Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كتاب الصلاة
لقائم؛ لإجماعنا على أنه لو أمّ لجالس جاز، ولأن المقتدي أعلى حالا من الإمام؛ فلا يجوز
اقتداؤه به، كاقتداء الراكع الساجد بالمومىء، واقتداء القارىء بالأمي.
وفقهه ما بينا: أن المقتدي يبني تحريمته على تحريمة الإمام، وتحريمة الإمام ما انعقدت
للقيام، بل انعقدت للقعود، فلا يمكن بناء القيام عليها، كما لا يمكن بناء القراءة على تحريمة
الأمي، وبناء الركوع والسجود على تحريمة المومىء.
[وجه](١) الاستحسان: ما رُوِيَ أَنَّ آخِرَ صَلاَةٍ صَلَّهَا رَسُولُ الله ◌َِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
مُتَوَشْحاً بِهِ قَاعِداً، وَأَصْحَابُهُ خَلْفَهُ قِيَامٌ يَقْتَدُونَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا ضَعُفَ فِي مَرَضِهِ، قَالَ: (مُرُوا أَبَا
بَكْرِ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))(٢) فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِحَقْصَةَ (٣) - رضي الله عنهما - قُولي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ
أَسِيْفٌ، إِذَا وَقَفَ فِي مَكَانِكَ، لاَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ ذَلِكَ،
فَقَالَ بَ: (أَنْتُنَّ صُوَيْحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُّوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِي بِالنَّاسِ)) فَلَمَّا افْتَتَحَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله
(١) سقط في ب
(٢) أخرجه البخاري (١٦٦/٢): كتاب الأذان: باب من قام إلى جنب الإمام لعله، الحديث (٦٨٣)، ومسلم
(٣١٢/١) كتاب الصلاة: باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، الحديث (٩٧). ومالك (١/ ١٧٠ -
١٧١) كتاب قصر الصلاة في السفر باب جامع الصلاة حديث (٨٣) وأحمد (٩٦/٦) والترمذي (٥٧٣/٥)
كتاب المناقب: باب في مناقب أبي بكر وعمر حديث (٣٦٧٣) وابن ماجة (٣٨٩/١ - ٣٩٠) كتاب
الصلاة: باب ما جاء في صلاة رسول الله وَ ﴾ في مرضه حديث (١٢٣٣) وأبو يعلى (٤٥٢/٧) رقم
(٤٤٧٨) وابن حبان (٢٠٩٥ - الإحسان) كلهم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بقصة مرض
النبي ◌َّ وصلاة أبي بكر بالناس.
وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.
(٣) حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن
عدي بن كعب بن لؤي بن غالب .. أم المؤمنين، القرشية، العدوية.
أمها : زينب بنت مظعون.
قال ابن الأثير:
كانت حفصة من المهاجرات، تزوجها رسول الله و # سنة ثلاث عند أكثر العلماء وقال أبو عبيد سنة اثنتين ..
وأوصى عمر إلى حفصة بعد موته وأوصت حفصة إلى أخيها عبد الله بن عمر بما أوصى به إليها عمر وبصدقة
تصدق بها بمال وقفته بالغابة - روت عن النبي و # وروى عنها أخوها عبد الله بن عمر، وغيره.
توفيت في جمادى الأولى سنة (٤١). وقيل توفيت سنة (٤٥) وقيل سنة (٢٧).
ينظر ترجمتها في: أسد الغابة (٦٥/٧)، الإصابة (٥١/٨)، الثقات (٩٨/٣)، بقي بن مخلد (٥٧)،
تجريد أسماء الصحابة (٢٥٩/٢)، تقريب التهذيب (٥٩٤/٢)، تهذيب التهذيب (٤١٠/١٢)، تهذيب
الكمال (١٦٨١/٣)، أعلام النساء (١٣١/١)، الاستيعاب (١٨١١/٤)، السمط الثمين (٩٥)، الكاشف
(٤٦٨/٣)، حلية الأولياء (٥٠/٢).

٦٢٢
كتاب الصلاة
عنه - الصَّلاَةَ، وَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةٌ، فَخَرَجَ، وَهُوَ يُهَادَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَالعَبَّاسِ(١)،
وَرَجْلاَهُ يَخُطَّانِ الأَرْضَ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - حِسَّهُ، تَأَخّرَ،
فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَجَلَسَ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاَتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُونَ بِصَلاَةٍ أَبِي بَكْرٍ،
يعني: أن أبا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَانَ يَسْمَعُ تَكْبِيرَ رَسُولِ اللهِ وََّ فَيُكَبِّر، والنَّاسُ يَكْبِّرون
بتکبیرِ أبي بکْرٍ .
فقد ثبت الجواز على وجه لا يتوهّم ورود النسخ عليه، ولو توهم ورود النسخ يثبت
الجواز ما لم يثبت النسخ؛ فإذا لم يتوهم ورود النسخ أولى، ولأن القعود غير القيام، وإذا أقيم
شيء مقام غيره جعل بدلاً عنه، كالمسح على الخف مع غسل الرجلين، وإنما قلنا: إنهما
متغايران بدليل الحكم والحقيقة .
أما الحقيقة: فلأن القيام اسم لمعنيين متفقين في محلين مختلفين، وهما الانتصابان في
النصف الأعلى والنصف الأسفل، فلو تبدّل الانتصاب في النصف الأعلى بما يضاده وهو
٧٠ب الانحناء - سمى ركوعاً؛ لوجود الانحناء؛ لأنه في اللغة/ عبارة عن الانحناء من غير اعتبار
النصف الأسفل؛ لأن ذلك وقع وفاقاً، فأما هو في اللغة قاسم لشيء واحد فحسب وهو
الانحناء، ولو تبدّل الانتصاب في النصف الأسفل بما يضاده، وهو انضمام الرجلين وإلصاق
الألية بالأرض يسمى قعوداً؛ فكان القعود اسماً لمعنيين مختلفين في محلين مختلفين، وهما:
الانتصاب في النصف الأعلى، والانضمام والاستقرار على الأرض في النصف الأسفل؛ فكان
القعود مضاداً للقيام في أحد معنييه؛ وكذا الركوع، والركوع مع القعود يضاد كل واحد منهما
للآخر بمعنى واحد، وهو صفة النصف الأعلى، واسم المعنيين يفوت بالكلية بوجود مضاد
أحد معنييه، كالبلوغ واليتم؛ فيفوت القيام بوجود القعود أو الركوع بالكلية، ولهذا لو قال
قائل: ما قمت بل قعدت، وما أدركت القيام بل أدركت الركوع - لم يعد مناقضاً(٢) في كلامه.
وأما الحكم: فلأن ما صار القيام لأجله طاعة يفوت عند الجلوس بالكلية؛ لأن القيام
إنما صار طاعة [لا] (٣) لانتصاب نصفه الأعلى، بل لانتصاب رجليه لما يلحق رجليه من
المشقة، وهو بالكلية يفوت عند الجلوس - فثبت حقيقةً وحكماً أن القيام يفوت عند الجلوس،
(١) عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو الفضل، عم النبي ◌َّلتر. أظهر إسلامة يوم الفتح، وكان فيما قبل
يكتم بإذن رسول الله وَلتر، عداوة في المكيين، له خمسة وثلاثون حديثاً اتفقا على حديث وعنه بنوة عبد الله وكثير
وعُبَيْد الله وعامر بن سعد قال النبي ◌َّر: العباس منّي وأنا منه. وله فضائل جمة. مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال
خليفة: سنة أربع. قال ابن سعد: عن ثمان وثمانون سنة. ينظر ترجمته في: الخلاصة ٣٥/٢ (٣٣٥٤).
(٢) في ب: مناقضة.
(٣) سقط في أ، ط.

٦٢٣
كتاب الصلاة
فصار الجلوس بدلاً عنه، والبدل عند العجز عن الأصل أو تعذّر تحصيله يقوم مقام الأصل؛
ولهذا جوزنا اقتداء الغاسل بالماسح؛ لقيام المسح مقام الغسل في حق تطهير الرجلين عند تعذّر
الغسل؛ لكونه بدلاً عنه؛ فكان القعود من الإمام بمنزلة القيام لو كان قادراً عليه؛ فجعلت
تحريمة الإمام في حق الإمام منعقدة للقيام، لانعقادها لما هو بدل القيام؛ فصحّ بناء قيام
المقتدي على تلك التحريمة؛ بخلاف اقتداء القارىء بالأمي؛ لأن هناك لم يوجد ما هو بدل
القراءة، بل سقطت أصلاً فلم تنعقد تحريمة الإمام للقراءة، فلا يجوز بناء القراءة عليه، أما
هاهنا لم يسقط القيام أصلاً، بل أقيم بدله مقامه .
ألا ترى أنه لو اضطجع وهو قادر على القعود لا يجوز، ولو كان القيام يسقط أصلاً من
غير بدل؛ وذا ليس وقت وجوب القعود بنفسه - كان ينبغي أنه لو صلّى مضطجعاً يجوز؛
وحيث لم يجز - دل أنه إنما لا يجوز لسقوط القيام إلى بدله، وجعل بدله كأنه عين القيام؛
وبخلاف اقتداء الراكع الساجد بالمومىء؛ لما مرّ أن الإيماء ليس عين الركوع والسجود، بل هو
تحصيل بعض الركوع والسجود، إلا أنه ليس فيه كمال الركوع والسجود، فلم تنعقد تحريمة
الإمام للفائت وهو الكمال، فلم يمكن بناء كمال الركوع والسجود(١) على تلك التحريمة.
وقد خرج الجواب عما ذكر من المعنى، وما روي من الحديث كان في الابتداء؛ فإنهُ
رُوِيَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّوَ سَقَطَ عَنْ فَرَسٍ، فجحِشَ جَنْبُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ أَيَّاماً، وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ،
فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي قَاعِدً(٢) فافتتحواً الصلاة خلفه قياماً فلما رآهم على ذلك، قال: ((اسْتِنَانٌ
بِالفَارِسِ وَالرُّومِ))، وأمرهم بالقُعُودِ، ثم نهاهم عَنْ ذلك، فقال: ((لاَ يُؤَمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِساً)).
ألا ترى أنه تكلم في الصلاة فقال: ((اسْتِنَانٌ بِفَارِسَ وَالرُّوم))، وأمرهم بالقعود؛ فدل أن
ذلك كان في الابتداء، حين كان التكلم في الصلاة مباحاً، وما روينا آخر صلاة صلاها، فانتسخ
قوله السابق بفعله المتأخّر. وعلى هذا يخرج(٣) اقتداء المفترض بالمتنفل [أنه لا يجوز عندنا؛
خلافاً للشافعي، ويجوز اقتداء المتنفل بالمفترض](٤) عند عامة العلماء؛ خلافاً لمالك(٥).
احتج الشافعي بما روى جابر بن عبد الله: أن معاذاً كان يصلي مع النبي ◌َّر العشاء ثم
يرجع فيصلّيها بقومه في بني سلمة، ومعاذ كان متنفلاً، وكان يصلي خلفه المفترضون، ولأن
كل واحد منهم يصلّي صلاة نفسه لا صلاة صاحبه؛ لاستحال أن يفعل [العبد](٦) فعل غيره،
(١) في ب والسجود: على تلك التحريمة .
(٢) تقدم.
(٣) في هامش ب: اقتداء المفترض بالمتنفل.
(٤) سقط في ب.
(٥) في ب: الشافعي.
(٦) سقط في ب.

٦٢٤
كتاب الصلاة
فيجوز فعل كل واحد منهما، سواء وافق فعل إمامه أو خالفه، ولهذا جاز اقتداء المتنفل
بالمفترض.
ولنا: ما رُوِيَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلاَةَ الخَوْفِ، وَجَعَلَ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ،
وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلاَةِ، لِيَنَالَ كُلُّ فَرِيقٍ فَضِيلَةَ الصَّلاَةِ خَلْفَهُ» (١) ولو جاز اقتداء
المفترض بالمتنفل لأتمّ الصلاة بالطائفة الأولى، ثم نوى النفل، وصلّى بالطائفة الثانية؛ لينال
كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه، من غير الحاجة إلى المشي وأفعال كثيرة ليست من الصلاة،
ولأن تحريمة الإمام ما انعقدت لصلاة الفرض، والفرضية وإن لم تكن صفة زائدة على ذات
الفعل - فليست راجعة إلى الذات - أيضاً - بل هي من الأوضاف الإضافية على ما عرف في
موضعه؛ فلم يصح البناء من المقتدي؛ بخلاف اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن النفلية ليست من
باب الصفة، بل هي عدم؛ إذ النفل عبارة عن أصل لا وصف له؛ فكانت تحريمة الإمام منعقدة
٧١أ لما يبني/ عليه المقتدي وزيادة؛ فصح البناء.
وقد خرج الجواب عن معناه، فإن كل واحد منهما يصلي صلاة نفسه؛ لأنّا نقول: نعم،
لكن إحداهما بناء على الأخرى وتعذر تحقيق معنى البناء - وما روي من الحديث فليس فيه أن
معاذاً كان يصلّي مع النبي وَّ الفرض. فيحتمل: أنه كان ينوي النفل ثم يصلّي بقومه الفرض؛
ولهذا قال له وَّ لَمَّا بَلَغَهُ طُولُ قِرَاءَتِهِ: ((إِمَّا أَنْ تُخَفْفَ بِهِمْ، وَإِلاَّ فَأَجْعَلْ صَلاَتَكَ مَعَنَا))(٢) على
أنه يحتمل أنه كان في الابتداء حين كان تكرار الفرض مشروعاً. وينبني على هذا الخلاف
اقتداء(٣) البالغين بالصبيان في الفرائض؛ أنه لا يجوز عندنا؛ لأن الفعل من الصبي لا يقع
فرضاً؛ فكان اقتداء المفترض بالمتنفل، وعند الشافعي يصحّ.
واحتج بما روي أن عمرو بن سلمة(٤) كان يصلي بالناس وهو ابن تسع سنين(٥)، ولا
يحمل على صلاة التراويح؛ لأنها لم تكن على عهد رسول الله وَلَه بجماعة؛ فدلّ أنه كان في
الفرائض .
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) تقدم.
(٣) في هامش ب: اقتداء البالغ بالصبي في الفرض.
(٤) عمرو بن سَلمة بكسر اللام الجزمي بجيم أبو يزيد وضبطه مسلم بالموحدة البصري. كان يؤم قومه وهو
صبي روى عن أبيه وعنه أبو قلابة.
ينظر ترجمته في: الخلاصة ٢٨٦/٢ (٥٣٠٨).
(٥) تقدم.

٦٢٥
كتاب الصلاة
والجواب: أن ذلك كان في ابتداء الإسلام، حين لم تكن صلاة المقتدي متعلّقة بصلاة
الإمام على ما ذكرنا ثم نسخ.
وأما في التطوعات: فقد روي عن محمد بن مقاتل الرازي: أنه أجاز ذلك في التراويح،
والأصحّ أن ذلك لا يجوز عندنا لا في الفريضة ولا في التطوّع؛ لأن تحريمة الصبيّ انعقدت
لنفل غير مضمون عليه بالإفساد، ونفل المقتدي البالغ مضمون عليه بالإفساد؛ فلا يصح البناء.
وينبغي(١) للرجل أن يؤذّب(٢) ولده على الطهارة والصلاة، إذا عقلهما؛ لقول النبيِّ وَّر.
(مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغُوا سَبْعاً، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْراً)(٣) ولا يفترض عليه
إلا بعد البلوغ، ونذكر حد البلوغ في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
ولو احتلم الصبي ليلاً، ثم انتبه قبل طلوع الفجر - قضى صلاة العشاء بلا خلاف؛ لأنه
حكم ببلوغه بالاحتلام، وقد انتبه والوقت قائم فيلزمه أن يؤديها، وإن لم ينتبه حتى طلع
الفجر .
اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: ليس عليه قضاء صلاة العشاء لأنه وإن بلغ بالاحتلام
لكنه نائم؛ فلا يتناوله الخطاب، ولأنه يحتمل أنه احتلم بعد طلوع الفجر، ويحتمل قبله، فلا
تلزمه الصلاة بالشك.
(١) في هامش ب: ينبغي للرجل أن يدرب ولده على الصلاة.
(٢) في ب: يدَّرب.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٤/١): كتاب الصلاة: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة حديث (٤٩٥)، وأحمد (٢/
١٨٧)، والدارقطني (١/ ٢٣٠): كتاب الصلاة: باب الأمر بتعليم الصلوات والضرب عليها، حديث (٢،
(٣)، والحاكم (١٩٧/١)، وابن أبي شيبة (٣٤٧/١)، والدولابي في الكنى (١٥٩/١)، والعقيلي في
((الضعفاء)) (١٦٧/٢ - ١٦٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦/١٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢٧٨/٢)
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وَالر: ((مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء
سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)) الحديث.
وأخرجه أبو داود (٣٣٢/١، ٣٣٣): كتاب الصلاة: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث (٤٩٤)،
والترمذي (٢٥٩/٢): كتاب الصلاة: باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، حديث (٤٠٧).
والدارمي (٢٧٣/١) وابن أبي شيبة (٣٤٧/١) وأحمد (٢٠١/٣) وابن الجارود (١٤٧) وابن خزيمة (٢/
١٠٢) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٣١/٣) والدارقطني (٢٣٠/١) والحاكم (٢٠١/١) والبيهقي (٢)
١٤) من طريق عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده عن رسول الله وَ ير قال: مروا الصبي
بالصلاة ابن سبع سنين واضربوا عليها ابن عشر.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وصححه ابن خزيمة .

٦٢٦
كتاب الصلاة
وقال بعضهم: عليه صلاة العشاء؛ لأن النوم لا يمنع الوجوب، ولأنه إذا احتمل أنه
احتلم قبل طلوع الفجر، واحتمل بعده - فالقول بالوجوب أحوط، وعلى هذا: لا يجوز اقتداء
مصلي الظهر بمصلي العصر، ولا اقتداء من يصلي ظهراً من يصلي ظهر يوم غير ذلك اليوم
عندنا؛ لاختلاف سبب وجوب الصلاتين وصفتهما؛ وذلك يمنع صحة الاقتداء(١) لما مر.
وروي عن أفلح بن كثير أنه قال: دخلت المدينة ولم أكن صلّيت الظهر، فوجدت الناس
في الصلاة فظننت أنهم في الظهر، فدخلت معهم ونويت الظهر، فلما فرغوا علمت أنهم كانوا
في العصر، فقمت وصلّيت الظهر، ثم صلّيت العصر ثم خرجت فوجدت أصحاب رسول
الله وَلّر متوافرين، فأخبرتهم بما فعلت فاستصوبوا ذلك وأمروا به، فانعقد الإجماع من الصحابة
- رضي الله عنهم - على ما قلنا، وعلى هذا لا يجوز(٢) اقتداء الناذر بالناذر؛ بأن نذر رجلان كل
واحد منهما أن يصلي ركعتين، فاقتدى أحدهما بالآخر فيما نذر، وكذا إذا شرع رجلان كل
واحد منهما في صلاة التطوّع وحده، ثم أفسدها على نفسه حتى وجب عليه القضاء فاقتدى
أحدهما بصاحبه - لا يصح؛ لأن سبب وجوب الصلاتين مختلف، وهو نذر كل واحد منهما
وشروعه، فاختلف الواجبان وتغايرا، وذلك يمنع صحة الاقتداء لما بينا؛ بخلاف اقتداء الحالف
بالحالف حيث يصحّ؛ لأن الواجب - هناك - تحقيق البر لا نفس الصلاة؛ فبقيت كل واحدة من
الصلاتين في حق نفسها نفلاً، فكان اقتداء المتنفل بالمتنفل فصح، وكذا لو اشتركا في صلاة
التطوّع؛ بأن اقتدى أحدهما بصاحبه فيها، ثم أفسداها حتى وجب القضاء عليهما، فاقتدى
أحدهما بصاحبه في القضاء - جاز؛ لأنها صلاة واحدة مشتركة بينهما؛ فكان سبب الوجوب
واحداً معنى؛ فصحّ الاقتداء.
ثم إذا لم يصح الاقتداء عند اختلاف الفرضين - فصلاة الإمام جائزة كيفما كان؛ لأن
صلاته غير متعلّقة بصلاة المقتدي، وأما صلاة المقتدي(٣) إذا فسدت عن الفرضية، هل يصير
شارعاً في التطوّع (٤)؟ ذكر في ((باب الأذان)): أنه يصير شارعاً في النفل، وذكر في ((زيادات
الزيادات))، وفي باب الحدث: ما يدل على أنه لا يصير شارعاً؛ فإنه ذكر في باب الحدث في
الرجل إذا كان يصلّي الظهر، وقد نوى إمامة النساء، فجاءت امرأة واقتدت به فرضاً آخر - لم
٧١ب يصح اقتداؤها به، ولا يصير شارعاً في التطوّع/ حتى لو حاذت الإمام لم تفسد عليه صلاته،
فمن مشايخنا من قال: في المسألة روايتان. ومنهم من قال: ما ذكر في ((باب الأذان)) قول أبي
(١) في ب: الاقتداء على ما مر.
(٢) في هامش ب: اقتداء الناذر بالناذر والمتطوع.
(٣) في هامش ب: صلاة المقتدي إذا فسدت عن الفرضية هل يصير شارعاً الخ ...
(٤) في ب: النفل.

٦٢٧
كتاب الصلاة
حنيفة، وأبي يوسف، وما ذكر في ((باب الحدث)) قول محمد، وجعلوه فرعية مسألة وهي: أن
المصلي إذا لم يفرغ من الفجر حتى طلعت الشمس بقي في التطوّع عندهما، إلا أنه يمكث
حتى ترتفع الشمس، ثم يضم إليها ما يتمّها - فيكون تطوعاً. وعنده: يصير خارجاً (١) من
الصلاة بطلوع الشمس، وكذا إذا كان في الظهر فتذكر أنه نسي الفجر - ينقلب ظهره تطوعاً
عندهما .
وعند محمد: يصير خارجاً من الصلاة.
وجه قول محمد: أنه نوى فرضاً عليه ولم يظهر أنه ليس عليه فرض، فلا يلغو نية
الفرض؛ فمن حيث أنه لم يلغ فيه الفرض لم يصر شارعاً في النفل، ومن حيث أنه يخالف
فرضه فرض الإمام لم يصح الاقتداء؛ فلم يصر شارعاً في الصلاة أصلاً؛ بخلاف ما إذا لم يكن
عليه الفرض؛ لأن نية الفرض لغت أصلاً كأنه لم ينوٍ .
وجه قولهما أنه بنى أصل الصلاة ووصفها على صلاة الإمام، وبناء الأصل صح، وبناء
الوصف لم يصح - فلغا بناء الوصف وبقي بناء الأصل. وبطلان بناء الوصف لا يوجب بطلان
بناء الأصل؛ لاستغناء الأصل عن هذا الوصف، فيصير هذا اقتداء المُتَنَفِّلِ بالمفترض؛ وأنه
جائز. وذكر في ((النوادر)) عن محمد في رجلين يصليان صلاة واحدة معاً، وينوي كل واحد
منهما أن يؤم صاحبه فيها: أن صلاتهما جائزة؛ لأن صحة صلاة الإمام غير متعلّقة بصلاة
غيره؛ فصار كل واحد منهما كالمنفرد في حق نفسه.
ولو اقتدى كل واحد منهما بصاحبه فيها فصلاتهما فاسدة؛ لأن صلاة المقتدي متعلّقة
بصلاة الإمام، ولا إمام هاهنا.
ومنها: ألاَّ يكون (٢) المقتدي عند الاقتداء متقدماً على إمامه عندنا. وقال مالك: هذا
ليس بشرط، ويجزئه إذا أمكنه متابعة الإمام.
وجه قوله: أن الاقتداء يوجب المتابعة في الصلاة، والمكان ليس من الصلاة؛ فلا يجب
المتابعة فيه .
ألا ترى أن الإمام يصلي عند الكعبة في مقام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - والقوم
صف حول البيت، ولا شك أن أكثرهم قبل الإمام.
(١) في ب: عن.
(٢) في هامش ب: تقدم المأموم على الإمام.

٦٢٨
كتاب الصلاة
ولنا: قولُ النّبِيِّ وَّهِ: ((لَيْسَ مَعَ الإِمَامِ مَنْ تَقَدَّمَهُ))، ولأنه إذا تقدم الإمام يشتبه عليه
حاله، أو يحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت؛ ليتابعه فلا يمكنه المتابعة، ولأن المكان من
لوازمه .
ألا ترى أنه إذا كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق لم يصح الاقتداء؛ لانعدام التبعية في
المكان، كذا هذا؛ بخلاف الصلاة في الكعبة؛ لأن وجهه: إذا كان إلى الإمام لم تنقطع
التبعية، ولا يسمى قبله؛ بل هما متقابلان، كما إذا حاذى إمامه، وإنما تتحقق القبلية إذا كان
ظهره إلى الإمام ولم يوجد، وكذا لا يشتبه عليه حال الإمام والمأموم.
ومنها: اتحاد(١) مكان الإمام والمأموم؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان
من لوازم الصلاة فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في
المكان، فتنعدم التبعية في الصلاة؛ لانعدام لازمها، ولأن اختلاف المكان يوجب خفاء حال
الإمام على المقتدي؛ فيتعذّر عليه المتابعة التي هي معنى الاقتداء؛ حتى أنه لو كان بينهما طريق
عام يمر فيه الناس، أو نهر عظيم - لا يصح الاقتداء، لأن ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفاً
مع اختلافهما حقيقة؛ فيمنع صحة الاقتداء.
وأصله: ما روي عن عمر - رضي الله عنه - موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنه
قال: ((مَنْ كَانَ بَيْتَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ نَهْرٌ أَوْ طَرِيقٌ أَوْ صَفٍّ مِنَ النِّسَاءِ، فَلاَ صَلاَةَ لَهُ)) ومقدار الطريق
العام ذكر في ((الفتاوى)): أنه سَّئِلَ أبو نصر محمد بن محمد بن سلام عن مقدار الطريق الذي
يمنع صحة الاقتداء، فقال: مقدار ما تمر فيه العجلة، أو تمر فيه الأوقار(٢) وسئل أبو القَاسِم
الصفار عنه فقال: مقدار ما يمر فيه الجَمَلُ. وأَما النَّهَرُ العظيم فما لا يمكن العبور عليه إلاَ
بعلاج؛ كالقنطرة ونحوها.
وذكر الإمام السرخسي: أن المراد من الطريق ما تمر فيه العجلة، وما وراء ذلك طريقة لا
طريق، والمراد بالنهر: ما تجري فيه السفن، وما دون ذلك بمنزلة الجدول لا يمنع صحة
الاقتداء .
فإن كانت الصفوف متّصلة على الطريق جاز الاقتداء، لأن اتصال الصفوف أخرجه من أن
يكون ممرّ الناس؛ فلم يبقَ طريقاً، بل صار مصلى في حق هذه الصلاة، وكذلك إن كان على
النهر جسرٌ وعليه صف متّصل لما قلنا. ولو كان(٣) بينهما حائط ذكر في الأصل: أنه يجزئه.
(١) في هامش ب: من شروط صحة الاقتداء اتحاد لمكان المأموم والإمام.
(٢) الأوقار الأحمال الثقيلة ينظر المعجم الوسيط [وقر].
(٣) في هامش ب: لو كان بين الإمام والمأموم حائط.
بدائع الصنائع ج١ - م٤٠

٦٢٩
كتاب الصلاة
١٧٢
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجزئه، وهذا في الحاصل على وجهين: إن كان
الحائط / قصيراً ذليلاً؛ بحيث يتمكّن كل أحد من الركوب عليه، كحائط المقصورة - لا يمنع
الاقتداء؛ لأن ذلك لا يمنع التبعية في المكان، ولا يوجب خفاء حال الإمام [ولو كان بين
الصفين حائط - إن كان طويلاً وعريضاً ليس فيه ثقب يمنع الاقتداء، وإن كان فيه ثقب لا يمنع
مشاهدة حال الإمام - لا يمنع بالإجماع](١) وإن كان كبيراً، فإن كان عليه باب مفتوح أو خوخة
فكذلك، وإن لم يكن عليه] شيء من ذلك ففيه روايتان:
وجه الرواية [الأولى] (٢) التي قال: لا يصح: أنه يشتبه عليه حال إمامه، فلا يمكنه
المتابعة .
وجه الرواية الأخرى: الوجود، وهو ما ظهر من عمل الناس في الصلاة بمكة، فإن
الإمام يقف في مقام إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - وبعض الناس يقفون وراء الكعبة من
الجانب الآخر، فبينهم وبين الإمام حائط الكعبة، ولم يمنعهم أحد من ذلك؛ فدل على
الجواز .
ولو كان بينهما صف من الناسء يمنع صحة الاقتداء؛ لما روينا من الحديث، ولأن
الصف من النساء بمنزلة الحائط الكبير الذي ليس فيه (٣) فرجة؛ وذا يمنع صحة الاقتداء، كذا
هذا .
ولو اقتدى (٤) بالإمام في أقصى المسجد، والإمام في المحراب - جاز؛ لأن المسجد
على تباعد أطرافه جعل في الحكم كمكان واحد، ولو وقف على سطح المسجد [مقتدياً](٥)
بالإمام، فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه أجزأه؛ لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه
- أنه وقف على سطح واقتدى بالإمام وهو في جوفه، ولأن سطح المسجد تبع المسجد،
الأصل، فكأنه في جوف المسجد، وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه،
فإن كان يشتبه لا يجوز، وإن كان وقوفه متقدماً على الإمام لا يجزئه؛ لانعدام معنى التبعية،
كما لو كان في جوف المسجد، وكذلك لو كان على سطح بجنب المسجد متّصل به، ليس
بینھما طریق فاقتدى به - صح اقتداؤه عندنا .
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ب.
(٣) في ب: له.
(٤) في هامش ب: اقتدى بالإمام في أقصى المسجد والإمام في المحراب.
(٥) في أ، ط: واقتدى.

٦٣٠
كتاب الصلاة
وقال الشافعي: لا يصح؛ لأنه ترك مكان الصلاة بالجماعة من غير ضرورة.
ولنا: أن السطح إذا كان متصلاً بسطح المسجد كان تبعاً لسطح المسجد، وتبع سطح
المسجد في حكم المسجد - فكان اقتداؤه وهو عليه كاقتدائه وهو في جوف المسجد؛ إذا كان
لا يشتبه عليه حال الإمام، ولو اقتدى (١) خارج المسجد بإمام في المسجد - إن كانت الصفوف
متّصلة - جاز وإِلاَّ فلا؛ لأن ذلك الموضع - بحكم اتصال الصفوف - يلتحق بالمسجد. هذا إذا
كان الإمام يصلي في المسجد، فأما إذا كان يصلي في الصحراء: فإن كانت الفرجة التي بين
الإمام والقوم قدر الصفين فصاعداً - لا يجوز اقتداؤهم به؛ لأن ذلك بمنزلة الطريق العام أو
النهر العظيم؛ فيوجب اختلاف المكان.
وذكر في ((الفتاوى)): أنه سئل أبو نصر، عن إمام يصلي في فلاة من الأرض، كم مقدار
ما بينهما حتى يمنع صحة الاقتداء؟ قال: إذا كان مقدار ما لا يمكن أن يصطف فيه جازت
صلاتهم، فقيل له: لو صلّى في مصلى العيد؟ قال: حكمه حكم المسجد، ولو كان الإمام
يصلّي على دكان والقوم أسفل منه، أو على القلب - جاز ويكره.
أما الجواز: فلأن ذلك لا يقطع التبعية، ولا يوجب خفاء حال الإمام. وأما الكراهة:
فلشبهة اختلاف المكان، ولما يذكر في بيان ما يكره للمصلي أن يفعله في صلاته إن شاء الله -
تعالى - وانفردا المقتدي خلف الإمام عن الصف لا يمنع صحة الاقتداء عند عامة العلماء.
وقال أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل: يمنع؛ واحتجُوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَل
أنه قَالَ: ((لاَ صَلاَةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفُ))(٢) وعن وابصة؛ أن النبيَّ ◌ََّ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي في
(١) في هامش ب: اقتدى خارج المسجد بإمام في المسجد.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٣/٢)، وأحمد (٢٣/٤)، وابن ماجة (٣٢٠/١): كتاب إقامة الصلاة: باب
صلاة الرجل خلف الصف، الحديث (١٠٠٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٩٤/١): كتاب
الصلاة. باب من صلى خلف الصف، وابن حزم في ((المحلى)) (٥٣/٤): كتاب الصلاة باب من صلى
خلف الصف (٤١٥)، والبيهقي (١٠٥/٣): كتاب الصلاة: باب كراهية الوقوف خلف الصف وحده.
وابن خزيمة (٣٠/٣)، رقم (١٥٦٩)، وابن حبان (٤٠١ - موارد)، من رواية عبد الله بن بدر، عن
عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه قال: قدمنا على رسول الله وَّلهر فبايعناه، وصلينا خلفه، فقضى
الصلاة، فرأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف، فوقف عليه رسول اللّه ◌َ و حتى انصرف، فقال له:
((استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف)).
والحديث صححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وقال البوصيري في ((الزوائد» (٣٣٩/١): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
وأما حديث وابصة: أن رسول الله وَ ل﴿ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة.
فله طرق عن وابصة :
=

٦٣١
كتاب الصلاة
فأخرجه أحمد (٢٢٨/٤) والطيالسي (١٢٠١) وأبو داود (٤٣٩/١): كتاب الصلاة: باب الرجل يصلي
=
وحده خلف الصف (٦٨٢)، والترمذي (٤٤٨/١): كتاب الصلاة: باب الصلاة خلف الصف وحده،
الحديث (٢٣١)، وابن حبان (٤٠٣ - موارد)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٩٣/١) والبيهقي
(١٠٤/٣)، من طريق عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة به.
وأخرجه الترمذي (٤٤٥/١ - ٤٤٦): كتاب الصلاة: باب الصلاة خلف الصف وحده (٢٣٠)، وابن ماجة
(٣٢١/١): كتاب الصلاة: باب صلاة الرجل خلف الصف وحده (١٠٠٤)، والدارمي (٢٩٤/١): كتاب
الصلاة: باب في صلاة الرجل خلف الصف وحده، وابن حبان (٤٠٥ - موارد) والحميدي (٣٩٢/٢) رقم
(٨٨٤)، والبيهقي (١٠٤/٣ - ١٠٥) والطبراني (١٤٢/٢٢)، وأبو يعلى (١٦٣/٣)، رقم (١٥٨٩)، من
طريق حصين عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ
يقال له وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ - أي وابصةَ فذكر الحديث.
وقال الترمذي: حديث وابصة حديث حسن.
وقال: اختلف أهل الحديث في هذا، فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن
عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد أصح.
قال الترمذي: وهذا - عندي - أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنه روي من غير حديث هلال بن
يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة أ. هـ. والذي عناه الترمذي.
أخرجه أحمد (٢٢٨/٤)، والدارمي (٢٩٥/١)، والبيهقي (١٠٥/٣)، والدارقطني (١٦٢/١)، والطبراني
في ((الكبير)) (١٤١/٢٢)، رقم (٣٧٤)، من طريق يزيد بن زياد، عن عمة عبيد بن أبي الجعد، عن
زياد بن أبي الجعد، عن وابصة.
قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) (٤٤٩/١): وهذا إسناد صحيح.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٨/٢): ورواه البزار في مسنده بالأسانيد الثلاثة المذكورة، ثم قال: أما
حديث عمرو بن راشد فإن عمرو بن راشد رجل لا يعلم حدث إلا بهذا الحديث، وليس معروفاً بالعدالة
فلا يحتج بحديثه، وأما حديث حصين فإن حصيناً لم يكن بالحافظ فلا يحتج بحديثه في حكم، وأما
حديث يزيد بن زياد فلا نعلم أحداً من أهل العلم إلا وهو يضعف أخباره فلا يحتج بحديثه، وقد روي
عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف عن وابصة، وهلال لم يسمع من وابصة أ. هـ.
والحديث أخرجه أيضاً:
عبد الرزاق (٥٩/٢)، رقم (٢٤٨٢)، وابن الجارود (٣١٩)، عن عبد الرحمن بن بشر عنه، قال: ثنا
الثوري عن منصور، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة به.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٨/٢) قال البيهقي في ((المعرفة)): وإنما لم يخرجاه صاحباً الصحيح لما
وقع في إسناده من الاختلاف. وقد رجح الأئمة بعض هذه الأسانيد عن بعضها.
فرجح الترمذي (٤٤٥/١ - ٤٤٦)، طريق حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة.
وانظر كتاب العلل ص (٦٧)، رقم (٩٥).
وخالفه أبو حاتم فرجح طريق عمرو بن مرة عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة.
=
وقال: عمرو بن مرة أحفظ. كما في ((العلل)) لابنه (١/ ١٠٠) ومنهم من ضعف هذه الطرق كلها.

٦٣٢
كتاب الصلاة
حُجْزَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ: ((أَعِدْ صَلاَتَكَ؛ فَإِنَّهُ لاَ صَلاَةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ))(١).
ولنا: ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: ((أَقَامَنِي النَّبِيُّ وَّهُ وَاليَتِيمَ
وَرَاءَهُ، وَأَقَامَ أُمِّي أُمَّ سُلَيْمٍ وَرَاءَنَا))(٢) جوز اقتداءها به عن انفرادها خلف الصفوف، ودل
كالبزار في مسنده، كما تقدم، وذكره الزيلعي (٣٨/٢) وللشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي))
=
(٤٥٠/١ - ٤٥١) رأيا آخر فقال رحمه الله: والراجح الصحيح، أن هذه الروايات يؤيد بعضها بعضاً، ولا
يضرب بعضها ببعض، وكلها أسانيد صحاح، رواتها ثقات ... والظاهر - عندي - أن هلال بن يساف
سمعه من عمرو بن راشد عن وابصة، ثم لقى وابصة بحضور زياد بن أبي الجعد، وأن زياداً حدثه به،
والشيخ يسمع فصار يرويه في بعض أحيانه عن عمرو بن راشد، وفي بعضها عن زياد، عن وابصة، إذا
هو الذي حدثه به، وفي بعضها عن وابصة، إذ سمع الشيخ حين التحديث، وفي بعضها يحكي ما حصل
من تحديث زياد بحضرة وابصة، وكل صحيح، وكل ثابت.
وللحديث طريق آخر عن وابصة:
قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٠٤/١) رقم (٢٨١): سألت أبي عن حديث رواه عمر بن علي بن أشعث بن
سواد، عن بكير بن الأخنس، عن حنش بن المعتمر، عن وابصة بن معبد ... فذكر الحديث، ثم قال: قال
أبي: أما عمر فحله الصدق، وأشعث هو أشعث، قال أبو محمد: يعني أنه ضعيف الحديث، وهو أشعث بن
سوار، قال أبو محمد: قلت لأبي: حنش أدرك وابصة، قال: لا أبعده. أ. هـ.
وقع في نسخة العلل: بكير بن الأخفش، وهو خطأ صوابه الأخنس، ووقع أيضاً حفش بن المعتمر
و صوابه حنش .
ولحدیث وابصة شاهد من حديث ابن عباس :
أخرجه البزار (١/ ٢٥٠)، رقم (٥١٦)، من طريق النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأى
النبي و 18 رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمر أن يعيد الصلاة قال البزار: لا نعلمه يروي عن ابن
عباس إلا بهذا الإسناد، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٩٩/٢)، وقال: رواه البزار والطبراني في ((الكبير)
و ((الأوسط))، وفيه النضر أبو عمر أجمعوا على ضعفه.
وله شاهد آخر مرسل :
أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) ص (١١٦) عن مقاتل بن حيان قال: قال النبي ◌َّ: إذا جاء رجل فلم يجد أحداً.
فليختلج إليه رجلاً من الصف فليقم معه، فما أعظم أجر المختلج، وأخرجه البيهقي (١٠٥/٣)، عن أبي داود.
(١) ينظر الحديث السابق.
(٢) أخرجه مالك (١/ ١٥٣): كُتّابُ قصر الصلاة: باب جامع سجدة الضحى، الحديث (٣١)، والبخاري (٢/
٣٤٥): كتاب الأذان: باب وضوء الصبيان، الحديث (٨٦١)، ومسلم (١/ ٤٥٧): كتاب المساجد: باب جواز
الجماعة في النافلة، الحديث (٦٥٨/٢٦٦)، وأحمد (١٣١/٣)، وأبو داود (٤٠٧/١): كتاب الصلاة: باب إذا
كانوا ثلاثة، الحديث (٦١٢)، والترمذي (١٤٨/١): كتاب الصلاة: باب الرجل يصلي ومعه الرجال والنساء،
الحديث (٢٣٤)، والنسائي (٢/ ٨٥) كتاب الإمامة: باب إذا كانوا ثلاثة، وجماعة من حديث إسحاق بن
عبد الله أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة، دعت رسول الله وَ﴾ لطعام صنعته فأكل منه، ثم قال:
قوموا فلأصلي لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود، من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه
رسول الله ◌َ﴾، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله وَ ل﴿ ركعتين، ثم انصرف.

٦٣٣
كتاب الصلاة
الحديث على أن محاذاة المرأة مفسدة صلاة الرجل، لأنه أقامها خلفهما مع نهيه عن الانفراد
خلف الصف؛ فعلم أنه إنما فعل صيانة لصلاتهما، وروي أن أبا بكرة(١) - رضي الله عنه - دَخَلَ
المَسْجِدَ وَرَسُولُ الله ◌َّهِ رَاكِعْ، فَكَبَّرَ، وَرَكَعَ وَدَبَّ حَتَّى الْتَحَقَ بالصُّفُوفِ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ مِنْ
صَلاَتِهِ قَالَ: ((زَادَكَ الله حِرْصاً، وَلاَ تَعُذْ))(٢) أو قال: ((لاَ تَعُذْ)) جوز اقتداءه به خلف الصف،
(١) نُفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن
ثقيف .. أبو بكرة، الثقفي، أخو زياد بن أبيه لأمه.
أمه: سمية حارثة الحارث بن كلدة.
قال ابن الأثير :
هو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله وَلّر من حصن الطائف في بَكْرَةَ (الفتى من الإبل) وكني أبا بَكْرَةَ
وأعتقه رسول الله وَّلير وهو معدود من مواليه وكان أبو بكرة يقول: إني من إخوانكم في الدين وأنا مولى
رسول الله وَّل وإن الناس إلا أن ينسبوني فأنا: نفيع بن مَسْروح.
توفي بالبصرة سنة (٥١ أو ٥٢).
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٣٨/٦)، الإصابة (٢٢/٧)، تجريد أسماء الصحابة (١٥٢/٢)، التاريخ
الكبير (٩١/٩)، التاريخ الصغير (٩٦/١)، الكني والأسماء (١٨، ١٢٤)، تاريخ الثقات (١٩١٧)، معرفة
الثقات (٢١٠٣).
(٢) أخرجه أحمد (٣٩/٥)، والبخاري (٣١٢/٢): كتاب الأذان: باب إذا ركع دون الصف، الحديث
(٧٨٣)، وأبو داود (٤٤٠/١): كتاب الصلاة: باب الرجل يركع دون الصف، الحديث (٦٨٣)،
والنسائي (١١٨/٢): كتاب الإمامة: باب الركوع دون الصف، والبيهقي (١٠٦/٣): كتاب الصلاة: باب
جواز الصلاة دون الصف، وابن الجارود ص (٨٨) رقم (٣١٨)، والطبراني في ((الصغير)) (٩٥/٢)،
والبغوي في شرح السنة (٣٨٨/٢ - بتحقيقنا)، من رواية الحسن عنه، أنه انتهى إلى النبي ◌َّيقر، وهو راكع
فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ◌َ﴿ فقال: زادك الله حرصاً ولا تَعُذْ))، وقد أخرجه
الطبراني في ((الكبير))، كما في («مجمع الزوائد)) (٧٩/٢)، بزيادة: صلّ ما أدركت واقض ما سبقك.
وقال الهيثمي: قلت: هو في الصحيح، وغيره خلا قوله: ((صل ما أدركت واقض ما سبقك.
أخرجه الطبراني في ((الكبير))، وفيه عبد الله بن عيسى الحزاز، وهو ضعيف أ. هـ.
وقال أبو زرعة الرازي: منكر الحديث.
وقال الذهبي ضعفوه، وقال الحافظ : ضعيف.
ينظر سؤالات البرذعي ص (٥٢٩) والمغني (١ /٣٥٠) وتقريب التهذيب (٤٣٨/١).
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٨٥/١): اختلف في معنى قوله: ولا تعد، فقيل: نهاه عن العود إلى
الإحرام خارج الصف، وأنكر هذا ابن حبان، وقال: أراد لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة، وقال ابن
القطان الفاسي تبعاً للمهلب بن أبي صفرة: معناه لا تعد إلى دخولك في الصف وأنت راكع، فإنها كمشية
البهائم، ويؤيده رواية حماد بن سلمة في مصنفه عن الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أنه دخل
المسجد ورسول الله وَلا يصلي، وقد ركع، فركع ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف النبي وَل
قال: أيكم دخل في الصف وهو راكع؟ فقال له أبو بكرة: أنا، فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ))، وقال
غيره: بل معناه لا تعد إلى إتيان الصلاة مسرعاً، واحتج بما رواه ابن السكن في صحيحه بلفظ: ((أقيمت =

٠ ٦٣٤
كتاب الصلاة
والدليل عليه: أنه لو تبيّن أن من بجنبه كان محدثاً تجوز صلاته بالإجماع، وإن كان هو منفرداً
خلف الصف حقيقة .
والحديث محمول على نفي الكمال، والأمر بالإعادة شاذ.
ولو ثبت فيحتمل أنه كان بينه وبين الإمام ما يمنع الاقتداء، وفي الحديث ما يدل عليه؛
فإنه قال: في حجرة من الأرض، أي: ناحية، لكن الأولى - عندنا - أن يلتحق بالصف إن وجد
فرجة ثم يكبّر، ويكره له الانفراد من غير ضرورة، ووجه الكراهة نذكره في بيان ما يكره فعله
في الصلاة .
ولو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف ذكر في ((الفتاوى)) عن محمد بن سلمة: أنه إن مشى
في صلاته مقدار صف واحد لا تفسد، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت، وكذلك المسبوق إذا
قام إلى قضاء ما سبق به، فتقدم حتى لا يمر الناس بين يديه - أنه إن مشى قدر صف لا تفسد
صلاته، وإن كان أكثر من ذلك فسدت، وهو اختيار الفقيه أبي الليث، سواء كان في المسجد
أو في الصحراء ومشى مقدار صف ووقف - لا تفسد صلاته، وقدر بعض أصحابنا بموضع
سجوده، وبعضهم بمقدار الصفين؛ إن زاد على ذلك فسدت صلاته.
فضلْ
في واجبات الصلاة
وأما واجباتها(١) فأنواع: بعضها قبل الصلاة، وبعضها في الصلاة، وبعضها عند الخروج
من الصلاة، وبعضها في حرمة الصلاة بعد الخروج منها.
أما الذي قبل الصلاة فاثنان: أحدهما: الأذان والإقامة.
الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت في الصف، فلما قضى الصلاة قال: ((من الساعي آنفاً؟ قال أبو بكرة:
=
فقلت أنا، فقال: زادك الله حرصاً ولا تَعُد)».
(فائدة) روى الطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن الزبير يعارض هذا الحديث، فأخرج من حديث ابن
وهب عن ابن جريج، عن عطاء، سمع ابن الزبير على المنبر يقول: إذا دخل أحدكم المسجد والناس
· ركوع، فليركع حين يدخل، ثم يدب راكعاً حتى يدخل الصف، فإن ذلك السنة، قال عطاء: وقد رأيته
يصنع ذلك، وقال: تفرد به ابن وهب، ولم يروه عنه غيره حرملة، ولا يروي عن ابن الزبير إلا بهذا
الإسناد أ. هـ.
(١) في هامش ب: بيان واجبات الصلاة.

٦٣٥
كتاب الصلاة
[فصل](١)
والكلام(٢) في الأذان يقع في مواضع: في بيان وجوبه في الجملة، وفي بيان كيفيته،
وفي بيان سببه وفي بيان محل وجوبه، وفي بيان وقته، وفي بيان ما يجب على السامعين عند
سماعه .
أما الأول: فقد ذكر محمد ما يدل على الوجوب؛ فإنه قال: إن أهل بلدة لو اجتمعوا
على ترك الأذان لقاتلتهم عليه، ولو تركه واحد ضربته وحبسته، وإنما يقاتل ويضرب ويحبس
على ترك الواجب، وعامة مشايخنا قالوا: إنهما سنتان مؤكدتان؛ لما روى أبو يوسف عن أبي
حنيفة أنه قال في قوم صلُّوا الظهر أو العصر في المصر بجماعة، بغير أذان ولا إقامة: فقد
أخطؤوا السنة، وخالفوا وأثموا، والقولان لا يتنافيان؛ لأن السنّة المؤكدة والواجب سواء؛
خصوصاً السنّة التي هي من شعائر الإسلام فلا يسع تركها، ومن تركها فقد أساء؛ لأن ترك
السنّة المتواترة يوجب الإساءة، وإن لم تكن من (شعائر)(٣) الإسلام؛ فهذا أولى. ألا ترى أن
أبا حنيفة سماه سنة ثم فسره بالواجب؛ حيث قال: أخطؤوا السنّة وخالفوا وأثموا؛ والإثم إنما
يلزم بترك الواجب.
ودليل الوجوب حديث عبد الله بن زَيْدِ بْنِ عَبْدٍ رَبِّهِ الأنصاري (٤) - رضي الله عنه - وَهُوَ
الأَضْلُ في باب الأَذَانِ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللهِ وَّرَكَانَ تَفُوتُهُمُ الصَّلاَةُ مَعَ الجَمَاعَةِ
لا شْتِبَاهِ/ الوَقْتِ عَلَيْهِمْ، وَأَرَادُوا أَنْ يَنْصِبُوا لِذَلِكَ عَلاَمَةً، قَالَ بَعْضُهُمْ: نَضْرِبُ بِالنَّاقُوسِ، فَكَرِهُوا ٧٢ب
ذَلِكَ؛ لِمَكَانِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَضْرِبُ بِالشَّبُّورِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ؛ لِمَكَّانِ اليَهُودِ، وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: نُوقِدَ نَاراً عَظِيمَةً فَكَرِهُوا ذَلِكَ لِمَكَانِ المَجُوسِ، فَتَفَرَّقُوا مِنْ غَيْرِ رَأْيِ أَجْتَمَعُوا عَلَيْهِ،
فَدَخَلَ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ مَنْزِلَهُ فَقَدَّمَتِ آمْرَأَتُهُ العَشَاءَ، فَقَالَ: ((مَا أَنَا بِآكِل، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِوَّ
يَهُمُّهُمْ أَمْرُ الصَّلاَةِ . .. إِلَى أَنْ قَالَ: كُنْتُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ؛ إِذْ رَأَيْتُ نَازِلاَ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَعَلَيْهِ
بُرْدَانِ أَخْضَرَانٍ، وَبِيَدِهِ نَاقُوسٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَبِيعُ مِّنَّ هُذَا النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ:
(١) سقط في أ، ط.
(٢) في هامش ب: الكلام في الأذان.
(٣) في ب: شعار.
(٤) عبد الله بن زيد بن عبد رَبُّه بن زيد بن الحارث الأنصاري الخزرجي الذي أُرِيّ النداء، له حديث، وعنه
ابن المسيِّب وغيره. قال يحيى بن بكير: مات سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمان. رضي الله عنهم
أجمعين .
ينظر الخلاصة (٥٨/٢)، وتهذيب الكمال (٦٨٤/٢)، الإصابة (٩٧/٤)، وأسد الغابة (٢٤٧/٣)،
وتجريد أسماء الصحابة (٣١٢/١).

٦٣٦
كتاب الصلاة
أَذْهَبُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهْ لِيَضْرِبَ بِهِ لِوَقْتِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: أَلاَ أَدُلَّكَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ؟ فَقُلْتُ:
نَعَمْ، فَوَقَفَ عَلَى جِذْم حَائِطٍ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وَقَالَ: ((الله أكبر)) الأَذَانَ المَعْرُوفَ إِلَى آخِرِهِ، [قَالَ](١)
ثُمَّ مَكَثَ هُنَيْهَةٌ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّ أَنَّهُ زَادَ فِي آخِرِهِ: ((قَدْ قَامَتِ / الصَّلاَةُ)) مَرَّتَيْنِ .
قال: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِوَ فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَرُؤْيَا حَقِّ؛ فَأَلْقِهَا إِلَى بِلاَلِ؛
فَإِنَّهُ أَنْدَى وَأَمَدُّ صَوْتاً مِنْكَ، وَمُرْهُ يُنَادِي بِهِ))(٢) فلما سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
أذان بلالٍ، خرج مِنَ المنزل يَجُرُّ ذَيْلَ ردائه، فقال: يا رسول الله، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ
طَافَ بِيَ اللَّيْلَةَ مِثْلُ مَا طَافَ بِعَبْدِ الله، إِلاَّ أَنَّهُ سَبَقَنِي بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((الحَمْدُ لله،
وَإِنَّهُ لاَ ثَبْتُ))، فقد أمر رسول الله وَ ل# عبد الله أن يلقي الأذان إلى بلال، ويأمره ينادي به،
ومطلقُ الأمْرِ لوجوبِ العمل.
وروي عن محمد ابن الحنفية(٣) أنه أنكر ذلك، ولا معنى للإنكار؛ فإنه روي عن معاذ،
(١) سقط في ب.
(٢) أخرجه أحمد (٤٣/٤)، الدارمي (٨٦٩/١): كتاب الصلاة: باب في بدء الأذان، وأبو داود (٣٣٧/١):
كتاب الصلاة: باب كيف الأذان، الحديث (٤٩٩)، والترمذي (٣٥٩/١): كتاب الصلاة: باب ما جاء في
بدء الأذان (١٨٩)، وابن ماجة (٢٣٢/١): كتاب الأذان: باب بدء الأذان، الحديث (٧٠٦)، وابن
الجارود (ص ٦٢): باب ما جاء في الأذان، الحديث (١٥٨)، والدارقطني (٢٤١/١): كتاب الصلاة:
باب ذكر الإقامة، واختلاف الروايات فيها الحديث (٢٩)، والبيهقي: (١/ ٣٩٠): كتاب الصلاة: باب بدء
الأذان، وعبد الرزاق (٤٦٠/١) رقم (١٧٨٧)، وابن خزيمة (١٩٣/١) رقم (٣٧١) وابن حبان (٢٨٧ -
موارد)، من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن
عبد الله بن زيد، عن أبيه قال: ((لما أمر رسول الله وي ليه بالناقوس ليضرب في الجميع للصلاة طاف بي
وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت له: يا عبد الله، أتبيع الناقوس قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت:
ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى قال: تقول: الله
أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر)». هكذا أربع مرات، وذكر بقية الآذان)».
وقال الترمذي: حديث عبد الله بن زيد حسن صحيح، وعبد الله بن زيد هو ابن عبد ربه.
ولا نعرف له عن النبي و لو شيئاً يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان.
وأخرج البيهقي (١/ ٣٩٠) بسنده عن محمد بن يحيى الذهلي، قال: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في
قصة الأذان خبر أصح من هذا ...
وفي كتاب العلل لأبي عيسى الترمذي قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال:
هو عندي صحیح.
(٣) محمد بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي، أبو القاسم المعروف بابن الحنفية: أحد الأبطال الأشداء
في صدر الإسلام. وهو أخو الحسن والحسين، غير أنَّ أمهما فاطمة الزهراء، وأمه خولة بنت جعفر
الحنفية، ينسبُ إليها تمييزاً له عنهما. وكان يقول: الحسن والحسين أفضل مني وأنا أعلمُ منهما، كان ورعاً
قَوِيًّا. ولد سنة ٢١ هـ. وقيل: إنه خرج إلى الطائف هارباً من ابن الزبير فمات هناك سنة ٨١ هـ.
انظر: ابن سعدة: ٦٦، وفيات الأعيان (٤٤٩/١)، الأعلام (٢٧٠/٦).

٦٣٧
كتاب الصلاة
وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: إن أصل الأذان رؤيا
عبد الله بن زيد(١) الأنصاري - رضي الله عنه - وهذا لأن أصل الأذان وإن كان رؤيا عبد الله،
لكن النبي ◌َّ لما شهد بحقيقة رؤياه ثبتت حقيقتها، ولما أمره بأن يأمر بلالاً ينادي به ثبت
وجوبه لما بينا، ولأن النبي ◌ّ واظب عليه في عمره في الصلوات المكتوبات. ومواظبته دليل
الوجوب، مهما قام عليه دليل عدم الفرضية وقد قام هاهنا.
فصل في كيفية الأذان
وأما(٢) بيان كيفية الأذان: فهو على الكيفية المعروفة المتواترة، من غير زيادة ولا نقصان
عند عامة العلماء.
وزاد بعضهم ونقص البعض، فقال مالك: يختم الأذان بقوله: الله أكبر؛ اعتباراً للانتهاء
بالابتداء .
ولنا: حديث عبد الله بن زيد، وفيه: الختم بلا إله إلا الله، وأصل الأذان ثبت بحديثه،
فكذا قدره، وما يروون فيه من الحديث فهو غريب فلا يقبل خصوصاً فيما تعمّ به البلوى،
والاعتماد في مقله على المشهور، [وهو ما روينا.
وقال مالك: يكبّر في الابتداء مرتين؛ وهو رواية عن أبي يوسف اعتباراً بكلمة
الشهادتين؛ حيث يؤتى بها مرتين](٣).
ولنا: حديثُ عبد الله بن زيد، وفيه: ((التَّكْبِيرُ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ بِصَوْتَيْن))، وروي عن أبي
محذورة مؤذِّن ((مَّةَ)) أنه قال: ((عَلَّمَنِي رَسُولَ اللهِ وَِّ الأَذَانَ (تِسْعَة)(٤) عَشَرَةَ كَلِمَةٌ، وَالإِقَامَةَ
(سَبْعَة) عَشرة(٥) كَلِمَةٍ))(٦) وإنما يكون كذلك إذا كان التكبيرُ فيه مرتین.
وأما الاعتبار بالشهادتين فنقول: كل تكبيرتين بصوت واحد - عندنا - فكأنهما كلمة
(١) عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن زيد بن الحارث الأنصاري الخزرجي الذي أُرِيّ النداء. له حديث، وعنه
ابن المسيِّب وغيرة قال يحيى بن بكير: مات سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه عثمان.
ينظر ترجمته في: الخلاصة ٥٨/٢ (٣٥١٠).
(٢) في هامش ب: بيان كيفية الأذان.
(٣) سقط في ب.
(٤) في ب: تسعة عشر.
(٥) في ب: سبعة عشر.
(٦) أخرجه أبو داود (٣٤٣/١) كتاب الصلاة: باب كيف الأذان. حديث (٥٠٥) وأحمد (٤٠٩/٣).

٦٣٨
كتاب الصلاة
واحدة؛ فيأتي بهما مرتين كما يأتي بالشهادتين. وقال الشافعي: فيه ترجيع وهو أن يبتدىء
المؤذن بالشهادتين فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله: مرتين. أشهد أن محمداً رسول الله:
مرتين. يخفض بهما صوته، ثم يرجع إليهما ويرفع بهما صوته، واحتجَّ بحديث أبي
مَخْذُورَةٍ (١)؛ أنَّ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ لَهُ: ((أَرْجِعْ، فَمُدَّ بِهِمَا صَوْتَكَ))(٢).
ولنا: حديث عبد الله بن زيد، وليس فيه ترجيع، وكذا لم يكن في أذان بلال وابن أم
(٣) .
مكتوم(٣) ترجيع .
وأما حديث أبي محذورة فقد كان في ابتداء الإسلام، فإنه روي أنه لَمَّا أَذَّنَ، وكان
حديث العهد بالإسلام قال: الله أكبر الله أكبر، أربع مرات بصوتين، ومد صوته، فلما بلغ إلى
الشهادتين - خفض بهما صوته، بعضهم قالوا: إنما فعل ذلك؛ مخافة الكفار، وبعضهم قالوا:
إنه كان جهوري الصوت، وكان في الجاهلية يجهر بسب رسول الله وَّ فلما بلغ إلى الشهادتين
- استحي فخفض بهما صوته، فدعاه رسول الله وَله وعرك أذنه وقال: ((أَرْجِعْ وَقُلْ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ
إِلهَ إِلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ، وَمُذَّ بِهِمَا صَوْتَكَ؛ غَيْظاً لِلْكُفَّارِ)).
وأما الإقامة(٤): فمثنى مثنى عند عامة العلماء، كالأذان/ .
١٧٣
(١) أبو محذورة، المؤذن، الجدحي. قيل اسمه. سُمرة بن معير وقيل أوس بن معير وقيل. مِعير بن محيريز
وقيل سلمان. قال ابن حجر في الإصابة جزم ابن حزم في كتاب النسب بأن سمرة أخوه: قال ابن الأثير:
كان أبو محذورة مؤذن رسول الله و 98 وكان رسول الله وَلقر سمعه يحكي الأذان فأعجبه صوته فأمر أن
يؤتى به فأسلم يومئذٍ وأمره بالأذان بمكة منصرفه من حنين فلم يزل يؤذن فيها ثم ابن محيريز وهو ابن عمه
ثم ولد ابن محيريز ثم صار الأذان إلى ولد ربيعة بن سعد بن جمح. وكان أبو محذورة من أحسن الناس
صوتاً وسمعه عمر يوماً يؤذن فقال: كدت أن ينشق مُربطاؤك توفي سنة (٥٩) وقيل (٧٩).
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٢٧٨/٦)، الإصابة (١٧٢/٧)، تجريد أسماء الصحابة (٢٠٠/٢)، بقي بن
مخلد (١٩٤)، الاستيعاب (١٧٥١/٤)، الكنى والأسماء (٥٢/١)، تقريب التهذيب (٢٦٩/٢)، تهذيب
التهذيب (١٢/ ٢٢٢).
(٢) تقدم.
(٣) عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم (حُبذب) بن هَرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن
لؤي. المؤذن، القرشي، العامري (شهرته ابن أم مكتوم.
أمه: أم مكتوم اسمها، عاتكة بنت عنكثة بن عامر. قال ابن الأثير. اختلف في اسمه فقيل عبد الله وقيل:
عمرو وهو الأكثر قاله مصعب والزبير. هاجر إلى المدينة بعد مصعب بن عمير وقيل قدمها بعد بدر بيسير
واستخلفه رسول الله و يقر على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته منها غزوة الأبواء وبواط وذو
العشيرة ... وشهد فتح القادسية ومعه اللواء وقتل بالقادسية شهيداً. توفي بالقادسية شهيداً.
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٢٦٤/٤) الإصابة (١١/٠) تجريد أسماء الصحابة (٣١٧/١) الاستيعاب (٣/
٤/ ٩٩٧) الثقات (٢١٤/٣) التحفة اللطيفة (٢٩٨/٢) الطبقات الكبرى (٣١/٢) حلية الأولياء (٤/٢).
(٤) في هامش ب: الإقامة مثنى مثنى.

٦٣٩
كتاب الصلاة
وعند مالك والشافعي: فرادى فرادى إلا قوله: ((قَدْ قَامَتِ الصَّلاَهُ)» فإنه بقولها مرتَيْن عند
الشافعي، واحتجًّا بما رُوِيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكَ: ((أَنَّ بِلاَلاً - رضي الله عنه - أُمِرَ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ،
وَيُوَتر الإِقَامَةَ)). والظاهِرُ أَنَّ الآمِرَ كان رَسُولَ اللهِ وَلِ(١).
ولنا: حديث عبد الله بن زيد: أن النازل من السماء أتى بالأذان، ومكث هنيهة ثم قال
مثل ذلك، إِلاَّ أنه زاد في آخره مرتين: قد قامت الصلاة.
وروينا في حديث أبي محذورة: والإِقَامَةُ سَبْعَ عَشْرَةً كَلِمَةً، وإنما تكون كذلك - إذا
كانت مثنى.
وقال إبراهيم النخعي: كان الناس يشفعون الإقامة، حتى خرج هؤلاء - يعني: بني أمية -
فأفردوا الإقامة، ومثله لا يكذب. وأشار إلى كون الإفراد بدعه. والحديث محمول على الشفع
والإيتار في حق الصوت والنفس، دون حقيقة الكلمة؛ بدليل ما ذكرنا. والله أعلم.
وأما التثويب: (٢) فالكلام في ثلاثة مواضع:
أحدها: في تفسير التثويب فيه الشرع.
والثاني: في المحل الذي شرع فيه.
والثالث: في وقته.
أما الأول: فقد ذكره محمد - رحمه الله - في ((كتاب الصلاة))، قلت: أرأيت كيف
التثويب في صلاة الفجر؟ قال: كان التثويب الأول بعد الأذان: الصلاة خير من النوم، فأحدث
(١) أخرجه الطيالسي ص (٢٨٠ - ٢٨١)، الحديث (٢٠٩٥)، وأحمد (١٠٣/٣)، والدارمي (٢٧٠/١):
كتاب الصلاة: باب الأذان مثنى مثنى، والبخاري (٨٢/٢): كتاب الأذان: باب الأذان مثنى مثنى،
الحديث (٦٠٥)، ومسلم (٢٨٦/١): كتاب الصلاة: باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، الحديث (٢/
٣٧٨)، وأبو داود (٣٤٩/١): كتاب الصلاة. باب في الإقامة، الحديث (٥٠٨)، والترمذي (٣٦٩/١ -
٣٧٠): كتاب الصلاة: باب ما جاء في إفراد الإقامة، الحديث (١٩٣)، وابن ماجة (٢٤١/١): كتاب
الأذان: باب إفراد الإقامة، الحديث (٧٣٠)، وابن الجارود ص (٦٣): كتاب الصلاة: باب ما جاء في
الأذان، الحديث (١٥٩)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٢/١): كتاب الصلاة: باب الإقامة
كيف هي، والدارقطني (٢٣٩/١): كتاب الصلاة: باب ذكر الإقامة، والبيهقي (٤١٢/١): كتاب الصلاة:
باب إفراد الإقامة، واستدركهُ الحاكم (١٩٨/١)، وقال: لم يخرجاه بهذه السياقة وهو على شرطهما،
كلهم من طرق كثيرة عن أبي قلابة عن أنس.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) في هامش ب: الكلام في التثويب.

٦٤٠
كتاب الصلاة
الناس هذا التثويب، وهو حسن؛ فسر التثويب وبيَّن وقته، ولم يفسر التثويب المحدث، ولم
يبين وقته، وفسر ذلك في ((الجامع الصغير) وبين وقته، فقال/ التثويب: الذي يصنعه الناس بين
الأذان والإقامة في صلاة الفجر، حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين - حسن، وإنما
سماه محدثاً؛ لأنه أحدث في زمن التابعين، بالحسن؛ لأنهم استحسنوه، وقد قال وَالَ: (مَا رآهُ
المُؤْمِنُونَ حَسَناً فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنَّ، وَمَا رَآهُ المُؤْمِنُونَ قَبِيحاً فَهُوَ عِنْدَ اللهَ قَبِيحٌ))(١).
وأما محل التثويب: فمحل الأول: هو صلاة الفجر عند عامة العلماء. وقال بعض الناس
بالتثويب في صلاة العشاء - أيضاً - وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى - في ((القديم))،
وأنكر التثويب في الجديد رأساً.
وجه قوله الأول: أن هذا وقت نوم وغفلة، كوقت الفجر - فيحتاج إلى زيادة إعلام، كما
في وقت الفجر. وجه قوله الآخر: أن أبا محذورة علمه رسول الله وَ لَالأَذَانَ تِسْعَةَ عَشْرَةً
كَلِمَةً، وليس فيها التثويب، وكذا ليس في حديث عبد الله بن زيد ذكر التثويب.
ولنا ما روى عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى عَنْ بِلال - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّ: ((يَا بِلاَلُ ثَوِّبْ فِ الفَجْرِ، وَلاَ تُقَوِّبْ فِي غَيْرِهَا))(٢) فبطل به المذهبان جميعاً. وعن
(١) لا أصل لهذا الحديث مرفوعاً إنما ورد موقوفاً عن عبد الله بن مسعود من طرق.
فأخرجه أحمد (٣٧٩/١) والبزار (٨١/١ - كشف) رقم (١٣٠) كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش عن
عاصم عن ذر بن جبيش عن ابن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب
العباد ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم أنصار دينه فما رآه
المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح.
ومن طريق أحمد أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٧٨/٣) مختصراً وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه
ووافقه الذهبي وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص (٣٦٧): وهو موقوف حسن أ. هـ.
قلت: وقد وهم السخاوي في هذا الحديث حيث عزاه إلى الإمام أحمد في السنة وقال: ووهم من عزاه
للمسند. فظهر من تخريج الأثر أنه رحمه الله هو الواهم في توهيم من عزا هذا الأثر إلى المسند.
وللحديث طريق آخر قد أشار إليه البزار فقال عقب الطريق الأول: رواه بعضهم عن عاصم عن أبي وائل
عن عبد الله .
وهذا الطريق أخرجه أبو داود الطيالسي (٣٣/١ - منحة) رقم (٦٩) ومن طريقه أبو نعيم في ((حلية الأولياء))
(٣٧٥/١) من طريق عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود.
والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٢٥/١) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير))
ورجاله موثقون وقال الحافظ ابن كثير في ((تحفة الطالب)) ص (٤٥٥): هذا مأثور عن عبد الله بن مسعود
بسند جيد .
(٢) روى نحوه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال قال رسول الله وَ طيور: ((لا تثوبن في شيء من
الصلوات إلا في صلاة الفجر)).
أخرجه الترمذي (٣٧٨/١) أبواب الصلاة باب ما جاء في التثويب في الفجر (١٩٨) وأحمد في المسند =