Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الصلاة
حديثاً رواه الثوري عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي وَّ قال: ((من كان له
=
إمام، فقراءة الإمام له قراءة))، قال أبي: هذا يرويه بعض الثقات عن موسى بن أبي عائشة، عن
عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة قال أبي: ولا يختلف أهل العلم أن من قال موسى بن أبي
عائشة، عن جابر أنه قد أخطأ، قال أبو محمد - يعني ابن أبي حاتم - قلت: الذي قال عن موسى بن أبي
عائشة، عن جابر فأخطأ هو النعمان بن ثابت - يعني أبا حنيفة - قال: نعم.
وقال البيهقي في ((المعرفة)) (٥٠/٢): رواه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وأبو
عوانة، وجماعة من الحفاظ عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد، عن النبي وَلّ مرسلاً.
أ.هـ.
قلت: وكلام أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي يؤكد خطأ رواية أبي حنيفة، والحسن بن عمارة، عن
موسى بن أبي شداد عن جابر مرفوعاً.
والصواب عن عبد الله بن شداد مرسلاً.
الطريق الثاني :
أخرجه الطحاوي (٢١٨/١): كتاب الصلاة: باب القراءة خلف الإمام، والدارقطني (٣٢٧/١): كتاب
الصلاة: باب من كان له إمام ... (٩) من طريق يحيى بن سلام، ثنا مالك، ثنا وهب بن كيسان، عن
جابر مرفوعاً بلفظ: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا أن يكون وراء إمام)).
وقال الدارقطني: يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف.
قلت: لكنه توبع على هذا الحديث.
فقد أخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) كما في «نصب الراية)) (١٠/٢)، من طريق عاصم بن عصام،
عن يحيى بن نصر بن حاجب، عن مالك، عن وهب ابن كيسان به.
قال الدارقطني: هذا باطل لا يصح عن مالك، ولا عن وهب بن كيسان، وفيه عاصم بن عصام لا
يعرف. أ.هـ.
أما الموقوف، والذي صوبه الدارقطني.
فأخرجه مالك (٨٤/١): كتاب الصلاة: باب ما جاء في أم القرآن (٣٨)، والبيهقي (١٦٠/٢).
وقال البيهقي: هذا هو الصحيح، عن جابر من قوله غير مرفوع، وقد رفعه يحيى بن سلام، وغيره من
الضعفاء عن مالك وذلك مما لا يحل روايته على طريق الاحتجاج به، وقد يشبه أن يكون مذهب جابر في
ذلك ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقرآن دون ما لا يجهر أ. هـ.
الطريق الثالث :
أخرجه الدارقطني (٣٣١/١): كتاب الصلاة: باب من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، والطبراني في:
((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (١٠/٢)، من طريق سهل بن العباس الترمذي، ثنا إسماعيل بن علية،
عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وَطاهر: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)».
قال الدارقطني: هذا حديث منكر، سهل بن العباس ليس بثقة، وقال الطبراني: لم يرفعه أحد عن ابن
علية إلا سهل بن العباس، ورواه غيره موقوفاً .
ومما سبق يتبيّن أن جميع طرق الحديث عن جابر لم يصح منها شيء إلا طريق عبد الله بن شداد
المرسل .
=

٥٢٢
كتاب الصلاة
حدیث عبد الله بن عمر :
=
أخرجه الدارقطني (٣٢٦/١): كتاب الصلاة: باب من كان له إمام (٦)، من طريق محمد بن الفضل عن
أبيه عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي وَ لقر قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)).
قال الدارقطني: ((محمد بن الفضل متروك)).
وللحديث طريق آخر :
أخرجه الدارقطني أيضاً (٤٠٢/١) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٣٧/١)، من طريق خارجة، عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَلّر: ((من صلّى خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له
قراءة)) .
قال الدارقطني: رفعه وهم.
ثم أخرجه من طريق أحمد بن حنبل، ثنا إسماعيل بن علية، ثنا أيوب، عن نافع وأنس بن سيرين، أنهما
حُدِّثا عن ابن عمر أنه قال: ((في القراءة خلف الإمام تكفيك قراءة الإمام)) .
ومثله موقوفاً في ((الموطأ)) (٨٦/١) رقم (٤٣)، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ
أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلّى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلّى وحده يقرأ؟ قال:
وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٢/١)، من طريق إسماعيل بن عمرو بن نجيح، ثنا الحسن بن صالح
عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَلّهو: ((من كان له إمام فقراءة الإمام
له قراءة)) .
وقال ابن عدي: إسماعيل بن عمرو بن نجيع حدث بأحاديث لم يتابع عليها، وهو ضعيف.
قلت: لكنه توبع على هذا الحديث سنداً ومتناً.
تابعه النضر بن عبد الله.
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (١١/٢)، و((مجمع الزوائد» (١١٤/٢)، ثنا
محمد بن إبراهيم بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني ثنا أبي، عن جدي، عن النضر بن عبد الله، ثنا
الحسن بن صالح، عن هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري به.
لتنحصر علة الحديث في أبي هارون العبدي.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (١١٤/٢): رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه أبو هارون العبدي، وهو متروك
أ.هـ.
حديث أبي هريرة:
أخرجه الدارقطني (٣٣٣/١): كتاب الصلاة: باب من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة (٣١)، من طريق
محمد بن عباد الرازي، ثنا أبو يحيى التيمي، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله وَالر: ((من كان له إمام فقراءته له قراءة)).
قال: الدارقطني: أبو يحيى التيمي، ومحمد بن عباد ضعيفان.
حديث ابن عباس :
أخرجه الدارقطني (٣٣٣/١): كتاب الصلاة: باب من كان له إمام (٣٣) من طريق عاصم بن عبد العزيز، =

كتاب الصلاة
٥٢٣
عن أبي سهيل، عن عوف، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّر قال: ((يكفيك قراءة الإمام خافت أو قرأ».
=
قال أبو موسى: قلت لأحمد بن حنبل في حديث ابن عباس هذا في القراءة، فقال: هذا منكر.
وقال الدارقطني: عاصم ليس بالقوي، ورفعه وهم.
قال أبو الطبيب آبادي في ((التعليق المغني)) (٣٣٣/١-٣٣٤): وفيه عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، قال
النسائي، والدارقطني: ليس بالقوي، وقال البخاري: فيه نظر، وروي عنه ابن المديني، وإسحاق بن
موسی، ووثقه معین بن عیسی.
وذكره الحافظ أبو محمد الغساني في كتابه.
تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني ص١٥٣، رقم (٢٧١)، وص١٥٤، رقم (٢٧٧).
حديث ابن مسعود :
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((اللسان)) (١٩٧/١)، ثنا علي بن رومان، عن محمد بن الهيثم، عن
أحمد بن عبد الله بن ربيعة بن العجلان، ثنا سفيان الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله
ابن مسعود مرفوعاً: ((إذا صلّى أحدكم فليصمت خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة، وصلاته له صلاة)).
وقال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا أحمد، ومن طريق الطبراني أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد))
(٤٢٦/١١)، وقال أحمد بن ربيعة: شيخ مجهول. وقال الحافظ في ((اللسان)) (١٩٧/١): هذا حديث
منكر بهذا السياق.
حديث أنس :
أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (٢٠٢/٢)، من طريق غنيم بن سالم، عن أنس، قال: قال رسول
الله وَلقر: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)).
قال ابن حبان: غنيم بن سالم يروي عن أنس بن مالك العجائب، روي عنه المجاهيل والضعفاء، لا
يعجبني الرواية عنه، فكيف الاحتجاج به، وكيف يجوز الاحتجاج بمن يخالف الثقات في الروايات، ثم
لا يوجد من دونه أحد من الثقات.
حديث علي :
أخرجه الدارقطني في سننه (٣٣٠/١): كتاب الصلاة: باب من كان له إمام (١٥)، من طريق غسان بن
الربيع، عن قيس بن الربيع، عن محمد بن سالم عن الشعبي، عن الحارث، عن علي، قال: قال رجل
للنبي وَّلة: ((أقرأ خلف الإمام أو أنصت، قال: بل أنصت فإنه يكفيك)).
وقال الدارقطني: تفرد به غسان، وهو ضعيف، وقيس، ومحمد بن سالم ضعيفان، والمرسل الذي قبله
أُصح منه .
مرسل الشعبي :
أخرجه الدار قطني (٣٣٠/١) من طريق علي بن عاصم، عن محمد بن سالم، عن الشعبي، قال: قال
رسول الله وَل: ((لا قراءة خلف الإمام)).
قال الدارقطني: هل مرسل، ومع إرساله فقد ضعف الدار قطني محمد بن سالم، وعلي بن عاصم من قبل.
ويتلخص مما سبق، أن طرق الحديث كلها ضعيفة، ومعلولة لا يصح منها شيء بمفرده.
قال الحافظ ابن حجر في: ((تلخيص الحبير)) (٢٣٢/١): فائدة حديث من كان له إمام فقراءة الإمام له
قراءة مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة.
=

٥٢٤
كتاب الصلاة
[رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما](١).
ثم المفروض هو أصل القراءة عندنا من غير تعيين. فأما قراءة الفاتحة والسورة عيناً في
الأوليين - فليست بفريضة، ولكنها واجبة على ما يذكر في بيان واجبات الصلاة(٢).
وأما بيان محل(٣) القراءة المفروضة: فمحلها الركعتان الأوليان عيناً في الصلاة الرباعية،
هو الصحيح من مذهب أصحابنا.
وقال بعضهم: ركعتان منها غير عين، وإليه ذهب القدوري، وأشار في الأصل إلى القول
الأول؛ فإنه قال: إذا ترك القراءة في الأوليين يقضيها في الأخريين، فقد جعل القراءة في
الأخريين قضاء عن الأوليين؛ فدل أن محلها الأوليان عيناً.
وقال الحسن البصري: المفروض هو القراءة في ركعة واحدة. وقال مالك: في ثلاث
ركعات. وقال الشافعي: في كل ركعة.
احتج الحسن بقوله تعالى: ﴿فاقرءُوا ما تيسّر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠] والأمر بالفعل لا
يقتضي التكرار، فإذا قرأ في ركعة واحدة فقد امتثل أمر الشرع. وقال النبي وَيّ ((لا صلاة إلا
بقراءة»، أثبت الصلاة بقراءة، وقد وجدت القراءة في ركعة فثبتت الصلاة ضرورة؛ وبهذا يحتج
الشافعي، إلا أنه يقول: اسم الصلاة ينطلق على كل ركعة، فلا تجوز كل ركعة إلا بقراءة؛
لقوله الرَّ: ((لا صلاة إلا بقراءة))](٤)، ولأن القراءة في كل ركعة فرض في النفل ففي الفرض
أولى؛ لأنه أقوى.
ولأن القراءة ركن من أركان الصلاة، ثم سائر الأركان من القيام والركوع والسجود فرض
في كل ركعة؛ فكذا القراءة، وبهذا يحتج مالك، إلا أنه يقول: القراءة في الأكثر أقيم مقام
القراءة في الكل تيسيراً.
ولنا: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإن عمر - رضي الله عنه - ترك القراءة في
المغرب في إحدى الأوليين، فقضاها في الركعة الأخيرة وجهر. وعثمان - رضي الله عنه - ترك
القراءة في الأوليين من صلاة العشاء، فقضاها في الأخريين وجهر وعلي، وابن مسعود - رضي
(١) سقط في أ، ب.
(٢) في أ: هذه الصلوات.
(٣) في هامش ب: محل القراءة الركعتان الأوليان.
(٤) سقط في أ.

٥٢٥
كتاب الصلاة
الله عنهما - كانا يقولان: المصلي بالخيار في الأخريين، إن شاء قرأ، وإن شاء سكت، وإن
شاء سبح .
وسأل رجل عائشة - رضي الله عنها - عن قراءة الفاتحة في الأخريين، فقالت: ليكن على
وجه الثناء(١). ولم يرو عن غيرهم خلاف ذلك، فيكون ذلك إجماعاً ولأن القراءة في الأخريين
ذكر يخافت بها على كل حال؛ فلا تكون فرضاً، كثناء الافتتاح هذا؛ لأن مبنى الأركان على
الشهرة والظهور، ولو كانت القراءة في الأخريين(٢) فرضاً، لما خالفت الأخريان الأوليين في
الصفة كسائر الأركان. وأما الآية: فنحن ما عرفنا فرضية القراءة في الركعة الثانية بهذه الآية. بل
بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما ذكرناه. والثاني: أنا ما عرفنا فرضيتها بنص الأمر،
بل بدلالة النص؛ لأن الركعة الثانية تكرار للأولى، والتكرار في الأفعال إعادة مثل الأول،
فيقتضي إعادة القراءة؛ بخلاف الشفع الثاني؛ لأنه ليس بتكرار الشفع الأول، بل هو زيادة
عليه .
قالت عائشة - رضي الله عنها - الصلاة في الأصل ركعتان، زيدت في الحضر وأقرت في
السفر، والزيادة على الشيء لا يقتضي أن يكون مثله. ولهذا اختلف الشفعان في وصف
القراءة؛ من حيث الجهر والإخفاء وفي قدرها، وهو قراءة السورة؛ فلم يصح الاستدلال، على
أن في الكتاب والسنّة بيان فرضية القراءة، وليس فيهما بيان قدر القراءة المفروضة. وقد خرج
فعل الصحابة - رضي الله عنهم - على مقدار؛ فَيُجْعَلُ/ بياناً لمجمل الكتاب والسنّة؛ بخلاف ٥٥ب
التطوّع؛ لأن كل شفع من التطوّع صلاة على حدّة، حتى إن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد
الشفع الأول؛ بخلاف الفرض. والله أعلم.
وأما في(٣) الأخريين: فالأفضل أن يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ولو سبّح في كل ركعة
ثلاث تسبيحات مكان فاتحة الكتاب، أو سكت - أجزأته صلاته، ولا يكون مسيئاً إن كان عامداً
ولا سهو عليه إن كان ساهياً. كذا روي أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه مخيّر بين قراءة الفاتحة
والتسبيح والسكوت، وهذا جواب ظاهر الرواية؛ وهو قول أبي يوسف، ومحمد.
وروى الحسن عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أنه إن ترك الفاتحة عامداً كان
مسيئاً، وإن [تركها ناسياً](٤) فعليه سجدتا السهو. والصحيح: جواب ظاهر الرواية؛ لما روينا
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٦/١) بنحوه.
(٢) زاد في أ: ركناً.
(٣) في هامش ب: القراءة في الأخريين.
(٤) في ط: كان ساهياً.

٥٢٦
كتاب الصلاة
عن علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما كانا يقولان [إن] (١) المصلي بالخيار في
الأخريين؛ إن شاء قرأ إن شاء سكت وإن شاء سبح. وهذا باب لا يدرك بالقياس، فالمروي
عنهما كالمروي عن النبي وَلهر.
وأما (٢) بيان قدر القراءة: فالكلام فيه يقع في ثلاث مواضع:
أحدها: في بيان القدر المفروض الذي يتعلق به أصل الجواز.
والثاني: في بيان القدر الذي يخرج به عن حد الكراهة.
والثالث: في بيان القدر المستحب.
أما الكلام فيما يستحب من القراءة وفيما يكره - فنذكره في موضعه(٣)، وهاهنا نذكر
القدر الذي يتعلق به أصل الجواز.
وعن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات: في ظاهر الرواية: قدر أدنى المفروض بالآية التامة
طويلة كانت أو قصيرة، كقوله تعالى: ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن: ٦٤] وقوله: ﴿ثم نظر﴾ [المدثر: ٢١]
وقوله: ﴿ثم عبس وبسر﴾ [المدثر: ٢٢].
وفي رواية: الفرض غير مقدر، بل هو على أدنى ما يتناوله الاسم، سواء كانت آية أو ما
دونها، بعد أن قرأها على قصد القراءة.
وفي رواية: قدر الفرض(٤) بآية طويلة، كآية الكرسي، وآية الدين، أو ثلاث آيات
قصار؛ وبه أخذ أبو يوسف، ومحمد وأصله قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسّر من القرآن﴾
[المزمل: ٢٠] فهما يعتبران العرف، ويقولان: مطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف وأدنى ما
يسمى المرء به قارئاً في العرف - أن يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصارٍ .
وأبو حنيفة يحتج بالآية من وجهين:
أحدهما: أنه أمر بمطلق القراءة؛ وقراءة آية قصيرة قراءة.
والثاني: أنه أمر بقراءة ما تيسّر [من القرآن](٥)؛ وعسى لا يتيسّر إلاَّ هذا القدر.
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: أما بيان قدر القراءة في الصلاة.
(٣) في أ: موضعين.
(٤) في ب: المفروض.
(٥) سقط في ب.

٥٢٧
كتاب الصلاة
وما قاله أبو حنيفة أقيس؛ لأن القراءة مأخوذة من القرآن، أي: الجمع سمي بذلك؛ لأنه
يجمع السور، فيضم بعضها إلى بعض، ويقال: قرأت الشيء قرآناً، أي: جمعته، فكل شيء
جمعته فقد قرأته، وقد حصل معنى الجمع بهذا القدر؛ لاجتماع حروف الكلمة عند التكلم،
وكذا العرف ثابت؛ فإن الآية التامة أدنى ما ينطلق عليه اسم القرآن في العرف؛ فأما ما دون
الآية فقد يقرأ لا على سبيل القرآن، فيقال: باسم الله، أو الحمد لله، أو سبحان الله؛ فلذلك
قدرنا بالآية التامة .
على أنه لا عبرة لتسميته قارئاً في العرف، لأن هذا أمير بينه وبين الله - تعالى - فلا يُغْتَبَرُ
فيه عرف الناس، وقد قرر القدوري الرواية الأخرى، وهي أن المفروض غير مقدر، وقال:
المفروض مطلق القراءة من غير تقدير؛ ولهذا يحرم ما دون الآية على الجنب والحائض، إلا
أنه قد يقرأ لا على قصد القرآن؛ وذا لا يمنع الجواز؛ فإن الآية التامة قد تقرأ لا على قصد
القرآن في الجملة .
ألا ترى أن التسمية قد تذكر؛ لافتتاح الأعمال لا لقصد القرآن؛ وهي آية تامة. وكلامنا
فيما إذا قرأ على قصد القرآن فيجب أن يتعلق به الجواز، ولا يعتبر فيه العرف؛ لما بينًا، ثم
الجواز كما يثبت بالقراءة بالعربية يثبت بالقراءة (١) بالفارسية عند أبي حنيفة، سواء كان يحسن
العربية أو لا يحسن.
وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كان يحسن لا يجوز، وإن كان لا يحسن يجوز.
وقال الشافعي: لا يجوز أحسن أو لم يحسن.
وإذا لم يحسن العربية يسبّح ويهلّل عنده، ولا يقرأ بالفارسية، وأصله قوله تعالى:
﴿فاقرءوا ما تيسّر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠] أمر بقراءة القرآن في الصلاة فهم قالوا: إن القرآن هو
المنزّل بلغة العرب، قال الله - تعالى -: ﴿إنّا أنزلناه قرآناً عربيًّا﴾ [يوسف: ٢] فلا يكون الفارسي
قرآناً فلا يخرج به عن عهدة الأمر، ولأن القرآن معجز والإعجاز من حيث اللفظ يزول بزوال
النظم العربي، فلا يكون الفارسي قرآناً؛ لانعدام الإعجاز؛ ولهذا لم تحرم قراءته على الجنب
والحائض، إلا أنه إذا لم يحسن العربية فقد عجز عن مراعاة لفظه فيجب عليه مراعاة معناه؛
ليكون التكليف بحسب الإمكان.
وعند الشافعي: هذا ليس بقرآن فلا يؤمر بقراءته، وأبو حنيفة يقول: إن الواجب في
الصلاة قراءة القرآن؛ من حيث هو لفظ دال على كلام الله - تعالى - الذي هو صفة قائمة به؛
(١) في هامش ب: القراءة.

٥٢٨
كتاب الصلاة
١٥٦ لما يتضمّن من العبر والمواعظ/ والترغيب والترهيب والثناء والتعظيم؛ لا من حيث هو لفظ
عربي. ومعنى الدلالة عليه لا يختلف بين لفظ ولفظ قال الله: ﴿وإنه لفى زبر الأولين﴾ [الشعراء:
١٩٦] وقال: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى: ١٨ و١٩] ومعلوم
أنه ما كان في كتبهم بهذا اللفظ بل بهذا المعنى.
وأما قولهم: إن القرآن هو المنزّل(١) بلغة العرب، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما:
(١) لفظ ((قرآن)) قد اختلف فيه العلماء من جهة الاشتقاق أو عدمه، ومن جهة كونه مهموزاً أو غير مهموز،
ومن جهة كونه مصدراً أو وصفاً على أقوال نجملها فيما يأتي:
أما القائلون: بأنه ((مهموز)) فقد اختلفوا على رأيين:
الأول: قال جماعة منهم ((اللحياني)). القرآن: مصدر ((قرأ)) بمنى: تلا، كالرجحان والغفران، ثم نقل من
هذا المعنى المصدر، وجعل اسماً للكلام المنزل على نبينا ((محمد)) وَلغيره من باب («تسمية المفعول
بالمصدر))، ويشهد لهذا الرأي ورود القرآن مصدراً بمعنى: القراءة في الكتاب الكريم، قال تعالى: ﴿إن
علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرءانه﴾ أي قراءته.
وقول ((حسان بن ثابت)) يرثي ((ذا النورين)) عثمان - رضي الله عنه -:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
أي قراءة.
الثاني: قال جماعة منهم ((الزجاج إنه وصف على ((فعلان)) مشتق من ((القرء)) بمعنى الجمع، يقال في
اللغة: ((قرأت الماء في الحوض، أي جمعته، ثم سمى به: الكلام المنزل على النبي - وَّر - لجمع السور
والآيات فيه أو القصص والأوامر والنواهي، أو لجمعه ثمرات الكتب السابقة.
وهو على هذين الرأيين مهموز، فإذا تركت الهمزة، فذلك للتخفيف، ونقل حركتها إلى الساكن قبلها
والألف واللام فيه ليست للتعريف وإنما للمح الأصل.
والقائلون بأنه غير مهموز اختلفوا في أصل اشتقاقه:
١ - فقال قوم منهم ((الأشعري)) هو مشتق من ((قرنت الشيء بالشيء)) إذا ضممت أحدهما إلى الآخر وسمى
به («القرآن» لقرآن السور والآيات والحروف فيه.
٢ - وقال ((الفراء)): هو مشتق من ((القرائن)) لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضاً، ويشابه بعضها بعضاً،
وهي قرائن. أي أشباه ونظائر.
وعلى هذين القولين: فنونه أصلية، بخلافه على القولين الأولين فنونه زائدة.
رأي خامس. مقابل للأقوال السابقة .
وهو أنه اسم علم غير منقول، وضع من أول الأمر علماً على الكلام المنزل على ((محمد)) بَّر وهو غير
مهموز. وهذا القول مروي عن الإمام ((الشافعي))، أخرج البيهقي والخطيب وغيرهما عنه. أنه كان يهمز
قراءة، ولا يهمز ((القرآن))، ويقول. ((القرآن)) اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قراءة ولكنه اسم لكتاب الله
مثل التوراة والإنجيل.
وبالتخفيف قرأ ((ابن كثير)) وحده؛ أما بقية السبعة فقرؤوا بالهمزة وأرجح الآراء وأخلقها بالقبول ((الأول))
ويليه الرأي الثاني ومما يقوي مذهب القائلين بالهمز. أنهم خرجوا التخفيف تخريجاً علياً صحيحاً، ولا
أدري ماذا يقول القائلون بالرأي الأخير في توجيه قراءة لفظ ((القرآن)) بالهمز، مع أن عليها معظم القراء =

٥٢٩
كتاب الصلاة
أن كون العربية قرآناً لا ينفي كون(١) غيرها قرآناً، وليس في الآية نفيه؛ وهذا لأن العربية سميت
قرآناً؛ لكونها دليلاً على ما هو القرآن، وهي الصفة التي هي حقيقة الكلام؛ ولهذا قلنا: إن
القرآن غير مخلوق (٢) على إرادة تلك الصفة دون العبارات العربية، ومعنى الدلالة يوجد في
السبعة، هو كلام الله المنزل على نبيه ((محمد)) ◌َّليل المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر،
=
المكتوب في المصاحف، من أول سورة ((الفاتحة)) إلى آخر سورة (الناس).
وذهب المحققون من الأصوليين، والفقهاء، وأهل العربية: إلى أن لفظ القرآن ((علم شخصي)) مدلوله:
الكلام المنزل على النبي ◌َّر من أول سورة ((الفاتحة)) إلى آخر سورة ((الناس)) وعلميته: باعتبار وضعه
للنظم المخصوص، الذي يختلف باختلاف المتلفظين، ولا عبرة بتعدد القارئين والمحال.
وعلى هذا فما ذكره ((الأصوليون)) وغيرهم من تعاريف للقرآن، ليس تعريفاً حقيقياً، لأن التعريف الحقيقي
لا يكون إلا للأمور الكلية، وإنما أرادوا بتعريفه: تمييزه: عما عداه مما لا يسمى باسمه، كالتوراة
والإنجيل، والأحاديث القدسية، وما نسخت تلاوته.
ويرى بعض العلماء: أن لفظ القرآن موضوع للقدر المشترك بين الكل وأجزائه. فمسماه: كلي. كالمشترك
المعنوي .
ويرى فريق ثالث أنه مشترك لفظي بين الكل وبين أجزائه. فهو موضوع لكل منهما بوضع.
والحق: أنه علم شخصي، مشترك لفظي بين الكل وأجزائه فيقال لمن قرأ اللفظ المنزل كله: قرأ قرآناً.
ويقال لمن قرأ بعضه: قرأ قرآناً. وهو ما يفهم من كلام الفقهاء، حينما قالوا: ((يحرم على الجنب قراءة
القرآن)» فإنهم يقصدون: قراءة كله أو بعضه على السواء.
وأقول لا يجوز قراءة القرآن بالعجمية مطلقاً سواء أحسن العربية أم لا. في الصلاة أم خارجها. وعن أبي
حنيفة أنه يجوز مطلقاً. وعن أبي يوسف ومحمد لمن لا يحسن العربية لكن في شارح البزدوي أن أبا
حنيفة رجع عن ذلك. أقول نِعِمًّا صنع الإمام أبو حنيفة حينما رجع عن ذلك والرجوع إلى الحق فضيلة
وهو اللائق بالإمام الجليل.
ووجه المنع وعدم الجواز أنه يذهب إعجازه المقصود منه والذي هو من أخص خصائص القرآن، والله
سبحانه الذي وحد المسلمين تحت راية القرآن يجب أن تتوحد ألسنتهم بلغة القرآن، اللغة العربية الشريفة،
ولو جوزنا ذلك لغات هذا الغرض الشريف.
وإلى المنع ذهب الإمام القفال من الشافعية، وكان يقول إن القراءة بالفارسية لا تتصور؛ فقيل له: فإذا لا
يقدر أحد أن يفسر القرآن !!.
فقال: ليس كذلك، لأن المفسر يجوز أن يأتي ببعض مراد الله، ويعجز عن البعض، أما إذا أراد أن يقرأه
بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله تعالى لأن الترجمة إبدال لفظه بلفظ تقوم مقامها وذلك غير
ممكن. بخلاف التفسير.
أقول: وما ذكره القفال هو الحق والذي يجب أن يفتى به، فالترجمة الحرفية للقرآن غير ممكنة، أما
الترجمة التفسيرية. أو إن شئت الدقة فقل ترجمة تفسيره فهي ممكنة، وجائزة. ينظر المدخل لدراسة
القرآن الكريم ص (١٧ - ٢٢، ٤٥٤، ٤٥٥).
(١) في ط: أن يكون.
(٢) يطلق على القرآن على الكلام النفسي القديم على معنى أنه صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام =
بدائع الصنائع ج١ - م٣٤

٥٣٠
كتاب الصلاة
اللفظي الذي هو القرآن على معنى أنه خلقه، وليس لأحد في أصل تركيبه كسب وعلى هذا المعنى يحمل
=
قول السيدة عائشة: ((ما بين دفتي المصحف كلام الله)) وإطلاقه عليهما قيل بالاشتراك اللفظي حقيقي في
النفسي، مجاز في اللفظي، وعلى كل فمن أنكر أن ما بين دفتي المصحف كلام الله فقد كفر، إلا أن يريد
أنه ليس هو الصفة القائمة بذاته. ومع كونه اللفظ الذي نقرؤه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا
من مقام التعليم، لأنه يطلق على الصفة القائمة بذاته أيضاً، لكن مجازاً على الأرجح، فربما يتوهم من
إطلاق أن القرآن حادث حدوث الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى. ولذلك ضرب الإمام أحمد بن حنبل
وحبس على أن يقول بخلق القرآن، فلم يقبل، وضرب بالسياط حتى غُشي عليه. وامتنع باقي الأئمة من
القول بخلق القرآن، وقد وقع في ذلك امتحان كبير لخلق كثير من أهل السنة، فخرج البخاري فارّاً وقال:
اللهمّ اقبضني إليك غير مفتون، فمات بعد أربعة أيام. وسجن عيسى بن دينار عشرين سنة. وسئل الشعبي
فقال: أما التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، فهذه الأربعة حادثة، وأشار إلى أصابعه فكانت سبب
نجاته. واشتهرت أيضاً عن الإمام الشافعي (رضي الله عنه)، ويؤيد هذا قول العلامة اللقافي في جوهرته:
ونزه القرآن أي كلامه عن الحدوث واحذر انتقامه
فكل نصّ للحدوث دلالة أحمل على اللفظ الذي قد دلا
فقوله رضي الله عنه((واحذر انتقامه ((أي وخف وعيد الله وانتقامه منك إن قلت بحدوثه)) يؤيِّد هذا ما جاء
عن رسول الله وَيجر وهو ما رواه الإمام أبو عبد الله بن بطة الكبرى في كتابة ((الإبانة)) حدثنا أبو بكر
محمد بن جعفر بن أيوب الصابوني الحرّاني، حدثنا محمد بن الحارث الخولاني الوردي ومحمد بن
موسى النسائي، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن ابراهيم، أخبرنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي عن
حسّان بن عطية عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله وَلقر عن القرآن فقال: ((كلام الله غير مخلوق)) وشبهة
الخصوم في ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء﴾، والقرآن شيء، فيكون خالقاً له. وكذا قوله
تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ المراد من الذكر هو القرآن. وكذا قوله تعالى: ﴿إنا جعلناه
قرآناً عربياً﴾ والجعل والخلق واحد: ومن حيث المعقول قالوا: إن الكلام في الشاهد من جنس الحروف
والأصوات، فيكون في الغائب كذلك. ويستحيل تحيام الحروف والأصوات بذات القديم في الأزل،
فیکون الكلام حادثاً غير قائم بذاته.
ولأن في القرآن خطابات بالأمر والنهي لأشخاص معيّنين نحو قوله لموسى: ﴿اخلع نعليك﴾، وقوله
لموسى وهارون: ﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا﴾، وقوله ليحيى: ﴿يا يحيى خذ
الكتاب بقوة﴾، وكذلك الأوامر والنواهي لغيرهم، وكانوا مقدومين في الأزل، فلو كان أزلياً لكان هذا
أمراً ونهياً للمعدوم، وإنه سفه، وأيضاً فيه إخبار عن أمور كانت ماضية نحو قوله: ﴿إنا أرسلنا نوحاً إلى
قومه﴾، ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾، ﴿وآويناهما إلى ربوةٍ ذات قرار﴾ وغير ذلك من الآيات، فلو كان
أزلياً لكان الإخبار عنها قبل وجودها كذباً، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
والجواب عن هذه الشبه: أن هذا محمول على اللفظ أي على القرآن بمعنى اللفظ المنزل على نبينا وَله
المتعبّد بتلاوته المتحدّي بأقصر سورة منه. ولذلك قال العلامة اللقاني كما سبق:
فكل نصّ للحدوث دلاً احمل على اللفظ الذي قد دلاً
أي احمل على اللفظ الذي دلّ على الصفة القديمة دلالة الأثر على منشئه. وخلاصة القول في هذا
المقام: أن كل ظاهر من الكتاب والسنة دلّ على اللفظ المقروء لا على الكلام النفسيّ. لكن يمتنع أن =

٥٣١
كتاب الصلاة
الفارسية، فجاز تسميتها قرآناً دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنَاً أَعْجَمِيًّا﴾ [فصلت: ٤٤]
أخبر أنه لو عبّر عنه بلسان العجم كان قرآناً، والثاني: إن كان لا يسمى غير العربية قرآناً، لكن
قراءة العربية ما وجبت لأنها تسمى قرآناً؛ بل لكونها دليلاً على [كلام الله] (١) الذي هو صفةٌ
قائمة بالله؛ بدليل أنه لو قرأ عربية لا يتأدى بها كلام الله - تفسد صلاته؛ فضلاً من أن تكون
قرآناً واجباً، ومعنى الدلالة لا يختلف؛ فلا يختلف الحكم المتعلّق به، والدليل عليه(٢) أن
عندهما تفترض القراءة بالفارسية على غير القادر على العربية، وعذرهما غير مستقيم؛ لأن
الوجوب متعلّق بالقرآن، وأنه قرآن عندهما باعتبار اللفظ دون المعنى، فإذا زال اللفظ لم يكن
المعنى قرآناً فلا معنى للإيجاب، ومع ذلك وجب فدل أن الصحيح ما ذهب إليه أبو حنيفة؛
ولأن غير العربية إذا لم يكن قرآناً لم يكن من كلام الله تعالى، فصار من كلام الناس وهو
مفسد (٣) للصلاة، والقول بتعلّق الوجوب بما هو مفسد - غير سديد.
وأما قولهم: إن الإعجاز من حيث اللفظ لا يحصل بالفارسية - فنعم، لكن قراءة ما هو
معجز النظم عنده ليس بشرط؛ لأن التكليف ورد بمطلق القراءة لا بقراءة ما هو معجز، ولهذا
يجوز (٤) قراءة آية قصيرة وإن لم تكن هي معجزة، ما لم تبلغ ثلاث آيات، وفصل الجنب
والحائض ممنوع.
ولو قرأ شيئاً من التوراة، أو الإنجيل، أو الزبور(٥) في الصلاة؛ إن تيقّن أنه غير محرف ـ
يجوز عند أبي حنيفة لما قلنا، وإن لم يتيقّن لا يجوز؛ لأن الله تعالى أخبر عن تحريفهم بقوله :
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، فيحتمل أن المقروء محرّف، فيكون من كلام
الناس، فلا يحكم بالجواز بالشك والاحتمال.
يقال: القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم. والقرآن يطلق على كل من اللفظي والنفسيّ وإن كان الأكثر
=
إطلاقه على اللفظي. وعلى كل فالقول بالحدوث ربما يوهب الصفة القديمة وهو محال، لذلك امتنع
القول بحدوث القرآن سدّاً للذرائع.
وهذه المسألة قد انقرضت منذ زمن طويل، والحمد لله، ولكن أوردناها هنا؛ لإيضاح ما قد يغمض على
كثير من القراء الكرام من المراد بمسألة ((خلق القرآن)).
ينظر: تحقيق صفة الكلام لشيخنا حافظ محمد مهدي.
(١) في ط: ما هو القرآن.
(٢) في ط: علي.
(٣) في ط : يفسد.
(٤) في ط : جوز.
(٥) في هامش ب: قرأ شيئاً من التوراة أو الإنجيل أو الزبور.

٥٣٢
كتاب الصلاة
وعلى هذا الخلاف إذا تشهّد [أو خطب يوم الجمعة] (١) بالفارسية، ولو أمّن بالفارسية،
أو سمى عند الذبح بالفارسية أو لبّى عند الإحرام بالفارسية، أو بأي لسان كان - يجوز
بالإجماع، ولو أذّن بالفارسية قيل: إنه على هذا الخلاف، وقيل: لا يجوز بالاتفاق؛ لأنه لا
يقع به الإعلام، حتى لو وقع به الإعلام يجوز، والله أعلم.
ومنها القعدة (٢) الأخيرة مقدار التشهّد عند عامة العلماء.
وقال مالك: إنها سنة. وجه قوله: إن اسم الصلاة لا يتوقف عليها.
ألا ترى أن من حلف لا يصلي، فقام وقرأ، وركع وسجد - يحنث وإن لم يقعد.
ولنا: ما روي عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّوَ أَنَّهُ قَالَ لِلأَغْرَابِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلاَةَ: ((إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ
مِنْ آخِرِ السَّجْدَةِ وَقَعَدْتَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ))(٣)، علق تمام الصلاة بالقعدة الأخيرة
وأراد به تمام الفرائض؛ إذ لم يتم أصل العبادة بعد، فدلَّ أنه لا تمام قبلها؛ إذ المعلَّق بالشرط
عدم قبل وجود الشرط، وَرُوِيَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ رَِّ قَامَ إِلَى الخَامِسَةِ، فَسَبْحَ بِهِ، فَرَجَعَ)) (٤)، ولو
لم يكن فرضاً لما رجع كما في القعدة الأولى؛ ولأن حد الركن موجود فيها وهو ما ذكرنا،
وإنما لم يتوقّف عليها اسم الصلاة؛ لأنها ليست من الأركان الأصلية التي تتركّب منها الصلاة،
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: القعدة الأخيرة فرض.
(٣) أخرجه البخاري (٣٦/١١): كتاب الاستئذان: باب من رد فقال عليك السلام، رقم الحديث (٦٢٥١)،
ومسلم (٢٩٨/١): كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة، الحديث (٣٩٧/٤٥)، وأبو داود (١/
٢٨٧) - ٢٨٨): كتاب الصلاة: باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع، والسجود (٨٥٦)، والنسائي
(٥٩/٣): كتاب السهو: باب أقل ما يجزي من عمل الصلاة (١٣١٣)، والترمذي (١٠٣/٢ - ١٠٤)،
أبواب الصلاة: باب ما جاء في وصف الصلاة حديث (٣٠٣).
وابن ماجة (٣٣٦/١ - ٣٣٧): كتاب إقامة الصلاة: باب إتمام الصلاة (١٠٦٠)، وأحمد (٤٣٧/٢)، وأبو
عوانة (١٠٣/٢)، والبيهقي (٣٧/٢ - ٦٢)، وابن خزيمة (٢٣٥/١٠) رقم (٤٦١) عن أبي هريرة، وقال
الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٤٠٠): كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة، الحديث (٨٩)، والنسائي (٢٨/٣ -
٢٩): كتاب السهو: باب التحري، وابن ماجة (٣٨٣/١): كتاب إقامة الصلاة: باب من شك في صلاته،
الحديث (١٢١٢)، وابن الجارود (٩٣): كتاب. الصلاة: باب السهو، الحديث (٣٤٤)، والطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) (٤٣٤/١): كتاب الصلاة: باب الرجل يشك في صلاته، والدارقطني (٣٧٦/١):
كتاب الصلاة: باب البناء على غالب الظن، الحديث (٢) و(٣)، والبيهقي (٣٣٥/٢): كتاب الصلاة:
باب سجود السهو، والطيالسي (١/ ١١٠): كتاب الصلاة: باب سجود السهو، الحديث (٥٠٦)، وأحمد
(١ /٤٢٤).

٥٣٣
كتاب الصلاة
على ما ذكرنا في أول الكتاب، لا لأنها ليست من فرائض الصلاة.
ثم القدر المفروض من القعدة الأخيرة هو قدر التشهد، حتى لو انصرف قبل أن يجلس
هذا القدر - فسدّت صلاته؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ - رضي الله عنه - عَنِ
النَّبِيِّ وَّرِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا رَفَعَ الإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأَخِيرَةِ وَقَعَدَ قَدْرَ التِّشَهْدِ ثُمَّ أَحْدَثَ، فَقَّذَ
تَمَّثْ صَلاَتُهُ)) (١) علّق تمام الصلاة بالقعدة قدر التشهد، فدلّ أنه مقدّر به، والله أعلم.
(١) أخرجه أبو داود (١٨٧/١)، كتاب: الصلاة، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث (٤٩٤)، وأخرجه
الترمذي (٢٦١/٢)، أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يحدث في التشهد (٤٠٨)، وأحمد في
مسنده (٤٠٤/٣)، والدارمي (٣٣٣/١)، كتاب الصلاة، باب: متى يؤمر الصبي بالصلاة، من طريق
عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده، فذكره.
والبيهقي في السنن (١٣٩/٢) وقال: حديث ضعيف ورواه القعنبي عن الإفريقي والدارقطني بلفظ ((إذا
جلس الإمام ... الخ وقال عبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به والخطيب في التاريخ (١٤٩/١٣)
والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٤٢) والمتقي الهندي في الكنز (١١٩٩٠٠).
وذكره الزيلعي في نصب الراية (٦٣/٢): نقلاً عن الترمذي هذا حديث ليس إسناده بالقوي، وقد اضطربوا
في إسناده، انتهى. وأخرجه الدارقطني، ثم البيهقي في ((سننهما))، قال الدارقطني: وعبد الرحمن بن زياد
ضعيف لا يحتج به، وقال البيهقي: وهذا الحديث إنما يعرف بعبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وقد ضعفه
يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، قال وإن صح
فإِنما كان قبل أن يفرض التسليم، ثم روى بإسناده عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان رسول الله وَلّر، إذا
قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه، وذلك قبل أن ينزل التسليم، انتهى. قلت: رواه
إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) أخبرنا جعفر بن عون حدثني عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة،
قالا: سمعنا عبد الله بن عمرو مرفوعاً، فذكره، ورواه الطحاوي بسند السنن، ولفظه: قال: إذا قضى
الإِمام الصلاة، فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإمام، فقد تمت صلاته،
فلا یعیدها، انتھی.
وله طريق آخر: رواه أبو نعيم الأصبهاني في ((كتاب الحلية - في ترجمة عمر بن ذر)) حدثنا محمد بن
المظفر ثنا صالح بن أحمد ثنا يحيى بن مخلد المفتي ثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج عن
عمر بن ذر عن عطاء عن عباس أن رسول الله ◌َ هر، كان إذا فرغ من التشهد أقبل علينا بوجهه، وقال: من
أحدث حدثاً بعدما يفرغ من التشهد، فقد تمت صلاته، انتهى. وقال: غريب من حديث عمر بن ذر،
تفرد به متصلاً أبو مسعود الزجاج، ورواه غيره مرسلاً، حدثناه محمد بن أحمد بن الحسين ثنا بشير بن
موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا عمر بن ذر أنبأ عطاء أن رسول الله و 98 كان إذا قضى التشهد، فذكر نحوه،
انتهى. وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن
علي، قال: إذا جلس الإِمام في الرابعة، ثم أحدث، فقد تمت صلاته، فليقم حيث شاء، انتهى. وأخرجه
البيهقي عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي، فذكره، وزاد فيه: قدر التشهد، قال: وعاصم بن
ضمرة إنما يذكر في الشواهد، فإذا انفرد بحديث لم يقبل، ثم أسند عن أحمد بن حنبل أنه قال فيه:
حديث لا يصح، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن الحسن، وابن المسيب، وعطاء، وابراهيم النخعي.

٥٣٤
كتاب الصلاة
ومنها: الانتقال(١) من ركن إلى ركن؛ [لأنه وسيلة إلى الركن](٢) فكان في معنى الركن،
[فهذه الستة أركان الصلاة] (٣)، إلا أن الأربعة الأول من الأركان الأصلية دون [الاثنتين] (٤)
الباقيتين .
وقال بعضهم: القعدة من الأركان الأصلية أيضاً، وإليه مال عصام بن يوسف(٥).
ووجهه: أنها فرض تنعدم الصلاة بانعدامها كسائر الأركان.
٥٦ب
والصحيح أنها ليست بركن أصلي؛ لأن اسم الصلاة ينطلق على/ المركب(٦) من الأركان
الأربعة بدون القعود؛ ولهذا يتوجّه النهي عن الصلاة (٧) وقت طلوع الشمس، [ووقت
غروبها](٨) ووقت الزوال؛ ولهذا لو حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة - يحنث وإن لم توجد
القعدة، ولو أتى بما دون الركعة لا يحنث؛ ولأن القعدة بنفسها غير صالحة للخدمة؛ لأنها من
باب الاستراحة بخلاف سائر الأركان، فيمكن(٩) الخلل في كونها ركناً أصلياً، فلم تكن هي من
الأركان الأصلية للصلاة، وإن كانت من فروضها حتى لا تجوز الصلاة بدونها. ويشترط لها ما
يشترط لسائر الأركان. فأما التحريمة (١٠) فليست بركن عند المحققين من أصحابنا، بل هي
شرط .
وعند الشافعي: ركن، وهو قول بعض مشايخنا، وإليه مال عصام بن يوسف، وعلى هذا
الخلاف الإحرام في ((باب الحج)) أنه شرط عندنا، وعنده ركن.
وثمرة الخلاف أن عندنا يجوز بناء النفل على الفرض؛ بأن يحرم للفرض ويفرغ منه،
ويشرع في النفل قبل التسليم من غير تحريمة جديدة، وعنده: لا يجوز.
(١) في هامش ب: الانتقال من ركن إلى ركن.
(٢) سقط في ب.
(٣) سقط في ب.
(٤) سقط في ط.
(٥) عصام بن يوسف بن ميمون بن قُدَامَة، أبو عِصْمة، البَلْخِيّ، روى عن ابن المبارك، من أصحاب أبي
حنيفة وزفر، وأبو يوسف، روى عن شعبة والثوري، توفي بـ ((بلخ)) ستة خمس عشرة ومائتين.
ينظر: الجواهر المضية (٥٢٧/٢ - ٥٢٨) اللباب (١٤٠/١)، الطبقات السنية برقم (١٤٢٧)، الفوائد البهية
(١١٦)، هدية العارفين (١/ ٦٦٣).
(٦) في ط: المتركب.
(٧) زاد في أ: إليها من غير تقدير القعدة كالنهي عن الصلاة.
(٨) سقط في ب.
(٩) في ط: فتمكن.
(١٠) في هامش ب: التحريمة ليست بركن.

٥٣٥
كتاب الصلاة
ووجه البناء على هذا الأصل أن التحريمة لما كانت شرطاً جاز أن يتأدى النفل بتحريمة
الفرض؛ كما يتأدى بطهارة وقعت للفرض.
وعنده: لما كانت ركناً وقد انقضى الفرض بأركانه فتنقضي التحريمة أيضاً.
وجه قول الشافعي: إن حد الركن موجود فيها وهو ما ذكرنا. وكذا وجدت علامة
الأركان فيها [أيضاً](١) لأنها لا تدوم بل تنقضي، والدليل عليه أنه يشترط لصحتها ما يشترط
لسائر الأركان بخلاف الشروط .
ولنا قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] عطف الصلاة على الذكر الذي
هو التحريمة بحرف التعقيب، والاستدلال بالآية من وجهين.
أحدهما: أن مقتضى العطف بحرف التعقيب أن توجد الصلاة عقيب ذكر اسم الله تعالى،
ولو كانت التحريمة ركناً لكانت الصلاة موجودة عند الذكر(٢)؛ لاستحالة انعدام الشيء في حال
وجود ركنه، وهذا خلاف النص.
والثاني: أن العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، ولو كانت التحريمة
ركناً لا يتحقق المغايرة؛ [لأنها تكون بعض الصلاة، وبعض الشيء ليس غيره إن لم يكن
عينه](٣)، وكذا الموجود فيها حد الشرط لا حد الركن؛ فإنه يعتبر الصلاة بها، ولا ينطلق اسم
الصلاة عليها مع سائر الشرائط فكانت شرطاً، وكذا علامة الشروط فيها موجودة؛ فإنها باقية
ببقاء حكمها، وهو وجوب الانزجار عن محظورات الصلاة، على أن العلامة إذا خالفت الحد
لا يبطل به الحد، بل يظهر أن العلامة كاذبة.
وأما قوله: يشترط لها ما يشترط لسائر الأركان - فممنوع أنه يشترط ذلك لها بل القيام
المتصل بها، والقيام ركن حتى أن الإحرام بالحج لما لم يكن متصلاً بالركن جوزنا تقديمه على
الوقت .
فصل في بيان شرائط الأركان
وأما شرائط(٤) الأركان: لجملة الكلام في الشرائط؛ أنها نوعان: نوع يعمّ المنفرد
(١) سقط في ط.
(٢) في ب: الركن.
(٣) سقط في أ.
(٤) في هامش ب: بيان شرائط أركان الصلاة.

٥٣٦
كتاب الصلاة
والمقتدى جميعاً، وهو شرائط أركان الصلاة، ونوع يخصّ المقتدى وهو شرائط جواز الاقتداء
بالإمام في صلاته .
أما شرائط (١) أركان الصلاة، فمنها الطهارة بنوعيها من الحقيقية والحكمية، والطهارة
الحقيقية هي: طهارة الثوب، والبدن، ومكان الصلاة عن النجاسة الحقيقية، والطهارة الحكمية
هي: طهارة أعضاء الوضوء عن الحدث، وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة عن الجنابة .
[أما طهارة الثوب وطهارة البدن عن النجاسة الحقيقية](٢)، فلقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ
فَطَهِّر﴾ [المدثر: ٤]، وإذا (٣) وجب تطهير الثوب فتطهير البدن أولى.
وأما الطهارة عن الحدث والجنابة؛ فلقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ
فَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) إلى قوله: ﴿وَلِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقول النبي نَّ: ((لاَ صَلاَةَ إِلاَّ
بِطُهُورٍ))، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ)، وقوله وَّ: ((مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ
الطَّهُورُ))(٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله ◌َّهِ: ((تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ،
أَلاَ فَبُلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا البَشَرَةَ»(٥)، والإنقاء: هو التطهير، فدلّت النصوص على أن الطهارة
(١) في هامش ب: من الشروط الطهارة الحقيقية والحكمية.
(٢) سقط في ب.
(٣) في أ: فإذا.
(٤) تقدم.
(٥) أخرجه أبو داود (١٧١/١ - ١٧٢): كتاب الطهارة: باب في الغسل من الجنابة، الحديث (٢٤٨)،
والترمذي (١٧٨/١): كتاب الطهارة: باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة، الحديث (١٠٦)، وابن
ماجة (١٩٦/١) كتاب الطهارة: باب تحت كل شعرة جنابة، الحديث (٥٩٧)، وابن عدي في الكامل في
ضعفاء الرجال (٦١٢/٢) في ترجمة الحارث بن وجيه الراسبي، وأبو نعيم ((في حلية الأولياء)) (٣٨٧/٢)
والبيهقي (١٧٥/١): كتاب الطهارة: باب تحليل أصول الشعر بالماء، كلهم من حديث الحارث بن
وجيه، عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال: ((إن تحت كل
شعرة جنابة فبلوا الشعر»، وفي لفظ ((فاغسلوا وانقوا البشرة)) وقال أبو داود: (الحارث بن وجيه حديثه
منكر، وهو ضعيف)، وكذلك ضعفه الترمذي.
وقال البيهقي: في ((معرفة السنن والآثار)) (١/ ٤٣١ - ٤٣٢): كتاب الطهارة: باب إيصال الماء إلى أصول
الشعر، (أنكره أهل العلم بالحديث، البخاري، وأبو داود. وقال الشافعي هذا الحديث ليس بثابت، وقال
أبو حاتم في علل الحديث (٢٩/١): (قال أبي: هذا منكر، والحارث ضعيف. الحديث أ. هـ.
والحارث بن وجيه قال ابن معين وغيره: ليس بشيء وضعفه أبو حاتم والنسائي وأبو داود والساجي
والعقيلي وابن حبان وغيرهم وقال الحافظ: ضعيف.
ينظر التقريب (١٤٥/١) والتهذيب (١٦٢/٢).

٥٣٧
كتاب الصلاة
الحقيقية عن الثوب والبدن، والحكمية - شرط جواز الصلاة، والمعقول كذا يقتضي من وجوه:
وعم نواله، وخدمة الرب وتعظيمه
أحدها: أن الصلاة خدمة الرب وتعظيمه - جل جلاله
بكل الممكن فرض، ومعلوم أن القيام بين يدي الله تعالى ببدن طاهر وثوب طاهر على مكان
طاهر - يكون أبلغ في التعظيم، وأكمل في الخدمة من القيام ببدن نجس، وثوب نجس، وعلى
مكان نجس؛ كما في خدمة الملوك في الشاهد.
وكذلك الحدث والجنابة وإن لم تكن نجاسة مرئية، فهي نجاسة معنوية توجب استقذار
ما حلّ به .
وللحديث شواهد من حديث عائشة، وعلي، وأبي أيوب.
=
أما حديث عائشة :
أخرجه أحمد (١١٠/٦ - ١١١)، ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك عن خصيف قال: حدثني رجل منذ سنتين
سنة، عن عائشة قالت: أحجرت رأسي إحجاراً شديداً فقال النبي وَير: ((يا عائشة أما علمت أن على كل
شعرة جنابة))، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١/ ٢٧٧) وأعله بجهالة الرجل الذي لم يسم.
وحديث علي:
عن النبي ربَّ قال: ((مع كل شعرة جنابة)) ولذلك عاديتُ شعر رأسي.
أخرجه أبو داود الطيالسي ص (٢٥)، الحديث (١٥٧)، والدارمي (١/ ١٩٢): كتاب الطهارة: باب من
ترك موضع شعرة من الجنابة، وأحمد (٩٤/١)، وأبو داود (٦٥/١) الطهارة: باب في الغسل من
الجنابة، الحديث (٢٤٩)، وابن ماجة (١٩٦/١): كتاب الطهارة: باب تحت كل شعرة جنابة، الحديث
(٥٩٩)، والبيهقي (١٧٥/١): كتاب الطهارة: باب تخليل أصول الشعر بالماء، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) (٢٠٠/٤): عن حماد، عن عطاء بن السائب عن زاذان عن علي، عن النبي وَّه قال: ((من ترك
موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء فعل الله تعالى به كذا وكذا من النار)). قال علي رضي الله عنه: فمن
ثم عاديت شعر رأسي، وكان يجز شعره، وعطاء بن السائب اختلط.
وقد سمع منه حماد حال الاختلاط كما في ترجمة عطاء من التهذيب.
وينظر التهذيب (٢٠٣/٧ - ٢٠٨).
وحديث أبي أيوب:
أخرجه ابن ماجة (١٩٦/١): كتاب الطهارة: باب تحت كل جنابة، الحديث (٥٩٨) من حديث عتبة بن
أبي حکیم.
حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب الأنصاري، أن النبي ◌َّ# قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة
إلى الجمعة وأداء الأمانة كفارة لما بينهما قلت وما أداء الأمانة قال غسل الجنابة فإذا تحت كل شعرة
جنابة)) .
قال البوصيري في ((الزوائد)) (٢٢٢/١): وهذا سند فيه مقال، طلحة بن نافع لم يسمع من أبي أيوب قاله
ابن أبي حاتم عن أبيه، وفيما قاله أبو حاتم نظر فإن طلحة بن نافع وإن وصفه الحاكم بالتدليس فقد صرح
بالتحديث وهو ثقة وثقه النسائي، والبزار، وابن عدي، وأصحاب السنن الأربعة، وعتبة بن حكيم مختلف
فيه. رواه أحمد بن منيع بإسناده ومتنِه .

٥٣٨
كتاب الصلاة
ألا ترى أن رسول الله وسلّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَافِحَ(١) حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ - رضي الله عنه - امْتَنَعَ
وقال: إني جنبٌ يا رسولَ الله(٢)، فكان قيامهُ مخلاً بالتعظيم، على أنه إن لم يكن على أعضاء
١٥٧ الوضوء نجاسة رأساً، فإنها لا/ تخلو عن الدرن والوسخ؛ لأنها أعضاء بادية عادة، فيتّصل بها
الدرن والوسخ، فيجب غسلها تطهيراً لها من الوسخ والدرن، فتتحقق الزينة والنظافة؛ فيكون
أقرب إلى التعظيم، وأكمل في الخدمة.
فمن(٣) أراد أن يقوم بين يدي الملوك للخدمة في الشاهد؛ أنه يتكلف للتنظيف والتزيين،
ويلبس أحسن ثيابه تعظيماً للملك؛ ولهذا كان الأفضل للرجل أن يصلي في أحسن ثيابه وأنظفها
التي أعدّها لزيارة العظماء ولمحافل الناس، وكانت الصلاة متعمماً أفضل من الصلاة مكشوف
الرأس؛ لما أن ذلك أبلغ في الاحترام.
والثاني: أنه أمر بغسل هذه الأعضاء الظاهرة من الحدث والجنابة؛ تذكيراً لتطهير الباطن
من الغش، والحسد، والكبر، وسوء الظن بالمسلمين، ونحو ذلك من أسباب المآثم، فأمر لا
لإزالة الحدث تطهيراً؛ لأن قيام الحدث لا ينافي العبادة [و](٤) الخدمة في الجملة.
ألا ترى أنه يجوز أداء الصوم والزكاة مع قيام الحدث والجنابة، وأقرب من ذلك الإيمان
بالله تعالى الذي هو رأس العبادات؛ وهذا لأن الحدث ليس بمعصية ولا سبب مأثم، وما ذكرنا
من المعاني التي في باطنه أسباب المآثم، فأمر بغسل هذه الأعضاء الظاهرة دلالة وتنبيهاً [له](٥)
على تطهير الباطن من هذه الأمور، وتطهير النفس عنها واجبٌ بالسمع والعقل.
والثالث: أنه وجب غسل هذه الأعضاء؛ شُكْراً للنعمة وراء النعمة التي وجبت لها
الصلاة، وهي أن هذه الأعضاء وسائل(٦) إلى استيفاء نعم عظيمة، بل بها تنال جلّ نعم الله
تعالى، فاليد(٧) بها يتناول ويقبض ما يحتاج إليه؛ والرجل يمشي بها إلى مقاصده، والوجه
والرأس محل الحواس ومجمعها التي بها يعرف عظم نعم الله تعالى من العين والأنف والفم
والأذن، التي بها البصر والشم والذوق والسمع، التي بها يكون التلذّذ والتشهّي، والوصول إلى
(١) في أ: يصالح.
(٢) تقدم.
(٣) في أ، ب: لمن.
(٤) سقط في ب.
(٥) سقط في ط.
(٦) في ب: وسيلة.
(٧) في ب: کالید.

٥٣٩
كتاب الصلاة
جميع النعم، فأمر بغسل(١) هذه الأعضاء، شكراً لما يتوسّل بها إلى هذه النعم.
والرابع: أمر بغسل هذه الأعضاء؛ تكفيراً لما ارتكب بهذه الأعضاء من الإجرام؛ إذ بها
يرتكب جل المآثم من أخذ الحرام، والمشي إلى الحرام، والنظر إلى الحرام، وأكل الحرام،
وسماع الحرام من اللغو والكذب، فأمر بغسلها تكفيراً لهذه الذنوب، وقد وردت الأخبار بكون
الوضوء تكفيراً للمآثم(٢) فكانت مؤيدة لما قلنا.
وأما طهارة مكان الصلاة؛ فلقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّبْعِ
السُّجُودِ﴾ وقال في موضع: ﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، ولما ذكرنا أن الصلاة خدمة الرب
تعالى وتعظيمه، وخدمة المعبود المستحق للعبادة، وتعظيمه بكل الممكن فرض، وأداء الصلاة
على مكان طاهر أقرب إلى التعظيم، فكان طهارة مكان الصلاة شرطاً.
وقد رِوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ في المَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ
وَمَعَاطِنِ الإِبْلِ وَقَوَارِعِ الطَّرُقِ، وَالحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ الله تَعَالَى))(٣).
أما معنى النَّهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة؛ فلكونهما موضع النجاسة، وأما معاطن
(١) زاد في أ: جميع.
(٢) أخرجه مسلم (٢١٩/١)، كتاب الطهارة باب فضل أسباع الوضوء على المكاره (٢٥١/٤١)، والترمذي
(٧٢/١ - ٧٣)، أبواب الطهارة: باب ما جاء في إسباغ الوضوء (٥١) والنسائي (٨٩/١)، كتاب الطهارة:
باب الفضل في أسباغ الوضوء، والبيهقي في السنن (١/ ٨٢).
(٣) أخرجه الترمذي: (١٧٨/٢): كتاب الصلاة: باب ما جاء في كراهية ما يصلي إليه، وفيه، الحديث
(٣٤٦)، وابن ماجة (٢٤٦/١): كتاب المساجد: باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، الحديث
شيقة (٧٤٦)، وعبد بن حميد، في ((المنتخب من المسند)) ص (٢٤٦)، رقم (٧٦٥)، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) (٢٢٤/١)، والبيهقي (٢٢٩/٢ - ٢٣٠)، من طريق زيد بن حبيرة، عن داود بن حصين،
عن نافع، عن ابن عمر به .
وقال الترمذي: (ليس إسناده بذاك القوي، وقد تُكلم في زيد بن جبير من قبل حفظه ... وقد روى
الليث بن سعد هذا الحديث، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن
النبي وَّ مثله، وحديث ابن عمر عن النبي ◌َّر أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد، وعبد الله بن
عمر العمري، ضعفه أهل الحديث من قِبل حفظه) أ. هـ. وزيد بن جبيرة روى له الترمذي وابن ماجة
وقال الحافظ : متروك.
ينظر التقريب (٢٧٣/١).
وقد رواه ابن ماجة (٢٤٦/١): كتاب المساجد: باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، الحديث (٧٤٧)،
من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن نافع بدون عبد الله بن عمرو.
وضعف أبو حاتم الطريقين كما في ((العلل)) (١٤٨/١).

٥٤٠
كتاب الصلاة
الإبل: فقد قيل: إن معنى النهي فيها أنها لا تخلو عن النجاسات عادة، لمن هذا يشكّل بما
روي من الحديث: ((صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَلاَ تُصَلُوا فِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ))(١)، مع أن المعاطن
والمرابض في معنى النجاسة سواء.
وقيل: معنى النهي أن الإبل ربما تبوّل على المصلي، فيبتلى بما يفسد صلاته، وهذا لا
يتوهّم في الغنم. وأما قوارع الطرق فقيل: إنها لا تخلو عن الأرواث والأبوال عادة، فعلى هذا
لا فرق بين الطريق الواسع والضيق.
وقيل: معنى النهي فيها أنه يستضرّ به المارة، وعلى هذا إذا كان الطريق واسعاً لا يكره.
وحكى ابن سماعة أن محمداً كان يصلي على الطريق في البادية .
وأما الحمام: فمعنى النهي فيه أنه مصب الغسالات والنجاسات عادة، فعلى هذا لو صلّى
في موضع الحمامي لا يكره.
وقيل: معنى النهي فيه أن الحمام بيت الشيطان، فعلى هذا تكره الصلاة في كل موضع
منه، سواء غسل ذلك الموضع أو لم يغسل.
وأما المقبرة: فقيل: إنما نهى عن ذلك؛ لما فيه من التشبيه باليهود؛ كما رُوِيّ عن
النّبِيِّ وَّ أَنَّهُ قَالَ: (لَعَنَ الله اليَّهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ؛ فَلاَ تَتَّخِذُوا قَبْرِي بَعْدِي
مَسْجِداً))(٢). وروي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رجلاً يصلّي بالليل إلى قبر فناداه: القبر
القبر، فظنّ الرجل أنه يقول: القمر القمر، فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى تنبّه(٣)،
فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره، وقيل: معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات؛ لأن
الجهال يستترون بما شرف من القبور، فيبوّلون ويتغوّطون خلفه، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو
كان في موضع يفعلون ذلك؛ لانعدام طهارة المكان.
وأما فوق بيت الله تعالى: فمعنى النهي عندنا: أن الإنسان منهي عن الصعود على سطح
الكعبة؛ لما فيه من ترك التعظيم، ولا يمنع جواز الصلاة عليه، وعند الشافعي: هذا النهي
(١) تقدم.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٨/٣)، كتاب الجنائز، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (١٣٣٠)،
ومسلم (٣٧٧/١)، كتاب: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها
والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (٥٢٩/١٩).
(٣) أورده البخاري معلقاً في الصحيح (٦٢٤/١) كتاب الصلاة: باب: «هل ينبش قبور مشركي الجاهلية
ويتخذ مكانها مساجد؟ وقال الحافظ ابن حجر: (٦٢٥/١) والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولاً في
كتاب الصلاة لابن نعيم شيخ البخاري وله طرق أُخرى بينها في تعليق التعليق.