Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كِتَابُ الْحَجْ
وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أنه لا بأس به، ولو شمه لا شَيْءَ عليه عندنا
وقال الشافعي: تجب عليه الفدية.
وجه قوله: أن الطيب ماله رائحة [طيبة](١) والريحان [ما] (٢) له رائحة طيبة، فكان طيباً.
وأنا نقول: نعم إنه طيب، لكنه لم يلتزق ببدنه ولا بثيابه شيء منه، وإنما شم رائحته فقط،
وهذا لا يوجب الكفارة، كما لو جلس عند العطارين فشم رائحة العطر، إلا أنه كره؛ لما فيه
من الارتفاق، وكذا كل نبات له رائحة طبية، وكل ثمرة لها رائحة طيبة؛ لأنه ارتفاق بالرائحة،
ولو فعل لا شيء عليه؛ لأنه لم يلتزق ببدنه وثيابه شيء منه.
وحكي عن مالك: أنه كان يأمر برفع العطارين بمكة في أيام الحج؛ وذلك غير سديد؛
لأن النبي وَلّ وأصحابه لم يفعلوا ذلك، فإن شم المحرم رائحة طيب تطيب به قبل الإحرام لا
بأس به؛ لأن استعمال الطيب حصل في وقت مباح؛ فبقي شم نفس الرائحة فلا يمنع منه، كما
لو مر بالعطارين.
وروى ابن سماعة عن محمد: أن رجلاً لو دخل بيتاً قد أجمر، وطال مكثه بالبيت،
فعلق في ثوبه شيء يسير - فلا شيء عليه، لأن الرائحة لم تتعلق بعين، وبمجرد الرائحة لا يمنع
منها. فإن استجمر بثوب، فعلق بثوبه شيء كثير فعليه دم؛ لأن الرائحة - لههنا - تعلقت بعين،
وقد استعملها في بدنه؛ فصار كما لو تطيب.
وذكر ابن رستم عن محمد، فيمن اكتحل بكحل، قد طيب مرة أو مرتين: فعليه صدقة،
وإن كان كثيراً فعليه دم؛ لأن الطيب إذا غلب الكحل فلا فرق بين استعماله على طريق التداوي أو
التطيب، فإن مس طيباً فلزق بيده فهو بمنزلة التطيب؛ لأنه طيب به يده؛ وإن لم يقصد به
التطيب؛ لأن القصد ليس بشرط لوجوب الكفارة. وقالوا فيمن استلم الحجر فأصاب يده من
طيبه: إن عليه الكفارة؛ لأنه استعمل الطيب؛ وإن لم يقصد به التطيب، ووجوب الكفارة لا يقف
على القصد. فإن داوى جرحاً أو تطيب لعلة، ثم حدث جرح آخر قبل: أن يبرأ الأول - فعليه
كفارة واحدة؛ لأن العذر الأول باقٍ، فكان جهة الاستعمال واحدة، فتكفيه كفارة واحدة/، كما ١٢٥٧
قلنا في لبس المخيط، ولا بأس بأن يحتجم المحرم ويفتصد، ويبط القرحة، ويعصب عليه
الخرقة، ويجبر الكسر، وينزع الضرس إذا اشتكى منه، ويدخل الحمام ويغتسل؛ لما روي: أن
رسول الله وَي# احتجم وهو صائم محرم بالفاحة؛ والفصد وبط القرحة والجرح في معنى
الحجامة، ولأنه ليس في هذه الأشياء إلا شق الجلدة؛ والمحرم غير ممنوع عن ذلك، ولأنها من
-
(١) سقط في ط .
(٢) سقط في ط.

٢٢٢
كِتَابُ الْحَجْ
باب التداوي، والإحرام لا يمنع [من التداوي] (١)؛ [وكذا جبر الكسر من باب العلاج، والمحرم
لا يمنع منه](٢)؛ وكذا قلع الضرس وهو - أيضاً - من باب إزالة الضرر؛ فيشبه قطع اليد من
الأكلة؛ وذا لا يمنع منه المحرم؛ كذا هذا.
وأما الاغتسال: فلما روي: أن رسول الله وَلو اغتسل وهو محرم وقال: ((ما نفعل
بأوساخنا» فإن غسل رأسه ولحيته بالخطمي فعليه دم في قول أبي حنيفة. وعند أبي يوسف،
ومحمد: عليه صدقة. لهما: أن الخطمي ليس بطيب، وإنما يزيل الوسخ؛ فأشبه الأشنان؛ فلا
يجب به الدم، وتجب الصدقة؛ لأنه يقتل الهوام، لا لأنه طيب.
ولأبي حنيفة: إن الخطمي طيب؛ لأن له رائحة طيبة؛ فيجب به الدم كسائر أنواع
الطيب، ولأنه يزيل الشعث، ويقتل الهوام؛ فأشبه الحلق. فإن خضب رأسه ولحيته بالحناء
فعليه دم؛ لأن الحناء طيب؛ لما روي: أن رسول الله وَ﴿ نهى المعتدة أن تختضب بالحناء،
وقال: الحناء طيب، ولأن الطيب ماله رائحة طيبة، وللحناء رائحة طيبة؛ فكان طيباً. وإن
خضبت المحرمة يديها بالحناء فعليها دم، وإن كان قليلاً فعليها صدقة؛ لأن الارتفاق الكامل لا
يحصل إلا بتطبيب عضو كامل، والقسط طيب؛ لأن له رائحة طيبة، ولهذا يتبخر به ويلتذ
برائحته، والوسمة ليس بطيب؛ لأنه ليس لها رائحة طيبة بل كريهة، وإنما تغير الشعر؛ وذلك
ليس من باب الارتفاق بل من باب الزينة، فإن خاف أن يقتل دواب الرأس تصدق بشيء؛ لأنه
يزيل التفث(٣).
وروي عن أبي يوسف فيمن خضب رأسه بالوسمة: أن عليه دماً، لا لأجل الخضاب،
بل لأجل تغطية الرأس، والكحل ليس بطيب، وللمحرم أن يكتحل بكحل ليس فيه طيب.
وقال ابن أبي ليلى: هو طيب وليس للمحرم أن يكتحل به؛ وهذا غير سديد؛ لأنه ليس
له رائحة طيبة فلا يكون طيباً، ويستوي في وجوب الجزاء بالتطيب الذكر والنسيان والطوع
والكره (٤) عندنا - كما في لبس المخيط؛ خلافاً للشافعي على ما مر. والرجل والمرأة في
الطيب(٥) سواء في الحظر، ووجوب الجزاء؛ لاستوائهما في الحاظر والموجب للجزاء، وكذا
القارن والمفرد، إلا أن على القارن مثلي ما على المفرد عندنا؛ لأنه محرم بإحرامين، فأدخل
نقصاً في إحرامين؛ فيؤاخذ بجزاءين. ولا يحل للقارن والمفرد التطيب ما لم يحلقا أو يقصرا؛
البقاء الإحرام قبل الحلق أو التقصير؛ فكان الحاظر باقياً فيبقى الحظر، وكذا المعتمر لما قلنا،
وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. والله - تعالى - أعلم.
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: منه.
(٣) في أ: الشعث.
(٥) في أ: التطيب.
(٢) سقط في أ.
(٤) في أ: الإكراه.

٢٢٣
كِتَابُ الْحَجْ
فصل فيما يجري مجرى الطيب
وأما ما يجري مجرى الطيب؛ من إزالة الشعث، وقضاء التفث - فحلق الشعر، وقلم
الظفر. أما الحلق فنقول: لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر؛ لقوله تعالى: ﴿ولا
تحلقوا رُؤُوْسَكُمْ حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] وقول النبي ◌ّ ((المحرم الأشعث
الأغبر))(١) وسئل رسول الله بَلـ: من الحاج؟ فقال: ((الشعث التفث)) وحلق الرأس يزيل
الشعث والتفث(٢)، ولأنه من باب الارتفاق بمرافق المقيمين؛ والمحرم ممنوع عن ذلك، ولأنه
نوع نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام، فيحرم التعرض له، كالنبات الذي استفاد الأمن بسبب
الحرم، وهو الشجر والخلي؛ وكذا لا يطلي رأسه بنورة؛ لأنه في معنى الحلق، وكذا لا يزيل
شعرة من شعر رأسه ولا يطليها بالنورة لما قلنا.
فإن حلق رأسه: فإن حلقه من غير عذر فعليه دم، لا يجزيه غيره؛ لأنه ارتفاق كامل من
غير ضرورة، وإن حلقه لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة؛ لقوله عز وجل: ﴿فمن كان منكم
مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦] ولما روينا من
حديث كعب بن عجرة، لأن الضرورة لها أثر في التخفيف؛ فخير بين الأشياء الثلاثة تخفيفاً
وتيسيراً. وإن حلق ثلثه أو ربعه فعليه دم. وإن حلق دون الربع فعليه صدقة؛ كذا ذكر في ظاهر
الرواية ولم يذكر الاختلاف.
وحكى الطحاوي في ((مختصره)) الاختلاف فقال: إذا حلق ربع رأسه يجب عليه الدم في
قول أبي حنيفة. وفي قول أبي يوسف، ومحمد: لا يجب ما لم يحلق أكثر رأسه. وذكر
القدوري في ((شرحه مختصر الحاكم): إذا حلق ربع رأسه يجب عليه دم في / قول أبي حنيفة. ٢٥٧ب
وعند أبي يوسف: إذا حلق أكثره يجب. وعند محمد: إذا حلق شعرة يجب. وقال الشافعي إذا
حلق ثلاث شعرات يجب. وقال مالك: لا يجب إلاَّ بحلق الكل. وعلى هذا: إذا حلق لحيته
أو ثلثها أو ربعها.
احتج مالك بقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رُؤُوْسَكُمْ حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦]
والرأس اسم لكل هذا المحدود.
وجه قول الشافعي: أن الثلاث جمع صحيح، فيقوم مقام الكل؛ ولهذا قام مقام الكل في
مسح الرأس، ولأن الشعر نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام، فيستوي فيه قليله وكثيره،
كالنبات الذي استفاد الأمن بسبب الحرم من الشجر والخلي. وأما الكلام بين أصحابنا: فمبني
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في أ: الغبر.

٢٢٤
كِتَابُ الْحَجْ
على أن حلق الكثير يوجب الدم، والقليل يوجب الصدقة، واختلفوا في الحد الفاصل بين
القليل والكثير: فجعل أبو حنيفة ما دون الربع قليلاً، والربع وما فوقه كثيراً. وهما على ما ذكر
الطحاوي: جعلا ما دون النصف قليلاً، وما زاد على النصف كثيراً، والوجه لهما: أن القليل
والكثير من أسماء المقابلة، وإنما يعرف ذلك بمقابله، فإن كان مقابله قليلاً فهو كثير، وإن كان
كثيراً فهو قليل، فيلزم منه أن يكون الربع قليلاً؛ لأن ما يقابله كثير، فكان هو قليلاً. والوجه
لأبي حنيفة: أن الربع في حلق الرأس بمنزلة الكل(١).
ألا ترى: أن من عادة كثير من الأجيال، من العرب والترك والكرد الاقتصار على حلق
ربع الرأس؛ ولذا يقول القائل: رأيت فلاناً؛ يكون صادقاً في مقالته، وإن لم يرد إلا أحد
جوانبه الأربع؛ ولهذا أقيم مقام الكل في المسح، وفي الخروج من الإحرام؛ بأن حلق ربع
رأسه للتحلل والخروج من الإحرام؛ أنه يتحلل ويخرج من الإحرام، فكان حلق ربع الرأس
ارتفاقاً كاملاً؛ فكانت جناية كاملة؛ فيوجب كفارة كاملة. وكذا حلق ربع اللحية لأهل بعض
البلاد معتاد كالعراق ونحوها؛ فكان حلق الربع منها كحلق الكل. ولا حجة لمالك في الآية؛
لأن فيها نهياً عن حلق الكل؛ وذا لا ينفي النهي عن حلق البعض؛ فكان تمسكاً بالمسكوت؛
فلا يصح. وما قاله الشافعي غير سديد؛ لأن آخذ ثلاث شعرات لا يسمى حالقاً في العرف،
فلا يتناوله نص الحلق، كما لا يسمى ماسح ثلاث شعرات ماسحاً في العرف، حتى لم يتناوله
نص المسح، على أن وجوب الدم متعلق بارتفاق كامل، وحلق ثلاث شعرات ليس بارتفاق
كامل؛ فلا يوجب كفارة كاملة .
وقوله: إنه نبات استفاد الأمن بسب الإحرام - مسلم، لكن هذا يقتضي حرمة التعرض
لقليله وكثيره؛ [ونحن به نقول](٢)، ولا كلام فيه، وإنما الكلام في وجوب الدم؛ وذا يقف
على ارتفاق كامل؛ ولم يوجد. وقد خرج الجواب عن قولهما: إن القليل والكثير يعرف
بالمقابلة؛ لما ذكرنا أن الربع كثير من غير مقابلة في بعض المواضع، فيعمل عليه في موضع
الاحتياط. ولو أخذ شيئاً من رأسه أو لحيته، أو لمس شيئاً من ذلك فانتثر منه شعرة - فعليه
صدقة؛ لوجود الارتفاق بإزالة التفث، هذا إذا حلق رأس نفسه، فأما إذا حلق رأس غيره؛
فعلى الحالق صدقة عندنا.
وقال مالك والشافعي: لا شيء على الحالق. وجه قولهما: إن وجوب الجزاء لوجود
الارتفاق، ولم يوجد من الحالق.
(١) في أ: الكمال.
(٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: ويجزئه.

٢٢٥
كِتَابُ الْحَج
ولنا: أن المحرم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه ممنوع من حلق رأس غيره؛ لقوله
عز وجل: ﴿ولا تحلقوا رُؤُوْسَكُمْ حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] والإنسان لا يحلق رأس
نفسه عادة، إلا أنه لما حرم عليه حلق رأس غيره، يحرم عليه حلق رأس نفسه من طريق
الأولى، فتجب عليه الصدقة، ولا يجب عليه الدم؛ لعدم الارتفاق في حقه، وسواء كان
المحلوق حلالاً أو حراماً لما قلنا، غير أنه إن كان حلالاً لا شىء عليه، وإن كان حراماً فعليه
الدم؛ لحصول الارتفاق الكامل(١) له، وسواء كان الحلق بأمر المحلوق أو بغير أمره، طائعاً أو
مكرهاً عندنا.
وقال الشافعي: إن كان مكرهاً فلا شيء عليه، وإن لم يكن مكرهاً لكنه سكت - ففيه
وجهان؛ والصحيح قولنا؛ لأن الإكراه لا يسلب الحظر، وكمال الارتفاق موجود؛ فيجب عليه
كمال الجزاء، وليس له أن يرجع به على الحالق. وعن القاضي أبي حازم: أنه يرجع عليه
بالكفارة؛ لأن الحالق هو الذي أدخله في عهدة الضمان؛ فكان له أن يرجع عليه كالمكره على
إتلاف المال.
ولنا: أن الارتفاق الكامل حصل له(٢)، فلا يرجع على أحد؛ إذ لو رجع لسلم له العوض
والمعوض؛ وهذا لا يجوز، كالمغرور إذا وطىء الجارية وغرم العقر؛ أنه لا يرجع به على
الغار لما قلنا؛ كذا هذا.
وإن كان الحالق حلالاً فلا شيء عليه، وحكم المحلوق ما ذكرنا. وإن حلق شاربه فعليه
صدقة؛ لأن الشارب تبع للحية. ألا ترى أنه ينبت تبعاً للحية ويؤخذ تبعاً للحية أيضاً، ولأنه
قليل فلا يتكامل معنى الجناية .
وذكر في ((الجامع الصغير)): محرم أخذ من/ شاربه فعليه حكومة عدل؛ وهي أن ينظركم ١٢٥٨
[تكون مقادير](٣) أدنى ما يجب في اللحية من الدم، وهو الربع، فتجب الصدقة بقدره، حتى
لو كان مثل ربع اللحية يجب [ربع قيمة] (٤) الشاة؛ لأنه تبع للحية، وقوله: أخذ من شاربه،
إشارة إلى النقص؛ وهو السنة في الشارب لا الحلق.
وذكر الطحاوي في ((شرح الآثار)): أن السنة فيه الحلق، ونسب ذلك إلى أبي حنيفة،
وأبي يوسف، ومحمد - رحمهم الله - والصحيح: أن السنة فيه القص؛ لما ذكرنا أنه تبع
(١) في أ: ارتفاق كامل.
(٢) في أ: يحصل له.
(٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: يكون مقام.
(٤) بدل ما بين المعكوفين في أ: قيمة ربع.
بدائع الصنائع ج ٣ - م١٥

٢٢٦
كِتَابُ الْحَجْ
اللحية، والسنة في اللحية القص لا الحلق؛ كذا في الشارب، ولأن الحلق يشينه ويصير(١)
بمعنى المثلة؛ ولهذا لم يكن سنة في اللحية، بل كان بدعة؛ فكذا في الشارب. ولو حلق
الرقبة فعليه الدم (٢)؛ لأنه عضو كامل مقصود بالارتفاق بحلق شعره، فتجب كفارة كاملة كما
في حلق الرأس. ولو نتف أحد الإبطين فعليه دم لما قلنا.
ولو نتف الإبطين جميعاً تكفيه كفارة واحدة؛ لأن جنس الجناية واحد، والحاظر واحد،
والجهة غير متقومة فتكفيها(٣) كفارة واحدة. ولو نتف من أحد الإبطين أكثره فعليه صدقة؛ لأن
الأكثر فيما له نظير في البدن لا يقام مقام كله؛ بخلاف الرأس واللحية والرقبة، وما لا نظير له
في البدن. ثم ذكر في الإبط النتف في الأصل، وهو إشارة إلى أن السنة فيه النتف وهو
كذلك.
وذكر في ((الجامع الصغير)) وهو إشارةٌ إلى أنه ليس بحرام، ولو حلق موضع المحاجم -
فعليه دَمّ في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: فيه صدقة.
وجه قولهما: إن موضع الحجامة غير مقصود بالحلق، بل هو تابع؛ فلا يتعلق بحلقه دم
كحلق الشارب؛ لأنه إذا لم يكن مقصوداً بالحلق لا تتكامل الجناية بحلقه؛ فلا تجب به كفارة
كاملة؛ ولأنه إنما يحلق للحجامة لا لنفسه، والحجامة لا توجب الدم؛ لأنه ليس من
محظورات الإحرام على ما بينا، فكذا ما يفعل لها؛ ولأن ما عليه من الشَّعَر قليل، فأشبه
الصدر والساعد والساق، ولا يجب بحلقها دم، بل صدقة؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة أن هذا عضو مقصود بالحلق لمن يحتاج إلى حلقه، لأن الحجامة أمر
مقصود لمن يحتاج إليها لاستفراغ المادة الدموية، ولهذا لا يحلق تبعاً للرأس ولا للرقبة، فأشبه
حلق الإبط والعانة، ويستوي في وجوب الجزاء بالحلق العمد والسهو، والطوع والكره عندنا،
والرجل والمرأة، والمفرد والقارن، غير أن القارن يلزمه جزاءان عندنا؛ لكونه محرماً بإحرامين
على ما بينا.
وأما قلم الظفر: فنقول: لا يجوز للمحرم قلم أظفاره(٤)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا
تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقلم الأظفار من قضاء التفث، رتب الله تعالى قضاء التفث على الذبح؛
لأنه ذكره بكلمة موضوعة للترتيب مع التراخي، بقوله عز وجل: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّام
مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ﴾
(١) في أ: ويصيره.
(٣) في أ: فيكفيهما.
(٤) في أ: أظافيره.
(٢) في أ: دم.

٢٢٧
كِتَابُ الْحَجْ
[الحج: ٢٨ - ٢٩]، فلا يجوز [قبل)](١) الذَّبْحُ؛ لأنه ارتفاق بمرافق المقيمين، والمحرم ممنوع عن
ذلك، ولأنه نوع نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام، فيحرم التعرض له كالنوع الآخر، وهو
النبات الذي استفاد الأمن بسبب الحرم؛ فإن قلم أظافير يد أو رجل من غير عذر وضرورة -
فعليه دم؛ لأنه ارتفاق كامل فتكاملت الجناية؛ فتجب كفارة كاملة، وإن قلم أقل من يد أو رجل
- فعليه صدقة؛ لكل ظفر نصفُ صاعٍ، وهذا قولُ أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: إذا قلم ثلاثة أظفار - فعليه دم.
وجه قوله: إن ثلاثة أظافير من اليد أكثرها، والأكثر يقوم مقام الكل في هذا الباب، كما
في حلق الرأس. ولأصحابنا الثَّلاثة أن قلم ما دون اليد ليس بارتفاق كامل؛ فلا يوجب كفارة
كاملة، وأما قوله: الأكثر يقوم مقام الكل - فنقول: إن اليد الواحدة قد أقيمت مقام كل
الأطراف في وجوب الدم. وما أقيم مقام الكل لا يقوم أكثره مقامه؛ كما في الرأس أنه لما أقيم
الربع فيه مقام الكل، لا يقام أكثر الربع مقامه؛ وهذا لأنه لو أقيم أكثر ما أقيم مقام الكل مقامه -
لأقيم أكثر أكثره مقامه؛ فيؤدي إلى إبطال التقدير أصلاً ورأساً؛ وهذا لا يجوز.
فإن قلم خمسة أظافير من الأعضاء الأربعة متفرقة [من](٢): اليدين والرجلين - فعليه
صدقة لكل ظفر نصف صاع، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: عليه دم، وكذلك
لو قلم من كل عضو من الأعضاء الأربعة أربعة أظافير - فعليه صدقة عندهما، وإن كان يبلغ
جملتها ستة عشر ظفراً، ويجب في كل ظفر نصف صاع من بر، إلا إذا بلغت قيمة الطعام دماً
فينقص منه ما شاء.
وعند محمد: عليه دم، فمحمد اعتبر عدد الخمسة لا غير، ولم يعتبر التفرق
والاجتماع، وأبو حنيفة وأبو / يوسف اعتبرا مع عدد الخمسة صفة الاجتماع، وهو أن يكون من ٢٥٨ب
محل واحد.
وجه قول محمد: إن قلم أظافير يد واحدة أو رجل واحدة؛ إنما أوجب الدم؛ لكونها
ربع الأعضاء المتفرقة، وهذا المعنى يستوي فيه المجتمعُ والمتفرق؛ ألا ترى أنهما استويا في
الأرش؛ بأن قطع خمسة أظافير متفرقة؛ فكذا هذا.
ولهما: أن الدم إنما يجب بارتفاق كامل، ولا يحصُل ذلك بالقلم متفرقاً؛ لأن ذلك
شين(٣) ويصير مثلة؛ فلا تجب به كفارة كاملة، ويجب في كل ظفر نصف صاع من حنطة، إلا
(١) سقط في ط.
(٣) في أ: يشين.
(٢) سقط في ط .

٢٢٨
كِتَابُ الْحَجْ
أن تبلغ قيمة الطعام دماً، فينقص منه ما شاء؛ لأنا إنما لم نوجب عليه الدم؛ لعدم تناهي الجناية
لعدم ارتفاق كامل، فلا يجب أن يبلغ قيمة الدم، فإن اختار الدم فله ذلك وليس عليه غيره.
فإن قلم خمسة أظافير من يد واحدة أو رجل واحدة ولم يكفر، ثم قلم أظافير يده
الأُخرى أو رجله الأُخرى - فإن كان في مجلس واحد، فعليه دم واحد استحساناً، والقياس أن
يجب لكل واحد دم؛ لما سنذكر إن شاء الله تعالى، وإن كان في مجلسين فعليه دمان في قول
أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: عليه دم واحد ما لم يكفر للأول، وأجمعوا على أنه لو
قلم خمسة أظافير من يد واحدة أو رجل واحدة، وحلق ربع رأسه، وطيب عضواً واحداً - أن
عليه لكل جنس دماً على حدة، سواء كان في مجلس واحد أو في مجالس مختلفة.
٠
وأجمعوا في كفارة الفطر على أنه إذا جَامَعَ في اليوم الأول، وأكل في اليوم الثاني،
وشرب في اليوم الثالث؛ أنه إن كفر للأول فعليه كفارة أخرى، وإن لم يكفر للأول فعليه كفارة
واحدة، فأبو حنيفة وأبو يوسف جعلا اختلاف المجلس كاختلاف الجنس، ومحمد جعل
اختلاف المجلس كاتحاده عند اتفاق الجنس، وعلى هذا إذا قلم (١) أظافير اليدين والرجلين؛ أنه
إن كان في مجلس واحد يكفيه دَمٌ واحد استحساناً.
والقياس: أن يجب عليه بقلم أظافر كُلِّ عضو من يد أو رجل - دم، وإن كان في مجلس
واحد، وجه القياس أن الدم إنما يجب لحصول الارتفاق الكامل؛ لأن بذلك تتكامل الجناية،
فتتكامل الكفارة وقلم أظافير كُلِّ عضو ارتفاق على حدة؛ فيستدعي كفارة على حدة.
وجه الاستحسان: أن جنس الجناية واحد، حظرها إحرام واحد بجهة غير متقومة، فلا
يوجب إلا دماً واحداً؛ كما في حلق الرأس أنه إذا حلق الربع يجب عليه دم، ولو حلق الكل
يجب عليه دم واحد لما قلنا؛ كذا هذا.
إن كان في مجالس مختلفة: يجب لكل من ذلك كفارة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف،
سواء كفر للأول أو لا، وعند محمد: إن لم يكفر للأول فعليه كفارة واحدة، وجه قوله: إن
الكفارة تجب بهتك حرمة الإحرام، وقد انهتك حرمته بقلم أظافير العضو الأول، وهتك
المهتوك لا يتصور؛ فلا يلزمه كفارة أخرى؛ ولهذا لا يجب كفارة أخرى بالإفطار في يومين من
رمضان؛ لأن وجوبها بهتك حرمة الشهر وجبراً لها، وقد انهتك بإفساد الصوم في اليوم الأول؛
فلا يتصور هتكاً (٢) بالإفساد في اليوم الثاني والثالث؛ كذا هذا.
(١) في ط: قطع.
(٢) في أ: هتكها.

٢٢٩
كِتَابُ الْحَجْ
بخلاف ما إذا كفر للأول؛ لأنه انجبر الهتكُ بالكفارة، وجعل كأنه لم يكن فعادت حرمة
الإحرام، [فإذا هتكها تجب كفارة أُخرى جبراً لها](١)، كما في كفارة رمضان، ولهما أن كفارة
الإحرام تجب بالجناية على الإحرام، والإحرام قائم؛ فكان كل فعل جناية على حدة على
الإحرام، فيستدعي كفارة على حدة، إلا أن عند اتحاد المجلس جعلت الجنايات المتعددة
حقيقة متحدة حكماً؛ لأن المجلس جعل في الشرع جامعاً للأفعال المختلفة؛ كما في خيار
المخيرة، وسجدة التلاوة، والإيجاب والقبول في البيع، وغير ذلك.
فإذا اختلف المجلس أعطي لكل جناية حكم نفسها، فيعتبر في الحكم المتعلق بها
بخلاف كفارة الإفطار؛ لأنها ما وجبت بالجناية على الصَّوم، بل جبراً لهتك حرمة الشّهر،
وحرمة الشهر واحدة لا تتجزأ، وقد انهتكت حرمته بالإفطار الأول فلا يحتملُ الهتك ثانياً.
ولو قلم أظافير يد لأذى في كفه - فعليه أي الكفارات شاء؛ لما ذكرنا أن ما حظره
الإحرام إذا فعله المحرم عن ضرورة وعذر - فكفارته أحد الأشياء الثلاثة، والله عز وجل أعلم.
ولو انكسر ظفر المحرم، فانقطعت منه شظية فقلعها - لم يكن عليه شيء إذا كان مما لا
يثبت؛ لأنها كالزائدة؛ ولأنها خرجت عن احتمال النماء؛ فأشبهت شجر الحرم إذا يبس،
فقطعه(٢) إنسان؛ أنه لا ضَمَانَ عليه، كذا هذا.
وإن قلم المحرم أظافير حلال أو محرم، أو قلم الحلال أظافير محرم - فحكمه حكم
الحلق، وقد ذكرنا ذلك كله والله أعلم، والذكر والنسيان، والطوع والكره في وجوب الفدية
بالقلم - سواء عندنا، خلافاً للشافعي، وكذا يستوي فيه الرجل والمرأة، والمفرد والقارن، إلا
أن على القارن ضعف ما على / المفرد لما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
٦٢٥٩
فصل
وأما الذي يرجع إلى توابع الجماع: فيجب على المحرم أن يجتنب الدواعي من التقبيل
واللمس بشهوة، والمباشرة والجماع فيما دون الفرج؛ لقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ
الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قيل في بعض وجوه التأويل: أن
الرفث جميع حاجات الرجال إلى النساء، وسئلت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عما يحل
للمحرم من امرأته، فقالت: يحرم عليه كل شيء إلا الكلام، فإن جامع فيما دون الفرج أنزل أو
لم ينزل، أو قبل، أو لمس بشهوة أو باشر - فعليه دم، لكن لا يفسد حجه، أما عدم فساد
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: فقلعه .

٢٣٠
كِتَابُ الْحَجْ
الحج؛ فلأن ذلك حكم متعلق بالجماع في الفرج على طريق التغليظ، وأما وجوب الدم؛
فلحصول ارتفاق كامل مقصود.
وقد روي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: ((إذا باشر المحرمُ امرأته -
فعليه دم)) ولم يرو عن غيره خلافه، وسواء فعل ذاكراً أو ناسياً عندنا خلافاً للشافعي؛ ولو نظر
إلى فرج امرأته عن شهوة فأمنى - فلا شيء عليه، بخلاف المس عن شهوة؛ أنه يوجب الدم؛
أمنی أو لم یمن.
ووجه الفرق: أن اللمس استمتاعٌ بالمرأة وقضاء للشهوة؛ فكان ارتفاقاً كاملاً. فأما النظر
فليس من باب الاستمتاع ولا قضاء الشهوة، بل هو سببٌ لزرع الشهوة في القلب، والمحرم
غير ممنوع عما (١) يزرع الشهوة كالأكل، وذكر في ((الجامع الصغير)): إذا لمس بشهوة فأمنى
فعليه دم، وقوله: أمنى ليس على سبيل الشرط؛ لأنه ذكر في الأصل أن عليه دماً؛ أنزل أو لم
ينزل .
فصل في بيان محرمات الإحرام من الصيد
وأما الذي يرجع إلى الصيد: فنقول: لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول
وغير المأكول عندنا، إلا المؤذي المبتدىء بالأذى غالباً، والكلام في هذا الفصل يقع في
مَوَاضِعَ؛ في تفسير الصيد أنه ما هو، وفي بيان أنواعه، وفي بيان ما يحل اصطياده للمحرم وما
يحرم عليه، وفي بيان حكم ما يحرم(٢) عليه اصطياده إذا اصطاده.
أما الأول: فالصيد هو الممتنع المتوحش من الناس في أصل الخلقة؛ إما بقوائمه أو
بجناحه(٣). فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم؛ لأنها ليست بصيد؛ لعدم الامتناع
والتوحش من الناس، وكذا الدجاج والبط الذي يكون في المنازل، وهو المسمى بالبط
الكسكري؛ لانعدام معنى الصيد فيهما، وهو الامتناع والتوحش. فأما البط الذي يكون عند
الناس ويطير - فهو صيد؛ لوجود معنى الصيد فيه، والحمام المسرول صيد وفيه الجزاء عند
عامة العلماء، وعند مالك: ليس بصید.
وجه قوله: إن الصيد اسم للمتوحش والحمام المسرول مستأنس؛ فلا يكون صيداً
كالدجاج والبط الذي يكون في المنازل.
(١) في أ: كما.
(٢) في أ: يحرمه.
(٣) في أ: بجناحيه.

٢٣١
كِتَابُ الْحَجْ
ولنا: أن جنس الحمام متوحش في أصل الخلقة، وإنما يستأنس البعض منه بالتولد
والتأنيس(١) مع بقائه صيداً؛ كالظبية المستأنسة، والنعامة المستأنسة، والطوطى، ونحو ذلك
حتى يجب فيه الجزاء، وكذا المستأنس في الخلقة قد يصير مستوحشاً؛ كالإبل إذا توحشت(٢)،
وليس له حكم الصيد، حتى لا يجب فيه الجزاء، فعلم أن العبرة بالتوحش والاستئناس في
أصل الخلقة، وجنس الحمام متوحش(٣) في أصل الخلقة، وإنما يستأنس البعض منه لعارض؛
فكان صيداً، بخلاف البطّ الذي يكون عند الناس في المنازل، فإن ذلك ليس من جنس
المتوحش، بل هو من جنس آخر، والكلب ليس بصيد، لأنه ليس بمتوحش بل هو مستأنس،
سواء كان أهلياً أو وحشياً؛ لأن الكلب أهلي في الأصل، لكن ربما يتوحش لعارض، فأشبه
الإبل إذا توحشت، وكذا السنور الأهلي ليس بصيد لأنه مستأنس.
وأما البري: ففيه روايتان، روى هشام عن أبي حنيفة: أن فيه الجزاء، وروى الحسن
عنه: أنه لا شيء فيه كالأهلي، وجه رواية هشام؛ أنه متوحش، فأشبه الثعلب ونحوه، وجه
رواية الحسن: أن جنس السنور مستأنس في أصل الخلقة، وإنما يتوحش البعض منه لعارض،
فأشبه البعير إذا توحش، ولا بأس بقتل البرغوث والبعوض، والنملة والذباب، والحلم،
والقراد والزنبور، لأنها ليست بصيد؛ لانعدام التوحش والامتناع.
ألا ترى أنها تطلب الإنسان مع امتناعه منها، وقد روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه -
أنه كان يقرد بعيره وهو محرم؛ ولأن هذه الأشياء من المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً، فالتحقت
بالمؤذيات المنصوص عليها من الحية والعقرب وغيرهما، ولا يقتل القملة لا لأنها صيد/ ؛ بل ٢٥٩ب
لما فيها من إزالة التفث؛ لأنه متولد من البدن كالشعر، والمحرم منهي (٤) عن إزالة التفث من
بدنه، فإن قتلها تصدق بشيء كما لو أزال شعرة، ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الصدقة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة؛ أنه قال: إذا قتل المحرم قملة أو ألقاها - أطعم كسرة،
وإن كانتا اثنتين أو ثلاثاً أطعم قبضة من الطعام، وإن كانت كبيرة (6) أطعم نصف صاع، وكذا لا
يقتل الجرادة؛ لأنها صيد البر؛ إما كونه صيداً؛ فلأنه متوحش في أصل الخلقة، وأما كونه صيد
البر؛ فلأنه توالده في البكر؛ ولذا لا يعيش إلا في البر، حتى لو وقع في الماء يموت، فإن
قتلها تصدق بشيء من الطعام.
(١) زاد في أ: ولا عبرة لذلك ولا يخرجه عن كونه صيداً لأن المشتوحش في الخلقة قد يصير مستأنساً بالتولد
والتأنيس.
(٢) في أ: توحش.
(٤) في أ: ممنوع.
(٥) في أ: كثيرة.
(٣) في أ: مستوحش.

٢٣٢
كِتَابُ الْحَجْ
وقد روي عن عمر؛ أنه قال: تمرة خير من جرادة، ولا بأس له بقتل هوام الأرض من
الفأرة، والحية، والعقرب، والخنافس، والجعلان، وأم حنين، وصياح الليل، والصرصر،
ونحوها؛ لأنها ليست بصيد، بل من حشرات الأرض، وكذا القنفذ وابن عرس؛ لأنهما من
الهوام، حتى قال أبو يوسف: ابن عرس من سباع الهوام، والهوام ليست بصيد؛ لأنها لا
تتوحش من الناس، وقال أبو يوسف في القنفذ الجزاء؛ لأنه من جنس المتوحش، ولا يبتدىء
بالأذى.
فصل في أنواع الصيد
وأما بيان أنواعه، وبيان ما يحل للمحرم اصطياده وما يحرم عليه من كل نوع: فنقول:
وبالله التوفيق، الصيد في الأصل نوعان: بري وبحري، فالبحري هو الذي توالده في البحر،
سواء كان لا يعيشُ إلا في البحر، أو يعيش في البحر والبر، والبري ما يكون توالده في البر،
سواء كان لا يعيشُ إلا في البر، أو يعيش في البر والبحر؛ فالعبرة للتوالد.
أما صيد البحر: فيحل اصطياده للحلال والمحرم جميعاً، مأكولاً كان أو غير مأكول؛
لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٥٦]، والمراد منه
اصطياد ما في البحر؛ لأن الصيد مصدر يقال: صاد يصيد صيداً، واستعماله في المصيد مجاز،
والكلامُ بحقيقته إباحة (١) اصطياد ما في البحر عاماً.
وأما صيد البر: فنوعان: مأكول وغير مأكول، أما المأكول: فلا يحل للمحرم اصطياده؛
نحو الظبي والأرنب، وحمار الوحش وبقر الوحش، والطيور التي يؤكل لحومها(٢)؛ برية كانت
أو بحرية؛ لأن الطيور كلها برية؛ لأن توالدها في البر، وإنما يدخل بعضها في البحر لطلب
الرزق.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله
تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٦٥] ظاهر الآيتين يقتضي تحريم صيد البر
للمحرم عاماً أو مطلقاً، إلا ما خص أو قيد بدليل، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ
الله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] والمراد منه الابتلاء بالنهي(٣) بقوله
تعالى في سياق الآية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: اعتدى
(١) في أ: أباح.
(٢) في أ: لحمها.
٣٠) في أ: بالبري.

٢٣٣
كِتَابُ الْحَجْ
بالاصطياد بعد تحريمه، والمرادُ منه صيد البر؛ لأن صيد البحر مباح بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ
صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وكذا لا يحل له الدلالة عليه، والإشارة إليه بقوله بَ لَر -: ((الدَّالَّ عَلَى
الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ، وَالدَّالُّ عَلَى الشَّرِّ كَفَاعِلِهِ))؛ ولأن الدلالة والإشارة سبب إلى القتل، وتحريم
الشيء تحريم لأسبابه، وكذا لا يحلُّ له الإعانة على قتله؛ لأن الإعانة فوق الدلالة والإشارة،
وتحريم الأدنى تحريم الأعلى من طريق الأولى؛ كالتأفيف مع الضرب والشتم.
وأما غير المؤكول: فنوعان: نوع يكون مؤذياً طبعاً مبتدئاً بالأذى غَالِباً، ونوع لا يبتدىء
بالأذى غالباً، أما الذي يبتدىء بالأذى غالباً - فللمحرم أن يقتله ولا شيء عليه؛ وذلك نحو
الأسد والذئب، والنمر والفهد؛ لأن دفع الأذى من غير سبب موجب للأذى - واجب فضلاً عن
الإباحة؛ ولهذا أباح رسولُ اللهَ وَّرَ قَّتْلَ الْخَمْسِ الفِواسقِ للمحرم في الْحِلُ والحرم؛
بقوله بََّ: ((خَمْسٌ مِنَ الْفَوَاسِقِ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلُّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ،
وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ)) وروي: ((وَالْحِدَأَةُ)) .
وروي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - عن النبي وَّ؛ أنه قال: ((خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ
الْمُحِلُّ وَالْمُخْرِمُ فِي الْحِلُّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)) (١).
(١) - حديث ابن عمر له طرق:
فأخرجه مسلم (٨٥٨/٢) كتاب الحج: باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم
حديث (٧٣/ ١٢٠٠) وأبو داود (٤٢٤/٢) كتاب المناسك: باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث
(١٨٤٦) والنسائي (١٩٠/٥) كتاب الحج: باب قتل الغراب وأحمد (٨/٢) وابن الجارود رقم (٤٤٠)
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٥/٢) والبيهقي (٢٠٩/٥) كتاب الحج: باب ما للمحرم قتله من
دواب البر في الحل والحرم والحميدي (٢٧٩/٢) رقم (٦١٩) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤/
٢٩٢-٢٩٣) وأبو يعلى (٣١١/٩) رقم (٥٤٢٨) من طريق الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً.
وأخرجه مالك (٣٥٦/١) كتاب الحج: باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث (٨٨) والشافعي في
(«المسند» (٣١٩/١) كتاب الحج: باب فيما يباح للمحرم ... (٧٣٥) والبخاري (٣٥٥/٦) كتاب بدء
الخلق: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم (٣٣١٥) ومسلم (٨٥٨/٢) كتاب الحج: باب ما يندب
للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم حديث (١١٩٩/٧٦) والنسائي (١٨٧/٥ ١٨٨) كتاب
الحج: باب ما يقتل المحرم من الدواب وابن ماجه (١٠٣١/٢) كتاب المناسك: باب ما يقتل المحرم
حديث (٣٠٨٨) والدارمي (٣٦/٢) كتاب المناسك: باب ما يقتل المحرم في إحرامه وأحمد (٢/
٤٨،٣٢، ٦٥) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٥/٢-١٦٦) وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٣٠/٩-٢٣١)
والبيهقي (٢٠٩/٥) والخطيب (٢٩٣/١٠) والبغوي في ((شرح السنة)) (١٥٩/٤ - بتحقيقنا) من طريق نافع
عن ابن عمر به مرفوعاً وأخرجه البخاري (٤٠٩/٦) كتاب بدء الخلق: باب إذا وقع الذباب في ((شراب
أحدكم ... )) حديث (٣٣١٥) ومسلم (٨٥٩/٢) كتاب الحج: باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من
الدواب في الحل والحرم حديث (١١٩٩/٧٩) ومالك (٣٥٦/١-٣٥٧) كتاب الحج: باب ما يقتل المحرم =

٢٣٤
كِتَابُ الْحَجْ
وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: ((أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلَ بِقَتْلِ خَمْسٍ فِوَاسِقَ
فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْغُرَابِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ))(١) وعلة الإباحة
من الدواب حديث (٨٩) وأحمد (٥٢/٢) وابن حبان (٣٩٦٩ - الإحسان) من طريق عبد الله بن دينار عن
=
ابن عمر به.
وأخرجه مسلم (٨٥٩/٢) كتاب الحج حديث (١١٩٩/٧٨) وأحمد (٣٢/٢) من طريق محمد بن إسحاق
عن نافع وعبيد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر به.
(١) أخرجه البخاري (٤٠٨/٦_٤٠٩) كتاب بدء الخلق باب إذا وقع الذباب في ((شراب أحدكم ... )) حديث
(٣٣١٤) ومسلم (٨٥٧/٢): كتاب الحج: باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم
حديث (١١٩٨/٦٨) والترمذي (٤٨٧/٣ - تحفة) كتاب الحج: باب ما جاء ما يقتل المحرم من الدواب
حديث (٨٣٩)، والنسائي (١٨٨/٥) كتاب الحج: باب ما يقتل في الحرم من الدواب، والدارمي (٢/
٣٦-٣٧): كتاب الحج: باب ما يقتل المحرم في إحرامه والدارقطني (٢٣١/٢) رقم (٦٥)، وعبد الرزاق
(٨٣٧٤)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٦/٢)، والبيهقي (٢٠٩/٥) كتاب الحج: باب ما
للمحرم قتله من دواب البر في الحل والحرم وأبو يعلى (٤٧٨/٧_٤٧٩) رقم (٤٥٠٣) وابن حبان (٣٩٧١
- الإحسان) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٢٧١/٨-٢٧٢) من طريق عروة بن الزبير عن عائشة قالت: قال
- وَلّ ـ: خمس فواسق يقتلن في الحرم الفأرة والعقرب والحديا والغراب والكلب العقور)).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه مسلم (٨٥٦/٢) كتاب الحج: باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم
حديث (٦٧ /١١٩٨) والنسائي (٢٠٨/٥) كتاب المناسك: باب قتل الحية وابن ماجه (١٠٣١/٢) كتاب
المناسك: باب ما يقتل المحرم حديث (٣٠٨٧) والطيالسي (٢١٤/١ - منحة) رقم (١٠٣٣) وأحمد (٦/
٩٧) والبيهقي (٢٠٩/٥) كتاب الحج: باب ما للمحرم قتله من دواب البر في الحل والحرم وابن خزيمة
(٤/ ١٩١) رقم (٢٦٦٩) من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة به مرفوعاً.
ووقع عند مسلم الحية بدل العقرب وفيه أيضاً الغراب الأبقع لكن وقع عند الطيالسي العقرب وليس فيه
ذكر الحية .
وأخرجه مسلم (٨٥٦/٢) كتاب الحج: باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم
(١١٩٨/٦٦) والبيهقي (٢٠٩/٥) من طريق ابن وهب أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت
عبيد الله بن مقسم يقول: سمعت القاسم بن محمد يقول: سمعت عائشة زوج النبي - وَّ - تقول:
سمعت رسول الله - ر19َّ - يقول: فذكرت الحديث، وللحديث روايات أخرى عن بعض الصحابة منها:
- حديث حفصة :
أخرجه البخاري (٤٢/٤) كتاب جزاء الصيد باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث (١٨٢٨) ومسلم (٢/
٨٥٨) كتاب الحج: باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (٧٣/ ١٢٠٠) والنسائي (٥٪
٢١٠) كتاب المناسك: باب قتل الفأرة في الحرم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة قالت: قال
رسول الله - رَّ﴾لـ: خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور.
وأخرجه البخاري (٤٢/٤) رقم (١٨٢٧) ومسلم (٨٥٨/٢) رقم (٧٤/ ١٢٠٠) وأحمد (٢٨٥/٦) من
طريق زيد بن جبير أن رجلاً سأل ابن عمر ما يقتل المحرم من الدواب فقال: أخبرتني إحدى نسوة رسول
الله - رَد -... فذكره.
=

٢٣٥
كِتَابُ الْحَجُ
- حديث أبي هريرة:
=
أخرجه أبو داود (٤٢٤/٢-٤٢٥) كتاب المناسك: باب ما يقتل المحرم من الدواب (١٨٤٧) والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٣/٢) والبيهقي (٢١٠/٥) كتاب الحج: باب ما للمحرم قتله من دواب البر
في الحل والحرم من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن
رسول الله - بَير - قال: خمس قتلهن حلال في الحرم الحية والعقرب والحدأة والفأر والكلب العقور.
وصححه ابن خزيمة (٤/ ١٩٠) رقم (٢٦٦٦)
- تنبيه: وقع الذنب في رواية من روايات الحديث عن أبي هريرة.
أخرجه الطحاوي (١٦٣/٢) وابن خزيمة (١٩٠/٤) من طريق ابن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن
محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة به إلا أنه قال في حديثه والحية
والذئب والنمر والكلب العقور.
قال ابن خزيمة: قال ابن يحيى - وهو محمد شيخ ابن خزيمة - كأنه يفسر الكلب العقور يقول: من الكلب
العقور الحية والذئب والنمر.
قلت: وقد رده ابن خزيمة - رحمه الله - فقال: هذه اللفظة التي قالها محمد بن يحيى في تفسير الكلب
العقور وذكر الحية يشبه أن يكون سبقه لسانه إلى هذا، ليست الحية من الكلب في شيء ولا يقع اسم
الكلب على الحية فأما النمر والذئب فاسم الكلب واقع عليهما وفي خبر حاتم بن إسماعيل بيان أن النبي
- وَلّ - قد فرق بين الحية والكلب العقور فكيف يكون معنى قوله في هذا الخبر الكلب العقور يريد الحية
إنها تقع اسم الكلب عليها.
- حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه أحمد (٣/٣) وأبو داود (٤٢٥/٢) كتاب المناسك: باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث
(١٨٤٨) والترمذي (٤٨٨/٣ - تحفة) كتاب الحج: باب ما جاء ما يقتل المحرم من الدواب (٨٤٠) وابن
ماجه (١٠٣٢/٢) كتاب المناسك: باب ما يقتل المحرم (٣٠٨٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢/
١٦٦ -١٦٧) والبيهقي (٢١٠٥) وأبو يعلى (٣٩٦/٢) رقم (١١٧٠) من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد
الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد عن النبي - ◌َّ - أنه قال: يقتل المحرم الحية والعقرب والسبع العادي
والكلب العقور والفأرة والفويسقة.
ولفظ الترمذي: يقتل المحرم السبع العادي والكلب العقور والفأرة والعقرب والحدأة والغراب.
وعند أبي داود: الحية والعقرب والفويسقة ويرمي الغراب ولا يقتله والكلب العقور.
وزاد أحمد وابن ماجه وأبو يعلى: قلت ما الفويسقة قال: الفأرة قلت: وما شأن الفأرة قال: إن النبي
- وَل ـ استيقظ وقد أخذت الفتيلة وصعدت بها إلى السقف لتحرق عليه.
قلت: ومن أجل هذه الزيادة فقد أورد الحافظان البوصيري والهيثمي هذا الحديث الأول في ((زوائد ابن
ماجه)) والثاني في ((مجمع الزوائد)).
قال البوصيري في ((الزوائد» (٤٠/٣): هذا إسناد ضعيف يزيد بن أبي زياد ضعيف وإن أخرج له مسلم
فإنما أخرج له مقروناً بغيره ومع ضعفه اختلط بآخره وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١١٥/٨): رواه
أبو يعلى وفيه يزيد بن أبي زياد وهو لين الحديث وبقية رجاله رجال الصحيح.
- حديث ابن عباس:
=

٢٣٦
كِتَابُ الْحَجْ
فيها هي الابتداء بالأذى، والعدو على الناس غالباً، فإن من عادة الحدأة أن تغير على اللحم
والكرش، والعقرب تقصد من تلذغه وتتبع حسه، وكذا الحية والغراب يقع على دبر البعير
١٢٦٠ وصاحبه قريب منه والفأرة تسرق أموال الناس، والكلب العقور من شأنه العدو على الناس/ ،
وعقرهم ابتداء من حيث الغالب، ولا يكاد يهرب من بني آدم، وهذا المعنى موجودٌ في الأسد
والذئب، والفهد والنمر؛ فكان ورود النص في تلك الأشياء وروداً في هذه دلالة.
قال أبو يوسف: الغرابُ المذكورُ في الحديث هو الغرابُ الذي يأكلُ الْجِيَفَ، أو يخلط
مع الجيف؛ إذ هذا النوع هو الذي يبتدىء بالأذى، والعقعق ليس في معناه؛ لأنه لا يأكل
الجيف، ولا يبتدىء بالأذى، وأما الذي لا يبتدىء بالأذى غالباً؛ كالضبع والثعلب وغيرهما -
فله أن يقتله إن عدى عليه، ولا شيء عليه إذا قتله، وهذا قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: يلزمه الجزاء، وجه قوله: إن المحرم للقتل قائم وهو الإحرام، فلو سقطت
الحرمة إنما تسقط بفعله وفعل العجماء جبار؛ فبقي محرم القتل كما كان كالجمل الصؤول إذا
قتله إنسان أنه يضمن لما قلنا؛ كذا هذا.
ولنا: أنه لما عدا عليه وابتدأه بالأذى التحق بالمؤذيات طبعاً، فسقطت عصمته، وقد
روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه ابتدأ قتل ضبع فأدى جزاءها، وقال: إنا ابتدأناها،
فتعليله بابتدائه قتله إشارة إلى أنها لو ابتدأت لا يلزمه الجزاء، وقوله: الإحرام قائم - مسلم لكن
أثره في ألا يتعرض للصيد، لا في وجوب تحمل الأذى؛ بل يجب عليه دفعُ الأذى؛ لأنه من
صيانة نفسه عن الهلاك وأنه واجب، فسقطت عصمتُه في حال الأذى، فلم يجب الجزاء،
بخلاف الجمل الصائل؛ لأن عصمته ثبتت حقاً لمالكه، ولم يوجد منه ما يسقط العصمة
أخرجه أحمد (٢٥٧/١) والبزار (١٦/٢ - كشف) رقم (١٠٩٧) وأبو يعلى (٣١٧/٤) رقم (٢٤٢٨) من
طريق ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس عن النبي - وَلّ - قال: خمس يقتلهن المحرم: الحدأة
والفأرة والعقرب والغراب والكلب العقور والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٣١/٣) وقال:
رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه
مدلس. ا. هـ.
- وللحديث طريق آخر عن ابن عباس:
أخرجه أحمد (١ /٢٥٧) من طريق عثمان ثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس به.
- حديث أبي رافع:
أخرجه البزار (١٥/٢-١٦ - كشف) رقم (١٠٩٦) ثنا غسان بن عبد الله ثنا يوسف بن نافع ثنا عبد
الرحمن بن أبي الموال عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: بينا رسول الله - چر - في صلاته إذ ضرب
شيئاً في صلاته فإذا هي عقرب فضربها فقتلها وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمحرم.
والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٣٢/٣) وقال: رواه البزار وفيه يوسف بن نافع ذكره ابن
أبي حاتم ولم يخرجه ولم يوثقه وذكره ابن حبان في الثقات.

٢٣٧
كِتَابُ الْحَجْ
فيضمن القاتل، وإن لم يعد عليه لا يباح له أن يبتدئه بالقتل، وإن قتله ابتداء فعليه الجزاءُ
عندنا، وعند الشافعي: يُباح له قتله ابتداء، ولا جزاء عليه إذا قتله.
وجه قوله: إن النبي ◌َّ ل﴿ أباح للمحرم قَتْلَ خمسٍ من الدواب، وهي لا يؤكل لحمها،
والضَّبُع والثَّعلب ما لا يؤكل لحمه؛ فكان رود النص هناك وروداً ههنا.
ولنا قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِيَنْ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ مُحِرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله:
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله
بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] عامّاً أو مطلقاً، من غير فصل بين
المأكول وغيره، واسم الصيد يقع على المأكول وغير المؤكول؛ لوجود حد الصيد فيهما
جميعاً؛ والدليل عليه قول الشاعر: [الكامل]
صيد الملوك أرانب وثعالب وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطَالُ
أطلق اسم الصَّيد على الثعلب، إلا أنه خصَّ منها الصيد العادي المبتدىء بالأذى غالباً أو
قيدت بدليل، فمن ادعى تخصيص غيره أو التقييد - فعليه الدليل، وقد روي عن النبي وَلقر؛ أنه
قال: ((الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ إِذَا قَتَلَهُ الْمُخْرِمُ))(١) وعن عمر وابن عباس(٢) - رضي الله تعالى
(١) أخرجه الشافعي (٢/ ١٧٣-١٧٤) كتاب الصيد والذبائح، حديث (٦٠٩) وأحمد (٣١٨/٣-٣٢٢) والدارمي (٢/
٧٤-٧٥) كتاب المناسك باب في جزاء الضبع، والترمذي (٢٥٢/٤) كتاب الأطعمة. باب ما جاء في أكل الضبع
- حديث (١٧٩١) والنسائي (٢٠٠١٧) كتاب الصيد والذبائح - باب الضبع، وابن ماجه (١٠٧٨/٢) كتاب الصيد
باب الضبع، حديث (٣٢٣٦) وابن الجارود ص: (٢٩٩): باب ما جاء في الأطعمة - حديث (٨٩٠).
والدارمي (٢/ ٧٤) كتاب المناسك: باب في جزاء الضبع وعبد الرزاق (٨٦٨١) وابن أبي شيبة (٤ / ٧٧)
والدارقطني (٢٤٦/٢) وأبو يعلى (٩٦/٤) رقم (٢١٢٧) وابن خزيمة (١٨٢/٤) وابن حبان (٩٧٩ -
الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٤/٢) وفي المشكل (٣٧٠/٤-٣٧١) والحاكم (١/
٤٥٢) والبيهقي (٣١٨/٩) كتاب الضحايا: باب ما جاء في الضبع والثعلب من طرق عن عبد الله بن عبيد
عن ابن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله: أيؤكل الضبع قال: نعم قلت: أصيد هي قال: نعم
قلت: سمعت ذلك من رسول الله - رَال ـ قال: نعم.
وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
وأخرجه الحاكم (٤٥٣/١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٥/٢) والبيهقي (٣١٩/٩) كتاب
الضحايا: باب ما جاء في الضبع والثعلب من طريق حسان بن إبراهيم عن إبراهيم الصائغ عن عطاء عن
جابر قال: قال رسول الله - ◌َ﴾ - الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل.
قال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه وإبراهيم بن ميمون الصائغ زاهد عالم أدرك الشهادة - رضي الله عنه -
ووافقه الذهبي .
(٢) في أ: وابن عباس وابن عمر.
=

٢٣٨
كِتَابُ الْحَجْ
عنهما - أنهما أوْجَبَا في قَتْلِ المحرم الضَّبُعَ جَزَاءً، وعن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال:
في الصَّبُعِ إذا عَدَا عَلَى المَحرم: فَلْيَقْتُلْهُ، فإن قَتَلهُ قبل أن يعدو عليه - فعليه شاة مسنة، ولا
حجة للشّافعي في حديث الخمس الفواسق؛ لأنه ليس فيه أن إباحة قتلهن لأجل أنه لا يؤكل
لحمها؛ بل فيه إشارة إلى أن علة الإباحة فيها الابتداء بالأذى غالباً، ولا يوجد ذلك في الضبع
والثعلب، بل من عادتهما الهرب من بني آدم، ولا يؤذيان أحداً حتى يبتدئهما بالأذى، فلم
توجد علة الإباحة [فيهما؛ فلم تثبت الإباحة](١).
وعلى هذا الخلاف: الضب واليربوع، والسمور والدلف، والقرد والفيل والخنزير؛ لأنها
صيد؛ لوجود معنى الصيد فيها، وهو الامتناع والتوحش، ولا تبتدىء بالأذى غالباً، فتدخل
تحت ما تلونا من الآيات الكريمة .
وقال زفر في الخنزير: أنه لا يَجِبُ الجزاءُ فيه؛ لما رُوي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: ((بُعِثْتُ
بِكَسْرِ الْمَعَازِفِ وَقَتْلِ الْخَنَازِيرِ))(٢)، ندبنا ◌َّ إلى قتله، والندب فوق الإباحة؛ فلا يتعلق به
الجزاء، والحديث محمولٌ على غير حال [الإحرام أو على حال](٣) العدو والابتداء بالأذى؛
حملاً لخبر الواحد على موافقة الكتاب العزيز، وعلى هذا الاختلاف سباع الطير. والله أعلم.
فصل في بيان حكم ما يحرم على المحرم اصطياده
وأما بيانُ حكم ما يحرم على المحرم اصطياده إذا اصطاده؛ فالأمر لا يخلو؛ إما إن قتل
الصيد وإما أن جرحه، وإما إن أخذه فلم يقتله ولم يجرحه(٤)، فإن قتله فالقتل لا يخلو، إما أن
يكون مباشرة أو تسبباً، فإن كان مباشرة فعليه قيمة الصيد المقتول، يقومه ذوا عدل لهما بصارة
بقيمة الصيود، فيقومانه في المكان الذي أصابه، إن كان موضعاً تُباع فيه الصيودُ، وإن كان في
مفازة يقومانه في أقرب الأماكن من العمران إليه، فإن بلغت قيمته ثمن هدي؛ فالقاتل بالخيار؛
٢٦٠ب إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام، وإن لم يبلغ قيمته ثمن هدي/ فهو بالخيار بين
الطَّعام والصيام، سواء كان الصيدُ مما له نظير أو كان مما لا نظير له، وهذا قول أبي حنيفة
وأبي يوسف.
(١) سقط في أ.
(٢) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٢٢٧،٢٢٦/١٥) بنحوه، وعزاه لأبي بكر الشافعي في
الغيلانيات، والنسائي وقال: وسنده ضعيف. من حديث علي قال: قال رسول الله - وَ لقوله -: (بُعثت
بكسر المزامير، وأقسم ربي - عز وجلَّ - لا يشرب عبدٌ إلا في الدنيا خمر إلا سقاه الله ... الحديث)).
فذكره مطولاً .
(٣) سقط في أ.
(٤) في أ: ولا جرحه.
i

٢٣٩
كِتَابُ الْحَجْ
وحكى الطحاوي قول محمد: إن الخيار للحكمين إن شاءا حكما عليه هدياً، وإن شاءا
طعاماً وإن شاءا صياماً؛ فإن حكما عليه هدياً نظر القاتل إلى نظيره من النعم من حيث الخلقة
والصورة، إن كان الصيد مما له نظير، سواء كان قيمة نظيره مثل قيمته، أو أقل أو أكثر - لا
ينظر إلى القيمة، بل إلى الصورة والهيئة، فيجب في الظبي شاة، وفي الضبع شاة، وفي حمار
الوحش بقرة، وفي النعامة بعير، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وإن لم يكن له نظير
مما في ذبحه قربة كالحمام والعصفور وسائر الطيور - تعتبر قيمته؛ كما قال أبو حنيفة وأبو
يوسف ومحمد.
وحكى الكرخي قول محمد: إن الخيار للقاتل عنده أيضاً، غير أنه إن اختار الهدي لا
يجوز له إلا إخراج النظير فيما له نظير، وعند الشافعي: يجب عليه بقتل ما له نظير النظير ابتداء
من غير اختيار أحد، وله أن يطعم، ويكون الإطعام بدلاً عن النظير لا عن الصيد.
فيقع الكلام في موجب قتل صيد له نظير في مواضع: منها أنه يجب على القاتل قيمته
في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يجب عند محمد والشافعي، والأصلُ فيه قوله عز وجل:
﴿وَمَنْ قَتَّلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ [مِنَ النِّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: فعليه جزاءً مثل ما
قتل](١)، أوجب الله تعالى على القاتل جزاء مثل ما قَتل، واختلف(٢) الفقهاء في المراد من
المثل المذكور في الآية الشريفة، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: المراد منه المثل من حيث المعنى
وهو القيمة، وقال محمد والشافعي: المراد منه المثل من حيث الصّورة والهيئة.
وجه قولهما: إن الله تعالى أوجب على القاتل جزاء من(٣) النعم، وهو مثل ما قتل من
النعم، لأنه ذكر المثل، ثم فسره بالنعم بقوله - عز وجل: ﴿مِنَ النَّعَم﴾ [المائدة: ٩٥]، و﴿من﴾
[المائدة: ٩٥] ههنا لتمييز الجنس، فصار تقدير الآية الشريفة: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء من
النعم﴾ [المائدة: ٩٥] وهو مثل المقتول، وهو أن يكون مثله في الخلقة والصورة.
وروي أن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - منهم عمر - رضي الله تعالى عنه
- أَوْجَبُوا فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً، وفي الظّبْيَةِ شَاةً، وَفي الأَرْنَبِ عِنَاقاً، وَهُمْ كانوا أعرفَ بمعاني كتاب
الله تعالى.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف وجوه من الاستدلال بهذه الآية؛ أولها (٤): إن الله - عز وجل -
نهى المحرمين عن قتل الصيد عاماً؛ لأنه تعالى ذكر الصيد بالألف واللام بقوله عز وجل: ﴿لاً
تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، والألف واللام لاستغراق الجنس خصوصاً عند عَدَمِ
(١) سقط في أ.
(٣) في أ: مثل.
(٢) في أ: فاختلف.
(٤) في أ: إحداها.

٢٤٠
كِتَابُ الْحَجْ
المعهود، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مُثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥]، والهاء
كناية راجعة إلى الصيد الموجد من(١) اللفظ المعرف بلام التعريف، فقد أوجب سبحانه وتعالى
- بقتل الصيد مثلاً يعم ما له نظير وما لا نظير له، وذلك هو المثل من حيث المعنى، وهو
القيمة لا المثل من حيث الخلقة والصورة؛ لأن ذلك لا يجب في صيدٍ لا نظير له، بل الواجب
فيه المثلُ من حيث المعنى، وهو القيمة بلا خلاف، فكان صرف المثل المذكور بقتل الصيد
على العموم إليه تخصيصاً لبعض ما تناوله عمومُ الآية، والعمل بعموم اللفظ واجب ما أمكن،
ولا يجوز تخصيصه إلا بدليل.
والثاني: أن مطلقَ اسم المثل ينصرف(٢) إلى ما عرف مثلاً في أصول الشرع، والمثل
المتعارف في أصول الشرع هو المثلُ من حيث الصُّورة والمعنى، أو من حيث المعنى وهو
القيمة؛ كما في ضمان المتلفات، فإن مَنْ أتلف على آخر حنطة يلزمه حنطة، ومن أتلف عليه
عرضاً تلزمه القيمة، فأما المثل من حيث الصورة والهيئة - فلا نظير له في أُصُولِ الشّرع، فعند
الإطلاق ينصرف إلى المتعارف لا إلى غيره.
والثالث: أنه - سبحانه وتعالى - ذكر المثل منكراً في موضع الإثبات فيتناول واحداً، وأنه
اسم مشترك يقع على المثل من حيث المعنى، ويقع على المثل من حيث الصورة؛ فالمثل من
حيث المعنى يراد من الآية فيما لا نظير له، فلا يكون الآخر مراداً؛ إذ المشتركُ في موضع
الإثبات لا عموم له.
والرابع: إن الله تعالى ذكر عدالة الحكمين، ومعلومٌ أن العدالة إنما تشترط فيما يحتاج فيه
إلى النظر والتأمل، وذلك في المثل من حيث المعنى وهو القيمة؛ لأن بها تتحقق الصيانة عن
الغلو والتقصير وتقرير الأمر على الوسط، فأما الصورة فمشابهة (٣) لا تفتقر إلى العدالة، وأما
قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّعَم﴾ [المائدة: ٩٥] فلا نسلمُ أن قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّعَم﴾ [المائدة: ٩٥] خرج
تفسيراً للمثل، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥] كلامٌ تام بنفسه، مفيد بذاته من غير
وصلة بغيره؛ لكونه مبتدأ وخبراً، وقوله: ﴿مِنَ النَّعَم يَخْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَذِياً بَالِغَ
٢٦١أ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] يمكن استعماله على غير وجه التفسير/ للمثل؛ لأنه كما يرجع إلى
الحكمين في تقويم الصيد المتلف - يرجع إليهما في تقويم الهدي الذي يوجد بذلك القدر من
(١) في أ: في.
(٢) في أ: يصرف.
(٣) في أ: فمشاهدة.