Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الصلاة ثم أخبروا أن آخر صلاة صلاها رسول الله - وَّل﴿ - كانت بأربع تكبيرات؛ وهذا خرج مخرج التناسخ؛ حيث لم تحمل الأمة الأفعال المختلفة على التخيير؛ فدل أن ما تقدم نسخ بهذه التي صلاها آخر صلاته، ولأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وليس في المكتوبات زيادة على أربع ركعات، إلا أن ابن أبي ليلى يقول: التكبيرة الأولى للافتتاح؛ فينبغي أن يكون بعدها أربع تكبيرات؛ كل تكبيرة قائمة مقام ركعة. والرافضة زعمت أن عليّاً - رضي الله عنه - كان يكبر على أهل بيته خمس تكبيرات، وعلى سائر الناس أربعاً؛ وهذا افتراء منهم عليه؛ فإنه روي عنه: أنه كبر على فاطمة - رضي الله عنها - أربعاً. وروي: أنه صلى على فاطمة أبو بكر - رضي الله عنهما - وكبر أربعاً، وعمر صلى على أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - وكبر أربعاً، فإذا كبر الأولى أثنى(١) على الله - تعالى - وهو أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره. وذكر الطحاوي: أنه لا استفتاح فيه، ولكن النقل والعادة أنهم يستفتحون بعد تكبيرة الافتتاح، كما يستفتحون في سائر الصلوات، وإذا كبر الثانية يأتي بالصلاة على النبي - وَلا - وهي الصلاة المعروفة، وهي أن يقول: ﴿اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد﴾ إلى قوله: ﴿إنك حميد مجيد﴾، وإذا كبر الثالثة يستغفرون للميت ويشفعون؛ وهذا لأن صلاة الجنازة دعاء للميت. والسنة في الدعاء أن يقدم الحمد، ثم الصلاة على النبي - بَير - ثم الدعاء بعد ذلك؛ لیکون أرجی أن يستجاب. والدعاء أن يقول: اللهم اغفر لحینا ومیتنا، إن کان یحسنه، وإن لم يحسنه یذکر ما يدعو به في التشهد: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات إلى آخره؛ هذا إذا كان بالغاً، فأما إذا كان صبياً فإنه يقول: اللهم اجعله لنا فرطاً وذخراً وشفعه فينا؛ كذا روي عن أبي حنيفة، وهو المروي عن النبي - وَثير-(٢) ثم يكبر التكبيرة الرابعة، (ويسلم)(٣) تسليمتين؛ لأنه جاء أوان التحلل، وذلك بالسلام، وهل يرفع صوته بالتسليم؟ لم يتعرض له في ((ظاهر الرواية)). وذكر الحسن بن زياد: أنه لا يرفع صوته بالتسليم في صلاة الجنازة؛ لأن رفع الصوت مشروع للإعلام ولا حاجة إلى الإعلام بالتسليم في صلاة الجنازة؛ لأنه مشروع (عقب (١) في أ: يثني. (٢) تقدم تخريج الحديث. (٣) في أ: ثم يسلم. ٣٤٢ كتاب الصلاة التكبيرة)(١) الرابعة بلا فصل. ولكن العمل في زماننا هذا يخالف ما يقوله الحسن، وليس في ظاهر المذهب - بعد التكبيرة الرابعة - دعاء سوى السلام، وقد اختار بعض مشايخنا ما يختم به سائر الصلوات: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة ... الخ، فإن كبر الإمام خمساً لم يتابعه المقتدي في الخامسة. وعند زفر: يتابعه. وجه قوله: أن هذا مجتهد فيه؛ فيتابع المقتدي إمامه، كما في تكبيرات العيد. ولنا: أن هذا عمل بالمنسوخ؛ لأن ما زاد على أربع تكبيرات ثبت انتساخه بما روينا؛ فظهر خطأه بيقين فيه؛ فلا يتابعه في الخطإِ؛ بخلاف تكبيرات العيدين؛ لأنه لم يظهر خطأه بيقين، حتى لو ظهر لا يتابعه على ما ذكرنا في صلاة العيدين. ثم اختلفت الروايات عن أبي حنيفة: أن المقتدي ماذا يفعل إذا لم يتابعه في التكبيرة الزائدة؟ في رواية قال: ينتظر الإمام حتى يتابعه في التسليم؛ لأن البقاء في حرمة الصلاة ليس بخطإٍ، إنما الخطأ متابعته في التكبير، فينتظره(٢) ولا يتابع. وفي رواية قال: يسلم ولا ينتظر؛ لأن البقاء في التحريمة بعد التكبيرة الرابعة خطأ؛ لأن التحليل عقيبها هو المشروع بلا فصل، فلا يتابعه في البقاء، كما لا يتابعه في التكبيرة الزائدة، ولا يقرأ في الصلاة على الجنازة بشيء من القرآن. وقال الشافعي: يفترض قراءة الفاتحة فيها، وذلك عقيب التكبيرة الأولى بعد الثناء. وعندنا: لو قرأ الفاتحة على سبيل الدعاء والثناء لم يكره. واحتج الشافعي بقول النبيِّ - ◌ََّ -: ((لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))(٣). وقوله: ((لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِقَرَاءَةٍ» (٤) وهذه صلاة بدليل شرط الطهارة، واستقبال القبلة فيها. وعن جابر - رضي الله عنه -: أن النبيَّ - صَلَّ - قال: ((كَبِّرْ عَلَى مَيِّتٍ أَرْبَعاً، وَقَرأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَوْلَّى)). وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: ((أَنَّهُ صَلَّى على جنازة فقرأ فيها بفاتحة الكتاب وجَھَرَ ١٥٧ ب بها، وقال: إِنَّما جهرت؛ لتعلَّمُوا أنها سُنَّة/))(٥) . (١) في أ: عقيب التكبير. (٢) في أ: ينتظره. (٣) تقدم تخريج الحديث. (٤) تقدم تخريج الحديث. (٥) أخرجه البخاري (٢٠٣/٣): كتاب الجنائز: باب قراءة الفاتحة على الجنازة، الحديث (١٣٣٥)، والشافعي (٢١٠/١): كتاب الصلاة: باب صلاة الجنائز، الحديث (٥٧٩)، وأبو داود (٥٣٧/٣): كتب الجنائز: باب ما يقرأ على الجنازة، الحديث (٣١٩٨)، والترمذي (٢٤٦/٢): كتاب الجنائز: باب في = ٣٤٣ كتاب الصلاة ولنا: ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه سُئِلَ عَنْ صَلاَةِ الجنَازَةِ، هل [يقرأ فيها](١)؟ فقال: لم يوقت لنا رسول الله ـ وَّلَهـ فيها قولاً ولا قراءةً، وفي رواية: دعاءً ولا قراءةً؛ كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام ما شئت. وفي رواية: واختر من الدعاء أطيبه . وروي عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر - رضي الله عنهم -: أنهما قالا: ليس فيها قراءة شيء من القرآن، ولأنها شرعت للدعاء، ومقدمة الدعاء: الحمد والثناء والصلاة على النبي - ◌َير - لا القراءة، وقوله عليه السلام: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صلاة إلاَّ بقراءة)» لا يتناول صلاة الجنائز؛ لأنها ليست بصلاة على حقيقة؛ إنما هي دعاء واستغفار للميت. ألا ترى أنه ليس فيها الأركان التي تتركب منها الصلاة من الركوع والسجود، إلا أنها تسمى صلاة؛ لما فيها من الدعاء واشتراط الطهارة، واستقبال القبلة فيها لا يدل على كونها صلاة حقيقية، كسجدة التلاوة، ولأنها ليست بصلاة مطلقة، فلا يتناولها مطلق الاسم. القراءة على الجنازة، الحديث (١٠٣٢)، والنسائي (٧٥/٤): كتاب الجنائز: باب الدعاء، وابن الجارود = (ص - ١٨٨): كتاب الجنائز، الحديث (٥٣٤)، والحاكم (٣٥٨/١): كتاب الجنائز: باب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، والبيهقي (٣٨/٤): كتاب الجنائز: باب القراءة في صلاة الجنازة، وفي رواية النسائي، وابن الجارود، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة. وفي الباب عن بعض الصحابة وسنذكر أحاديثهم. حدیث أسماء بنت یزید: قالت: قال رسول الله وَلهو: إذا صليتم على الجنازة فاقرؤوا بفاتحة الكتاب. ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٥/٣) وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه معلى بن حمران ولم أجد من ذكره وبقية رجاله موثقون وفي بعضهم كلام. حدیث أم عفيف: قالت: بايعنا رسول الله وَ له حين بايع النساء وأمرنا أن نقرأ على ميتنا بفاتحة الكتاب. قال الهيثمي (٣٥/٣) رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد المنعم أبو سعيد وهو ضعيف. حديث أبي هريرة: أن النبي ◌َ لو قرأ على الجنازة أربع مرات الحمد لله رب العالمين. قال الهيثمي: (٣٥/٣): رواه الطبراني في الأوسط وفيه ناهض بن القاسم ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات. حديث ابن عباس: قال: أتى بجنازة جابر بن عتيك أو قال: سهل بن عتيك وكان أول من صلى عليه في موضع الجنائز فتقدم رسول الله وير فكبّر فقرأ بأم القرآن فجهر بها. قال الهيثمي (٣٥/٣): رواه الطبراني في الأوسط وفيه يحيى بن يزيد عبد الملك النوفلي وهو ضعيف. (١) في أ: فيها قراءة. ٣٤٤ كتاب الصلاة وحديث ابن عباس: معارض بحديث ابن عمر، وابن عوف، وتأويل حديث جابر: أنه كان قرأ على سبيل الثناء لا على سبيل(١) قراءة القرآن، وذلك ليس بمكروه عندنا، ولا يرفع يديه إلاَّ في التكبيرة الأولى، وكثير من أئمة ((بلخ))، اختاروا رفع اليد في كل تكبيرة من صلاة الجنازة، وكان نصير بن يحيى يرفع تارة ولا يرفع تارة. وجه قول من اختار الرفع: أن هذه تكبيرات يؤتى بها في قيام مستو؛ فيرفع اليد عندها، كتكبيرات العيد وتكبير القنوت، والجامع الحاجة إلى إعلام من خلفه من الأصم. وجه ظاهر الرواية: قول النبي - وَّر -: ((لاَ تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّ في سَبْعِ مَوَاطِنَ))؛ وليس فيها(٢) صلاة الجنازة. وعن علي، وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: لا ترفع الأيدي فيها إلا عند تكبيرة الافتتاح؛ لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ثم لا ترفع الأيدي في سائر الصلوات إِلاَّ عند تكبيرة الافتتاح عندنا؛ فكذا في صلاة الجنازة، ولا يجهر بما يقرأ عقيب كل تكبيرة؛ لأنه ذكروا السنة فيه المخافتة. وإذا صلين النساء جماعة على جنازة [قام الإمام](٣) وسطهن؛ كما في الصلاة المفروضة المعهودة. ولو كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين أو ثلاث تكبيرات، ثم جاء رجل - لا يكبر، ولكنه ينتظر حتى يكبر الإمام فيكبر معه. ثم إذا سلم الإمام قضى ما عليه قبل أن ترفع الجنازة؛ وهذا في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يكبر واحدة حين يحضر. ثم إن كان الإمام كبر واحدة لم يقضٍ شيئاً، وإن كان كبر ثنتين قضى واحدة، ولا يقضي تكبيرة الافتتاح، هو يقول: إنه مسبوق؛ فلا بد من أن يأتي بتكبيرة الائتمام حين انتهى إلى الإمام، كما في سائر الصلوات، وكما لو كان حاضراً مع الإمام، ووقع تكبير الافتتاح سابقاً عليه؛ أنه يأتي بالتكبير، ولا ينتظر أن يكبر الإمام الثانية بالإجماع؛ كذا هذا. ولهما: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أنه قال - في الذي انتهى إلى الإمام، وهو في صلاة الجنازة، وقد سبقه الإمام بتكبيرة -: أنه لا يشتغل بقضاء ما سبقه الإمام، بل يتابعه، وهذا قول روي عنه، ولم يرو عن غيره خلافه؛ فحل مَحَلَ الإجماع، ولأن كل تكبيرة من هذه الصلاة قائمة مقام ركعة؛ بدليل أنه لو ترك تكبيرة منها تفسد صلاته؛ كما لو ترك ركعة من ذوات الأربع. والمسبوق بركعة يتابع الإمام في الحالة التي أدركها، ولا يشتغل بقضاء ما (١) في أ: لا على وجه. (٢) في أ: منها. (٣) في ط: قامت الأمامة. ٣٤٥ كتاب الصلاة فاته أولاً؛ لأن ذلك أمر منسوخ؛ كذا ههنا، وهذا بخلاف ما إذا كان حاضراً؛ لأن من كان خلف الإمام فهو في حكم المدرك لتكبيرة الافتتاح. ألا ترى أن في تكبيرة الافتتاح يكبرون بعد الإمام، ويقع ذلك أداء لا قضاء؛ فيأتي بها حين حضرته النية؛ بخلاف المسبوق؛ فإنه غير مدرك للتكبيرة الأولى، وهي قائمة مقام ركعة، فلا يشتغل بقضائها قبل سلام الإمام، كسائر التكبيرات، ثم عندهما يقضي ما فاته؛ لأن المسبوق يقضي الفائت لا محالة، ولكن قبل أن ترفع الجنازة؛ لأن صلاة الجنازة بدون الجنازة لا تتصور . وعند أبي يوسف: إن كان الإمام كبر واحدة لم يقض شيئاً، وإن كبر ثنتين قضى واحدة؛ لما ذكرنا، ولو جاء بعد ما كبر الإمام الرابعة قبل السلام لم يدخل معه؛ وقد فاتته الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: يكبر واحدة، وإذا سلم الإمام قضى ثلاث تكبيرات، كما لو كان حاضراً خلف الإمام، ولم يكبر شيئاً حتى كبر الإمام الرابعة. والصحيح: قولهما؛ لأنه لا وجه إلى أن يكبر وحده؛ لما قلنا، والإمام لا يكبر بعد هذا؛ ليتابعه(١). والأصل في الباب عندهما: أن المقتدي يدخل بتكبيرة الإمام، فإذا فرغ الإمام من الرابعة تعذر عليه الدخول. وعند أبي يوسف: يدخل إذا بقيت التحريمة. وذكر عصام بن يوسف: أن عند محمد - ههنا - يكبر - أيضاً؛ بخلاف ما إذا جاء. وقد كبر الإمام ثلاث تكبيرات؛ حيث لا يكبر، بل / ينتظر الإمام حتى يكبر الرابعة عند محمد؛ لأن ١١٥٨ الاشتغال بقضاء ما سبق قبل فراغ الإمام إن كان لا يجوز، لكن جوزنا ههنا؛ لمكان الضرورة؛ لأنه لو انتظر الإمام - ههنا - فاتته الصلاة؛ بخلاف تلك الصورة. والله - تعالى - أعلم. فضل في بیان ما تصح به وتفسد وأما بيان ما تصح به وما يفسد وما يكره: أما ما تصح به: فكل ما يعتبر شرطاً لصحة سائر الصلوات، من الطهارة الحقيقية والحكمية، واستقبال القبلة، وستر العورة، والنية - يعتبر شرطاً لصحتها؛ حتى إنهم لو صلوا على جنازة - والإمام غير طاهر - فعليهم إعادتها؛ لأن صلاة الإمام غير جائزة؛ لعدم الطهارة؛ فكذا صلاتهم؛ لأنها بناء على صلاته. ولو كان الإمام (١) في ط: لتتابعه. ٣٤٦ كتاب الصلاة على الطهارة؛ والقوم على غير طهارة - جازت صلاة الإمام، ولم يكن عليهم إعادتها؛ لأن حق الميت تأدى(١) بصلاة الإمام. ودلت المَسْأَلَةُ على أن الجماعة ليست بشرط في هذه الصلاة، ولو أَخْطَؤُوا بالرأس فوضعوه في موضع الرجلين وصلوا عليها - جازت الصلاة؛ لاستجماع شرائط الجواز، وإنما الحاصل بغير صفة الوضع؛ وذا لا يمنع الجواز، إلا أنهم إن تعمدوا ذلك فقد أسَاءُوا؛ لتغييرهم السنة المتوارثة. ولو تحروا على جنازة فأخطأوا القبلة جازت صلاتهم، لأن المكتوبة تجوز؛ فهذه أولى. وإن تعدوا خلافها لم تجز، كما في اعتبار شرط القبلة؛ لأنه لا يسقط حالة الاختيار كما في سائر الصلوات. ولو صلّى راكباً أو قاعداً من غير عذر - لم تجزهم استحساناً. والقياس: أن تجزئهم، كسجدة التلاوة، ولأن المقصود منها الدعاء للميت؛ وهو لا يختلف. والأركان فيها التكبيرات، ويمكن تحصيلها في حالة الركوب، كما يمكن تحصيلها في حالة القيام. [وجه الاستحسان: أن الشرع ما ورد بها إلا في حالة القيام] (٣)، فيراعي فيها ما ورد به النص؛ ولهذا لا يجوز إثبات الخلل في شرائطها؛ فكذا في الركن بل أولى؛ لأن الركن أهم من الشرط، ولأن الأداء قعوداً أو ركباناً يؤدي إلى الاستخفاف بالميت؛ وهذه الصلاة شرعت لتعظيم الميت؛ ولهذا تسقط في حق من تجب إهانته كالباغي، والكافر، وقاطع الطريق؛ فلا يجوز أداء ما شرع للتعظيم على وجه يؤدي إلى الاستخفاف؛ لأنه يؤدي إلى أن يعود على موضوعه بالنقص وذلك باطل. ولو كان ولي الميت مريضاً فصلى قاعداً، وصلى الناس خلفه قياماً - أجزأهم في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد: يجزىء الإمام، ولا يجزىء المأموم؛ بناء على اقتداء القائم بالقاعد، وقد مر ذلك. ولو ذكروا بعد الصلاة على الميت أنهم لم يغسلوه فهذا على وجهين: إما أن ذكروا قبل الدفن أو بعده، فإن كان قبل الدفن غسلوه، وأعادوا الصلاة عليه؛ لأن طهارة الميت شرط لجواز الصلاة عليه، كما أن طهارة الإمام شرط؛ لأنه بمنزلة الإمام؛ فتعتبر طهارته، فإذا فقدت لم يعتد بالصلاة فيغسل ويصلى عليه، وإن ذكروا بعد الدفن لم ينبشوا عنه؛ لأن النبش حرام حقاً لله - تعالى - فيسقط الغسل، ولا تعاد الصلاة عليه؛ لأن طهارة الميت شرط جواز الصلاة علیه؛ لما بينا. (١) في أ: يتأدى. (٢) سقط في أ. ٣٤٧ كتاب الصلاة وروي عن محمد: أنه يخرج ما لم يهيلوا عليه التراب؛ لأن ذلك ليس بنبش؛ فإن أهالوا التراب لم يخرج وتعاد الصلاة عليه؛ لأن تلك الصلاة لم تعتبر؛ لتركهم الطهارة مع الإمكان، والآن فات الإمكان فسقطت الطهارة - فيصلى عليه. ولو دفن بعد الغسل قبل الصلاة عليه صلى(١) عليه في القبر؛ ما لم يعلم أنه تفرق. وفي ((الأمالي)) عن أبي يوسف أنه قال: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام، هكذا ذكر ابن رستم عن محمد. أما قبل مضي ثلاثة أيام؛ فلما روينا أن النبي - وَلَه- صلى على قبر تلك المرأة، فلما جازت الصلاة على القبر بعد ما صلى على الميت مرة - فلأن تجوز في موضع لم يصل عليه أصلاً أولى. وأما بعد الثلاثة أيام لا يصلي؛ لأن الصلاة مشروعة على البدن، وبعد مضي الثلاث ينشق ويتفرق فلا يبقى البدن؛ وهذا لأن في المدة القليلة لا يتفرق. وفي الكثيرة يتفرق؛ فجعلت الثلاث في حد الكثرة؛ لأنها جمع، والجمع ثبت بالكثرة، ولأن العبرة للمعتاد، والغالب في العادة؛ أن بمضي الثلاث يتفسخ ويتفرق أعضاؤه، والصحيح: أن هذا ليس بتقدير لازم؛ لأنه يختلف باختلاف الأوقات في الحر والبرد، وباختلاف حال الميت في السمن والهزال، وباختلاف الأمكنة؛ فيحكم فيه غالب الرأي وأكبر الظن. فإن قيل: روي عن النبي - وَ ليو - أنه صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين. فالجواب: أن معناه - والله أعلم - أنه دعا لهم. قال الله - تعالى -: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] والصلاة في الآية بمعنى الدعاء. وقيل: إنهم لم تتفرق أعضاؤهم؛ فإن معاوية - رضي الله عنه - لما أراد أن يحولهم وجدهم كما دفنوا - فتركهم. وتجوز الصلاة على الجماعة مرة واحدة، فإذا اجتمعت الجنائز فالإمام بالخيار؛ إن شاء صلى عليهم دفعة واحدة، وإن شاء صلى [صلاة] (٢) على كل جنازة على حدة؛ لما روي أن النبي - وَلّ - صلى يوم أحد على كل عشرة من / الشهداء صلاة واحدة، ولأن ما هو المقصود - ٥٨) وهو الدعاء والشفاعة للموتى - يحصل بصلاةٍ واحدةٍ، فإن أراد أن يصلي على كل واحدة على حدة - فالأولى أن يقدم الأفضل فالأفضل، فإن لم يفعل فلا بأس به. ثم كيف توضع الجنائز إذا اجتمعت؟ فنقول: لا يخلو إما أن كانت من جنس واحد أو (١) في أ: يصلي. (٢) سقط في ط. ٣٤٨ كتاب الصلاة اختلف الجنس، فإن كان الجنس متحداً: فإن شاؤوا جعلوها صفّاً واحداً، كما يصطفون في حال حياتهم عند الصلاة، وإن شاؤوا وضعوا واحداً بعد واحدٍ مما يلي القبلة؛ ليقوم الإمام بحذاء الكل؛ هذا جواب ظاهر الرواية. وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أن الثاني أولى من الأول؛ لأن السنة هي قيام الإمام بحذاء الميت هو يحصل في الثاني دون الأول. وإذا وضعوا واحداً بعد واحدٍ؛ ينبغي أن يكون أفضلهم مما يلي الإمام؛ كذا روي عن أبي حنيفة: أنه يوضع أفضلهما مما يلي الإمام وأسنهما. وقال أبو يوسف: والأحسنُ عندي أن يكونَ أَهْلُ الفضلِ مِمَّا يلي الإِمام؛ لقوله - وَالرَ -: (يَلِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَخْلاَمِ والتُّهَى)(١) . ثم إن وضع رأس كل واحد منهم بحذاء رأس صاحبه فحسن. وإن وضع شبه الدرج - كما قال ابن أبي ليلى؛ وهو أن يكون رأس الثاني عند منكب الأول - فحسن؛ كذا روي عن أبي حنيفة أنه إن وضع هكذا فحسن أيضاً؛ لأن النبي - وَل جر - وصاحبيه دفنوا على هذه الصفة؛ فيحسن الوضع للصلاة على هذا الترتيب أيضاً. وأما إذا اختلف الجنس؛ بأن كانوا رجالاً ونساء: توضع الرجال مما يلي الإمام، والنساء خلف الرجال مما يلي القبلة؛ لأنهم هكذا يصطفون خلف الإمام في حال الحياة، ثم إن الرجال يكونون أقرب إلى الإمام من النساء؛ فكذا بعد الموت. ومن العلماء من قال: توضع النساء مما يلي الإمام والرجال خلفهن؛ لأن في الصلاة بالجماعة في حال الحياة صف النساء خلف صف الرجال إلى القبلة؛ فكذا في وضع الجنائز. ولو اجتمع جنازة رجل وصبي وخنثى، وامرأة وصبية: وضع الرجل مما يلي الإمام، والصبي وراءه، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الصبيّة، والأصل فيه: قولُ النبيِّ - ◌ََّ -: ((لِيَلِينِي مِنْكُمْ أَولُو الْأَخْلاَمِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))(٢) ولأنهم هكذا يقومون في الصف خلف الإمام حالة الحياة، فيوضعون كذلك بعد الموت، ولو كبر الإمام على جنازة، ثم أتي بجنازة أخرى فوضعت معها - مضى على الأولى، ويستأنف الصلاة على الأخرى؛ لأن التحريمة انعقدت للصلاة على الأولى فيتمها، فإن كبر الثانية ينويهما فهي للأولى؛ لأنه لم يقصد الخروج عن الأولى؛ فبقي فيها ولم يقع للثانية . (١) تقدم تخريج الحديث. (٢) تقدم تخريج الحديث. ٣٤٩ كتاب الصلاة وإن كبر ينوي الثانية وحدها فهي للثانية؛ لأنه خرج عن الأولى بالتكبيرة مع النية، كما إذا كان في الظهر فكبر ينوي العصر - صار منتقلاً من الظهر؛ فكذا هذا؛ بخلاف ما إذا نواهما جميعاً؛ لأنه ما رفض الأولى، فبقي فيها، فلا يصير شارعاً في الثانية. ثم إذا صار شارعاً في الثانية، فإذا فرغ منها - أعاد الصلاة على الأولى أي: يستقبل. والله أعلم. فضل في مفسدات صلاة الجنازة وأما بيان ما تفسد به صلاة الجنازة فنقول: إنها تفسد بما تفسد به سائر الصلوات، وهو ما ذكرنا من الحدث العمد، والكلام والقهقهة، وغيرها من نواقض الصلاة، إلا المحاذاة؛ فإنها غير مفسدة في هذه الصلاة؛ لأن فساد الصلاة بالمحاذاة عرف بالنص، والنص ورد في الصلاة المطلقة؛ فلا يلحق بها غيرها؛ ولهذا لم يلحق بها سجدة التلاوة، حتى لم تكن المحاذاة فيها مفسدة، وكذا القهقهة في هذه الصلاة لا تنقض الطهارة؛ لأنا عرفنا القهقهة حدثاً بالنص الوارد في صلاة مطلقة؛ فلا يجعل وارداً في غيرها فرق بين هاتين الْمَسْأَلَّتَيْنِ وبين البناء؛ فإنه لو سبقه الحدث في صَلاَةِ الجنازة يبني، وإن عرف البناء بالنص، وإنه وارد في صلاة مطلقة. والفرق: أن القهقهة جعلت حدثاً؛ لقبحها في الصلاة؛ وقبحها يزداد بزيادة حرمة الصلاة، ولا شك أن حرمة الصلاة المطلقة فوق حرمة صلاة الجنازة؛ فكان قبحها في تلك الصلاة فوق قبحها في هذه؛ فجعلها حدثاً هناك لا يدل على جعلها حدثاً ههنا، وكذا المحاذاة جعلت مفسدة في تلك الصلاة؛ تعظيماً لها، وليست هذه مثل تلك في معنى التعظيم؛ بخلاف البناء؛ لأن الجواز وتحمل المشي في أعلى العبادتين يوجب التحمل، والجواز في أدناهما دلالة، ولأنا لو لم نجوز البناء ــ ههنا - تفوته الصلاة أصلاً؛ لأن الناس يفرغون من الصلاة قبل رجوعه من التوضؤ، ولا يمكنه الاستدراك بالإعادة لما مر، ولو لم نجوز البناء هناك لفاتته (١) الصلاة أصلاً، فلما جاز البناء هناك - فلأن يجوز ههنا أولى. فضل في مكروهات صلاة الجنازة وأما بيان ما يكره فيها فنقول: تكره الصلاة على الجنازة، عند طلوع الشمس وغروبها، ونصف النهار؛ لما روينا من حديث عقبة بن عامر أنه قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله/ زَال# ١١٥٩ أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا. والمراد من قوله: أن نقبر فيها موتانا - الصلاة على (١) في أ: تفوته. ٣٥٠ كتاب الصلاة الجنازة دون الدفن؛ إذ لا بأس بالدفن في هذه الأوقات؛ فإن صلوا في أحد هذه الأوقات لم يكن عليهم إعادتها؛ لأن صلاة الجنازة لا يتعين لأدائها وقت، ففي أي وقت صليت وقعت أداءً لا قضاءً. ومعنى الكراهة في هذه الأوقات يمنع جواز القضاء فيها دون الأداء؛ كما إذا أدى عصر يومه عند تغير الشمس، على ما ذكرنا فيما تقدم. ولا تكره الصلاة على الجنازة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر قبل تغير الشمس؛ لأن الكراهة في هذه الأوقات ليست لمعنى في الوقت، فلا يظهر في حق الفرائض؛ لما بينا فيما تقدم، ولو أرادوا أن يصلوا على جنازة وقد غربت الشمس؛ فالأفضل أن يَبْدَؤُوا بصلاة المغرب، ثم يصلون على الجنازة؛ لأن المغرب آكد من صلاة الجنازة؛ فكان تقديمه أولى، ولأن في تقديم الجنازة تأخير المغرب؛ وإنه مكروه. فضل في من له حق الإمامة فیھا وأما بيان من له ولاية الصلاة على الميت، فذكر في الأصل: أن إمام الحي أحق بالصلاة على الميت. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الإمام الأعظم أحق بالصلاة إن حضر، فإن لم يحضر فأمير المصر، وإن لم يحضر فإمام الحي، فإن لم يحضر فالأقرب من ذوي قراباته، وهذا هو حاصل المذهب عندنا، والتوفيق بين الروايتين ممكن؛ لأن السلطان إذا حضر فهو أولى؛ لأنه إمام الأئمة، فإن لم يحضر فالقاضي؛ لأنه نائبه، فإن لم يحضر فإمام الحي؛ لأنه رضي بإمامته في حال حياته؛ فيدل على الرضا به بعد مماته، ولهذا لو عين الميت أحداً في حال حياته فهو أولى من القريب؛ لرضاه به، إلا أنه بدأ في كتاب الصلاة بإمام الحي؛ لأن السلطان قلما يحضر الجنائز، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته وذوي قراباته؛ لأن ولاية القيام بمصالح الميت له، وهذا كله قول أبي حنيفة، ومحمد، فأما على قول أبي يوسف، وهو قول الشافعي: القريب أولى من السلطان، لأبي يوسف والشافعي: إن هذا أمر مبني على الولاية . والقريب في مثل هذا مقدم على السلطان؛ كما في النكاح وغيره من التصرفات، ولأن هذه الصلاة شرعت للدعاء والشفاعة للميت. ودعاء القريب أرجى؛ لأنه يبالغ في إخلاص الدعاء، وإحضار القلب بسبب زيادة شفقته، وتوجد منه زيادة رقة وتضرع؛ فكان أقرب إلى الإجابة . ٣٥١ كتاب الصلاة ولأبي حنيفة ومحمَّد: ما روي أن الحَسَنَ بن عليٍّ لَمَّا مَاتَ قَدَّمَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(١) سَعِيدَ بْنَ العاصِ؛ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وكان والياً بالمدينة، وقال: لولا السُّنَّةُ ما قَدَّمْتُكَ، وفي رواية، قال: (لَوَلاَ أَنَّ النَّبِيِّ - وَـ نَهَى عَنِ النَّقَدُّم لَمَا قَدَّمْتُكَ))(٢) ولأن هذا من الأمور العامة؛ فيكون متعلقاً بالسلطان، كإقامة الجمعة والعيدين؛ بخلاف النكاح؛ فإنه من الأمور الخاصة، وضرره ونفعه يتصل بالولي لا بالسلطان؛ فكان إثبات الولاية للقريب أنفع للمولى عليه، وتلك ولاية نظر ثبتت حقاً للمولى عليه قبل الولي؛ بخلاف ما نحن فيه. أما قوله: إن دعاء القريب وشفاعته أرجى، فنقول: بتقدم الغير لا يفوت دعاء القريب وشفاعته مع أن دعاء الإمام أقرب إلى الإجابة، على ما رُوِيَ عن رسول الله - وَلّهِ - أَنَّهُ قَالَ: (ثَلاَثَ لاَ يُحْجَبُ دُعَاؤُهُمْ، وَذَكَرَ فِيهِمْ الإِمَامَ))(٣) . ثم تقدم إمام الحي ليس بواجب، ولكنه أفضل؛ لما ذكرنا أنه رضيه في حال حياته. وأما تقديم السلطان فواجب؛ لأن تعظيمه مأمور به، ولأن ترك تقديمه لا يخلو عن فساد التجاذب والتنازع؛ على ما ذكرنا في صلاة الجمعة والعيدين. ولو كان للميت وليان في درجة واحدة؛ فأكبرهما سناً أولى؛ لأن النبي - وَ ل ـ أمر بتقديم الأسن في الصلاة. ولهما: أن يقدما غيرهما، ولو قدم كل واحد منهما رجلاً على حدة؛ فالذي قدمه الأكبر أولى، وليس لأحدهما أن يقدم إنساناً إِلاَّ بإذن الآخر؛ لأن الولاية ثابتة لهما؛ إلا أنا قدمنا الأسن لسنه؛ فإذا أراد أن يستخلف غيره كان الآخر أولى، فإن تشاجر الوليان، فتقدم أجنبي بغير إذنهما فصلى؛ ينظر: إن صلى الأولياء معه جازت الصلاة؛ ولا تعاد، وإن لم يصلوا معه فلهم إعادة الصلاة. وإن كان أحدهما أقرب من الآخر فالولاية إليه، وله أن يقدم من شاء؛ لأن الأبعد محجوب به؛ فصار بمنزلة الأجنبي، ولو كان الأقرب غائباً بمكان تفوت الصلاة بحضوره - بطلت ولايته، وتحولت الولاية إلى الأبعد. (١) الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب .. أبو عبد الله الهاشمي القرشي ولد في شعبان سنة (٤)، وقيل (٦)، وقيل: (٧). أمه فاطمة بنت رسول الله مَله، سيدة نساء العالمين وهو سيد شباب أهل الجنة، وسبط رسول الله وريحانته ومناقبة كبيرة ومشهورة، وقد أفردت سيرته بالتآليف ولا يتسع المقام لذكر شيء منها، وقد روي عن النبي ◌َّ هر قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. ينظر ترجمته في: تجريد أسماء الصحابة (١٣١/١) الاستيعاب (٣٩٢/١) أسد الغابة (١٨/٢) الإصابة (١٤/٢)، الثقات (٦٨/٣)، العقد الثمين (٢٠٢/٤). (٢) ينظر: كتاب الآثار. (٣) تقدم في كتاب الصلاة. ٣٥٢ كتاب الصلاة ولو قدم الغائب غيره بكتاب كان للأبعد أن يمنعه، وله أن يتقدم بنفسه، أو يقدم من شاء؛ لأن ولاية الأقرب قد سقطت؛ لما أن في التوقيف على حضوره ضرراً بالميت، والولاية تسقط مع ضرر المولى عليه؛ فتنقل إلى الأبعد. والمريض في المصر بمنزلة الصحيح يقدم من شاء، وليس للأبعد منعه، ولأن ولايته قائمة. ألا ترى أن له أن يتقدم مع مرضه؛ فكان له حق التقديم. ولا حق للنساء والصغار والمجانين في التقديم؛ لانعدام ولاية التقدم. ولو ماتت امرأة، ولها زوج وابن بالغ عاقل - ١٥٩ب فالولاية للابن دون الزوج؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ماتت له امرأة فقال/ لأوليائها: كنا أحق بها حين كانت حية؛ فأما إذا ماتت فأنتم أحق بها. ولأن الزوجية تنقطع بالموت، والقرابة لا تنقطع، لكن يكره للابن أن يتقدم أباه، وينبغي أن يقدمه؛ مراعاة لحرمة الأبوة. قال أبو يوسف: وله في حكم الولاية أن يقدم غيره؛ لأن الولاية له، وإنما منع من التقدم حتى لا يستخف بأبيه، فلم تسقط ولايته في التقديم، وإن كان لها ابن من زوج آخر، فلا بأس بأن يتقدم على هذا الزوج؛ لأنه هو الولي(١)، وتعظيم زوج أمه غير واجب عليه، وسائر القرابات أولى من الزوج؛ وكذا مولى العتاقة وابن المولى، ومولى الموالاة؛ لما ذكرنا أن السبب قد انقطع فيما بينهما، فإن تركت أباً وزوجاً وابناً من هذا الزوج، فلا ولاية للزوج؛ لما بينا. وأما الأب والابن: فقد ذكر(٢) في كتاب الصلاة: أن الأب أحق من غيره. وقيل: هو قول محمد . وأما عند أبي يوسف: فالابن أحق؛ إلا أنه يقدم الأب تعظيماً له. وعند محمد: الولاية للأب. وقيل: هو قولهم جميعاً في صلاة الجنازة؛ لأن للأب فضيلة على الابن، وزيادة سن؛ والفضيلة تعتبر ترجيحاً في استحقاق الإمامة، كما في سائر الصلوات؛ بخلاف سائر الولايات. ومولى الموالاة أحق من الأجنبي؛ لأنه التحق بالقريب بعقد الموالاة، ولو مات الابن وله أب وأب الأب - فالولاية لأبيه، ولكنه يقدم أباه الذي هو جد الميت تعظيماً له. وكذلك المكاتب إذا مات ابنه أو عبده ومولاه حاضر - فالولاية للمكاتب، لكنه يقدم مولاه احتراماً له، ثم إذا صلی علی المیت یدفن. (١) في ط: أولى. (٢) في أ: ذكرنا. ٣٥٣ كتاب الصلاة فضل في الدفن والكلام في الدفن في مواضع : في بیان وجوبه و كيفية وجوبه. وفي بيان سنة الحفر والدفن، وما يتصل بهما. أما الأول: فالدليل على وجوبه: توارث الناس من لدن آدم - صلوات الله عليه - إلى يومنا هذا، مع النكير على تاركه؛ وذا دليل الوجوب، إلا أن وجوبه على سبيل الكفاية؛ حتى إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لحصول المقصود. فضل في سنة الحفر وأما سنة الحفر: فالسنة فيه: اللحد عندنا. وعند الشافعي: الشق. واحتج: أن توارث أهل المدينة الشق دون اللحد؛ وتوارثهم حجة. ولنا قول النبي - وَرَ -: ((اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا))(١) . وفي رواية: ((اللَّخْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِأَهْلِ الكِتَابِ)). وروي أن النبيَّ - نَّ ◌ِ: ((لَمَّا تُوُفِّيَ، اخْتَلَّفَ النَّاسُ أَنْ يُشَقَّ لَهُ أَوْ يُلْحَدَ))، وكان أبو طلحة الأنصاري(٢) لَخَاداً، وأبو عبيدة بن الجَرَّاح(٣) شاقّاً، فبعثوا رجلاً إلى أبي عبيدة، ورجلاً (١) أخرجه أبو داود (٥٤٤/٣) كتاب الجنائز: باب في اللحد حديث (٣٢٠٨) والترمذي (٣٦٣/٣) كتاب الجنائز: باب ما جاء في قول النبي ◌َّلقر اللحد لنا حديث (١٠٤٥) والنسائي (٨٠/٤) كتاب الجنائز: باب اللحد والشق، وابن ماجه (٤٩٦/١) كتاب الجنائز باب ما جاء في استحباب اللحد حديث (١٥٥٤) والبيهقي (٤٠٨/٣) كتاب الجنائز باب السنة في اللحد، كلهم من حديث ابن عباس. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. (٢) هو: زيد بن سهيل (سهل) بن الأسود بن حرام .. أبو طلحة. الأنصاري. التجاري. قال ابن الأثير: هو عقبي بدري نقيب .. آخى رسول الله وَّل بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح. وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ◌َّ﴾. وكان من الرماة المذكورين من الصحابة، وهو من الشجعان المذكورين، وله يوم أحد مقام مشهود .. وكان يقي رسول الله وَّل بنفسه، ويرمي بين يديه ويتطاول بصدده ليقي رسول الله وَّه ويقول: نحري دون نحرك، ونفسي دون نفسك، وكان رسول الله وَل يقول: ((صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل)). وقتل يوم حنين عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم. توفي سنة (٣٤) وله (٧٠) سنة. ينظر ترجمته في أسد الغابة (١٧٩/٦)، الإصابة (١١٠/٧)، الاستيعاب (١٦٩٧)، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٨٠)، التاريخ لابن معين (١٤٧/٢)، التاريخ الكبير (٨٩/٩)، تهذيب التهذيب (١٣٨/١٢)، تقريب التهذيب (٤٤٠/٢). (٣) هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر .. = بدائع الصنائع ج٢ - م٢٣ ٣٥٤ كتاب الصلاة إلى أبي طلحة، فقال العباس بن عبد المطلب: ((اللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِّكَ أَحَبَّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيْكَ))، فوجد أبا طلحة من كان بعث إليه، ولم يجد أبا عبيدة من بعث إليه، والعباس - رضي الله عنه - كان مستجابَ الدعوة(١)، وأهل المدينة إنما توارثوا الشَّقَّ لضعف أراضيهم بالبقيع؛ ولهذا اختار أهلُ بخارى الشق دون اللحد؛ لتعذر اللخدِ لرخاوة أراضيهم. وصفة اللحد: أن يحفر القبر، ثم يحفر في جانب القبلة منه حفيرة، فيوضع فيه الميت. وصفة الشق: أن يحفر حفيرة في وسط القبر، فيوضع فيه الميت، ويجعل على اللحد اللبن والقصب؛ لما روي أنه وضع على قبر رسول الله - بَّلو - طن من قصب. وروي: ((أَنْه وَ رَأَىْ فُرْجَةٌ فِي قَبْرِ، فَأَخَذَ مَدَرَةً وَنَاوَلَهَا الحَفَّارَ، وَقَالَ: سُدَّ بِهَا تِلْكَ الفُرْجَةَ؛ فَإِنَّ الله تَعَالَى يُحِبُّ مَنْ كُلِّ صَانِعَ أَنْ يُحكِمَ صَنْعَتَهُ)) والمَدَرَةُ: قطعة من اللبن. وروي عن سعيد بن العاص أنه قال: اجعلوا على قبري اللبن والقصب كما جعل على قبر رسول الله - 8وه ـ وقبر أبي بكر، وقبر عمر، ولأن اللبن والقصب لا بد منهما؛ ليمنعا ما يهال من التراب على القبر من الوصول إلى الميت، ويكره الآجر، ودفوف الخشب؛ لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يستحبون اللبن والقصب على القبور، وكانوا يكرهون الآجر. وروي: ((أَنَّ النَّبِيَّ - وَ - نَهَى أَنْ تُشَبَّهَ القُبُورُ بِالعُمْرَانِ))، والآجر والخشب للعمران، ولأن الآجر مما يستعمل للزينة؛ ولا حاجة إليها للميت، ولأنه مما مسته النار فيكره أن يجعل على الميت تفاؤلاً، كما يكره أن يتبع قبره بنار تفاؤلاً، وكان الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يقول: لا بأس بالآجر في ديارنا؛ الرخاوة الأراضي، وكان - أيضاً - يجوز دفوف الخشب، واتخاذ التابوت للميت؛ حتى قال: لو اتخذوا تابوتاً من حديد لم أرَ به بأساً في هذه الديار . وقيل اسمه: عبد الله بن عامر. والأول أصح. أبو عبيدة. القرشي. الفهري. أمين الأمة الشهرة: أبو = عبيدة بن الجراح. أحد العشرة المشهور لهم بالجنة، وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله صل وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية. توفي في طاعون عمواس سنة (١٨)، وقيل: سنة (٢٥). ينظر ترجمته: في أسد الغابة (٢٠٥/٦)، الإصابة (١٢٨/٧)، الاستيعاب (١٧١٠/٤)، تقريب التهذيب (٤٤٨/٢)، تهذيب التهذيب (١٥٩/١٢)، تهذيب الكمال (١٦٢٣/٣). (١) أخرجه ابن ماجه (٥٢٠/١) في الجنائز: باب ذكر وفاته ودفنه بم طر (١٦٢٨)، وأخرجه البيهقي (٣/ ٤٠٨٤٠٧)، من حديث ابن إسحاق في كتاب الجنائز: باب السنة في اللحد. ٣٥٥ كتاب الصلاة فضل في سنة الدفن وأما سنة الدفن: فالسنة عندنا: أن يدخل الميت من قبل القبلة، وهو أن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل منه الميت فيوضع في اللحد. وقال الشافعي: السنة أن يسل إلى قبره. وصورة السل: أن توضع الجنازة على يمين القبلة، وتجعل رجلا الميت إلى القبر طولاً، ثم تؤخذ رجله وتدخل رجلاه في القبر، ويذهب به إلى أن تصير رجلاه إلى موضعهما، ويدخل رأسه القبر؛ احتجَّ بما رُوِيّ عن ابن عباس: ((أَنَّ النَّبِيَّ - وَرَ - أُدْخِلَ فِي الْقَبْرِ سَلّا)(١)، وقال الشافعي/ في كتابه، وهذا أمر مشهور يستغنى فيه عن رواية الحديث؛ فإنه نقلته(٢) العامة ٢١٦٠ عن العامة بلا خلاف بينهم. ولنا: ما روي: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ - رَِّ - أَخَذَ أَبَا دُجَانَةً مِنْ قِبَلِ القِبْلَةِ)) وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النبيَّ - وَّه ◌ِ أُدْخِلَ فِي القَبْرِ مِنْ قِبَلِ القِبْلَةِ))(٣) فصار هذا معارضاً لما رواه الشافعيُّ، على أنا نقول: إنه - رَ له - إنما أدخل إلى القبر سلاً - لأجل (٤) الضرورة؛ [لأن النبي - وَ﴾ - مات في حجرة عائشة من قبل الحائط، وكانت السنة في دفن الأنبياء - عليهم السلام - في الموضع الذي قبضوا فيه؛ فكان قبره لزيق الحائط، واللحد تحت الحائط؛ فتعذر إدخاله من قبل القبلة؛ فسل إلى قبره سلاً لهذه الضرورة](٥). وعن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: يدخل الميت قبره من قبل القبلة(٦)؛ ولأن جانب القبلة معظم؛ فكان إدخاله من هذا الجانب أولى، وقول الشافعي هذا أمر مشهور. (١) أخرجه الشافعي في (المسند)) (٢١٥/١) كتاب صلاة الجنائز وأحكامها (٥٩٨) أخبرنا الثقة عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس به ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (٥٤/٤) كتاب الجنائز باب من قال يسأل الميت، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٦٩/٣ - بتحقيقنا). قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): قولهم: أخبرنا الثقة ليس بتوثيق وعمر بن عطاء ضعفه يحيى والنسائي وقال مرة: ليس بشيء. (٢) في أ: نقله. (٣) تقدم تخريج الحديث. (٤) في أ: لهذه. (٥) سقط في أ. (٦) ورد عن ابن عباس مرفوعاً: ٣٥٦ كتاب الصلاة قلنا: روي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي؛ أنه قال: حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول؛ أنهم كانوا يُدخلون الميت من قِبل القبلة، ثم أحدثوا السل؛ لضعف أراضيهم بالبقيع؛ فإنها كانت أرضاً سبخة، والله أعلم، ولا يضر وتر دخل قبره (١) أم شفع عندنا . وقال الشافعي: السنة هي الوتر، اعتباراً بعدد الكفن والغسل والأجمار. ولنا: ما روي أن النبي - * - لما دفن أدخله العباس والفضل بن العباس وعلي وصھیب . وقيل في الرابع: إنه المغيرة بن شعبة. وقيل: إنه أبو رافع، فدل أن الشفع سنة؛ ولأن الدخول في القبر للحاجة إلى الوضع، فيقدر(٢) بقدر الحاجة، والوتر والشفع فيه سواء؛ ولأنه مثل حمل الميت، ويحمله على الجنازة أربعة عندنا، وعنده اثنان وإن كان شفعاً؛ فكذا ههنا. وما ذكر من الاعتبار غير سديد؛ لانتقاضه بحمل الجنازة، ومخالفته فعل الصحابة، مع أنه لا يظن بهم ترك السنة خصوصاً في دفن النبي .. وَلير - ويكره أن يدخل الكافر قبر أحد من قرابته من المؤمنين؛ لأن الموضع الذي فيه الكافر تنزل فيه السخطة واللعنة، فينزه قبر المسلم (٣) عن ذلك؛ وإنما يدخل قبره المسلمون؛ ليضعوه على سنة المسلمين، ويقولوا عند وضعه: ((باسم الله، وعلى ملة رسول الله))، وإذا وضع في اللحد قال واضعه: ((باسم الله، وعلى ملة رسول الله)). وذكر الحسن في ((المجرد)) عن أبي حنيفة؛ أنه يقول: باسم الله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله؛ لما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما؛ أنه قال: كان رسول الله - أخرجه الترمذي ٢٧٣/٣، في الجنائز: باب ما جاء في الدفن بالليل (١٠٥٧)، وقال حديث حسن لكن = أورده الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٠٠، في الصلاة وأنكر عليه، لأن مداره على الحجاج بن أرطأة وهو مدلس ولم يذكر سماعاً. قال ابن القطان أبو منهال بن خليفة ضعفه ابن معين وقال البخاري فيه نظر. وأخرجه أحمد في المسند ٢٧/٢، والترمذي ٣٦٤/٣، في الجنائز: باب ما يقول إذا أدخل الميت القبر (١٠٤٦)، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عمر عن النبي ◌َّ وأخرجه ابن ماجه ٤٩٤/١-٤٩٥، في الجنائز: باب ما جاء في إدخال الميت القبر (١٥٥٠)، وفي إسناد الترمذي وابن ماجه الحجاج بن أرطأة مدلس وقد عنعن. (١) في أ: القبر. (٢) في أ: فيتقدر. (٣) في أ: المؤمن. ٣٥٧ كتاب الصلاة وَلَ﴿ - إذا أدخل ميتاً قبره، أو وضعه في اللحد، قال: ((باسْم الله وَبِالله وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله))(١)، وهكذا روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان إذا دفن ميتاً أَو نامَ قال: باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، وكان يقول: النوم وفاة. قال [إمام الهدى] (٢) الشيخ أبو منصور الماتريدي: معنى هذا: باسم الله دفناه، وعلى ملة رسول الله دفناه، وليس هذا بدعاء للميت؛ لأنه إذا مات على ملة رسول الله - وَّل - لم يجز أن تبدل عليه الحالة، وإن مات على غير ذلك لم يبدل إلى ملة رسول الله - وَ ل ـ قال: ولكن المؤمنين شهداء الله في الأرض، فيشهدون بوفاته على الملة، وعلى هذا جرت السنة ويوضع على شقه الأيمن متوجهاً إلى القبلة؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه؛ أنه قال: شهد رسولُ الله - ◌ََّ - جنازة رجل فقال: يَا عَلِيُّ، اسْتَقْبِلْ بِهِ اسْتِقْبَالاً، وَقُولُوا جَمِيعاً: بِاسْم الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله، وَضَعُوهُ لِجَنْبِهِ، وَلاَ تَكُبُوهُ لِوَجْهِهِ، وَلاَ تُلْقُوهُ لِظَهْرِهِ، [ويحل عقدة أكفانه](٣) إذا وضع في القبر؛ لأنها عقدت؛ لئلا تنتشر أكفانه(٤)، وقد زال هذا المعنى بالوضع. ولو وضع لغير القبلة؛ فإن كان قبل إهالة التراب عليه، وقد سرحوا اللبن - أزالوا ذلك؛ لأنه ليس بنبش، وإن أهيل عليه التراب ترك ذلك؛ لأن النبش حرام، ولا يدفن الرجلان أو أكثر في قبر واحد. (١) أخرجه الترمذي (٣٦٤/٣) كتاب الجنائز: باب ما يقول إذا أدخل الميت القبر حديث (١٠٤٦) وابن ماجه (٤٩٥/١) كتاب الجنائز: باب ما جاء في إدخال الميت القبر حديث (١٥٥٠) وابن أبي شيبة (٣٢٩/٣) وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) رقم (٥٨٤) كلهم من طريق أبي خالد الأحمر عن حجاج عن نافع عن ابن عمر أن النبي ول# كان إذا أدخل الميت القبر قال: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله وَ له وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عمر عن النبي ◌َّر ورواه أبو الصديق الناجي عن ابن عمر عن النبي وَّر وقد روي عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر موقوفاً أيضاً. ا. هـ. قلت: أما طريق أبي الصديق الناجي عن ابن عمر مرفوعاً والذي أشار إليه الترمذي. فأخرجه أبو داود (٢٣٢/٢) كتاب الجنائز: باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره حديث (٣٢١٣) والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) رقم (١٠٨٨) وابن أبي شيبة (٣٢٩/٣) وأحمد (١٢٧،٦٩/٢-١٢٨) وأبو يعلى (١٢٩/١٠-١٣٠) رقم (٥٧٥٥) وابن حبان (٧٧٣ - موارد) والحاكم (٣٦٦/١) وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٢/٣) والبيهقي (٥٥/٤) كتاب الجنائز: باب ما يقال إذا دخل الميت قبره، كلهم من طريق همام عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر به وقال الحاكم. صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان. (٢) سقط في ط. (٣) في ط: وتحل عقد أكفاني. (٤) أخرجه ابن ماجه (٤٩٥/١) في الجنائز: باب ما جاء في إدخال الميت القبر (١٥٥٣)، وقال البوصيري في الزوائد (٥٠٥/١): هذا إسناد فيه حماد بن عبد الرحمن وهو متفق على تضعيفه. ٣٥٨ كتاب الصلاة هكذا جَرَتِ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ - صلوات الله عليه - إِلَى يومنا هذا؛ فَإِن احتاجوا إلى ذلك قدموا أفضلهما، وجعلوا بينهما حاجزاً من الصعيد؛ لما رُوِيَ عنِ النبيِّ - وَ -: ((أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنٍ قَتْلَى أُحُدٍ (١) وَكَانَ يُدْفَنُ فِي القَبْرِ رَجُلاَنٍ أَوْ ثَلاثَةٌ، وَقَالَ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنً))، وإِن كان رجلٌّ وامرأةٌ قدم الرجُلُ مما يلي القبلة، والمرأة خلفه اعتباراً بحال الحياة. ولو اجتمع رجلٌ وامرأةٌ، أو صِيٍّ وَخنثَى وصبيةٌ - دفن الرجل مما يلي القبلة، ثم الصبي خلفه، ثم الخنثى، ثم الأنثى، ثم الصبية؛ لأنهم هكذا يصطفون خلف الإمام حالة الحياة، وهكذا توضع جنائزهم عند الصلاة عليها؛ فكذا في القبر، ويسجي قبر المرأة بثوب؛ لما روي أن فاطمة - رضي الله عنها - سُجي قبرها بثوب ونعش على جنازتها، لأن مبنى حالها على الستر، فلو لم يسج ربما انكشفت عورة المرأة، فيقع بصر الرجال عليها؛ ولهذا يوضع النعش على جنازتها دون جنازة الرجل، وذو الرحم المحرم أولى بإدخال المرأة القبر من غيره؛ لأنه يجوز له منها حالة الحياة، فكذا بعد الموت، وكذا ذو الرحم المحرم منها أولى من الأجنبي، ولو لم يكن فيهم ذو رحم فلا بأس للأجانب وضعها في قبرها، ولا يحتاج إلى إتيان النساء للوضع. ١٦٠ب وأما قبر الرجل فلا يسجي عندنا/ . وعند الشافعي: يسجي، احتج بما روي أن النبي - وََّ -: ((أَقْبَرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَمَعَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَسَجَّى قَبْرَهُ)) ولنا: ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه مر بميت يدفن وقد سجى قبره؛ فنزع ذلك عنه، وقال: إنه رجل، وفي رواية قال: ((لا تشبهوه بالنساء)). وأما حديث سعد بن معاذ فيحتمل أنه إنما سجى؛ لأن الكفن كان لا يعمه، فستر القبر حتى لا يبدو منه شيء، ويحتمل أنه كان لضرورة أخرى من دفع مطر أو حر عن الداخلين في القبر. وعندنا: لا بأس بذلك في حالة الضرورة، ويسنم القبر ولا يربع. وقال الشافعي: يربع ويسطح؛ لما روى المزني بإسناده عن رسول الله - وَلَ -: ((أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِِّيَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ جَعَلَ قَبْرَهُ مُسَطِّحاً)) . ولنا: ما روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه قال: أخبرني من رأى قبر رسول الله - وَرر، وقبر أبي بكر وعمر؛ أنها مسنمة. (١) تقدم تخريج الحديث. ٣٥٩ كتاب الصلاة وروي أن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - لما مات بالطائف صلَّى عليه محمد ابن الحنفية، وكبر عليه أربعاً، وجعل له لحداً، وأدخله القبر من قبل القبلة وجعل قبره مسنماً وضرب عليه فسطاطاً؛ ولأن التربيع من صنيع أهل الكتاب والتشبيه بهم فيما منه بد مكروه، وما روي من الحديث محمول على أنه سطح قبره أولاً، ثم جعل التسنيم في وسطه، حملناه على هذا بدليل ما روينا، ومقدار التسنيم أن يكون مرتفعاً من الأرض قدر شبر أو أكثر قليلاً. ويكره تخصيص القبر وتطيينه، وكره أبو حنيفة - رحمه الله - البناء على القبر، وأن يعلم بعلامة، وكره أبو يوسف الكتابة عليه، ذكره الكرخي؛ لما روي عن جابر بن عبد الله عن النبي - وَه -، أنه قال: ((لاَ تُجَصِّصُوا الْقُبُورَ وَلاَ تَبْنُوا عَلَيْهَا وَلاَ تَقْعُدُوا وَلاَ تَكْتُبُوا عَلَيْهَا))(١)؛ ولأن ذلك من باب الزينة، ولا حاجة بالميت إليها؛ ولأنه تضييع المال بلا فائدة، فكان مكروهاً، ويكره أن يزاد على تراب القبر الذي خرج منه، لأن الزيادة عليه بمنزلة البناء، ولا بأس برش الماء على القبر؛ لأنه تسوية له . وروي عن أبي يوسف؛ أنه كره الرش؛ لأنه يشبه التطيين، وكره أبو حنيفة أن يوطأ على قبر، أو يجلس عليه، أو ينام عليه، أو تقضى عليه حاجة من بول أو غائط؛ لما روي عن النبي - وَ -: ((أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ))(٢) ويكره أن يصلى على(٣) القبر؛ لما روي عن النبي - وََّ - ((أَنَّهُ نَهَىَ أَنْ يُصَلَّىَ عَلَى الْقَبْرِ)). قال أبو حنيفة: ولا ينبغي أن يصلى على ميت بين القبور، وكان علي وابن عباس يكرهان ذلك، وإن صلوا أجزأهم، لما روي أنهم صلوا على عائشة وأم سلمة بين مقابر البقيع، والإمام أبو هريرة، وفيهم ابن عمر - رضي الله عنهم - ولا بأس بزيارة القبور والدعاء للأموات إن كانوا مؤمنين، من غير وطء القبور؛ لقول النبي - وَّر -: ((إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، أَلاَ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكْرُكُمُ الآخِرَةَ)(٤)، ولعمل الأمة من لَدُنْ رَسُولِ اللهِ - وَ - إلى يَوْمِنَا هذا. (١) أخرجه مسلم (١/ ٦٦٧)، في الجنائز: باب ما جاء في كراهية تخصيص القبر والبناء عليه (٩٥/ ٩٧٠). (٢) أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٧): كتاب الجنائز: باب النهي عن تخصيص القبر .. ، الحديث (٩٤/ ٩٧٠)، وأبو داود (٥٥٢/٣): كتاب الجنائز: باب البناء على القبر، الحديث (٣٢٢٥)، والترمذي (٢٥٨/٢): كتاب الجنائز: باب كراهية تخصيص القبور ... ، الحديث (١٠٥٨)، والنسائي (٨٦/٤): كتاب الجنائز: باب الزيادة على القبر، وابن ماجه (٤٩٨/١): كتاب الجنائز: باب النهي عن البناء على القبور، (الحديث ١٥٦٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٥١٦٥١٥/١): كتاب الجنائز: باب الجلوس على القبور، والحاكم (٣٧٠/١): كتاب الجنائز: باب النهي عن تخصيص القبور ... ، والبيهقي (٤/٤): كتاب الجنائز: باب لا يبنى على القبور، ولا تجصص، وأحمد (٣٩٩/٣) من حديث جابر. (٣) في أ: عند. (٤) أخرجه مسلم (٦٧٢/٢) كتاب الجنائز: باب استئذان النبي ( 8 9 ربه في زيارة قبر أمه حديث (١٠٦٪ ٩٧٧) . ٣٦٠ كتاب الصلاة فضل في الشهید وحکمه وأما الشهيد: فالكلام فيه في موضعين: أحدُهُما: في بيانِ مَنْ يكون شهيداً في الحكم، ومن لا يكون. والثاني: في بيان حكم الشهادة في الدنيا. أما الأول: فمبني على شرائط الشهادة، وهي أنواع: منها أن يكون مقتولاً، حتى لو مات حتف أنفه، أو تردى من موضع، أو احترق بالنار، أو مات تحت هدم، أو غرق - لا يكون شهيداً؛ لأنه ليس بمقتول، فلم يكن في معنى شهداء أحد، وبأي شيء قتل في المعركة من سلاح أو غيره - فهو سواء في حكم الشهادة؛ لأن شهداء أحد ما قتل كلهم بسلاح، بل منهم من قتل بغير سلاح، وأما في المصر: فيختلف الحكم فيه على ما نذكر. ومنها: أن يكون مظلوماً حتى لو قتل بحق في قصاص أو رجم لا يكون شهيداً؛ لأن شهداء أُحُد قتلوا مظلومين، وروي أنه لما رجم ماعز جاء عمه إلى النبي - وَّه-، فقال: قُتِل ماعز كما تقتل الكلاب؛ فماذا تأمرني أن أصنع به؟ فقال النبي - وَلَه -: ((لاَ تَقُلْ هَذَا، فَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ تَوْيَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسَعَتْهُم؛ اذْهَبْ فَأَغْسِلْهُ وَكَفِّنْهُ وَصَلِّ عَلَيْهِ))، وكذلك من مات من حد أو تعزير أو عدًا على قوم ظلماً فقتلوه - لا يكون شهيداً؛ لأنه ظلم نفسه، وكذا لو قتله سبع لانعدام تحقق الظلم. ومنها: ألا يخلف عن نفسه بدلاً هو مال، حتى لو كان مقتولاً خطأ أو شبه عمد؛ بأن قتله في المصر نهاراً بعصا صغيرة أو سوط، أو وكزه باليد، أو لكزه بالرجل - لا يكون شهيداً؛ لأن الواجب في هذه المواضع هو المال دون القصاص، وذا دليل حق (١) الجناية، فلم يكن في معنى شهداء أحد؛ ولأن غير السلاح مما يلبث، فكان بحال لو استغاث لحقه الغوث، فإذا لم يستغث جعل كأنه أعان على قتل نفسه، بخلاف ما إذا قتل في المفازة بغير السلاح؛ لأن ذلك يوجب القتل بحكم قطع الطريق لا المال؛ ولأنه لو استغاث لا يلحقه الغوث، فلم يصر بترك الاستغاثة معيناً على قتل نفسه. وكذلك إذا قتله بعصا كبيرة، أو بمدقة القصارين، أو بحجر كبير، أو بخشبة عظيمة، أو (١) في ط : خفة .