Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب الصلاة
هنالك، فنوی أن يدخل مصره وهو قریب - فحین نوی ذلك صار مقيماً من ساعته، دخل
مصره أو لم يدخل؛ لما ذكرنا أنه قصد الدخول في المصر بنيّة ترك السفر؛ فحصلت النيّة
مقارنة للفعل فصحّت. فإذا دخله صلى أربعاً؛ لأن تلك صلاة المقيمين؛ فإن علم قبل أن
يدخل المصر أن الماء أمامه، فمشى إليه فتوضّأ - صلّى أربعاً أيضاً، لأنه بالنيّة صار مقيماً؛
فبالمشي بعد ذلك في الصلاة أمامه لا يصير مسافراً في حق تلك الصلاة، وإن حصلت النيّة
مقارنة لفعل السفر حقيقة؛ لأنه لو جعل مسافراً لفسدت صلاته؛ لأن السفر عمل، فحرمة
الصلاة لا منعته عن مباشرة العمل شرعاً بخلاف الإقامة؛ لأنها ترك السفر، وحرمة الصلاة لا
تمنعه عن ذلك، فلو تكلّم حين علم بالماء أمامه، أو (١) أحدث متعمداً حتى فسدت صلاته،
ثم وجد الماء في مكانه - يتوضأ ويصلي أربعاً؛ لأنه صار مقيماً، ولو مشى أمامه ثم وجد
الماء يصلي ركعتين؛ لأنه صار مسافراً ثانياً بالمشي [إلى الماء](٢) بنيّة السفر خارج الصلاة،
فيصلي صلاة المسافرين؛ بخلاف المشي في الصلاة؛ لأن حرمة الصلاة أخرجته من أن يكون
سفراً. والله أعلم.
فصل في بيان أركان الصلاة
وأما أركانها(٣) فستّة: القيام، والأصل: أن كل (٤) مُركّب(٥) من معان متغايرة، ينطلق
اسم المركّب عليها(٦) عند اجتماعها - كان كل معنى منها ركناً للمركب؛ كأركان البيت في
المحسوسات، والإيجاب والقبول في ((باب البيع)) في المشروعات، وكل ما يُعْتَبَر(٧) الشيء به،
ولا ينطلق عليه اسم ذلك الشيء ــ كان شرطاً، كالشهود في باب النكاح، فهذا تعريف الركن
والشرط بالتحديد، وأما تعريفهما بالعلامة في هذا الباب: فهو أن كل ما يدوم من ابتداء الصلاة
إلى انتهائها - كان شرطاً، وما ينقضي ثم يوجد غيره فهو ركن، وقد وجد حد الركن وعلامته
في القيام؛ لأنه إذا وجد مع المعاني الأخر من القراءة والركوع والسجود - ينطلق عليها اسم
الصلاة، وكذا لا يدوم من أول الصلاة إلى آخرها، بل ينقضي ثم يوجد غيره - فكان ركناً وقال
الله - تعالى - ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمراد منه: القيام في الصلاة.
(١) في أ: ثم.
(٢) سقط في ب.
(٣) زاد في هامش ب: أركان الصلاة ستة.
(٤) في ب: في كل.
(٥) في ط: متركب.
(٦) في أ. ب: منها.
(٧) في ط: يتغيّر.

٥٠٢
كتاب الصلاة
ومنها: الركوع والسجود(١): لوجود حد الركن، وعلامته في كل واحد منهما وقال الله -
تعالى -: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧] والقدر المفروض من الركوع أصل
الانحناء والميل، ومن السجود [أصل](٢) الوضع. فأما الطمأنينة عليهما؛ فليست بفرض في
قول أبي حنيفة، ومحمد. وعند أبي يوسف فرض، وبه أخذ الشافعي، ولقّب المسألة: أن
تعديل الأركان ليس بفرض عندهما، وعنده فرض، ونذكر المسألة عند ذكر واجبات الصلاة،
وذكر(٣) سننها إن شاء الله تعالى.
واختلف في محل إقامة فرض السجود، قال أصحابنا الثلاثة: هو بعض الوجه. وقال
زفر، والشافعي: السجود فرض على الأعضاء السبعة، الوجه، واليدين، والركبتين، والقدمين.
واحتجًّا بما رِوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنَّهُ قَالَ: (أُمِزْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ))(٤) وفي
رواية: ((عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ: الَّوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ)).
ولنا: أن الأمر تعلَّق بالسجود مطلقاً مِنْ غير تعيين عضو؛ ثم انعقد الإجماع على تعيين
بعض الوجه - فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد؛ فنحمله على
بيان السنة عملاً بالدليلين ثم اختلف أصحابنا الثلاثة في ذلك البعض ..
قال أبو حنيفة - رحمه الله -: هو الجبهة أو الأنف غير عين، حتى لو وضع أحدهما في
(١) في ط: ومنها السجود.
(٢) سقط في ب.
(٣) في أ: أو ذكر.
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٧/٢): كتاب الأذان: باب السجود على الأنف، الحديث (٨١٢)، و(٢٩٩/٢)
كتاب الأذان: باب لا يكف شعراً، الحديث (٨١٥) و(٨١٦)، ومسلم (٣٥٤/١): كتاب الصلاة: باب
أعضاء السجود، الحديث (٢٣٠)، وأبو داود (٢٩٨/١): كتاب الصلاة: باب أعضاء السجود (٨٨٩)،
والنسائي (٢٠٨/٢): كتاب الافتتاح: باب على كم يسجد، والترمذي (٢/ ٦٢): كتاب الصلاة: باب ما
جاء في السجود على سبعة أعضاء، وابن ماجه (١/ ٣٣١): كتاب إقامة الصلاة: باب كف الشعر والثوب
في الصلاة (١٠٤٠)، والشافعي في ((الأم)) (١١٣/١)، والحميدي (٤٩٣)، وأحمد (٢٧٠/١)، والدارمي
(٣٠٢/١) كتاب الصلاة: باب السجود على سبعة أعضاء، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١/
٢٥٦)، والبيهقي (١٠٣/٢)، وعبد الرزاق (٢٩٧٠) وابن خزيمة (٦٣٢، ٦٣٣، ٦٣٤، ٦٣٦،٦٣٥)، وابن
حبان (١٩١٤-١٩١٥-١٩١٦)، وأبو يعلى (٢٧٧/٤)، رقم (٢٣٨٩)، والطبراني في ((الصغير)) (٣٦/١)،
وفي ((الكبير)» (٢٣/١١)، وأبو نعيم في («الحلية)) (٢٦٤/٦) من طرق عن ابن عباس: أن رسول الله اليه
قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف
القدمين، ولا نكف الثياب والشعر))، وله ألفاظ في ((الصحيحين)) وغيرهما.

٥٠٣
كتاب الصلاة
حالة الاختيار يجزيه، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة؛ ولو وضع الأنف
وحده يجوز مع الكراهة.
وعند أبي يوسف، ومحمد: هو الجبهة على التعيين، حتى لو ترك السجود عليها حال
الاختيار لا يجزيه، وأجمعوا على أنه: لو وضع الأنف وحده في حال العذر - يجزيه؛ ولا
خلاف في أن المستحب هو الجمع بينهما حالة الاختيار.
احتجًّا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَكِنْ جَبْهَتَكَ وَأَنْفَكَ مِنَ الأَرْضِ))(١) أمر
بوضعهما جميعاً، إلا أنه إذا وضع الجبهة وحدها وقع معتداً به؛ لأن الجبهة هي الأصل في
الباب، والأنف تابع؛ ولا/ عبرة لفوات التابع عند وجود الأصل، ولأنه أتى بالأكثر، وللأكثر ٥٢ب
حكم الكل.
ولأبي حنيفة: أن المأمور به هو السجود مطلقاً عن التعيين، ثم قام الدليل على تعيين
بعض الوجه بإجماع (٢) بيننا؛ لإجماعنا على أن ما سوى الوجه، وما سوى هذين العضوين من
الوجه - غير مراد، والأنف بعض الوجه، كالجبهة، ولا إجماع على تعيين الجبهة؛ فلا يجوز
تعيينها. وتقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد [لا يجوز](٣)، لأنه لا يصلح ناسخاً للكتاب؛
فنحمله على بيان السنة احترازاً عن الرد. والله أعلم.
هذا إذا كان قادراً على ذلك، فأما إذا كان عاجزاً عنه: فإن كان عجزه عنه بسبب
المرض؛ بأن كان مريضاً لا يقدر على القيام والركوع والسجود - يسقط عنه؛ لأن العاجز عن
الفعل لا يكلف به، وكذا إذا خاف زيادة العلّة من ذلك؛ لأنه يتضرّر به، وفيه أيضاً حرج، فإذا
عجز عن القيام يصلي قاعداً بركوع وسجود، فإن عجز عن الركوع والسجود يصلي قاعداً
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٣/١)، كتاب: الصلاة باب: افتتاح الصلاة، حديث (٧٣٣-٧٣٤-٧٣٥) وباب: من
ذكر التورك في الرابعة، حديث (٩٦٦-٩٦٧) والترمذي (٥٩/٢)، أبواب الصلاة، باب: ما جاء في
السجود على الجبهة والأنف (٢٧٠)، وابن ماجه (٢٨٠/١)، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب:
رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، حديث (٨٦٣)، وابن خزيمة (٢٩٨/١) حديث (٥٨٩)،
و(٣٠٨/١) حديث (٦٠٨)، و(٣٢٢/١) حديث (٦٣٧)، و(٣٢٣/١) حديث (٦٤٠)، و(٣٤٣/١)
حديث (٦٨٩)، والدارمي (٢٩٩/١): كتاب الصلاة، باب: التجافي في الركوع من طريق عباس بن
سهل عن أبي حميد الساعدي فذكره.
وأخرجه البخاري (٣٥٥/٢): كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهّد، حديث (٨٢٨) من طريق
عمرو بن حَلْحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي فذكره.
(٢) في أ: لإجماع.
(٣) سقط في ب، ط.

٥٠٤
كتاب الصلاة
بالإيماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن القعود يستلقي ويومى إيماءً؛ لأن
السقوط لمكان العذر؛ فيتقدّر بقدر العذر، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله قياماً وقعوداً
وعلى جنوبكم﴾ [النساء: ١٠٣] قيل: المراد من الذكر المأمور به في الآية: هو الصلاة، أي:
صلوا، ونزلت الآية في رخصة صلاة المريض؛ أنه يصلي قائماً إن استطاع، وإلا فقاعداً، وإلا
فمضطجعاً؛ كذا روي عن ابن مسعود، وابن عمر، وجابر رضي الله عنهم.
وروي عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: ((مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللهِّ
فَقَالَ: ((صَلِّ قَائِمً))(١) فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك تومىء إيماءُ، وإنما
جعل السجود أخفض من الركوع في الإيماء؛ لأن الإيماء أقيم مقام الركوع والسجود،
وأحدهما أخفض من الآخر؛ كذا الإيماء بهما.
وعن علي - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّ قال في صلاة المريض: ((إن لم يستطع أن
يسجدا أومأ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه))(٢).
وروي عن النَّبِيِّ نَّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ، فَلْيَجْعَلْ سُجُودَهُ رُكُوعا)(٣)
وركوعه إيماء، والركوع أخفض من الإيماء. ثم ما ذكرنا من الصلاة مستلقياً جواب المشهور
من الروايات.
وروي: أنه إن عجز عن القعود يصلي على شقه الأيمن ووجهه إلى القبلة، وهو مذهب
إبراهيم النخعي؛ وبه أخذ الشافعي.
وجه هذا القول: قوله تعالى: ﴿وعلى جنوبكم﴾ [النساء: ١٠٣] وقوله ◌َّ ر لعمران بن
حصين: ((فعلى جنبك تومىء إيماء))، ولأن استقبال القبلة شرط جواز الصلاة، وذلك يحصل
بما قلنا، ولهذا يوضع في اللحد هكذا؛ ليكون مستقبلاً القبلة، فأما المستلقي يكون مستقبل
السماء، وإنما يستقبل القبلة رجلاه فقط.
ولنا: ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي ◌َّ أنه قال في المريض(٤):
((إن لم يستطع قاعداً فعلى القفا؛ يومىء إيماء، فإن لم يستطع فالله أولى بقبول العذر)).
ولأن التوجّه إلى القبلة بالقدر الممكن فرض، وذلك في الاستلقاء؛ لأن الإيماء هو
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) في أ: المرض.

٥٠٥
كتاب الصلاة
تحريك الرأس، فإذا صلى مستلقياً يقع إيماؤه إلى القبلة. وإذا صلّى على الجنب يقع منحرفاً
عنها، ولا يجوز الانحراف عن القبلة من غير ضرورة؛ وبه تبيّن أن الأخذ بحديث ابن عمر
أولی .
وقيل: إن المرض الذي كان بعمران كان باسوراً (١)؛ فكان لا يستطيع أن يستلقي على
قفاه، والمراد من الآية: الاضطجاع. يقال: فلان وضع جنبه: إذا نام وإن كان مستلقياً، وهو
الجواب عن التعلّق بالحديث. على أن الآية والحديث دليلنا؛ لأن كل مستلق فهو مستلق على
الجنب؛ لأن الظهر متركّب من الضلوع؛ فكان له النصف من الجنبين جميعاً. وعلى ما يقوله
الشافعي يكون على جنب واحد؛ فكان ما قلناه أقرب إلى معنى الآية والحديث؛ فكان أولى؛
وهذا بخلاف الوضع في اللحد؛ لأنه ليس على الميت في اللحد فعل يوجب توجيهه إلى القبلة
ليوضع مستلقياً؛ فكان استقبال القبلة في الوضع على الجنب فوضع كذلك، ولو قدّر على
القعود؛ لكن نزع(٢) الماء من عينيه، فأمر أن يستلقي أياماً على ظهره ونهى عن القعود
والسجود - أجزأه أن يستلقي ويصلي بالإيماء وقال مالك: لا يجزئه.
واحتج بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن طبيباً قال له بعدما كف بصره: لو
صبرت أياماً مستلقياً صحّت عيناك، فشاور عائشة وجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - فلم
يرخصوا له في ذلك، وقالوا له: أرأيت لو متّ في هذه الأيام، كيف تصنع بصلاتك؟(٣).
(١) تقدم ضمن الحديث أنه كان به باسوراً.
(٢) في أ: لكنه بزغ.
(٣) أخرجه الطريق البيهقي (٣٠٩/٢) كتاب الصلاة: باب من وقع الماء في عينيه الماء.
وقال البيهقي: وعن سفيان عن الأعمش عن المسيب بن رافع أن ابن عباس قال: أرأيت إن كان الأجل
قبل ذلك.
وأخرجه من هذا الطريق الحاكم (٥٤٥/٣-٥٤٦) عن المسيب بن رافع قال: لما كف بصر ابن عباس أتاه
رجل فقال له إنك إن صبرت لي سبعاً لم تصل إلا مستلقياً تومىء إيماء داويتك فبرأت إن شاء الله تعالى
فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب محمد بي لر كل يقول أرأيت إن مت في هذا السبع
كيف تصنع بالصلاة فترك عينه ولم يداوها.
وسكت عنه الحاكم والذهبي.
قال ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (١٤٦/١): وبذلك ظهر رد ما رده النووي على الغزالي حيث
قال: ما ذكره من استفتاء أبي هريرة لا أصل له.
وأخرجه البيهقي (٣٠٩/٢) من طريق أبي داود الطيالسي عن شريك عن سماك عن عكرمة أن ابن عباس
لما سقط في عينيه الماء أراد أن يخرجه من عينيه فقيل له: إنك تستلقي سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقياً
قال: فكره ذلك وقال: إنه بلغني أنه من ترك الصلاة وهو يستطيع أن يصلي لقي الله وهو عليه غضبان.

٥٠٦
كتاب الصلاة
ولنا: أن حرمة الأعضاء كحرمة النفس؛ ولو خاف على نفسه من عدو أو سبع لو قعد -
جاز له أن يصلي بالاستلقاء؛ فكذا إذا خاف على عينيه. وتأويل حديث ابن عباس - رضي الله
١٥٣ عنهما - أنه لم يظهر لهم صدق ذلك الطبيب فيما / يدعي. ثم إذا صلّى المريض قاعداً بركوع
وسجود أو بإيماء كيف يقعد؟ أما في حال التشهّد: فإنه يجلس كما يجلس للتشهّد بالإجماع.
وأما في حال القراءة، وفي حال الركوع: روي عن أبي حنيفة: أنه يقعد كيف شاء من غير
كراهة، إن شاء محتبياً، وإن شاء متربّعاً وإن شاء على ركبتيه، كما في التشهد.
وروي عن أبي يوسف: أنه إذا افتتح تربّع، فإذا أراد أن يركع فرش رجله اليسرى وجلس
عليها. وروي عنه: أنه يتربّع على حاله، وإنما ينقض ذلك إذا أراد السجدة. وقال زفر: يفترش
رجله اليسرى في جميع صلاته، والصحيح: ما روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - لأن عذر (١)
المرض أسقط عنه الأركان (٢): فلأن يسقط [عنه](٣) الهيئات أولى وإن كان [قادراً على القيام
دون الركوع والسجود](٤) يصلي قاعداً بالإيماء، وإن صلى قائماً بالإيماء أجزأه، ولا يستحب
له ذلك. وقال زفر، والشافعي: لا يجزئه(٥) إلا أن يصلي قائماً.
واحتجا بما روينا عن النبي ◌ّ# أنه قال لعمران بن حصين - رضي الله عنه - فإن لم
تستطع فقاعداً؛ علّق الجواز قاعداً بشرط العجز عن القيام، ولا عَجْزَ ولأن القيام ركن؛ فلا
يجوز تركه مع القدرة عليه، كما لو كان قادراً على القيام والركوع والسجود. والإيماء حالة
القيام مشروع في الجملة؛ بأن كان الرجل في طين وردغة راجلاً، أو في حَالٍ (٦) الخوف من
العدو وهو راجلٌ؛ فإنه يصلي قائماً بالإيماء؛ كذا ههنا.
ولنا: أن الغالب أن من عجز عن الركوع [والسجود] (٧) كان عن القيام أعجز؛ لأن
الانتقال من القعود إلى القيام أشق من الانتقال من القيام إلى الركوع، والغالب ملحق بالمتيقّن
في الأحكام؛ فصار كأنه عجز عن الأمرين، إلا أنه متى صلى قائماً جاز؛ لأنه تكلّف فعلاً ليس
عليه (٨)؛ فصار كما لو تكلّف الركوع جاز، وإن لم يكن عليه كذا هاهنا، ولأن السجود أصل
(١) في أ، ب: عذراً.
(٢) في ب: الركن.
(٣) سقط في أ.
تكررت في هامش ب.
(٤)
في أ، ب: لا يجوز.
(٥)
(٦) في ط: حاله.
(٧) سقط في ب.
(٨) في ب: وقام وليس عليه.

٥٠٧
كتاب الصلاة
وسائر الأركان كالتابع له، ولهذا كان السجود معتبراً بدون القيام كما في سجدة التلاوة، وليس
القيام معتبراً بدون السجود، بل لم يشرع بدونه، فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة، ولهذا
سقط الركوع عمن سقط عنه (١) السجود، وإن كان قادراً على الركوع، وكان الركوع بمنزلة
التابع له؛ فكذا القيام، بل أولى؛ لأن الركوع أشد تعظيماً وإظهار لذلُ العبودية من القيام، ثم
لما جعل تابعاً له وسقط بسقوطه ــ فالقيام أولى، إلا أنه لو تكلّف وصلّى قائماً يجوز؛ لما ذكرنا
ولكن لا يستحب (٢)؛ لأن القيام بدون السجود غير مشروع؛ بخلاف ما إذا كان قادراً على
القيام والركوع والسجود؛ لأنه لم يسقط عنه الأصل؛ فكذا التابع.
وأما الحديث فنحن نقول بموجبه: إن العجز شرط، لكنه موجود هاهنا؛ نظراً إلى
الغالب؛ لما ذكرنا أن الغالب هو العجز في هذه الحالة، والقدرة في غاية الندرة، والنادر ملحق
بالعدم، ثم المريض إنما يفارق الصحيح فيما يعجز عنه.
فأما فيما يقدر عليه فهو كالصحيح؛ لأن المفارقة للعذر فتتقدر بقدر العذر، حتى لو
صلّى قبل وقتها، أو بغير وضوء، أو بغير قراءة عمداً أو خطأ، وهو يقدر عليها - لم يجزه.
وإن عجز عنها أومأ بغير قراءة؛ لأن القراءة ركن فتسقط بالعجز كالقيام.
ألا ترى أنها سقطت في حق [الأمي، وكذا](٣) إذا صلى لغير القبلة متعمداً لذلك ـــ لم
يجزه، وإن كان ذلك خطأ منه أجزأه؛ بأن اشتبهت عليه القبلة، وليس بحضرته من يسأله
[عنها] (٤) فتحرّى وصلّى ثم تبيّن أنه أخطأ، كما في حق الصحيح. وإن(٥) كان وجه المريض
إلى غير القبلة وهو لا يجد من يحول وجهه إلى القبلة، ولا يقدر على ذلك بنفسه - يصلي
كذلك؛ لأنه ليس في وسعه إلا ذلك، وهل يعيدها إذا برىء؟ روي عن محمد بن مقاتل
الرازي: أنه يعيدها. وأما في ظاهر الجواب: فلا إعادة عليه؛ لأن العجز عن تحصيل الشرائط
لا يكون فوق العجز عن تحصيل الأركان؛ وثمّة لا تجب الإعادة؛ فهاهنا أولى، ولو كان
بجبهته جرح لا يستطيع السجود على الجبهة - لم يجزه الإيماء، وعليه السجود على الأنف؛
لأن الأنف مسجد كالجبهة؛ خصوصاً عند الضرورة على ما مر، وهو قادر على السجود عليه؛
فلا يجزئه الإيماء.
(١) في أ: منه.
(٢) في ب: لا يستخلف.
(٣) في أ: الأدمي وعلى هذا.
(٤) سقط في أ.
(٥) في هامش ب: لو كان وجه المريض إلى غير القبلة وعدم تحوله إليها.

٥٠٨
كتاب الصلاة
ولو عجز (١) عن الإيماء - وهو تحريك الرأس - فلا شيء عليه عندنا. وقال زفر: يومىء
بالحاجبين أولاً، فإن عجز فبالعينين، فإن عجز فبقلبه. وقال الحسن بن زياد: يومىء بعينيه
وبحاجبيه، ولا يومىء بقلبه.
وجه قول زفر: أن الصلاة فرض [دائم](٢) لا يسقط إلا بالعجز، فما عجز عنه يسقط،
وما قدر عليه يلزمه بقدره. فإذا قدر بالحاجبين كان الإيماء بهما أولى؛ لأنهما أقرب إلى
الرأس(٣)، فإن عجز الآن يومىء بعينيه؛ لأنهما من الأعضاء الظاهرة، وجميع البدن ذو حظ من
هذه العبادة؛ فكذا العينان. فإن عجز فبالقلب؛ لأنه في الجملة ذو حظ من هذه العبادة وهو
النية .
ألا ترى أن النية شرط صحتها؛ فعند العجز تنتقل إليه .
وجه قول الحسن: أن أركان/ الصلاة تؤدي بالأعضاء الظاهرة. فأما الباطنة: (٤) فليس
بذي حظ من أركانها، بل هو ذو حظ من الشرط وهو النية، وهي قائمة - أيضاً - عند الإيماء؛
فلا يؤدي به الأركان والشرط جميعاً.
٥٣ب
ولنا: ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي ◌َّ قال في المريض: ((إن لم
يستطع قاعداً فعلى القفا، يومىء إيماءً، فإن لم يستطع [فالله أولى بقبول العذر]))(٥)(٦).
أخبر النبي وَل# أنه معذور عند الله - تعالى - في هذه الحالة؛ فلو كان عليه الإيماء بما
ذكرتم - لما كان معذوراً، ولأن الإيماء ليس بصلاة حقيقة، ولهذا لا يجوز التنفل به في حالة
الاختيار، ولو كان صلاة لجاز، كما لو تنفل قاعداً إلا أنه أقيم مقام الصلاة بالشرع، والشرع
ورد بالإيماء بالرأس؛ فلا يقام غيره مقامه ثم إذا سقطت عنه الصلاة بحكم العجز - فإن مات
من ذلك المرض لقي الله تعالى ولا شيء عليه؛ لأنه لم يدرك وقت القضاء. وأما إذا برأ(٧)
وصح - فإن كان المتروك صلاة يوم وليلة أو أقل - فعليه القضاء بالإجماع، وإن كان أكثر من
ذلك - فقال بعض مشايخنا: يلزمه القضاء - أيضاً - لأن ذلك لا يعجزه عن فهم الخطاب؛
فوجبت عليه الصلاة فيؤاخذ بقضائها؛ بخلاف الإغماء؛ لأنه يعجزه عن فهم الخطاب، فيمنع
الوجوب عليه .
(١) في هامش ب: عجز عن الإيماء بالرأس لا شيء عليه.
(٢) سقط في ب.
(٣) في أ: الأرش.
(٤) في ب: الباطن.
(٥) في أ: فالله أولى بالعذر، وفي ب: فإنه أولى بالعذر.
(٦) تقدم.
(٧) في هامش ب: برىء المريض وقدر على الاداء.

٥٠٩
كتاب الصلاة
والصحيح: أنه لا يلزمه القضاء؛ لأن الفوائت دخلت في حد التكرار، وقد فاتت لا
بتضييعه القدرة بقصده، فلو وجب عليه قضاؤها لوقع في الحرج؛ وبه تبيّن أن الحال لا يختلف
بين العلم والجهل؛ لأن معنى الحرج لا يختلف، ولهذا سقطت عن الحائض، وإن لم يكن
الحيض يعجزها عن فهم الخطاب؛ وعلى هذا إذا أغمي (١) عليه يوماً وليلة أو أقل ثم أفاق
قضى ما فاته، وإن كان أكثر من يوم وليلة لا قضاء عليه عندنا استحساناً.
قال بشر: الإغماء ليس بمسقط حتى يلزمه القضاء، وإن طالت مدة الإغماء وقال
الشافعي: الإغماء يسقط إذا استوعب وقت صلاة كامل، وتذكّر هذه المسائل في موضع آخر،
عند [بيان](٢) ما يقضي من الصلاة التي فاتت عن وقتها، وما لا يقضي منها إن شاء الله تعالى.
ولو شرع(٣) في الصلاة قاعداً وهو مريض؛ ثم صحّ وقدر على القيام - فإن كان شروعه
بركوع وسجود يتم(٤) في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف استحساناً.
وعند محمد: يستقبل قياساً؛ بناء على أن عند محمد القائم لا يقتدي بالقاعد، فكذا لا
يبني أول صلاته على آخرها في حق نفسه. وعندهما: يجوز الاقتداء فيجوز البناء، والمسألة
تأتي في موضعها. وإن كان شروعه بالإيماء يستقبل عند علمائنا الثلاثة. وعند زفر: يبني؛ لأن
من أصله أنه يجوز اقتداء الراكع الساجد بالمومىء؛ فيجوز البناء، وعندنا لا يجوز الاقتداء فلا
يجوز البناء على ما يذكر.
وأما الصحيح إذا شرع في الصلاة ثم عرض له مرض - بنى على صلاته على حسب
إمكانه، قاعداً أو مستلقياً في ظاهر الرواية.
وروي عن أبي حنيفة: أنه إذا صار إلى الإيماء يستقبل؛ لأنهما فرضان مختلفان فعلاً،
فلا يجوز أداؤهما بتحريمه واحدة كالظهر مع العصر.
والصحيح: ظاهر الرواية؛ لأن بناء آخر الصلاة على أول الصلاة، بمنزلة بناء صلاة
المقتدي على صلاة الإمام، وثمة يجوز اقتداء المومىء بالصحيح؛ لما ذكر، فيجوز البناء
هاهنا، ولأنه لو بنى لصار مؤدياً بعض الصلاة كاملاً، وبعضها ناقصاً، ولو استقبل لأدّى الكل
ناقصاً، ولا شك أن الأول أولى.
(١) في هامش ب: وأغمي عليه يوم وليلة ثم أفاق.
(٢) سقط في ب.
(٣) في هامش ب: شرع في الصلاة وهو مريض ثم صح.
(٤) في ط : بنى.

٥١٠
كتاب الصلاة
ولو رفع(١) إلى وجه المريض وسادة أو شيء، فسجد عليه من غير أن يومىء - لم يجز
لأن الفرض في حقه الإيماء، ولم يوجد، ويكره أن يفعل هذا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النّبِيَّ وََّ دَخَلَ
عَلَى مَرِيضِ يَعُودُهُ فَوَجَدَهُ يُصَلِّ كَذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنْ قَدَّرْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الأَرْضِ فَأَسْجُدْ؛ وَإِلاَّ
فَأَوْمٍ بِرَأْسِكَ)(٢).
وروي أن عبد الله بن مسعود دخل على أخيه يعوده، فوجده يصلي ويرفع إليه عود
فيسجد عليه، فنزع ذلك من يد من كان في يده، وقال: هذا شيء عرض لكم الشيطان، أوم
لسجودك(٣)؟
وروي أن ابن عمر رأى ذلك من مريض فقال: أتتخذون مع الله آلهة(٤) [أخرى](٥) فإن
فعل ذلك ينظر إن كان يخفض رأسه للركوع شيئاً ثم للسجود، ثم يلزق بجبينه - يجوز لوجود
الإيماء، لا للسجود على ذلك الشيء، فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض، وكان يسجد
عليها - جازت صلاته؛ لما روي أن أم سلمة كانت تسجد على مرفقة موضوعة بين يديها؛ لرمد
بها، ولم يمنعها رسول الله وَلتر .
وكذلك الصحيح(٦) إذا كان على الراحلة وهو خارج المصر، وبه عذر مانع من النزول .
عن الدابة، من خوف العدو أو السبع، أو كان في طين أو (٧) ردغة - يصلي الفرض على الدابة،
قاعداً بالإيماء من غير ركوع وسجود؛ لأن عند اعتراض هذه الأعذار عجز عن(٨) تحصيل هذه
الأركان من القيام والركوع والسجود - فصار كما لو عجز بسبب المرض، ويومىء إيماء؛ لما
١٥٤ روي/ عن جابر - رضي الله عنه - ((أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ كَانَ يُومِىءُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ
(١) في هامش ب: رفع إلى وجه المريض وسادة.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٦٩/١٢-٢٧٠ (١٣٠٨٢) عن ابن عمر وذكره الهيثمي في المجمع ١٤٨/٢
وقال: فيه حفص بن سليمان المنقري وهو متروك، واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه والصحيح أنه
ضعفه .
وذكره الهيثمي أيضاً في حديث جابر وعزاه للبزار وأبي يعلى بنحوه ورجال البزار رجال الصحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٦/١).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٥/١).
.
(٥) سقط في ب.
(٦) في هامش ب: صلاة المريض الصحيح على الراحلة لغرض العذر.
(٧) في ب: و.
(٨) في ط: في حديث.

٥١١
كتاب الصلاة
أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعَ)) (١)؛ لما ذكرنا.
ولا تجوز (٢) الصلاة على الدابة بجماعة، سواء تقدمهم الإمام أو توسطهم في ظاهر
الرواية .
وروي عن محمد أنه قال: استحسن أن يجوز اقتداؤهم بالإمام، إذا كانت دوابهم بالقرب
من دابة الإمام، على وجه لا يكون بينهم وبين الإمام فرجة، إلا بقدر الصف بالقياس على
الصلاة على الأرض.
والصحيح: جواب ظاهر الرواية؛ لأن اتحاد المكان من شرائط جواز(٣) الاقتداء؛ ليثبت
اتحاد الصلاتين تقديراً بواسطة اتحاد المكان، وهذا ممكن على الأرض؛ لأن المسجد جعل
كمكان واحدٍ شرعاً؛ وكذا في الصحراء تجعل الفرج التي بين الصفوف مكان الصلاة؛ لأنها
تشغل بالركوع والسجود [أيضاً](٤) فصار(٥) المكان متحداً، ولا يمكن على الدابة؛ لأنهم
يصلون عليها بالإيماء من غير ركوع وسجود، فلم تكن الفرج التي بين الصفوف والدواب مكان
الصلاة، فلا يثبت اتحاد المكان تقديراً، ففات الشرط صحة الاقتداء فلم يصح، ولكن تجوز
صلاة الإمام؛ لأنه منفرد، حتى لو كانا على دابة واحدة في محمل واحدٍ، أو في شقي محمل
واحد، كل واحد منهما في شق على حدة، فاقتدى أحدهما بالآخر - جاز؛ لاتحاد المكان.
وتجوز الصلاة على أيِّ دَابَّةٍ كانَتْ، سواءٌ كانَتْ مأكولةَ اللَّخم أو غَيْرَ مأكولةِ اللحم، لَما
رُوِيَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى عَلَى حِمَارِهِ وَبَعِيرِهِ)(٦)
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٦/١)، كتاب: الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة، حديث (٩٢٦)، و(٣٩١/١)،
باب: التطوّع إلى الراحلة والوتر، حديث (١٢٢٧)، وأخرجه الترمذي (١٨٢/٢) أبواب الصلاة، باب:
ما جاء في الصلاة على الدابة (٣٥١).
والنسائي (٦/٣)، كتاب: السهو، باب: رد السلام بالإشارة في الصلاة، وابن ماجه (٣٢٥/١)، كتاب:
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: المصلي يسلم عليه كيف يردُّ، حديث (١٠١٨)، وأحمد في مسنده (٣/
٢٩٦-٣١٢_٣٣٢-٣٣٤_٣٥١-٣٦٣_٣٧٩_٣٨٨٣٨٠).
وابن خزيمة (٤٩/٢) حديث (٨٨٩)، (٢٥٣/٢) حديث (١٢٧٠)، من طريق أبي الزبير عن جابر فذكره.
(٢) في هامش ب: لا تجوز الصلاة على الدابة بجماعة.
(٣) في ط: صحة.
(٤) سقط في ب.
(٥) في أ: كان.
(٦) روي عن ابن عمر بلفظ ((رأيت رسول الله ( لتر على حمار وهو موجه إلى خيبر)).
أخرجه مسلم (٤٨٧/١)، في صلاة المسافرين، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة (٣٥/ ٧٠٠)،
وأخرجه أبو داود (٩/٢) في الصلاة، باب؛ التطوع على الراحلة والوتر (١٢٢٦)، ومالك في الموطأ
(١٥٠-١٥١) في قصر الصلاة، باب: الصلاة (٢٥).
=

٥١٢
كتاب الصلاة
ولو كان(١) على سرجه قذر جازت صلاته؛ كذا ذكر في الأصل.
وعن أبي حفص البخاري، ومحمد بن مقاتل الرازي: أنه إذا كانت النجاسة في موضع
الجلوس؛ أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم - لا تجوز اعتباراً بالصلاة على الأرض،
وَأَوَّلاَ العذر المذكور في الأصل بالعرف. وعند عامة مشايخنا: تجوز كما ذكر في الأصل
لتعليل محمد، وهو قوله: والدابة أشد من ذلك وهو يحتمل معنيين:
أحدهما: أن ما في بطنها من النجاسات أكثر من هذا، ثم إذا لم يمنع الجواز، فهذا
أولى .
والثاني: أنه لما سقط اعتبار الأركان [الأصلية] (٢) بالصلاة عليها من القيام والركوع
والسجود، مع أن الأركان أقوى من الشرائط - فلأن يسقط شرط طهارة المكان أولى، ولأن
طهارة المكان إنما تشترط لأداء الأركان عليه؛ وهو لا يؤدي على موضع سرجه وركابيه هاهنا
ركناً ليشترط طهارتها، إنما الذي يوجد منه الإيماء وهو إشارة في الهواء. فلا يشترط له طهارة
موضع السرج والركابين، وتجوز الصلاة (٣) على الدابة لخوف العدو كَيْفَمَا كانت الدابة واقفة أو
سائرة؛ لأنه يحتاج إلى السير. فأما لعذر الطين والردغة: فلا يجوز إذا كانت الدابة سائرة؛ لأن
السير مناف للصلاة في الأصل، فلا يسقط اعتباره إلا لضرورة ولم توجد. ولو استطاع النزول،
ولم يقدر [على القعود للطين والردغة - ينزل ويومىء قائماً على الأرض، وإن قدر على
القعود] (٤)، ولم يقدر على السجود - ينزل ويصلي قاعداً بالإيماء؛ لأن السقوط بقدر الضرورة.
والله الموفق.
وعلى هذا يخرج الصلاة في السفينة إذا صلّى فيها قاعداً بركوع وسجود؛ أنه يجوز إذ
كان عاجزاً عن القيام والسفينة جارية، ولو قام يدور رأسه.
وجملة الكلام في الصلاة(٥) في السفينة: أن السفينة(٦) لا تخلو إما أن كانت واقفة أو
(١) في هامش ب: ولو كان على سرجه قذر.
(٢) سقط في ب.
(٣) في هامش ب: الصلاة على الدابة لخوف العدو تجوز.
(٤) سقط في أ.
(٥) في هامش ب: الصلاة في السفينة.
(٦) مذهب الشافعية: لو حان وقت الصلاة وهم في بحر وأراد من بالسفينة أن يصلوا جماعة ليحوزوا فضيلتها
جاز لهم ذلك إذ كل مكان تصح فيه الصلاة تصح فيه الجماعة ... فلو كان الإمام في سفينة والمأموم في
أخرى فلا يخلو حالهما من ثلاثة أحوال .. إما أن تكونا مكشوفتين أو مسقوفتين أو إحداهما مكشوفة،
والأخرى مسقوفة .
=

٥١٣
كتاب الصلاة
سائرة، فإن كانت واقفة في الماء، أو كانت مستقرَّةً على الأرض - جازت الصلاة فيها، وإن
٤
أمكنه الخروج منها؛ لأنها إذا استقرت كان حكمها حكم الأرض، ولا تجوز إلا قائماً بركوع
وسجود متوجهاً إلى القبلة؛ لأنه قادر على تحصيل الأركان والشرائط، وإن كانت مربوطة غير
مستقرة على الأرض - فإن أمكنه الخروج منها لا تجوز الصلاة فيها قاعداً؛ لأنها إذا لم تكن
مستقرة على الأرض فهي بمنزلة الدابة، ولا يجوز أداء الفرض على الدابة مع إمكان النزول؛
كذا هذا. وإن كانت سائرة فإن أمكنه الخروج إلى الشط يستحب له الخروج إليه؛ لأنه يخاف
دوران الرأس في السفينة، فيحتاج إلى القعود، وهو آمن عن الدوران في الشط، فإن لم
يخرج، وصلى فيها قائماً بركوع وسجود - أجزأه؛ لما روي عن ابن سرين؛ أنه قال: صلّى بنا
أنس - رضي الله عنه -: في السفينة قعوداً. لو شئنا لخرجنا إلى الحد ولأن السفينة بمنزلة
الأرض، لأن سيرها غير مضاف إليه؛ فلا يكون منافياً للصلاة؛ بخلاف الدابة؛ فإن سيرها
مضاف إليه وإذا دارت السفينة وهو يصلي يتوجه إلى القبلة حيث دارت؛ لأنه قادر على تحصيل
هذا الشرط من غير تعذّر - فيجب عليه تحصيله؛ بخلاف الدابة؛ فإن هناك لا إمكان.
وأما إذا صلّى(١) فيها قاعداً بركوع وسجود: فإن كان عاجزاً عن القيام؛ بأن كان يعلم أنه
يدور رأسه لو قام، وعن الخروج إلى الشط أيضاً - يجزئه بالاتفاق؛ لأن أركان الصلاة تسقط
بعذر العجز.
الحالة الأولى: إذا كانتا مكشوفتين فيصح الاقتداء بشرط أن لا يزيد بينهما على ثلثمائة ذراع تقريباً
=
كالصحراء وإن لم تشدّ إحداهما بالأخرى على الصحيح. وتكون السفينتين كدكتين في الصحراء يقف
الإمام على إحداهما والمأموم على الأخرى. ويكون الماء .. كالأرض ....
الحالة الثانية: إذا كانتا مسقوفتين فاقتداء أحدهما بالآخر في بيتين فيشترط قرب المسافة وعدم الحائل
ووجود الواقف بالمنفذ إن كان بينهما منفذ.
الحالة الثالثة: إذا كانت إحداهما مسقوفة والأخرى مكشوفة فحكمها حكم الحالة الثانية فيشترط قرب
المسافة وعدم الحائل ووجود الواقف بالمنفذ إن كان. ولو كان الإمام والمأموم في سفينة واحدة صح
الاقتداء بشرط أن لا يزيد ما بينهما على ثلثمائة ذراع كما في الصحراء ... وإن كان بها طبقتين عليا
وسفلى فإن صليا معاً بإحدى الطبقتين صح الاقتداء .. وإن كان بعض المأمومين بالطبقة العليا وبعضهم
بالسفلى والأمام واحد شرط أن يكون بين الطبقتين منفذ ليرى بعضهم بعضاً ويعلم بعضهم بصلاة بعض ..
وإن لم يكن هناك منفذ صحت صلاة من بطبقة الإمام دون غيرهم.
وحكم المدرسة والرباط وإلحاق حكم الدار لأنها لم تبن للصلاة بخلاف المسجد .. والصرادقات في
الصحراء كسفينة مكشوفة والخيام كالبيوت .. وإذا كان الامام في سفينة والمأموم على الشط أو بالعكس
صحت القدوة بشرط علم المأموم بصلاة الإمام وكذا لو كان الامام بأحد جانبي النهر والمأموم بالجانب
الآخر .. ولا يضر تخلل النهر بينهما. ينظر: نص كلام شيخنا حسن العدل شلبي في الجماعة.
(١) في هامش ب: لو كان قادراً على القعود ركوعاً وسجوداً.
بدائع الصنائع ج١ - م٣٣

٥١٤
كتاب الصلاة
وإن كان قادراً على القعود بركوع وسجود فصلى بالإيماء - لا يجزئه بالاتفاق؛ لأنه لا عذر.
٤ ٥ب
وأما إذا/ كان قادراً على القيام؛ أو على الخروج إلى الشط فصلّى قاعداً بركوع وسجود -
أجزأه في قول أبي حنيفة، وقد أساء. وعند أبي يوسف، ومحمد: لا يجزئه.
واحتجًّا بقول النبي ◌َِّ: (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً))، وهذا مستطيعٌ للقيام.
وروي: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَمَّا بَعَثَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(١) - رضي الله عنه - إِلَى الحَبَشَةِ
أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ قَائِماً، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ الغَرَقَ(٢)، ولأن القيام ركْنٌ في الصلاة، فلا
يسقط إلا بعذرٍ، ولم يوجد.
(١) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي أبو عبد الله الطيار أحد السابقين، هاجر الهجرتين، له
أحاديث استشهد في غزوة موته سنة ثمان ووجد فيما أقبل من جسده بضعٌ وتسعون ما بين رميه وطعنه
رضي الله عنه، عن إحدى وأربعين أو ثلاث وثلاثين سنة. ينظر: الخلاصة ١٦٨/١.
(٢) أخرجه بهذا الإسناد البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٥٥/٣) كتاب الصلاة: باب القيام في الفريضة وإن كان
في السفينة مع القدرة، عن أبي عبد الله الحاكم وهو في ((المستدرك)) (٢٧٥/١).
وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه وهو شاذ بمرة ووافقه الذهبي.
وأخرجه الدارقطني (٣٩٤/١) كتاب الصلاة باب صفة الصلاة في السفر حديث (٣) ومن طريقه ابن
الجوزي في «العلل المتناهية)) (٤١٣/١) رقم (٦٩٨) من طريق الحسين بن علوان قال: نا جعفر بن برقان
عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: لما بعث النبي ◌َّ جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة قال: يا
رسول الله كيف أصلي في السفينة؟ قال: صل قائماً إلا أن تخاف الغرق.
وقال الدارقطني : حسين بن علوان متروك.
وقال ابن الجوزي: قال أبو حاتم الرازي والدارقطني: حسين بن علوان متروك وقال يحيى كذاب، وقال
ابن عدي: يضع الحديث.
والحديث من هذا الطريق ذكره الغساني في ((تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني)) (ص ١٦٧)
رقم (٣١٥).
وأخرجه الدارقطني (٣٩٥/١) كتاب الصلاة باب صفة الصلاة في السفر حديث (٤) ومن طريقه ابن
الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٤١٣/١) رقم (٦٩٩) من طريق بشر بن فافاه قال: أنا أبو نعيم قال: نا
جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن ابن عمر به.
وقال ابن الجوزي: بشر لا يعرف.
قلت: قد عرفه الدارقطني وضعفه وذكره الذهبي في ((الميزان)) (٣٦/٢ - بتحقيقنا) ونقل عن الدار قطني
تضعيفه وأورد له هذا الحديث في الميزان.
وقد تعقب هذا التضعيف شمس الحق آبادي في ((التعليق المغني)) (٣٩٥/١) فقال: لكن ما بين وجه
الضعيف فهو جرح مبهم.
والحديث ذكره الغساني في ((تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني)) (ص ١٦٧) رقم (٣١٦) وقال
بشر بن فافاه ضعيف.
=

٥١٥
كتاب الصلاة
ولأبي حنيفة: ما روينا من حديث أنس - رضي الله عنه - وذكر الحسن بن زياد في كتابه،
بإسناده عن سويد بن غفلة (١) أنه قال: سألت أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - عن الصلاة في
السفينة فقالا: إن كانت جارية يصلي قاعداً، وإن كانت راسيةً يصلي قائماً؛ من غير فصل بين
ما إذا قدر على القيام أو لا، ولأن سير السفينة سبب لدوران الرأس غالباً؛ والسبب يقوم مقام
المسبّب إذا كان في الوقوف على المسبّب حرج، أو كان المسبّب بحال يكون عدمه مع وجود
السبب في غاية الندرة، فألحقوا(٢) النادر بالعدم، ولهذا أقام أبو حنيفة المباشرة الفاحشة مقام
خروج المذي؛ لما أن عدم الخروج عند ذلك نادر، ولا عبرة بالنادر، وهاهنا عدم دوران
الرأس في غاية الندرة؛ فسقط اعتباره [بالعدم] (٣) وصار كالراكب على الدابة (صلى] (٤) وهي
تسير؛ أنه يسقط القيام؛ لتعذّر القيام عليها غالباً؛ كذا هذا.
والحديث محمول على الندب دون الوجوب، فإن صلوا في السفينة بجماعةٍ جازت
صلاتهم، ولو اقتدى به رجل في سفينة أخرى: فإن كانت السفينتان مقرونتين جاز؛ لأنهما
بالاقتران صارتا كشيء واحد. ولو كانا في سفينة واحدة جاز؛ كذا هذا. وإن كانتا منفصلتين لم
وللحديث طريق آخر عند البزار فأخرجه في مسنده (٣٢٩/١ - كشف) رقم (٦٨٣) من طريق عبد الله بن
=
داود ثنا شيخ من ثقيف عن جعفر بن يرقان عن ميمون بن مهران عن ابن عمر عن جعفر بن أبي طالب أن
النبي ◌َّة أمره أن يصلي في السفينة قائماً ما لم يخشَ الغرق.
وقال البزار: لا نعلمه عن النبي ◌َ ﴿ متصلاً من وجه من الوجوه إلا هذا ولا له إلا هذا الإسناد ولا نعلم
من سمّي هذا الثقفي وذكر بعض أصحابنا هذا الحديث عن عمر بن عبد الغفار عن جعفر بن برقان عن
ميمون بن مهران عن ابن عباس أن النبي بَلّ قال لجعفر: وأحسب أنه غلط وإنما هو عندي عن ابن عمر
أ.هـ.
والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٦٦/٢) وقال: رواه البزار وفيه رجل لم يسم وبقية رجاله
ثقات وإسناده متصل.
تنبيه: ذكر هذا الحديث ابن تيمية في ((المنتقى)) (٢٢٦/٣ - نيل) رواه الدارقطني وأبو عبد الله الحاكم على
شرط الشيخين .
قلت: وفيه نظر: فأما طريق الحاكم ففيه جعفر بن برقان وليس من رجال البخاري أما طريق الدارقطني
ففيه بشر بن فافاه وقد ضعفه الدارقطني كما تقدم.
(١) سويد بن غفلة بفتح المعجمة والفاء واللام الجعفي أبو أمية الكوفي. قدم المدينة حين نفضت الأيدي من
دفنه وَ له. وشهد اليرموك. عن أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وعنه النخعي والشعبي وعبده بن أبي لبابة،
و وثقه یحیی بن معین.
قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين، وقيل بعدها بسنة عن مائة وثلاثين سنة. بنظر الخلاصة ١/ ٤٣٢.
(٢) في ب: يلحق.
(٣) سقط في ط .
(٤) سقط في ط .

٥١٦
كتاب الصلاة
يجز؛ لأن تخلل ما بينهما بمنزلة النهر، وذلك يمنع صحة الاقتداء. وإن كان الإمام في سفينة
والمقتدون على الحد والسفينة واقفة - فإن كان بينه وبينهم طريق أو مقدار نهر عظيم - لم يصح
اقتداؤهم به؛ لأن الطريق مثل هذا النهر يمنعان صحة الاقتداء؛ لما بينا في موضعه. ومن وقف
على سطح السفينة يقتدي بالإمام في السفينة - صح اقتداؤه، إلا أن يكون أمام الإمام؛ لأن
السفينة كالبيت، واقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح، إذا لم يكن أمام
الإمام، ولا يخفى عليه حاله؛ كذا لههنا.
ومنها: القراءة (١) عند عامة العلماء؛ لوجود حد الركن وعلامته، وهما ما بينا.
وقال الله - تعالى - ﴿فَاقرءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] والمراد منه: في حال
الصلاة، والكلام في القراءة في الأصل يقع في ثلاث مواضع.
أحدها: في بيان فرضية أصل القراءة.
والثاني: في بيان محل القراءة المفروضة.
والثالث: في بيان قدر القراءة.
أما الأول: فالقراءة فرض في الصلاة عند عامة العلماء. وعند أبي بكر الأصم،
وسفيان بن عيينة(٢): ليست بفرض؛ بناء على أن الصلاة عندهما اسم للأفعال لا للأذكار حتى
قالا: يصح الشروع في الصلاة من غير تكبير.
وجه قولهما: أن قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [المزمل: ٢٠] مجمل بينه النبي وَل
بفعله، ثم قال: ((صَلُوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)»، والمرئي هو الأفعال دون الأقوال؛ فكانت
الصلاة اسماً للأفعال، ولهذا تسقط الصلاة عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادراً على
الأذكار، ولو كان على القلب لا تسقط(٣)، وهو الأخرس.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فاقرءُوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠] ومطلق الأمر للوجوب،
(١) في هامش ب: الكلام في القراءة.
(٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمر بن الهلالي مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي أحد أئمة الإسلام، كان حديثه
نحو سبعة آلاف، وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك
وابن عيينة لذهب علم الحجاز. فأما سنة ثمان وتسعين ومائة، ومولده سنة سبع.
ينظر ترجمته في: الخلاصة: ٣٩٧/١ (٢٥٩٠).
(٣) في ط: يسقط.

٥١٧
كتاب الصلاة
وقول النبي ◌ََّ: ((لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِقِرَاءَةٍ»(١) وأما قوله ◌ََّ: ((صَلُوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)»،
[فالرؤية أضيفت إلى ذاته لا إلى الصلاة، فلا يقتضي كون الصلاة مرئية.
وفي كون الأعراض مرئية اختلافٌ بين أهل الكلام، مع اتفاقهم على أنها جائزة
الرؤية، والمذهب عند أهل الحق: أن](٢) كل موجود جائز الرؤية، يعرف ذلك في
مسائل الكلام.
على أنّا نجمع بين الدلائل، فنثبت فرضية الأقوال بما ذكرنا، وفرضية الأفعال بهذا
الحديث، وسقوط الصلاة عن العاجز عن الأفعال؛ لكون الأفعال أكثر من الأقوال، فمن عجز
عنها فقد عجز عن الأكثر، وللأكثر حكم الكل.
وكذا القراءة فرض في الصلوات كلها عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله
عنهم - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قَالَ: ((لاَ قِرَاءَةً في الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؛ لظاهر قول
النبيِ بَّ: ((صَلاَةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ))(٣) أي: ليس فيها قراءة؛ إذ الأعجم اسم لمن لا ينطق.
ولنا: ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة، وفي الباب نص خاص. وهو ما روي عن
(١) أخرجه مسلم (٢٦٧/٢) (أي) كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة (٤٢-٣٩٦).
(٢) وقع في ب: فنقول لم قلت إنه لا يتناول الأقوال؛ فإن من جوز من أهل الحق رؤية الأفعال جوزوا رؤية
الأقوال؟!
(٣) قال الزركشي في ((التذكرة)) (ص ٦٦-٦٧: قال النووي في ((شرح المهذب)) في الكلام على الجهر بالقراءة:
هو حديث باطل، لا أصل له .
قلت: قال الدارقطني: هذا لم يروِ عن النبي ◌َّرَ، وإنما هو من قول بعض الفقهاء.
حكاه الروياني في البحر، فقال: المراد به معظم الصلاة، ولهذا يجهر في الجمعة.
وذكره أبو عبيد في كتاب: ((فضائل القرآن)»، من قول أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وذكره ابن أبي
شيبة في مصنفه، عن يحيى بن أبي بكير: ((قالوا: يا رسول الله: إن قوماً يجهرون بالقراءة بالنهار، فقال
ارموهم بالبعر)»، وهو مرسل ورواه ابن شاهين مسنداً من حديث أبي هريرة م. هـ.
وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (ص - ٢٦٥-٢٦٦) وقال: قال النووي في الكلام على الجهر بالقراءة
من شرح المهذب: أنه باطل لا أصل له. وكذا قال الدارقطني لم يروٍ عن النبي ◌َّ، وإنما هو من قول
بعض الفقهاء، حكاه الروياني في البحر، وقال المراد به معظم الصلاة، ولهذا يجهر في الجمعة والعيد،
وذكره، غير أنه من كلام الحسن البصري، بل هو عند أبي عبيد في فضائل القرآن من قول أبي عبيدة بن
عبد الله بن مسعود، وكذا أخرجه عبد الرزاق من قوله، ومن قول مجاهد موقوفاً عليهما ولابن أبي شيبة
في مصنفه، عن يحيى بن أبي كثير؛ أنهم قالوا: يا رسول الله، إن هاهنا قوماً يجهرون بالقراءة بالنهار
فقال: ارموهم بالبعر، وهذا مرسل، وقد رواه ابن شاهين مسنداً عن أبي هريرة، ووثبت عن أبي قتادة
وخباب وأبي سعيد مرفوعاً، ما يدل على الإسرار بالقراءة في الظهر والعصر.

٥١٨
كتاب الصلاة
جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وأبي قتادة الأنصاريِّينِ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ («كَانَ يَقْرَأُ فِي
صَلاَةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي الرِّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتابِ وَسُورَةً، وفي الأُخْرِبَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
١٥٥ لاَ غَيْرُ))(٢) وما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - فقد صح رجوعه عنه، فإنه روي/ أن
رجلاً سأله وقال: أقرأ خلف إمامي؟ فقال: أما في صلاة الظهر والعصر فنعم.
وأما الحديث: فقد قال الحسن البصري معناه: لا تسمع فيها قراءة. ونحن نقول به،
وهذا إذا كان إماماً أو منفرداً. فأما المقتدي(٣): فلا قراءة عليه عندنا.
وعند الشافعي: يقرأ بفاتحة الكتاب في كل صلاة، يخافت فيها بالقراءة قولاً واحداً. وله
في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة قولان.
واحتج بما روي عن النبي ◌َّر أنه قال: ((لا صلاة إلا بقراءة)) (٤). ولا شك أن لكل واحد
صلاة على حدة، ولأن القراءة ركن في الصلاة فلا تسقط بالاقتداء كسائر الأركان.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف:
٢٠٤] أمر بالاستماع والإنصات، والاستماع وإن لم يكن ممكناً عند المخافتة بالقراءة -
فالإنصات ممكن، فيجب بظاهر النص.
(١) الحارث بن ربعي بن بلدمة بن وخناس بن عبيد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد .. وقيل اسمه:
النعمان وقيل: عمرو. أبو قتادة. الأنصاري. الخزرجي. السلمي. أمه: كبشة بنت مظهر بن حرام بن
سواد بن غنم.
قال ابن الأثير في الأسد:
اختلف في شهوده بدراً فقال بعضهم كان بدرياً ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق من البدريين وشهد
أحداً وما بعدها من المشاهد كلها .
توفي سنة (٥٤) بالمدينة. وقيل: توفي بالكوفة في خلافة علي وقيل توفي سنة (٤٠).
ينظر ترجمته في أسد الغابة (٢٥٠/٦)، الإصابة (١٥٥/٧)، تجريد أسماء الصحابة (١٩٤/٢)، بقي بن
مخلد (٢٢)، الاستيعاب (١٧٣١/٤)، تقريب التهذيب (٤٦٣/٢)، تهذيب التهذيب (٢٠٤/١٢)، تهذيب
الكمال (١٦٣٨/٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٥/٢): كتاب الأذان: باب القراءة في العصر، الحديث (٧٦١)، وأبو داود (١/
٥٠٤_٥٠٥) كتاب الصلاة: باب القراءة في الطهر، الحديث (٨٠١) وابن ماجه (١/ ٢٧٠) كتاب إقامة
الصلاة: باب القراءة في الظهر والعصر، الحديث (٨٢٦)، والبيهقي (١٩٣/٢): كتاب الصلاة: باب
الإسرار بالقراءة في الظهر والعصر.
(٣) في هامش ب: لا قراءة على المقتدي.
(٤) تقدم.

٥١٩
كتاب الصلاة
وعن أبي بن كعب(١) - رضي الله عنه - أنه لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف
الإمام، وإمامهم كان رسول الله وَّرَ فالظاهر أنه كان بأمره. وقال نَّهِ في حديث مَشْهُور: ((إِنَّمَا
جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَّمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))(٢) الحديثُ أمر
بالسكوت عند قراءة الإمام.
وأما الحديث: فعندنا: لا صلاة بدون قراءة أصلاً، وصلاة المقتدي ليست صلاة بدون
قراءة أصلاً، بل هي صلاة بقراءة، وهي قراءة الإمام، على أن قراءة الإمام قراءة للمقتدي؛ قال
النبي ◌ََّ: (مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»(٣)
(١) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار.
أبو المنذر، أبو الطفيل/ سيد القراء، سيد المسلمين، الأنصاري، النجاري، الخزرجي، المعاوي. أمه :
صهيلة بنت الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدراً والمشاهد. قال له
النبي ◌َّ: ((ليهنئك العلم يا أبا المنذر)) وقال له: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك)). وكان عمر رضي الله عنه
يسميه: سيد المسلمين. وهو أول من كتب للنبي ◌ّ ليل وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتبه فلان بن فلان.
روى عنه من الصحابة: عمر وكان يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات وأبو أيوب وعبادة بن
الصامت وسهل بن سعد وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسليمان بن صرد وغيرهم. مات سنة:
٢٢ في خلافة عمر، وقيل: بقي إلى خلافة عثمان. ينظر ترجمته في: أسد الغابة (ت٣٣)، الإصابة (١/
١٦)، الثقات (٥/٣)، تقريب التهذيب (٤٨/١)، تاريخ ابن معين (١٥٦٤)، سير أعلام النبلاء (٣٨٩/١).
(٢) تقدم.
(٣) ورد هذا الحديث عن جابر، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن مسعود، وأنس، وعلي بن أبي طالب، والشعبي مرسلاً.
أما حديث جابر:
أخرجه ابن ماجه (٢٧٧/١): كتاب الصلاة: باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، الحديث (٨٥٠)، والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٧/١): كتاب الصلاة: باب القراءة خلف الإمام، والدارقطني (٣٣١/١):
كتاب الصلاة: باب من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة (٢١)، وعبد بن حميد في ((المنتخب من
المسند)» (ص - ٣٢٠)، رقم (١٠٥٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٤/٨)، من طرق عن الحسن بن
صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير عنه به .
قال أبو نعيم: مشهور من حديث الحسن أ.هـ. وجابر الجعفي مجروح، وروي عن أبي حنيفة أنه قال:
ما رأیت أكذب من جابر.
والحديث من هذا الوجه ذكره الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (١٩٥/١): هذا إسناد ضعيف، جابر هو
ابن يزيد الجعفي متهم. أ.هـ.
وقد اختلف على الحسن في إسناده، فرواه عن جابر، عن أبي الزبير، عن جابر به، وهي الرواية السابقة،
ورواه عن جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم عن أبي الزبير عن جابر به.
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٧/١): كتاب الصلاة: باب القراءة خلف الإمام، والدارقطني
(٣٣١/١): كتاب الصلاة: باب من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة (٢٠)، والبيهقي (١٦٠/٢): كتاب =

٥٢٠
كتاب الصلاة
الصلاة: باب لا يقرأ خلف الإمام، وابن عدي في ((الكامل)) (٢١٠٧/٦)، من طريق الحسن بن صالح به
=
قال الدار قطني: جابر وليث ضعيفان.
وقال ابن عدي: هذا معروف بجابر الجعفي، ولكن الحسن بن صالح قرنه بالليث، والليث ضعفه أحمد،
والنسائي، وابن معين، والسعدي، ولكنه مع ضعفه يُكتب حديثه، فإن الثقات رووا عنه كشعبة والثوري
وغيرهما.
وقال البيهقي: جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم لا يحتج بهما، وكل من تابعهما على ذلك أضعف
منهما، أو من أحدهما، والمحفوظ عن جابر من قوله: ورواه الحسن عن أبى الزبير عن جابر به .
أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٧/١)، وأحمد (٣٣٩/٣)، وقد جنح البعض في تصحيح هذه الرواية كابن
التركماني، فقال في («الجوهر النقي)) (١٥٩/٢-١٦٠): في مصنف ابن أبي شيبة، ثنا مالك بن إسماعيل،
عن حسن بن صالح عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي وَّ، ((قال: كل من كان له إمام فقراءته له
قراءة))، وهذا سند صحيح، وكذا رواه أبو نعيم، عن الحسن بن صالح، عن أبي الزبير، ولم يذكر
الجعفي كذا في أطراف المزي، وتوفي أبو الزبير سنة ثمان وعشرين ومائة، ذكره الترمذي، وعمرو بن
علي، والحسن بن صالح ولد سنة مائة، وتوفي سنة سبع وستين ومائة، وسماعة من أبي الزبير ممكن،
ومذهب الجمهور إن أمكن لقاؤه لشخص، وروي عنه، فروايته محمولة على الإتصال فحمل على أن
الحسن سمعه من أبي الزبير مرة بلا واسطة، ومرة أخرى بواسطة الجعفي، وليث. أ. هـ.
وإن سلم لابن التركماني فهناك علة تمنع من تصحيح السند وهي عنعنة أبي الزبير فقد كان مدلساً .
لذلك ضعفه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢/ ١٠)، فقال: ولكن في إسناده ضعف.
تنبيه: ذكر ابن الجوزي في ((التحقيق)) (ص - ٣٢٠)، رقم (٥٢٧) هذا الطريق، وأخرجه من طريق
عبد الله بن أحمد، عن أبيه، ثنا أسود بن عامر، قال: حدثنا حسن بن صالح عن جابر الجعفي، عن أبي
الزبير، عن جابر به .
فالظاهر أن جابر الجعفي سقط من إسنادي ابن أبي شيبة، وأحمد، أو أن الحسن بن صالح اضطرب في
إسناده .
وللحديث طرق أخرى عن جابر:
الطريق الأول:
أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في (الآثار)) (١٦٨/١ - ١٧٥)، والدار قطني (٣٢٣/١): كتاب الصلاة:
باب من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة (١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٧/١): كتاب
الصلاة: باب القراءة خلف الإمام، والبيهقي (١٥٩/٢) من طريق أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة،
عن عبد الله بن شداد عن جابر مرفوعاً.
قال الدار قطني: لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة، والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان.
ثم أخرجه من طريقهما (٣٢٥/١) وقال: الحسن بن عمارة متروك الحديث.
وقال الدارقطني: وروي هذا الحديث سفيان الثوري، وشعبة وإسرائيل بن يونس، وشريك، وأبو خالد
الدالاني، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم، عن موسى بن أبي عائشة،
عن عبد الله بن شداد، مرسلاً عن النبي بَّر، وهو الصواب.
وقد جح هذا الإمام أبو حاتم الرازي، فقال ابنه في ((العلل)) (١٠٤/١-١٠٥)، رقم (٢٨٢): ذكر أبي =