Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الصلاة ووجهه ما روي عن عمر وعثمان؛ أنهما قالا: ((إن أجر المنصت الذي لا يسمع مثل أجر المنصت السامع))، ولأنه في حال قربه من الإمام كان مأموراً بشيئين: الاستماع والإنصات، وبالبعد إن عجز عن الاستماع لم يعجز عن الإنصات؛ فيجب عليه. وعن نصير بن يحيى؛ أنه أجاز له قراءة القرآن سرّاً، وكان الحكم بن زهير (١) من أصحابنا ينظر في كتب الفقه. ووجهه أن الاستماع والإنصات؛ إنما وجب عند القرب؛ ليشتركوا في ثمرات الخطبة بالتأمل والتفكر فيها، وهذا لا يتحقق من البعيد عن الإمام؛ فليحرز لنفسه ثواب قراءة القرآن، ودراسة كتب العلم؛ ولأن الإنصات لم يكن مقصوداً، بل ليتوصل به إلى الاستماع، فإذا سقط عنه فرض الاستماع سقط عنه الإنصات أيضاً. والله أعلم. ویکره تشميت العاطس، ورد السلام عندنا. وعند الشافعي: لا يكره، وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأن رد السلام فرض. ولنا: أَنَّهُ تَرَكَ الاسْتِمَاعَ المفروض والإنصات، وتشميت العاطس ليس بفرض؛ فلا يجوز ترك الفرض لأجله، وكذا رد السلام في هذه الحالة ليس بفرض؛ لأنه يرتكب بسلامه مأثماً، فلا يجب الرد عليه كما في حالة الصلاة؛ ولأن السلام في حالة الخطبة لم يقع تحية، فلا يستحق الرد، ولأن رد السلام مما يمكن تحصيله في كل حالة. أما سماع الخطبة لا يتصور إلا في هذه الحالة، فكان إقامته أحق، ونظيره ما قال أصحابنا: إن الطواف تطوعاً بـ((مكة)) في حق الآفاقي أفضل من صلاة التطوع، والصلاة في حق المكي أفضل من الطواف لما قلنا. وعلى هذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - ان سماع الخطبة أفضل من الصلاة على النبي - وَّر - فينبغي أن يستمع ولا يصلي عليه عند سماع اسمه في الخطبة، لما أن إحراز فضيلة الصلاة على النبي - ◌َّر - مما / يمكن في كل وقت، وإحراز ثواب سماع الخطبة يختص بهذه ١١٣٤ الحالة، فكان السماع أفضل. وروي عن أبي يوسف أنه ينبغي أن يصلي على النبي - نَّر - في نفسه عند سماع اسمه؛ [لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة فكان إحراز الفضيلتين أحق. وأما العاطس: فهل يحمد الله تعالى؟ فالصحيح: إنه يقول ذلك في نفسه؛ لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة](٢)، وكذا السلام حالة الخطبة مكروه لما قلنا. (١) الحكم بن زهير. قال المطرزي في ((المغرب)): خليفة أبي يوسف. قال شمس الأئمة السرخسي. كان من كبار أصحابنا، وكان مولعاً بالتدريس قال الحسن بن زياد: فادخل العراق أحد أفقه من الحكم بن زهير. ينظر: الطبقات السنية برقم ٧٨٧، الجواهر المضية (١٤٢/٢). (٢) خ. أ: لأنه لا يشغله ذلك عن الاستماع. ٢٠٢ كتاب الصلاة هذا الذي ذكرنا في حال الخطبة، فأما عند الأذان الأخير، حين خرج الإمام إلى الخطبة، وبعد الفراغ من الخطبة، حين أخذ المؤذن في الإقامة إلى أن يفرغ - هل يكره ما يكره في حال الخطبة؟ على قول أبي حنيفة: يكره، وعلى قولهما: لا يكره الكلام وتكره الصلاة؟ واحتجا بما روي في الحديث: ((خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ، وَكَلاَمُهُ يَقْطَعُ الْكَلاَمَ))، جعل القاطع للكلام هو الخطبة، فلا يكره قبل وجودهاً؛ ولأن النهي عن الكلام لوجوب استماع الخطبة، وإنما يجب حالة الخطبة بخلاف الصلاة؛ لأنها تمتد غالباً، فيفوت الاستماع وتكبيرة الافتتاح. ولأبي حنيفة: ما رُوِيَ عن ابن مسعود وابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - موقوفاً عليهما، ومرفوعاً إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ أنه قال: ((إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ فَلاَ صَلاةَ وَلاَ كَلاَمَ))(١) . وروي عن النبي ◌َِّ أنه قال: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَقَفَتِ المَلائِكَةُ عَلَىْ أَبْوَابِ المَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ الْأَوَّلَ فَالأَوَّلَ؛ فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوُوا الصَّحُفَ وَجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ))(٢)، فقد أخبر عن طيهم (٣) الصحف عند خروج الإمام، وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام، لأنهم إذا تكلموا يكتبونه عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [قَ: ١٨] ولأنه إذا خرج للخطبة كان مستعداً لها، والمستعد للشيء كالشارع فيه؛ ولهذا ألحق الاستعداد بالشروع في كراهة الصلاة، فكذا في كراهة الكلام. وأما الحديث: فليس فيه أن غير الكلام يقطع الكلام، فكان تمسكاً بالسكوت، وأنه لا يصح، ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة، ولو فعل لا تفسد الخطبة؛ لأنها ليست بصلاة، فلا يفسدها كلام الناس لكنه يكره؛ لأنها شرعت منظومة كالأذان، والكلام يقطع النظم (١) تقدم. (٢) أخرجه مالك (١٠١/١) كتاب الجمعة: باب العمل في غسل يوم الجمعة، الحديث (١)، والبخاري (٢/ ٣٦٦): كتاب الجمعة: باب فضل الجمعة، الحديث (٨٨١)، ومسلم (٢/ ٥٨٢): كتاب الجمعة: باب الطيب والسواك يوم الجمعة، الحديث (٨٥٠/١٠)، وأبو داود (٢٤٩/١): كتاب الطهارة: باب الغسل يوم الجمعة، الحديث (٣٥١)، والترمذي (٥/٢): كتاب الجمعة: باب التبكير إلى الجمعة، الحديث (٤٩٧)، النسائي (٩٩/٣): كتاب الجمعة: باب وقت الجمعة، وابن ماجه (٣٤٧/١): كتاب إقامة الصلاة: باب التهجير إلى الجمعة، الحديث (١٠٩٢)، من حديث أبي هريرة أن رسول الله وَالر قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنه قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)). والحديث أخرجه أيضاً ابن الجارود (٢٨٦) وأحمد (٢٨٠،٢٥٩،٢٣٩/٢) وابن خزيمة (١٣٣/٣-١٣٤) والطيالسي (٢٣٨٤). (٣) في ط: طي. ٢٠٣ كتاب الصلاة إلا إذا كان الكلام أمراً بالمعروف؛ فلا يكره؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان يخطب يوم الجمعة، فدخل عليه عثمان - رضي الله عنه - فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال: ما زدت حين سمعت النداء يا أمير المؤمنين على أن توضأت. فقال: والوضوء أيضاً. وقد علمت أن رسول الله - وَّ ل ـ أمر بالاغتسال(١). وهذا لأن الأمر بالمعروف يلتحق بالخطبة؛ لأن الخطبة فيها وعظ، فلم يبقَ مكروهاً. ولو أحدث الإمام بعد الخطبة، قبل الشروع في الصلاة، فقدم رجلاً يصلي بالناس؛ إن كان ممن شهد الخطبة أو شيئاً منها - جاز، وإن لم يشهد شيئاً من الخطبة لم يجز، ويصلي بهم الظهر. أما إذا شهد الخطبة؛ فلأن الثاني قام مقام الأول، والأول يقيم الجمعة؛ فكذا الثاني. وكذا إذا شهد شيئاً منها؛ لأن ذلك القدر لو وجد وحده وقع معتدّاً به، فكذا إذا وجد مع غيره، ويستوي الجواب بين ما إذا كان الإمام مأذوناً في الاستخلاف أو لم يكن، بخلاف القاضي؛ فإنه لا يملك الاستخلاف إذا لم يكن مأذوناً فيه، والفرق أن الجمعة مؤقتة تفوت بتأخيرها عند العذر إذا لم يستخلف. فَالأَمْرُ بإقامتها، مع عِلْم الوالي أنه قد يعرض(٢) له عارض يمنعه من الإقامة - يكون إذناً بالاستخلاف دلالة، بخلافَ القاضي؛ لأن القضاء غير مؤقت، لا يفوت بتأخيره عند العذر، فانعدم الإذن نصّاً ودلالة، فهو الفرق. وأما إذا لم يشهد الخطبة؛ فلأنه منشىء(٣) للجمعة، وليس بيان تحريمته على تحريمة الإمام، والخطبة شرط إنشاء الجمعة، ولم توجد، ولو شرع الإمام في الصلاة، ثم أحدث، فقدم رجلاً جاء ساعتئذ، أي: لم يشهد الخطبة - جاز، وصلى بهم الجمعة، لأن تحريمة الأول انعقدت للجمعة؛ لوجود شرطها وهو الخطبة. والثاني: بنى (٤) تحريمته على تحريمة الإمام؛ والخطبة شرط انعقاد الجمعة في حق من ينشىء التحريمة في الجمعة، لا في (6) حق من يبني تحريمته على تحريمة غيره؛ بدليل أن المقتدي بالإمام تصح جمعته؛ وإن [كان](٦) لم يدرك الخطبة لهذا المعنى؛ فكذا هذا. (١) أخرجه البخاري (٤١٥/٢) كتاب الجمعة: باب فضل الغسل يوم الجمعة حديث (٨٧٨). (٢) في أ: يعترض. (٣) في أ: فهو منشىء. (٤) في أ: يبني. (٥) في أ: لأن. (٦) سقط في ط. ٢٠٤ كتاب الصلاة ولو تكلم الخليفة بعد ما شرع [الإمام](١) في الصلاة، فإنه يستقبل بهم الجمعة، إن كان ممن شهد الخطبة، وإن كان لم يشهد (٢) الخطبة - فالقياس أن يصلي بهم الظهر. وفي الاستحسان: يصلي بهم الجمعة. وجه القياس: ظاهر، لأنه ينشىء التحريمة في الجمعة، والخطبة شرط انعقاد الجمعة في حق المنشىء لتحريمة(٣) الجمعة، وجه الاستحسان: أنه لما قام مقام الأول التحق به حكماً، ١٣٤ب ولو تكلم الأول/ استقبل بهم الجمعة؛ فكان الثاني. وذكر الحاكم في ((المختصر)) أن الإمام إذا أحدث، وقدم رجلاً لم يشهد الخطبة، [فأحدث](٤) قبل الشروع - لم يجز، ولو قدم هذا الرجل محدثاً (6) آخر، قد شهد الخطبة - لم يجز؛ لأنه ليس من أهل إقامة الجمعة بنفسه، فلا يجوز منه الاستخلاف، وبمثله لو قدم جنباً قد شهد الخطبة، فقدم هذا الجنب رجلاً طاهراً قد شهد الخطبة - جاز؛ لأن الجنب الذي شهد الخطبة من أهل الإقامة بواسطة الاغتسال؛ فيصح (٦) منه الاستخلاف، ولو كان المقدم صبياً أو معتوهاً، أو امرأة أو كافراً، فقدم غيره ممن شهد الخطبة - لم يجز تقديمه بخلاف الجنب. والفرق أن الجنب أهل لأداء الجمعة، لأنه قادر على اكتساب أهلية الأداء بإزالة الجنابة والحدث عن نفسه، فكان هذا استخلافاً لمن له قدرة القيام بما استخلف [عليه] (٧) فصح؛ كما في سائر المواضع التي يستخلف فيها، فإذا قدم هو غيره صح(٨)؛ لأنه استخلفه بعد ما صار [هو](٩) خليفة، فكان له ولاية الاستخلاف، بخلاف الصبي والمعثوه والمرأة، فإن الصبي والمعتوه ليسا من أهل أداء الجمعة. والمرأة ليست من أهل إمامة الرجال، ولا قدرة لهم على اكتساب شرط الأهلية فلم يصح استخلافهم؛ إذ الاستخلاف شرع إبقاء للصلاة على الصحة، واستخلاف من لا قدرة له على اكتساب الأهلية غير مفيد؛ فلم يصح، وإذا لم يصح استخلافهم، كيف يصح منهم استخلاف (١) سقط في أ. (٢) في ط: شهد. (٣) في أ: تحريمة. (٤) سقط في أ. (٥) في أ: رجلاً. (٦) في أ: صح. (٧) سقط في أ. (٨) في أ: يصرح. (٩) سقط في ط. ٢٠٥ كتاب الصلاة [ذلك](١) الغير؟ فإذا تقدم ذلك الغير، فكأنه تقدم بنفسه؛ لالتحاق تقدمهم بالعدم شرعاً، ولو تقدم بنفسه في هذه الصلاة - لا يجوز؛ بخلاف سائر الصلوات، حيث لا يحتاج فيها إلى التقدیم. والفرق أن إقامة الجمعة متعلقة بالإمام، والمتقدم ليس بمأمور من جهة السلطان أو نائبه؛ فلم يجز تقدمه . فأما سائر الصلوات فإقامتها غير متعلقة بالإمام، وبخلاف ما إذا استخلف الكافر مسلماً. فأدى الجمعة؛ لا يجوز. وإن كان الكافر قادراً على اكتساب الأهلية بالإسلام؛ لأن هذا من أمور الدين، وهو يعتمد ولاية السلطنة، ولا يجوز أن يثبت للكافر ولاية السلطنة على المسلمين؛ فلم يصح استخلافه، بخلاف المحدث والجنب، والله أعلم. ولو قدم مسافراً أو عبداً أو مكاتباً (٢)، وصلّى بهم الجمعة - جاز عندنا، خلافاً لزفر؛ لأن هؤلاء من أهل إقامة الجمعة على ما بينا، هذا إذا قدم الإمام أحداً، فإن لم يقدم، وتقدم صاحب الشرط أو (٣) القاضي - جاز؛ لأن هذا من أمور العامة. وقد قلدهما الإمام ما هو من أمور العامة، فنزلا منزلة الإمام، ولأن الحاجة إلى الإمام لدفع التنازع في التقدم، وذا يحصل بتقدمهما(٤)، لوجود دليل اختصاصهما من بين سائر الناس، وهو كون كل واحد منهما نائباً للسلطان، وعاملاً من عماله، وكذا لو قدم أحدهما رجلاً قد شهد الخطبة - جاز؛ لأنه ثبت لكل واحد منهما ولاية التقدم على ما مر، فتثبت ولاية التقديم؛ لأن كل من يملك إقامة الصلاة يملك إقامة غيره مقامه. والله الموفق. وأما الجماعة: فالكلام في الجماعة في مواضع: في بيان كونها شرطاً للجمعة، وفي بيان كيفية هذا الشرط، وفي بيان مقداره، وفي بيان صفة القوم الذين تنعقد بهم الجمعة، أما الأول؛ فالدليل على [أنها شرط] (٥)، أن هذه الصلاة تسمى جمعة؛ فلا بد من لزوم معنى الجمعة فيه؛ اعتباراً للمعنى الذي أخذ اللفظ منه(٦) من حيث اللغة، كما في الصرف، والسلم، والرهن، (١) سقط في أ. (٢) في أ: أو مكاتباً جاز. (٣) في ط: و. (٤) في أ: بتقديمها. (٥) في أ: كونها شراطاً. (٦) في أ: عنه. ٢٠٦ كتاب الصلاة ونحو ذلك؛ ولأن بترك الظهر ثبت بهذه الشريطة على ما مر؛ ولهذا لم يؤد رسول الله - وَالقول - الجمعة إلا بجماعة، وعليه إجماع العلماء. وأما بيان كيفية هذا الشرط، فنقول: لا خلاف في أن الجماعة شرط لانعقاد الجمعة، حتى لا تنعقد الجمعة بدونها، حتى إن الإمام إذا فرغ من الخطبة، ثم نفر الناس [عنه] إلا(١) واحد - يصلي به (٢) الظهر دون الجمعة، وكذا لو نفروا قبل أن يخطب الإمام، فخطب الإمام وحده، ثم حضروا فصلى بهم الجمعة - لا يجوز؛ لأن الجماعة كما هي شرط انعقاد الجمعة حال الشروع في الصلاة، فهي شرط حال سماع الخطبة؛ لأن الخطبة بمنزلة شفع من الصلاة. قالت عائشة - رضي الله عنها: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة؛ فتشترط الجماعة حال سماعها؛ كما تشترط حال الشروع في الصلاة، واختلفوا في أنها هل هي شرط بقائها منعقدة إلى آخر الصلاة. قال أصحابنا الثلاثة: إنها ليست بشرط. وقال زفر: إنها شرط للانعقاد والبقاء جميعاً، فيشترط دوامها من أول الصلاة إلى آخرها؛ كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، ونحوها، حتى إنهم لو نفروا بعد ما قيد الركعة بالسجدة - له أن يتم الجمعة عندنا، وعند (٣) زفر: إذا نفروا قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد - فسدت الجمعة؛ وعليه أن يستقبل الظهر. وجه/ قوله: إن الجماعة شرط لهذه الصلاة؛ فكانت شرط الانعقاد والبقاء كسائر الشروط: من الوقت، وستر العورة، واستقبال القبلة؛ وهذا لأن الأصل فيما جعل شرطاً للعبادة أن يكون شرطاً لجميع أجزائها؛ لتساوي أجزاء العبادة إلا إذا كان شرطاً لا يمكن قرانه لجميع الأجزاء؛ لتعذر ذلك، أو لما فيه من الحرج [كالنية](٤) فتجعل شرطاً لانعقادها، وهنا لا حرج في اشتراط دوام الجماعة إلى آخر الصلاة في حق الإمام؛ لأن فوات هذا الشرط قبل تمام الصلاة في غاية الندرة، فكان شرط الأداء كما هو شرط الانعقاد؛ ولهذا شرط أبو حنيفة دوام هذا الشرط ركعة كاملة، وذا لا يشترط في شرط الانعقاد، بخلاف المقتدي؛ لأن استدامة هذا الشرط في حق المقتدي يوقعه في الحرج؛ لأنه كثيراً ما يسبق بركعة أو ركعتين(٥)، فجعل في حقه شرط الانعقاد لا غير. ١١٣٥ (١) سقط في أ. (٢) في ط: بهم. (٣) في أ: وقال. (٤) سقط في أ. (٥) في أ: بركعتين. ٢٠٧ كتاب الصلاة وجه قول أصحابنا الثلاثة: أن المعنى يقتضي ألا تكون الجماعة شرطاً أصلاً لا شرط الانعقاد، ولا شرط البقاء؛ لأن الأصل أن يكون شرط العبادة شيئاً يدخل تحت قدرة المكلف تحصيله؛ ليكون التكليف بقدر الوسع، إلا إذا كان شرطاً هو كائن لا محالة كالوقت؛ لأنه إذا لم يكن كائناً لا محالة لم يكن للمكلف بد من تحصيله؛ ليتمكن من الأداء، ولا ولاية لكل مكلف على غيره، فلم يكن قادراً على تحصيل شرط الجماعة؛ فكان ينبغي ألا تكون الجماعة شرطاً أصلاً، إلا أنا جعلناها شرطاً بالشرع؛ فتجعل شرطاً بقدر ما يحصل قبول حكم الشرع، وذلك يحصل بجعله (١) شرط الانعقاد، فلا حاجة إلى جعله شرط البقاء، وصار كالنية بل أولى؛ لأن في وسع المكلف تحصيل النية. لكن لما كان في استدامتها حرج - جعل شرط الانعقاد دون البقاء دفعاً للحرج، فالشرط الذي لا يدخل تحت ولاية العباد أصلاً [أولى ألا] (٢) يجعل شرط البقاء؛ فجعل شرط الانعقاد؛ ولهذا كان من شرائط الانعقاد دون البقاء في حق المقتدي بالإجماع، فكذا في حق الإمام، ثم اختلف أصحابنا الثلاثة فيما بينهم، فقال أبو حنيفة: إن الجماعة في حق الإمام شرط انعقاد الأداء، لا شرط انعقاد التحريمة. وقال أبو يوسف ومحمد: إنها شرط انعقاد التحريمة، حتى إنهم لو نفروا بعد التحريمة قبل تقييد الركعة بسجدة - فسدت الجمعة، ويستقبل الظهر عنده؛ كما قال زفر، وعندهما: يتم الجمعة . وجه قولهما: إن الجماعة شرط انعقاد التحريمة في حق المقتدي، فكذا في حق الإمام، والجامع أن تحريمة الجمعة إذا صحت صح بناء الجمعة عليها؛ ولهذا لو أدركه إنسان في التشهد صلى الجمعة ركعتين عنده، وهو قول أبي يوسف، إلا أن محمداً ترك القياس هناك بالنص؛ لما يذكر، ولأبي حنيفة أن الجماعة في حق الإمام لو جعلت شرط انعقاد التحريمة لأدى إلى الحرج؛ لأن تحريمته حينئذ لا تنعقد بدون مشاركة الجماعة إياه فيها، وذا لا يحصل إلا وأن تقع تكبيراتهم مقارنة لتكبيرة الإمام، وأنه مما يتعذر مراعاته، وبالإجماع ليس بشرط؛ فإنهم لو كانوا حضوراً، وكبر الإمام ثم كبروا - صح تكبيره، وصار شارعاً في الصلاة، وصحت مشاركتهم إياه، فلم تجعل شرط انعقاد التحريمة لعدم الإمكان، فجعلت شرط انعقاد الأداء بخلاف القوم، فإنه أمكن أن تجعل في حقهم شرط انعقاد التحريمة؛ لأنه تحصل مشاركتهم إياه في التحريمة لا محالة، وإن سبقهم الإمام بالتكبير. (١) في أ: بجعلهم. (٢) في أ: لئلا. ٢٠٨ كتاب الصلاة وإن ثبت أن الجماعة في حق الإمام شرط انعقاد الأداء، لا شرط انعقاد التحريمة - فانعقاد الأداء بتقييد الركعة بسجدة؛ لأن الأداء فعل، والحاجة إلى كون الفعل أداء للصلاة، وفعل الصلاة هو القيام والقراءة، والركوع والسجود؛ ولهذا لو حلف لا يصلي، فما لم يقيد الركعة بالسجدة - لا يحنث، فإذا لم يقيد الركعة بالسجدة لم يوجد الأداء؛ فلم تنعقد، فشرط دوام مشاركة الجماعة الإمام إلى الفراغ عن الأداء. والله أعلم. ولو افتتح الجمعة وخلفه قوم، ونفروا [منه](١) وبقي الإمام وحده - فسدت صلاته ويستقبل الظهر؛ لأن الجماعة شرط لانعقاد(٢) الجمعة ولم توجد. ولو جاء قوم آخرون فوقفوا خلفه، ثم نفر الأولون؛ فإن الإمام يمضي على صلاته لوجود الشرط . هذا الذي ذكرنا اشتراط المشاركة في حق الإمام، وأما المشاركة في حق المقتدي: فنقول: لا خلاف في أنه لا تشترط المشاركة في جميع الصلاة. ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المشاركة في التحريمة كافية. وعن محمد : روايتان: وفي رواية: لا بد من المشاركة في ركعة واحدة. وفي رواية: المشاركة في ركن منها كافية، وهو قولُ زفر، حتى إن المسبوق إذا أدرك ١٣٥ب الإمام في الجمعة؛ إن أدركه في الركعة الأولى أو الثانية (٣)، أو كان في ركوعها - يصير/ مدركاً للجمعة بلا خلاف. وأما إذا أدركه في سجود الركعة الثانية، أو في التشهد - كان مدركاً للجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لوجود المشاركة في التحريمة. وعند محمد: لا يصير مدركاً في رواية، لعدم(٤) المشاركة في ركعة. وفي رواية: يصير مدركاً؛ لوجود المشاركة في بعض أركان الصلاة؛ وهو قول زفر. وأما إذا أدركه بعد ما قعد قدر التشهد، قبل السلام أو بعد ما سلم، وعليه سجدتا السهو وعاد إليهما - فعند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ يكون مدركاً للجمعة؛ لوقوع المشاركة في التحريمة . (١) سقط في أ. (٢) في ط: انعقاد. (٣) في أ: في الثانية. (٤) في أ: لانعدام. ٢٠٩ كتاب الصلاة وعند زفر: لا يكون مدركاً لعدم (١) المشاركة في شيء من أركان الصلاة ويصلي أربعاً، ولا تكون الأربع عند محمد ظهراً محضاً، حتى قال: يقرأ في الأربع كلها، وعنه في افتراض القعدة الأولى روايتان، في رواية الطحاوي عنه(٢): فرض، وفي رواية المعلى عنه: ليست بفرض، فكأن محمداً - رحمه الله - سلك طريقة الاحتياط، لتعارض الأدلة عليه، فأوجب ما يخرجه عن الفرض بيقين، جمعة كان الفرض أو ظهراً. وقيل: على قول الشافعي: الأربع ظهر محض، حتى لو ترك القعدة الأولى لا يوجب فساد الصلاة . واحتجوا في المسألة بما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بإسناده عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عن النّبِيِّ وَ أَنْه قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَىْ، وَإِنْ أَدْرَكَهُمْ جُلُّوساً صَلَّى أَرْبَعَا)). وفي بعض الروايات: ((صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعَا)). وهذا نص في الباب، ولأن إقامة الجمعة مقام الظهر عرف بنص (٣) الشرع بشرائط الجمعة. منها الجماعة والسلطان؛ ولم توجد في حق المقتدي، فكان ينبغي أن يقضي كُلُّ مسبوقٍ أربع ركعات. إلا أن مدرك الركعة يقضي ركعة بالنص، ولا نص في المتنازع فيه. ثم مع هذه الأدلة يسلك محمد - رحمه الله تعالى - مسلك الاحتياط لتعارض الأدلة. واحتجَّ أبو حنيفة وأبو يوسف بما رُوِيَ عن النبيِّ نََّ [أنه قَالَ](٤): ((مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَقْضُوا))(٥)، أمر المسبوق بقضاء ما فاته؛ وإنما فاتته صلاة الإمام وهي ركعتان، والحديث في حد الشهرة. وروى أبو الدرداء عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ - أنه قال: ((مَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ))(٦) ولأن سبب اللزوم هو التحريمة وقد شارك الإمام في التحريمة، وبنى تحريمته على تحريمة الإمام، فيلزمه ما لزم الإمام كما في سائر الصلوات، وتعلقهم بحديث الزهري غير صحيح؛ فإن الثقات من أصحاب الزهري، كمعمر، والأوزاعي، ومالك رووا أنه قال: ((من (١) في أ: لانعدام. (٢) في أ: أنها. (٣) في أ: شرعاً. (٤) سقط في أ. (٥) تقدم تخريجه مراراً. (٦) أخرجه الدارقطني (١٢/٢) كتاب الجمعة: باب فيمن يدرك من الجمعة ركعة من حديث أبي هريرة. بدائع الصنائع ج٢ - م١٤ ٢١٠ كتاب الصلاة أدرك ركعةً من صلاة فقد أدركها))، فأما ذكر الجمعة فهذه الزيادة، أو من أدركهم جلوساً صلى أربعاً. رواه ضعفاء أصحابه(١). هكذا قال الحاكم الشهيد، ولئن ثبتت الزيادة فتأويلها؛ وإن أدركهم جلوساً قد سلموا عملاً بالدلائل(٢) بقدر الإمكان، وما ذكروا من المعنى يبطل بما إذا أدرك ركعة. وقولهم: هناك يقضي ركعة بالنص، قلنا: وههنا أيضاً يقضي ركعتين بالنص الذي روينا. وما ذكروا من الاحتياط غير سديد؛ لأن الأربع إن كانت ظهراً فلا يمكنه(٣) بناؤها على تحريمة عقدها للجمعة؛ ألا يرى أنه لو أدركه في التشهد، ونوى الظهر - لم يصح اقتداؤه به، وإن كانت جمعة فالجمعة كيف تكون أربع ركعات، على أنه لا احتياط عند ظهور فساد أدلة الخصوم وصحة دليلنا، والله أعلم. وأما الكلام في مقدار الجماعةِ، فقد قال أبو حنيفة ومحمد: أدناه ثلاثة سوى الإمام. وقال أبو يوسف: اثنان سوى الإمام. وقال الشافعي: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين سوى الإمام. أما الكلام مِع الشافعي فهو يحتجُّ بما روي عن عبد الرحمن بن كَعْب بْنِ مَالِكٍ (٤)؛ أنه قال: ((كُنْتُ قَائِدَ أَبِي حِينَ كُفَّ بَصَرُهُ، فَكَانَ إِذَا سَمِعَ النَّدَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ اسْتَغْفَرَ الله لِأَبِي أُمَامَةً أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ: لِأَسْأَلَنَّهُ عَنِ اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِي أَمَامَةَ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَقُودُهُ فِي جُمُعَةٍ؛ إِذْ سَمِعَ النّدَاءَ فَأَسْتَغْفَرَ الله ◌ِأَبِيْ أُمَامَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، أَرَأَنْتَ أَسْتِغْفَارَكَ لِأَبِي أُمَامَةً أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ؟ فَقَالَ: [إن](٥) أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ أَسْعَدُ! فَقُلْتُ: وَكَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ فَقَالَ: كُنَّا أَرْبَعِينَ رَجُلاً(٦)، ولأن ترك الظهر إلى الجمعة يكون بالنص، ولم ينقل إنه - عليه الصلاة والسلام - أقام الجمعة بثلاثة . (١) في أ: الصحابة. (٢) في ط: بالدليلين. (٣) في ط: يمكن. (٤) عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري. عن أبيه وأخيه. وعنه أبو أمامة بن سهل والزهري. قال الهيثم بن عدي: توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك. ينظر الخلاصة ٢/ ١٥٠ (٤٢٢٩). (٥) سقط في أ. (٦) أخرجه أبو داود (٦٤٥/١) كتاب الصلاة باب الجمعة في القرى حديث (١٠٦٩) وابن ماجه (٣٤٣/١) كتاب الصلاة: باب فرض الجمعة حديث (١٠٨٢) والحاكم (٢٨١/١) والدارقطني (٥/٢-٦) والبيهقي (١٧٧/٣). ٢١١ كتاب الصلاة ولنا: ((أن النبيَّ - وَ لَ - كَانَ يَخْطُبُ، فَقَدِمَ عَيْرٌ تَحْمِلُ الطَّعَامِ، فَأَنْفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ - رََّ ـ قَائِماً، وَلَيْسَ مَعَهُ إِلاَّ أَثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ الله عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَقَدْ أَقَامَ الجُمُعَةَ بِهِمْ))(١). وروي أن مصعب بن عمير (٢) [قد](٣) أقام الجمعة بالمدينة مع اثني عشر رجلاً؛ ولأن الثلاثة تساوي ما ورائها في كونها جمعاً فلا معنى لاشتراط(٤) جمع الأربعين بخلاف الاثنين؛ فإنه ليس بالجمع، ولا حجة له في حديث أسعد بن زرارة؛ لأن الإقامة/ بالأربعين وقع اتفاقاً. ١١٣٦ ألا ترى أنه روي أن أسعد أقامها بسبعة عشر رجلاً، ورسول الله - وَلّ - أقامها باثني عشر رجلاً (حين)(٥) انفضوا إلى التجارة وتركوه قائماً (٦). وأما الكلام مع أصحابنا: فوجه قول أبي يوسف: إن الشرط أداء الجمعة بجماعة وقد وجد؛ لأنهما مع الإمام ثلاثة، وهي جمع مطلق؛ ولهذا يتقدمهما الإمام ويصطفان خلفه، ولهما أن الجمع المطلق شرط انعقاد الجمعة في حق كل واحد منهم، وشرط جواز صلاة كل واحد منهم ينبغي أن يكون سواه، فيحصل هذا الشرط ثم يصلي، ولا يحصل هذا الشرط إلا إذا كان سوى الإمام ثلاثة؛ إذ لو كان مع الإمام ثلاثة، لا يوجد في حقّ كلٌ واحد منهم إلا اثنان. والمثنى ليس بجمع مطلق. وهذا بخلاف سائر الصلوات؛ لأن الجماعة هناك ليست بشرط للجواز، حتى يجب على كل واحد تحصيل هذا الشرط، غير أنهما يصطفان خلف الإمام؛ لأن المقتدي تابع لإمامه، فكان ينبغي أن يقوم خلفه لإظهار معنى التبعية، غير إنه إن كان واحداً لا يقوم خلفه؛ لئلا يصير منتبذاً خلف (١) أخرجه البخاري (٤٩٠/٢)، في كتاب الجمعة: باب إذا نفر الناس عن الإمام (٩٣٦)، (٢٠٥٨)، (٢٠٦٤)، (٤٨٩٩) ومسلم (٢/ ٥٩٠)، في كتاب الجمعة: باب في قوله تعالى ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ (٣٦/ ٨٦٣). (٢) مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، القرشي، من بني عبد الدار: صحابي، شجاع، من السابقين إلى الإسلام. أسلم في مكة وكتم إسلامه، فعلم به أهله، فأوثقوه وحبسوه، فهرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة. وهاجر إلى المدينة، فكان أول من جمع الجمعة فيها، وعرف فيها بالمقرىء، وأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد بن معاذ. وشهد بدراً. وحمل اللواء يوم أحد، فاستشهد. وكان في الجاهلية فتى مكة، شباباً وجمالاً ونعمة، ولما ظهر الإسلام زهد بالنعيم. وكان يلقب ((مصعب الخير)) ويقال: فيه وفي أصحابه نزلت الآية: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾. ينظر: الإعلام (٢٤٨/٧)، والإصابة ت (٨٠٠٤)، وطبقات ابن سعد (٨٢/٣). (٣) سقط في أ. (٤) في أ: لشرط. (٥) في أ: لما. (٦) تقدم. ٢١٢ كتاب الصلاة الصفوف، فيصير مرتكباً للنهي؛ فإذا صارا اثنين زال هذا المعنى فقاما خلفه، والله تعالى أعلم. وأما صفة القوم الذين تنعقد بهم الجمعة: فعندنا: أن كل من يصلح إماماً للرجال في الصلوات المكتوبات تنعقد بهم الجمعة، فيشترط صفة: الذكورة، والعقل، والبلوغ لا غير، ولا تشترط الحرية والإقامة حتى تنعقد الجمعة بقوم عبيد أو مسافرين، ولا تنعقد بالصبيان والمجانين والنساء على الانفراد. وقال الشافعي: يشترط الحرية والإقامة في صفة القوم، فلا تنعقد بالعبيد والمسافرين. وجه قوله: إنه لا جمعة عليهم، فلا تنعقد بهم كالنسوان والصبيان. ولنا: إن درجة الإمامة(١) أعلى، ثم صفة الحرية والإقامة ليست بشرط في الإمام لما مر، فلأن لا تشترط في القوم أولى، وإنما لا تجب الجمعة على العبيد والمسافرين إذا لم يحضروا، فأما إذا حضروا تجب؛ لأن المانع من الوجوب قد زال بخلاف الصبيان والنسوان على ما ذكرنا فيما تقدم والله أعلم. وأما الوقت: فمن شرائط الجمعة، وهو وقت الظهر حتى لا يجوز تقديمها على زوال الشمس؛ لما روي عن النبي ◌َّ؛ أنه لما بَعَثَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ لَهُ: (إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلْ بِالنَّاسِ الجُمُعَةَ»(٢). وروي أنه كتب إلَى أسعدَ بْنِ زُرَارَةَ: ((إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي تَتَجَهَّزُ فِيهِ الْيَهُودُ لِسَبْتِهَا، فَأَزْدَلِفْ إِلَى الله تَعَالِى بِرَكْعَتَيْنِ))(٣). وما روي أن ابن مسعود أقام الجمعة ضحى - يعني بالقرب منه - ومراد الراوي أنه ما أخّرها بعد الزوال، فإن لم يؤدها حتى دخل وقت العصر تسقط الجمعة؛ لأنها لا تقضي لما نذکر . وقال مالك: تجوز إقامة الجمعة في وقت العصر - وهو فاسد؛ لأنها أقيمت مقام الظهر بالنص، فيصير وقت الظهر وقتاً للجمعة، وما أقيمت مقام غير الظهر من الصلوات، فلم تكن مشروعة في غير وقته. والله أعلم. هذا الذي ذكرنا من الشرائط مذكورة في ((ظاهر الرواية)). (١) في ط: الإمام. (٢) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٩٥/٢): غريب. (٣) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٩٥/٢) وقال: غريب. ٢١٣ كتاب الصلاة وذكر في ((النوادر)) شرطاً آخر لم يذكره في ((ظاهر الرواية))، وهو أداء الجمعة بطريق الاشتهار، حتى إن أميراً لو جمع جيشه في الحصن، وأغلق الأبواب، وصلى بهم الجمعة - لا تجزئهم؛ كذا ذكر في ((النوادر)). فإنه قال: السلطان إذا صلّى في فهندرة(١) [والقوم مع أمراء السلطان في المسجد الجامع، قال: إن فتح باب داره، وأذن للعامة بالدخول في فهندرة](٢) جاز، وتكون الصلاة في موضعين، ولو لم يأذن للعامة، وصلى مع جيشه - لا تجوز صلاة السلطان، وتجوز صلاة العامة، وإنما كان هذا شرطاً، لأن الله تعالى شرع النداء لصلاة الجمعة بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والنداء للاشتهار؛ ولذا يسمى جمعة لاجتماع الجماعات(٣) فيها، فاقتضى أن تكون الجماعات كلّها مأذونين بالحضور إذناً عاماً، تحقيقاً لمعنى الاسم. والله أعلم. فضل في مقدارها وأما بيان مقدارها: فمقدارها ركعتان. عرفنا ذلك بفعل رسول الله - رَليه - وأصحابه - رضي الله عنهم - من بعده، وعليه إجماع الأمة. وينبغي للإمام أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وسورة مقدار ما يقرأ في صلاة الظهر، وقد ذكرناه. ولو قرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة المنافقين؛ تبركاً بفعل رسول الله - رَلير - فحسن، فإنه روي أنه كان يقرأهما في صلاة الجمعة، وروي أنه قرأ في صلاة العيدين، والجمعة: ﴿سَبِّخْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَالْغَاشِيَةَ، فإن تبرك بفعله وَير، وقرأ هذه السورة(٤) في أكثر الأوقات، فنعم ما فعل، ولكن لا يواظب على قراءتها، بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات، حتى لا يؤدي إلى هجر بعض القرآن؛ ولئلا تظنه العامة حتماً، ويجهر(٥) بالقراءة/ فيها؛ لورود الأثر فيها بالجهر؛ وهو ما رُوِيَ عَنِ ابنِ ١٣٦ب عَبَّاس؛ أنه قال: ((سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَىْ سُورَةَ الجُمُّعَةِ، (١) في أ: فهندوة. (٢) سقط في أ. (٣) في أ: الناس. (٤) في أ: المشهورة. (٥) في أ: يظهر. ٢١٤ كتاب الصلاة وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ)) (١)، ولو لم يجهر لما سمع، وكذا الأمة توارثَتْ ذلك؛ ولأن الناس يوم الجمعة فرغوا قلوبهم عن الاهتمام لأمور التجارة؛ لعظم ذلك الجمع، فيتأملون قراءة الإمام؛ فتحصل لهم ثمرات القراءة، فيجهر بها كما في صلاة الليل. فضل في بیان ما يفسدها وأما بيان ما يفسدها، وبيان حكمها إذا فسدت، أو فاتت عن وقتها - فنقول: إنه يفسد الجمعة ما يفسد سائر الصلوات، وقد بينا ذلك في موضعه، والذي يفسدها على الخصوص أشياء منها: خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند عامة المشايخ، وعند مالك: لا يفسدها، بناء على أن الجمعة فرض مؤقت بوقت الظهر عند العامة، حتى لا يجوز أداؤها في وقت العصر، وعنده: يجوز، وقد مر الكلام فيه، وكذا خروج الوقت بعد ما قعد قدر التشهد في قول(٢) أبي حنيفة. وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: لا تفسد، وهي من المسائل الاثني عشرية وقد مرت. ومنها: فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد الإمام الركعة بالسجدة؛ بأن نفر الناس عنه عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى. وعندهما: لا تفسد، وأما فوتها بعد تقييد الركعة بالسجدة - فلا تفسد عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: تفسد، وقد ذكرنا هذه المسائل. وأما حكم فسادها: فإن فسدت بخروج الوقت، أو بفوت الجماعة - يستقبل الظهر، وإن (١) أخرجه مسلم (٥٩٧/٢) كتاب الجمعة: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، الحديث (٨٧٧/٦١)، وأحمد (٤٣٠/٢)، وأبو داود (٦٧٠/١): كتاب الصلاة: باب ما يقرأ به في الجمعة، الحديث (١١٢٤)، والترمذي (٣٩٦/٢): كتاب الجمعة: باب ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة، الحديث (٥١٩)، والبيهقي (٢٠٠/٣): كتاب الجمعة: باب القراءة في صلاة الجمعة، وغيرهم من حديث عبيد الله بن أبي رافع قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة فصلّى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، وفي الآخرة إذا جاءك المنافقون، قال عبيد الله: فأدركت أبا هريرة حين انصرف فقلت: إنك قرأت بسورتين كان علي رضي الله عنه يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله وَل# يقرأ بهما. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) في ط عند. ٢١٥ كتاب الصلاة فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد، والكلام، وغير ذلك - يستقبل الجمعة(١) عند وجود شرائطها، وأما إذا فاتت عن وقتها وهو وقت الظهر - سقطت عند عامة العلماء؛ لأن صلاة الجمعة لا تقضى، لأن القضاء على حسب الأداء والأداء فات بشرائط مخصوصة يتعذر تحصيلها على كل فرد، فتسقط بخلاف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها، والله أعلم. فضل فيما يستحب في هذا اليوم وأما بيان ما يستحب في يوم الجمعة، وما يكره فيه: فالمستحبُّ في يوم الجمعة لمن يحضر الجمعة أن يدهن، ويمس طيباً، ويلبس أحسن ثيابه إن كان عنده ذلك، ويغتسل؛ لأن الجمعة من أعظم شعائر الإسلام، فيستحبُّ أن يكون المقيمُ لها على أحسنٍ وَصْفٍ، وقال مالك: غسل يوم الجمعة فريضة؛ واحتجَّ بما رُوِيَ عن النبيِّ وَّةِ؛ أنه قال: ((غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِم))، أَوْ قَالَ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ))(٢) . ولنا: ما روى أبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - [عَنِ النّبِيِّ وَ﴾](٣) أنه قال: ((مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ (١) في أ: الظهر. (٢) أخرجه مالك (١٠٢/١): كتاب الجمعة: باب العمل في غسل يوم الجمعة، الحديث (٤)، والشافعي (١٣٣/١-١٣٤): كتاب الصلاة: باب في صلاة الجمعة، الحديث (٣٩٤)، وأحمد (٦/٣)، والدارمي (٣٦١/١): كتاب الصلاة: باب الغسل يوم الجمعة، والبخاري (٣٤٤/٢): كتاب الأذان: باب وضوء الصبيان، الحديث (٨٥٨)، ومسلم (٢/ ٥٨٠): كتاب الجمعة: باب وجوب غسل الجمعة، الحديث (٥٪ ٨٤٦)، وأبو داود (٢٤٣/١): كتاب الطهارة: باب الغسل يوم الجمعة، الحديث (٣٤١)، والنسائي (٣/ ٩٣): كتاب الجمعة (٩٣/٣): كتاب الجمعة: باب الأمر بالغسل يوم الجمعة، وابن ماجه (٣٤٦/١): كتاب إقامة الصلاة: باب الغسل يوم الجمعة، الحديث (١٠٨٩)، وابن الجارود (١٠٧): كتاب الصلاة: باب الجمعة، الحديث (٢٨٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١١٦/١) كتاب الطهارة: باب غسل يوم الجمعة، والبيهقي (١٨٨/٣): كتاب الجمعة: باب السنة لمن أراد الجمعة أن يغتسل، وابن خزيمة (١٧٤٢)، وابن حبان (١٢٢٠)، وأبو يعلى (٩٧٨)، كلهم بلفظ: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) . وأخرجه ابن حبان (٥٦٣ - موارد)، بلفظ غسل يوم الجمعة واجب كغسل الجنابة، وبهذا اللفظ: أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٠١): كتاب الجمعة: باب العمل في غسل يوم الجمعة، الحديث (٢)، عن أبي هريرة موقوفاً عليه، قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة. (٣) سقط في أ. ٢١٦ كتاب الصلاة الجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ أَغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ))(١). (١) أخرجه أحمد (١١/٥)، وأبو داود (٢٥١/١): كتاب الطهارة: باب ترك الغسل يوم الجمعة، الحديث (٣٥٤)، والترمذي: (٤/٢): كتاب الجمعة: باب الوضوء يوم الجمعة، الحديث (٤٩٥)، والنسائي (٣/ ٩٤): كتاب الجمعة: باب ترك الغسل يوم الجمعة، والطحاوي (١١٩/١): كتاب الطهارة: باب غسل يوم الجمعة، وابن الجارود (١٠٧): كتاب الصلاة: باب الجمعة، الحديث (٢٨٥)، والبيهقي (٣/ ١٩٠): كتاب الجمعة: باب غسل يوم الجمعة على الاختيار، والطيالسي (١٤٢/١ - منحة)، رقم (٦٧٨)، وابن خزيمة (١٢٨/٣)، رقم (١٧٥٧)، والخطيب في ((التاريخ)) (٣٥٢/٢)، والبغوي، من حديث الحسن عن سمرة، وقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن. وصححه ابن خزيمة . قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٨٩٨٨/١-٩٠): وفي سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه سمع منه مطلقاً، وهو قول ابن المديني، ذكرهُ عنه البخاري في ((أول تاريخه الوسط»، فقال: حدثنا الحميدي، ثنا سفيان عن إسرائيل، قال: سمعت الحسن يقول: ولدت لسنتين بقيتا من خلافة عمر، قال علي: سماع الحسن من سمرة صحيح، انتهى. ونقله الترمذي في ((كتابه)) فقال في ((باب الصلاة الوسطى)): قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري -: قال علي - يعني ابن المديني -: سماع الحسن من سمرة صحيح، انتهى، ولم يحسن شيخنا علاء الدين، فقال مقلداً لغيره: قال الترمذي: سماع الحسن من سمرة عندي صحيح، والترمذي لم يقل ذلك، فإنما نقله عن البخاري، عن ابن المديني، كما ذكرناه، ولكن الظاهر من الترمذي أنه يختار هذا القول، فإنه صحّح في ((كتابه)) عدة أحاديث من رواية الحسن، عن سمرة، واختار الحاكم هذا القول، فقال في ((كتابه المستدرك)) بعد أن أخرج حديث الحسن، عن سمرة: إن النبي ◌َ ﴾ كانت له سكتتان: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءته، ولا يتوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة، فإنه سمع منه، انتهى. وأخرج في ((كتابه)) عدة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة، وقال في بعضها: على شرط البخاري، وقال في ((كتاب البيوع)) بعد أن روى حديث الحسن عن سمرة: أن النبي ◌َّ نهى عن بيع الشاة باللحم، وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة، انتهى. القول الثاني: أنه لم يسمع منه شيئاً، واختاره ابن حبان في ((صحيحه)) فقال في النوع الرابع من القسم الخامس، بعد أن روى حديث الحسن عن سمرة: إن النبي ◌َّ﴾ كانت له سكتتان، والحسن لم يسمع من سمرة شيئاً انتهى. وقال صاحب ((التنقيح)): قال ابن معين: الحسن لم يلق سمرة، وقال شعبة: الحسن لم يسمع من سمرة، وقال البرديجي: أحاديث الحسن عن سمرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث، قال فيه: سمعت سمرة، انتهى كلامه. القول الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، قاله النسائي، وإليه مال الدارقطني في ((سننه))، فقال في حديث السكتتين: والحسن اختلف في سماعه من سمرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، فيما قاله قريش بن أنس، انتهى. واختاره عبد الحق ((أحكامه))، فقال: عند ذكره هذا الحديث، والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، واختاره البزار في ((مسنده» فقال في آخر ((ترجمة سعيد بن المسيب))، عن أبي هريرة: والحسن سمع من سمرة حديث العقيقة، ثم رغب عن السماع عنه، ولما رجع إلى ولده أخرجوا له صحيفة سمعوها من أبيهم، فكان يرويها عنه من غير أن يخير بسماع، لأنه لم يسمعها منه، انتهى. روى البخاري في ((تاريخه)) عن عبد الله بن أبي الأسود عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد، قال: قال محمد بن سيرين: سئل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة؟ فسألته، فقال: سمعته من سمرة، = ٢١٧ كتاب الصلاة وعن البخاري رواه الترمذي في ((جامعه)) بسنده ومتنه، ورواه النسائي عن هارون بن عبد الله عن قريش، = وقال عبد الغني: تفرد به قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد، وقد رده آخرون، وقالوا: لا يصح له سماع منه. ا.هـ. وفي الباب عن أنس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وجابر وعبد الرحمن بن سمرة وابن عباس. حديث أنس: أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٤٧) كتاب إقامة الصلاة: باب الرخصة في الغسل يوم الجمعة (١٠٩١) والطيالسي (١٤٣/١ - منحة) رقم (٦٨٥) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١١٩/١) وأبو يعلى (١٢٧/٧) رقم (٤٠٨٦) من طرق عن يزيد الرقاشي عن أنس به قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٩١/١): وهذا سند ضعيف وقال البوصيري في ((الزوائد» (٣٦٢/١): هذا إسناد ضعيف لضعف يزيد الرقاشي. وقد تابعه الحسن البصري. أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١١٩/١) والبزار (١/ ٣٠١) رقم (٦٢٨ - كشف) من طريقين عن الربيع بن صبيح عن الحسن ويزيد الرقاشي عن أنس به. قال البزار: إنما يعرف هذا عن يزيد عن أنس هكذا رواه غير واحد وجمع يحيى عن الربيع في هذا الحديث بين الحسن ويزيد عن أنس وحمله قوم على أنه عن الحسن عن أنس وأحسب أن الربيع إنما ذكره عن الحسن مرسلاً وعن يزيد عن أنس فلما لم يفصله جعلوه كأنه عن الحسن عن أنس وعن يزيد عن أنس. وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٧٨/٢) وقال: رواه البزار وفيه يزيد الرقاشي وفيه كلام. وللحديث طريق آخر عن أنس. أخرجه الطبراني في «الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (٩٢/١) ثنا محمد بن عبد الرحمن المروزي ثنا عثمان بن يحيى الفرساني ثنا مؤمل بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس به. قال الحافظ في ((الدراية)) (٥١/١) إسناده ضعيف. وله عن أنس طريق ثالث. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٨٥/١) من طريق الفضل بن المختار عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله ◌َلجر: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)) فلما كان الشتاء قلنا: يا رسول الله أمرتنا بالغسل للجمعة وقد جاء الشتاء ونحن نجد البرد فقال: ((من اغتسل فيها ونعمت ومن لم يغتسل فلا حرج) وأبان هو ابن أبي عياش. قال ابن عدي: له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه وهو بين الأمر في الضعف. وقال البخاري: كان شعبة سيىء الرأي فيه. وقال النسائي والدارقطني وأبو حاتم: متروك الحديث. وقال أحمد: متروك الحديث ترك الناس حديثه منذ دهر وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال: مرة ضعيف وقال مرة متروك الحديث. وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة. وقال الحافظ في. التقريب: متروك. ينظر التقريب (٣١/١) والتهذيب (٩٨/١-٩٩). حديث أبي سعيد الخدري. ٢١٨ كتاب الصلاة أخرجه البزار (٣٠٢/١ - كشف) رقم (٦٣٠) والبيهقي (٢٩٦/١) كتاب الطهارة: باب الغسل يوم الجمعة = سنة اختيار من طريق أسيد بن زيد ثنا شريك عن عوف عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ◌َله: ((من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)) قال البزار: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه وأسيد كوفي شديد التشيّع احتمل حديثه أهل العلم. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٩٢/١): قال ابن القطان في ((كتابه)) أسيد بن زيد الجمال قال الدوري عن ابن معين إنه كذاب وقال الساجي له مناكير وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المنكرات ومع هذا فقد أخرج البخاري له وهو ممن عيب عليه الإخراج عنه. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٧٨/٢): رواه البزار وفيه أسيد بن زيد وهو كذاب. والحديث ضعف سنده الحافظ في ((الدراية)) (١/ ٥١). وللحديث طريق آخر عن أبي سعيد. أخرجه ابن عبد البر (١٠ /٨٧) من طريق الربيع بن بدر عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد به. والربيع بن بدر. قال الحافظ في ((التقريب)) (٢٤٣/١): متروك والجريري هو سعيد بن إلياس ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين. ينظر التقريب (٢٩١/١). حديث أبي هريرة: أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٣/٣) والبزار في مسنده كما في ((نصب الراية)) (٩٢/١) من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن وابن سيرين عن أبي هريرة قال رسول الله وَ التر: ((من أتى الجمعة فتوضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل)). والبزار رواه من طريق ابن سيرين وحده وأبو بكر الهذلي ضعيف وقد تقدمت ترجمته . تنبيه: هذا الحديث لم يورده الهيثمي في زوائد البزار ولا المجمع مع أن الحديث على شرط الكتابين. حديث جابر : وله طريقان: الطريق الأول: أخرجه البزار (٣٠٢/١ - كشف) رقم (٦٢٩) وابن عدي في ((الكامل)) (٣٤٨/٥) من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله وَلير: ((من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل)) قال البزار: لا نعلمه عن جابر إلا من حديث قيس عن الأعمش وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٨/٢) وقال: رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه جماعة. ا. هـ. وقيس بن الربيع روى له أبو داود والترمذي والنسائي. وقال الحافظ في ((التقريب)) (١٢٨/٢): صدوق تغير لما كبر أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به . الطريق الثاني: أخرجه عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)» (ص - ٣٢٦) رقم (١٠٧٧) من طريق سفيان عن أبان عن أبي نضرة عن جابر مرفوعاً. وقد رواه عبد الرزاق كما في (نصب الراية)) (١/ ٩٢) عن الثوري عن رجل عن أبي نضرة به. = ٢١٩ كتاب الصلاة وما روي من الحديث فتأويله مرويٍّ عن ابن عباس وعائشة؛ أنهما قالا: ((كان الناس عمال أنفسهم، وكانوا يلبسون الصوف ويعرفون فيه، والمسجد قريب السمك، فكان يتأذى بعضهم برائحة بعض، فأمروا بالاغتسال لهذا، ثم انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف، وتركوا العمل بأيديهم، ثم غسل يوم الجمعة لصلاة الجمعة، أم ليوم الجمعة؟ قال الحسن بن زياد: ليوم الجمعة إظهاراً لفضيلته. قال النبي ◌َّ: ((سَيِّدُ الأَيَّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ))(١). وقال أبو يوسف: لصلاة الجمعة؛ لأنها مؤداة بشرائط ليست لغيرها، فلها من الفضيلة ما ليس لغيرها . وفائدة الاختلاف أن من اغتسل يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة، ثم أحدث فتوضأ وصلى به الجمعة. فعند أبي يوسف: لا يصير مدركاً لفضيلة الغسل. والرجل قد سماه عبد بن حميد وهو أبان الرقاشي وهو ضعيف. = حديث عبد الرحمن بن سمرة: أخرجه أبو داود الطيالسي (١٤٢/١ - منحة) والبيهقي (٢٩٦/١) وبحثل في ((تاريخ واسط)) (ص - ١٥٨) والعقيلي في ((الضعفاء)) (١٦٧/٢) والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (٩٢/١) من طرق عن أبي حرة الرقاشي عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي وَّر قال: ((من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل». وأبو حرة الرقاشي هـ اختلف في اسمه. والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٧٨/٢) وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه أبو حرة الرقاشي وثقه أبو داود وضعفه ابن معين ا. هـ. وقد ذكره الحلفظ في ((التهذيب)) (٦٤/٣) وقال: قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم وغيره اسمه حنيفة وقال الآجري عن أبي داود: لا أدري ما اسمه وهو ثقة. قلت: أي الحافظ: إنما هو مشهور بكنيته وقال ابن منده وأبو نعيم وابن قانع والباوردي وجماعة أن حنيفة اسم عم أبي حرة وكذا الطبراني في (المعجم الكبير))، وقال أبو نعيم وغيره: اختلف في اسم أبي حرة فقيل حكيم بن أبي يزيد وقيل غير ذلك وقال الحافظ في ((التقريب)) (٢٠٧/١): ثقة. حديث ابن عباس : أخرجه البيهقي (٢٩٥/١) من طريق أسباط بن نصر عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلجر: ((من توضأ فيها ونعمت ويجزىء من الفريضة ومن اغتسل فالغسل أفضل)). وقال البيهقي: وهذا الحديث بهذا اللفظ غريب من هذا الوجه وإنما يعرف حديث الحسن وغيره. والحديث أقل درجاته أن یکون حسناً . فحديث سمرة بمفرده قد حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة فكيف لو انضم إليه طرق الحديث الأخرى. (١) أخرجه أحمد (٤٣٠/٣) والحاكم (٢٧٧/١) وابن خزيمة (١٧٢٨). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ٢٢٠ كتاب الصلاة وعند الحسن: يصير مدركاً لها، وكذا إذا توضأ وصلّى به الجمعة، [ثم اغتسل - فهو على هذا الاختلاف، فأما إذا اغتسل يوم الجمعة، وصلّى به الجمعة](١)؛ فإنه ينال فضيلة الغسل بالإجماع، على اختلاف الأصلين؛ لوجود الاغتسال والصلاة به، والله أعلم. وأما ما يكره في يوم الجمعة، فنقول: تكره صلاة الظهر يوم الجمعة بجماعة في المصر في سجن أو غير سجن، هكذا روي عن علي - رضي الله عنه -، وهكذا جرى التوارث بإغلاق أبواب المساجد في وقت الظهر يوم الجمعة في الأمصار، فدل ذلك على كراهة الجماعة فيها في حق الكل؛ ولأنا لو أطلقنا للمعذور إقامة الظهر بالجماعة في المصر - فربما يقتدي به غير المعذور، فيؤدي إلى تقليل جمع الجمعة وهذا لا يجوز؛ ولأن ساكن المصر مأمور(٢) بشيئين في هذا الوقت بترك الجماعات وشهود الجمعة، والمعذور قدر على أحدهما، وهو ترك الجماعات، فيؤمر بالترك. وأما أهل القرى: فإنهم يصلون الظهر بجماعة بأذان وإقامة؛ لأنه ليس عليهم شهود الجمعة؛ ولأن في إقامة الجماعة فيها تقليل جمع الجمعة، فكان هذا اليوم في حقهم كسائر الأيام، وكذا يكره البيع والشراء يوم الجمعة إذا صعد الإمام المنبر(٣)، وأذن المؤذنون بين يديه، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله ١١٣٧ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والأمر بترك البيع يكون/ نهياً عن مباشرته؛ وأدنى درجات النهي الكراهة، ولو باع يجوز؛ لأن الأمر بترك البيع ليس لعين البيع، بل لترك استماع الخطبة . فضل في بيان ما هو فرض كفاية وأما فرض الكفاية فصلاة الجنازة، ونذكرها في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. فضل في الصلاة الواجبة وأما الصلاة الواجبة فنوعان: صلاة الوتر؛ وصلاة العيدين. أما صلاة الوتر: فالكلام في الوتر يقع في مواضع. في بيان صفة الوتر؛ أنه واجب أم سنة. (١) سقط في أ. (٢) في أ: مأذون. (٣) في أ: على المنبر.