وبه نقول. هذا إذا لم يكن قتل الثاني والثالث على وَجْهِ الرفض والإحلال، فأما إذا كان على وجه الرفض والإحلال لإحرامه - فعليه جزاءٌ واحد استحساناً، والقياس أن يلزمه لكل واحد منهما دم؛ لأن الموجود ليس إلا نية الرفض، ونية الرفض لا يتعلق بها حكم؛ لأنه لا يصير حلالاً بذلك؛ فكان وجودها والعدم بمنزلة [واحدة]، إلا أنهم استحسنوا، وقالوا: لا يجب إلا جزاء واحد؛ (١) في أ: عليه الصحابة. (٢) في ط: وبالعذاب في الآخرة. (٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: القتل. ٢٤٦ كِتَابُ الْحَجِّ لأن الكل وقع على وجه واحد، فأشبه الإيلاجات في الجماع، ويستوي فيه العمد والخطأ، والذكر والنسيان عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَى الْخَاطِئِ [وقال الشافعي: لا كفارة على الخاطىء والنَّاسي](١)، والكلام في المسألة بناء وابتداء. أما البناء فما ذكرنا فيما تقدم أن الكفارة إنما تجب بارتكاب محظور الإحرام والجناية عليه، ثم زعم الشافعي أن فعل الخاطىءء والناسي لا يوصف بالجناية والحظر؛ لأن فعل الخطأ والنسيان مما لا يمكن التحرزُ عنه؛ فكان عذراً، وقلنا نحن: إن فعل الخاطىء والنَّاسي جناية وحرام؛ لأن فعلهما جائز المؤاخذة عليه عَقْلاً، وإنما رفعت المؤاخذة عليه شرعاً، مع بقاء وصف الحظر والحرمة، فأمكن القول بوجوب الكفارة، وكذا التحرز عنهما ممكن في الجملة، إذ لا يقع الإنسان في الخطأ والسهو(٢) إلا لنوع تقصير منه؛ فلم يكن عذراً منه. ولهذا لم يعذر النَّاسي في باب الصلاة، إلا أنه جعل عذراً في باب الصوم؛ لأنه يغلب وجوده؛ فكان في وجوب القضاء حرج، ولا يغلب في باب الحج؛ لأن أحوال الإحرام مذكرة، فكان النسيان معها نادراً، على أن العذر في هذا الباب لا يمنع وجوب الجزاء؛ كما في كفارة الحلق لمرض أو أذى بالرأس؛ وكذا فوات الحج لا يختلف حكمُه للعذر وعدم العذر. وأما الابتداء: فاحتج بقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مُثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، خص المتعمد بإيجابِ الجزاءِ عليه، فلو شاركه الخاطىء والناسي في الوجوب لم يكن للتخصيص معنى. ولنا وجوه من الاستدلال بالعمد: (أحدها): أن الكفارات(٣) وجبت رافعة للجناية؛ ولهذا سماها(٤) الله تعالى كفارة بقوله عز وجل: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقد وجدت الجناية على الإحرام في الخطأ؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - سمى الكفارة في القتل الخطأ توبة؛ بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿تَوْبَةً مِنَ الله﴾ [النساء: ٩٢]، ولا توبة إلا من الجناية، والحاجة إلى رفع الجناية موجودة، والكفارة صالحة لرفعها؛ لأنها ترفع أعلى الجنايتين وهي العمد، وما صلح رافعاً لأعلى الذنبين يصلح رافعاً لأدناهما، بخلاف قتل الآدمي عمداً؛ أنه لا يوجب الكفارة عندنا، والخطأ يوجب؛ لأن النص(٥) ٢٦٢ ب هناك ورد بإيجاب الكفارة في الخطأ، [وذنب الخطأ دون ذنب العمد] (٦) وما يصلح لرفع الأدنى/ لا يصلح لرفع الأعلى؛ فامتنع الوجوب من طريق الاستدلال؛ لانعدام طريقه . (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: الناسي وهو قول الشافعي. (٣) في أ: الكفارة. (٢) في أ: والنسيان. (٤) في ط: سماه. (٥) في ط: لأن النقص هناك وجب ورد ... الخ. (٦) بدل ما بين المعكوفين. في أ: ودية دية العمد. ٢٤٧ كِتَابُ الْحَجْ والثاني: أن المحرم بالإحرام أمن الصيد عن التعرض، والتزم ترك التعرض له؛ فصار الصيد كالأمانة عنده، وكل ذي أمانة إذا أتلف الأمانة يلزمه الغرم، عمداً كان أو خطأ، بخلاف قتل النفس عمداً؛ لأن النفس محفوظة بصاحبها، وليست بأمانة عند القاتل، حتى يستوي حكم العمد والخطأ في التعرض لها. والثالث: أن الله تعالى ذكر التَّخيير في حال العمد، وموضوع التخيير في حال الضرورة؛ لأنه في التوسع(١)، وذا في حال الضرورة؛ كالتخيير في الحلق لمن به مرضٌ أو به أذى من رأسه بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذِّى مِنْ رَأْسِهِ فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا ضرورة في حال العمد. فعلم أن ذكر التخيير فيه لتقدير الحكم به في حال الضرورة، لولاه لما ذكر التخيير، فكان إيجاب الجزاء في حال العمد إيجاباً في حال الخطأ؛ ولهذا كان ذكر التخيير الموضوع للتخفيف والتوسع في كفارة اليمين بين الأشياء الثلاثة حالة العمد ذكراً، في حالة الخطأ والنوم والجنون دلالة . وأما تخصيصُ العامد: فقد عرف من أصلنا أنه ليس في ذكر حكمه وبيانه في حال دليلُ نفيه في حال أُخرى، فكان تمسكاً بالمسكوت فلا يصح، ويحتمل أن يكون تخصيص العامد لعظم ذنبه؛ تنبيهاً على الإيجاب على من قصر ذنبه عنه من الخاطىء والناسي من طريق الأولى؛ لأن الواجب لما رفع أعلى الذنبين؛ فلأن يرفع الأدنى [كان](٢) أولى. وعلى هذا كانت الآية حجة عليه والله أعلم. ويستوي في وجوب كمال الجزاء بقتل الصيد حالُ الانفراد والاجتماع عندنا، حتى لو اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد يجبُ على كُلِّ واحد منهم جزاء كامل عند أصحابنا، وعند الشافعي: يجب عليهم جزاءٌ واحدٌ. وجه قوله: إن المقتول واحد فلا يضمن إلا بجزاء واحد؛ كما إذا قتل جماعة رجلاً واحداً خطأ؛ أنه لا تجب عليهم إلا دية واحدة. وكذا جماعة من المحللين إذا قتلوا صيداً واحداً في الحرم - لا يجب عليهم إلا قيمةٌ واحدة؛ كذا هذا. ولنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكلمة ﴿مَنْ﴾ [المائدة: ٩٥] تتناول كل واحد من القاتلين على حياله؛ كما في قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ (١) في أ: لأنه للتوسع. (٢) سقط في ط . ٢٤٨ كِتَابُ الْحَجْ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ١٩]، وقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْم الآخِرِ﴾ [النساء: ٣٦]، وأقرب المواضع قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَّةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] حتى يجب على كل واحد من القاتلين خطأ كفارة على حدة، ولا تلزمه الدية؛ أنه لا يجب عليهم إلا دية واحدة؛ لأن ظاهر اللفظ وعمومه يقتضي وجوب الدية على كل واحد منهم، وإنما عرفنا وجوب دية واحدة بالإجماع، وقد ترك ظاهر اللفظ بدليل. والشافعي نظر إلى المحل، فقال: المحل وهو المقتول متحد؛ فلا يجب إلا ضمان واحد، وأصحابنا نظروا إلى الفعل، فقالوا: الفعلُ متعدد؛ فيتعدد الجزاء. ونظرنا أقوى؛ لأن الواجب جزاء الفعل؛ لأن الله تعالى سماه جزاءً بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم﴾ [المائدة: ٩٥]، والجزاء يقابل الفعل لا المحل. وكذا سمي الواجب كفارة بقوله عز وجل: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] والكفارةُ جزاء الجناية بخلاف الدية؛ فإنها بدل المحل، فتتحد باتحاد المحل، وتتعدد بتعدده، وهو الجوابُ عن صيد الحرم، لأن ضمانه يشبه ضمان الأموال؛ لأنها تجب بالجناية على الحرم، والحرم واحد؛ فلا تجب إلا قيمة واحدة. ولو قتل صيداً معلماً كالبازي والشاهين، والصقر والحمام الذي يجيء من مواضع بعيدة، ونحو ذلك - يجب عليه قيمتان: قيمته (١) معلماً لصاحبه بالغة ما بلغت، وقيمته غير معلم حقًّا الله تعالى؛ لأنه جنى على حقين؛ حق الله تعالى وحق العبد، والتعليم وصف مرغوب فيه في حق العباد؛ لأنهم ينتفعون بذلك، والله - عز وجل - [يتعالى عن](٢) أن ينتفع بشيء؛ ولأن الضَّمان الذي هو حق الله تعالى يتعلَّق بكونه صيداً، وكونه معلماً وصف زائد على كونه صيداً؛ فلا يعتبر ذلك في وجوب الجزاء، وقد قالوا في الحمامة المصوتة: إنه يضمن قيمتها مصوتة في رواية، وفي رواية: غير مصوتة . وجه الرواية الأولى أن كونها مصوتة من باب الحسن والملاحة، والصيد مضمون بذلك، كما لو قتل صيداً حسناً مليحاً له زيادة قيمة - تجب قيمته على تلك الصفة، وكما لو قتل حمامة مطوقة أو فاختة مطوقة . وجه الرواية الأُخرى على نحو ما ذكرنا: أن كونها مصوتة لا يرجع إلى كونه صيداً؛ فلا ١٢٦٣ يلزم المحرم ضمان ذلك. وهذا يشكل بالمطوقة والصيد الحسن المليح/ . (١) في أ: قيمة. (٢) في أ: غنى. ٢٤٩ كِتَابُ الحَجْ ولو أخذ بيض صيد فشواه أو كسره ـ فعليه قيمته يتصدق به؛ لما روي عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أنهم حكموا في بيض النعامة بقيمته، ولأنه أصل الصيد؛ إذ الصيدُ يتولد منه، فيعطى له حكمُ الصيد احتياطاً . فإن شوى بيضاً أو جراداً فضمنه - لا يحرم أكله، ولو أكله أو غيره حلالاً كان أو محرماً - لا يلزمه شيء، بخلاف الصيد الذي قتله المحرم؛ أنه لا يحل أكله. ولو أكل (١) المحرم الصائد منه [بعد ما أدى جزاءه](٢) يلزمه [قيمةُ ما أكل](٣) في قول أبي حنيفة؛ لأن الحرمة هناك؛ لكونه ميتة لعدم الذكاة؛ لخروجه عن أهلية الذكاة، والحرمةَ ههنا ليست لمكان كونه ميتة؛ لأنه لا يحتاج إلى الذَّكاة، فصار كالمجوسيِّ إذا شوى بيضاً، أو جراداً، أنه يحل أكله كذا هذا. فإن كسر البيض، فخرج منه فرخ ميت - فعليه قيمته حيّاً يؤخذ فيه بالثقة، وقال مالك: عليه نصفُ عشر قيمته، واعتبره بالجنين؛ لأن ضمانه ضمان الجنايات، وفي الجنين نصفُ عشر قیمته کذا فيه. ولنا: أن الفرخ صيد؛ [لأنه يفرض أن يصير صيداً، فيعطى له حكم الصيد، ويحتمل أنه مات بكسره، ويحتمل أنه كان ميتاً قبل ذلك] (٤) وضمان الصيد يؤخذ فيه بالاحتياط، لأنه وجب حقاً لله تعالى، وحقوق الله تعالى يحتاط في إيجابها . وكذلك إذا ضرب بطن ظبية، فألفت جنيناً [ميتاً](٥) ثم ماتت الظبية - فعليه قيمتهما يؤخذ في ذلك كله بالثقة، أما قيمة الأم؛ فلأنه قتلها، وأما قيمة الجنين؛ فلأنه يحتمل أنه مات بفعله، ويحتملُ أنه كان ميتاً؛ فيحكم بالضمان احتياطاً، فإن قتل ظبية حاملاً فعليه قيمتها حاملاً؛ لأن الحمل يجري مجرى صفاتها، وحسنها وملاحتها وسمتها، والصيد مضمون بأوصافه. ولو حلب صيداً فعليه ما نقصه الحلب؛ لأن اللبن جزءٌ من أجزاء الصيد، فإذا نقصه الحلب يضمن؛ كما لو أتلف جزءاً من أجزائه كالصَّيد المملوك(٦)، وأما إذا قتل الصيد تسبباً؛ فإن كان متعدياً في التسبب يضمن، وإلا فلا. بيان ذلك أنه إذا نصب شبكة فتعلق به صيد ومات، أو حفر حفيرة للصيد فوقع فيها فعطب - يضمن؛ لأنه متعد في التسبب. ولو ضرب فسطاطاً لنفسه، فتعقل به صيد فمات، أو حفر حفيرة للماء أو للخبز، فوقع فيها (١) في أ: أكله. (٢) سقط في أ. (٣) بدل ما بين المعكوفين. في أ: الجزاء. (٤) سقط في أ. (٦) زاد في أ: والله أعلم. (٥) سقط في ط . ٢٥٠ كِتَابُ الْحَجْ صيد؛ فمات - لا شيء عليه؛ لأن ذلك مباح له فلم يكن متعدياً في التسبب. وهذا كمن حفر بئراً على قارعة الطريق، فوقع فيها إنسان أو بهيمة ومات - يضمن. ولو كان الحفر في دار نفسه، فوقع فيها إنسان [لا يضمن](١) لأنه في الأول متعدِّ بالتسبب، وفي الثاني: لا، كذا هذا. ولو أعان محرمٌ محرماً أو حلالاً على صيد - ضمن؛ لأن الإعانة على الصيد تسبب إلى قتله، وهو متعد في هذا التسبب؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْم وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولو دل عليه أو أشار إليه، فإن كان المدلول يرى الصيد، أو يعلم به من غير دلالة أو إشارة(٢) - فلا شيء على الدال؛ لأنه إذا كان يراه أو يعلم به من غير دلالته - فلا أثر لدلالته في تفويت الأمن على الصيد؛ فلم تقع الدلالة تسبباً، إلا إنه يكره ذلك [فقتله بدلالته](٣) لأنه نوعُ تحريض على اصطياده، وإن رآه المدلول بدلالته فقتله - فعليه الجزاء عند أصحابنا (٤)، وقال الشافعي: لا جزاء عليه . (١) سقط في أ. (٢) في أ: وإشارة. (٣) سقط في أ. (٤) واختلف العلماء في أكل المحرم مما صاده الحلال له، مذهب الشافعية لا جزاء عليه في الأصح، وقال المالكية: عليه الجزاء وبه قال أحمد، قال النووي في المجموع (٧/ ٣٢١،٣٢٠) فقال الشافعي والأصحاب: يحرم على المحرم أكل صيد صاده هو، أو أعان على اصطياده، أو أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة، سواء دل عليه دلالة ظاهرة أو خفية، وسواء إعارة ما يستغني عنه القاتل أم لا، وهذا لا خلاف فيه، قال الشافعي والأصحاب: ويحرم عليه لحم ما صاده الحلال المحرم، سواء علم به المحرم وأمره بذلك أم لا، وهذا لا خلاف فيه أيضاً (وأما) إذا صاد الحلال شيئاً ولم يقصد اصطياده للمحرم، ولا كان من المحرم فيه إعانة ولا دلالة، فيحل للمحرم أكله بلا خلاف، ولا جزاء عليه في ذلك بلا خلاف فإن أكل المحرم مما صاده الحلال له أو بإعانته أو دلالته ففي وجوب الجزاء عليه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما (الأصح) الجديد لا جزاء (والقديم) وجوب الجزاء، وهو القيمة بقدر ما أكل. هكذا قال الأكثرون تفريعاً على القديم. قال الخرشي في المالكية ٢/ ٣٧٠ لا جزاء على المحرم بسبب دلالته على الصيد محرماً أو حلالاً إذا قتله المدلول على المشهور وكذا لو أعان المحرم محرماً أو حلالاً على الصيد بمناولة سوط أو رمح لا جزاء على المعين بل على المدلول أو المعان إذا كان محرماً. وقال المرداوي في الإنصاف (٤٧٤/٣): يضمن ما دل عليه أو أشار إليه، هذا المذهب مطلقاً، وقال في المبهج: إن كانت الدلالة له ملجئة: لزمه الجزاء للمحرم، كقوله: دخل الصيد في هذه المفازة، فإن كانت غير ملجئة: لم يلزمه، كقوله: ذهب إلى تلك البرية لأنه لا يضمن بالسبب مع المباشرة إذا لم يكن ملجئاً لوجوب الضمان على القاتل والدافع، دون الممسك والحافر. وقال في الفائق، والمختار: تحريم الدلالة والإشارة، دون لزوم الضمان بها وقال في شرح منتهى الإرادات: ويحرم على المحرم الإشارة والدلالة والإعانة، لأنه معونة على محرم، أشبه الإعانة على قتل آدمي معصوم، ويحرم على الدال أكله منه، ويجب عليه جزاؤه، وعلى من أتلفه مباشرة أو سبب من دلالة أو غيرها الجزاء. وسيأتي كلام المصنف على بعض من هذا. ٢٥١ كِتَابُ الْحَجْ وجه قوله: إن وجوب الجزاء متعلق بقتل الصيد ولم يوجد. ولنا: ما روي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: ((الدَّالَّ عَلَى الشَّيْءِ كَفَاعِلِهِ(١)، وَالدَّالُّ عَلَى الشَّرِّ كَفَاعِلِهِ)»، فظاهر الحديث يقتضي أن يكون للدلالة حكم الفعل إلا ما خصَّ بدليل. وروي أن أبا قتادة - رضي الله تعالى عنه - شد على حمار وحش وهو حَلاَلٌ فقتله، وأصحابه محرمون، فمنهم مَنْ أَكَلَ، ومنهم من أَبِى فَسَأَلُوا النَّبِيِ نََّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَّالَ وَّ: (هَلْ أَشَرْتُمْ، هَلْ أَعَنْتُمْ فَقَالُوا: لاَ، فَقَالَ: كُلُوا إِذَنْ))(٢) فلولا أن الحكم يختلف بالإعانة والإشارة، وإلا لم يكن للفحص(٣) عن ذلك معنى، ودلَّ ذلك عى حرمة الإعانة والإشارة، وذا يدل على وجوب الجزاء. وروي أن رَجُلاً سَأَلَ عمر - رضي الله تعالى عنه - فقال: إِنِّي أَشَرْتُ إِلَى ظَبْيَةٍ فَقَتَلَهَا صَاحبي فَسَأَلَ عمرُ عَبْدَ الرَّحْمُن [بْنِ عَوْفٍ - رضي الله تعالى عنهما - فَقَالَ: مَا تَرَى؟ فقال: أَرَىْ عَلَيْهِ شَاةً، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله تعالى عنه - وَأَنَا أَرَىْ مِثْلَ ذَلِكَ](٤). وروي أن رَجُلاً أشارَ إلى بيضةِ نَّعَامَةٍ، فكسرها صاحبُه، فسأل عن ذلك عليّاً وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ. وكذا حكم عمر وعبد الرحمن - رضي الله (١) أخرجه مسلم (١٥٠٦/٣) كتاب الإمارة/ باب فضل إعانة الغازي (١٨٩٣) وأبو داود (٧٥٥/٢) كتاب الأداب/ باب في الدال على الخير كفاعله (٢٩) والترمذي (٤١/٥) كتاب العلم/ باب ما جاء الدال على الخير كفاعله (٢٦٧١) وأحمد (٢١٢٠/٤، ٢٧٢/٥، ٢٧٣، ٢٧٤) والبيهقي في السنن (٢٨/٩) والبخاري في الأدب المفرد (٢٤٢) وابن حبان في صحيحه (٥٢٥/١) (٢٨٩)، (٥٥٤/٤) (١٦٦٨) والبغوي في شرح السنة. والطبراني ١٧ / برقم (٦٢٢) - (٦٣٢). (٢) أخرجه البخاري (٩٨/٦): كتاب الجهاد: باب ما قيل في الرماح، حديث (٢٩١٤)، ومسلم (٢/ ٨٥٢): كتاب الحج: باب تحريم الصيد للمحرم، حديث (١١٩٦/٥٧) وأبو داود (٤٢٩،٤٢٨/٢): كتاب المناسك (الحج): باب لحم الصيد للمحرم، حديث (١٨٥٢)، والترمذي (٢٠٤/٣، ٢٠٥): كتاب الحج: باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، حديث (٨٤٧)، والنسائي (١٨٢/٥): كتاب الحج: باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، وابن ماجه (١٠٣٣/٢): كتاب المناسك: باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له، حديث (٣٠٩٣)، ومالك (٣٥٠/١): كتاب الحج: باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، حديث (٧٦)، وأحمد (٣٠٢/٥). والدارمي (٣٨/٢) كتاب المناسك: باب في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصد هو والشافعي (٣٢١/١) كتاب الحج: باب فيما يباح للمحرم وما يحرم (٨٣٧) والحميدي (٢٠٤/١) رقم (٤٢٤) وعبد الرزاق (٨٣٣٨،٨٣٣٧) وابن خزيمة (١٧٦/٤) رقم (٢٦٣٥) وابن الجارود (٤٣٥) والدارقطني (٢٩١/٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٧٣/٢-١٧٤) والبيهقي (١٨٩/٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤/ ١٥٧ - بتحقيقنا) من طرق عن أبي قتادة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) في أ: للتفحص. (٤) سقط في أ. ٢٥٢ كِتَابُ الْحَجْ تعالى عنهما - محمولٌ على القيمةِ؛ ولأن المحرم قد أمن الصَّيد بإحرامه، والدلالة تزيل الأمن؛ لأن أمن الصَّيد في حال قدرته ويقظته يكون بتوخُّشه عن الناس، وفي حال عجزه ونومه يكون باختفائه عن الناس، والدلالة تزيل الاختفاء، فيزول الأمنُ فكانت الدلالة في إزالة الأمن كالاصطياد؛ ولأن الإعانة والدلالة والإشارة تسبب إلى القتل، وهو متعد في هذا/ التسبب؛ لكونه مزيلاً للأمن، وأنه محظور الإحرام، فأشبه نصب الشبكة، ونحو ذلك، ولأنه لما أمن الصيد عن التعرض بعقد الإحرام، والتزم ذلك - صار به الصيدُ [كالأمانة](١) في يده، فأشبه المودع، إذا دل سارقاً على سرقة الوديعة. ولو استعار محرم من محرم سكيناً؛ ليذبح به صيداً، فأعاره إياه، فذبح به الصيد - فلا جزاء على صاحب السكين؛ كذا ذكر محمد - رضي الله تعالى عنه - في ((الأصل)) من المشايخ من فصل في ذلك تفصيلاً، فقال: إن كان المستعير يتوصل إلى قتل الصيد بغيره(٢) - لا يضمن، وإن كان لا يتوصل إليه إلا بذلك السكين - يضمن المعير؛ لأنه يصير كالدال. ونظير هذا ما قالوا: لو أن محرماً رأى صيداً، وله قوس أو سلاح يقتل به، ولم يعرف أن ذلك في أي موضع، فدله محرم على سكينته(٣)، أو على قوسه، فأخذه فقتله به؛ أنه إن كان يجد غير ما دلَّه عليه مما يقتله به - لا يضمن الدال، وإن لم يجد غيره يضمن، ولا يحل للمحرم أكل ما ذبحه من الصيد، ولا لغيره من المحرم والحلال، وهو بمنزلة الميتة؛ لأنه بالإحرام خرج من أن يكون أهلاً للذكاة، فلا تتصور منه الذكاة؛ كالمجوسي إذا ذبح (٤)، وكذا (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: كاملاً لأنه أمانة . (٢) في أ: بغيرها. (٣) في أ: سكينة. (٤) اختلف العلماء فيما إذا ذبح المحرم صيداً فأكل منه غيره فمذهب الشافعي يحرم على الغير الأكل منه على الأظهر وبه قال مالك وأحمد وحكى ابن المنذر هذا عن الحسن البصري والقاسم وسالم بن عبد الله ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال: وقال الحكم وسفيان الثوري وأبو ثور: لا بأس بأكله. وقال الحسن البصري في رواية عنه وعمرو بن دينار وأيوب السختياني: يأكله الحلال قال ابن المنذر: وهو مذكى كذبيحة السارق. وقال النووي في المجموع (٣٢١/٧) إذا ذبح المحرم صيدا حرم عليه بلا خلاف، وفي تحريمه على غيره قولان اللذان ذكرهما المصنف (الجديد) تحريمه وهو الأصح عند الجمهور. وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه: صحح كثيرون من أصحابنا هذا القديم. وقال القاضي أيضاً في كتابه المجرد: وقال أصحابنا: القديم هنا هذا كلامه، والصحيح عند الجمهور هو الجدید. وقال المواق من المالكية (١٧٧/٣) ما صاده محرم أو صيد له، ميتة. وما ذبح المحرم من الصيد بيده أو صاده بكلبه فأدى جزاءه فلا يأكله حلال، أو حرام، لأنه ميتة، وما ذبح من محرم بأمره، أو بغير أمره، وولى ذبحه حلال أو حرام، فلا يأكله محرم ولا حلال وما صاده المحرم فأدى جزاؤه فلا يأكله فإن أكل = ٢٦٣ب ٢٥٣ كِتَابُ الْحَجْ الصيد خرج من أن يكون محلاً للذبح في حقه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]، والتحريم المضاف إلى الأعيان يوجب خروجها عن محلية التصرف شرعاً؛ كتحريم الميتة، وتحريم الأمهات، والتصرف الصادر من غير الأهل، وفي غير محله يكون ملحقاً بالعدم، فإن أكل المحرم الذابح منه - فعليه الجزاء، وهو قيمته في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي - رحمهم الله تعالى -: ليس عليه إلا التوبة والاستغفار، ولا خلاف، في أنه لو أكله غيره لا يلزمه إلا التوبة والاستغفار، وجه قولهم: إنه أكل ميتة، فلا يلزمه إلا التوبة والاستغفار؛ كما لو أكله غيره. ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ أنه تناول محظور إحرامه؛ فيلزمه الجزاء، وبيان ذلك أن كونه ميتة لعدم الأهلية والمحلية، وعدم الأهلية والمحلية بسبب الإحرام؛ فكانت الحرمة بهذه الواسطة مضافة إلى الإحرام، فإذا أكله فقد ارتكب محظورَ إحرامه فيلزمه الجزاء، بخلاف ما إذا أكله محرم آخر؛ أنه لا يجب عليه جزاء ما أكل؛ لأن ما أكله ليس محظور إحرامه، بل محظور إحرام غيره؛ وكما لا يحل له لا يحل لغيره(١) - محرماً كان أو حلالاً - [أكله](٢) عندنا، وقال الشافعي: يحل لغيره أكله. وجه قوله: إن الحرمة لمكان أنه صيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]، وهو صيدُه لا صيد غيره؛ فيحرم عليه لا على غيره. ولنا: أن حرمته لكونه ميتة؛ لعدم أهلية الذكاة ومحليتها؛ فيحرم عليه وعلى غيره كذبيحة المجوسي، هذا إذا أدى الجزاء ثم أكل، فأما إذا أكل قبل أداء الجزاء فقد ذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أن عليه جزاء واحداً، ويدخل ضمانُ ما أكل في الجزاء. وذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي))؛ أنه لا رواية في هذه المسألة؛ فيجوز أن يقال: يلزمه جزاءٌ آخرُ، ويجوز أن يقال: يتداخلان، وسواء تولى صيده بنفسه أو بغيره من المحرمين بأمره، أو رمى صيداً فقتله، أو أرسل كلبه أو بازيه المعلم؛ أنه لا يحل له؛ لأن صيد غيره بأمره، صيده معنى، وكذا صيد البازي والكلب والسهم، لأن فعلَ الاصطياد منه، وإنما منه لم يكن عليه جزاء آخر لأنه لحم ميتة وقال الحطاب: لو صيد له وهو محرم ولم يذبح له حتى حل = فذلك مكروه ولا جزاء فيه. وقال المرداوي في الإنصاف (٤٨١/٣) لو ذبح المحرم صيداً، أو قتله: فهو ميتة. نص عليه. وعليه الأصحاب. فيحرم أكله على المحرم والحلال. ولو ذبح مُحِل صيد حرم. فكالمحرم. (١) في أ: بل محظور غيره ولا يحل لغيره. (٢) سقط في ط. ٢٥٤ كِتَابُ الْحَجْ ذلك آلة الاصطياد، والفعل لمستعمل الآلة لا للآلة، ويحل للمحرم أكلُ صيد اصطاده الحلال لنفسه عند عامة العلماء. وقال داود بن علي الأصفهاني: لا يحل، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - روي عن طلحة، وعبيد الله، وقتادة وجابر، وعثمان في رواية أنه يَحِلُّ، وعن علي، وابن عباس، وعثمان في رواية؛ أنه لاَ يَحِلُ. واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً﴾ [المائدة: ٩٦]، أخبر أن صيدَ البر محرم على المحرم مطلقاً، من غير فصل بين أن يكون صيد المحرم أو الحلال، وهكذا قال ابن عباس: إنَّ الآيَةَ مبهمةٌ لا يحلُّ لك أن تَصِيدَهُ، ولا أَنْ تَأْكُلَهُ، وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن الصعب بن جثامة أهدي إلى رسول الله وَل﴿ لَحْمَ حِمَارٍ وَخْشٍ وَهُوَ بِالانْوَاءِ أَوْ بودان فَرَدَّهُ، فَرَأَى النبيَّ ◌َّهِ فِي وَجْهِهِ كَرَاهَةً، فَقَالَ: ((لَيْسَ بِنَا رَدْ عَلَيْكٌ وَلَكِنَّا حُرُمٌ)(١) وفي رواية قال: ((لَوْلاَ أَنَّا حُرُمٌ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ)). وعن زيد بن أرقم؛ أن النبي ◌َِّ نَهَى الْمُخْرِمَ عَنْ لَحْمِ الصَّيْدِ مُطْلِقً(٢). ولنا: ما روي عن أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه - أنه كان حَلاَلاً وأصحابُهُ مُخْرِمُونَ فَشَدَّ عَلَى حِمَارٍ وَخْشٍ فَقَتَّلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَأَبَى الْبَعْضُ فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَّ فقال رسول الله وَّهِ: ((إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوَهَا الله، هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ))(٣) . (١) في أ: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢١٣/١ - منحة المعبود)، حديث (١٠٢٧)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣٠، ٣٤٢)، ومسلم (٣٦٢/٤ - نووي): كتاب الحج: باب تحريم الصيد للمحرم، حديث (١١٩٤/٥٣)، والنسائي (١٨٤/٥، ١٨٥): كتاب المناسك: باب ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد، حديث (٢٨٢٠)، والطحاوي في ((شرح معاني الأثار)) (١٧١/٢): كتاب الحج: باب الصيد يذبحه الحلال في الحل، هل للمحرم أن يأكل منه، والبيهقي في ((سننه)) (١٩١/٥)، وأخرج ابن حبان في صحيحه (٢٨٢/٩ - الإحسان)، حديث (٣٩٧٠)، من حديث ابن عباس فذكره. (٢) أخرجه أحمد (٣٦٩/٤، ٣٧١)، وعبد بن حميد (ص: ١١٥)، حديث (٢٦٩)، وأبو داود في ((سننه)) (٢/ ١٧٠): كتاب المناسك (الحج): باب لحم الصيد للمحرم، حديث (١٨٥٠)، والنسائي (١٨٤/٥): كتاب المناسك: باب ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد، حديث (٢٨٢١)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٧٩/٤، ١٨٠)، حديث (٢٦٤٠)، وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٩/٢): كتاب الحج: باب الصيد يذبحه الحلال في الحل، هل للمحرم أن يأكل منه أم لا؟، والبيهقي (٥٪ ١٩٤): كتاب الحج: باب المحرم لا يقبل ما يهدى له من الصيد حياً، بلفظ أن ابن عباس قال لزيد - رضي الله عنهما -: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله - وَالفر ـ أهدي إليه عضو صيد، فلم يقبله، وقال: إنا حرم؟ قال: نعم. (٣) نقدم تخريجه قريباً. ٢٥٥ كِتَابُ الْحَجْ وعن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَحْمُ صَيْدِ الْبَرْ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ))(١)، وهذا نص في الباب، ولا حجةً لهم في الآية؛ (١) أخرجه أبو داود (٤٢٨/٢): كتاب المناسك (الحج): باب لحم الصيد للمحرم، حديث (١٨٥١) والترمذي (٢٠٣/٣، ٢٠٤): كتاب الحج: باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، حديث (٨٤٦)، والنسائي (١٨٧/٥): كتاب الحج: باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال، والشافعي (٣٢٢/١، ٣٢٣): كتاب الحج: باب فيما يباح للمحرم، وما يحرم، وما يترتب على ارتكابه من المحرمات من الجنايات، حديث (٨٣٩)، وأحمد (٣٦٢/٣)، وابن الجارود (ص: ١٥٤): باب المناسك، حديث (٤٣٧)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٧١/٢): كتاب مناسك الحج: باب الصيد يذبحه الحلال في الحل هل للحرم أن يأكل منه أم لا؟، والدارقطني (٢/ ٢٩٠): كتاب الحج: باب المواقيت، حديث (٢٤٣)، والحاكم (٤٥٢/١): كتاب المناسك، والبيهقي (١٩٠/٥): كتاب الحج: باب ما لا يأكل المحرم من الصيد، وابن خزيمة (٤/ ١٨٠)، رقم (٢٦٤١)، وابن حبان (٩٨٠ - موارد)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٦٢/٩)، والبغوي (١٨٥/٤ - بتحقيقنا)، من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - نَّر - قال: ((صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو یصد لكم)). وقال الترمذي: المطلب لا نعرف له سماعاً من جابر، وقال النسائي: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وكذلك صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال ابن حزم: خبر ساقط، لأنه عن عمرو بن أبي عمرو، وهو ضعيف. وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (١٩١/٥): الحديث فيه أربع علل إحداها الكلام في المطلب ثانيتها أنه لو كان ثقة فلا سماع له من جابر فالحديث مرسل ثالثتها الكلام في عمرو ورابعتها أنه لو كان ثقة فقد اختلف علیه فیه ا. هـ. أما العلة الأولى وهي الكلام في المطلب فهو ثقة. وقال الحافظ في ((التقريب)) (٢٥٤/٢): صدوق كثير التدليس والإرسال وقال ابن عبد الهادي في ((التنقيح" كما في ((نصب الراية)) (١٣٨/٣): والمطلب بن عبد الله ثقة. أما العلة الثانية وهي عدم سماعه من جابر. فقال الترمذي: المطلب لم نعرف له سماعاً من جابر. وقال ابن أبي حاتم في المراسيل (ص: ٢١٠): سمعت أبي يقول المطلب بن عبد الله عامة أحاديثه مراسيل لم يدرك أحداً من أصحاب النبي - ث الر - إلا سهل بن سعد وسلمة بن الأكوع ومن كان قريباً منهم ولم يسمع من جابر ولا من زيد بن ثابت ولا من عمران بن حصين. وقال الترمذي في ((العلل الكبير)) (ص: ٣٨٦-٣٨٧): وسألت محمداً فقال: لا أعرف للمطلب بن حنطب عن أحد من أصحاب النبي - وَلير - سماعاً إلا أنه يقول حدثني من شهد النبي - وَّر - وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن - أي الدارمي - يقول مثله قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب بن حنطب سمع من أنس بن مالك. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٣٨/٣) قال ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) والمطلب بن عبد الله بن حنطب ثقة إلا أنه لم يسمع من جابر. أما العلة الثالثة: وهي الكلام في عمرو بن أبي عمرو. قال الذهبي في «الكاشف» (٣٣٧/٢) صدوق، قال أحمد: ليس به بأس. ٢٥٦ كِتَابُ الْحَجْ لأن فيها تحريمَ صيدِ البرِّ لا تحريم لحم الصيد، وهذا لحم الصيد وليس بصيد حقيقة؛ لانعدام معنى الصيد، وهو الامتناعُ والتوخُش على أن الصيدَ في الحقيقة مَصْدَرٌ، وإنما يطلقُ على المصيد (١) مجازاً. وأما حديثُ الصعب بن جثامة: فقد اختلفت الرواياتُ فيه، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - روي في بعضها: أَنَّهُ أَهْدَى إِلَيْهِ حِمَاراً وَحْشِيّاً؛ كذا روى مالك، وسعيد بن جبير، وغيرهما عن ابن عباس؛ فلا يكون حجة. وحديث زيد بن أرقم محمولٌ على صيد صاده بنفسه، أو غيره بأمره، أو بإعانته، أو بدلالته، أو بإشارته؛ عملاً بالدلائل كلها. وسواء صَادَهُ الحلال لنفسه أو للمحرم بَعْدَ ألا يكون .= وقال الحافظ في ((التقريب)) (٧٥/٢): ثقة ربما وهم. وقال الحافظ في ((هدى الساري)) (ص: ٤٣٢): وثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي. والعلة الرابعة وهي الاختلاف عليه فقيل عنه عبد المطلب بن عبد الله عن جابر وقيل عنه عن رجل عن جابر وقيل عنه عن المطلب عن أبي موسى، أما روايته عن المطلب عن جابر. فقد رواها عنه يعقوب بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الله بن سالم وابن أبي يحيى وسليمان بن بلال وانظر مصادر التخريج. فهم عبد العزيز سهروردي وابن الزناد. أخرجه أحمد (١٨٩/٣) والشافعي (٣٢٣/١) رقم (٨٤١) والدارقطني (٢٩٠/٢-٢٩١) عنه عن رجل عن جابر . أم روايته عن المطلب عبد أبي موسى. فأخرجه الطبراني في الكبير كما في نصب الراية. (١٣٨/٣) والمجمع (٢٣٣/٣) من طريق يوسف بن خالد السمتي عن عمرو به وقال الهيثمي (٢٣٣/٣): رواه الطبراني في الكبير وفيه خالد بن يوسف السمتي وهو ضعيف اهـ قلت بل كذاب. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٧٦/٢): ويوسف متروك. وبالجملة فالحديث ضعيف. ووجدت للحديث شاهداً من حديث ابن عمر. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٦/٥) من طريق عثمان بن خالد العثماني ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ( الر: ((الصيد يأكله المحرم ما لم يصده أو يصد له)). وقال ابن عدي بعد حديث آخر أخرجه من طريقه: وهذا الحديثان عن مالك غير محفوظين ولا أعلم يرويهما غير عثمان بن خالد ولعثمان غير ما ذكرت وكلها غير مخفوظة. وذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٢٧٦/٢ - ٢٧٧) وعزاه إلى الخطيب في الرواة عن مالك من روايه عثمان خالد المخزومي عن مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال: وعثمان ضعيف جداً وقال الخطيب تفرد به عن مالك. (١) في أ: الصيد. ٢٥٧ كِتَابُ الْحَجْ بأمره عندنا، وقال الشافعي: إذا صَادَهُ له لا يحلُّ له أكله؛ واحتج بما روي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: ((صَيْدُ الْبَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوُهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ))(١)، ولا حجة له فيه؛ لأنه لا يصير مصيداً له إلا بأمره، وبه نقول والله أعلم. وأما حكم الصيد إذا جرحه المحرم؛ فإن جرحه جرحاً يخرجه عن حَدِّ الصيد، وهو الممتنع المتوحش؛ بأن قطع رِجْلَ ظبي أو جناح طائر - فعليه الجزاء؛ لأنه أتلفه حيث أخرجه عن حد الصيد؛ فيضمن قيمته، وإن جرحه جرحاً لم يخرجه عن حَدِّ الصيد - يضمن ما نقصته الجراحة؛ لوجود إتلاف ذلك القدر من الصيد، فإن اندملت الجراحة، وبرىء الصيد - لا يسقط الجزاء؛ لأن الجزاءُ يجب بإتلاف جزءٍ من الصيد، وبالاندمال لا يتبين أن الإتلاف لم يكن بخلاف ما إذا جرح آدميّاً فاندملت جراحته، ولم يبق لها أثر؛ أنه لا ضمان عليه؛ لأن الضمان هناك إنما يجب لأجل الشين، وقد ارتفع. فإن رمى صيداً فجرحه، فكفر عنه، ثم رآه(٢) بعد ذلك فقتله - فعليه كفارة أُخرى؛ لأنه لما كفر الجراحة ارتفع حكمها، وجعلت كأن لم تكن، وقتله الآن ابتداء فيجب عليه الضمانُ، لكن ضمان صيد مجروح؛ لأن تلك الجراحة قد أخرج ضمانها مرة؛ فلا تجب مرة أُخرى، فإن جرحه ولم يكفر، ثم رآه بعد ذلك فقتله - فعليه الكفارة، وليس عليه في الجراحة شيءٌ؛ لأنه لما قتله قبل أن يكفر عن الجراحة - صار كأنه قتله دَفْعَةً واحدةً . وذكر الحاكم في ((مختصره)): إلا ما نقصته الجراحة الأولى، أي: يلزمه ضمانُ صيد مجروح؛ لأن ذلك النقصان قد وَجَبَ عليه ضمانه مرة، فلا يجب مرة أخرى، ولو جرح صيداً فكفر عنه قبل أن يموت، ثم مات - أجزأته الكفارة التي أداها؛ لأنه إن أدى الكفارة قبل وجوبها، لكن بعد وجود سبب الوجوب وأنه جائز؛ كما لو جرح إنساناً خطأ فكفر عنه، ثم مات المجروح؛ أنه يجوز لما قلنا كذا هذا. وإن نتف ريش صيد، أو قلع سن ظبي فثبت، وعاد إلى ما كان، أو ضرب على عين ظبي، فابيضت ثم ارتفع بياضها - قال أبو حنيفة في سن الظبي: إنه لا شيء عليه إذا نبت، ولم يحك عنه في غيره شيء، وقال أبو يوسف: عليه صدقة. وجه قوله: إن وجوب الجزاء بالجناية على الإحرام وبالنبات والعود إلى ما كان - لا يتبين أن الجناية لم تكن فلا يسقط الجزاء، ولأبي حنيفة أن وجوب الجزاء لمكان النقصان وقد زال فيزول الضمان؛ كما لو فَلَعَ سنَّ ظبي لم يثغر. (١) تقدم تخريجه. (٢) في أ: رماه. بدائع الصنائع ج٣ - ١٧٣ ٢٥٨ كِتَابُ الْحَجْ وأما حكم أخذ الصَّيد: فالمحرم إذا أخذ الصيد يجب عليه إرساله، سواء كان في يده، أو في قفص معه، أو في بيته؛ لأن الصيد استحق الأمن بإحرامه، وقد فوت عليه الأمن بالأخذ؛ فيجب عليه إعادته إلى حالة الأمن وذلك بالإرسال، فإن أرسله محرم من يده فلا شيء على المرسل؛ لأن الصائد ما ملك الصيد؛ فلم يصر بالإرسال متلفاً ملكه، وإنما وجب عليه الإرسال؛ ليعود إلى حالة الأمن، فإذا أرسل فقد فعل ما وجب عليه. وإن قتله فعلى كل واحد منهما جزاء؛ أما القاتل؛ فلأنه محرم قتل صيداً، وأما الآخذ فلأنه فوت الأمن على الصيد بالأخذ، وأنه سبب لوجوب الضمان إلا أنه يسقط بالإرسال، فإذا تعذر الإرسال لم يسقط، وللآخذ أن يرجع بما ضمن على القاتل عند أصحابنا الثلاثة، [وقال زفر] (١) لا يرجع - وجه قوله: إن المحرم لم يملك الصيد بالأخذ، فكيف يملك بدله عند الإتلاف؟ !. ولنا: أن الملك له وإن (٢) لم يثبت فقد وجد سبب الثبوت في حقه وهو الأخذ، قال ٢٦٤ ب النبي ◌َّهِ: ((الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ))(٣) إِلاَّ أنه تعذر جعله سبباً لملك غير الصيد/؛ فيجعل سبباً لملك بدله؛ فيملك بدله عند الإتلاف، ويجعل كأن الأصل كان ملكه؛ كمن غصب مدبراً فجاء إنسان وقتله في يد الغاصب، أو غصبه من يده؛ فضمن المالك الغاصب؛ فإن للغاصب أن يرجع بالضمان على الغاصب والقاتل، وكذا هذا في غصب أم الولد، وإن لم يملك المدبر وأم الولد ما قلنا؛ كذا هذا. ولو أصاب الحلال صيداً ثم أحرم؛ فإن كان ممسكاً إياه بيده فعليه إرساله؛ ليعود به إلى الأمن الذي استحقه بالإحرام، فإن لم يرسله حتى هلك في يده - يضمن قيمته، وإن أرسله إنسان من يده ضمن له قيمته في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يضمن. وجه قولهما: إن الإرسال كان واجباً على المحرم حقّاً لله، فإذا أرسله الأجنبي فقد احتسب بالإرسال فلا يضمن؛ كما لو أخذه وهو محرم، فأرسله إنسان من يده. ولأبي حنيفة: أنه أتلف صيداً مملوكاً له فيضمن؛ كما لو أتلف قبل الإحرام، والدليل على أن الصَّيد ملكه أنه أخذه وهو حلال، وأخذ الصيد من الحلال سبب الثبوت الملك؛ لقوله ◌َ﴾: ((الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» واللام للملك، والعارض وهو الإحرام أثره في حرمة التعرض، لا في زوال الملك بعد ثبوته . (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: خلافاً لزفر فإنه . (٢) في أ: إنما . (٣) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣١٩،٣١٨/٤): كتاب الصيد: فصل في الرمي، الحديث السابع، وقال: غريب، وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية في تخريج أحاديث الهداية)): لم أجد له أصلاً، وينظر كلامه في ((الدراية)) (٢٥٦/٢)، تحت رقم (٩٩٩). ,٠ ٢٥٩ كِتَابُ الْحَجْ وأما قولهما: إن المرسل احتسب بالإرسال؛ لأنه واجب - فنقول: الواجب هو الإرسال على وجه يفوت يده عن الصيد أصلاً ورأساً، أو على وجه يزول يده الحقيقية عنه؛ إن قالا على وجه يفوت يده أصلاً ورأساً ممنوع، وإن قالا على وجه يزول يده الحقيقية عنه فمسلم، لكن ذلك يحصُل بالإرسال في بيته، وإن أرسله في بيته فلا شيء عليه، بخلاف ما إذا اصطاده وهو محرم فأرسله غيره من يده؛ لأن الواجب على الصائد هناك إرسال الصيد على وجه يعود إليه به الأمن الذي استحقه بإحرامه. وفي الإمساك في القفص أو في البيت - لا يعود الأمن، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن الصيد هناك ما استحق الأمن وقد أخذه، وصار ملكاً له، وإنما يحرم عليه التعرض في حال الإحرام؛ فيجب إزالة التعرض، وذلك يحصُل بزوال يده الحقيقية، فلا يحرم عليه الإرسال في البيت أو في القفص، والدليل على التفرقة بينهما أن في الفصل الأول لو أرسله، ثم وجده بعدما حل من إحرامه في يد آخر - له أن يسترده منه، وفي الفصل الثاني ليس له أن يسترده، وإن كان الصيد في قفص معه - أو في بيته - لا يجب [عليه] (١) إرساله عندنا، وعند الشافعي: يجب، حتى إنه لو لم يرسله فمات - لا يضمن عندنا، وعنده: يضمن، والكلام فيه مبني على أن من أحرم وفي ملكه صيد - لا يزول ملكه عنه عندنا، وعنده: يزول. والصحيح قولنا؛ لما بينا أنه كان ملكاً له، والعارض وهو حرمة التعرض لا يوجب زوال الملك، ويستوي فيما يوجب الجزاء الرجل والمرأة، والمفرد والقارن، غير أن القارن يلزمه جزاءان عندنا؛ لكونه محرماً بإحرامين، فيصير جانياً عليهما؛ فيلزمه كفارتان، وعند الشافعي: لا يلزمه إلا جزاء واحد؛ لكونه محرماً بإحرام واحد. وأما الذي يوجب فساد الحج فالجماع؛ القول عز وجل: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه الْجِمَاعُ، وأنه مفسدٌ للحجِّ؛ لما نذكر في بيان ما يفسد الحج، وبيان حكمه إذا فسد إن شاء الله تعالى، هذا الذي ذكرنا بيان ما يخص المحرم من المحظورات، وهي محظورات الإحرام والله أعلم. فصل في بيان ما يعم المحرم والحلال ويتَّصل بهذا بيان ما يعم المحرم والحلال جميعاً، وهو (٢) محظورات الحرم، فنذكرها، فنقول ـ وبالله التوفيق: محظوراتُ الحرم نوعان: نوع يرجع إلى الصيد، ونوع يرجع إلى النبات، أما الذي يرجع إلى الصيد: فهو أنه لا (١) سقط في ط. (٢) في أ: وهي. - ٢٦٠ كِتَابُ الْحَجْ يحل قتل صيد الحرم للمحرم(١) والحلال جميعاً إلا المؤذيات، المبتدئة بالأذى غالباً، وقد بينا ذلك في صيد الإحرام، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمْ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]، وهذا يتناول صيد الإحرام والحرم جميعاً، لأنه يقال: أحرم إذا دخل في الإحرام، وأحرم إذا دخل في الحرم؛ كما يقال: أنجد إذا دخل نجد، واتهم إذا دخل تهامة، وأعرق إذا دخل العراق، وأحرم إذا دخل في الشهر الحرام، ومنه قول الشاعر في عثمان - رضي الله تعالى عنه - [الكامل] قُتِلَ ابْنُ عَفَّانَ الخَلِيفَةَ مُخْرِمَا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولاً(٢) الخليفة محرما، أي: في الشهر الحرام، واللفظ وإن كان مشتركاً، لكن المشترك في محل النفي يعم لعدم التنافي، إلا أن الدخول في الشهر الحرام ليس بمراد بالإجماع؛ لأن أخذ ١٢٦٥ الصيد في الأشهر/ الحرم لم يكن محظوراً، ثم قد نسخت الأشهر الحرم، فبقي الدخول في (١) اختلف العلماء في إتلاف المدينة فقال الشافعي ومالك وأحمد وأكثر العلماء بحرمة صيد حرم المدينة خلافاً لأبي حنيفة قال النووي في المجموع (٧/ ٤٧٣) يحرم التعرض لصيد حرم المدينة وشجره، هذا هو المذهب، وعليه نص الشافعي، وأطبق عليه جماهير أصحابنا وحكى المتولي والرافعي قولاً شاذاً أنه مكروه ليس بحرام، قال المتولي: وأخذ هذا القول من قول الشافعي، ولا يحرم قتل صيد إلا صيد الحرم، وأكره قتل صيد المدينة، وهذا النقل شاذ ضعيف، بل باطل منابذ الأحاديث الصحيحة (وأما) نص الشافعي فقال القاضي أبو الطيب: هذه الكراهة التي ذكرها الشافعي كراهة تحريم باتفاق أصحابنا، ثم استدل ببعض ما قدمناه من الأحاديث الصحيحة، فالصواب الجزم بالتحريم، وعلى هذا فإذا ارتكب هذا الحرام هل يضمن؟ فيه قولان مشهوران (الجديد) لا يضمن (والقديم) يضمن. قال الخرشي (٣٧٣/٢) المدينة يحرم الصيد في حرمها، ولا جزاء فيه، ولا يؤكل حينئذٍ، وكذلك لا يجوز قطع شجر حرم المدينة وما نبت فيه بنفسه كما في حرم مكة، وما استثني هناك يستثنى هنا، وهل عدم جزاء الصيد بالمدينة، لأن الكفارة لا يقاس عليها، أي والجزاء كفارة فلا يقاس الجزاء في صيد المدينة على الجزاء في صيد مكة، أو لأن حرمة المدينة عندنا أشد كاليمين الغموس قولان. قال في المبدع يحرم صيد المدينة، نقله الجماعة، وشجرها وحشيشها، ولا جزاء في صيد المدينة قال أحمد: في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي - وَ يّر - ولا أحداً من أصحابه حكموا فيه بجزاء، وهو قول أكثر العلماء، واختاره جمع، لأنه يجوز دخولها بغير إحرام أو، لا يصلح لأداء النسك، أو لذبح الهدايا، وكسائر المواضع وكصيد وج، وشجره ولا يلزم من الحرمة الضمان ولا من عدمها عدمه. قال في الانصاف: هذا المذهب قال في الفروع: اختاره غير واحد. (٢) البيت للداعي النميري ينظر ديوانه (ص: ٢٣١) وجمهرة اللغة (ص: ٥٢٢) وتهذيب اللغة (٤٥/٥) وأساس البلاغة (حرم)) ولسان العرب (١٢٣/١٢) (حرم) وشرح ديوان الحماسة المرزوقي (ص: ٧٥١) وتاج العروس (حرم) وبلا نسبة في مقاييس اللغة (٤٥/٢) ومجمل اللغة (٤٩/٢) والمخصص (١٢/ ٣٠٠) وراجع المزيد من مصادر البيت في ديوانه (ص: ٢٣١-٢٣٢).