Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
المنصوص عليه معلول بكونه مالاً متقوماً على الإطلاق لما يذكر، وذكر المنصوص عليه](١)
للتيسير؛ لأنهم كانوا يتبايعون بذلك على عهد رسول الله - وَلــ على أن الدقيق منصوص
عليه؛ لِمَا رُوِيَ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - وَّ - أنه قال: ((أَدُوا قَبْلَ الخُرُوجِ
زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ فَإِنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُدَا (٢) مِنْ قَمْحِ أَوْ دَقِيقٍ))(٣)، وروي عن أبي يوسف أنه قال:
الدقيق أحب إليّ من الحنطة، والدراهم أحب إليّ من الدقيق والحنطة؛ لأن ذلك أقرب إلى
دفع حاجة الفقير.
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الزبيب. ذكر في ((الجامع الصغير)) نصف صاع،
وروى الحسن، وأسد بن عمرو عن أبي حنيفة: صاعاً من زبيب، وهو قول أبي يوسف
ومحمد .
وجه هذه الرواية ما روي عن أبي سعيد الخدري؛ أنه قال: ((كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿َ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ))؛ ولأن الزبيب لا
يكون مثل الحنطة في التغذي، بل يكون أنقص منها؛ كالشعير، والتمر، فكان التقدير فيه
بالصَّاع؛ كما في الشعير والتمر.
وجه رواية ((الجامع)) أن قيمة الزبيب تزيد على قيمة الحنطة في العادة، ثم اكتفى من
الحنطة بنصف صاع؛ فمن الزبيب أولى، ويمكن التوفيق بين القولين بأن يجعل الواجب فيه
بطريق القيمة، فكانت قيمته في عصر أبي حنيفة مثل قيمة الحنطة، وفي عصرهما كانت قيمته
مثل قيمة الشعير والتمر، وعلى هذا أيضاً يحمل اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة.
وأما الأقط: فتعتبر فيه القيمة لا يجزىء إلا باعتبار القيمة. وقال مالك: يجوز أن يخرج
صاعاً من أقط، وهذا غير سديد؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به، وجواز ما ليس
بمنصوص عليه، لا يكون إلا باعتبار القيمة؛ كسائر الأعيان التي لم يقع التنصيص عليها من
النبي گۆ.
وقال الشافعي: لا أحب أن يخرج الأقط، فإن أخرج صاعاً من أقط - لم يتبين لي أن
عليه الإعادة، والصاع ثمانية أرطال بالعراقي عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: خمسة
أرطال، وثلث رطل بالعراقي؛ وهو قول الشافعي.
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: مُدَّين.
(٣) أخرجه الدار قطني (١٤٤/٢).

٥٤٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وجه قوله: إن صاع المدينة خمسة أرطال وثلث رطل، ونقلوا ذلك عن رسول الله ◌ِل
خلفاً عن سلف، ولهما: ما روي عن أنس - رضي الله عنه؛ أنه قال: ((كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ
يَتَوَضَّأُ بِالْمَدِّ»، والمدُّ رطلان، ويغتسل بالصاع، والصاع ثمانية أرطال، وهذا نص؛ ولأن هذا
صاع عمر - رضي الله عنه.
ونقل أهل المدينة لم يصح؛ لأن مالكاً من فقهائهم يقول: صاع المدينة ثبت بتحري عبد
الملك بن مروان، فلم يصح النقل، وقد ثبت أن صاع عمر - رضي الله عنه - ثمانية أرطال،
فالعمل بصاع عمر أولى من العمل بصاع عبد الملك.
ثم المعتبر أن يكون ثمانية أرطال وزناً وكيلاً، وروى الحسن عن أبي حنيفة وزناً، وروي
عن محمد کیلاً، حتى لو وزن وأدى - جاز عند أبي حنيفة .
وعند محمد: لا يجوز.
وقال الطحاوي: الصاع ثمانية أرطال فيما يستوي كيله ووزنه، وهو العدس والماش(١)
والزبيب. وإذا كان الصاع يسع ثمانية أرطال من العدس والماش - فهو الصاع الذي يُكال به
الشعير والتمر.
وجه ما ذكره الطحاوي؛ أن من الأشياء بما لا يختلف کیله ووزنه؛ کالعدس والماش،
وما سواهما، يختلف منها ما يكون وزنه أكثر من كيله كالشعير، ومنها ما يكون كيله أكثر من
وزنه كالملح؛ فيجب تقدير المكاييل بما لا يختلف وزنه وكيله؛ كالعدس والماش، فإذا كان
المكيال يسع ثمانية أرطال من ذلك - فهو الصاع الذي يُكال به الشعير والتمر.
١٩٩ ب
وجه قول محمد: إن النص ورد باسم / الصاع، وأنه مكيال لا يختلف وزن ما يدخل فيه
خفة وثقلاً، فوجب اعتبار الكيل المنصوص عليه.
(١) نبات من القرنيات الفراشية هو ضرب من ضروب اللوبياء والفاصوليا وله حب أُخَيْضِر مُدوَّر وقد وصف
في المصادر العربية بأنه حب كالكِرْسِنَّة الكبيرة، يميل لونه إلى الخضرة، والطول، ويقارب اللوبياء،
وطعمه طيب وفائدته أنه: يكسر سورة الدم والحمى واللهيب، ويعدل الكلى، ويقوي العصب - أكلاً،
ويحل الأوراق، ويجلو الكلف، وتغير الألوان. ويقطع العرق، والإعياء والاسترخاء - طلاء. وهو بطيء
الهضم، يقطع القوة الجنسية، ويضر الأسنان، ويصلحه دهن اللوز وأن يطبخ ثم يصب عليه قبل استوائه
ماء بارد لينزع قشره. كما يفيد في السعال والنزلات الصدرية، وإذا طبخ بالخل نفع من الجرب المتقرح،
وإذا طبخ بالماء وصبَّ عنه، ثم حمص وأضيف إليه سُمَّاق ينفع من السعال مع الحمى.
والماش من نباتات اليمن، ويسمى فيها ((الأقْطَن))، ومن أسمائه «المَجّ))، وهو في جوهره يشبه الفول،
ويخالفه في أنه لا ينفخ مثله، وهو نظير العدس غير أنه أقل برداً منه.
ينظر: قاموس الغذاء والتداوي بالنبات (ص ٦٦٣).

٥٤٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وجه قول أبي حنيفة: إن الناس إذا اختلفوا في صاع يقدرونه بالوزن، فدل أن المعتبر هو
الوزن.
وأما صفة الواجب: فهو أن وجوب المنصوص عليه من حيث إنه مال متقوم على
الإطلاق، لا من حيث إنه عين، فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة؛ دراهم أو دنانير، أو
فلوساً، أو عروضاً، أو ما شاء، وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا يجوز إخراج القيمة، وهو
على الاختلاف في الزكاة.
وجه قوله: إن النص ورد بوجوب أشياء مخصوصة، وفي تجويز القيمة يعتبر حكم
النص؛ وهذا لا يجوز.
ولنا: أن الواجبَ في الحقيقة إِغْنَاءُ الفقير؛ لقوله - وََّ -: ((أَغْنُوهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلٍ
هَذَا الْيَوْم)»(١)؛ والإغناء يحصل بالقيمة، بل أتم وأوفر؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، وبه تبين
أن النصَ معلول بالإغناء، وإنه ليس في تجويز القيمة يعتبر حكم النص في الحقيقة، والله
الموفق .
ولا يجوز أداء المنصوص عليه بعضه عن بعض باعتبار القيمة، سواء كان الذي أدى عنه
من جنسه، أو من خلاف جنسه بعد أن كان منصوصاً عليه، فكما لا يجوز إخراج الحنطة عن
الحنطة باعتبار القيمة؛ بأن أدى نصف صاع من حنطة جيدة عن صاع من حنطة وسط - لا
يجوز إخراج غير الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة، بأن أدى نصف صاع من تمر، تبلغ قيمته
قيمة نصف صاع من الحنطة عن الحنطة، بل يقع عن نفسه، وعليه تكميل الباقي، وإنما كان
كذلك؛ لأن القيمة لا تعتبر في المنصوص عليه، وإنما تعتبر في غيره.
وهذا يؤيد قول من يقول من أهل الأصول: إن الحكم في المنصوص عليه يثبت بعين
النص لا بمعنى النص، وإنما يعتبر المعنى لإثبات الحكم في غير المنصوص عليه، وهو
مذهب مشايخ العراق. وأما التخريج على قول من يقول: إن الحكم في المنصوص عليه يثبت
بالمعنى أيضاً، وهو قول مشايخنا بـ((سمرقند))، وأما في الجنس فظاهر؛ لأن بعض الجنس
المنصوص عليه، إنما يقوم مقام كله باعتبار القيمة وهي الجودة، والجودة في أموال الربا لا
قيمة لها شرعاً عند مقابلتها بجنسها؛ لقول النبيِّ - وَلَهـ: ((جَيِّدُهَا وَرَدِيثُهَا سَوَاءٌ))(٢)، أسقط
اعتبار الجودة، والساقط شرعاً ملحق بالساقط حقيقة.
(١) تقدم.
(٢) ذكره الزيلعي (٣٧/٤) وقال: غريب.

٥٤٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما في خلاف الجنس: فوجه التخريج أن الواجب في ذمته في صدقة الفطر عند هجوم
وقت الوجوب - أحد شيئين(١). إما عين المنصوص عليه، وإما القيمة، ومن عليه بالخيار إن
شاء أخرج العين، وإن شاء أخرج القيمة، ولأيهما اختار تبين أنه هو الواجب من الأصل، فإذا
أدى بعض عين المنصوص عليه - تعين واجباً من الأصل؛ فيلزمه تكميله، وهذا التخريج في(٢)
صدقة الفطر صحيح؛ لأن الواجب ههنا في الذمة؛ ألا ترى أنه لا يسقط بهلاك النصاب بخلاف
الزكاة، فإن الواجب هناك في النصاب؛ لأنه ربع العشر، وهو جزءً من النصاب حتى يسقط
بهلاك النصاب؛ لفوات محل الوجوب.
فصل
في وقت وجوب صدقة الفطر
وأما وقت وجوب صدقة الفطر: فقد اختلف فيه، قال أصحابنا: هو وقت طلوع الفجر
الثاني من يوم الفطر، وقال الشافعي: هو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، حتى
لو ملك عبداً، أو ولد له ولد، أو كان كافراً فأسلم، أو كان فقيراً فاستغنى، إن كان ذلك قبل
طلوع الشمس(٣) - تجب عليه الفطرة، وإن كان بعده: لا تجب عليه.
وكذا من مات قبل طلوع الفجر - لم تجب فطرته، وإن مات بعده وجبت.
وعند الشافعي: إن كان ذلك قبل غروب الشمس - تجب عليه، وإن كان بعده لا تجب،
وكذا إن مات قبله لم تجب، وإن مات بعده وجبت.
وجه قوله: إن سبب وجوب هذه الصدقة هو الفطر؛ لأنها تضاف إليه، والإضافة تدلُّ
على السببية؛ كإضافة الصلوات إلى أوقاتها، وإضافة الصوم إلى الشهر، ونحو ذلك، وكما
غربت الشمس من آخر يوم من رمضان، جاء وقت الفطر؛ فوجبت الصدقة.
ولنا: ما روي عن النبيِّ - وَ﴿١ - أنه قال: ((صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ
تُفْطِرُونَ))(٤) أي: وقت فطركم يوم تفطرون، خص وقت الفطر بيوم الفطر حيث أضافه إلى
(١) في أ: سببين.
(٢) في أ: على.
(٣) في أ: الفجر.
(٤) أخرجه الترمذي (٨٠/٣)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون
والأضحى يوم تضحون (٦٩٧)، وأبو داود (٢٩٧/٢)، كتاب: الصوم، باب: إذا أخطأ القوم الهلال
(٢٣٢٤)، وابن ماجه (٥٣١/١)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في شهري العيد (١٦٦٠)، والدار قطني
(١٦٤/٢)، كتاب: الصيام (٣٥)، وقال الدارقطني: الواقدي ضعيف.

٥٤٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
اليوم، والإضافة للاختصاص، فيقتضي اختصاص الوقت بالفطر يظهر باليوم، وإلا فالليالي كلها
في حق الفطر سواء، فلا يظهر الاختصاص، وبه تبين أن المرادَ من قوله: صدقة الفطر، أي:
صدقة يوم الفطر، فكانت الصدقة مضافة إلى ((يوم الفطر))؛ فكان سبباً لوجوبها.
ولو عجل الصدقة على يوم الفطر، لم يذكر في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي
حنيفة، أنه يجوز التعجيل سنة/ وسنتين.
١٢٠٠
وعن خلف بن أيوب: أنه يجوز تعجيلُها إذا دخل رمضان، ولا يجوز قبله.
وذكر الكرخي في ((مختصره)»: أنه يجوز التعجيل بيوم أو يومين، وقال الحسن بن زياد:
لا يجوز تعجيلُها أصلاً.
وجه قوله: إن وقت وجوب هذا الحق هو يوم الفطر، فكان التعجيل أداء الواجب قبل
وجوبه، وأنه ممتنع كتعجيل الأضحية قبل(١) يوم النحر.
وجه قول خلف: أن هذه فطرة عن الصوم، فلا يجوز تقديمها على وقت الصوم، وما
ذكره الكرخي من اليوم أو اليومين - فقد قيل: إنه ما أراد به الشرط، فإن أراد به الشرط -
فوجهه أن وجوبها لإغناء الفقير في يوم الفطر، وهذا المقصودُ يحصل بالتعجيل بيوم أو يومين؛
لأن الظاهر أن المعجل يبقى إلى يوم الفطر فيحصل الإغناء [في](٢) يوم الفطر، وما زاد على
ذلك لا يبقى؛ فلا يحصل المقصود، والصحيحُ أنه يجوز التعجيل مطلقاً. وذكر السنة والسنتين
في رواية الحسن ليس على التقدير، بل هو بيان الاستكثار المدة، أي: يجوز وإن كثرت المدة؛
كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ووجهه أن
الوجوب إن لم يثبت فقد وجد سبب الوجوب، وهو رأس يمونه ويلي عليه، والتعجيل بعد
وجود السبب - جائز؛ كتعجيل الزكاة والعشور، وكفارة القتل، والله أعلم.
فصل
في وقت أداء زكاة الفطر
وأما وقت أدائها فجميع العمر عند عامة أصحابنا، ولا تسقط بالتأخير عن يوم الفطر.
وقال الحسن بن زياد: وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره، وإذا لم يؤدها حتى
مضى اليوم - سقطت.
(١) في أ: على.
(٢) سقط في ط.
بدائع الصنائع ج٢ - م٣٥

٥٤٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وجه قول الحسن: إن هذا حق معرف بيوم الفطر، فيختص أداؤه به كالأضحية.
وجه قول العامة: إن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت، فيجب في مطلق الوقت غير عين،
وإنما يتعين بتعيينه فعلاً، أو بآخر العمر؛ كالأمر بالزكاة والعشر، والكفارات، وغير ذلك، وفي
أيّ وقت أدى كان مؤدياً لا قاضياً؛ كما في سائر الواجبات الموسعة، غير أن المستحب أن
يُخرجِ قبلِ الخروج إلى المصلى؛ لأن رسول الله - وََّ - كَذَا كَانَ يَفْعَلْ، ولقولهِ وَّرَ: ((اغْنُوهُمْ
عَنِ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ))، فإذا أخرج قبل الخروج إلى المصلى - استغنى المسكين(١) عن
السؤال في يومه ذلك؛ فيصلي فارغ القلب مطمئن النفس.
فصل
في بيان ركن زكاة الفطر
وأما ركنها فالتمليك؛ لقول النبي - وَلَوَلــ: ((أَدُوا عَنْ كُلِّ حُرِّ وَعَبْدٍ ... )) الحديث،
والأداء هو التمليك، فلا يتأدى بطعام الإباحة وبما ليس بتمليك أصلاً، ولا بما ليس بتمليك
مطلق، والمسائل المبنية عليه ذكرناها في زكاة المال، وشرائط الركن أيضاً ما ذكرنا هناك، غير
أن إسلام المؤدى إليه ههنا، ليس بشرط لجواز الأداء عند أبي حنيفة ومحمد، فيجوز دفعها إلى
أهل الذمة، وعند أبي يوسف والشافعي: شرط، ولا يجوز الدفع إليهم، ولا يجوزُ الدفع إلى
الحربي المستأمن بالإجماع، والمسألة ذكرناها في زكاة المال.
ويجوز أن يعطى ما يجب في صدقة الفطر عن إنسان واحد - جماعة مساكين، ويعطي ما
يجب عن جماعة مسكيناً واحداً؛ لأن الواجب زكاة؛ فجاز جمعها وتفريقها كزكاة المال، ولا
يبعث الإمام عليها ساعياً؛ لأن النبي - وَل ــ لم يبعث، ولنا فيه قدوة.
فصل
في مكان الأداء
وأما مكان الأداء، وهو الموضع الذي يستحبُّ فيه إخراج الفطرة، روي عن محمد؛ أنه
يؤدي زكاة المال حيث المال، ويؤدي صدقة الفطر عن نفسه وعبيده حيث هو، وهو قول أبي
يوسف الأول، ثم رجع وقال: يؤدي صدقة الفطر عن نفسه حيث هو، وعن عبيده حيث هُمْ،
حكى الحاكم رجوعه، وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) قولَ أبي حنيفة مع قول
(١) في أ: المساكين.

٥٤٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
أبي يوسف، وأما زكاة المال، فحيث المال في الروايات كلها، ويكره إخراجها إلى أهل غير
ذلك الموضع، إلا رواية عن أبي حنيفة؛ أنه لا بأس أن يخرجها إلى قرابته من أهل الحاجة،
ويبعثها إليهم.
وجه قول أبي يوسف: أن صدقة الفطر أحدُ نوعي الزكاة، ثم زكاة المال تؤدى حيث
المال، فكذا زكاة الرأس، ووجه الفرق لمحمد واضح، وهو أن صدقة الفطر تتعلق بذمة
المؤدي لا بماله؛ بدليل أنه لو هلك ماله لا تسقطُ الصدقةُ، وأما زكاة المال؛ فإنها تتعلق
بالمال .
ألا ترى أنه لو هلك النصاب تسقط، فإذا تعلقت الصدقة بذمة المؤدي - اعتبر مكان
المؤدي، ولما تعلقت الزكاة بالمال اعتبر مكان المال، وروي عن أبي يوسف في الصدقة؛ أنه
يؤدي عن العبد الحي حيث هو، وعن الميت حيث المولى؛ لأن الوجوب في العبد الحي عنه،
فيعتبر مكانه، وفي الميت لا، فيعتبر مكان المولى.
فصل
في بيان ما يسقط زكاة الفطر
وأما بيان ما يسقطها بعد الوجوب، فما يسقط زكاة المال يسقطها إلا هلاك المال؛ فإنها
لا/ تسقط به، بخلاف زكاة المال، والفرق أن صدقة الفطر تتعلق بالذمة، وذمته قائمة بعد ٢٠٠ب
هلاك المال؛ فكان الواجب قائماً، والزكاة تتعلق بالمال فتسقط بهلاكه، والله أعلم.

كِتَاب الصَّوْم(١)
الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان أنواع الصيام، وصفة كل نوع، وفي
بيان شرائطها، وفي بيان أركانها، ويتضمن بيان ما يفسدها، وفي بيان حكمها إذا فسدت، وفي
(١) الصَّوْم لغة: مطلق الإمساك، ولو عن الكلام ونحوه. ومنه قوله تعالى حكاية عن مَزْيَمَ عليها السلام:
﴿إِني نّذَرْتُ للرحمن صَوْماً﴾ أي: إمساكاً وسكوتاً عن الكلام.
ألا ترى قوله تعالى: ﴿فلن أكلُّم اليوم إِنْسِيًّا﴾ وتقول العرب: فَرض صائم، أي بواقف، ومنه قول النابغة
الذُّنْيَاني: [البسيط]
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تعلك اللُّجُما
أي خيل ممسكة عن السَّيْرِ والكَرِّ والفَرِّ، وخيل غير صائمة: أيّ: غير ممسكة عن ذلك، بل سائرة للكرّ
والفرِّ.
وقال أبو عبيدة: كل مُمْسِكٍ عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم.
وعرفه الشافعية بأنه: إمساك عن مفطر، بنية مخصوصة، جميع نهار، قابل للصوم. فـ((الإمساك)) هو الكَفُّ
والترك.
وقوله: ((عن مفطر))، أي جنس المفطر، كوصول العين جَوْفَهُ، والجماع، وغير ذلك.
وقوله: ((بنيّة مخصوصة)»، كأن ينوي الصَّوْم عن رمضان، أو عن الكفّارة، أو عن نذر.
أ
وقوله: ((بجميع نهار)) أي بين طُلُوع الفجر إلى غروب الشمس، فلا يصحُ صَوْمُ الليل، ولا صَوْمُ بعض
النهار دون بعض، حتى إذا نوى في غير الفرض قبل الزوال، انعطفت نيته على ما قبلها من النهار، بناءً
على المعتمد .
وقوله: ((قابل للصوم)) هو صفة للنهار، وخرج به يَومَا العيدين، وأيام التشريق الثلاث، وصوم يوم الشَّكْ
بلا سبب، فالإمساك فيما ذكر ليس صوماً شرعيًّا.
عرفه الحنفيّةُ بأنه: عبارة عن إمْسَاكٍ مخصوص، وهو الإمساك عن المفطرات الثلاث، بصفة مخصوصة.
وعرفه المالكية بأنه: إمْسَاكٌ عن شهوتي البَطْنِ والفرج، في جميع النهار، بنية.
وعرفه الحنابلة بأنه: إمساك عن أشياء مخصوصة.
أنظر: الصحاح: ١٩٧٠/٥، ترتيب القاموس: ٨٧١/٢، المصباح المنير: ٤٨٢/٢، لسان العرب: ٤/
٢٥٢٩.
الاختيار: ١٥٨، الصنائع: ١٠٥٥/٣، المبسوط: ١١٤/٣، مغني المحتاج: ٤٢٠/١، المجموع: ٦/
٢٤٧، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي: ٥٠٩/١، الكافي: ٣٥٢/١، كشف القناع: ٢٩٩/٢، المغني:
١٨٦/٦.
٥٤٨

٥٤٩
كِتَاب الصَّوم
بيان حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته، وفي بيان ما يسن، وما يستحب للصائم، وما
يكره له أن يفعله.
أما الأول: فالصوم في القسمة الأولى ينقسم إلى: لغوي، وشرعي، أما اللغوي: فهو
الإمساك المطلق، وهو الإمساك عن أي شيء كان، فيسمى الممسك عن الكلام وهو الصامت
- صائماً، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتاً. ويسمى الفرس
الممسك عن العلف صائماً؛ قال الشاعر: [من البسيط]
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَىْ تَعْلُكُ اللُّجُمَا (١)
أي: ممسكة عن العلف وغير ممسكة [عنه](٢).
وأما الشرعي: فهو الامساك عن أشياء مخصوصة وهي الأكل والشرب والجماع بشرائط
مخصوصة، نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى، ثم الشرعي ينقسم إلى: فرض، وواجب،
وتطوع، والفرض ينقسم إلى: عين، ودين، فالعين ماله وقت معين، إما بتعيين الله تعالى
كصوم رمضان، وصوم التطوع خارج رمضان، لأن خارج رمضان متعين للنفل شرعاً، وإما
بتعيين العبد كالصوم المنذور به في وقت بعينه.
والدليل على فرضية صوم شهر رمضان الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فُرض، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما السنة: فقول النبيِّ - نَّه -: ((بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله، وَأنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ الله (٣) وإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً)(٤).
وقوله - وَهـ: عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا
شَهْرَكُمْ وَحُجُوا بَيْتَ رَبَّكُمْ، وَأَدُّوا زَكَةَ أَمْوَالِكُمْ؛ طَيْبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ - تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبَّكُمْ))(٥) .
(١) البيت للنابغة ديوانه (١١٢).
ينظر: معجم مقاييس اللغة [صوم] لسان العرب [صوم] والاعتناء (٣٣٥/١) والدر المصون (٤٥٩/١).
(٢) سقط في ط .
(٣) سقط في أ.
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.

٥٥٠
كِتَاب الصَّوم
وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على فرضية شهر رمضان لا يجحدها إلا كافر. وأما
المعقول فمن وجوه :
أحدها: أن الصوم وسيلة إلى شكر النعمة؛ إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب
[والجماع](١) وأنها من أجلٌ النعم وأعلاها، والامتناع عنها زماناً معتبراً يعرف قدرها؛ إذ النعم
مجهولة، فإذا فقدت عرفت، فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر، وشكر النعم فرض عقلاً
وشرعاً، وإليه أشار الرب تعالى في قوله في آية الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
والثاني: إنه وسيلة إلى التقوى، لأنه إذا انقادت نفسه للامتناع عن الحلال؛ طمعاً في
مرضاة الله تعالى، وخوفاً من أليم عقابه، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً
للإبقاء عن محارم الله تعالى، وأنه فرض، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى في آخر آية
الصيام(٢): ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: ١٨٣].
والثالث: أن في الصوم قهر الطبع وكسر الشهوة، لأن النفس إذا شبعت تمنَّتِ الشهوات،
وإذا جاءَتِ امتنعَتْ عما تهوى، ولذا قال النبيُّ - وََّ -: ((مَنْ خَشِيَ مِنْكُمُ البَاءَةِ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ
الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ)) (٣) فكان الصوم ذريعة إلى الامتناع عن المعاصي وإنه فرض.
وأما صوم الدين: فما ليس له وقت معين، كصوم قضاء رمضان، وصوم كفارة القتل
والظهار واليمين والإفطار، وصوم المتعة، وصوم فدية الحلق، وصوم جزاء الصيد، وصوم
النذر المطلق عن الوقت، وصوم اليمين؛ بأن قال: والله لأصومن شهراً، ثم بعض هذه
الصيامات المفروضة من [العين والدين](٤) متتابع، وبعضها غير متتابع، بل صاحبها فيه
بالخيار: إن شاء تابع، وإن شاء فرق. أما المتتابع: فصوم رمضان، وصوم كفارة القتل والظهار
والإفطار، وصوم کفارة الیمین عندنا.
أما صوم كفارة القتل والظهار؛ فلأن التتابع [فيه](٥) منصوص عليه، قال الله تعالى في
كفارة القتل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنٍ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ الله﴾ [النساء: ٩٢] وقال عز وجل في
كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَّاسًا﴾ [المجادلة: ٤].
(١) سقط في أ.
(٢) في ط : الصوم.
(٣) أخرجه البخاري (٨/٩) كتاب النكاح: باب قول النبي ◌َّله: ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) حديث
(٥٠٦٥، ٥٠٥٦) ومسلم (١٠١٨/٢) كتاب النكاح: باب استحباب النكاح حديث (١٤٠٠/١).
(٤) سقط في أ.
(٥) سقط في ط.

٥٥١
كِتَاب الصَّوم
وأما صوم كفارة اليمين: فقد قرأ ابن مسعود - رضي الله عنه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتِ﴾ .
وعند الشافعي التتابع فيه ليس بشرطِ، وموضع المسألة ((كتاب الكفَّارات))، وقال ـ دَّم -:
(فِي كَفَّارَةِ الإِفْطَارِ بِالجِمَاعِ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِيّ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ))(١) .
وأما صوم شهر رمضان؛ فلأن الله تعالى أمر بصوم الشهر بقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلَّيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والشهر متتابع لتتابع أيامه، فيكون صومه متتابعاً / ضرورة، ١٢٠١
وكذلك الصوم المنذور به في وقت بعينه، بأن قال: لله عليّ أن أصوم شهر رجب، يكون
متتابعاً لما ذكرنا في صوم شهر رمضان .
وأما غير المتتابع: فصوم قضاء رمضان، وصوم المتعة، وصوم كفارة الحلق، وصوم
جزاء الصيد، وصوم النذر المطلق، وصوم اليمين، لأن الصوم في هذه المواضع ذكر مطلقاً
عن صفة التتابع. قال الله تعالى في قضاء رمضان: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: فأفطر فليصم عدة من أيام أخر. وقال عز وجل في صوم
المتعة،َ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهذي فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام فِي
الحَّجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال عز وجل في كفارة الحلق: ﴿فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال سبحانه وتعالى في جزاء الصيد: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَّامَاً
لِيَذُوقَ وَبَالَ أمْرهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ذكر الله تعالى الصيام في هذه الأبواب مطلقة عن شرط التتابع.
وكذا الناذر والحالف في النذر المطلق، واليمين المطلقة، ذكر الصوم مطلقاً عن شرط التتابع.
وقال بعضهم في صوم قضاء رمضان: إنه يشترط فيه التتابع ولا يجوز إلا متابعاً.
واحتجوا بقراءة أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه قرأ الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
(١) أخرجه البخاري (١٦٣/٤): كتاب الصوم: باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه
فليكفر، حديث (١٩٣٦)، ومسلم (٢/ ٧٨١، ٧٨٢): كتاب الصيام: باب تغليط تحريم الجماع في نهار
رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها الخ، حديث (١١١١/٨١).
ومالك (٢٩٦/١) كتاب الصيام: باب كفارة من أفطر في رمضان (٢٨) وأبو داود (٧٢٧/١) كتاب
الصيام: باب كفارة من أتى أهله في شهر رمضان (٢٣٩٠) والترمذي (١٠٢/٣) كتاب الصوم: باب ما
جاء في كفارة الفطر في رمضان (٧٢٤) وابن ماجه (٥٣٤/١) كتاب الصيام: باب ما جاء في كفارة من
أفطر يوماً من رمضان (١٦٧١) والدارمي (٣٤٣/١-٣٤٤) وأحمد (٢٨١،٢٤١،٢٠٨/٢) والطحاوي في
شرح معاني الآثار. (٢/ ٦٠-٦١) والدار قطني (١٩٠/٢-١٩١) وابن الجارود (٣٨٤) والبيهقي (٤/
٢٢١-٢٢٢) من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به.
وقال الترمذي حسن صحيح.

٥٥٢
كِتَابِ الصَّوم
مُتَتَابِعَاتِ﴾، فيزاد على القراءة المعروفة وصف التتابع بقراءته، كما زيد وصف التتابع على
القراءة المعروفة في صوم كفارة اليمين بقراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قرأ الآية
﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾(١)، ولأن القضاء يكون على حسب الأداء، والأداء وجب
متابعاً؛ فكذا القضاء.
ولنا: ما روي عن جماعة من أصحاب رسول الله وَ له - من نحو: علي، وعبد الله بن
عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم - رضي الله عنهم - أنهم قالوا:
إن شاء تابع وإن شاء فرق، غير أن علياً - رضي الله عنه - قال: إنه يتابع، لكنه إن فرق جاز.
وهذا منه إشارة إلى أن التتابع أفضل. ولو كان التتابع شرطاً لما احتمل الخفاء على هؤلاء
الصحابة، ولما احتمل مخالفتهم إياه في ذلك لو عرفوه، وبهذا الإجماع تبين أن قراءة أبيّ بن
كعب لو ثبتت فهي على الندب والاستحباب دون الاشتراط؛ إذ لو كانت ثابتة وصارت
كالمتلو، وكان المراد بها الاشتراط - لما احتمل الخلاف من هؤلاء - رضي الله عنهم، بخلاف
ذكر التتابع في صوم كفارة اليمين في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه؛ لأنه لم يخالفه أحد
من الصحابة في ذلك، فصار كالمتلو في حق العمل به .
وأما قوله: ((إن القضاء يجب على حسب الأداء، والأداء وجب متتابعاً)) - فنقول: التتابع
في الأداء ما وجب لمكان الصوم، ليقال: أينما كان الصوم كان التتابع شرطاً، وإنما وجب
لأجل الوقت؛ لأنه وجب عليهم صوم شهر معين، ولا يتمكن من أداء الصوم في الشهر كله إلا
بصفة التتابع؛ فكان لزوم التتابع لضرورة تحصيل الصوم في هذا الوقت.
وهذا هو الأصل أن كل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الفعل وهو الصوم - يكون التتابع
شرطاً فيه حيث دار الفعل، وكل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الوقت - ففوت ذلك الوقت
يسقط التتابع، وإن بقي الفعل واجب القضاء، فإن من قال: لله عليَّ صومُ [شهر] (٢) شعبان
- يلزمه أن يصوم شعبان متتابعاً، لكنه إن فات شيء منه يقضي إن شاء متتابعاً وإن شاء متفرقاً؛
لأن التتابع ههنا لمكان الوقت فيسقط بسقوطه، وبمثله لو قال: لله عليَّ أن أصوم شهراً متتابعاً
- يلزمه أن يصوم متتابعاً، لا يخرج عن نذره إلا به، ولو أفطر يوماً في وسط الشهر يلزمه
الاستقبال، لأن التتابع ذكر للصوم، فكان الشرط هو وصل الصوم بعينه، فلا يسقط عنه أبداً.
[وعلى هذا صوم كفارة القتل والظهار واليمين، لأنه لما وجب لعين الصوم لا يسقط أبداً] (٣)
إلا بالأداء متتابعاً .
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط .
(٣) سقط في أ.

٥٥٣
كِتَاب الصَّوم
والفقه في ذلك ظاهر، وهو أنه إذا وجب التتابع لأجل نفس الصوم - فما لم يؤده على
وصفه لا يخرج عن عهدة الواجب، وإذا وجب لضرورة قضاء حق الوقت ﴿أو﴾ شرط التتابع
لوجب الاستقبال، فيقع جميع الصوم في غير ذلك الوقت الذي أمر بمراعاة حقه بالصوم فيه،
ولو لم يجب لوقع عامة الصوم فيه، وبعضه في غيره؛ فكان أقرب(١) إلى قضاء حق الوقت.
والدليل على أن التتابع في صوم شهر رمضان لما قلنا من قضاء حق الوقت؛ أنه لو أفطر
في بعضه لا يلزمه الاستقبال.
ولو كان التتابع شرطاً للصوم لوجب كما في الصوم المنذور به بصفة التتابع، وكما في
صوم كفارة الظهار واليمين والقتل، وكذا لو أفطر أياماً من شهر رمضان بسبب المرض، ثم برأ
في الشهر وصام الباقي - لا يجب عليه وصل الباقي بشهر رمضان، حتى إذا مضى يوم الفطر
يجب عليه أن يصوم عن القضاء متصلاً بيوم الفطر كما في صوم كفارة القتل [في الإفطار] (٢).
والإفطار إذا أفطرت المرأة بسبب الحيض الذي لا يتصور خلو شهر عنه، أنها كما
طهرت/ يجب عليها أن تصل وتتابع، حتى لو تركت يجب عليها الاستقبال، وههنا ليس ٢٠١ب
كذلك، بل يثبت له الخيار بين أن يصوم شوال متصلاً، وبين أن يصوم شهراً آخر، فدلَّ أن
التتابع لم يكن واجباً لأجل الصوم؛ بل لأجل الوقت، فيسقط ﴿بفوات﴾ الوقت. والله أعلم.
وأما الصوم الواجب: فصوم التطوع بعد الشروع فيه، وصوم قضائه عند الإفساد وصوم
الاعتكاف عندنا. أما مسألة وجوب الصوم بالشروع ووجوب القضاء بالإفساد - فقد مضت في
كتاب الصَّلاَة.
وأما وجوب صوم الاعتكاف فنذكره في ((الاعتكاف))، وأما التطوع فهو صوم النفل خارج
رمضان قبل الشّروع. فهذه جملة أقسام الصيام - والله أعلم.
فصل
في شرائطها
وأما شرائطها فنوعان. نوع يعم الصيامات كلها، وهو شرط جواز الأداء، ونوع يخص
البعض دون البعض، وهو شرط الوجوب، أما الشرائط العامة فبعضها يرجع إلى الصائم، وهو
شرط أهلية الأداء، وبعضها يرجع إلى وقت الصوم وهو شرط المحلية. أما الذي يرجع إلى
وقت الصوم فنوعان: نوع يرجع إلى أصل الوقت، ونوع يرجع إلى وصفه من الخصوص
والعموم.
(١) في أ: أحق.
(٢) سقط في ط .

٥٥٤
كِتَاب الصَّوم
أما الذي يرجع إلى أصل الوقت فهو بياض النهار، وذلك من حين يطلع الفجر الثاني إلى
غروب الشمس، فلا يجوز الصوم في الليل؛ لأن الله تعالى أباح الجماع والأكل والشرب في
الليالي(١) إلى طلوع الفجر، ثم أمر بالصوم إلى الليل بقوله تعالى: ﴿أَحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... ) إلى قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُواً
حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضَ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أي: حتى يتبين لكم
بياض النهار من سواد الليل، هكذا روي عن رسول الله - وَ ل ◌َ - أنه قال: ((الخَيْطُ الأَبْيَضُ
وَالأَسْوَدُ هُمَا بَيَاضُ النَّهَارِ وَظُلْمَةُ اللَّيْلُ))(٢)، ثم أتموا الصيام إلى الليل؛ فكان هذا تعيينا لليالي
للفطر والنهار للصوم، فكان محل الصوم هو اليوم لا الليل.
ولأن(٣) الحكمة التي لها شرع الصوم، وهو ما ذكرنا من التقوى، وتعريف قدر النعم
الحامل على شكرها - لا يحصل بالصوم في الليل، لأن ذلك لا يحصُل إلا بفعل شاق على
البدن، مخالف للعادة وهوى النفس، ولا يتحقق ذلك بالإمساك في حالة النوم؛ فلا يكون الليل
محلاً للصوم.
وأما الذي يرجع إلى وصفه من الخصوص والعموم فنقول وبالله التوفيق:
أما صوم التطوع: فالأيام كلها محل له عندنا، وهو رواية محمد عن أبي حنيفة ويجوزُ
صوم التطوع خارجٍ رمضان في الأيام كلها، لقول النبيِّ - وَرَ -: ((كُلُّ عَمَلِ أَبْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ
الصَّوْمَ؟ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِ)) (٤).
(١) في أ: الليل.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٢/٤)، كتاب: الصوم، باب: قول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾، حديث
(١٩١٦)، ومسلم (٧٦٦/٢ -٧٦٧) كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصيام يحصل بطلوع الفجر
رقم (٣٣)، وأبو داود (٧٦٠/٢) كتاب: الصوم: باب: وقت السحور. حديث (٢٣٤٩).
(٣) في أ: أما.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٥/٤) كتاب الصوم: باب فضل الصوم حديث (١٨٩٤) ومسلم (٨٠٦/٢) كتاب
الصيام: باب فضل الصيام حديث (١١٥١/١٦٢) ومالك (٣١٠/١) كتاب الصيام: باب جامع الصيام
حديث (٥٨) وأبو داود (١/ ٧٢٠) كتاب الصيام: باب الغيبة للصائم حديث (٢٣٦٣) وأحمد (٤٦٥/٢)
والبيهقي (٢٦٩/٤) كتاب الصيام: باب الصائم ينزه صيامة عن اللفظة والمشاتمة، والبغوي في ((شرح
السنة)) (٤٥٣/٣ - بتحقيقنا) كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله وَلي قال:
الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل إن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم - مرتين - والذي نفسي بيده
لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا
أجزي به الحسنة بعشر أمثالها .
=

٥٥٥
كِتَاب الصَّوم
وقوله: ((مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ: الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالخَامِسَ عَشَرَ -
فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ كُلَّهَا))(١) فقد جعل السنة كلها محلاًّ للصوم على العموم وقوله: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ
لفظ البخاري:
=
أخرجه البخاري (١٤١/٤) كتاب الصيام: باب هل يقول الصائم إني صائم إذا شتم حديث (١٩٠٤)
ومسلم (٨٠٦/٢) كتاب الصيام: باب فضل الصيام حديث (١١٥١/١٦٣) والنسائي (١٦٣/٤) كتاب
الصوم: باب فضل الصوم، وأحمد (٢٧٣/٢) والبيهقي (٢٧٠/٤) كلهم من طريق ابن جريج حدثني
عطاء عن أبي صالح عن أبي هريرة به أخرجه البخاري (٣٨١/١٠) كتاب اللباس: باب ما يذكر في
المسك حديث (٥٩٢٧) ومسلم (٨٠٦/٢) كتاب الصيام: باب فضل الصيام حديث (١١٥١/١٦١)
والترمذي (١٣٦/٣) كتاب الصوم: باب ما جاء في فضل الصوم حديث (٧٦٤) والنسائي (٤/ ١٦٤)
كتاب الصوم: باب فضل الصوم وأحمد (٢٨١/٢) وعبد الرزاق (٣٠٦/٤) رقم (٧٨٩١) والبغوي في
((شرح السنة)) (٣/ ٤٥١ - بتحقيقنا) كلهم من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به.
وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن غريب من هذا الوجه. أخرجه البخاري (٤٧٢/١٣) كتاب
التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ حديث (٧٤٩٢) ومسلم (٨٠٦/٢) كتاب
الصيام: باب فضل الصيام حديث (١١٥١/١٦٤) وأحمد (٣٩٣/٢، ٤٤٣، ٤٧٧، ٤٨٠).
ابن ماجه (٥٢٥/١) كتاب الصيام: باب ما جاء في فضل الصيام حديث (١٦٣٨)، (١٢٥٦/٢) كتاب
الأدب: باب فضل العمل حديث (٣٨٢٣) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٥٠/٣ - بتحقيقنا) من طريق
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
أخرجه البخاري (٥٢١/١٣) كتاب التوحيد: باب ذكر النبي وَّل وروايته عن ربه حديث (٧٥٣٨) وأحمد
(٢/ ٤٥٧، ٥٠٤) والطيالسي (١٨١/١ - منحة) رقم (٨٦٣) من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة.
أخرجه أحمد (٥٠٣/٢) والدارمي (٢٥/٢) كتاب الصيام: باب فضل الصيام وأبو يعلى (٣٥٣/١٠) رقم
(٥٩٤٧) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ١٣٠): كتاب الصيام: باب ما جاء في صوم ثلاثة من كل شهر، حديث (٧٥٨)،
والنسائي (٢٢٢/٤): كتاب الصيام: باب ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر في صيام ثلاثة
أيام من الشهر، وابن ماجه (١/ ٥٤٤، ٥٤٥): كتاب الصيام: باب ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كل
شهر، حديث (١٧٠٨)، والبيهقي (٢٩٤/٤): كتاب الصيام: باب من أي الشهر يصوم هذه الأيام الثلاثة،
والطيالسي (١٩٦/١): كتاب الصيام باب ما جاء في صيام أيام البيض، حديث (٩٤٣)، وأحمد (٥/
١٦٢)، من حديث أبي ذر قال: أمرنا رسول الله ولو أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض ثلاث عشرة
وأربع عشرة وخمس عشرة، وفي لفظ أن النبي وَّر قال له: ((إذا صمت شيئاً من الشهر فصم ثلاث عشرة
وأربع عشرة وخمس عشرة))، وقال الترمذي: حديث حسن.
وأخرج النسائي (٢٢١/٤): كتاب الصيام: باب كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وذكر اختلاف
النافلين للخبر في ذلك، من حديث جرير بن عبد الله البجلي، عن النبي ◌َّ قال: ((صيام ثلاثة أيام من
كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة)).
وأخرج أبو داود (٢/ ٨٢١): كتاب الصوم: باب في صوم الثلاث من كل شهر، حديث (٢٤٤٩)،
والنسائي (٢٢٤/٤، ٢٢٥): كتاب الصيام: باب ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر في صيام =

٥٥٦
كِتَاب الصَّوم
وَأَتْبَعَهُ بِسِتُّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّه))(١) جعل الدهر كله محلاً للصوم من غير فصل.
ثلاثة أيام من الشهر، وأحمد (٢٧/٥)، والبيهقي (٢٩٤/٤): كتاب الصيام: باب من أي الشهر يصوم
=
هذه الأيام الثلاثة، من حديث ابن ملحان القسي عن أبيه، قال: كان رسول الله وَل و يأمرنا أيام البيض
ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال: هو كهيأة الدهر.
وأخرج الطبراني في «الأوسط)) كما في ((المجمع)) (١٩٩/٣)، من حديث ابن عمر، أن رجلاً سأل
النبي ◌َّر عن الصيام؛ فقال: عليك بالبيض ثلاثة أيام من كل شهر.
(١) ورد من حديث أبي أيوب، وثوبان، وجابر، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغنام، والبراء بن
عازب، وشداد بن أوس، وأوس بن أوس.
فحديث أبي أيوب:
أخرجه مسلم (٨٢٢/٢): كتاب الصيام: باب استحباب ستة أيام من شوال اتباعاً لرمضان، حديث
(٢٠٤ /١١٦٤)، وأبو داود (٨١٢/٢): كتاب الصوم. باب في صوم ستة أيام من شوال، حديث
(٢٤٣٣)، والترمذي (١٣٩/٢، ١٤٠)،: كتاب الصيام: باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال،
حديث (٧٥٦)، وابن ماجة (٥٤٧/١): كتاب الصيام: باب صيام ستة أيام من شوال، حديث (١٧١٦)،
والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١١٧/٣)، والطبراني في ((الصغير)) (٢٣٨/١)، والبيهقي (٢٩٢/٤):
كتاب الصيام: باب في فضل صوم ستة أيام من شوال، وابن خزيمة (٢٩٧/٣ - ٢٩٨)، رقم (٢١١٤)،
وابن حبان (٣٦٢٦ - الإحسان)، والخطيب في ((التاريخ)) (٤٣٦/٣)، من حديث أبي أيوب، وقال
الترمذي (حسن صحيح).
حديث ثوبان :
أخرجه ابن ماجة (١/ ٥٤٧): كتاب الصيام: باب صيام ستة أيام من شوال حديث (١٧١٥)، وأحمد (٥/
٢٨٠)، والدارمي (٢١/٢): كتاب الصوم: باب صيام الستة من شوال، والبيهقي (٢٩٣/٤): كتاب
الصيام: باب في فضل صوم ستة أيام من شوال.
والنسائي في الكبرى كما في ((تحفة الإشراف)) (١٣٨/٢) ومصباح الزجاجة (٢٥/٢) وابن خزيمة (٣/
٢٩٨) رقم (٢١١٥) وابن حبان (٩٢٨ - موارد) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٦٢/٢) من طريق أبي
أسماء الرحبي عن ثوبان مرفوعاً.
وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
حديث جابر:
أخرجه أحمد (٣٠٨/٣) والبزار (٤٩٦/١ - كشف) رقم (١٠٦٢) وعبد بن حميد ص (٣٣٦) رقم
(١١١٦) والحارث بن أبي أسامة (٣٣١ - بغية الباحث) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١١٩/٣) والبيهقي
(٤/ ٢٩٢) والعقيلي في ((الضعفاء)) (٢٦٣/٣) من طريق عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر أن النبي بَل
قال: من صام شهر رمضان وستة أيام من شوال فكأنما صام السنة كلها.
قال البزار: تفرد به عمرو.
وقال العقيلي: وهذا يروى عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ◌َّر بإسناد أصلح من هذا.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٦/٣): رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وفيه عمرو بن جابر
وهو ضعيف ا. هـ.
=

كِتَاب الصَّوم
٥٥٧
وعمرو بن جابر روی له الترمذي وابن ماجة .
=
وقال الحافظ في ((التقريب)) (٦٦/٢): ضعيف شيعي.
حديث أبي هريرة.
أخرجه البزار (١ /٤٩٥) رقم (١٠٦٠) من طريق زهير عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عنه مرفوعاً.
وأخرجه أيضاً (٦٠٦١) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به.
قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢٤٤/١) رقم (٧١٣): سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن أبي سلمة
عن زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ...... قال أبي: المصريون يرون
هذا الحديث عن زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ أما الهيثمي فقال في المجمع (٣/
١٨٦) رواه البزار وله طرق رجال بعضها رجال الصحيح.
وللحديث طريق آخر ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (٢١٤/٢) وعزاه إلى أبي نعيم من طريق المثنى بن
الصباح أحد الضعفاء عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه.
وله طريق آخر عن أبي هريرة:
أخرجه الطبراني في الأوسط كما في ((المجمع)) (١٨٦/٣ - ١٨٧) وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه.
حديث ابن عباس :
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد» (١٨٧/٣)، وقال الهيثمي: وفيه يحيى بن سعيد
المازني، وهو متروك.
حديث ابن عمر:
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد» (١٨٧/٣) بلفظ: من صام رمضان واتبعه ستاً من
شوال خرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه .
وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه مسلمة بن علي الخشني وهو ضعيف ا. هـ. ومسلمة بن علي
الخشني: تركوه، قال دحيم: ليس بشيء وقال أبو حاتم: لا يشتغل به.
ينظر المغني للحافظ الذهبي (٦٥٧/٢).
حدیث غنام:
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((المجمع)) (١٨٧/٣)، وابن منده، وأبو نعيم في ((الصحابة)) كما في
الإصابة (١٩١/٥)، من جهة حاتم بن اسماعيل، عن اسماعيل المؤذن مولى عبد الرحمن بن غنام، عن
عبد الرحمن بن غنام، عن أبيه قال: قال رسول الله وَليل بذكره.
وقال الهيثمي: وعبد الرحمن بن غنام لم أعرفه.
وحديث البراء بن عازب:
عزاه الحافظ في ((التلخيص)) (٢١٤/٢) للدارقطني ولم أجده في سننه ولعله في الأفراد أو غرائب مالك.
حدیث شداد بن أوس :
أخرجه ابن أبي حاتم في «العلل)» (٢٥٣/١)، رقم (٧٤٤)، من طريق مروان الطاطري، عن يحيى بن
الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، عن النبي ◌َّ به، ونقل عن أبيه أن الصحيح
رواية يحيى بن الحارث، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان.
=

٥٥٨
كِتَاب الصَّوم
وقوله: ((الصَّائِمُ المُتَطَوْعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ: إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْ))(١)، ولأن المعاني
التي لها كان الصوم حسناً وعبادة، وهي ما ذكرنا - موجودة في سائر الأيام، فكانت الأيام كلها
محلاً للصوم، إلا أنه يكره الصوم في بعضها، ويستحب في البعض.
أما الصيام في الأيام المكروهة: فمنها صوم يومي العيد، وأيام التشريق، وعند الشافعي:
لا يجوز الصوم في هذه الأيام، وهو رواية أبي يوسف وعبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة،
واحتجَّ(٢) بالنهي الوارد عن الصَّوْم فيها، وهو مَا رَوَي عن أبي هريرة - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ عَنِ
النبيِّ - ◌َّهِ - أنه قال: ((أَلاَ لاَ تَصُوَّمُوا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؟ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ))(٣)، والنهي
للتحريم، ولأنه عين هذه الأيام لأضداد الصوم؛ فلا تبقى محلاً للصوم.
=
حدیث أوس بن أوس :
ذكره ابن أبي حاتم (٢٥٣/١)، قال: سألت أبي عن حديث رواه مروان الطاطري، عن يحيى بن حمزة،
عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، عن النبي ◌َّ فذكره، فقال أبو
حاتم: الناس يروونه عن يحيى بن الحارث، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال:
جميعاً صحيحان.
وهذا الحديث عده الحافظ السيوطي من الأحاديث المتواترة فذكره في ((الأزهار المتناثرة في الأحاديث
المتواترة)) ص (٤٤) رقم (٤٩) وتبعه الشيخ جعفر الكتاني في ((نظم المتناثر)) ص (١٤٣).
(١) أخرجه أبو داود (٨٢٥/٢، ٨٢٦): كتاب الصوم: باب في الرخصة في ذلك، حديث (٢٤٥٦)،
والترمذي (١٠٩/٣): كتاب الصوم: باب ما جاء في إفطار الصائم المتطوع، حديث (٧٣١، ٧٣٢)،
والنسائي في ((الكبرى)) (٢٤٩/٢)، والطيالسي (١٩١/١): كتاب الصيام: باب من عليه صوم من رمضان
متى يقضيه، وما يفعل من أفطر عمداً في أيام القضاء، وفي صوم التطوع، حديث (٩١٦، ٩١٧)، وأحمد
(٦/ ٣٤١)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار)) (١٠٧/٢، ١٠٨): كتاب الصيام: باب الرجل يدخل في
الصيام تطوعاً ثم يفطر، والدارقطني (١٧٣/٢، ١٧٤): كتاب الصيام: باب تبييت النية من الليل وغيره،
حديث (٧: ١٢)، والبيهقي (٢٧٦/٤، ٢٧٧): كتاب الصيام: باب صيام التطوع والخروج منه قبل
تمامه، والحاكم (٤٣٩/١): كتاب الصيام، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وعند
أكثرهم ((أن النبي ◌ِّر قال لها: الصائم المتطوع أمير نفسه. إن شاء صام، وإن شاء أفطر)).
(٢) سقط في أ.
(٣) ورد من حديث كعب بن مالك، ونبيشه الهذلي، وعبد الله بن حذافة السهمي، وأبي هريرة، وابن
عباس، وخلدة أم عمر، وزيد بن خالد الجهني، وعقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب، وأم مسعود بن
الحكم، وبشر بن سحيم الغفاري، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وبديل بن ورقاء، ومعمر بن
عبد الله العدوي، وعمر بن الخطاب، وأسامة الهذلي، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وعائشة، وأم الفضل
بنت الحارث.
أما حدیث کعب بن مالك:
فأخرجه مسلم (٢/ ٨٠٠): كتاب الصيام: باب تحريم صوم أيام التشريق، حديث (١١٤٢/١٤٥)،
وأحمد (٤٦٠/٣)، من رواية أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه حدثه، أن رسول الله وعليه =

٥٥٩
كِتَاب الصَّوم
بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام من أيام أكل وشرب.
=
حديث نبيشة الهذلي :
أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٠): كتاب الصيام: باب تحريم صوم أيام التشريق، حديث (١١٤١/١٤٤)، وأحمد
(٧٥/٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٥/٢): كتاب مناسك الحج: باب التمتع الذي لا يجد
هدياً ولا يصوم في العشر، من رواية أبي المليح عنه قال: قال رسول الله وَ ي# أيام التشريق أيام أكل
وشرب وذکر لله.
حدیث عبد الله بن حذافة:
أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٠، ٤٥١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٤/٢): كتاب مناسك الحج:
باب التمتع الذي لا يجد هدياً ولا يصوم في العشر، من رواية سليمان بن يسار عنه، أن النبي وَلّ أمره أن
ينادي في أيام التشريق، أنها أيام أكل وشرب.
وأخرجه مالك (٣٧٦/١): كتاب الحج: باب ما جاء في صيام أيام منى، حديث (١٣٥)، عن الزهري،
أن رسول الله وَل بعث عبد الله بن حذافة أيام منى يطوف يقول: إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله.
وأخرجه الدارقطني (٢١٢/٢) كتاب الصيام: باب طلوع الشمس بعد الإفطار، حديث (٣٢)، من طريق
الواقدي، ثنا ربيعة بن عثمان، عن محمد سمع مسعود بن الحكم الزرقي يقول: حدثني عبد الله بن
حذافة قال: بعثني رسول الله وَّر على راحلته أيام أنادي: أيها الناس إنها أيام أكل وشرب وبعال،
والواقدي ضعيف.
حديث أبي هريرة:
أخرجه أحمد (٥١٣/٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٤٤/٢): كتاب مناسك الحج: باب التمتع
الذي لا يجد هدياً ولا يصوم في العشر، وابن ماجة (٥٤٨/١): كتاب الصيام: باب في النهي عن صيام
أيام التشريق، حديث (١٧١٩) وأخرجه الدارقطني (٢٨٣/٤) كتاب الأشربة وغيرها: باب الصيد والذبائح
والأطعمة وغير ذلك حديث (٤٥) بزيادة فقال ثنا محمد بن مخلد وآخرون قالوا: ثنا محمد بن
سليمان بن الحارث الواسطي نا سعيد بن سلام العطار نا عبد الله بن بديل الخزاعي عن الزهري عن
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله و98َّ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق
يصيح في فجاج منى: ألا إن الزكاة في الحلق واللبه ألا ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق وأيام منى أيام أكل
وشرب وبعال.
قال أبو الطيب آبادي في ((التعليق المغني)) (٢٨٣/٤): سعيد بن سلام العطار كذبه ابن نمير وقال
البخاري: يذكر بوضع الحديث وقال النسائي: بصري ضعيف وقال أحمد بن حنبل: كذاب وقال
الدارقطني: يحدث بالبواطيل متروك.
حديث ابن عباس :
أخرجه الطبراني في الكبير كما في المجمع (٢٠٦/٣)، عن ابن عباس، أن رسول الله وَّل أرسل أيام منى
صائحاً يصيح أن لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وبعال.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفي رواية له في الأوسط والكبير أيضاً أن النبي وَّر بعث بديل بن
ورقاء وإسناد الأول حسن وللحديث طريق آخر.
=

٥٦٠
كِتَاب الصَّوم
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٦/ ٤١٠ - ٤١١) من طريق مفضل بن صالح عن عمرو بن دينار عن ابن
=
عباس قال: بعث رسول الله وَّليل بديل بن ورقاء ينادي إن هذه الأيام أيام أكل وشرب فلا تصوموها.
ومفضل قال والبخاري: منكر الحديث.
أسنده ابن عدي في الكامل عن البخاري.
حدیث خلدة:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢١/٤): كتاب الحج: باب من قال أيام التشريق أيام أكل وشرب،
وأبو يعلى كما في ((المطالب العالية)) (٢٩٨/١ - ٢٩٩)، وعبد بن حميد كما في ((المطالب العالية)) (١/
٢٩٨ - ٢٩٩)، ووكيع في ((أخبار القضاة)) (١٣١/١)، والطحاوي في ((معاني الآثار)) (٢٤٥/٢)، من
طريق موسى بن عبيدة، عن منذر بن جهم، عن عمر بن خلدة، عن أمه قالت: بعث رسول الله وَ لخمس
علي بن أبي طالب ينادي أيام منى: إنها أيام أكل وشرب وبعال.
وموسى بن عبيدة ضعفوه، وقال أحمد لا تحل الرواية عنه.
وقال الحافظ: ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار ينظر المغني (٦٨٥/٢) والتقريب (٢٨٦/٢).
حديث زيد بن خالد الجهني :
أخرجه أبو يعلى في مسنده كما في المطالب العالية (٢٩٩/١)، عن زيد بن خالد الجهني قال: أمر رسول
الله وَلّ رجلاً فنادى أيام التشريق: ألا إن هذه الأيام أيام أكل وشرب ونكاح
وقال الحافظ في ((المطالب العالية)): عمرو بن الحصين ليس بثقة.
حديث عقبة بن عامر:
أخرجه أحمد (١٥٢/٤)، والدارمي (٢٣/٢): كتاب الصوم: باب في صيام يوم عرفة، وأبو داود (٢/
٨٠٤): كتاب الصوم: باب صيام أيام التشريق، حديث (٢٤١٩)، والترمذي (١٣٥/٢): كتاب الصيام:
باب ما جاء في كراهية صوم أيام التشريق، حديث (٧٧٠)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار (٧١/٢)
كتاب الصوم: باب صوم يوم عرفة، والحاكم (٤٣٤/١): كتاب الصوم، والبيهقي (٢٩٨/٤): كتاب
الصيام: باب الأيام التي نهى عن صومها ولفظه: أن النبي وَّر قال يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق
عيدنا أهل الإسلام، وهن أيام أكل وشرب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
حديث علي:
أخرجه أحمد (٩٢/١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٦/٢): كتاب مناسك: باب التمتع الذي
لا يجد هدياً ولا يصوم في العشر، والحاكم (٤٣٥/١): كتاب الصوم، وصححه على شرط مسلم.
حديث أم مسعود بن الحكم:
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٦/٢): كتاب مناسك الحج: باب التمتع الذي لا يجد هدياً
ولا يصوم في العشر، من طريق ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، قال:
حدثتني أمي، قالت: لكأني أنظر إلى علي بن أبي طالب على بغلة النبي ◌َّ البيضاء، حتى قام إلى شعب
الأنصار، وهو يقول: يا معشر المسلمين، إنها ليست بأيام صوم إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل.
وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٦/٢): كتاب مناسك الحج: باب التمتع الذي لا يجد
هدياً ولا يصوم في العشر، من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير قال: حدثني ميمون بن يحيى، حدثني =