Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الصلاة
حجة؛ لأن السعي إلى الخطبة إنما يجب لأجل الصلاة؛ بدليل أن من سقطت عنه الصلاة .
لا (١) يجب عليه السعي إلى الخطبة، فكان فرض السعي إلى الخطبة فرضاً للصلاة(٢)؛ ولأن
ذكر الله يتناول الصلاة، ويتناول الخطبة، من حيث إن كل واحد منهما ذكراً لله تعالى.
وأما السنة: فالحديث المشهور، وهو ما روي عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الله تَعَالَىْ
فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، في سَنَّتِي هَذِهِ؛ فَمَنْ
تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَّمَاتِي؛ اُسْتِخْفَافاً بِهَا وَجُحُوداً عَلَيْهَا وَتَهَاوُناً بِحَقُّهَا، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ، أَوْ
جَائرٌ - فَلاَ جَمَعَ اللهِ شَمْلَهُ وَلاَّ بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ؛ أَلاَ لاَ صَلاَةَ لَهُ، أَلاَ لَاَ زَكَاةَ لَهُ، أَلاَ لاَ حَجَّ لَهُ،
أَلاَ لاَ صَوْمَ لَهُ؛ إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ؛ فَمَنْ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ))(٣).
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عَنْ رَسُولِ اللهِوَّرِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ
جُمَعٍ؛ تَهَاوُناً طَبَعَ الله عَلَى قَلْبِهِ))(٤)، ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بترك الفرض، وعليه إجماع
الأمة .
فضل
في كيفية فرضيتها
وأما كيفية(٥) فرضيتها: فقد اختلف فيها، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن فرض الوقت
هو الظهر في حق المعذور وغير المعذور، ولكن غير المعذور وهو الصحيح المقيم الحر -
مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة حتماً، والمعذور مأمور بإسقاطه على سبيل الرخصة، حتى لو أدى
الجمعة يسقط عنه الظهر، وتقع الجمعة فرضاً، وإن ترك الترخص يعود الأمر إلى العزيمة،
ويكون الفرض هو الظهر لا غير، وعن محمد قولان: في قول: قال: فرض الوقت هو الجمعة
[ولكن له](٦) أن يسقطه بالظهر رخصة، وفي قول: قال: الفرض أحدهما غير عين، ويتعين
ذلك بتعيينه فعلاً، فأيهما فعل تبين أنه هو الفرض.
(١) في ب: لم.
(٢) في ب: إلى الصلاة.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٣/١) كتاب إقامة الصلاة: باب في فرض الجمعة حديث (١٠٨١) من طريق
علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر به.
وفي الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي.
(٤) أخرجه النسائي (٥١٦/١ - الكبرى) كتاب الجمعة، باب: التشديد في التخلّف عن الجمعة رقم (١٦٥٧)
وابن ماجه (٣٥٧/١) كتاب الصلاة، باب فيمن ترك الجمعة من غير عذر، حديث (١١٢٦)، وابن خزيمة
(١٧٦/٣) رقم (١٨٥٦)، والحاكم (٢٩٢/١).
(٥) في هامش ب: بيان كيفية فرض الجمعة.
(٦) في ب: لمن عليه.

١٨٢
كتاب الصلاة
وقال زفر: وقت الفرض هو الجمعة، والظهر بدل عنها، وهذا كله قول أصحابنا. وقال
الشافعي: ((الجمعة ظهر(١) قاصر))(٢) وعندنا: هي صلاة مبتدأة غير صلاة الظهر.
وفائدة الاختلاف: تظهر في بناء الظهر على تحريمة الجمعة، بأن خرج وقت الظهر،
وهو في صلاة الجمعة - فعند أصحابنا: يستقبل الظهر، وعنده: يتمها ظهراً.
أما الكلام مع الشافعي؛ فإنه احتج بما روي عن عمر وعائشة - رضي الله عنهما؛ أنهما
قالا: إنما قُصرت الجمعة لأجل الخطبة؛ ولأن الوقت سببٌ لوجوب الظهر، والوقت متى
جعل سبباً لوجوب صلاة - كان سبباً لوجوبها في كُلِّ يوم كسائر أوقات الصلاة، ثم إذا وجد
سبب القصر - تقصر كما تقصر بعذر (٣) السفر. وههنا وجد سبب القصر وهو الخطبة، ومشقة
قطع المسافة إلى الجامع.
ولنا: أن الجمعة مع الظهر صلاتان متغايرتان؛ لأنهما مختلفتان شروطاً؛ لما نذكر
اختصاص الجمعة بشروط ليست للظهر، والفرض الواحد لا تختلف شروطه بالقصر؛ فكانا
غيرين، فلا يصح بناء أحدهما على الآخر؛ كبناء العصر على الظهر بعد خروج وقت الظهر.
وأما حديث عمر، وعائشة - رضي الله عنهما - ففيه بيان علة القصر، أما ليس فيه أن
المقصور ظهر.
(١) في ب: فرض.
(٢) هناك خلاف مشهور في طريقة الخراسانيين من علماء الشافعية وممن نقله عن المتقدمين صاحب التقريب
حكاه عنه إمام الحرمين وظاهر كلام بعضهم أنه قولان، وظاهر كلام الآخرين أنه وجهان.
قال بعضهم: ولعلهما قولان مستنبطان من كلام الشافعي، فيصح تسميتهما قولين ووجهين، أصحهما أنها
صلاة مستقلة لدلیلین.
الأول: قول عمر - رضي الله عنه - ((الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من
افترى». رواه الإمام أحمد وغيره.
الثاني: لو كانت ظهراً مقصورة لأغنى عنها واللازم باطل بالإجماع وينبغي على هذا الخلاف أنه إذا نوى
ظهراً مقصورة لم تصح أن قلنا الجمعة صلاة مستقلة، وإن قلنا هي ظهر مقصورة فوجهان أحدهما تصح
جمعة لأنها نوى الصلاة على حقيقتها.
لا تصح لأن مقصود النيات التمييز فوجب التمييز بما يخص الجمعة، فإن قلنا إنها صلاة مستقلة أجزأته،
وإن قلنا سورة فهل يشترط نية القصر؟ فيه وجهان الصحيح لا يشترط في نية الجمعة، والثاني يشترط لأن
الأصل الإتمام بهم: وهذا ضعيف غير معدود من المذهب الظهر مطلقاً من غير تعرّض للقصر لم تصح
بلا خلاف.
(٣) في ب: لعذر.

١٨٣
كتاب الصلاة
وما ذكره من المعنى غير سديد؛ لأن الوقت قد يخلو عن فرضه أداء لعذر من الأعذار؛
كوقت العصر عن العصر يوم عرفة بعرفة، ووقت المغرب عن المغرب ليلة المزدلفة، فكذا
ههنا جاز أن يخلو وقت الظهر عن الظهر أداء، إن كان لا يخلو عنه وجوباً، لكنه يسقط عنه
[وجوباً] (١) بأداء الجمعة على ما نذكر. وأما الخلاف بين أصحابنا - رحمهم الله - فبناء على
الخلاف في كيفية العمل بالأحاديث المشهورة المتعارضة من حيث الظاهر؛ فإنه روي عن
رسول الله وَّ أنه قال: ((وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ))، ونحو ذلك من الأحاديث من
غير فصل بين الجمعة وغيره.
وقد وردت الأحاديث المشهورة في فرضية صلاة الجمعة في هذا الوقت بعينه على ما
ذكرنا، والجمع بينهما فعلاً غير مشروع بلا خلاف بين الأئمة. فمحمد - رحمه الله - على أحد
قوليه عمل بطريق التناسخ، فجعل الآخر وهو حديث الجمعة ناسخاً للأول، على ما هو الأصل
عند معرفة التاريخ، إلا أنه رخص له أن يسقط الجمعة بالظهر.
وعلى القول الآخر قال: إنه قام دليل فرضية كل واحدة من الصلاتين، ولا سبيل إلى
القول بفرضيتهما على الجمع؛ ولهذا لو فعل إحداهما أيتهما كانت - سقط الفرض عنه، فكان
الفرض إحداهما [غير عين](٢)، وإنما يتعين بفعله، وأبو حنيفة وأبو يوسف عملا بالأحاديث
بطريق التوفيق، إذ العمل بالحديثين أولى من نسخ أحدهما، فقالا: إن فرض الوقت هو
الظهر، لكن أمر بإسقاط(٣) الظهر بالجمعة - ليكون عملاً بالدليلين بقدر الإمكان؛ ولهذا يجب
قضاء الظهر بعد فوت/ الجمعة، وخروج الوقت. والقضاء خَلَفٌ عَن الأداء، دل أن [الظهر هو ١٣٠ب
الأصل](٤)؛ إذ الأربع لا تصلح [أن تكون](٥) خلفاً عن ركعتين، وزفر يقول: لما انتسخ الظهر
بالجمعة دل أن الجمعة أصل. ولما وجب القضاء بعد خروج الوقت بأداء الظهر ــ دل أنه بدل
عن الجمعة .
إذا عرف هذا الأصل نخرج عليه المسائل فنقول: من(٦) يصلي الظهر يوم الجمعة، وهو
غير معذور قبل صلاة الجمعة، ولم يحضر الجمعة بعد ذلك، ولم يؤدها - يقع فرضاً عند.
علمائنا الثلاثة، حتى لا تلزمه الإعادة، خلافاً لزفر.
(١) سقط في أ، ط.
(٢) سقط في ب.
(٣) في ب: بترك.
(٤) في ب: الأصل هو الظهر.
(٥) سقط في ب.
(٦) في هامش ب: من صلّى الظهر يوم الجمعة وهو غير معذور قبل الجمعة.

١٨٤
كتاب الصلاة
أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ فلأنه أدى فرض الوقت؛ لأن فرض الوقت هو الظهر
عندهما، ولكنه (١) أمر بإسقاطه بأداء الجمعة، فإذا لم يؤد الجمعة بقي الفرض ذلك، فإذا أداه
فقد أدى فرض الوقت، فلا يلزمه الإعادة.
وأما عند محمد: فعلى أحد قوليه: الفرض أحدهما غير عين ويتعين بفعله، فإذا صلى
الظهر تعين فرضاً من الأصل، وعلى قوله الآخر: فرض الوقت وإن كان هو الجمعة وهي
العزيمة، لكن له أن يسقطها بالظهر رخصة، وقد ترخص بالظهر. وفي قول زفر: لما كان
الظهر بدلاً عن الجمعة، وإنما يجوز البدل عند العجز عن الأصل، كما في التراب مع الماء،
وههنا هو قادر على الأصل فلا يجزيه البدل، فتلزمه الإعادة. وعلى هذا يخرج المعذور،
كالمريض(٢) والمسافر إذا صلى الظهر في بيته وحده؛ أنه يقع فرضاً، في قول أصحابنا جميعاً
على اختلاف طرقهم.
أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، فلأن فرض الوقت هو الظهر، إلا أن غير المعذور
مأمور بإسقاطه بالجمعة على طريق الحتم، والمعذور مأمور بإسقاطه بالجمعة بطريق الرخصة
- ولم يترخص - فبقيت العزيمة وهي الظهر وقد أداها؛ فتقع فرضاً.
وأما عند محمد؛ فلأن الجمعة فرض عليه على طريق العزيمة، لكن مع رخصة الترك،
وقد ترخص بترکها بالظهر.
وأما على قول زفر؛ فلأن المفروض عليه الظهر بدلاً عن الجمعة بعذر المرض والسفر،
وعلى هذا يخرج المعذور إذا صلّى الظهر في بيته، ثم شهد الجمعة وصلاها مع الإمام؛ أنه
يرتفض ظهره ويصير تطوعاً، وفرضه الجمعة في قول أصحابنا الثلاثة؛ لأن القادر مأمور
بإسقاط الظهر بالجمعة وقد قدر، فإذا أدى انعقدت جمعته فرضاً، ولا تنعقد فرضاً إلا بعد
ارتفاض الظهر؛ لأن اجتماع(٣) فرضي الوقت لا يتصور؛ فيرتفض ظهره ضرورة انعقاد الجمعة
فرضاً.
وعند زفر: لا يرتفض ظهره؛ لأن الظهر عنده خلف عن الجمعة، فكان شرطه العجز عن
الأصل، وقد تحقق عند الأداء فصح الخلف، فالقدرة على الأصل بعد ذلك لا تبطله.
وأما غير المعذور إذا صلى الظهر (في بيته] (٤) ثم خرج إلى الجمعة - فهذا على أربعة
أوجه :
(١) في ب: لكن.
(٢) في هامش ب: المريض أو المسافر إذا صلّى الظهر في بيته.
(٣) في ب: إجماع.
(٤) سقط في ب.

١٨٥
كتاب الصلاة
أحدها: إذا خرج من بيته، وكان الإمام قد فرغ من الجمعة حين خرج - لا يرتفض ظهره
بالإجماع.
والثاني: إذا حضر الجامع، وشرع في الجمعة وأتمها مع الإمام - يرتفض ظهره عند
علمائنا الثلاثة لما ذكرنا، وأما عند زفر: فلا يقع ظهره فرضاً أصلاً؛ لأنه خلف، فيشترط له
العجز عن الأصل ولم يوجد.
والثالث: إذا شرع في الجمعة، ثم تكلم قبل إتمام الجمعة مع الإمام - يرتفض ظهره في
قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يرتفض. كذا ذكر الحسن بن زياد الاختلاف
في کتاب صلاته.
والرابع: إذا حضر الجامع، وقد كان فرغ الإمام من الجمعة، وحين خرج من البيت كان
لم يفرغ - فهو على هذا الاختلاف، وحاصل الاختلاف أن عند أبي حنيفة بأداء بعض الجمعة -
يرتفض ظهره، وكذا بوجود ما هو من خصائص الجمعة وهو السعي.
وعندهما: لا يرتفض.
وجه قولهما: في المسألتين: أن ارتفاض الظهر لضرورة صيرورة الجمعة فَرْضاً؛ لأن
اجتماع فرضي الوقت لا يتحقق ولم يوجد، فلم يرتفض الظهر؛ وهذا لأن الحكم ببطلان ما
صح وفرغ منه من حيث الظاهر - لا يكون إلا عن ضرورة، ولا ضرورة قبل تمام الجمعة
ووقوعها فرضاً.
ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن ما أدى من البعض انعقد فرضاً، ولم ينعقد الفعل من
الجمعة مع بقاء الظهر فرضاً، فكان من ضرورة انعقاد هذا الجزء من الجمعة فرضاً ارتفاض
الظهر. وكذا السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة، فكان ملحقاً بها، ولن ينعقد فرضاً مع
بقاء الظهر فرضاً، وكان من ضرورة وقوعه فرضاً ارتفاض الظهر. به علل الشيخ أبو منصور
الماتريدي - رحمه الله -.
وعلى هذا إذا شرع(١) الرجل في صلاة الجمعة، ثم تذكر أن عليه الفجر - فهذا على
ثلاثة أوجه [أما](٢) إن كان بحال لو اشتغل بالفجر [لا تفوته الجمعة - فعليه أن يقطع الجمعة
ويبدأ بالفجر، ثم بالجمعة مراعاة للترتيب؛ فإنه واجب عندنا. وإن كان بحال لو اشتغل
بالفجر] (٣) تفوته الجمعة والظهر عن الوقت - يمضي فيها ولا يقطع بالإجماع؛ لأن الترتيب
(١) في هامش ب: شرع في الجمعة ثم تذكر أن عليه الفجر.
(٢) سقط في أ، ط.
(٣) سقط في ب.

١٨٦
كتاب الصلاة
ساقط عنه لضيق الوقت، وإن كان بحال لو اشتغل بالفجر تفوته الجمعة، ولكن [لا يفوته
الظهر](١) - فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يصلي الفجر ثم يصلي الظهر(٢)، ولا تجزئه
الجمعة .
١١٣١
وعلى قول محمد: يمضي في الجمعة ولا يقطع/ ؛ لأن عنده فرض الوقت هو الجمعة،
وهو يخاف فوتها، لو اشتغل بالفجر، فيسقط عنه الترتيب؛ كما لو تذكر العشاء في صلاة
الفجر، وهو يخاف طلوع الشمس لو اشتغل بالعشاء، وعندهما: فرض الوقت هو الظهر، وأنه
لا يفوت بالاشتغال بالفائتة، فلا يسقط الترتيب. والله أعلم.
فضل
في بيان شرائط الجمعة
وأما بيان(٣) شرائط الجمعة، فللجمعة شرائط: بعضها يرجع إلى المصلي، وبعضها
يرجع إلى غيره.
أما الذي يرجع إلى المصلي فستة: العقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والإقامة،
وصحة البدن، فلا(٤) تجب الجمعة على المجانين، والصبيان، والعبيد إلا بإذن مواليهم،
والمسافرين والزَّمنى والمرضى.
أما العقل والبلوغ، فلأن صلاة الجمعة اختصت بشرائط لم تشترط في سائر الصلوات،
ثم لما كانا شرطاً لوجوب سائر الصلوات؛ فلأن يكونا شرطاً لوجوب هذه الصلاة - أولى.
وأما الحرية؛ فلأن منافع العبد مملوكة لمولاه إلا فيما استثنى، وهو أداء الصلوات
الخمس على طريق الانفراد دون الجماعة؛ لما في الحضور إلى الجماعة، وانتظار الإمام والقوم
من تعطيل كثير من المنافع على المولى؛ ولهذا لا يجب عليه الحج والجهاد، وهذا المعنى
موجود في السعي إلى الجمعة، وانتظار الإمام والقوم، فسقطت عنه الجمعة.
وأما الإقامة، فلأن المسافر يحتاج إلى دخول المصر، وانتظار الإمام والقوم، فيتخلف
عن القافلة، فيلحقه الحرج، وأما المريض؛ فلأنه عاجز عن الحضور، أو يلحقه الحرج في
الحضور، وأما المرأة؛ فلأنها مشغولة بخدمة الزوج، ممنوعة عن الخروج إلى محافل الرجالٍ،
الكون الخروج سبباً للفتنة؛ ولهذا لا جماعة عليهن، ولا جمعة عليهن أيضاً.
(١) في ب: يدرك الظهر.
(٢) في ب: الجمعة.
(٣) في هامش ب: بيان شرائط الجمعة.
(٤) في هامش ب: لا تجب على مسافر ولا امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى.

١٨٧
كتاب الصلاة
والدليل على أنه لاَّ جُمُعَةَ عَلَى هُؤُلاءِ: مَا رُوِيَ عَنْ جَابر، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ [أنه
قَالَ](١): ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ - فَعَلَيْهِ الجُمُعَةُ، إِلَّ مُسَافِراً أَوْ مَمْلُوكاً أَوْ صَبِيّاً أَو
آمْرَأَةَ أَوْ مَرِيضاً؛ فَمَنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِلَهْوِ أَوْ تِجَارَةِ - اسْتَغْنَى الله عَنْهُ، وَالله غَنِيٍّ حَمِيدٌ))(٢).
وأما الأعمى: فهل تجب عليه؟ أجمعوا على أنه إذا لم يجد قائداً - لا تجب عليه؛ كما
لا تجب على الزمن، وإن وجد من يحمله. وأما إذا وجد قائداً؛ إما بطريق التبرع، أو كان له
مال يمكنه أن يستأجر قائداً - فكذلك في قول أبي حنيفة - رحمه الله -.
وفي قول أبي يوسف ومحمد: يجب، وهو على الاختلاف في الحج إذا كان له زاد
وراحلة، وأمكنه أن يستأجر قائداً، أو وعد له إنسان أن يقوده إلى مكة ذاهباً وجائياً - لا يجب
عليه الحج عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: يجب، والمسألة نذكرها في ((كتاب الحج))
إن شاء الله تعالى.
ثم هؤلاء الذين لا جمعة عليهم، إذا حضروا الجامع وأدوا الجمعة؛ فمن لم يكن من
أهل الوجوب؛ كالصبي والمجنون - فصلاة الصبي تكون تطوعاً، ولا صلاة للمجنون رأساً،
وَمَنْ هو من أهل الوجوب؛ كالمريض والمسافر، والعبد والمرأة وغيرهم - تجزيهم، ويسقط
عنهم الظهر؛ لأن امتناع الوجوب عليهم لما ذكرنا من الأعذار وقد زالت، وصار الإذن من
المولى موجوداً دلالة.
وقد روي عن الحسن البصري؛ أنه قال: ((كن النساء يجمعن مع رسول الله وَلّر، ويقال
لهن: لاَ تَخْرُجْنَ إِلاَّ تَفِلاَتٍ غَيْرِ مُتَطَيِّبَاتٍ)).
وفرق بين هذا وبين الحج في العبد؛ فإنه لو أدى الحج مع مولاه لا يحكم بجوازه، حتى
يؤاخذ بحجة الإسلام بعد الحرية .
والفرق أن المنع من الجمعة كان نظراً للمولى، والنظر ههنا في الحكم بالجواز؛ لأنا لو
لم نجوز وقد تعطلت منافعه على المولى - لوجب عليه الظهر؛ فتتعطل عليه منافعه ثانياً،
فينقلب النظر ضرراً، وذا ليس بحكمة، فتبين في الآخرة أن النظر في الحكم بالجواز، فصار
(١) سقط في ب.
(٢) أخرجه الدارقطني (٣/٢): كتاب الجمعة: باب من تجب عليه الجمعة، الحديث (١)، والبيهقي (٣/
١٨٤): كتاب الجمعة: باب من لا تلزمه الجمعة، وابن عدي في ((الكامل)) (٤٣٢/٦)؛ من طريق ابن
لهيعة، عن معاذ بن محمد الأنصاري، عن الزبير، عن جابر.
وقال ابن عدي: ومعاذ هذا غير معروف، وابن لهيعة يحدث عن الزبير، عن جابر نسخه، وهذا رواه عن معاذ
ابن محمد، عن أبي الزبير، ومعاذ لا أعرفه إلا من هذا الحديث ا. هـ ومعاذ بن محمد الأنصاري ذكره الذهبي
في («المغني)» (٦٦٤/٢) رقم (٦٣٠٢) وقال: ما روي عنه سوى ابن لهيعة. ا. هـ. فهو مجهول.

١٨٨
كتاب الصلاة
مأذوناً دلالة؛ كالعبد المحجور عليه إذا أجر نفسه أنه لا يجوز. ولو سلم نفسه للعمل(١)
يجوز، ويجب كمال الأجرة لما ذكرنا، كذا هذا بخلاف الحج، فإن هناك لا يتبين أن النظر
للمولى في الحكم بالجواز؛ لأنه لا يؤاخذ للحال بشيء آخر إذا لم نحكم بجوازه، بل يخاطب
بحجة الإسلام بعد الحرية؛ فلا يتعطل على المولى منافعه، فهو الفرق.
وأما الشرائط(٢) التي ترجع إلى غير المصلي - فخمسة في ظاهر الروايات: المصر
الجامع، والسلطان، والخطبة، والجماعة، والوقت.
أما المصر الجامع: فشرط وجوب الجمعة؛ وشرط صحة أدائها عند أصحابنا، حتى لا
تجب الجمعة إلا على أهل المصر، ومن كان ساكناً في توابعه. وكذا لا يصح أداء الجمعة إلا
في المصر وتوابعه؛ فلا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر؛ ولا يصح أداء
الجمعة فيها .
وقال الشافعي: ((المصر ليس بشرط للوجوب ولا لصحة الأداء، فكل قرية يسكنها
أربعون رجلاً من الأحرار المقيمين، لا يطعنون عنها شتاء ولا صيفاً - تجب عليهم الجمعة،
ويقام بها الجمعة .
واحتجَّ بِما رُوِيَ عن ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - أنه قَالَ: ((أَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمْعَتْ في
الْإِسْلاَمِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ بِالْمَدِينَةِ - لَجُمَّعَةٌ جُمْعَتْ بـ((جُؤَاثَى))، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَىْ عَبْدِ القَيْسِ
بِالْبَخْرَيْنِ)»(٣).
وروي عن أبي هريرة؛ أنه كَتَبَ إِلَى عُمَر يَسْأَلُهُ عَنِ الْجُمُعَةِ / بـ«جُؤَاثَى))؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ :
((أَنِ أَجْمَعْ بِهَا وَحَيْثُ مَا كُنْتَ))(٤) ولأن جواز الصلاة مما لا يختص بمكان دون مكان كسائر
الصلوات.
١٣١ ب
ولنا: ما روي عن النّبِيِّ بَّرَ أَنْه قَالَ: ((لاَ جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ إِلَّ فِي مِصْرِ جَامِع))(٥)، وعِن
علي - رضي الله عنه -: ((لاَ جُمُعَةً وَلاَ تَشْرِيقَ وَلاَ فِطْرَ وَلا أَضْحَى إِلَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ))(٦) -
وكذا النبي ◌ََّ - كَانَ يُقِيمُ الجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ، وما روى الإقامة حولها، وكذا الصحابة - رضي
(١) في ب: في العمل.
(٢) في هامش ب: شرائط الجمعة خمسة: المصر، والسلطان، والخطبة والجماع، والوقت.
(٣) أخرجه البخاري (٤١٨/٨) كتاب المغازي باب وفد عبد القيس حديث (٤٣٧١) وأبو داود (٣٤٨/١)
كتاب الصلاة: باب الجمعة في القرى حديث (١٠٦٨) وابن خزيمة (١٧٢٥).
(٤) ذكره الحافظ في الفتح (٣٦/٣، ٣٧) وعزاه لـ ((ابن أبي شيبة)).
(٥) تقدم.
(٦) تقدم.

١٨٩
كتاب الصلاة
الله عنهم -، فتحوا البلاد، وما نصبوا المنابر إلا في الأمصار، فكان ذلك إجماعاً منهم على أن
المصر شرط؛ ولأن الظهر فريضة فلا يترك إلا بنص قاطع، والنص ورد بتركها إلا الجمعة في
الأمصار؛ ولهذا لا تؤدي الجمعة في البراري؛ ولأن الجمعة من أعظم الشعائر، فتختص بمكان
إظهار الشعائر وهو المصر.
وأما الحديث: فقد قيل: إن ((جُؤاثى))(١) مصر بالبحرين، واسم القرية ينطلق على البلدة
العظيمة؛ لأنها اسم لما اجتمع فيها من البيوت. قال تعالى: ﴿وَأَسْتَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾
[يوسف: ٨٢] وهي مصر. وقال: ﴿وَكَأَيِّنٍ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٍ مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ
أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣] وهي مكة، وما ذكر من المعنى غير سديد؛ لأنه يبطل بالبراري، ثم
لا بدّ من معرفة (٢) حد المصر الجامع، ومعرفة ما هو من توابعه.
أما المصر الجامع: فقد اختلفت الأقاويل في تحديده.
ذكر الكرخي أن المصر الجامع ما أُقيمت فيه الحدود، ونفذت فيه الأحكام.
وعن أبي يوسف روايات، ذكر في ((الإملاء)»: كل مصر فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام
ويقيم الحدود، فهو مصر جامع، تجب على أهله الجمعة.
وفي رواية: قال: إذا اجتمع في قرية من لا يسعهم مسجد واحد - بنى لهم [الإمام](٣)
جامعاً، ونصب لهم من يصلي بهم الجمعة.
وفي رواية: ((لو كان في القرية عشرة آلاف أو أكثر - أمرتهم بإقامة الجمعة فيها))، وقال
بعض أصحابنا: المصر الجامع ما يتعيش فيه كُلُّ محترف بحرفته من سنة إلى سنة، من غير أن
يحتاج إلى الانتقال إلى حرفة أخرى.
وعن أبي عبد الله البلخي؛ أنه قال: أحسن ما قيل فيه: إذا كانوا بحال لو اجتمعوا في
أكبر مساجدهم لم يسعهم ذلك، حتى احتاجوا إلى بناء مسجد الجمعة، فهذا مصر تقام فيه
الجمعة .
وقال سفيان الثوري: المصر الجامع ما يعده الناس مصراً عند ذكر الأمصار المطلقة.
وسئل أبو القاسم الصفار عن حد المصر الذي تجوز فيه الجمعة، فقال: أن تكون لهم
(١) تمد وتقصر: اسم لحصن لعبد القيس بالبحرين، وهو أول موضع جُمِعَت فيه الجمعة بعد المدينة. ينظر
مراصد الاطلاع ٣٥٣/١.
(٢) في هامش ب: بيان معرفة حد المصر الجامع.
(٣) سقط في ب.

١٩٠
كتاب الصلاة
منعة لو جاءهم عدو قدروا على دفعه؛ فحينئذ جاز أن يمصر، وتمصره أن ينصب [فيه](١)
حاكم عدل يجري فيه حكماً من الأحكام، وهو أن يتقدم إليه خصمان فيحكم بينهما. وروي
عن أبي حنيفة - رحمه الله -: أنه بلدة كبيرة، فيها سكك وأسواق، ولها رساتيق، وفيها وال
يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بحشمه وعلمه أو علم غيره، والناس يرجعون إليه في
الحوادث، وهو الأصح.
وأما تفسير (٢) توابع المصر: فقد اختلفوا فيها: (روي عن أبي يوسف أن المعتبر فيه
سماع النداء، إن كان موضعاً يسمع فيه النداء من المصر، فهو من توابع المصر، وإلا فلا.
وقال الشافعي: ((إذا كان في القرية أقل من أربعين - فعليهم دخول المصر، إذا سمعوا النداء»).
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: كل قرية متصلة بربض المصر، فهي من توابعه، وإن
لم تكن متصلة بالربض، فليست من توابع المصر.
وقال بعضهم: ما كان خارجاً عن عمران المصر، فليس من توابعه.
وقال بعضهم: المعتبر فيه قدر ميل، وهو [ثلاث فراسخ] (٣). وقال بعضهم: إن كان قدر
ميل أو ميلين - فهو من توابع المصر، وإلا فلا. وبعضهم قدره بستة أميال .
ومالك قدره بثلاثة أميال.
وعن أبي يوسف، أنها تجب في ثلاث فراسخ.
وعن الحسن البصري؛ أنها تجب في أربع فراسخ.
وقال بعضهم: إن أمكنه أن يحضر الجمعة، ويبيت بأهله من غير تكلف ـ تجب عليه
الجمعة؛ وإلا فلا؛ وهذا حسن. ويتصل بهذا إقامة (٤) الجمعة في أيام الموسم با(منى)).
قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: تجوز إقامة الجمعة بها، إذا كان المصلي بهم الجمعة هو
الخليفة، أو أمير العراق، أو أمير الحجاز، أو أمير مكة، سواء كانوا مقيمين أو مسافرين، أو
رجلاً مأذوناً من جهتهم.
ولو كان المصلي بهم الجمعة أمير الموسم، وهو الذي أمر بتسوية أمور الحجاج لا
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: بيان تفسير توابع المصر.
(٣) سقط في ب.
(٤) في هامش ب: يجوز إقامة الجمعة في منى في أيام الموسم.

١٩١
كتاب الصلاة
غير - لا يجوز، سواء كان مقيماً أو مسافراً، لأنه غير مأمور بإقامة الجمعة، إلا إذا كان مأذوناً
من جهة أمير العراق، أو أمير مكة.
وقيل: إن كان مقيماً يجوز، وإن كان مسافراً لا يجوز، والصحيح هو الأول.
وقال محمد: لا تجوز الجمعة بـ((منى))، وأجمعوا على أنه لا تجوز الجمعة بـ((عرفات))،
وإن أقامها أمير العراق أو الخليفة نفسه.
وقال بعض مشايخنا(١): إن الخلاف بين أصحابنا في هذا، بناء على أن ((منى)) من توابع
مکة عندهما .
وعند محمد: ليس من توابعها، وهذا غير سديد؛ لأن بينهما أربعة فراسخ، وهذا قول
بعض الناس في تقدير التوابع، فأما عندنا فبخلافه على ما مر.
والصحيح أن الخلاف فيه بناء على أن المصر الجامع شرط عندنا، إلا أن محمداً يقول:
إن ((منى)) ليس بمصر جامع، بل هو قرية؛ فلا تجوز الجمعة بها كما لا تجوز بـ((عرفات))،
وهما يقولان: إنها تتمصر في أيام الموسم؛ لأن لها بناء وينقل إليها الأسواق، ويحضرها وال
يقيم الحدود وينفذ الأحكام، فالتحق بسائر الأمصار بخلاف/ ((عرفات))؛ فإنها مفازة، فلا ١١٣٢
تتمصر باجتماع الناس وحضرة السلطان؛ وهل تجوز صلاة الجمعة خارج المصر منقطعاً عن
العمران أم لا؟
ذكر في ((الفتاوى)) رواية عن أبي يوسف: أن الإمام إذا خرج يوم الجمعة مقدار ميل أو
میلین، فحضرته الصلاة، فصلّی - جاز.
وقال بعضهم: لا تجوز الجمعة خارج المصر منقطعاً عن العمران.
وقال بعضهم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوز، وعلى قول محمد: لا يجوز؛
كما اختلفوا في الجمعة بـ((منى)).
وأما إقامة (٢) الجمعة في مصر واحد في موضعين: فقد ذكر الكرخي: إنه لا بأس بأن
يجمعوا في موضعين أو ثلاثة عند محمد، هكذا ذكر.
وعن أبي يوسف: روايتان، في رواية، قال: لا يجوز إلا إذا كان بين موضعي الإقامة
نهر عظيم، كدجلة أو نحوها، فيصير بمنزلة مِصْرَيْنٍ، وقيل: إنما تجوز على قوله، إذا كان لا
(١) في ب: أصحابنا.
(٢) في هامش ب: إقامة الجمعة في مصر في موضعين.

١٩٢
كتاب الصلاة
جسر على النهر، فأما إذا كان عليه جسر - فلا؛ لأن له حكم مصر واحد، وكان يأمر بقطع
الجسر يوم الجمعة حتى ينقطع الفصل(١).
وفي رواية: قال: يجوز في موضعين إذا كان المصر عظيماً، ولم يجز في الثلاث، وإن
كان بينهما نهر صغير - لا يجوز، فإن أدوها في موضعين فالجمعة لمن سبق منهما، وعلى
الآخرين أن يعيدوا الظهر، وإن أدوها معاً، أو كان لا يدري كيف كان - لا تجوز صلاتهم.
وروى محمد عن أبي حنيفة: إنه يجوز الجمع في موضعين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك.
وذكر محمد في ((نوادر الصلاة)) وقال: لو أن أميراً أمر إنساناً أن يصلي بالناس الجمعة في
المسجد الجامع، وانطلق هو إلى حاجة له، ثم دخل المصر في بعض المساجد وصلى
الجمعة - قال: تجزىء أهل المصر الجامع، ولا تجزئه إلا أن يكون أعلم الناس بذلك،
فيجوز، وهذا كجمعة في موضعين.
وقال أيضاً: لو خرج الإمام يوم الجمعة للاستسقاء يدعو، وخرج معه ناس كثير، وخلف
إنساناً يصلي بهم في المسجد الجامع، فلما حضرت الصلاة صلى بهم الجمعة في الجبانة،
وهي على قدر غلوة من مصره، وصلى خليفته في المصر في المسجد الجامع - قال: تجزئهما
جميعاً؛ فهذا يدل على أن الجمعة تجوز في موضعين في ظاهر الرواية، وعليه الاعتماد أنه
تجوز في موضعين، ولا تجوز في أكثر من ذلك. فإنه روي عن علي - رضي الله عنه -؛ أنه
كان يخرج إلى الجبانة في العيد، ويستخلف في المصر من يصلي بضعفة الناس(٢)، وذلك
بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم. ولما جاز هذا في صلاة العيد، فكذا في صلاة
الجمعة؛ لأنهما في اختصاصهما بالمصر سيان؛ ولأن الحرج يندفع عند كثرة الزحام بموضعين
غالباً، فلا يجوز أكثر من ذلك.
وما روي عن محمد من الإطلاق في ثلاث مواضع - محمول على موضع الحاجة
والضرورة.
وأما السلطان فَشَرْطُ أداء الجمعة عندنا؛ حتى لا يجوز إقامتها بدون حضرته، أو حضرة
نائبه .
وقال الشافعي: السلطان(٣) ليس بشرط؛ لأن هذه صلاة مكتوبة، فلا يشترط لإقامتها
السلطان كسائر الصلوات.
(١) في ب: الوصل.
(٢) قال النووي في ((المجموع)) (٨/٥): رواه الشافعي بإسناد صحيح.
(٣) في هامش ب: حضرة السلطات أو نائبه شرط أداء الجمعة.

١٩٣
كتاب الصلاة
ولنا: أن النبيَّ وََّ شَرَطَ الإِمَامَ؛ لإِلْحَاقِ الوَعِيدِ بِتَارِكِ الجُمُعَةِ؛ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الحَدِيث:
(وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ))، وروي عن النّبِيِّ نَّ أَنه قَالَ: ((أَرْبَعْ إِلَى الوَلاَةِ، وَعَدَّ مِنْ جُمْلَتِهَا
الجُمُعَةِ))(١)، ولأنه لو لم يشترط السلطان لأدى إلى الفتنة؛ لأن هذه صلاة تؤدى بجمع عظيم؛
والتقدُّم على جميع أهل المصر يعد من باب الشرف، وأسباب العلو والرفعة؛ فيتسارع إلى ذلك
كل من جبل على علو الهمة، والميل إلى الرئاسة، فيقع بينهم التجاذب والتنازع، وذلك يؤدي
إلى التقاتل والتَّقَالي؛ ففوض ذلك إلى الوالي؛ ليقوم به، أو ينصب من رآه أهلاً له، فيمتنع
غيره من الناس عن المنازعة؛ لما يرى من طاعة الوالي، أو خوفاً من عقوبته؛ ولأنه لو لم
يفوض إلى السلطان لا يخلو؛ إما أن تؤدي كل طائفة حضرت الجامع، فيؤدي إلى تفويت فائدة
الجمعة، وهي اجتماع الناس؛ لإحراز الفضيلة على الكمال. وأما ألا تؤدي إلا مرة واحدة،
فكانت الجمعة للأولين. وتفوت عن الباقين، فاقتضت الحكمة أن تكون إقامتها متوجهة إلى
السلطان؛ ليقيمها بنفسه، أو بنائبه عند حضور عامة أهل البلدة، مع مراعاة الوقت المستحب.
والله تعالى أعلم.
هذا إذا(٢) كان السلطان أو نائبه حاضراً؛ فأما إذا لم يكن إماماً بسبب الفتنة، أو بسبب
الموت، ولم يحضر وال آخر بعد حتى حضرت الجمعة.
ذكر الكرخي أنه لا بأس أن يجمع الناس على رجل حتى يصلي بهم الجمعة، وهكذا
روي عن محمد، ذكره في ((العيون))؛ لما روي عن عثمان - رضي الله عنه؛ أنه لما حوصر قدم
الناس علياً - رضي الله عنه - فصلى بهم الجمعة.
وروي في ((العيون)) عن أبي حنيفة في والي مصر مات، ولم يبلغ الخليفة موته حتى
حضرت الجمعة؛ فإن صلى بهم خليفة الميت، أو صاحب الشرط، أو القاضي - أجزأهم، وإن
قدم العامة رجلاً لم يجز؛ لأن هؤلاء قائمون مقام الأول في الصلاة حال حياته، فكذا بعد وفاته
ما لم يفوض الخليفة الولاية إلى غيره. /
وذكر في ((نوادر الصلاة)) أن السلطان(٣) إذا كان يخطب، فجاء سلطان آخر؛ إن أمره أن
يتم الخطبة يجوز، ويكون ذلك القدر خطبة، ويجوز له أن يصلي بهم الجمعة؛ لأنه خطب
بأمره، فصار نائباً عنه، وإن لم يأمره بالإتمام، ولكنه سكت حتى أتم الأول خطبته، فأراد الثاني
١٣٢ ب
(١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢٦/٣) وقال غريب.
وعزاه لابن أبي شيبة عن عبد الله بن محيريز موقوفاً .
(٢) في هامش ب: إذا لم يحضر السلطان أو نائبه الجمعة .
(٣) في هامش ب: سلطان يخطب فجاء سلطان آخر.
بدائع الصنائع ج٢ - م١٣

١٩٤
كتاب الصلاة
أن يصلي بتلك الخطبة - لا تجوز الجمعة، وله أن يصلي الظهر؛ لأن سكوته محتمل، يحتمل
أن يكون أمراً، ويحتمل ألا يكون أمراً، فلا يعتبر مع الاحتمال. وكذلك إذا حضر الثاني، وقد
فرغ الأول من خطبته، فصلى الثاني بتلك الخطبة - لا يجوز، لأنها خطبة إمام معزول، ولم
توجد الخطبة من الثاني، والخطبة شرط.
هذا كله إذا علم الأول بحضور الثاني، وإن لم يعلم فخطب وصلى، والثاني ساكت -
يجوز؛ لأنه لا يصير معزولاً إلا بالعلم كالوكيل، إلا إذا كتب إليه كتاب العزل، أو أرسل إليه
رسولاً، فصار معزولاً .
وأما العبد(١) إذا كان سلطاناً، فجمع بالناس، أو أمر غيره - جاز. وكذا إذا كان حرّاً
مسافراً. وهذا قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: شرط صحة الجمعة هو الإمام الذي هو حر مقيم، حتى إذا كان عبداً أو
مسافراً - لا تصح منه إقامة الجمعة.
وجه قول زفر: إنه لا جمعة على العبد والمسافر. قال النبي ◌َّرَ: «أَرْبَعَةٌ لاَ جُمُعَةَ
عَلَيْهِمْ: الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَة))(٢)، فلو جمع بالناس كان متطوعاً في أداء الجمعة،
واقتداء المفترض بالمتنفل - لا يجوز.
ولنا: ما روي عَنِ النَّبِيِّ نََّ أنّه صَلَّى الجُمُعَةَ بِالنَّاسِ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ مُسَافِراً حَتَّى
قَالَ لَهُمْ فِي صَلاَةِ الظُّهَرِ بَعْدَ مَا صَلَّىْ رَكْعَتَيْنٍ وَسَلَّمَّ: ((أَتَمُوا صَلاَتَّكُمْ يَا أَهْلَ مَكّةَ؛ فَإِنَّا قَوْمٌ
سَفْرٌ))، وعن النبيِ وَ أَنْه قال: ((أَطِيعُوا السُّلْطَانَ؛ وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٍّ أَجْدَعِ(٣))(٤)،
ولو لم يَصْلُخْ إِماماً لم تفترض طاعته؛ ولأنهما من أهل الوُجُوبِ، إلا أنه رُخْصَ لهما التخلف
عنها، والاشتغال بتسوية أسباب السفر، وخدمة المَوْلَى نَظَراً، فإذا حضر الجامع لم يسلك
طريقة الترخص، واختار العزيمة، فيعود حكم العزيمة، ويلتحق بالأحرار المقيمين؛ كالمسافر
إذا صام رمضان، فيصح الاقتداء به. وبه تبين أن هذا اقتداء المفترض بالمفترض؛ فيصح.
وأما المرأة والصبي العاقل - فلا يصح منهما إقامة الجمعة؛ لأنهما لا يصلحان للإمامة
(١) في هامش ب: العبد إذا كان سلطاناً أو كان حراً مسافراً فجمع بالناس يجوز.
(٢) تقدم.
(٣) في ب: أجذع.
(٤) أخرجه أبو داود ٢٠١/٤ كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٤٦٠٧) والترمذي في السنن (٤٤/٥) كتاب
العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (٢٦٧٦) وقال هذا حديث حسن صحيح، وابن
ماجه (١٦/١) في المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء والراشدين (٤٣) وأحمد في المسند (١٢٦/٤-١٢٧).

١٩٥
كتاب الصلاة
في سائر الصلوات، ففي الجمعة أولى، إلا أن المرأة إذا كانت سلطاناً، فأمرت رجلاً صالحاً
للإمامة حتى صلّى بهم الجمعة - جاز؛ لأن المرأة تصلح سلطاناً أو قاضياً في الجملة؛ فتصح
إمامتها. والله أعلم.
وأما الخطبة فالكلام في الخطبة في مواضع: في بيان كونها شرطاً لجواز الجمعة، وفي
بيان وقت الخطبة، وفي بيان كيفية الخطبة ومقدارها، وفي بيان ما هو المسنون في الخطبة،
وفي بيان محظورات الخطبة.
أما الأول: فالدليل على كونها شرطاً قولُه تعالى: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩]،
والخطبة ذكر الله، فتدخل(١) في الأمر بالسعي لها، من حيث هي ذكراً لله، أو المراد من الذكر
الخطبة. [وقد](٢) أمر بالسعي إلى الخطبة، فدل على وجوبها، وكونها شرطاً لانعقاد الجمعة.
وعن عمر، وعائشة - رضي الله عنهما؛ أنهما قالا: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة.
أخبرا أن شطر الصلاة سقط؛ لأجل الخطبة، وشطر الصلاة كان فرضاً فلا يسقط إلا لتحصيل
ما هو فرض؛ ولأن ترك الظهر بالجمعة عرف بالنص، والنص ورد بهذه الهيئة، وهي وجوب
الخطبة .
ثم هي وإن كانت قائمة مقام ركعتين شرط، وليست بركن؛ لأن صلاة الجمعة لا تقام
بالخطبة، فلم تكن من أركانها، وأما وقت الخطبة فوقت الجمعة وهو وقت الظهر، لكن قبل
صلاة الجمعة؛ لما ذكرنا أنها شرط الجمعة، وشرط الشيء يكون سابقاً عليه، وهكذا فعلها
رسولُ اللهِ وَّر، ووقت الخطبة بـ((عرفة)) قبل الصلاة أيضاً، لكنها سنت لتعليم المناسك.
وأما الخطبة في العيدين فوقتها بعد الصلاة، وهي سنة لما نذكر، إن شاء الله تعالى. وأما
كيفية الخطبة ومقدارها؛ فقد قال أبو حنيفة - رحمه الله -: أن الشرط أن يذكر الله تعالى على
قصد الخطبة. كذا نقل عنه في ((الأمالي)) مفسراً، قل الذكر أم كثر، حتى لو سبح أو هلل أو
حمد الله تعالى على قصد الخطبة - أجزأه.
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرط أن يأتي بكلام يسمى خطبة في العرف. وقال
الشافعي: الشرط أن يأتي بخطبتين بينهما جلسة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله
وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وهذا ذكر مجمل، ففسره النبي - وَّل - بفعله، وتبين أن الله تعالى أمر
بخطبتين، ولهما: أن المشروط هو الخطبة، والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد
(١) زاد في أ: الخطبة.
(٢) سقط في أ.

١٩٦
كتاب الصلاة
الله والثناء عليه، والصلاة على رسوله - وَل ـ والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم،
فينصرف المطلق إلى المتعارف. ولأبي حنيفة طريقان:
أحدهما: أن الواجب هو مطلق ذكر الله؛ لقوله: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩]
وذكر الله تعالى معلوم لا جهالة فيه، فلم يكن مجملاً؛ لأنه تطاوع العمل من غير بيان يقترن
به، فتقییده بذکر یسمى خطبة، أو بذكر طويل - لا يجوز إلا بدليل.
والثاني: أن يقيد ذكر الله تعالى بما يسمى خطبة، لكن اسم الخطبة في حقيقة اللغة يقع
على ما قلنا؛ فإنه روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه لما استخلف خطب في أول جمعة،
فلما قال: الحمد لله ارتج عليه، فقال: أنتم إلى إمام فَعَّالٍ أحوج منكم إلى إمام قوال، وأن أبا
بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالاً، وستأتيكم الخطب من بعد، وأستغفر الله لي ولكم،
ونزل، وصلى بهم الجمعة، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار، وصلوا خلفه وما
أنكروا عليه صنيعه، مع أنهم كانوا موصوفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكان هذا
إجماعاً من الصحابة - رضي الله عنهم.
على أن الشرط هو مطلق ذكر الله تعالى، ومطلق ذكر الله تعالى مما ينطلق عليه اسم
الخطبة لغة، وإن كان لا ينطلق عليه عرفاً.
وتبين بهذا أن الواجب هو الذكر لغة وعرفاً، وقد وجد أو ذكر هو خطبة لغة، وإن لم
يسم خطبة في العرف وقد أتي به؛ وهذا لأن العرف إنما يعتبر في معاملات الناس، فيكون
دلالة على غرضهم؛ وأما في أمر بين العبد وبين ربه، فيعتبر فيه حقيقة اللفظ لغة وقد وجد.
على أن هذا القدر من الكلام يسمى خطبة في المتعارف.
ألا ترى إلى ما روي عن النبي بَّر، أنه قال للذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد،
ومن عصاهما فقد غوى: بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ(١)؛ سماه خطيباً بهذا القدر من الكلام.
وأما سنن الخطبة. فمنها أن يخطب خطبتين على ما روي عن الحسن بن زياد عن أبي
حنيفة، أنه قال: ينبغي أن يخطب خطبة خفيفة، يفتتح فيها بحمد الله تعالى ويثني عليه،
ويتشهد، ويصلي على النبي - و8َّ * - ويعظ ويذكر، ويقرأ سورة، ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم
يقوم فيخطب خطبة أخرى، يحمد الله تعالى ويثني عليه [ويتشهد] (٢) ويصلي على النبي - وَّر -
ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويكون قدر الخطبة قدر سورة من طوال المفصل؛ لما روي عن
جابر بن سمرة، أن رسول الله وَله: ((كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِماً، يَجْلِسُ فِيمَا بَيْنَهُمَا جِلْسَةً
خَفِيفَةً، وَيَتْلُو آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ)»(٣).
(١) تقدم.
(٢) سقط في ب، ط.
(٣) أخرجه مسلم (٥٨٩/٢) كتاب الجمعة باب ذكر الخطبة قبل الصلاة حديث (٨٦٢/٣٤).
١١٣٣

١٩٧
كتاب الصلاة
وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يستحب أن يقرأ الخطيب في
خطبته: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ مُخْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] ثم القعدة بين الخطبتين
سنة عندنا، وكذا القراءة في الخطبة. وعند الشافعي شرط.
والصحيح مذهبنا، لأن الله تعالى أمر بالذكر مطلقاً عن قيد القعدة والقراءة، فلا تجعل
شرطاً بخبر الواحد، لأنه يصير ناسخاً لحكم الكتاب، وأنه لا يصلح ناسخاً له. ولكن يصلح
مكملاً له، فقلنا: إن قدر ما ثبت بالكتاب يكون فرضاً. وما ثبت بخبر الواحد يكون سنة،
عملاً بهما بقدر الإمكان.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما، أنه كان يخطب خطبةً واحدة. فلما ثقل، أي: أسن
جعلها خطبتين وقعد بينهما؛ فهذا دليل على أن القعدة للاستراحة، لا أنه شرط لازم.
ومنها: الطهارة في حالة الخطبة فهي سنة عندنا، وليست بشرط. حتى أن الإمام إذا
خطب وهو جنب أو محدث؛ فإنه يعتبر شرطاً لجواز الجمعة .
وعند أبي يوسف: لا يجوز، وهو قول الشافعي؛ لأن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة لما
ذكرنا من الأثر؛ ولهذا لا تجوز في غير وقت الصلاة، فيشترط لها الطهارة؛ كما تشترط
للصلاة.
ولنا: أنه ليس في ((ظاهر الرواية)) (١) شرط الطهارة، ولأنها من باب الذكر، والمحدث
والجنب لا يمنعان من ذكر الله تعالى، والاعتبار بالصلاة غير سديد.
ألا ترى أنها تؤدي مستدبر القبلة، ولا يفسدها الكلام بخلاف الصلاة، ثم لم يذكر إعادة
الخطبة ههنا، وذكر في أذان الجنب أنه يعاد، والفرق أن الأذان تحلى بحلية الصلاة، وهي
استقبال القبلة، بخلاف الخطبة، فكان الخلل المتمكن في الأذان أشد، وكثير النقص مستحق
الرفع دون قليله؛ كما يجبر نقص ترك الواجب بسجدتي السهو دون ترك السنن، ويحتمل أن
تكون الإعادة مستحبة في الموضعين. كذا ذكر في ((نوادر أبي يوسف))؛ أنه يعيدها، وإن لم
يعدها جاز؛ لأنه ليس من شرطها استقبال القبلة. هكذا ذكر.
أشار إلى أنها ليست نظير الصلاة، فلا تشترط لها الطهارة، إلا أنها سنة، لأن السنة هي
الوصل بين الخطبة والصلاة، ولا يتمكن من إقامة هذه السنة إلا بالطهارة، ومنها: أن يخطب
قائماً، فالقيام سنة وليس بشرط، حتى لو خطب قاعداً يجوز عندنا؛ لظاهر النص. وكذا روي
عن عثمان - رضي الله عنه - أنه كان يخطب/ قاعداً حين كبر وأسن، ولم ينكر عليه أحد من ١٣٣ب
الصحابة، إلا أنه مسنون في حال الاختيار؛ لأن النبي ◌َّ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً (٢).
(١) في أ: الآية.
(٢) تقدم.

١٩٨
كتاب الصلاة
وروي أن رجلاً سأل ابن مسعود - رضي الله عنه -: (أكان)(١) رسولُ الله وَ لَهِ يخطب قائماً أو
قاعداً؟ فقال: ألست تقرأ قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾(٢) [الجمعة: ١١] ومنها: أن يستقبل القوم
بوجهه، ويستدبر القبلة؛ لأن النبي - ◌َّ- [هَكَذَا كَانَ يَخْطُبُ](٣)، وكذا السنة في حق القوم أن
يستقبلوه بوجوههم؛ لأن الإسماع والاستماع واجب للخطبة، وذا لا يتكامل إلا بالمقابلة.
وروي عن أبي حنيفة: أنه كان لا يستقبل الإمام بوجهه حتى يفرغ المؤذن من الأذان،
فإذا أخذ الإمام في الخطبة انحرف بوجهه إليه.
ومنها: ألا يطول الخطبة، لأن النبي ◌َّهِ أَمَرَ بِتَقْصِيرِ الخُطَبِ(٤).
وعن عمر - رضي الله عنه، أنه قال: ((طولوا الصلاة وقصروا الخطبة)).
وقال ابن مسعود: طول الصلاة وقصر الخطبة من فقه(٥) الرجل، أي: [أن] (٦) هذا مما
يستدل به على فقه الرجل.
وأما محظورات الخطبة فمنها: أنه يكره الكلام حالة الخطبة، وكذا قراءة القرآن، وكذا
الصلاة .
وقال الشافعي: إذا دخل الجامع والإمام في الخطبة - ينبغي أن يصلي ركعتين
خفيفتين تحية المسجد؛ احتجَّ الشافعي بما رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - رَضِيَ الله عَنْهُ -
أنه قال: ((دَخَلَ سُلَيْكُ الغَطَفَانِيُّ(٧) يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ وَّهُ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: أَصَلَّيْتَ؟
(١) في أ: كان.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٥٢/١) كتاب الصلاة باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة حديث (١١٠٨) وقال في
الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٣) في أ: يخطب هكذا.
(٤) له شاهد مرفوع وهو قصر خطبة الرجل مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة.
أخرجه مسلم (٥٩٤/٢) كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة حديث (٨٦٩/٤٧) وأحمد (٤/
٢٦٣) والدارمي (٣٦٥/١) كتاب الصلاة: باب في قصر الخطب وابن خزيمة (١٧٨٢) من طريق عبد
الرحمن بن عبد الملك بن أبجر عن أبيه عن واصل بن حيان عن عمار به.
(٥) في أ: سنة.
(٦) سقط في أ.
(٧) سليك بن عمرو: أو ابن هُذْبة، الغطفاني.
ووقع ذكره في الصحيح من حديث جابر أنه دخل يوم الجمعة والنبي وَّ يخطب، فقال: ((أصليت»؟ وهو في
البخاري مُبْهَم. ورواه أحمد والدار قطني من طريق أبي سفيان، عن جابر، فقال عن السليك قال: قال النبي ◌َّر.
الإصابة (١٣٨/٣) (٣٤٤٣).

١٩٩
كتاب الصلاة
قَالَ: لاَ، قَالَ: ((فَصَلٌ رَكْعَتَيْنٍ)) (١) فقد أمره بتحية المسجد حالة الخطبة.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] والصلاة تفوت الاستماع
والإنصات، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السنة، والحديث منسوخ. كان ذلك قبل وجود
الاستماع. ونزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] دل
عليه ما روي عن (ابن عمر - رضي الله عنهما)(٢): (أَن النَّبِيَّ ◌ََّ أَمَرَ سُلَيْكاً أَنْ يَرْكَعَ
رَكْعَتَيْنٍ))(٣) ثم نهى الناس أن يصلوا والإمام يخطب، فصار منسوخاً (أو)(٤) كان سليك
مخصوصاً بذلك، والله أعلم.
(١) أخرجه البخاري (٤٩/٣): كتاب التهجّد: باب التطوّع مثنى، الحديث (١١٦٦)، ومسلم (٥٩٧/٢):
كتاب الجمعة: باب التحية والإمام يخطب، الحديث (٥٩،٥٧) والدارمي (٣٦٤/١): كتاب الصلاة:
باب من دخل المسجد والإمام يخطب.
وأخرجه مسلم (٥٩٧/٢): كتاب الجمعة: باب التحية والإمام يخطب، الحديث (٥٩)، من طريق
الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله وَل
يخطب، فجلس، فقال له: يا سليك: قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم، يوم
الجمعة؛ والامام يخطب، فلیرکع ركعتين؛ ولیتجوز فيهما.
وأخرجه أحمد (٢٩٧/٣)، وأبو داود (٦٦٧/١): كتاب الصلاة: باب إذا دخل الرجل، والإمام يخطب،
الحديث (١١١٧)، من وجه ثالث، من رواية طلحة الإسكاف، أنه سمع جابر بن عبد الله بمثله.
وأما اللفظ الثاني:
أخرجه أحمد (٣٦٩/٣)، والبخاري (٤٠٧/٢): كتاب الجمعة: باب إذا جاء الرجل والإمام يخطب،
الحديث (٩٣٠)، ومسلم (٥٩٦/٢): كتاب الجمعة: باب التحية والإمام يخطب، الحديث (٨٧٥/٥٤)،
وأبو داود (٦٦٧/١): كتاب الصلاة باب إذا دخل الرجل والإمام يخطب، (١١١٥)، والترمذي (٢/
٣٨٤): كتاب الجمعة: باب إذا جاء الرجل والإمام يخطب، الحديث (٥١٠)، والنسائي (١٠١/٣):
كتاب الجمعة: الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام، وابن ماجه (٣٥٣/١): كتاب إقامة
الصلاة: باب فيمن دخل المسجد والإمام يخطب، الحديث (١١١٢)؛ من طرق عن عمرو بن دينار، عن
جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل يوم الجمعة، ورسول الله يخطب على المنبر، فقال: صلّيت، قال:
لا ، قال: قم فصلّ ركعتين.
وأخرجه أحمد (٢٥/٣)، والترمذي (٣٨٥/٢): كتاب الجمعة: باب الركعتين إذا جاء الرجل، والإمام
يخطب، الحديث (٥١١)، والنسائي (١٠٦/٣): كتاب الجمعة: باب حث الإمام على الصدقة، وابن
ماجه (١/ ٣٥٣): كتاب إقامة الصلاة: باب فيمن دخل المسجد والإمام يخطب، الحديث (١١١٣)، من
حديث أبي سعيد الخدري.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) في أ: عن عمر رضي الله عنه.
(٣) يشطر: الحديث السابق.
(٤) في أ: إذ.

٢٠٠
كتاب الصلاة
وكذا كل ما شغل عن سماع الخطبة من التسبيح والتهليل، والكتابة ونحوها. بل يجب
عليه أن يستمع ويسكت.
وأصله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَأَسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قيل: نزلت
الآية في (شأن)(١) الخطبة. أمر بالاستماع والإنصات، ومطلقِ الأمر للوجوب؛ وَرُوِيَ عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ [قَالَ](٢) لِصَاحِبِهِ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ -: (([أَنْصِتْ](٣)، لَقَدْ لَغَا؛ وَمَنْ لَغَا
فَلاَّ صَلاَةَ لَهُ))(٤)، ثم ما ذكرنا من وجوب الاستماع والسكوت في حق القريب من الخطيب،
فأما البعيد منه إذا لم يسمع الخطبة كيف يصنع؟ اختلف المشايخ فيه .
قال محمد بن سلمة البلخي: الإنصات له أولى من قراءة القرآن.
وهكذا روى المعلى عن أبي يوسف، وهو اختيار الشيخ [الإمام](٥) أبي بكر محمد بن
الفضل البخاري.
(١) في أ: بيان.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في أ.
(٤) أخرجه مالك (١٠٣/١) كتاب الجمعة: باب الإنصات يوم الجمعة حديث (٦) ومسلم (٥٨٣/٢) كتاب
الجمعة: باب الإنصات يوم الجمعة حديث (٥٨١/١١) والشافعي (١٣٧/١) كتاب الصلاة: باب في
صلاة الجمعة حديث (٤٠٤، ٤٠٥) وأبو داود (١ / ٦٦٥) كتاب الصلاة: باب الكلام والإمام يخطب
حديث (١١١٢) والدارمي (٣٦٤/١) كتاب الصلاة: باب الاستماع يوم الجمعة للخطبة، والنسائي (٣)
١٤) كتاب الجمعة: باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة وأحمد (٢٤٤/٢، ٢٨٥) والحميدي (٤٢٨/٢)
رقم (٩٦٦) وابن الجارود في ((المنتقى رقم (٢٩٩) وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٥٤/٣) والبيهقي (٣/
٢١٨) كتاب الجمعة: باب الإنصات للخطبة والبغوي في ((شرح السنة)) (٢/ ٥٨١ - بتحقيقنا) كلهم من
طريق ابن الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله وَ الر قال: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام
يخطب يوم الجمعة فقد لغوت.
وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة.
وأخرجه البخاري (٢١٤/٢) كتاب الجمعة: باب الإنصات يوم الجمعة حديث (٣٩٤) ومسلم (٥٨٣/٢)
كتاب الجمعة باب الإنصات يوم الجمعة، والنسائي (١٠٤/٣) كتاب الجمعة: باب الإنصات للخطبة يوم
الجمعة، والترمذي (٨٧/٢) كتاب الجمعة: باب الكلام والإمام يخطب حديث (٥١٢) وابن ماجه (١/
٣٥٢) كتاب الصلاة: باب الاستماع للخطبة حديث (١١١٠) والدارمي (٣٦٤/١) كتاب الصلاة: باب
الاستماع يوم الجمعة للخطبة، وابن خزيمة (١٥٣/٣) وعبد الرزاق (٢٢٢/٣) رقم (٥٤١٤) وأحمد (٢/
٢٧٢، ٢٨٠) وأبو يعلى (٢٢٥/١٠) رقم (٥٨٤٦) والبيهقي (٢١٨/٣) كتاب الجمعة: باب الإنصات
للخطبة، كلهم من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٥) سقط في أ.