Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الصلاة
يمينهما، ومن على يسارهما، واثنان من خلفهما بحذائهما، والثلاث يفسدن صلاة خمسة نفر:
من كان على يمينهن، ومن كان على شمالهن، وثلاثة خلفهن بحذائهن. وفي رواية: الثنتان
تفسدان صلاة رجلين عن يمينهما ويسارهما، وصلاة رجلين رجلين إلى آخر الصفوف،
والثلاث يفسدن صلاة رجل عن يمينهن، ورجل عن يسارهن، وصلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر
الصفوف، ولا خلاف في أنهن إذا كن صفاً تاماً فسدت صلاة الصفوف التي خلفهن، وإن كانوا
عشرين صفاً.
وجه الرواية الأولى، لأبي يوسف: أن فساد الصلاة ليس لمكان الحيلولة؛ لأن الحيلولة
إنما تقع بالصف التام من النساء بالحديث ولم توجد؛ وإنما يثبت الفساد بالمحاذاة ولم توجد
المحاذاة إلا بهذا القدر.
وجه الرواية الثانية له: أن للمثنى حكم الثلاث؛ بدليل أن الإمام يتقدم الاثنين، ويصطفان
خلفه كالثلاثة، ثم حكم الثلاثة هذا، فكذا حكم الاثنين، وجه المروي عن محمد: أن المرأتين
لا تحاذيان إلا أربعة نفر؛ فلا تفسدان صلاة غيرهم، وفي الصف التام القياس هكذا: أن تفسد
صلاة صف واحد خلفهن لا غير؛ لانعدام محاذاتهن لمن وراء هذا الصف الواحد، إلا أنا
استحسنا فحكمنا بفساد صلاة الصفوف أجمع؛ لحديث عمر - رضي الله عنه - موقوفاً ومرفوعاً
إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ أنه قَالَ: ((مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ نَهْرٌ أَوْ طَرِيقٌ أَوْ صَفِّ مِنَ النِّسَاءِ، فَلاَ
صَلاَةَ لهُ)) جعل صف النساء حائلاً كالنهر والطريق، ففي حق الصف الذي يليهن من خلفهن؛
وجد ترك التأخير منهم والحيلولة بينهم وبين الإمام بهن، وفي حق الصفوف الأخر، وجدت
الحيلولة لا غير، وكل واحد من المعنيين بانفراده علة كاملة للفساد، ثم الثنتان ليستا بجمع
حقيقة، فلا يلحقان بالصف من النساء التي هي اسم جمع؛ فانعدمت الحيلولة فيتعلق الفساد
بالمحاذاة لا غير، والمحاذاة لم توجد إلا بهذا القدر، فأما الثلاث منهن فجمع حقيقة، فألحقن
بصف كامل في حق من صرن حائلات بينه وبين الإمام، ففسدت صلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر
الصفوف، وفسدت صلاة واحد عن يمينهن، وواحد عن يسارهن؛ لأن هناك الفساد بالمحاذاة
لا بالحيلولة، ولم توجد المحاذاة إلا بهذا القدر. والله أعلم.
ولو وقفت بحذاء الإمام فأتمت به، وقد نوى الإمام إمامتها - فسدت صلاة الإمام والقوم
كلهم، أما صلاة الإمام؛ فلوجود المحاذاة في صلاة مطلقة مشتركة، وأما صلاة القوم؛ فلفساد
صلاة الإمام، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: لا يصح اقتداؤها؛ لأن المحاذاة قارنت
شروعها في الصلاة، ولو طرأت كانت مفسدة، فإذا اقترنت منعت من صحة اقتدائها به .
وهذا غير سديد؛ لأن المحاذاة إنما تؤثر في فساد صلاة مشتركة، ولا تقع الشركة إلا بعد
شروعها في صلاة الإمام، فلم يكن المفسد مقارناً للشروع فلا يمنع من الشروع.

١٤٢
كتاب الصلاة
وإن كانت بحذاء الإمام، ولم تأتم به لم تفسد صلاة الإمام؛ لانعدام المشاركة، وكذا إذا
١٢٢أ قامت أمام الإمام/ فأتمت به؛ لأن اقتداءها لم يصح فلم تقع المشاركة، وكذا [إذا](١) قامت
إلى جنبه ونوت فرضاً آخر، بأن كان الإمام في الظهر، ونوت هي العصر فأتمت به، ثم
حاذته - لم تفسد على الإمام صلاته. وهذا على رواية باب الحدث؛ لأنها لم تصر شارعة في
الصلاة أصلاً؛ فلم تتحقق المشاركة .
فأما على رواية باب الأذان: تفسد صلاة الإمام؛ لأنها صارت شارعة في أصل الصلاة،
فوجدت المحاذاة في صلاة مشتركة، ففسدت صلاته، وفسدت صلاتها بفساد صلاة الإمام،
وعليها قضاء التطوع؛ لحصول الفساد بعد صحة شروعها، كما إذا كان الإمام في الظهر وقد
نوى إمامتها فأتمت به تنوي التطوع؛ ثم قامت بجنبه تفسد صلاته وصلاتها، وعليها قضاء
التطوع؛ فكذا هذا، وقد مرت الْمَسْأَلَّةُ من قبل وبعض مشايخنا قالوا: الجواب ما ذكر في ((باب
الأذان)).
وتأويل ما ذكر في باب الحدث: أن الرجل لم ينوِ إمامتها في صلاة العصر؛ فتجعل هي
في الاقتداء به بنية العصر؛ بمنزلة ما لم ينو إمامتها أصلاً، فلهذا لا تصير شارعة في صلاته
تطوعاً، ولو قام (٢) رجل وامرأة يقضيان ما سبقهما الإمام لم تفسد صلاته، ولو كانا أدركا أول
الصلاة، وكانا ناما أو أحدثا - فسدت صلاته؛ لأن المسبوقين فيما يقضيان، كل واحد منهما
في حكم المنفرد.
ألا ترى أن القراءة فرض على المسبوق؟ ولو سها يلزمه سجود السهو، فلم يشتركا في
صلاة؛ فلا تكون المحاذاة مفسدة صلاته، فأما المدركان: فهما كأنهما خلف الإمام بعد؛
بدليل سقوط القراءة عنهما، وانعدام وجوب سجدتي السهو عند وجود السهو، كأنهما خلف
الإمام حقيقة، فوقعت المشاركة؛ فوجدت المحاذاة في صلاة مشتركة؛ فتوجب فساد صلاته،
والله أعلم، ومرور (٣) المرأة والحمار والكلب بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة عند عامة
العلماء .
وقال أصحاب الظواهر: يقطع؛ واحتجُّوا بما روى أبو ذَرِّ عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((يَقْطَعُ
الصَّلاَةَ مُرُورُ المَرْأَةِ وَالْحِمَارِ وَالْكَلْبِ))، وفي بعض الروايات: ((وَالْكَلْبِ الأَسْوَدِ) فَقِيلَ لِأَّبِي ذَرُّ :
وَمَا بَالُ الأَسْوَدِ مِنْ غَيْرِهِ؟! فَقَالَ: أَشْكَلَ عَلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ، فَسَأَلْتُ رَسُولُ اللهِوَ عَنْ
(١) في ط: إلى.
(٢) في هامش ب: قام رجل وامرأة يقضيان ما سبقهما.
(٣) في هامش ب: مرور المرأة والحمار والكلب بين يدي المصلّي.

١٤٣
كتاب الصلاة
ذُلِكَ، فَقَالَ: (الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ)(١).
ولنا: ما روي(٢) عن أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((لاَ يَقْطَعُ
الصَّلاَةَ مُرُورُ شَيْءٍ، وَادْرَؤُوا مَا أَسْتَطَعْتُمْ))(٣) .
(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٦٥): كتاب الصلاة: باب قدر ما يستر المصلي، الحديث (٢٦٥/ ٥١٠)، وأبو داود
(٣٢٩/١): كتاب الصلاة: باب ما يقطع الصلاة، والترمذي (٢١٢/١): كتاب الصلاة: باب لا يقطع
الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة، الحديث (٣٣٧)، والنسائي (٦٣/٢): كتاب القبلة: باب ما يقطع
الصلاة، وابن ماجة (٣٠٦/١): كتاب إقامة الصلاة: باب ما يقطع الصلاة: الحديث (٩٥٢)، وأحمد
(١٥١/٥)، والدارمي (٣٢٩/١): كتاب الصلاة: باب ما يقطع الصلاة، والبيهقي (٢٧٤/٢): كتاب
الصلاة: باب ما يقطع الصلاة، وابن خزيمة (١١/٢) رقم (٨٠٦)، من طريق عبد الله بن الصامت عنه
قال: قال رسول الله وَ﴾: إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخره الرَّخل، فإذا لم
يكن بين يديه مثل آخره الرحل فإنه يقطع صلاته المرأة، والحمار، والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر ما
بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله وَ لّ كما
سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان.
وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعاً: يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب ويقي من ذلك مثل مؤخر
الرحل.
وأخرجه مسلم (٣٦٥/١): كتاب الصلاة باب قدر ما يستر المصلي، الحديث (٥١١/٢٦٦)، وابن ماجة
(٣٠٥/١): كتاب إقامة الصلاة: باب ما يقطع الصلاة، الحديث (٩٥٠)، وأحمد (٤٢٥/٢)، والبيهقي
(٢٧٤/٢): كتاب الصلاة باب ما يقطع الصلاة.
(٢) في ب: روینا.
(٣) أخرجه البخاري (٤٩١/١) كتاب الصلاة: باب الصلاة على الفراش حديث (٣٨٢) ومسلم (١/ ٣٦٧)
كتاب الصلاة: باب الاعتراض بين يدي المصلي حديث (٥١٢/٢٧٢) ومالك في ((الموطأ)) (١/ ١١٧)
كتاب صلاة الليل باب ما جاء في صلاة الليل حديث (٢) وأبو داود (١/ ٢٤٧) كتاب الصلاة: باب من
قال المرأة لا تقطع الصلاة حديث (٧١٣، ٧١٤) والنسائي (١٠٢/١) كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء
من مس الرجل امرأته من غير شهوة، من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت كنت أنام بين
يدي النبي ◌َّ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتها والبيوت يومئذ ليس
فيها مصابيح.
وأخرجه النسائي (١٠١/١ - ١٠٢) كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير
شهوة، من طريق القاسم عن عائشة قالت: ((إن كان رسول الله وّ ليل يصلي وأنا معترضة بين يديه اعتراض
الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله)).
وورد بلفظ آخر.
أخرجه مسلم (٣٥٢/١) كتاب الصلاة: باب ما يقال في الركوع والسجود حديث (٤٨٦/٢٢٢) والترمذي
(٥٢٤/٥) كتاب الدعوات: باب (٧٦) حديث (٣٤٩٣) والبيهقي (١٢٧/١) كتاب الطهارة: باب ما جاء
في «الملموس، من طريق أبي هريرة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت
يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان يقول ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك =

١٤٤
كتاب الصلاة
وأما الحديث الذي رووا فقد ردته عائشة - رضي الله عنها - فإنها قالت لعروة (١): يا
عروة، ما يقول أهل العراق؟ قال: يقولون: يقطع الصلاة مرور المرأة والحمار والكلب،
فقالت: يا أهل العراق والنفاق والشقاق، بئسما قرنتمونا بالكلاب والحمر، كان رسول الله ولهم
يصلي بالليل وأنا نائمة بين يديه معترضة كاعتراض الجنازة. وقد ورد في المرأة نص خاص؛
وكذا في الحمار والكلب.
رُوِيَ عنِ رَسُولِ اللهِّهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتٍ أُمِّ سَلَمَّةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - فَأَرَادَ أَبْنُهَا
عُمَرُ(٢) أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ قِفْ، فَوَقَفَ، ثُمَّ أَرَادَتْ زَيْنَبُ(٣) بِنْتُهَا أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وللحديث عن
=
عائشة طريق آخر.
أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير)) (١/ ١٧١) من طريق فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد الأنصاري
عن عمرة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله وَّ ذات ليلة من فراشه فقلت: إنه قام إلى جاريته مارية
فقمت ألتمس الجدار فوجدته قائماً يصلي فأدخلت يدي في شعره لأنظر اغتسل أم لا فلما انصرف قال :
أخذك شيطانك يا عائشة؟ قلت: ولي شيطان؟ قال: نعم ولجميع بني آدم قلت: ولك شيطان؟ قال: نعم
ولكن الله أعانني عليه فأسلم)).
قال الطبراني: لم يروه عن يحيى بن سعيد إلا فرج بن فضالة.
وذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١٢١/١) وقال: فرج بن فضالة ضعيف ... وقد رواه جعفر بن عون
ووهيب ويزيد بن هارون وغير واحد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عائشة ومحمد
لم يسمع من عائشة قاله أبو حاتم ا. هـ.
قال العلائي في ((جامع التحصيل)) ص (٢٦١): قال أبو حاتم: لم يسمع من جابر ولا من أبي سعيد ولا
من عائشة .
(١) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، روى
عن أبيه وأمه وكثير من الصحابة. قال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدِّلاء. كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن
ولد سنة ٢٩ هـ. ومات وهو صائم سنة ٩٢ هـ. وقيل غير ذلك.
ينظر الخلاصة ٢٢٦/٢ (٤٨٢٦) ابن سعد ١٣٢/٥ - ١٣٥ والحلية ١٧٦/٢ - ١٨٣، الوفيات ٢٥٥/٣ -
٢٥٨.
(٢) عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي. صحابي له اثنا عشر حديثاً، اتفقا على
حديثين. وعنه: ابنه محمد وعُزوة. ولد بالحبشة ومات سنة ثلاث وثمانين.
ينظر: الكاشف ٣١٢، تاريخ البخاري الكبير ١٣٩، الجرح والتعديل ٦٣٢/٦، أسد الغابة ١٨٣/٤،
تجريد أسماء الصحابة ٢٩٨/١، سير الأعلام ٤٠٦/٣، طبقات ابن سعد ٢٩٧/٣، خلاصة تهذيب
الكمال ٢٧١/٢.
(٣) هي: زينب بنت أبي سلمة (عبد الله) بن عبد الأسد بن عمرو بن مخزوم ... القرشية، المخزومية.
ربيبة رسول الله الله .
قال ابن الأثير: كان اسمها برّة فسماها رسول الله، زينب، ونقل مثل هذا عن زينب بنت جحش. ولدتها =

١٤٥
كتاب الصلاة
فَأَشَارَ إِلَيْهَا أَنْ قِفِي، فَلَمْ تَقِفْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ صَلاَتِهِ، قَالَ: ((إِنَّهُنَّ أَغْلَبُ)(١) .
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ((زُرْتُ رَسُولَ اللهِ وَ مَعَ أَخِ الفَضْلِ
عَلَى حِمَارٍ فِي بَادِيَةٍ، فَزَلْنَا فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي فَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَالْحِمَارُ يَرْتَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ)) .
وَفِي بَعْض الرواياتِ: ((وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ يَمُرَّانِ بَيْنَ يَدَيْه))(٢) ولو دفع المار بالتسبيح أو
بالإشارة، أو أخذ طرف [من](٣) ثوبه من غير مشي ولا علاج - لا تفسد صلاته؛ لقوله وَل:
((فادرؤوا ما استطعتم))، وقوله: ((إِذَا نَابَتْ أَحَدُكُمْ نَائِبَةٌ فِي الصَّلاَةِ فَلْيُسَبْخِ؛ فَإِنَّ الَّسْبِيحَ
لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ)).
وذكر في ((كتاب الصلاة)): إذا مرت الجارية بين يدي المصلي، فقال: سبحان الله، وأومأ
بيده ليصرفها - لم تقطع صلاته، وأحب إلَيَّ أَلاَّ يفعل.
منهم من قال: معناه: أي: لا يجمع بين التسبيح والإشارة باليد؛ لأَن بإحداهما كفاية.
ومنهم من قال: أي: لا يفعل شيئاً من ذلك.
وتأويل قول النبي ◌َّر أنه كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحاً.
ومنها: الموت (٤) في الصلاة والجنون والإغماء فيها.
أما الموت: فظاهر، لأنه معجز عن المضي فيها.
وأما الجنون والإغماء؛ فلأنهما ينقضان الطهارة؛ ويمنعان البناء؛ لما بينا فيما تقدم أن
اعتراضهما في الصلاة نادر؛ فلا يلحقان بمورد النص والإجماع في(٥) جواز البناء وهو الحدث
السابق، وسواء كان منفرداً أو مقتدياً أو إماماً، حتى يستقبل القوم صلاتهم عندنا.
أمها بأرض الحبشة وقدمت لها معها وضعتها أمها بعد قتل أبي سلمة فخلت فخطبها النبي فتزوجها.
=
ينظر ترجمتها في: أسد الغابة (١٣١٧)، الإصابة (٩٦/٨)، الثقات (١٤٥/٣)، تجريد أسماء الصحابة
(٢/ ٢٧٢)، تقريب التهذيب (٦٠٠/٢)، تهذيب التهذيب (٤٢١/١٢)، الاستيعاب (١٨٥٤/٤)، أعلام
النساء (٦٧/٢)، تاريخ جرجان (٣٦٧)، الكاشف (٤٧١/٣)، تاريخ الثقات (٣٠٩٨)، التاريخ الصغير
(١٢/١) ١٤٠.
(١) أخرجه ابن ماجة (١/ ٣٠٥) كتاب الصلاة: باب ما يقطع الصلاة حديث (٩٤٨) وأحمد (٢٩٤/٦) وابن
أبي شيبة (٢٨٣/١).
(٢) تقدم.
(٣) سقط في ط .
(٤) في هامش ب: الموت في الصلاة الجنون والإغماء.
(٥) في ب: في جواز البناء.
بدائع الصنائع ج٢ - م١٠

١٤٦
كتاب الصلاة
وعند الشافعي: يقوم القوم فيصلون وحداناً، كما إذا أحدث الإمَامُ.
ومنها: العمل(١) الكثير الذي ليس من أعمال الصلاة في الصلاة من غير ضرورة، فأما
القليل فغير مفسد، واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير.
١٢٢ب
قال/ بعضهم: الكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليل: ما لا يحتاج فيه إلى
ذلك، حتى قالوا: إذا زر قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حل أزراره لا تفسد. وقال
بعضهم: كل عمل لو نظر الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة - فهو كثير، وكل
عمل لو نظر إليه ناظر؛ ربما يشتبه عليه أنه في الصلاة فهو قليل؛ وهو الأصح(٢)، وعلى هذا
الأصل: يخرج ما إذا قاتل في صلاته في غير حالة الخوف؛ أنه تفسد صلاته؛ لأنه عمل كثير
ليس من أعمال الصلاة؛ لما بينا. وكذا إذا أخذ قوساً ورمى بها فسدت صلاته؛ لأن أخذ
القوس، وتثقيف السهم عليه، ومده حتى يرمي - عمل كثير.
ألا ترى أنه يحتاج فيه إلى استعمال اليدين؟! وكذا الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في
غير الصلاة، وبعض أهل الأدب عابوا على محمد - رحمه الله - في هذا اللفظ، وهو قوله:
ورمى بها، فقالوا: الرمي بالقوس القاؤها من يده، وإنما يقال في الرمي بالسهم: رمى عنها لا
رمى بها. والجواب عن هذا: أن غرض محمد تعليم العامة؛ وقد وجد هذا اللفظ معروفاً في
لسانهم؛ فاستعمله ليكون أقرب إلى فهمهم، فلذلك ذكره، والله أعلم، وكذا لو أدهن، أو
سرح رأسه، أو حملت امرأة صبيها وأرضعته؛ لوجود حد العمل الكثير على العبارتين، فأما
حمل الصبي بدون الإرضاع فلا يوجب فساد الصلاة؛ لما روي أن النبي ◌َّو كان يصلي في
بيته، وقد حمل أمامة بنت أبي العاص(٣) على عاتقه؛ فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام
رفعها(٤)، ثم هذا الصنيع لم يكره منه وَلر؛ لأنه كان محتاجاً إلى ذلك؛ لعدم من يحفظها، أو
لبيانه الشرع بالفعل أن هذا غير موجب فساد الصلاة، ومثل هذا في زماننا أيضاً، لا يكره لواحد
منا، لو فعل ذلك عند الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروه.
ولو صلّى وفي فيه شيء يمسكه إن كان لا يمنعه من القراءة، ولكن يخل بها، كدرهم أو
(١) في هامش ب: العمل في الصلاة.
(٢) في ب: وهذا الأصح.
(٣) أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمية، وهي من زينب
بنت رسول الله ◌َلچر. قال الزبير في كتاب ((النسبة)): كانت زينب تحت أبي العاص، فولدت له أمامة،
وعلياً .
ينظر الإصابة ٢٤/٨، نسب قريش ١٥٨، والوافي بالوفيات ٩/ ٣٧٧.
(٤) تقدم.

١٤٧
كتاب الصلاة
دينار أو لؤلؤة - لا تفسد صلاته؛ لأنه لا يفوت شيء من الركن، ولكن يكره؛ لأنه يوجب
الإخلال بالركن؛ حتى لو كان لا يخل به لا يكره، وإن كان يمنعه من القراءة فسدت صلاته؛
لأنه يفوت الركن، وإن كان في فيه سكرة لا تجوز صلاته؛ لأنه أكل.
وكذلك إن كان في كفه متاع يمسكه جازت صلاته؛ غير أنه إن كان يمنعه عن الأخذ
بالركب في الركوع أو الاعتماد على الراحتين عند السجود، يكره؛ لمنعه عن تحصيل السنة،
وإلا فلا .
ولو رمى طائراً بحجر لا تفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل، ويكره؛ لأنه ليس من أعمال
الصلاة، ولو أكل(١) أو شرب في الصلاة فسدت صلاته؛ لوجود العمل الكثير، وسواء كان
عامداً أو ساهياً، فرق بين الصلاة والصوم، حيث كان الأكل والشرب في الصوم ناسياً غير
مفسد إياه .
والفرق: أن القياس ألاَّ يفصل في باب الصوم بين العمد والسهو أيضاً؛ لوجود ضد
الصوم في الحالين؛ وهو ترك الكف، إلا أنا عرفنا ذلك بالنص؛ والصلاة ليست في معناه؛ لأن
الصائم كثيراً ما يبتلي به في حالة الصوم، فلو حكمنا بالفساد يؤدي إلى الحرج؛ بخلاف
الصلاة؛ لأن الأكل والشرب في الصلاة ساهياً نادر غاية الندرة؛ فلم يكن في معنى مورد
النص - فيعمل فيها بالقياس المحض؛ وهو أنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة.
ألا ترى أنه لو نظر الناظر إليه لا يشك أنه في غير الصلاة؟ ولو مضغ العلك في الصلاة
فسدت صلاته؛ كذا ذكره محمد - رحمه الله -؛ لأن الناظر إليه من بعد لا يشك أنه في غير
الصلاة، وبهذا تبين: أن الصحيح من التحديد هو العبارة الثانية؛ حيث حكمنا بفساد الصلاة من
غير الحاجة إلى استعمال اليد رأساً، فضلاً عن استعمال اليدين، ولو بقي (٢) بين أسنانه شيء
فابتلعه إن كان دون الحمصة لم يضره؛ لأن ذلك القدر في حكم التبع لريقه؛ لقلته: ولأنه لا
يمكن التحرز عنه؛ لأنه يبقى بين الأسنان عادة، فلو جعل مفسداً لوقع الناس في الحرج، ولهذا
لا يفسد الصوم به، وإن كان قدر الحمصة فصاعداً فسدت صلاته.
ولو قلس(٣) أقل من ملىء فيه، ثم رجع فدخل جوفه وهو لا يملكه ـ لا تفسد صلاته؛
لأن ذلك بمنزلة ريقه، ولهذا لا ينقض وضوءه؛ وكذا المتهجد بالليل قد يبتلي به خصوصاً في
ليالي رمضان، عند امتلاء الطعام عند الفطر، فلو جعل مفسداً لأدى إلى الحرج.
(١) في هامش ب: الأكل في الصلاة والشرب.
(٢) في هامش ب: بقي شيئاً بين أسنانه فابتلعه.
(٣) القلس: القَيْءُ.
في هامش ب: قلس أقل من ملء فيه فابتلعه.

١٤٨
كتاب الصلاة
وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها، لقول النبي وَطّر: ((اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ وَلَوْ كُنْتُمْ
فِي الصَّلاَةِ))(١).
وروي أن عقرباً لَدَغَ رَسُولَ اللهِ وَفِي صَلاَتِهِ فَوَضَعَ عَلَيْهِ نَعْلَهُ وَغَمَزَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ
صَلاَتِهِ، قَالَ: ((لَعَنَ الله الْعَقْرَبَ؛ لاَ تُبَالِي نَبِيّاً وَلاَ غَيْرَهُ)) أَوْ قَالَ: ((مُصَلِّياً وَلاَ غَيْرَهُ)(٢) وبه تبين أنه لا
يكره أيضاً؛ لأنه وسير ما كان ليفعل المكروه؛ خصوصاً في الصلاة، ولأنه يحتاج إليه لدفع الأذى؛
فكان موضع الضرورة، هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما نعل رسول الله وَّ في العقرب.
وأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فسدت صلاته، كما إذا قاتل في صلاته؛ لأنه عمل/
كثير ليس من أعمال الصلاة.
١١٢٣
وذكر الشيخ الإمام الزاهد الإسلام السرخسي: أن الأظهر أنه لا تفسد صلاته؛ لأن هذا
عمل رخص فيه للمصلي، فأشبه المشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ. هذا الذي
ذكرنا: من العمل الكثير الذي ليس من أعمال الصلاة إذا عملها المصلي في الصلاة من غير
ضرورة، فأما في حالة الضرورة: فإنه لا يفسد الصلاة كما في حالة الخوف، والله أعلم.
فضل
في صلاة الخوف
والكلام(٣) في صلاة الخوف في مواضع: في بيان شرعيتها بعد رسول الله وَّ وفي بيان
قدرها، وفي بيان كيفيتها، وفي بيان شرائط جوازها.
أما الأول: فصلاة الخوف مشروعة بعد رسول الله وَّر في قول أبي حنيفة، ومحمد،
وهو قول أبي يوسف الأول (٤).
وقال الحسن بن زياد: لا تجوز. وهو قول أبي يوسف الآخر.
واحتجا بقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾
[النساء: ١٠٢] الآية جوز صلاة الخوف؛ بشرط كون الرسول وَّل فيهم، فإذا خرج من الدنيا
انعدمت الشرطية، ولأن الجواز حال حياته ثبت مع المنافي؛ لما فيها من أعمال كثيرة ليست
من الصلاة، وهي الذهاب والمجيء، ولا بقاء للشيء مع ما ينافيه إلاّ أن الشرع أسقط اعتبار
المنافي حال حياة النبي ◌َّ لحاجة الناس إلى استدراك فضيلة الصلاة خلفه، وهذا المعنى
منعدم في زماننا، فوجب اعتبار المنافي، فيصلي كل طائفة بإمام على حدة.
(١) تقدم.
(٢) أخرجه ابن ماجة (٣٩٥/١) كتاب الصلاة: باب ما جاء في قتل الحية والعقرب (١٢٤٦).
(٣) في هامش ب: الكلام في صلاة الخوف.
(٤) في ب: الآخر.

١٤٩
كتاب الصلاة
ولأبي حنيفة ومحمد: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على جوازها، فإنه روي عن
علي - رضي الله عنه -: أنه صلى صلاة الخوف.
وروي عن أبي موسى الأشعري: أنه صلّى صلاة الخوف بـ((أصبهان)) وسعيد بن العاص
كان يحارب المجوس بـ((طبرستان)) ومعه جماعة من الصحابة، منهم: الحسن، وحذيفة،
وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - فقال: أيكم شهد صلاة رسول الله وَليه؟
فقال حذيفة: أنا. فقام وصلّى بهم صلاة الخوف على نحو ما يقوله؛ فانعقد إجماع الصحابة
على الجواز، وبه تبين أن ما ذكرا من المعنى غير سديد؛ لخروجه عن(١) معارضة الإجماع،
مع أن ذلك ترك الواجب، وهو ترك المشي في الصلاة لإحراز الفضيلة، وذا لا يجوز على أن
الحاجة إلى استدراك الفضيلة قائمة، لأن كل طائفة يحتاجون إلى الصلاة خلف أفضلهم، وإلى
إحراز فضيلة تكثير الجماعة، ولأن الأصل في الشرع أن يكون عامّاً في الأوقات كلها، إلا إذا
قام دليل التخصيص(٢)، وإحراز الفضيلة لا يصلح مخصصاً لما بينا. وأما الآية: فليس فيها أنه
إذا لم يكن الرسول فيهم لا تجوز؛ فكان تعليقاً بالسكوت وأنه غير صحيح.
(١) في ب: على.
(٢) عرف الإمام أبو الحسين الخاص: بأنه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه.
وذهب سيف الدين الآمدي إلى أن المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة، إنما هو الخصوص، وذلك
على مذهب أرباب العموم.
أما على مذهب أرباب الاشتراك، فهو المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص.
ويرى أكثر الشافعية أن الخاص: هو قصر العام على بعض مسمياته مطلقاً.
وذهبت الحنفية إلى أنه قصر العام على بعض مسمياته بكلام مستقل موصول.
ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٢٤٠/٣، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٢٥٨/٢، وسلاسل
الذهب للزركشي ص (٢١٩)، والتمهيد للأسنوي ص (٣٦٨)، ونهاية السول له (٣٧٤/٢)، وزوائد
الأصول له ص (٢٤٨)، ومنهاج العقول للبدخشي: ١٠٤/٢، والتحصيل من المحصول للأرموي: ١/
٣٦٦، والمستصفى للغزالي: ٣٢/٢، وحاشية البناني: ٢/٢، والإبهاج لابن السبكي: ١١٩/٢،
والآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٢/٣، وحاشية العطار على جمع الجوامع: ٣١/٢، والمعتمد لأبي
الحسين: ١٨٩/١، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص (٢٦١)، والإحكام في أصول
الأحكام لابن حزم: ٣٧٩/٣، والتحرير لابن الهمام ص (١٠١)، وميزان الأصول للسمرقندي: ١/
٤٣٥، وكشف الأسرار للنسفي: ٢٦/١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ١٢٩/٢،
وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: ٣٤/١، وحاشية نسمات الأسحار
لابن عابدين ص (١٦)، والوجيز للكراماستي ص (١٠)، والموافقات للشاطبي: ٢٦٠/٣، وتقريب
الوصول لابن جُزَيِّ ص (٧٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني ص (١٤١)، ونشر البنود للشنقيطي: ١/
٢٢٦، وفواتح الرحموت لابن نظام الدين الأنصاري: ٣٠٠/٢، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص
(٣٨٧)، وينظر: كشف الأسرار: ٣٠/١، والحدود للباجي (٤٤)، والمغني (٩٣)، والمدخل (٢٤٧).

١٥٠
كتاب الصلاة
فضل
في مقدار صلاة الخوف
وأما مقدارها (١): فيصلي الإمام بهم ركعتين إن كانوا مسافرين، أو كانت الصلاة من
ذوات ركعتين كالفجر، وإن كانوا مقيمين والصلاة من ذوات الأربع أو الثلاث - صلّى بهم أربعاً
أو ثلاثاً، ولا ينتقض عدد الركعات بسبب الخوف عندنا، وهو قول عامة الصحابة، وكان ابن
عباس - رضي الله عنه - يقول: صلاة المقيم أربع ركعات، وصلاة المسافر ركعتان، وصلاة
الخوف ركعة واحدة، وبه أخذ بعض العلماء، واحتج بما روي أن النبي وَلَوَ صَلَّى صَلاَةَ
الخَوْفِ فِي غَزْوَةٍ ذَاتِ الرِّقَاعِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، فَكَانَتْ لَهُ رَكْعَتَانٍ وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً)(٢).
ولنا: ما روى ابن مسعود، وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - صلاة رسول الله الية
على نحو ما قلنا (٣)، وهكذا فعل الصحابة بعده؛ فيكون إجماعاً منهم، وما نقل عن ابن عباس
- رضي الله عنه - فتأويله أنها ركعة مع الإمام، وعندنا: يصلي الإمام بكل طائفة ركعة واحدة
إذا كانوا مسافرين، وهو تأويل الحديث.
فصل
في کیفیتها
وأما كيفيتها(٤): فقد اختلف العلماء فيها اختلافاً فاحشاً، لاختلاف الأخبار في الباب.
قال علماؤنا: يجعل الإمام الناس طائفتين، طائفة بإزاء العدو ويفتتح الصلاة بطائفة،
فيصلي بهم ركعة إن كان مسافراً، أو كانت الصلاة صلاة الفجر، وركعتين إن كان مقيماً
والصلاة من ذوات الأربع، وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية
الصلاة، فينصرفون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الأولى، فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة،
وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تجيء الطائفة الثانية، فيقضون بقية صلاتهم بقراءة.
وقال مالك: يجعل الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو، ويفتتح الصلاة بطائفة فيصلي بهم
ركعة، ثم يقوم الإمام ويمكث قائماً، فتتم هذه الطائفة صلاتهم ويسلمون، وينصرفون إلى وجه
١٢٣ ب العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية، ويسلم الإمام ولا يسلمون/ بل
(١) في هامش ب: بيان مقدار صلاة الخوف.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم
(٤) في هامش ب: بيان كيفيتها .

١٥١
كتاب الصلاة
يقومون؛ فيتمون صلاتهم، وهو قول الشافعي، إلا أنه يقول: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة
الثانية صلاتهم، ثم يسلم الإمام ويسلمون معه.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ◌َّر - لما صلّى بالطائفة الأولى ركعة
انتظرهم حتى أتموا صلاتهم وذهبوا إلى العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فبدأوا بالركعة الأولى
والنبي - وَّر - ينتظرهم، ثم صلّى بهم الركعة الثانية، ولم يأخذ به أحد من العلماء.
وروي شاذاً أن النبي - وَ الرّ - صلّى بكل طائفة ركعتين، فكانت له أربع ركعات، ولكل
طائفة ركعتين(١)، احتج الشافعي بما روى سهل بن أبي خيثمة: أن النبي - وَّ - صلَّى صَلاَةَ
الخَوْفِ(٢) على نحو ما قلنا.
ولنا: ما روى ابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي وَلَّ صَلَّاهَا على نَحْوِ
ما قلنا .
وروينا عن حذيفة أنه أقام صلاة الخوف بطبرستان بجماعة من الصحابة على نحو ما
قلنا، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً، وبه تبين أن الأخذ بما روينا عن رسول الله وَل أولى؛
ولأن الرواية عن هؤلاء لم تتعارض. والرواية عن سهل بن أبي خيثمة(٣) متعارضة، فإن
بعضهم روي عنه مثل مذهبنا، فكان الأخذ بروايتهم أولى، مع أن فيما رواه الشافعي ما يدل
على كونه منسوخاً؛ لأن فيه أن الطائفة الثانية يقضون ما سبقوا به قبل فراغ الإمام، ثم يسلمون
منه، وهذا كان في الابتداء أن المسبوق يبدأ بقضاءِ ما فاته، ثم يتابع الإمام، ثم نسخ؛ ولهذا لم
يأخذ أحد من العلماء برواية أبي هريرة، وما روي في الشاذ(٤) غير مقبول؛ لأن في حق الطائفة
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) هو: سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارث بن الحرث بن عمرو بن
مالك بن الأوس اختلف في اسم أبيه فقيل: عبد الله. وقيل عبيد الله الأوسي الأنصاري. ولد سنة ثلاث
من الهجرة، حدث عن النبي بأحاديث، وحدث عن زيد بن ثابت ومحمد بن سلمة. روى عنه: ابنه
محمد وابن أخيه محمد بن سليمان بن أبي حثمة، وبشر بن يسار وصالح بن خوَّات بن جبير ونافع من
جبير وعروة وغيرهم. قال الواقدي. قبض النبي وهو ابن ثماني سنين، ولكنه حفظ عنه. توفي أول أيام
معاوية .
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٤٦٨/٢)، الإصابة (١٣٨/٣)، الثقات (١٦٩/٣)، الاستيعاب (٦٦١/١)،
تجريد أسماء الصحابة (٢٤٣/١)، الرياض المستطابة (١١٠)، التاريخ الكبير (٩٧/٤)، التحفة اللطيفة
(٢٠٠)، الوافي بالوفيات (٨/١٦)، إسعاف المبطأ (١٩٤).
(٤) في اللغة اسم فاعل من شذ.
وفي الاصطلاح: هو ما رواه العدل الضابط مخالفاً لأرجح منه بحيث يتعذر الجمع ولا ناسخ.
=

١٥٢
كتاب الصلاة
الثانية، يكون اقتداء المفترض بالمتنفل، وذا لا يصحُّ عندنا، إلا أن يكون مؤولاً، وتأويله أنه
كان مقيماً، فصلّى بكل طائفة ركعتين، وقضت كل طائفة ركعتين، وهو المذهب.
وعندنا: أنه يصلي بكل طائفة شَطْرَ الصَّلاَة، والله أعلم.
هذا إذا لم يكن العدو بإزاء القبلة، فإن(١) كان العدو بإزاء القبلة، فالأفضل عندنا أن
يجعل الناس طائفتين، فيصلّي بكل طائفة شطر الصلاة على النحو الذي ذكرنا، وإن صلّى بهم
جملة جاز، وهو أن يجعل الناس صفين، ويفتتح الصلاة بهم جميعاً، فإذا ركع الإمام ركع
الكل معه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعوا جميعاً، وإذا سجد الإمام سجد معه الصف الأول،
والصف الثاني قيام يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الصفَّ الثاني، والصف الأول قعود
يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الإمام السجدة الثانية وسجد معه الصف الأول، والصف
الثاني قعود يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم [سجد الصف الثاني، والصف الأول قيامٌ
يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم](٢) تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني فيصلي بهم
الركعة الثانية بهذه الصفة أيضاً، فإذا قعد وسلم سلموا معه.
وعند الشافعي، وابن أبي ليلى: لا تجوز إلا بهذه الصفة.
واحتجا(٣) بما روي عن النبي - وَل ـ أنه صلّى صلاة الخوف هكذا بعسفان عند استقبال
العدو القبلة(٤)، ولأنه ليس في هذه الصلاة بهذه الصفة ذهاباً ومجيئاً واستدبار القبلة، وأنها
أفعال منافية للصلاة في الأصل، فيجب اعتبارها ما أمكن، ونحن نقول: كل ذلك جائز.
وقوله (بحيث يتعذر الجمع) خرج به ما إذا أمكن الجمع، لأنه لا يكون أحدهما شاذاً، بل يكون كل منها
صحيحاً أو حسناً.
وهذا عند من يقدم الجمع على الترجيح كالشافعي ومالك.
أما من يقدم الترجيح على الجمع فمذهبه (ولو أمكن الجمع) وهو أبو حنيفة وأتباعه، قال في مسلم الثبوت
(وحكم بالنسخ إن علم المتقدم والمتأخر، وإلا يعلم المتقدم منهما فالترجيح إن أمكن، ويعمل بالراجح،
لأن ترك الراجح خلاف المعقول والإجماع، وإلا فالجمع بقدر الإمكان للضرورة، وإن لم يمكن الجمع
تساقطاً، لأن العمل بأحدهما على التعيين ترجيح من غير مرجح، والتخيير مما لا وجه له ا. هـ.
ينظر غيث المستغيث ص (٩٣ - ٩٤).
(١) في هامش ب: إذا كان الحدود بإزاء القبلة يجعل الناس طائفتين
(٢) سقط في أ، ط.
(٣) في ب: واحتجوا.
(٤) تقدم.

١٥٣
كتاب الصلاة
والأفضل أن يصلي على نحو ما يصلي [أن](١) لو كان العدو مستدبر القبلة، لأنه موافق
لظاهر الآية، قال الله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وقال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ
أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] أمر بجعل الناس طائفتين، ولأن الحراسة بهذا(٢)
الوجه أبلغ؛ لأن الطائفة الثانية لم يكونوا يشاركونهم في الصلاة في الركعة الأولى، فكانوا أقدر
على الحراسة؛ ولأن فيما قالا يخالف كل صف إمامهم في سجدة، ومخالفة الإمام منهية لا
تجوز بحال من الأحوال، بخلاف المشي واستدبار القبلة؛ فإن ذلك جائز بحال، فإن من سبقه
الحدث يستدبر القبلة ويمشي عندنا.
وعند الشافعي: المتطوع على الدابة يصلي أينما توجهت الدابة، والله أعلم.
ثم لا شك أن الطائفة الأولى لا يقرؤون في الركعة الثانية؛ لأنهم أدركوا أول الصلاة،
وعجزوا عن الإتمام لمعنى من المعاني، فصار كالنائم، ومن سبقه الحدث فذهب وتوضأ
وجاء. ولا شك أيضاً أن الطائفة الثانية يقرؤون؛ لأنهم مسبوقون، فيقضون بقراءة هذا الذي
ذكرنا في ذوات الأربع أو ذوات ركعتين.
وأما في المغرب(٣): فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية الركعة الثالثة، وقال سفيان
الثوري: يصلي بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين.
وقال الشافعي : هو بالخيار.
وجه قول سفيان: إن فرض القراءة في الركعتين الأوليين، فينبغي أن يكون لكل طائفة في
ذلك خطأ، وذلك فيما قلنا، والشافعي يقول: مراعاة التنصيف غير ممكن، فإن شاء صلى
بهؤلاء ركعتين، وإن شاء صلّى بأولئك.
ولنا: أن التنصيف [واجب] (٤)، وقد تعذر ههنا، وكان تفويت التنصيف على الطائفة
الثانية - أولى؛ لأنه لا تفويت قصداً، بل حكماً لإيفاء حق الطائفة/ الأولى؛ لأنه يجب على ١١٢٤
الإمام أن يصلي بهم ركعة ونصفاً، لتتحقق المعادلة في القسمة، فشرع في الركعة الثانية قضاء
لحقهم؛ إلا أنها لا تتجزأ؛ فيجب عليه (٥) إتمامها.
فأما لو صلّى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين - فقد فوت التنصيف على الطائفة
(١) سقط في ب.
(٢) في ب: لذلك.
(٣) في هامش ب: بيان صلاة المغرب.
(٤) سقط في ب.
(٥) في ب: عليهم.

١٥٤
كتاب الصلاة
الأولى قصداً، لا حكماً لإيفاء حقهم؛ لأنه لم يشتغل بعد بإيفاء حق الثانية، ومعلوم أن تفويت
الحق [حكماً] (١) دون تفويته قصداً؛ لذلك كان الأمر على ما وصفنا، والله تعالى أعلم.
ثم الطائفة الأولى تقضي الركعة الثانية بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون، والطائفة الثانية يصلون
الركعتين الأوليين بغير قراءة، ويقعدون بينهما وبعدهما؛ كما يفعل المسبوق بركعتين في
المغرب. والله أعلم.
فضل
في شرائط الجواز
وأما شرائط(٢) الجواز؛ فمنها ألاَّ يقاتل في الصلاة، فإن قاتل [في الصلاة](٣) فسدت
صلاته عندنا .
وقال مالك: لا تفسد، وهو قولُ الشافعي في القديم.
واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أباح لهم أخذ السلاح، فيباح
القتال؛ ولأن أخذ السلاح لا يكون إلا للقتال به؛ ولأنه سقط اعتبار المشي في الصلاة؛ فيسقط
اعتبار القتال.
ولنا: أن النبيَّ ◌َّ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقَضَاهُنَّ بَعْدَ هُويٍّ مِنَ اللَّيْلِ،
وَقَالَ: ((شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَىْ؛ مَلَأَ الله قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ نَاراً) (٤)، فلو جازت الصلاة مع
القتال - لما أخّرها رسول الله وَّ ولأن إدخال عمل كثير ليس من أعمال الصلاة في الصلاة -
مفسد في الأصل، فلا يترك هذا الأصل إلا في مورد النص، والنص ورد في المشي لا في
القتال مع أن مورد النص بقاء الصلاة مع المشي لا الأداء، والأداء فوق البقاء، فأنى يصح
الاستدلال، بخلاف أخذ السلاح؛ لأنه عمل قليل؛ ولأن النص ورد بالجواز معه. والله أعلم.
ومنها: أن ينصرف(٥) ماشياً، ولا يركب عند انصرافه إلى وجه العدو، ولو ركب فسدت
صلاته عندنا، سواء كان انصرافه من القبلة إلى العدو، أو من العدو إلى القبلة؛ لأن الركوب
عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه بخلاف المشي؛ فإنه أمر لا بدّ منه حتى يصطفوا بإزاء
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: بيان شرائط الجواز.
(٣) سقط في ب.
(٤) تقدم.
(٥) في هامش ب: الشروط أن ينصرف ماشياً ولا يركب عند انصرافه.

١٥٥
كتاب الصلاة
العدو، وكذا أخذ السلاح أمر لا بدّ منه؛ لإرهاب العدو والاستعداد للدفع؛ ولأنهم لو غفلوا
عن أسلحتهم يميلون عليهم، على ما نطق به الكتاب.
والأصل أن الإتيان بعمل كثير ليس من أعمال الصلاة فيها؛ لأجل الضرورة، فيختص
بمحل الضرورة، ولو كان الخوف أشد، ولا يمكنهم (١) النزول عن دوابهم - صلوا ركباناً
بالإيماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] ثم إن قدروا على استقبال
القبلة يلزمهم الاستقبال، وإلا فلا. بخلاف التطوع إذا صلاها على الدابة حيث لا يلزمه
الاستقبال، وإن قدر عليه، لأن حالة الفرض أضيق؛ ألا ترى أنه يجوز الإيماء في التطوع مع
القدرة على النزول، ولا يجوز ذلك في الفرض، ويصلون وحداناً، ولا يصلون جماعة ركباناً
في ((ظاهر الرواية)).
وقد روي عن محمد - رحمه الله - أنه جوز لهم في الخوف أن يصلوا ركباناً بجماعة
[وقال: أستحسن ذلك؛ لينالوا فضيلة الصلاة بالجماعة](٢) وقد جوزنا لهم ما هو أعظم من
ذلك، وهو الذهاب والمجيء لإحراز فضيلة الجماعة.
وجه ((ظاهر الرواية)): أن بينهم وبين الإمام طريق، فيمنع ذلك صحة الاقتداء على ما بينا
فيما تقدم، إلا أن يكون الرجل مع الإمام على دابة واحدة، فيصح اقتداؤه به لعدم المانع،
والاعتبار بالمشي غير سديد؛ لأن ذلك أمر لا بدّ منه، فسقط اعتباره للضرورة ولا ضرورة ههنا.
ولو صلّى (٣) راكباً والدابة سائرة، فإن كان مطلوباً فلا بأس به؛ لأن السير فعل الدابة في
الحقيقة، وإنما يضاف إليه من حيث المعنى لتسييره، فإذا جاء العذر انقطعت الإضافة إليه،
بخلاف ما إذا صلّى ماشياً أو سابحاً، حيث لا يجوز، لأن ذلك فعله حقيقة، فلا يتحمل إلا إذا
كان في معنى مورد النص، وليس ذلك في معناه على ما مر، وإن كان الراكب طالباً فلا يجوز؛
لأنه لا خوف في حقه فيمكنه النزول؛ وكذلك الراجل إذا لم يقدر على الركوع والسجود يؤمىء
إيماء لمكان العذر کالمريض.
ومنها: أن يكون في حال معاينة العدو، حتى لو صلوا صلاة الخوف ولم يعاينوا (٤)
العدو - جاز للإمام ولم يجز للقوم إذا صلوا بصفة الذهاب والمجيء، [وكذا لو رأوا سواداً
ظنوه عدواً، فإذا هو إبل: لا يجوز عندنا.
(١) في هامش ب: إذا لم يمكنهم النزول عن دوابهم صلُوا ركباناً بالإيماء.
(٢) سقط في ب.
(٣) في هامش ب: صلّى راكباً والدابة تسير.
(٤) في هامش ب: من شروط أن يكون في حالة معاينة العدو.

١٥٦
كتاب الصلاة
وعند الشافعي: تجوز صلاة الكل.
وجه قوله: إن صلاة الخوف شُرعت عند الخوف، وقد صلوا عند الخوف؛ فتجزئهم.
ولنا: أن شرط الجواز الخوف من العدو، قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ولم يوجد الشرط، إلا أن صلاة الإمام مقضية بالجواز؛ لانعدام الذهاب
والمجيء] منه (١)، بخلاف القوم؛ فلا يتحمل ذلك إلا لضرورة الخوف من العدو [ولم تتحقق،
ثم الخوف من سبع يعاينوه كالخوف من العدو] (٢)؛ لأن الجواز بحكم العذر وقد تحقق، والله
أعلم.
فضل
في حكم فساد هذه الصلوات
١٢٤ ب
وأما حكم(٣) هذه الصلوات: إذا فسدت/ أو فاتت عن أوقاتها، أو فات شيء من هذه
الصلوات عن الجماعة، أو عن محله الأصلى، ثم تذكره فى آخر تلك الصلاة - أما إذا فسدت
يجب إعادتها ما دام الوقت باقياً؛ لأنها إذا فسدت التحقت بالعدم، فبقي وجوب الأداء في
الذمة، فيجب تفريقها عنه بالأداء.
وأما إذا فاتت صلاة منها عن وقتها؛ بأن نام عنها أو نسيها، ثم تذكرها بعد خروج
الوقت، أو اشتغل عنها حتى خرج الوقت - يجب عليه قضاؤها.
والكلام في القضاء يقع في مواضع: في بيان أصل وجوب القضاء بعد خروج الوقت.
وفي بيان شرائط الوجوب. وفي بيان شرائط الجواز.
وفي بيان كيفية القضاء.
أما الأول: فالدليلُ عليه قولُ النَّبِيِّ وَّ: ((مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَهَا
أَوِ اسْتَنْقَظَ؛ فَإِنَّ ذُلِكَ وَقْتُهَا)). وفي بعض الروايات: ((لا وَقْتَ لَهَا إِلَّ ذَلِكَ))(٤) وقوله وَّ: ((مَا
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ب.
(٣) في هامش ب: حكم هذه الصلوات إذا فسدت أو فاتت عن أوقاتها .
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٩/٣)، والبخاري (٢/ ٧٠): كتاب مواقيت الصلاة: باب من نسي صلاة، الحديث
(٥٩٧)، ومسلم (٤٧٧/١): كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، الحديث (٦٨٤/٣١٤)،
والترمذي (٣٣٦/٣٣٥/١): كتاب الصلاة: باب ما جاء في الرجل ينسى، الحديث (١٧٨)، وابن ماجة =

١٥٧
كتاب الصلاة
أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَقْضُوا))(١)، ولأن الأصل في العبادات المؤقتة إذا فاتت عن وقتها
أنها تقضى إذا استجمع شرائط وجوب القضاء وأمكن قضاؤها؛ لأن وجوبها في الوقت؛ لمعان
هي قائمة بعد خروج الوقت؛ وهي خدمة الرب تعالى وتعظيمه، وقضاء حق العبودية، وشكر
النعمة، وتكفير الزلل والخطايا التي تجري على يد العَبْدِ بين الوقتين وأمكن قضاؤها؛ لأن من
جنسها مشروع خارج الوقت من حيث الأصل حَقّاً لَهُ، فيقضي به ما عليه والله أعلم.
وأما شرائط(٢) الوجوب، فمنها أهلية الوجوب؛ إذ الإيجاب على غير الأهل تكليف ما
ليس في الوسع .
ومنها: فوات الصلاة عن وقتها؛ لأن قضاء الفائت ولا فائت محال.
ومنها: أن يكون من جنسها مشروعاً له في وقت القضاء؛ إذ القضاء صرف ما له إلى ما
عليه؛ لأن ما عليه يقع عن نفسه، فلا يقع عن غيره. ومنها: ألا يكون في القضاء حرج؛ إذ
الحرج مدفوع شرعاً.
فأما وجوبُ الأداء في الوقت: فليس من شرائط الوجوب [وهو الصحيح](٣)؛ لأن
القضاء يجب استدراكاً للمصلحة الفائتة في الوقت وهو الثواب، وفوات هذه المصلحة لا يقف
على الوجوب، فلا يكون وجوب الأداء شرطاً لوجوب القضاء، على ما عرف في الخلافيات.
وإذا عرف هذا فنقول: لا قضاء على الصبي والمجنون في زمان الصبا والجنون؛ لعدم
أهلية الوجوب، ولا على كافر؛ لأنه ليس من أهل وجوب العبادة؛ إذ الكفار غير مخاطبين
بشرائع هي عبادات عندنا، فلا يجب عليهم بعد البلوغ والإفاقة والإسلام أيضاً؛ لأن في
(٢٢٧/١): كتاب الصلاة: باب من نام عن الصلاة أو نسيها، حديث (٦٩٦)، والنسائي (١/ ٢٩٣):
=
كتاب المواقيت: باب فيمن نسي صلاة (٦١٣)، وأبو داود (١٧٤/١): كتاب الصلاة: باب من نام عن
صلاة أو نسيها (٤٤٢)، وأبو عوانة (٣٨٥/١)، والدارمي (٢٨٠/١)، وابن خزيمة (٩٧/٢) رقم
(٩٩٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤٦٥/١)، وفي ((المشكل)) (١٨٧/١)، والبيهقي (٢/
٢١٨)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٦/ ٢٧٠)، من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلقر: ((من
نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)).
وأخرجه مسلم (٤٧٧/١): كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة (٣١٦)، وأحمد (٣٦٩/٣)، وأبو
نعيم (٥٢/٩)، بلفظ: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكره فإن الله تعالى يقول:
﴿أقم الصلاة لذكري﴾.
(١) تقدم وصدره ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)).
(٢) في هامش ب: بيان شرائط الوجوب.
(٣) سقط في ب.

١٥٨
كتاب الصلاة
الإيجاب عليهم حرجاً؛ لأن مدة الصبا مديدة، والجنون إذا استحكم - وهو الطويل منه - قلما
يزول، والإسلام من الكافر المقلد لآبائه وأجداده - نادر، فكان في الإيجاب عليهم حرج.
وأما المغمى عليه: فإن أغمي عليه يوماً وليلة أو أقل - يجب عليه القضاء؛ لانعدام
الحرج، وإن زاد على يوم وليلة لا قضاء عليه؛ لأنه يحرج في القضاء لدخول العبادة في حد
التكرار. وكذا المريض(١) العاجز عن الإيماء إذا فاتته صلوات ثم برأ؛ فإن كان أقل من يوم
وليلة، أو يوماً وليلة - قضاه، وإن كان أكثر لا قضاء عليه؛ لما قلنا في المغمى عليه.
ومن المشايخ من قال في المريض: إنه يقضي وإن امتد وطال؛ لأن المرض لا يعجزه
عن فهم الخطاب بخلاف الإغماء.
والصحيح: أنه لا فرق بينهما؛ لأن سقوط القضاء عن المغمى عليه ليس لعدم فهم
الخطاب؛ بدليل أنه لا قضاء على الحائض والنفساء، وإن كانتا تفهمان الخطاب، بل لمكان
الحرج، وقد وجد في المريض.
وروي عن محمد: أن الجنون القصير بمنزلة الإغماء، ودلت هذه المسائل على أن
سابقية وجوب الأداء ليست بشرط [لوجوب القضاء](٢)، وعلى هذا تخرج الصلوات(٣) الفائتة
في أيام التشريق إذا قضاها في غير أيام التشريق؛ أنه يقضيها بلا تكبير؛ لأن في وقت القضاء
صلاة مشروعة من جنس الفائتة، وليس فيه تكبير مشروع من جنسه، وهو الذي يجهر به.
وأما شرائط جواز القضاء: فجميع ما ذكرنا أنه شرط جواز الأداء فهو شرط جواز القضاء
إلا الوقت؛ فإنه ليس (٤) للقضاء وقت معين، بل جميع الأوقات وقت له إلا ثلاثة: وقت طلوع
الشمس، ووقت الزوال، ووقت الغروب؛ فإنه لا يجوز القضاء في هذه الأوقات؛ لما مر أن
من شأن القضاء أن يكون مثل الفائت، والصلاة في هذه الأوقات تقع ناقصة، والواجب في
ذمته كامل؛ فلا ينوب الناقص عنه - وهذا عندنا.
وأما عند الشافعي: فقضاء الفرائض في هذه الأوقات - جائز، كما قال بجواز أداء الفجر
مع طلوع الشمس، وكما يجوز أداء عصر يومه عند مغيب الشمس بلا خلاف.
واحتج بما روي عن النبي ◌َّ أَنَّهُ قال: ((مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلْهَا إِذَا ذَكَرَهَا
(١) في هامش ب: المريض العاجز إذا فاتته صلوات ثم برأ.
(٢) في ب: الوجوب.
(٣) في هامش ب: الصلاة الفائتة في أيام التشريق.
(٤) في هامش ب: ليس للقضاء وقت معين.

١٥٩
كتاب الصلاة
فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا))(١) لاَ وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ، من غير فصل بين وقت ووقت. والدليل عليه إنه يجوز
عصر يومه أداء فكذا قضاء.
ولنا: عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات بصيغته وبمعناه، على ما نذكر في صلاة
التطوع إن شاء الله تعالى، وما رواه عام في الأوقات كلها/، وما نرويه خاص في الأوقات ٢١٢٥
الثلاثة؛ فيخصصها عن عموم الأوقات، مع ما أن عند التعارض الرجحان للحرمة على الْحِلِّ؛
احتياطاً لأمر العبادة، بخلاف عصر يومه، فإن الاستثناء بعصر يومه ثبت في الروايات كلها؛
فجوزناها، ولأنا لو لم نجوز لأمرنا بالتفويت، وتفويت الصلاة عن وقتها كبيرة، وهي معصيةٌ
من جميع الوجوه. ولو جوزنا الأداء كان الأداء طاعة من وجه، من حيث تحصيل أصل
الصلاة، وإن كان معصية من حيث التشبيه بعبدة الشمس؛ ولا شك أن هذا أولى، ولأن
الصلاة يتضيق وجوبها بآخر الوقت، وفي عصر يومه يتضيق الوجوب في هذا الوقت؛ ألا ترى
أن كافراً لو أسلم في هذا الوقت، أو صبياً احتلم - تلزمه هذه الصلاة، والصلاة منهي عنها في
هذا الوقت، وقد وجبت عليه ناقصة، وأداها كما وجبت، بخلاف الفجر إذا طلعت
الشمس(٢)؛ لأن الوجوب يتضيق بآخر وقتها، ولا نهي في آخر وقت الفجر، وإنما النهي يتوجّه
بعد خروج وقتها، فقد وجبت عليه الصلاة كاملة، فلا تتأدى بالناقصة، فهو الفرق والله أعلم.
وأما بيان(٣) كيفية قضاء هذه الصلوات؛ فالأصل أن كل صلاة ثبت وجوبها [في
الوقت](٤) وفاتت عن وقتها؛ أنه يعتبر في كيفية قضائها وقت الوجوب، وتقضي على الصفة
التي فاتت عن وقتها؛ لأن قضاءها بعد سابقية الوجوب والفوت يكون تسليم مثل الواجب
الفائت، فلا بد وأن يكون على صفة الفائت؛ لتكون مثله، إلا لعذر وضرورة؛ لأن أصل الأداء
يسقط بعذر، فلأن يسقط وصفه لعذر أولى.
ولأن كل صلاة (٥) فاتت عن وقتها من غير تقدير وجوب الأداء؛ لعذر مانع من
الوجوب، ثم زال العذر - يعتبر في قضائها الحال، وهي حال القضاء لا وقت الوجوب؛ لأن
الوجوب لم يثبت، فيقضي على الصفة التي هو عليها للحال؛ لأن الفائت ليس بأصل، بل أقيم
مقام [صفة] (٦) الأصل خلفاً عنه للضرورة، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل،
(١) تقدم.
(٢) في ط: فيها الشمس.
(٣) في هامش ب: بيان كيفية قضاء هذه الصلوات.
(٤) سقط في ب.
(٥) في ب: ولكل صلاة.
(٦) سقط في ب.

١٦٠
كتاب الصلاة
فيراعي صفة الأصل لا صفة الفائت، كمن فاتته صلوات بالتيمم؛ إنه يقضيها بطهارة الماء إذا
كان قادراً على الماء، وعلى هذا يخرج المسافر(١) إذا كان عليه فوائت في الإقامة أنه يقضيها
أربعاً؛ لأنها وجبت في الوقت كذلك وفاتته كذلك، فيراعي وقت الوجوب لا وقت القضاء.
وكذا المقيم إذا كان عليه فوائت السفر يقضيها ركعتين؛ لأنها فاتته بعد وجوبها كذلك،
فأما المريض (٢) إذا قضى فوائت الصحة قضاها على حسب ما يقدر عليه؛ لعجزه عن القضاء
على حسب الفوات، وأصل الأداء يسقط عنه بالعجز؛ فلأن يسقط وصفه أولى، والصحيح أنه
إذا كان عليه فوائت المرض - يقضيها على اعتبار حال الصحة، لا على اعتبار حال الفوات،
حتى لو قضاها كما فاتته لا يجوز، فإن فاتته الصلاة بالإيماء فقضاها في حال الصحة بالإيماء -
لم تجز، لأن الإيماء ليس بصلاة حقيقة؛ لانعدام أركان الصلاة فيه، وإنما أقيم مقام الصلاة
خلفاً عنها لضرورة العجز على تقدير الأداء بالإيماء، فإذا لم يؤد بالإيماء لم يقم مقامها، فبقي
الأصل واجباً عليه، فيؤديه كما وجب، والله أعلم.
وأما إذا فات(٣) شيء من هذه الصلوات(٤) عن الجماعة، وأدرك الباقي كالمسبوق، وهو
الذي لم يدرك أول الصلاة مع الإمام، أو اللاحق وهو الذي أدرك أول الصلاة مع الإمام، ثم
نام خلفه، أو سبقه الحدث حتى صلّى الإمام بعض صلاته، ثم انتبه، أو رجع من الوضوء -
فكيف يقضي ما سبق به. أما المسبوق فإنه يجب عليه أن يتابع الإمام فيما أدرك، ولا يتابعه في
التسليم، فإذا سلم الإمام يقوم هو إلى قضاء ما سبق به؛ لقوله وَلهر: ((ما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُوا، وَمَا
فَاتَكُمْ فَاقْضُوا)).
ولو بدأ بما سبق به تفسد صلاته؛ لأنه انفرد في موضع وجب عليه الاقتداء لوجوب
متابعة الإمام فيما أدرك بالنص، والانفراد عند وجوب الاقتداء مفسد للصلاة؛ ولأن ذلك
حديث منسوخ بحديث معاذ - رضي الله عنه - حيث قال رسول الله وَثّر: ((سُنَّ لَكُمْ سُنَّة
حَسَنَةٍ؛ فَاسْتَنُوا بِهَا)). أمر بالاستنان بسنته، فيقتضي وجوب متابعة الإمام فيما أدرك عقيب
الإدراك بلا فصل؛ فصار ناسخاً لما كان قبله.
وأما اللاحق فإنه يأتي بما سبقه الإمام ثم يتابعه؛ لأنه في الحكم كأنه خلف الإمام؛
لالتزامه متابعة الإمام في جميع صلاته، وإتمامه(٥) الصلاة مع الإمام، فصار كأنه خلف الإمام؛
(١) في هامش ب: المسافر إذا فاتته صلاة في الإقامة.
(٢) في هامش ب: المريض إذا قضى فوائت الصحة.
(٣) في هامش ب: فاته شيء في الصلاة وأدرك الباقي.
(٤) في ب: في صلاة.
(٥) في ب: إجابة.
Bada'i' al-Sana'i' fi Tartib al-Shara'i' — pages 141-160 | ScribeTools Library